المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في نص ( ذات يوم ) للشاعر " عبد الله البردوني " + نبذة !


همدان بن ناصر العليي
01-31-2008, 02:26 AM
مادة اللغة العربية ترافقني في دراستي هذه الأيام كمتطلب فقط .. فيها ندرس عدة نصوص مختلفة زمانياً و شكلياً و حتى في الهدف !
مر علينا نص من نصوص عملاق الشعر اليمني " عبد الله صالح البردوني " و عندما تم شرحها من قبل دكتور المادة وجدت القراءة غير مقنعة بالنسبة لي !! حتى أني وجدت إضاءة النص و القراءة له في الكتاب المقرر مشوهة .. حيث اهتم المؤلف بإطناب بالجانب السياسي ، و لم يحض الجانب الأدبي إلا بالقليل ..
أحببت أن أقرأ هذا النص الشعري البديع و الذي لو كان لشاعر غير يمني لمجدوه أهله و لعلقوا تلك الأبيات على بوابة قصر الرئاسة !!
أعلم أني سأظلم الشاعر عند قرائتي لنصة بذائقة طالب ، و بحق سأنصف و أعطي صفة التجاوز الموجودة بي جُل حقها .. عندما أسمح لنفسي قراءة نص من نصوص العملاق اليمني الشاعر ( عبدالله البردوني ) رحمة الله عليه !
رغم ذلك .. اجزم يقيناً أن من حق النصوص الجميلة علينا أن نذوب فيها و ننصهر ! كي نعيش لحظات قد تكون مشابهة للحظات من صنعها قدر الإستطاعة ، وليس كما شوهها مؤلف مقرر اللغة العربية الذي أدرسه .
قبيل كل شيء يجب أن اضع ومضات عن حياة هذا العملاق هنا و من ثم سأقرأ نص ( ذات يوم ) ..

البردوني عبد الله ولد سنة 1348 هـ في قرية البردون في اليمن من أبوين فلاحين ، أصيببالعمى بسبب الجدري في الخامسة من عمره ، وأسعفته الظروف بالدراسة في مدارس ( ذمار)عشر سنوات ثم انتقل إلى صنعاء حيث أكمل دراسته في دار العلوم ثم عُين استاذاًللآداب العربية في المدرسة ذاتها .


http://www.almotamar.net/photo/07-09-02-1269229875.jpg

له من الشعر ديوان ( من أرض بلقيس ) وديوان ( في طريق الفجر ) ( مدينة الغد )

عاش ضريراً ، مع الفلاحين ،حُرم أمه صغيراً وأخفق في حبه إخفاقاً مؤلماً ولذلك خرج شعره وفيه مسحة من الحزنالكئيب ، وفقدان بصره جعله يؤثر الصور المسموعة أو الصوتية على الصور المنظورة أوالمرئية ، وكان مولده ونشأته في بيئة فقيرة كادحة محرومة طبع شعره بطابع العطف والحنانالشديد على الفقراء المحرومين والمعدمين من أمثاله فهو شديد الاحساس بشقائهم ،ولذلك نجده يلمح في ديوانه على التناقض الطبقي وحمل على ترف القصورالذي بنى علىاستنزاف جهد الكادحين وحرمانه من القلب المحب كان سبباً لنبوغه

ونجد فيشعره الوطني تعبيراً عن إيمانه العميق بوحدة اليمن الطبيعية وبالوحدة العربية ،ويشيد بالاتحاد الذي جرى بين مصر واليمن ونجد عندهظلالا باهتة لقضية فلسطين وذلك كله بوشاح من الأسى والحزن مع سلاسة وعذوبة فيوجدانياته وجزالة في حماسته ووطنياته

والبردوني يحسن رسم الصور وابتكارها وهو مولع كثيراً بالإيحاء والرمزية وتشخيص التجريدات فللفجر شفاه وللمروج صدوروللربى أجفان وللربيع قلب .

من المواقف المهمة في حياة الشاعر عبد الله البردوني ما حدث معه في مهرجان ابو تمام في الموصل عام 1972 ميلادية و في حضور نخبة من الشعراء و الادباء من الاقطار العربية .. فضجت القاعة بأشعار شبابية خاصة بتلك الحقبة ، حتى جاء دور البردوني فصعد إلى المنصة و ضحك البعض حال ظهوره على المنصة بسبب مظهره و شكل ملابسه ..!! فقال لهم : ( أعلم انكم تضحكون على مظهري ) ثم اللقى أبياته التي أبهرتهم و على خلفيتها ضجت القاعة تصفيقاً عنيفاً و من هنا كانت بداية شهرة البردوني رحمه الله و الذي كان مهمشاً في بلده ، و قد أطلق عليه النقاد بأنه آخر الشعراء الكلاسيكيين .


