همدان بن ناصر العليي
01-31-2008, 02:26 AM
مادة اللغة العربية ترافقني في دراستي هذه الأيام كمتطلب فقط .. فيها ندرس عدة نصوص مختلفة زمانياً و شكلياً و حتى في الهدف !
مر علينا نص من نصوص عملاق الشعر اليمني " عبد الله صالح البردوني " و عندما تم شرحها من قبل دكتور المادة وجدت القراءة غير مقنعة بالنسبة لي !! حتى أني وجدت إضاءة النص و القراءة له في الكتاب المقرر مشوهة .. حيث اهتم المؤلف بإطناب بالجانب السياسي ، و لم يحض الجانب الأدبي إلا بالقليل ..
أحببت أن أقرأ هذا النص الشعري البديع و الذي لو كان لشاعر غير يمني لمجدوه أهله و لعلقوا تلك الأبيات على بوابة قصر الرئاسة !!
أعلم أني سأظلم الشاعر عند قرائتي لنصة بذائقة طالب ، و بحق سأنصف و أعطي صفة التجاوز الموجودة بي جُل حقها .. عندما أسمح لنفسي قراءة نص من نصوص العملاق اليمني الشاعر ( عبدالله البردوني ) رحمة الله عليه !
رغم ذلك .. اجزم يقيناً أن من حق النصوص الجميلة علينا أن نذوب فيها و ننصهر ! كي نعيش لحظات قد تكون مشابهة للحظات من صنعها قدر الإستطاعة ، وليس كما شوهها مؤلف مقرر اللغة العربية الذي أدرسه .
قبيل كل شيء يجب أن اضع ومضات عن حياة هذا العملاق هنا و من ثم سأقرأ نص ( ذات يوم ) ..
البردوني عبد الله ولد سنة 1348 هـ في قرية البردون في اليمن من أبوين فلاحين ، أصيببالعمى بسبب الجدري في الخامسة من عمره ، وأسعفته الظروف بالدراسة في مدارس ( ذمار)عشر سنوات ثم انتقل إلى صنعاء حيث أكمل دراسته في دار العلوم ثم عُين استاذاًللآداب العربية في المدرسة ذاتها .
http://www.almotamar.net/photo/07-09-02-1269229875.jpg
له من الشعر ديوان ( من أرض بلقيس ) وديوان ( في طريق الفجر ) ( مدينة الغد )
عاش ضريراً ، مع الفلاحين ،حُرم أمه صغيراً وأخفق في حبه إخفاقاً مؤلماً ولذلك خرج شعره وفيه مسحة من الحزنالكئيب ، وفقدان بصره جعله يؤثر الصور المسموعة أو الصوتية على الصور المنظورة أوالمرئية ، وكان مولده ونشأته في بيئة فقيرة كادحة محرومة طبع شعره بطابع العطف والحنانالشديد على الفقراء المحرومين والمعدمين من أمثاله فهو شديد الاحساس بشقائهم ،ولذلك نجده يلمح في ديوانه على التناقض الطبقي وحمل على ترف القصورالذي بنى علىاستنزاف جهد الكادحين وحرمانه من القلب المحب كان سبباً لنبوغه
ونجد فيشعره الوطني تعبيراً عن إيمانه العميق بوحدة اليمن الطبيعية وبالوحدة العربية ،ويشيد بالاتحاد الذي جرى بين مصر واليمن ونجد عندهظلالا باهتة لقضية فلسطين وذلك كله بوشاح من الأسى والحزن مع سلاسة وعذوبة فيوجدانياته وجزالة في حماسته ووطنياته
والبردوني يحسن رسم الصور وابتكارها وهو مولع كثيراً بالإيحاء والرمزية وتشخيص التجريدات فللفجر شفاه وللمروج صدوروللربى أجفان وللربيع قلب .
