المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الذكرى والذاكرة ، نثر عن الذات


د. مصطفى عطية جمعة
01-18-2008, 11:37 PM
الذكرى والذاكرة
نثر عن الذات

بقلم / د. مصطفى عطية جمعة

أمّا قبل :
خالص الشكر والتقدير للشاعر الكبير / صالح سعيد الهنيدي ، صاحب فكرة هذا المنتدى ومنشؤه وهو الذي حفزني إلى هذه الكتابة التي لم تكن واردة في الحسبان .


على سبيل التقديم :

لماذا نكتب حياتنا ؟ ونخط أيامنا ؟ وننثر ذكرياتنا أسطرا ؟ لماذا تصبح ذواتنا مباحة للأعين ، تبصرها القلوب ، وتنقدها العقول ؟
هل يحق لشخصي البسيط - بالفعل – ولم ينجز في الحياة خُمْس أو عُشْر ما أنجزه الآخرون من أدباء ونقاد وعلماء وعظماء ؟ وهم قد كتبوا سيرهم الذاتية، وقرأها الناس واستفادوا منها ، لما لأصحابها من إنجازات وعطاءات في الحياة.
تجوس هذه الأسئلة في ذاتي ، خاصة أنني لا زلت في بداية المشوار ، بمقاييسي الخاصة عندما أنظر إلى من هم أعلى مني علما وعطاء وإنجازا في الحياة ، بينما حصيلتي أقل من عشر كتب ، منها الدكتوراه ؛ إلا أنني أنظر للأمور بشكل آخر مفاده : هل نكتب سيرتنا وذكرياتنا حتى نمدح أنفسنا ونقدمها للناس على أننا عظماء وقادة لنا قصص كفاح في الحياة ؟ إن هذه رؤية شديدة النرجسية ، صادرة من نفس متكبرة ، متعالية على المتلقين، تتبنى العظمة مقدما، ولعل من يقرأ السير الذاتية لكثير من الكتّاب يرى هذه النرجسية جلية ، ذلك أن الكفاح مختلفة أشكاله في الحياة ، فهناك من كافح ليصبح غنيا أو نجما مشهورا أو ذا منصب سياسي ، وهؤلاء في مجملهم قلة ، والكثيرون من اقتصر كفاحهم من أجل أسرهم وأبنائهم فجاهدوا لتأمين الحياة الكريمة ( بالكفاف أو الستر ) ، وتحمّلوا عبء التربية ، فكان أقصى ما قدّموا في حياتهم أبناءهم الصالحين ، وهؤلاء لهم الفضل والمثوبة ، ولهم كامل الحق ألا نقلل مما قدموا ، خاصة أننا نرى في هؤلاء البسطاء المجاهدين في الحياة من ضحوا بالضروري في سبيل سعادة من يعولونهم .
ومن هنا فإنني أرى أن منطلقات الكتابة عن الذات لابد أن تكون صادرة من أسس ثابتة ، يمكن أن تتمحور في مبدأ : " شفافية الكتابة تنبع من شفافية الرؤية " ، وتتفرع عن هذا المبدأ ثلاثة معايير :
أولها : الصدق فلا نزيّف ولا نزيد عما حدث لنا ، ولنا كامل الحق في الامتناع عن ذكر الخاص جدا ، والسري جدا ، فهذا من حقوقنا . وثانيها معيار التأمل فيما نكتبه وهذا يعطي الفرصة لنقد ذاتنا والآخرين والمجتمع من حولنا ، فنحن لسنا مثاليين ولا نعيش في مجتمع مثالي ، وإنما بشر ، شكّل الآخرون ذواتنا ، وأثّروا فينا بشخصياتهم وأفعالهم ، في نفس الوقت الذي حبانا الله بالكثير من الخصائص والمواهب التي تميزنا عن الآخرين ، وهذا من نعم الله على البشر، أن جعل لكل إنسان ما يميزه ، وتبقى قدرة الإنسان في اكتشاف هذا التميز واستثماره وتنميته .
وثالثها معيار خاص بالأدباء والكتّاب ، وهو ما حباهم الله من نعمة القلم والكتابة ، تلك النعمة التي يفتقدها الكثيرون ، وهي نعمة عظيمة ، لو أدرك أهميتها الأدباء ، لأننا نستطيع التعبير عن أعماقنا ، ونقل رؤانا ، وتصوير معاناتنا ومعاناة من حولنا بكلمات تشكّل وعي القراء والمتلقين ، وهذا يعطي الفرصة لنا أن نعبر عن ذاتنا وذكرياتنا بشكل أدق ، وتصويرها بشكل أعمق . وتحضرني هنا مقولة سمعتها من صديق عزيز ، كان أديبا ولكن الحياة والسياسة شغلته كثيرا عن موهبته ، فأصبح حائرا ما بين ذات أدبية مضطرمة بين جوانحه ، و بين نشاطه وانشغالاته في الحياة ، وأشهد أن هذا الرجل لو أتيحت له الفرصة والتفرغ لكان في طليعة الأدباء والبلغاء ، لما لديه من خبرات في الحياة واسعة ، وروح طيبة ، وحب للناس لا آخر له ، قال لي هذا الصديق يوما وكنت في سني الجامعة الأولى : " أعطانا الله موهبة القلم والتعبير ، فلماذا لا نشكر الله على نعمته ، ونستغل هذه الموهبة في مرضاة الله والتعبير عن رؤانا ورؤى الآخرين من حولنا تعبيرا صادقا نابعا من قيمنا الخالدة ؟ " .
ومن هنا تأتي هذه الكتابة عن الذات ، أعدها صادقة فيما تطرحه ، شفافة في نظرتها ، تقيّم الحدث والإنسان والتوجه بحيادية ، أخطها وأنا أقترب من سني الأربعين ، متسلحا بخبرة سنوات امتدت بين الوطن والغربة ، وهي خبرة ليست بالكبيرة ، ولكنها كافية للتأمل الصادق والنظرة الشفافة .
وسأبدأ في نثر ذاتي فأذنوا لي ....