و هذه هي القصيدة التي ألقاها في مهرجان أبو تمام و التي كانت بأسم بـ قصديدة ( أبو تمام وعروبة اليوم)




ما أَصْدَقَ السَّيْفَ! إِنْ لَمْ يُنْضِهِ الكَـذِبُ = وَأَكْذَبَ السَّيْفَ إِنْ لَمْ يَصْـدُقِ الغَضَـبُ
بِيضُ الصَّفَائِـحِ أَهْـدَى حِيـنَ تَحْمِلُهَـا = أَيْـدٍ إِذَا غَلَبَـتْ يَعْلُـو بِهَـا الغَـلَـبُ
وَأَقْبَـحَ النَّصْرِ..نَصْـرُ الأَقْوِيَـاءِ بِـلاَ = فَهْمٍ. سِوَى فَهْمِ كَمْ بَاعُوا وَكَمْ كَسَبُـوا
أَدْهَى مِنَ الجَهْـلِ عِلْـمٌ يَطْمَئِـنُّ إِلَـى = أَنْصَـافِ نَاسٍ طَغَوا بِالعِلْـمِ وَاغْتَصَبُـوا
قَالُوا: هُمُ البَشَرُ الأَرْقَـى وَمَـا أَكَلُـوا = شَيْئَاً .. كَمَا أَكَلُـوا الإنْسَـانَ أَوْ شَرِبُـوا
* * * * *
مَاذَا جَرَى.. يَـا أَبَـا تَمَّـامَ تَسْأَلُنِـي؟ = عَفْوَاً سَـأَرْوِي .. وَلا تَسْأَلْ .. وَمَا السَّبَبُ
يَدْمَـى السُّـؤَالُ حَيَـاءً حِيـنَ نَسْأَلُـُه = كَيْفَ احْتَفَتْ بِالعِدَى «حَيْفَا» أَوِ «النَّقَـبُ»
مَنْ ذَا يُلَبِّـي ؟ أَمَـا إِصْـرَارُ مُعْتَصِـمٍ ؟ = كَلاَّ وَأَخْزَى مِنَ « الأَفْشِينَ » مَـا صُلِبُـوا
اليَوْمَ عَـادَتْ عُلُـوجُ «الـرُّومِ» فَاتِحَـةً = وَمَوْطِـنُ العَرَبِ المَسْلُـوبُ وَالسَّلَـبُ
مَاذَا فَعَلْنَـا؟ غَضِبْنَـا كَالرِّجَـالِ وَلَـمْ = نَصْدُقْ.. وَقَدْ صَـدَقَ التَّنْجِيـمُ وَالكُتُـبُ
فَأَطْفَـأَتْ شُهُـبُ «المِيـرَاجِ» أَنْجُمَنَـا = وَشَمْسَنَا ... وَتَحَـدَّت نَارَهَـا الحَطَـبُ
وَقَاتَلَـتْ دُونَنَـا الأَبْــوَاقُ صَـامِـدَةً = أَمَّا الرِّجَالُ فَمَاتُـوا... ثَـمَّ أَوْ هَرَبُـوا
حُكَّامُنَا إِنْ تَصَـدّوا لِلْحِمَـى اقْتَحَمُـوا = وَإِنْ تَصَدَّى لَـهُ المُسْتَعْمِـرُ انْسَحَبُـوا
هُمْ يَفْرُشـُونَ لِجَيْـشِ الغَـزْوِ أَعْيُنَهُـمْ = وَيَدَّعُـونَ وُثُـوبَـاً قَـبْـلَ أَنْ يَثِـبُـوا
الحَاكِمُونَ و«وَاشُنْـطُـنْ» حُكُومَتُـهُـمْ = وَاللامِعُـونَ .. وَمَـا شَعَّـوا وَلا غَرَبُـوا
القَاتِلُـونَ نُبُـوغَ الشَّـعْـبِ تَرْضِـيَـةً = لِلْمُعْتَدِيـنَ وَمَـا أَجْدَتْـهُـمُ الـقُـرَبُ
لَهُمْ شُمُـوخُ «المُثَنَّـى» ظَاهِـرَاً وَلَهُـمْ = هَـوَىً إِلَـى «بَابَـك الخَرْمِـيّ» يُنْتَسَـبُ
مَاذَا تَرَى يَا «أَبَـا تَمَّـامَ» هَـلْ كَذَبَـتْ = أَحْسَابُنَـا؟ أَوْ تَنَاسَـى عِرْقَـهُ الذَّهَـبُ؟
عُرُوبَـةُ اليَـوَمِ أُخْـرَى لا يَنِـمُّ عَلَـى = وُجُودِهَـا اسْـمٌ وَلا لَـوْنٌ وَلا لَـقَـبُ
تِسْعُونَ أَلْفَـاً « لِعَمُّـورِيَّـة َ» اتَّـقَـدُوا = وَلِلْمُنَجِّـمِ قَـالُـوا: إِنَّـنَـا الشُّـهُـبُ
قِيلَ: انْتِظَارَ قِطَافِ الكَرْمِ مَـا انْتَظَـرُوا = نُضْـجَ العَنَاقِيـدِ لَكِـنْ قَبْلَهَـا الْتَهَبُـوا
وَاليَـوْمَ تِسْعُـونَ مِلْيونَـاً وَمَـا بَلَغُـوا = نُضْجَـاً وَقَدْ عُصِـرَ الزَّيْتُـونُ وَالعِنَـبُ
تَنْسَى الرُّؤُوسُ العَوَالِـي نَـارَ نَخْوَتِهَـا = إِذَا امْتَطَاهَـا إِلَـى أَسْـيَـادِهِ الـذَّنَـبُ
«حَبِيبُ» وَافَيْتُ مِـنْ صَنْعَـاءَ يَحْمِلُنِـي = نَسْرٌ وَخَلْفَ ضُلُوعِـي يَلْهَـثُ العَـرَبُ