من المواقف المهمة في حياة الشاعر عبد الله البردوني ما حدث معه في مهرجان ابو تمام في الموصل عام 1972 ميلادية و في حضور نخبة من الشعراء و الادباء من الاقطار العربية .. فضجت القاعة بأشعار شبابية خاصة بتلك الحقبة ، حتى جاء دور البردوني فصعد إلى المنصة و ضحك البعض حال ظهوره على المنصة بسبب مظهره و شكل ملابسه ..!! فقال لهم : ( أعلم انكم تضحكون على مظهري ) ثم اللقى أبياته التي أبهرتهم و على خلفيتها ضجت القاعة تصفيقاً عنيفاً و من هنا كانت بداية شهرة البردوني رحمه الله و الذي كان مهمشاً في بلده ، و قد أطلق عليه النقاد بأنه آخر الشعراء الكلاسيكيين .
و هذه هي القصيدة التي ألقاها في مهرجان أبو تمام و التي كانت بأسم بـ قصديدة ( أبو تمام وعروبة اليوم)
ما أَصْدَقَ السَّيْفَ! إِنْ لَمْ يُنْضِهِ الكَـذِبُ = وَأَكْذَبَ السَّيْفَ إِنْ لَمْ يَصْـدُقِ الغَضَـبُ
بِيضُ الصَّفَائِـحِ أَهْـدَى حِيـنَ تَحْمِلُهَـا = أَيْـدٍ إِذَا غَلَبَـتْ يَعْلُـو بِهَـا الغَـلَـبُ
وَأَقْبَـحَ النَّصْرِ..نَصْـرُ الأَقْوِيَـاءِ بِـلاَ = فَهْمٍ. سِوَى فَهْمِ كَمْ بَاعُوا وَكَمْ كَسَبُـوا
أَدْهَى مِنَ الجَهْـلِ عِلْـمٌ يَطْمَئِـنُّ إِلَـى = أَنْصَـافِ نَاسٍ طَغَوا بِالعِلْـمِ وَاغْتَصَبُـوا
قَالُوا: هُمُ البَشَرُ الأَرْقَـى وَمَـا أَكَلُـوا = شَيْئَاً .. كَمَا أَكَلُـوا الإنْسَـانَ أَوْ شَرِبُـوا
* * * * *
مَاذَا جَرَى.. يَـا أَبَـا تَمَّـامَ تَسْأَلُنِـي؟ = عَفْوَاً سَـأَرْوِي .. وَلا تَسْأَلْ .. وَمَا السَّبَبُ
يَدْمَـى السُّـؤَالُ حَيَـاءً حِيـنَ نَسْأَلُـُه = كَيْفَ احْتَفَتْ بِالعِدَى «حَيْفَا» أَوِ «النَّقَـبُ»
مَنْ ذَا يُلَبِّـي ؟ أَمَـا إِصْـرَارُ مُعْتَصِـمٍ ؟ = كَلاَّ وَأَخْزَى مِنَ « الأَفْشِينَ » مَـا صُلِبُـوا
اليَوْمَ عَـادَتْ عُلُـوجُ «الـرُّومِ» فَاتِحَـةً = وَمَوْطِـنُ العَرَبِ المَسْلُـوبُ وَالسَّلَـبُ
مَاذَا فَعَلْنَـا؟ غَضِبْنَـا كَالرِّجَـالِ وَلَـمْ = نَصْدُقْ.. وَقَدْ صَـدَقَ التَّنْجِيـمُ وَالكُتُـبُ
فَأَطْفَـأَتْ شُهُـبُ «المِيـرَاجِ» أَنْجُمَنَـا = وَشَمْسَنَا ... وَتَحَـدَّت نَارَهَـا الحَطَـبُ
وَقَاتَلَـتْ دُونَنَـا الأَبْــوَاقُ صَـامِـدَةً = أَمَّا الرِّجَالُ فَمَاتُـوا... ثَـمَّ أَوْ هَرَبُـوا
حُكَّامُنَا إِنْ تَصَـدّوا لِلْحِمَـى اقْتَحَمُـوا = وَإِنْ تَصَدَّى لَـهُ المُسْتَعْمِـرُ انْسَحَبُـوا