صالح سعيد الهنيدي
01-19-2008, 01:51 AM
أستاذنا الكبير
الدكتور مصطفى عطية جمعة
أشكر لك بدايةً
قبولك تدوين سيرتك الذاتية
والتي ستكون اللبنة الأولى في هذا المرفأ الواعد

واختيارنا لشخصك الكريم
لم يأتِ من فراغ حيث يتوجب أن يقرأ
سيرتك العبقة أجيال متعطشة لدأبك في الحياة
تحصيلاً وتعليمًا ونقدًا وغربةً

كما أشكر لك تواضعك الجمّ
والذي يأتي من روح عاصرت الحياة
بكل أشكالها وأطيافها
وخبرت تحولات عديدة في مجتمعاتنا العربية

سعيدون جدًّا بأن منحتنا
شرف قراءتك من الأعماق
وأنا واثق أن المتعة ستكون حليف القرَّاء
حيث إنَّ السارد هنا أديب متفرِّد وإنسان مُحَبّ

سنعيش دقائق مذكراتِك بكل تفاصيلها
كيف لا وهي تحمل :
( الذكرى والذاكرة ، نثر عن الذات )


شكري الغامر لقلبك الوفيِّ
مع رجائي لكل قارئ هنا
بمتعة الحديث وشذى الذكريات

فاتن محمود
01-19-2008, 02:47 AM
هل نكتب سيرتنا وذكرياتنا حتى نمدح أنفسنا ونقدمها للناس على أننا عظماء وقادة لنا قصص كفاح في الحياة ؟ إن هذه رؤية شديدة النرجسية ، صادرة من نفس متكبرة ، متعالية على المتلقين، تتبنى العظمة مقدما، ولعل من يقرأ السير الذاتية لكثير من الكتّاب يرى هذه النرجسية جلية


أستاذنا الفاضل د. مصطفى عطية جمعة
جميل أن نتعرف على سيرتك الذاتية ونتعلم من تجاربك الحياتية
والأجمل هو تواضعك الجم الذي يدل على شخصيتك الرائعة
وفقك الله

ابراهيم خليل ابراهيم
01-19-2008, 04:39 AM
الذكرى والذاكرة
نثر عن الذات

بقلم / د. مصطفى عطية جمعة

أمّا قبل :
خالص الشكر والتقدير للشاعر الكبير / صالح سعيد الهنيدي ، صاحب فكرة هذا المنتدى ومنشؤه وهو الذي حفزني إلى هذه الكتابة التي لم تكن واردة في الحسبان .


على سبيل التقديم :