مَاذَا أُحَدِّثُ عَـنْ صَنْعَـاءَ يَـا أَبَتِـي ؟ = مَلِيحَـةٌ عَاشِقَاهَـا : السِّـلُّ وَالـجَـرَبُ
مَاتَـتْ بِصُنْـدُوقِ «وَضَّاحٍ» بِـلاَ ثَمَـنٍ = وَلَمْ يَمُتْ فِي حَشَاهَا العِشْـقُ وَالطَّـرَبُ
كَانَتْ تُرَاقِبُ صُبْـحَ البَعْـثِ فَانْبَعَثَـتْ = فِي الحُلْمِ ثُمَّ ارْتَمَـتْ تَغْفُـو وَتَرْتَقِـبُ
لَكِنَّهَا رُغْمَ بُخْـلِ الغَيْـثِ مَـا بَرِحَـتْ = حُبْلَى وَفِي بَطْنِهَـا «قَحْطَـانُ» أَوْ «كَرَبُ»
وَفِـي أَسَـى مُقْلَتَيْهَـا يَغْتَلِـي «يَمَـنٌ» = ثَانٍ كَحُلْـمِ الصِّبَـا... يَنْـأَى وَيَقْتَـرِبُ
«حَبِيبُ» تَسْأَلُ عَنْ حَالِي وَكَيْـفَ أَنَـا؟ = شُبَّابَـةٌ فِـي شِفَـاهِ الرِّيـحِ تَنْتَـحِـبُ
كَانَتْ بِلاَدُكَ «رِحْلاً»، ظَهْـرَ «نَاجِيَـةٍ» = أَمَّـا بِـلاَدِي فَلاَ ظَهْـرٌ وَلاَ غَـبَـبُ
أَرْعَيْـتَ كُـلَّ جَدِيـبٍ لَحْـمَ رَاحِلَـةٍ = كَانَتْ رَعَتْـهُ وَمَـاءُ الـرَّوْضِ يَنْسَكِـبُ
وَرُحْتَ مِنْ سَفَـرٍ مُضْـنٍ إِلَـى سَفَـرٍ = أَضْنَـى لأَنَّ طَرِيـقَ الرَّاحَـةِ التَّـعَـبُ
لَكِنْ أَنَا رَاحِـلٌ فِـي غَيْـرِ مَـا سَفَـرٍ = رَحْلِي دَمِي ... وَطَرِيقِي الجَمْرُ وَالحَطَـبُ
إِذَا امْتَطَيْـتَ رِكَابَـاً لِلـنَّـوَى فَـأَنَـا = فِي دَاخِلِي ... أَمْتَطِـي نَـارِي وَاغْتَـرِبُ
قَبْرِي وَمَأْسَـاةُ مِيـلاَدِي عَلَـى كَتِفِـي = وَحَوْلِـيَ العَـدَمُ المَنْفُـوخُ وَالصَّخَـبُ
«حَبِيبُ» هَـذَا صَدَاكَ اليَـوْمَ أَنْشُـدُهُ = لَكِـنْ لِمَـاذَا تَـرَى وَجْهِـي وَتَكْتَئِـبُ؟
مَاذَا ؟ أَتَعْجَـبُ مِنْ شَيْبِي عَلَى صِغَـرِي؟ = إِنِّي وُلِدْتُ عَجُـوزَاً .. كَيْـفَ تَعْتَجِـبُ؟
وَاليَـوْمَ أَذْوِي وَطَيْـشُ الفَـنِّ يَعْزِفُنِـي = وَالأَرْبَعُـونَ عَلَـى خَــدَّيَّ تَلْتَـهِـبُ
كَـذَا إِذَا ابْيَـضَّ إِينَـاعُ الحَيَـاةِ عَلَـى = وَجْـهِ الأَدِيـبِ أَضَـاءَ الفِكْـرُ وَالأَدَبُ
* * * * *
وَأَنْتَ مَنْ شِبْتَ قَبْـلَ الأَرْبَعِيـنَ عَلَـى = نَـارِ «الحَمَاسَـةَ » تَجْلُوهَـا وَتَنْتَـحِـبُ
وَتَجْتَـدِي كُـلَّ لِـصٍّ مُتْـرَفٍ هِـبَـةً = وَأَنْتَ تُعْطِيـهِ شِعْـرَاً فَـوْقَ مَـا يَهِـبُ
شَرَّقْتَ غَرَّبْتَ مِنْ «وَالٍ» إِلَـى «مَلِـكٍ» = يَحُثُّـكَ الفَقْـرُ ... أَوْ يَقْتَـادُكَ الطَّلَـبُ
طَوَّفْتَ حَتَّى وَصَلْتَ « الموصِلِ » انْطَفَأَتْ = فِيـكَ الأَمَانِـي وَلَـمْ يَشْبَـعْ لَهَـا أَرَبُ
لَكِـنَّ مَـوْتَ المُجِيـدِ الفَـذِّ يَـبْـدَأه = وِلادَةً مِـنْ صِبَاهَـا تَرْضَـعُ الحِقَـبُ
* * * * *
«حَبِيبُ» مَـا زَالَ فِـي عَيْنَيْـكَ أَسْئِلَـةً = تَبْـدُو... وَتَنْسَـى حِكَايَاهَـا فَتَنْتَـقِـبُ
وَمَا تَـزَالُ بِحَلْقِـي أَلْــفُ مُبْكِـيَـةٍ = مِنْ رُهْبـَةِ البَوْحِ تَسْتَحْيِـي وَتَضْطَـرِبُ
يَكْفِيـكَ أَنَّ عِدَانَـا أَهْـدَرُوا دَمَـنَـا = وَنَحْـنُ مِـنْ دَمِنَـا نَحْسُـو وَنَحْتَلِـبُ
سَحَائِـبُ الغَـزْوِ تَشْوِينَـا وَتَحْجِبُـنَـا = يَوْمَاً سَتَحْبَلُ مِـنْ إِرْعَادِنَـا السُّحُـبُ؟
أَلاَ تَـرَى يَـا أَبَـا تَمَّـامَ بَارِقَـنَـا = إِنَّ السَّمَـاءَ تُرَجَّـى حِيـنَ تُحْتَجَـبُ