هُمْ يَفْرُشـُونَ لِجَيْـشِ الغَـزْوِ أَعْيُنَهُـمْ = وَيَدَّعُـونَ وُثُـوبَـاً قَـبْـلَ أَنْ يَثِـبُـوا
الحَاكِمُونَ و«وَاشُنْـطُـنْ» حُكُومَتُـهُـمْ = وَاللامِعُـونَ .. وَمَـا شَعَّـوا وَلا غَرَبُـوا
القَاتِلُـونَ نُبُـوغَ الشَّـعْـبِ تَرْضِـيَـةً = لِلْمُعْتَدِيـنَ وَمَـا أَجْدَتْـهُـمُ الـقُـرَبُ
لَهُمْ شُمُـوخُ «المُثَنَّـى» ظَاهِـرَاً وَلَهُـمْ = هَـوَىً إِلَـى «بَابَـك الخَرْمِـيّ» يُنْتَسَـبُ
مَاذَا تَرَى يَا «أَبَـا تَمَّـامَ» هَـلْ كَذَبَـتْ = أَحْسَابُنَـا؟ أَوْ تَنَاسَـى عِرْقَـهُ الذَّهَـبُ؟
عُرُوبَـةُ اليَـوَمِ أُخْـرَى لا يَنِـمُّ عَلَـى = وُجُودِهَـا اسْـمٌ وَلا لَـوْنٌ وَلا لَـقَـبُ
تِسْعُونَ أَلْفَـاً « لِعَمُّـورِيَّـة َ» اتَّـقَـدُوا = وَلِلْمُنَجِّـمِ قَـالُـوا: إِنَّـنَـا الشُّـهُـبُ
قِيلَ: انْتِظَارَ قِطَافِ الكَرْمِ مَـا انْتَظَـرُوا = نُضْـجَ العَنَاقِيـدِ لَكِـنْ قَبْلَهَـا الْتَهَبُـوا
وَاليَـوْمَ تِسْعُـونَ مِلْيونَـاً وَمَـا بَلَغُـوا = نُضْجَـاً وَقَدْ عُصِـرَ الزَّيْتُـونُ وَالعِنَـبُ
تَنْسَى الرُّؤُوسُ العَوَالِـي نَـارَ نَخْوَتِهَـا = إِذَا امْتَطَاهَـا إِلَـى أَسْـيَـادِهِ الـذَّنَـبُ
«حَبِيبُ» وَافَيْتُ مِـنْ صَنْعَـاءَ يَحْمِلُنِـي = نَسْرٌ وَخَلْفَ ضُلُوعِـي يَلْهَـثُ العَـرَبُ
مَاذَا أُحَدِّثُ عَـنْ صَنْعَـاءَ يَـا أَبَتِـي ؟ = مَلِيحَـةٌ عَاشِقَاهَـا : السِّـلُّ وَالـجَـرَبُ
مَاتَـتْ بِصُنْـدُوقِ «وَضَّاحٍ» بِـلاَ ثَمَـنٍ = وَلَمْ يَمُتْ فِي حَشَاهَا العِشْـقُ وَالطَّـرَبُ
كَانَتْ تُرَاقِبُ صُبْـحَ البَعْـثِ فَانْبَعَثَـتْ = فِي الحُلْمِ ثُمَّ ارْتَمَـتْ تَغْفُـو وَتَرْتَقِـبُ
لَكِنَّهَا رُغْمَ بُخْـلِ الغَيْـثِ مَـا بَرِحَـتْ = حُبْلَى وَفِي بَطْنِهَـا «قَحْطَـانُ» أَوْ «كَرَبُ»
وَفِـي أَسَـى مُقْلَتَيْهَـا يَغْتَلِـي «يَمَـنٌ» = ثَانٍ كَحُلْـمِ الصِّبَـا... يَنْـأَى وَيَقْتَـرِبُ
«حَبِيبُ» تَسْأَلُ عَنْ حَالِي وَكَيْـفَ أَنَـا؟ = شُبَّابَـةٌ فِـي شِفَـاهِ الرِّيـحِ تَنْتَـحِـبُ
كَانَتْ بِلاَدُكَ «رِحْلاً»، ظَهْـرَ «نَاجِيَـةٍ» = أَمَّـا بِـلاَدِي فَلاَ ظَهْـرٌ وَلاَ غَـبَـبُ
أَرْعَيْـتَ كُـلَّ جَدِيـبٍ لَحْـمَ رَاحِلَـةٍ = كَانَتْ رَعَتْـهُ وَمَـاءُ الـرَّوْضِ يَنْسَكِـبُ
وَرُحْتَ مِنْ سَفَـرٍ مُضْـنٍ إِلَـى سَفَـرٍ = أَضْنَـى لأَنَّ طَرِيـقَ الرَّاحَـةِ التَّـعَـبُ