لماذا نكتب حياتنا ؟ ونخط أيامنا ؟ وننثر ذكرياتنا أسطرا ؟ لماذا تصبح ذواتنا مباحة للأعين ، تبصرها القلوب ، وتنقدها العقول ؟
هل يحق لشخصي البسيط - بالفعل – ولم ينجز في الحياة خُمْس أو عُشْر ما أنجزه الآخرون من أدباء ونقاد وعلماء وعظماء ؟ وهم قد كتبوا سيرهم الذاتية، وقرأها الناس واستفادوا منها ، لما لأصحابها من إنجازات وعطاءات في الحياة.
تجوس هذه الأسئلة في ذاتي ، خاصة أنني لا زلت في بداية المشوار ، بمقاييسي الخاصة عندما أنظر إلى من هم أعلى مني علما وعطاء وإنجازا في الحياة ، بينما حصيلتي أقل من عشر كتب ، منها الدكتوراه ؛ إلا أنني أنظر للأمور بشكل آخر مفاده : هل نكتب سيرتنا وذكرياتنا حتى نمدح أنفسنا ونقدمها للناس على أننا عظماء وقادة لنا قصص كفاح في الحياة ؟ إن هذه رؤية شديدة النرجسية ، صادرة من نفس متكبرة ، متعالية على المتلقين، تتبنى العظمة مقدما، ولعل من يقرأ السير الذاتية لكثير من الكتّاب يرى هذه النرجسية جلية ، ذلك أن الكفاح مختلفة أشكاله في الحياة ، فهناك من كافح ليصبح غنيا أو نجما مشهورا أو ذا منصب سياسي ، وهؤلاء في مجملهم قلة ، والكثيرون من اقتصر كفاحهم من أجل أسرهم وأبنائهم فجاهدوا لتأمين الحياة الكريمة ( بالكفاف أو الستر ) ، وتحمّلوا عبء التربية ، فكان أقصى ما قدّموا في حياتهم أبناءهم الصالحين ، وهؤلاء لهم الفضل والمثوبة ، ولهم كامل الحق ألا نقلل مما قدموا ، خاصة أننا نرى في هؤلاء البسطاء المجاهدين في الحياة من ضحوا بالضروري في سبيل سعادة من يعولونهم .
ومن هنا فإنني أرى أن منطلقات الكتابة عن الذات لابد أن تكون صادرة من أسس ثابتة ، يمكن أن تتمحور في مبدأ : " شفافية الكتابة تنبع من شفافية الرؤية " ، وتتفرع عن هذا المبدأ ثلاثة معايير :
أولها : الصدق فلا نزيّف ولا نزيد عما حدث لنا ، ولنا كامل الحق في الامتناع عن ذكر الخاص جدا ، والسري جدا ، فهذا من حقوقنا . وثانيها معيار التأمل فيما نكتبه وهذا يعطي الفرصة لنقد ذاتنا والآخرين والمجتمع من حولنا ، فنحن لسنا مثاليين ولا نعيش في مجتمع مثالي ، وإنما بشر ، شكّل الآخرون ذواتنا ، وأثّروا فينا بشخصياتهم وأفعالهم ، في نفس الوقت الذي حبانا الله بالكثير من الخصائص والمواهب التي تميزنا عن الآخرين ، وهذا من نعم الله على البشر، أن جعل لكل إنسان ما يميزه ، وتبقى قدرة الإنسان في اكتشاف هذا التميز واستثماره وتنميته .
وثالثها معيار خاص بالأدباء والكتّاب ، وهو ما حباهم الله من نعمة القلم والكتابة ، تلك النعمة التي يفتقدها الكثيرون ، وهي نعمة عظيمة ، لو أدرك أهميتها الأدباء ، لأننا نستطيع التعبير عن أعماقنا ، ونقل رؤانا ، وتصوير معاناتنا ومعاناة من حولنا بكلمات تشكّل وعي القراء والمتلقين ، وهذا يعطي الفرصة لنا أن نعبر عن ذاتنا وذكرياتنا بشكل أدق ، وتصويرها بشكل أعمق . وتحضرني هنا مقولة سمعتها من صديق عزيز ، كان أديبا ولكن الحياة والسياسة شغلته كثيرا عن موهبته ، فأصبح حائرا ما بين ذات أدبية مضطرمة بين جوانحه ، و بين نشاطه وانشغالاته في الحياة ، وأشهد أن هذا الرجل لو أتيحت له الفرصة والتفرغ لكان في طليعة الأدباء والبلغاء ، لما لديه من خبرات في الحياة واسعة ، وروح طيبة ، وحب للناس لا آخر له ، قال لي هذا الصديق يوما وكنت في سني الجامعة الأولى : " أعطانا الله موهبة القلم والتعبير ، فلماذا لا نشكر الله على نعمته ، ونستغل هذه الموهبة في مرضاة الله والتعبير عن رؤانا ورؤى الآخرين من حولنا تعبيرا صادقا نابعا من قيمنا الخالدة ؟ " .
ومن هنا تأتي هذه الكتابة عن الذات ، أعدها صادقة فيما تطرحه ، شفافة في نظرتها ، تقيّم الحدث والإنسان والتوجه بحيادية ، أخطها وأنا أقترب من سني الأربعين ، متسلحا بخبرة سنوات امتدت بين الوطن والغربة ، وهي خبرة ليست بالكبيرة ، ولكنها كافية للتأمل الصادق والنظرة الشفافة .
وسأبدأ في نثر ذاتي فأذنوا لي ....
_____
الاخ الحبيب والوالد العزيز الدكتور مصطفى عطية
تحية طيبة
فكرة صائبة من الشاعر المبدع صالح الموقر ونحن قد سعدنا بك وبكلامك الطيب
احييك من قلبى واشد على يديك ونحن فى انتظار البقية ان شاء الله تعالى

د. مصطفى عطية جمعة
01-19-2008, 04:52 AM
أستاذنا الكبير
الدكتور مصطفى عطية جمعة
أشكر لك بدايةً
قبولك تدوين سيرتك الذاتية
والتي ستكون اللبنة الأولى في هذا المرفأ الواعد

واختيارنا لشخصك الكريم
لم يأتِ من فراغ حيث يتوجب أن يقرأ
سيرتك العبقة أجيال متعطشة لدأبك في الحياة
تحصيلاً وتعليمًا ونقدًا وغربةً

كما أشكر لك تواضعك الجمّ
والذي يأتي من روح عاصرت الحياة
بكل أشكالها وأطيافها
وخبرت تحولات عديدة في مجتمعاتنا العربية

سعيدون جدًّا بأن منحتنا
شرف قراءتك من الأعماق
وأنا واثق أن المتعة ستكون حليف القرَّاء
حيث إنَّ السارد هنا أديب متفرِّد وإنسان مُحَبّ

سنعيش دقائق مذكراتِك بكل تفاصيلها
كيف لا وهي تحمل :
( الذكرى والذاكرة ، نثر عن الذات )


شكري الغامر لقلبك الوفيِّ
مع رجائي لكل قارئ هنا
بمتعة الحديث وشذى الذكريات

الشاعر الكبير / صالح الهنيدي
شرارة الكتابة تبدأ من حفز الآخرين ، وقد تفضلت بإعطائي الحافز
وشرارة الإبداع تنبع من الرؤية الصادقة ، فأدعو الله أن أكون صادقا
دمت بخير وألق

د. مصطفى عطية جمعة
01-19-2008, 04:54 AM
أستاذنا الفاضل د. مصطفى عطية جمعة
جميل أن نتعرف على سيرتك الذاتية ونتعلم من تجاربك الحياتية
والأجمل هو تواضعك الجم الذي يدل على شخصيتك الرائعة
وفقك الله

الأخت الأديبة / فاتن
دائما تتوهجين في كل موضع
وتشعين ألقا بتعليقاتك الثرية
شكرا لك هذا البهاء

مهتدي مصطفى غالب
01-19-2008, 07:15 AM
كم هو جميل ان نعطر سينا الذاتية بأن نحولها لتجربة كي يستفيد من ثناياها و زواياها الآخر الذي يشاركنا همومنا ...
شكراً للدكتور مصطفى فأنا اعتز به و بتجربته و سيرته

ريمه الخاني
01-19-2008, 11:30 AM
يشرفنا استاذنا ان ننشر عصارة فكرنا من خلال ذكرياتنا
ننتظرها بفارغ الصبر
تحيتي وتقديري

حسين العفنان
01-19-2008, 01:27 PM
الله أكبر !!