ديسمبر 1971م







يتبــع

د. مصطفى عطية جمعة
01-31-2008, 11:03 PM
الأخ الباحث / همدان
تحياتي إليك
مقال جميل في التعريف بشخصية البردوني : الشاعر والإنسان والموقف ، وجميل منك أن ذكرت ملامح من نشأته وحياته وثقافته ، نتمنى المزيد من تقديم المواقف عن حياة البردوني ، فهي خير معين في فهم الشاعر والنص والإنسان .
في القصيدة المذكورة نرى حوارا بين البردوني وأبي تمام ، كشخصين ، وبينهما كشاعرين ، وبين قصيدة أبي تمام الشهيرة في فتح عمورية وتناص رائع موسيقى وشعري ومعنوي معها .
استمر فيما تقدم
ولك خالص شكري
أخوك / مصطفى

همدان بن ناصر العليي
02-01-2008, 12:35 AM
الأخ الباحث / همدان
تحياتي إليك
مقال جميل في التعريف بشخصية البردوني : الشاعر والإنسان والموقف ، وجميل منك أن ذكرت ملامح من نشأته وحياته وثقافته ، نتمنى المزيد من تقديم المواقف عن حياة البردوني ، فهي خير معين في فهم الشاعر والنص والإنسان .
في القصيدة المذكورة نرى حوارا بين البردوني وأبي تمام ، كشخصين ، وبينهما كشاعرين ، وبين قصيدة أبي تمام الشهيرة في فتح عمورية وتناص رائع موسيقى وشعري ومعنوي معها .
استمر فيما تقدم
ولك خالص شكري
أخوك / مصطفى


يااااه .. مرحباً بالدكتور في متصفحي ألف بليون مرحباً

أنا هنا فكن معي ، فالتالي خاص بي ، و السابق مهجن !