لَكِنْ أَنَا رَاحِـلٌ فِـي غَيْـرِ مَـا سَفَـرٍ = رَحْلِي دَمِي ... وَطَرِيقِي الجَمْرُ وَالحَطَـبُ
إِذَا امْتَطَيْـتَ رِكَابَـاً لِلـنَّـوَى فَـأَنَـا = فِي دَاخِلِي ... أَمْتَطِـي نَـارِي وَاغْتَـرِبُ
قَبْرِي وَمَأْسَـاةُ مِيـلاَدِي عَلَـى كَتِفِـي = وَحَوْلِـيَ العَـدَمُ المَنْفُـوخُ وَالصَّخَـبُ
«حَبِيبُ» هَـذَا صَدَاكَ اليَـوْمَ أَنْشُـدُهُ = لَكِـنْ لِمَـاذَا تَـرَى وَجْهِـي وَتَكْتَئِـبُ؟
مَاذَا ؟ أَتَعْجَـبُ مِنْ شَيْبِي عَلَى صِغَـرِي؟ = إِنِّي وُلِدْتُ عَجُـوزَاً .. كَيْـفَ تَعْتَجِـبُ؟
وَاليَـوْمَ أَذْوِي وَطَيْـشُ الفَـنِّ يَعْزِفُنِـي = وَالأَرْبَعُـونَ عَلَـى خَــدَّيَّ تَلْتَـهِـبُ
كَـذَا إِذَا ابْيَـضَّ إِينَـاعُ الحَيَـاةِ عَلَـى = وَجْـهِ الأَدِيـبِ أَضَـاءَ الفِكْـرُ وَالأَدَبُ
* * * * *
وَأَنْتَ مَنْ شِبْتَ قَبْـلَ الأَرْبَعِيـنَ عَلَـى = نَـارِ «الحَمَاسَـةَ » تَجْلُوهَـا وَتَنْتَـحِـبُ
وَتَجْتَـدِي كُـلَّ لِـصٍّ مُتْـرَفٍ هِـبَـةً = وَأَنْتَ تُعْطِيـهِ شِعْـرَاً فَـوْقَ مَـا يَهِـبُ
شَرَّقْتَ غَرَّبْتَ مِنْ «وَالٍ» إِلَـى «مَلِـكٍ» = يَحُثُّـكَ الفَقْـرُ ... أَوْ يَقْتَـادُكَ الطَّلَـبُ
طَوَّفْتَ حَتَّى وَصَلْتَ « الموصِلِ » انْطَفَأَتْ = فِيـكَ الأَمَانِـي وَلَـمْ يَشْبَـعْ لَهَـا أَرَبُ
لَكِـنَّ مَـوْتَ المُجِيـدِ الفَـذِّ يَـبْـدَأه = وِلادَةً مِـنْ صِبَاهَـا تَرْضَـعُ الحِقَـبُ
* * * * *
«حَبِيبُ» مَـا زَالَ فِـي عَيْنَيْـكَ أَسْئِلَـةً = تَبْـدُو... وَتَنْسَـى حِكَايَاهَـا فَتَنْتَـقِـبُ
وَمَا تَـزَالُ بِحَلْقِـي أَلْــفُ مُبْكِـيَـةٍ = مِنْ رُهْبـَةِ البَوْحِ تَسْتَحْيِـي وَتَضْطَـرِبُ
يَكْفِيـكَ أَنَّ عِدَانَـا أَهْـدَرُوا دَمَـنَـا = وَنَحْـنُ مِـنْ دَمِنَـا نَحْسُـو وَنَحْتَلِـبُ
سَحَائِـبُ الغَـزْوِ تَشْوِينَـا وَتَحْجِبُـنَـا = يَوْمَاً سَتَحْبَلُ مِـنْ إِرْعَادِنَـا السُّحُـبُ؟
أَلاَ تَـرَى يَـا أَبَـا تَمَّـامَ بَارِقَـنَـا = إِنَّ السَّمَـاءَ تُرَجَّـى حِيـنَ تُحْتَجَـبُ
ديسمبر 1971م
يتبــع
مر علينا نص من نصوص عملاق الشعر اليمني " عبد الله صالح البردوني " و عندما تم شرحها من قبل دكتور المادة وجدت القراءة غير مقنعة بالنسبة لي !! حتى أني وجدت إضاءة النص و القراءة له في الكتاب المقرر مشوهة .. حيث اهتم المؤلف بإطناب بالجانب السياسي ، و لم يحض الجانب الأدبي إلا بالقليل ..