الله أكبر !!

الله أكبر !!

هنا أتعلم ..


هنا أعرف قدر نفسي ..


أستاذنا الكبير / مصطفى


جعلكم الله منارة للكلمة الطيبة الطاهرة !

وبارك في عمركم وعملكم !


شكرا شكرا شكرا أستاذنا / صالح ..

فيصل الزوايدي
01-19-2008, 03:38 PM
أخي الرائع د. مصطفى عطية جمعة .. اعجبني تواضعك و دماثة اخلاقك ..
الاكيد ان السيرة ستحمل رؤى يحتاجها كل كاتب ليسترشد بها في طريقه الطويلة ..
دمت متألقا
مع الود الدائم

د. مصطفى عطية جمعة
01-19-2008, 04:55 PM
( 1 )
لا أعي من طفولتي المبكرة - السنوات الخمس الأولى من حياتي - إلا شذرات يسيرة ، وهي شذرات ترتبط بالمكان الذي درجت فيه ، إنه حي الشيخ "الروبي " في مدينة الفيوم ، وما أروع الحي ! وما أجمل المدينة ! وهكذا ينظر كلٌ منا إلى موطن النشأة نظرة مثالية ، وتتحرك العاطفة الجياشة كلما خطونا على ثرى الأمكنة التي درجنا عليها ، لأنها تفوح بالذكرى ، وتعبق بأريج سني العمر الأولى ، حيث تكون الشخصية غضة طرية ، تتكوّن من شخصيات الوالدين والأقرباء ومن هم يقطنون حولنا .
ما أجمل المدينة " الفيوم " ! لأنها غاية في الروعة ، هكذا أراها ، وهكذا تعايشت في نفسي معالمها ، وكلما تذكرتها انتشى الفؤاد عبيرا فوّاحا من طرقاتها وأزقتها . تتكون الفيوم / المدينة من مجموعة من الأحياء الشعبية التقليدية ، التي تتخذ أسماءها من أسماء مساجدها الكبرى ، شأنها شأن الكثير من مدن مصر ، وهذه المساجد تحمل أسماء من دفنوا فيها من مشايخ الصوفية ويتجاور ضريح الشيخ – عادة – جانب مبنى المسجد ، وأحيانا يتوسط المسجد ويعلو الضريح عادة قبة كبيرة ، ليدرك الناس أن الضريح أسفلها ، ودوما يتزاحم الناس حول الضريح تبركا ودعاء ورجاء في أيام الجمعة والموالد والأعياد وغيرها ؛ إنه موروث من البدع والخرافات ، لا زلنا نئن منه ، لدى كبار السن ومن سار على دربهم من الجهلاء .
الفيوم القديمة مجموعة أحياء تتحلق حول المسجد ، وتحمل اسم ضريح الشيخ ، فنجد أحياء : الشيخ حسن ، الشيخ أبو العدايب ، الشيخ الحواتم ، الشيخة مريم ، الشيخ العريان ، الشيخ الصوفي ...
حي " الروبي " هو الأكبر ، موطن تلاقي أتباع الطرق الصوفية ، ومنذ نعومتي كان الناس يتقاطرون من قرى الفيوم وضواحيها ، ناصبين خياما ورايات ملونة في ساحة المسجد وفي الطرقات المؤدية إليه ، بدءا من مطلع شهر شعبان إلى منتصفه فيما يسمى ليلة النصف من شعبان .
في سنواتي الأولى ، يمتزج زحام مولد الشيخ الروبي ، بأعماق نفسي ، حين كنت أغدو وأمسي بين الجماعات الصوفية ، ومجاذيبهم ، ودراويشهم ، بملابسهم المرقعة ، وتمايلهم يمنة ويسرة فيما يسمى " الزار " ، في ساحة المسجد . كانت عيوني تنظر إلى هؤلاء صباحا ، وتطالعهم ليلا وهم ممددون في الخيام وجنبات الطرقات متلاصقين ، لا يفصلهم عن النسوة إلا سواتر قماشية بسيطة . وكنت أشاهد تزاحمهم حول صواني الأرز واللحم ، يملأون كروشهم بالطعام ، وتظل أصابعهم مخضبة بآثار الطعام ، و يهرعون إلى الزار والتمايل ، ويتكاسلون عن الصلوات .
ربما كنت أسعد في طفولتي بهذا الزخم الكبير ، والألعاب التي تقدم معه، مثل المراجيح والزقازيق ، وتعلقت مبكرا بالأراجوز ومسرحه ، وأذكر أنني أنفقت ما ادخرته من قروش قليلة في ليلة واحدة وأنا أشاهد عروض الأراجوز متتابعة ، وحين عدت إلى منزلنا لم يتبق لدي من العشاء إلا القليل ، فغضبت ونمت حزينا ولكنها – أمي حفظها الله – ظلت تهدئ روعي حتى أكلت ووصلت للشبع التام ونمت ضاحكا متذكرا صوت الأراجوز وهو يعارك زوجته وحماه .
وفي " المولد " أيضا ، كنت بجسدي الصغير أشاهد نصب " صواويين " الحلوى ، التي تبيع العرائس والأحصنة وحلوى المولد ، ما أجملها من حلوى مشكّلة : الملبّس والحمصية والسمسمية الملبن ، وكلمات جدي حين يشتري لي بعض الملبن وهو يقول : " فتّح عينك تاكل ملبن " ، لم أعِ هذه الحكمة إلا متأخرا ، فالملبن الطري ، الذي عشقت مذاقه ، أغلى أنواع حلويات المولد ، وألذها ، وكثيرا ما كان الناس يتعرضون للسرقة في المولد ، بسبب غفلتهم وشدة الزحام ، فمن فتّح عينه وانتبه لجيبه ، سيشتري الملبن .
كان تزاحم الناس يخفت مع انتهاء شهر شعبان ، وقدوم رمضان ، وتظل ساحة مسجد الروبي عامرة ، ولكن بالمصلين ، وأفران الكنافة والقطايف وباعة حلوى رمضان ، والزبادي والفول والخبز الساخن والعرقسوس . صحيح أن هذه الأطعمة موجودة اليوم ، ولكنها راسخة في ذاتي بالأفران البلدية البسيطة التي تبنى ، وتعتمد على الحطب في إنضاج خيوط الكنافة وأقراص القطايف ، ولا تزال أنفي تحمل رائحة الكنافة الساخنة ، وأنا أحملها إلى أمي ، وآكل بعضها في الطريق . أو أذهب لشراء العرقسوس في آنية البلاستيك وأضيع بجسدي الصغير بين الأرجل المتزاحمة .
كان رمضان يأتي في سني الصغير في الصيف ، ولا زلت أذكر اليوم الأول الذي صمته ، تعبت كثيرا من حره ، وصبرت إرضاء لأبي الذي شجعني كثيرا، وغيرةً – أيضا- من بعض أقراني الذي صاموا قبلي ولم أصم . وحين أفطرت ، على التمر والعرقسوس وشراب المشمشية ، أدركت أي لذة يمكن أن ينالها الصائم ، حين يصبر ، ويستمع إلى صوت الشيخ محمد رفعت في الإذاعة ، بنبراته المميزة ، التي ارتبطت في وجدان ملايين المصريين في لحظات ما قبل الإفطار ، حتى يدوي صوت مدفع رمضان ، ثم يعقبه الآذان من المذياع بصوت الشيخ الحصري أو البنا .
صحيح أنني أفطرت بعض الأيام التالية ، ولكن ظلت لذة الطعام عالقا في حلقي ، وكنت أتحدى أبويّ لأصوم حين أنام دون سحور ، وأتحمل الصيام الحار حتى أنال برودة العرقسوس الذي كانت أمي تملأ قدرا به ، ونظل نتجرعه أثناء تناول الإفطار حتى تتمدد بطوننا أمامنا ، ولا نستطيع حراكا ، إلا بعد جهد .
بقيت في المسجد لصلاة التراويح مرة ، تعبت قدماي من الوقوف ، وكثرة الركعات ، وحين عدت سكبت ما شعرت به من ألم على آذان أمي ، متعجبا من كثرة الركعات ، فما كان لها إلا أن أثنت عليّ ودعت لي بالثواب .