دمت بحب ،

فاتن محمود
02-01-2008, 12:47 AM
بحر

حقا ً أنت بحر ملئ بكنوز اللؤلؤ والمرجان

قرأت ما أفادني كثيرا ً عندما قرأت نبذة عن حياة ذاك الرائع عبد الله البرودني

جميل منك أن تتعمق في كل ما تقرأ

في زمن يمر فيه الشباب في مثل سنك على ما شابه موضوعك مرور الكرام

حفظك الله

همدان بن ناصر العليي
02-01-2008, 01:03 AM
قراءة في نص (ذات يوم ) للشاعر " عبد الله البردوني " و الذي انبثقت في يوم الثورة اليمنية في يوم 26 سبتمبر عام 19962 ميلادية ..


أفقنا على فجـر يوم صبي *** فيا ضحوات المنـى اطربـي
أتدرين يا شمس ماذا جرى ؟ *** سلبنا الدُّجى فجرنا المختبي
و كان النعاس على مقـلتيك *** يـوسوس كالطائر الأزغبِ
أتـدرين أنّا سبقنا الـربيع *** نبشـر بـالموسـم الطيـبِ
و ماذا ؟ سؤال على حاجبيك *** تَـزَنْبَقَ في همسك الُمذهـبِ
و سرنا حشوداً تطيرُ الدروب *** بـأفواج ميلادِنـا الأنـجبِ
و شعباً يدوّي: هي المعجزات *** مهودي وسيفُ " المثنى " أبي
غربت زماناً غروبَ النهـار *** و عدتُ يقودُ الضحى مـوكبي
أضأنا المدى قبل أن تستشفّ *** رؤى الفجـر أخيلةُ الكـوكبي
فولّى زمـانٌ كعـرض البغي *** و أشـرق عهدٌ كقلب النبـي
طلعنا ندلّي الضحى ذات يوم *** و نهتفُ : يا شمسُ لا تغربـي


أفقنا على فجر يوم صبي *** فيا ضحوات المنى اطربي

( أفقنا ) فعل ماض أشار للوصول لمرحلة قد سبقتها مرحلة سابقة ، و قد تكون المرحلة – الأولى - هي النوم أو المرض أو الركود أو السكون .. إلخ و من بعدها تم النهوض بعد المرور بإحدى هذه المراحل ، فقد أفاق الزمان و أخصب .
توحي ( أفقنا ) هنا بأن ميلاد جديد قد تحقق للشعب اليمني الذي ينتمي إليه و يتحدث بلسانه ، باعتبار أن هذا الفعل ( أفقنا ) يوحي بتحول فاعله الجمعي ( من يحيل عليه ضمير الجمع نا ) من حالة المرض إلى الصحة ، و من حالة الاستلاب و غياب الوعي بالواقع إلى حالة الوجود و حضور الوعي بالواقع
وصف الشاعر الثورة كيوم صبي لم يفطم بعد ، و كان حضور الفجر الذي تمنوه بعد طوال الليال الطوال المسهدة

قد تفنن الشاعر في التصوير والشبيه و تطريز أبياته بالمواطئ الجمالية ، سواء كانت حسية أو سمعية أو بصرية !! فقد شبه الضحوات ( جمع ضحوة أو ضحى و التي تعني ارتفاع النهار ) ببداية أهازيج الفرح بهذا النور الساطع الوليد و بمعنى الثورة في بدايتها ظاهرياً ، فقد بدأت الأمنيات تتحقق و أضاف لتصويره البصري – الضحوات – بتصوير سمعي و عندما طلب من أن تطرب و تسعد !!


أتدرين يا شمس ماذا جرى ؟ *** سلبنا الدُّجى فجرنا المختبي

زهو الشاعر و فرحته رفعته إلى أن السماء كي يخاطب الشمس .. !! سائلاً : أتعلمين يا شمس ماذا فعلنا ؟
و ما لبث أن أجاب على سؤاله مخبراً للشمس ماذا جرى و ما فعلوا ..( سلبنا الدُّجى فجرنا المختبي ) أي بطشنا على الظلام و انتزعنا النهار منه !!
ما أروع تشبيهات وصور الشاعر ، فقد أخذنا من تلك الظلمات الحالكة الموحشة نورنا .. قد أخذنا من الظلم و الجبروت و السجان حريتنا التي قد خبئها الطغاة ، قد حررنا الوطن ، فكانت الدجى هي النظام المستبد و الفجر هنا هي الثورة !!