أحببت أن أقرأ هذا النص الشعري البديع و الذي لو كان لشاعر غير يمني لمجدوه أهله و لعلقوا تلك الأبيات على بوابة قصر الرئاسة !!
أعلم أني سأظلم الشاعر عند قرائتي لنصة بذائقة طالب ، و بحق سأنصف و أعطي صفة التجاوز الموجودة بي جُل حقها .. عندما أسمح لنفسي قراءة نص من نصوص العملاق اليمني الشاعر ( عبدالله البردوني ) رحمة الله عليه !
رغم ذلك .. اجزم يقيناً أن من حق النصوص الجميلة علينا أن نذوب فيها و ننصهر ! كي نعيش لحظات قد تكون مشابهة للحظات من صنعها قدر الإستطاعة ، وليس كما شوهها مؤلف مقرر اللغة العربية الذي أدرسه .
قبيل كل شيء يجب أن اضع ومضات عن حياة هذا العملاق هنا و من ثم سأقرأ نص ( ذات يوم ) ..
البردوني عبد الله ولد سنة 1348 هـ في قرية البردون في اليمن من أبوين فلاحين ، أصيببالعمى بسبب الجدري في الخامسة من عمره ، وأسعفته الظروف بالدراسة في مدارس ( ذمار)عشر سنوات ثم انتقل إلى صنعاء حيث أكمل دراسته في دار العلوم ثم عُين استاذاًللآداب العربية في المدرسة ذاتها .
http://www.almotamar.net/photo/07-09-02-1269229875.jpg
له من الشعر ديوان ( من أرض بلقيس ) وديوان ( في طريق الفجر ) ( مدينة الغد )
عاش ضريراً ، مع الفلاحين ،حُرم أمه صغيراً وأخفق في حبه إخفاقاً مؤلماً ولذلك خرج شعره وفيه مسحة من الحزنالكئيب ، وفقدان بصره جعله يؤثر الصور المسموعة أو الصوتية على الصور المنظورة أوالمرئية ، وكان مولده ونشأته في بيئة فقيرة كادحة محرومة طبع شعره بطابع العطف والحنانالشديد على الفقراء المحرومين والمعدمين من أمثاله فهو شديد الاحساس بشقائهم ،ولذلك نجده يلمح في ديوانه على التناقض الطبقي وحمل على ترف القصورالذي بنى علىاستنزاف جهد الكادحين وحرمانه من القلب المحب كان سبباً لنبوغه
ونجد فيشعره الوطني تعبيراً عن إيمانه العميق بوحدة اليمن الطبيعية وبالوحدة العربية ،ويشيد بالاتحاد الذي جرى بين مصر واليمن ونجد عندهظلالا باهتة لقضية فلسطين وذلك كله بوشاح من الأسى والحزن مع سلاسة وعذوبة فيوجدانياته وجزالة في حماسته ووطنياته
والبردوني يحسن رسم الصور وابتكارها وهو مولع كثيراً بالإيحاء والرمزية وتشخيص التجريدات فللفجر شفاه وللمروج صدوروللربى أجفان وللربيع قلب .
من المواقف المهمة في حياة الشاعر عبد الله البردوني ما حدث معه في مهرجان ابو تمام في الموصل عام 1972 ميلادية و في حضور نخبة من الشعراء و الادباء من الاقطار العربية .. فضجت القاعة بأشعار شبابية خاصة بتلك الحقبة ، حتى جاء دور البردوني فصعد إلى المنصة و ضحك البعض حال ظهوره على المنصة بسبب مظهره و شكل ملابسه ..!! فقال لهم : ( أعلم انكم تضحكون على مظهري ) ثم اللقى أبياته التي أبهرتهم و على خلفيتها ضجت القاعة تصفيقاً عنيفاً و من هنا كانت بداية شهرة البردوني رحمه الله و الذي كان مهمشاً في بلده ، و قد أطلق عليه النقاد بأنه آخر الشعراء الكلاسيكيين .