[/align]

مهتدي مصطفى غالب
01-19-2008, 05:59 PM
كما يترك الغريب أصدافه
و يرحل مع سفن العودة إلى الجذور
التي نشأنا منها
عائداً إلى منابع المعرفة والمحبة
التي تمطر أرضه التي تركها ؟؟!!
كما تترك القصيدة شاعرها
حين يلف جسدها البرد و الحرمان والصمت ؟؟!!
تخرج إلينا بنثر ذاتك
طفلا حاملا سيف الوضوح والحقيقة ..
واضحاًً كالبرق
يدفئ الكون ويشعر بالبرد دائماًً
لا يدفئ قلبه إلا عشقه الأبدي
للحقيقة التي تؤرخ ذاكرة الإنسان
ليقرأنا و يقرأ لناكلمات
عمدها باللهفة
لتخرج نقية كماء العين
تناجينا و تلاقينا كما يلاقينا
المبدع العظيم الدكتور:مصطفى عطية جمعة

أصالة حرف
01-19-2008, 07:23 PM
الفكرة خلابة
وأعتقد أنها لم تسبق من قبل

واختياركم موفق جداً
للدكتور مصطفى عطية

وفقكم الله
على هذه الجهود الكبيرة

يوتوبيا
01-19-2008, 09:17 PM
رائحة المكان بضجيجه وصخبه تعطر هذه الصفحة

أتابع نثرك الجميل أستاذي

وافر التقدير

صدى الخالدي
01-19-2008, 11:28 PM
الأخ الدكتور مصطفى عطيه
اسمح لي أيها الكاتب الرائع أن أحييك
وأنا أرافق كل حرف تكتبه في سيرتك الذاتية
لأنّي بشوق الى التعلّم من تجربتك

عبدالوهاب موسى
01-20-2008, 12:22 AM
أتيت لأتعطر مرتين إن سمح لى سيدى
الأولى :من عطور الروضة الشريفة
التى تضوع منك ومبارك
حجك سيدى.
الثانية: من عطر سيرتك الفيحان.
دمت لنا أستاذا ومعلما سيدى الدكتور.
ولك احترامى الوارف بحجم الملكوت.
تلميذكم:عبدالوهاب موسى(بيرم المصرى)
أولادسيف - بلبيس - شرقية