و كان النعاس على مقلتيك *** يوسوس كالطائر الأزغبِ

خيال الشاعر كان كفيل بأن يُصور الحرية بالشمس ، و أن يرسم لتلك الشمس العيون ! بل يتهمها بأنها تقاعست عن مهمتها في هذه الحياة عندما نعست و غفت فلم تشرق على وطنه لمدة طويلة فتسيد الظلام و أفل النور و ساد التخلف و اجتاح الفقر الناس و ضج الفراغ بوادر القمح .
كما أن الشاعر في هذا البيت في الممسك بزمام الكلمات واصفاً المشاعر ، استطاع تشبيه حالات أو صفات أو مراحل بتصوير و تشبيه آخر كما في هذا البيت أعلاه ..!!
ففي حين كانت الشمس تشبيه للحرية و هو تشبيه بصري ، فقد أدخل تشبيه أخر حسي على هذه الشمس عندما وصفها أنها كانت ناعسة أو غافلة .. إضافةً إلى تشبيهه هذا النعاس بصورة بصرية أخرى عندما قال (كالطائر الأزغبِ ) و هو الطائر الذي لم تنبت أجنحته و إنما بعض الريش الأزغب الصغير و بالتالي هو طائر لا يستطيع الطيران ً.. و هذا يعني بأن الشاعر وصف الحال بتشبيه داخل تشبيه داخل تشبيه ..!


يتبع

همدان بن ناصر العليي
02-01-2008, 03:18 AM
أتـدرين أنّا سبقنا الـربيع *** نبشـر بـالموسـم الطيـبِ

تكرار ( أتدرين ) هنا أيضا توحي أن الشاعر يسهب في إعلام الشمس بما حدث وقد أشار إلى أن الثورة على هذا الظلام الشتوي البارد طوال السنة ، هي بشائر الربيع القادم والأيام الجميلة الرغيدة التي ستقدم من بعد هذه الثورة .

و ماذا ؟ سؤال على حاجبيك *** تَـزَنْبَقَ في همسك الُمذهـبِ

قد يكون إصرار الشاعر بأن يجعل للشمس عينين لأنه قد فقد عينيه و هو في الخامسة من عمره بسبب مرض الجدري ، فمادام قد رسم للشمس عيون ، يجب أن يكمل الصورة لكي تبدو الكلثوم بصورة أجمل و أوضح بالحواجب ..
كما قد جمع الشاعر بين بديع الصور عندما قال (تَـزَنْبَقَ في همسك الُمذهـبِ ) فـ ( تزنبق ) تصوير للتكوين و الظهور و ( همسك ) تصوير سمعي و ( المذهبِ ) تصوير بصري !! فيال الجمال ..

و سرنا حشوداً تطيرُ الدروب *** بـأفواج ميلادِنـا الأنـجبِ

لم يقل الشاعر و ( وسرنا حشوداً تسير الدروب ) بما أن ( الحشود ) و استناداً لـ( الدروب ) تسير سيراً على الأقدام !! فالحشود هنا تخالف برتوكولات الحياة و أسسها و تطير في الطرق طيراناً ! كأنها أسراب تطير بينما هي حشود ، ففرحة الشعب بهذا اليوم الصبي – الثورة – كبيرة إلى حد الطيران .. و كما يُتداول البعض اليوم عند السعادة والسرور ( أنا طائر من الفرحة ) ..

و شعباً يدوّي: هي المعجزات *** مهودي وسيفُ " المثنى " أبي
غربت زماناً غروبَالنهـار *** و عدتُ يقودُ الضحى مـوكبي
أضأنا المدى قبل أنتستشفّ *** رؤى الفجـر أخيلةُ الكـوكبي

انتقل الشاعر رحمه الله هنا من مرحلة وصف الحدث إلى مرحلة التفاخر و التباهي بهذا الشعب صاحب الانتصارات و التاريخ الثري بالعزة و الروعة و النخوة و البطولات ..
فاليمن هي من تنجب المعجزات وتصنعها و هي المهد و المنشأ ، كما استشهد بـ" المثني " و هو ( المثنى بن حارثة الشيباني ) القائد المسلم العربي اليمني الذي هزم الفرس و أن الشعب اليمني صانع يوم الثورة هذا هو عبارة عن ذرية هذا القائد ..