و هذه هي القصيدة التي ألقاها في مهرجان أبو تمام و التي كانت بأسم بـ قصديدة ( أبو تمام وعروبة اليوم)
ما أَصْدَقَ السَّيْفَ! إِنْ لَمْ يُنْضِهِ الكَـذِبُ = وَأَكْذَبَ السَّيْفَ إِنْ لَمْ يَصْـدُقِ الغَضَـبُ
بِيضُ الصَّفَائِـحِ أَهْـدَى حِيـنَ تَحْمِلُهَـا = أَيْـدٍ إِذَا غَلَبَـتْ يَعْلُـو بِهَـا الغَـلَـبُ
وَأَقْبَـحَ النَّصْرِ..نَصْـرُ الأَقْوِيَـاءِ بِـلاَ = فَهْمٍ. سِوَى فَهْمِ كَمْ بَاعُوا وَكَمْ كَسَبُـوا
أَدْهَى مِنَ الجَهْـلِ عِلْـمٌ يَطْمَئِـنُّ إِلَـى = أَنْصَـافِ نَاسٍ طَغَوا بِالعِلْـمِ وَاغْتَصَبُـوا
قَالُوا: هُمُ البَشَرُ الأَرْقَـى وَمَـا أَكَلُـوا = شَيْئَاً .. كَمَا أَكَلُـوا الإنْسَـانَ أَوْ شَرِبُـوا
* * * * *
مَاذَا جَرَى.. يَـا أَبَـا تَمَّـامَ تَسْأَلُنِـي؟ = عَفْوَاً سَـأَرْوِي .. وَلا تَسْأَلْ .. وَمَا السَّبَبُ
يَدْمَـى السُّـؤَالُ حَيَـاءً حِيـنَ نَسْأَلُـُه = كَيْفَ احْتَفَتْ بِالعِدَى «حَيْفَا» أَوِ «النَّقَـبُ»
مَنْ ذَا يُلَبِّـي ؟ أَمَـا إِصْـرَارُ مُعْتَصِـمٍ ؟ = كَلاَّ وَأَخْزَى مِنَ « الأَفْشِينَ » مَـا صُلِبُـوا
اليَوْمَ عَـادَتْ عُلُـوجُ «الـرُّومِ» فَاتِحَـةً = وَمَوْطِـنُ العَرَبِ المَسْلُـوبُ وَالسَّلَـبُ
مَاذَا فَعَلْنَـا؟ غَضِبْنَـا كَالرِّجَـالِ وَلَـمْ = نَصْدُقْ.. وَقَدْ صَـدَقَ التَّنْجِيـمُ وَالكُتُـبُ
فَأَطْفَـأَتْ شُهُـبُ «المِيـرَاجِ» أَنْجُمَنَـا = وَشَمْسَنَا ... وَتَحَـدَّت نَارَهَـا الحَطَـبُ
وَقَاتَلَـتْ دُونَنَـا الأَبْــوَاقُ صَـامِـدَةً = أَمَّا الرِّجَالُ فَمَاتُـوا... ثَـمَّ أَوْ هَرَبُـوا
حُكَّامُنَا إِنْ تَصَـدّوا لِلْحِمَـى اقْتَحَمُـوا = وَإِنْ تَصَدَّى لَـهُ المُسْتَعْمِـرُ انْسَحَبُـوا
هُمْ يَفْرُشـُونَ لِجَيْـشِ الغَـزْوِ أَعْيُنَهُـمْ = وَيَدَّعُـونَ وُثُـوبَـاً قَـبْـلَ أَنْ يَثِـبُـوا
الحَاكِمُونَ و«وَاشُنْـطُـنْ» حُكُومَتُـهُـمْ = وَاللامِعُـونَ .. وَمَـا شَعَّـوا وَلا غَرَبُـوا
القَاتِلُـونَ نُبُـوغَ الشَّـعْـبِ تَرْضِـيَـةً = لِلْمُعْتَدِيـنَ وَمَـا أَجْدَتْـهُـمُ الـقُـرَبُ