الشاهين
01-20-2008, 12:26 AM
أستاذنا الكبير
سعادة الدكتور مصطفى عطية
أتيت إلى هنا لأشم هذا الأريج الفواح
من سيرتكم الذاتية المتخمة بالجمال
متابع لهذا النثر الفني الجميل جداً
شكراً لمرافئ التي عودتنا كل ماهو جميل

صالح سعيد الهنيدي
01-20-2008, 01:00 AM
( 1 )
لا أعي من طفولتي المبكرة - السنوات الخمس الأولى من حياتي - إلا شذرات يسيرة ، وهي شذرات ترتبط بالمكان الذي درجت فيه ، إنه حي الشيخ "الروبي " في مدينة الفيوم ، وما أروع الحي ! وما أجمل المدينة ! وهكذا ينظر كلٌ منا إلى موطن النشأة نظرة مثالية ، وتتحرك العاطفة الجياشة كلما خطونا على ثرى الأمكنة التي درجنا عليها ، لأنها تفوح بالذكرى ، وتعبق بأريج سني العمر الأولى ، حيث تكون الشخصية غضة طرية ، تتكوّن من شخصيات الوالدين والأقرباء ومن هم يقطنون حولنا .
ما أجمل المدينة " الفيوم " ! لأنها غاية في الروعة ، هكذا أراها ، وهكذا تعايشت في نفسي معالمها ، وكلما تذكرتها انتشى الفؤاد عبيرا فوّاحا من طرقاتها وأزقتها . تتكون الفيوم / المدينة من مجموعة من الأحياء الشعبية التقليدية ، التي تتخذ أسماءها من أسماء مساجدها الكبرى ، شأنها شأن الكثير من مدن مصر ، وهذه المساجد تحمل أسماء من دفنوا فيها من مشايخ الصوفية ويتجاور ضريح الشيخ – عادة – جانب مبنى المسجد ، وأحيانا يتوسط المسجد ويعلو الضريح عادة قبة كبيرة ، ليدرك الناس أن الضريح أسفلها ، ودوما يتزاحم الناس حول الضريح تبركا ودعاء ورجاء في أيام الجمعة والموالد والأعياد وغيرها ؛ إنه موروث من البدع والخرافات ، لا زلنا نئن منه ، لدى كبار السن ومن سار على دربهم من الجهلاء .
الفيوم القديمة مجموعة أحياء تتحلق حول المسجد ، وتحمل اسم ضريح الشيخ ، فنجد أحياء : الشيخ حسن ، الشيخ أبو العدايب ، الشيخ الحواتم ، الشيخة مريم ، الشيخ العريان ، الشيخ الصوفي ...
حي " الروبي " هو الأكبر ، موطن تلاقي أتباع الطرق الصوفية ، ومنذ نعومتي كان الناس يتقاطرون من قرى الفيوم وضواحيها ، ناصبين خياما ورايات ملونة في ساحة المسجد وفي الطرقات المؤدية إليه ، بدءا من مطلع شهر شعبان إلى منتصفه فيما يسمى ليلة النصف من شعبان .
في سنواتي الأولى ، يمتزج زحام مولد الشيخ الروبي ، بأعماق نفسي ، حين كنت أغدو وأمسي بين الجماعات الصوفية ، ومجاذيبهم ، ودراويشهم ، بملابسهم المرقعة ، وتمايلهم يمنة ويسرة فيما يسمى " الزار " ، في ساحة المسجد . كانت عيوني تنظر إلى هؤلاء صباحا ، وتطالعهم ليلا وهم ممددون في الخيام وجنبات الطرقات متلاصقين ، لا يفصلهم عن النسوة إلا سواتر قماشية بسيطة . وكنت أشاهد تزاحمهم حول صواني الأرز واللحم ، يملأون كروشهم بالطعام ، وتظل أصابعهم مخضبة بآثار الطعام ، و يهرعون إلى الزار والتمايل ، ويتكاسلون عن الصلوات .
ربما كنت أسعد في طفولتي بهذا الزخم الكبير ، والألعاب التي تقدم معه، مثل المراجيح والزقازيق ، وتعلقت مبكرا بالأراجوز ومسرحه ، وأذكر أنني أنفقت ما ادخرته من قروش قليلة في ليلة واحدة وأنا أشاهد عروض الأراجوز متتابعة ، وحين عدت إلى منزلنا لم يتبق لدي من العشاء إلا القليل ، فغضبت ونمت حزينا ولكنها – أمي حفظها الله – ظلت تهدئ روعي حتى أكلت ووصلت للشبع التام ونمت ضاحكا متذكرا صوت الأراجوز وهو يعارك زوجته وحماه .
وفي " المولد " أيضا ، كنت بجسدي الصغير أشاهد نصب " صواويين " الحلوى ، التي تبيع العرائس والأحصنة وحلوى المولد ، ما أجملها من حلوى مشكّلة : الملبّس والحمصية والسمسمية الملبن ، وكلمات جدي حين يشتري لي بعض الملبن وهو يقول : " فتّح عينك تاكل ملبن " ، لم أعِ هذه الحكمة إلا متأخرا ، فالملبن الطري ، الذي عشقت مذاقه ، أغلى أنواع حلويات المولد ، وألذها ، وكثيرا ما كان الناس يتعرضون للسرقة في المولد ، بسبب غفلتهم وشدة الزحام ، فمن فتّح عينه وانتبه لجيبه ، سيشتري الملبن .
كان تزاحم الناس يخفت مع انتهاء شهر شعبان ، وقدوم رمضان ، وتظل ساحة مسجد الروبي عامرة ، ولكن بالمصلين ، وأفران الكنافة والقطايف وباعة حلوى رمضان ، والزبادي والفول والخبز الساخن والعرقسوس . صحيح أن هذه الأطعمة موجودة اليوم ، ولكنها راسخة في ذاتي بالأفران البلدية البسيطة التي تبنى ، وتعتمد على الحطب في إنضاج خيوط الكنافة وأقراص القطايف ، ولا تزال أنفي تحمل رائحة الكنافة الساخنة ، وأنا أحملها إلى أمي ، وآكل بعضها في الطريق . أو أذهب لشراء العرقسوس في آنية البلاستيك وأضيع بجسدي الصغير بين الأرجل المتزاحمة .
كان رمضان يأتي في سني الصغير في الصيف ، ولا زلت أذكر اليوم الأول الذي صمته ، تعبت كثيرا من حره ، وصبرت إرضاء لأبي الذي شجعني كثيرا، وغيرةً – أيضا- من بعض أقراني الذي صاموا قبلي ولم أصم . وحين أفطرت ، على التمر والعرقسوس وشراب المشمشية ، أدركت أي لذة يمكن أن ينالها الصائم ، حين يصبر ، ويستمع إلى صوت الشيخ محمد رفعت في الإذاعة ، بنبراته المميزة ، التي ارتبطت في وجدان ملايين المصريين في لحظات ما قبل الإفطار ، حتى يدوي صوت مدفع رمضان ، ثم يعقبه الآذان من المذياع بصوت الشيخ الحصري أو البنا .
صحيح أنني أفطرت بعض الأيام التالية ، ولكن ظلت لذة الطعام عالقا في حلقي ، وكنت أتحدى أبويّ لأصوم حين أنام دون سحور ، وأتحمل الصيام الحار حتى أنال برودة العرقسوس الذي كانت أمي تملأ قدرا به ، ونظل نتجرعه أثناء تناول الإفطار حتى تتمدد بطوننا أمامنا ، ولا نستطيع حراكا ، إلا بعد جهد .
بقيت في المسجد لصلاة التراويح مرة ، تعبت قدماي من الوقوف ، وكثرة الركعات ، وحين عدت سكبت ما شعرت به من ألم على آذان أمي ، متعجبا من كثرة الركعات ، فما كان لها إلا أن أثنت عليّ ودعت لي بالثواب .