كانت الأبيات أعلاه من أجمل الصور الجمالية إذا ما تعمقنا بها و في المعنى أكثر .. و قد ذكرتني بأبيات الشاعر الشهيد " محمد محمود الزبيري " عندما هرب من بطش الإمامة إلى عدن و نظم أبياته التي تحمل نفس الزهو و التفاخر التي وجدناها في أبيات البردوني أعلاه فقد قال الزبيري :

سجَّل مكانك في التـاريخ ياقلم *** فهاهنـا تبعث الأجيـال، والأُمُمُ
هنا القلوبالأبيات التي اتحدت*** هنا الحنان،هنا القربى،هنا الرَّحِمُ
هنا الشريعةُ منمشكاِتها لمَعتْ *** هنـا العدالة والأخـلاق والشّيَمُ
هنا العروبة في أبطالهاوثبت *** هنـا الإباءُ، هنا العليا، هنا الشَّمَمُ
هنا الكواكب، كانت فيمقابرها *** واليـوم تشـرقُ للدنيا، وتبتسم
هنا الصوارم من الأغماد ثائرة *** هناالضياغم في الغابات تصطدم
هنا البراكين هبّت من مضاجعها *** تطغى، وتكتسح الطاغي،وتلتهم
لسنا الأوُلى أيقظوها من مراقدها *** الَّلهُ أيقظهـا، والسّخط،والألـم
شعب تفلت مـن أغلال قاهـره *** حـراً فأجفل منه الظُّـلم، والظُّلَمُ
نَبَاعـن السجن ثم ارتدَّ يهدمـه *** كيـلا تُكبَّل فيـه بعـده قَــدم
قَدْ طالما عذَّبوه وهومصطبـر *** وَشَـدَّ ماظلموهُ، وهـو مُـحْتَكَـمُ
لـم يكِفِهم، أنَّـه عبدٌوأنهـم *** أربابـه، ويحسِبـونَ الَّله دونهـم
وأذاب مهجتـه فيهم، فما اعترفوا *** بهـا،ولا قنعوا منها، ولا سئـم
وان القيود التي كانت على قدمي *** صارت سهامـاً من السجان تنتقم
إنّ الأنيـن الـذي كنـا نردده *** سراً، غدا صيحـة تصغي لهاالأمم

فولّى زمـانٌ كعـرض البغي *** و أشـرق عهدٌ كقلب النبـي

من أجمل الصور الشعرية التي تذوقتها في حياتي !! تشبيهات رائعة ..فقد ذهب زمان أسود و قبيح و مخزي كصفات البغي أمرات السوء و فتات الليل !! وفي المُقابل أشرق عهد جديد و زمان طاهر و جديد و صافي و نقي كقلوب و صفات الأنبياء .

طلعنا ندلّي الضحى ذات يوم *** و نهتفُ : يا شمسُ لا تغربـي

كانت قريحة الشاعر قادرة و متمكنة ، و هذا ما ظهر عندما نتجول متلذذين في أبياته ، فقد استطاع أن يجعلنا أن نشعر بما شعر في ذلك اليوم ! قد اسقط الصور على الأحداث بإبداع مطعم بوصف للشعور المكنون و الذي أشهره بأسلوب رائع جداً ..
كانت الصور أحياناً غريبة .. وهنا سر الجمال ، كون التشبيه و التصوير غريباً و بالرغم من غرابته كنا نصل للهدف و للمعنى الذي يقصده الشاعر دون جهد .
جعل " الضحى "هنا و كأنه شعار ندليه من علو عال لإشعار و إعلام الجميع أن الظلام و الاستبداد قد انتهى زمنه ! حتى أنهى سيمفونيته الشعرية تلك بالأمر لتلك الشمس بان لا تغرب .

آآآه يا بردوني .. لو تأت اليوم لمت قهراً على الوطن



تـــم

د. مصطفى عطية جمعة
02-01-2008, 08:30 PM
الأخ الباحث الجميل / همدان بن ناصر
سلام الله عليك
إننا أمام باحث أدبي جميل ، وقارئ مرهف الحس ، عميق في تناوله للنص ، ذي أسلوب شجي ، ولفظات مؤثرة ، مما ينبئ عن موهبة الدراسة الأدبية والنقدية ، وقد لاحظت في تناولك :
- أنك اعتمدت على التحليل الجزئي ( بيتا بيتا ) وغصت في أعماق الألفاظ ودلالات التراكيب ، والضمائر .
- ربطت النص بالواقع من خلال رؤية استشرافية.
- أجدت عرض المعطيات البلاغية من صور وجماليات نصية .
- أعجبني تناولك الكلي للأبيات الثلاثة في النص مع ربط بأبيات الشاعر الزبيري .
- أسلوبك جزل صاف ، وعباراتك مترابطة بهما حميمية للنص .
وأحب أن أوصيك - أخي الحبيب - بأمور :
أنت تمتلك موهبة الدراسة الأدبية وهي تحتاج إلى :
- القراءة العميقة لمختلف الدراسات النقدية والأدبية المنشورة في النت والمجلات المختصصة والكتب .
- التعمق في النظريات النقدية والأدبية من خلال الاطلاع عليها في كتب النقد .
- إن التناول السابق جميل ، ولكنه يقترب قليلا من التناول المدرسي والشرح والتفسير أما القراءة النقدية فهي تنظر للنص نظرة كلية على أساس وحدة النص لا وحدة البيت ، وكلما كانت النظرة كلية كانت أعمق وأشمل ، وهذا يجعلك تحلل النص بطريقة فكرية جمالية بشكل شامل .