لَهُمْ شُمُـوخُ «المُثَنَّـى» ظَاهِـرَاً وَلَهُـمْ = هَـوَىً إِلَـى «بَابَـك الخَرْمِـيّ» يُنْتَسَـبُ
مَاذَا تَرَى يَا «أَبَـا تَمَّـامَ» هَـلْ كَذَبَـتْ = أَحْسَابُنَـا؟ أَوْ تَنَاسَـى عِرْقَـهُ الذَّهَـبُ؟
عُرُوبَـةُ اليَـوَمِ أُخْـرَى لا يَنِـمُّ عَلَـى = وُجُودِهَـا اسْـمٌ وَلا لَـوْنٌ وَلا لَـقَـبُ
تِسْعُونَ أَلْفَـاً « لِعَمُّـورِيَّـة َ» اتَّـقَـدُوا = وَلِلْمُنَجِّـمِ قَـالُـوا: إِنَّـنَـا الشُّـهُـبُ
قِيلَ: انْتِظَارَ قِطَافِ الكَرْمِ مَـا انْتَظَـرُوا = نُضْـجَ العَنَاقِيـدِ لَكِـنْ قَبْلَهَـا الْتَهَبُـوا
وَاليَـوْمَ تِسْعُـونَ مِلْيونَـاً وَمَـا بَلَغُـوا = نُضْجَـاً وَقَدْ عُصِـرَ الزَّيْتُـونُ وَالعِنَـبُ
تَنْسَى الرُّؤُوسُ العَوَالِـي نَـارَ نَخْوَتِهَـا = إِذَا امْتَطَاهَـا إِلَـى أَسْـيَـادِهِ الـذَّنَـبُ
«حَبِيبُ» وَافَيْتُ مِـنْ صَنْعَـاءَ يَحْمِلُنِـي = نَسْرٌ وَخَلْفَ ضُلُوعِـي يَلْهَـثُ العَـرَبُ
مَاذَا أُحَدِّثُ عَـنْ صَنْعَـاءَ يَـا أَبَتِـي ؟ = مَلِيحَـةٌ عَاشِقَاهَـا : السِّـلُّ وَالـجَـرَبُ
مَاتَـتْ بِصُنْـدُوقِ «وَضَّاحٍ» بِـلاَ ثَمَـنٍ = وَلَمْ يَمُتْ فِي حَشَاهَا العِشْـقُ وَالطَّـرَبُ
كَانَتْ تُرَاقِبُ صُبْـحَ البَعْـثِ فَانْبَعَثَـتْ = فِي الحُلْمِ ثُمَّ ارْتَمَـتْ تَغْفُـو وَتَرْتَقِـبُ
لَكِنَّهَا رُغْمَ بُخْـلِ الغَيْـثِ مَـا بَرِحَـتْ = حُبْلَى وَفِي بَطْنِهَـا «قَحْطَـانُ» أَوْ «كَرَبُ»
وَفِـي أَسَـى مُقْلَتَيْهَـا يَغْتَلِـي «يَمَـنٌ» = ثَانٍ كَحُلْـمِ الصِّبَـا... يَنْـأَى وَيَقْتَـرِبُ
«حَبِيبُ» تَسْأَلُ عَنْ حَالِي وَكَيْـفَ أَنَـا؟ = شُبَّابَـةٌ فِـي شِفَـاهِ الرِّيـحِ تَنْتَـحِـبُ
كَانَتْ بِلاَدُكَ «رِحْلاً»، ظَهْـرَ «نَاجِيَـةٍ» = أَمَّـا بِـلاَدِي فَلاَ ظَهْـرٌ وَلاَ غَـبَـبُ
أَرْعَيْـتَ كُـلَّ جَدِيـبٍ لَحْـمَ رَاحِلَـةٍ = كَانَتْ رَعَتْـهُ وَمَـاءُ الـرَّوْضِ يَنْسَكِـبُ
وَرُحْتَ مِنْ سَفَـرٍ مُضْـنٍ إِلَـى سَفَـرٍ = أَضْنَـى لأَنَّ طَرِيـقَ الرَّاحَـةِ التَّـعَـبُ