[/align]

هأنت تقدم لنا يا دكتور
صورة مشرقة من ملامح طفولتك
وتضفي عليها أطارًا خلابًا من البيئة
التي كانت تحيط بتلك الأيام الغضة
هي هكذا الخطوات الأولى في سلم الحياة
لا تخلو من النضارة والمتعة

متابعون لهذا السرد الذاتي المنساب
بوركتَ

فاتن محمود
01-20-2008, 01:26 AM
وكلمات جدي حين يشتري لي بعض الملبن وهو يقول : " فتّح عينك تاكل ملبن " ، لم أعِ هذه الحكمة إلا متأخرا ، فالملبن الطري ، الذي عشقت مذاقه ، أغلى أنواع حلويات المولد ، وألذها ، وكثيرا ما كان الناس يتعرضون للسرقة في المولد ، بسبب غفلتهم وشدة الزحام ، فمن فتّح عينه وانتبه لجيبه ، سيشتري الملبن .


رائع يا دكتور ..
كلماتك أعادت إليّ ذكرى أيام رائعة عايشتها في طفولتي .. الغريب أني كنت أسمع كثيرا ً جملة فتح عينك تكل ملبن ولم أفهم معناها إلا الآن منك ..

استمر ..

أتابع بشغف

انتصار الهذلي
01-20-2008, 12:34 PM
نتابع هذا السرد الجميل
دكتور مصطفى
زادك الله بهاءً وإبداعاً

محمد حسام الدين دويدري
01-20-2008, 01:17 PM
أخي الدكتور مصطفى....
أحييك وأمد يدي مباركاً صدقك وتواضعك ورقيّك
وتلك هي رسالة الكاتب المبدع الذي يدرك أنه يبذل مافي وسعه لأدائها لوجه الله وليس طمهاً في شهرة أو جاه...
بارك الله وزادك علماً وعملاً وتقى

حسن حجازى
01-20-2008, 06:38 PM
فى أنتظاركم الكريم

د/ مصطفى عطية جمعة
الجمع الكريم
دوما نسعد بكم
وبإطلالتكم البهية
التي حتما ستجذبنا بسحرها
ننتظر حروفك العطرة
التي غمرتنا بها
مودتي لأهل المرافيء الكرام