لك حبي
وتقديري
وإلى الإمام دائما
أخوك د. مصطفى عطية

سالم باحميد
02-01-2008, 08:40 PM
ذائقة جميلة لقراءتك للقصيدة ... بينت المكنون ووضحت الشبه والمشبه به وكانت كل التشابيه رائعة

أحسنت أيها الرائع المبدع

استمر ... فكلنا نتشوق بالتلذذ لما يتبع

فائق المودة والتقدير

همدان بن ناصر العليي
03-02-2008, 11:38 AM
بحر

حقا ً أنت بحر ملئ بكنوز اللؤلؤ والمرجان

قرأت ما أفادني كثيرا ً عندما قرأت نبذة عن حياة ذاك الرائع عبد الله البرودني

جميل منك أن تتعمق في كل ما تقرأ

في زمن يمر فيه الشباب في مثل سنك على ما شابه موضوعك مرور الكرام

حفظك الله



الأستاذة فاتن ..

أشكرك من الأعماق على كلماتك تجاهنا و أعذريني على التأخير في الرد ..

دمت بألف خير ،

همدان بن ناصر العليي
03-02-2008, 11:45 AM
الأخ الباحث الجميل / همدان بن ناصر
سلام الله عليك
إننا أمام باحث أدبي جميل ، وقارئ مرهف الحس ، عميق في تناوله للنص ، ذي أسلوب شجي ، ولفظات مؤثرة ، مما ينبئ عن موهبة الدراسة الأدبية والنقدية ، وقد لاحظت في تناولك :
- أنك اعتمدت على التحليل الجزئي ( بيتا بيتا ) وغصت في أعماق الألفاظ ودلالات التراكيب ، والضمائر .
- ربطت النص بالواقع من خلال رؤية استشرافية.
- أجدت عرض المعطيات البلاغية من صور وجماليات نصية .
- أعجبني تناولك الكلي للأبيات الثلاثة في النص مع ربط بأبيات الشاعر الزبيري .
- أسلوبك جزل صاف ، وعباراتك مترابطة بهما حميمية للنص .
وأحب أن أوصيك - أخي الحبيب - بأمور :
أنت تمتلك موهبة الدراسة الأدبية وهي تحتاج إلى :
- القراءة العميقة لمختلف الدراسات النقدية والأدبية المنشورة في النت والمجلات المختصصة والكتب .
- التعمق في النظريات النقدية والأدبية من خلال الاطلاع عليها في كتب النقد .
- إن التناول السابق جميل ، ولكنه يقترب قليلا من التناول المدرسي والشرح والتفسير أما القراءة النقدية فهي تنظر للنص نظرة كلية على أساس وحدة النص لا وحدة البيت ، وكلما كانت النظرة كلية كانت أعمق وأشمل ، وهذا يجعلك تحلل النص بطريقة فكرية جمالية بشكل شامل .

لك حبي
وتقديري
وإلى الإمام دائما
أخوك د. مصطفى عطية

عزيز شكري و خالصه لك دكتور مصطفى .. نصائحك توجيهات يعمل بها

دمت بكل صفاء و عطاء لا ينقطعان ..

همدان بن ناصر العليي
03-02-2008, 11:50 AM
ذائقة جميلة لقراءتك للقصيدة ... بينت المكنون ووضحت الشبه والمشبه به وكانت كل التشابيه رائعة

أحسنت أيها الرائع المبدع

استمر ... فكلنا نتشوق بالتلذذ لما يتبع

فائق المودة والتقدير

يا مرحباً بالصديق الخليل الوافي ..

خلصت مع البردوني إن شاء الله الجاي يكون بالشكل الأفضل ..

دمت نقياً يا ابن حضرموت الغّناء

حلم الطفولة
04-17-2008, 10:24 PM
كم يستهويني شعره هذا البردوني .. الشاعر الجميل

شكراً لك بحر ..

همدان بن ناصر العليي
04-18-2008, 12:11 AM
كم يستهويني شعره هذا البردوني .. الشاعر الجميل

شكراً لك بحر ..





و من لا يستهوية شعر آخر الشعراء الكلاسيكيين كما قال عنه البعض ..

لحضورك أنتِ البهاء ..

دمتِ ،