لَكِنْ أَنَا رَاحِـلٌ فِـي غَيْـرِ مَـا سَفَـرٍ = رَحْلِي دَمِي ... وَطَرِيقِي الجَمْرُ وَالحَطَـبُ
إِذَا امْتَطَيْـتَ رِكَابَـاً لِلـنَّـوَى فَـأَنَـا = فِي دَاخِلِي ... أَمْتَطِـي نَـارِي وَاغْتَـرِبُ
قَبْرِي وَمَأْسَـاةُ مِيـلاَدِي عَلَـى كَتِفِـي = وَحَوْلِـيَ العَـدَمُ المَنْفُـوخُ وَالصَّخَـبُ
«حَبِيبُ» هَـذَا صَدَاكَ اليَـوْمَ أَنْشُـدُهُ = لَكِـنْ لِمَـاذَا تَـرَى وَجْهِـي وَتَكْتَئِـبُ؟
مَاذَا ؟ أَتَعْجَـبُ مِنْ شَيْبِي عَلَى صِغَـرِي؟ = إِنِّي وُلِدْتُ عَجُـوزَاً .. كَيْـفَ تَعْتَجِـبُ؟
وَاليَـوْمَ أَذْوِي وَطَيْـشُ الفَـنِّ يَعْزِفُنِـي = وَالأَرْبَعُـونَ عَلَـى خَــدَّيَّ تَلْتَـهِـبُ
كَـذَا إِذَا ابْيَـضَّ إِينَـاعُ الحَيَـاةِ عَلَـى = وَجْـهِ الأَدِيـبِ أَضَـاءَ الفِكْـرُ وَالأَدَبُ
* * * * *
وَأَنْتَ مَنْ شِبْتَ قَبْـلَ الأَرْبَعِيـنَ عَلَـى = نَـارِ «الحَمَاسَـةَ » تَجْلُوهَـا وَتَنْتَـحِـبُ
وَتَجْتَـدِي كُـلَّ لِـصٍّ مُتْـرَفٍ هِـبَـةً = وَأَنْتَ تُعْطِيـهِ شِعْـرَاً فَـوْقَ مَـا يَهِـبُ
شَرَّقْتَ غَرَّبْتَ مِنْ «وَالٍ» إِلَـى «مَلِـكٍ» = يَحُثُّـكَ الفَقْـرُ ... أَوْ يَقْتَـادُكَ الطَّلَـبُ
طَوَّفْتَ حَتَّى وَصَلْتَ « الموصِلِ » انْطَفَأَتْ = فِيـكَ الأَمَانِـي وَلَـمْ يَشْبَـعْ لَهَـا أَرَبُ
لَكِـنَّ مَـوْتَ المُجِيـدِ الفَـذِّ يَـبْـدَأه = وِلادَةً مِـنْ صِبَاهَـا تَرْضَـعُ الحِقَـبُ
* * * * *
«حَبِيبُ» مَـا زَالَ فِـي عَيْنَيْـكَ أَسْئِلَـةً = تَبْـدُو... وَتَنْسَـى حِكَايَاهَـا فَتَنْتَـقِـبُ
وَمَا تَـزَالُ بِحَلْقِـي أَلْــفُ مُبْكِـيَـةٍ = مِنْ رُهْبـَةِ البَوْحِ تَسْتَحْيِـي وَتَضْطَـرِبُ
يَكْفِيـكَ أَنَّ عِدَانَـا أَهْـدَرُوا دَمَـنَـا = وَنَحْـنُ مِـنْ دَمِنَـا نَحْسُـو وَنَحْتَلِـبُ
سَحَائِـبُ الغَـزْوِ تَشْوِينَـا وَتَحْجِبُـنَـا = يَوْمَاً سَتَحْبَلُ مِـنْ إِرْعَادِنَـا السُّحُـبُ؟
أَلاَ تَـرَى يَـا أَبَـا تَمَّـامَ بَارِقَـنَـا = إِنَّ السَّمَـاءَ تُرَجَّـى حِيـنَ تُحْتَجَـبُ
ديسمبر 1971م
يتبــع