حسن حجازي

د. مصطفى عطية جمعة
01-22-2008, 02:21 PM
( 2 )
لم أكن في طفولتي فتي مميزا ، بل كنت أشعر – دوما - أنني أقل من الأطفال الآخرين في كثير من الأمور والأنشطة ، كنت – في صغري – أقرب إلى البدانة ، وهذا كان يعوقني عن الحركة والانطلاق ، فإذا لعبت كنت أقف حارس مرمى أو خلف المرمى أجمع الكرات الضائعة ، وإذا شاركت في فريق يكون نصيبي مدافعا أمام المرمى ، وغالبا ما يتجاوزني المهاجمون أي يتلاعبون بي ، ومن ثم تكون الطامة ، على حارس المرمى ؛ وأكون أنا سببا في الهزيمة ، وأسمع لوما أقرب إلى الشجار ، ومن ثم أرتكن جانبا .
كنا نلعب في حواري حي الروبي وأزقّته ، ولازلت أتعجب كيف كانت هذه الحواري الضيقة تتسع لصخبنا وتبارينا وعراكنا ؛ الذي كان يؤدي في نهاية النهار أو منتصفه إلى إغراق الحارة بالماء من قبل إحدى الساكنات ، وهي تصرخ فينا : " كل ولد يلعب أمام بيته " ، فنحمل كرتنا ، ونقذف الصخر الذي يشكل علامة المرمى جانبا في الحارة ، ونذهب إلى حارة أخرى ، رغبة في إكمال مبارياتنا ، وتحدٍ للجارة العنيدة معنا ، وأذكر " أم سوسن " التي كانت أول من ترش المياه في الحارة ، ثم تعطف علينا وتبل ريقنا بماء الحنفية ، بعدما تمتص شمس الصيف رطوبة رؤوسنا ، وما تبقى من عرق في أجسامنا ، فيشتد عطشنا ، ونلجأ لها نسترحمها فتعطينا على مضض ظاهريا ، وبعطف باطنيا .
ذات مرة ، اختلط الحابل بالنابل في مباراة ، فوجدت نفسي – أنا المدافع المجاور لحارس المرمى – أمام مرمى الخصم ، والحارس بعيد ، وجاءتني الكرة طائرة من الخلف ، لكزتها بقدمي ، فدخلت المرمى ، صاح فريقي ، وحملوني وأنا البدين ، وانتهت المباراة بفوزنا ؛ كانت سعادتي لا توصف ، ولكنها لم تتكرر إلا مرات قليلة .
كنت لا أجيد العراك ولا الصوت العالي ، ولا أعرف أنا وإخواني تبادل السباب القذر ، وإذا شتمنا أحد ، كنا لا نرد عليه ، وقد ظللت أسأل نفسي طيلة حياتي عن سبب عفة لساني ، حتى وجدته ، إنه التأثر الخفي بأخلاقي أبي ، كان أبي ( حفظه الله ) حافظا لسانه دائما ، لم أسمعه مرة في حياتي يسب أو يخرج كلمة نابية ، وحين ذهبت إليه في عمله في مصلحة تفتيش الأملاك الحكومية، لم يكن يضحك ويهرج بالكلام الخارج مثلما يفعل الكثيرون .
هذه الخاصية جعلتني ضمن زمرة " العيال المؤدبين " ، الذين لا يعرفون الفحش ، وللأسف فإن أخلاق الشارع تتعامل مع هذه الفئة المؤدبة بنظرة دونية، فالسيد في الشارع من امتلك السباب وأخلاق اللصوصية وتعامل بعلو الصوت وأجاد الخناقات ، ومرات كثيرة كنت عرضة لسخرية العيال ، لأنني لا أملك ردا على السب ، ولا أجيد الدخول في خناقة ، لأنني أعرف مقدما أنني خاسر فيها، اللهم إلا إذا كان المتعارك أقل مني عمرا وجسما ، وهذا حدث مرة ، حيث تعاركت مع شقيقين ، أصغر مني بسنوات ، وانتصرت عليهما ؛ فشعرت بالتيه ، ومشيت مختالا ، حتى وصلت إلى ميدان " المبيضة " ، وكان الليل يقترب من منتصفه. سمعت صوت ولد يقول لي : امش على الرصيف الثاني يا حيوان .
انتبهت ، فوجدت ولدا طويلا ، أبيض الوجه ، غزيز الشعر ، وأنا أكرت الشعر. شعرت بالإهانة ، واكتشفت أنني بالفعل أسير أمام بيتهم ذي الرصيف الطويل ، وهم مشغولون بنقل أغراض من سيارة إلى مدخل بيتهم ، كان بيت عائلة "الكتبي " وأصولهم تركية ، أغاظني كلامه ، وأنا المختال بعد معركة ، فقلت له بعزة : "اطلع لي برّه " ، فقال أبو الولد بعطف : امش يا بني بعيد . فتمسكت قائلا : خلّ ابنك يطلع لي بره . فأسرع الولد ، إلى وسط الشارع ، وقال : تعال لي ، فذهبت إليه ، دقيقة ، وكنت منبطحا أرضا وقبضاته في جنباتي ، وأبوه يمنعه عني ، شعرت بمرارة عميقة للهزيمة بعد انتصار زائف . قضيت ليلة سيئة ، أبكي بشدة ؛ لضعفي في العراك واللعب ، وكان السؤال : لماذا أنا في مؤخرة العيال ؟ بالطبع كان عقلي عاجزا عن الإجابة ، ولكن ترسخ الإحساس في نفسي .
ومن سوء اختياراتي أن الدنيا ضاقت بي ؛ فاخترت تشجيع فريق نادي الزمالك المصري ، بفانيلته البيضاء المخططة بخطين حمراوين– في سنوات السبعينيات- ، كنت أحب هذا الفريق لأن لاعبيه يجيدون مهارات "الترقيص" والتلاعب بالكرة ، فكنت أشاهد مباراة الأهلي والزمالك وقلبي يحترق على فريقي المنهزم في العادة ؛ ثم أجدني مضطرا إلى الدفاع عن الزمالك أمام سخرية زملائي وأدافع بحرقة ولسان حالي يدافع عن الفرق التي أشارك فيها وللأسف تهزم ، نوع من تعويض الذات .

سفينة الصحراء
01-22-2008, 06:48 PM
ما أروع الارتياض هنا
واحة من الأدب الراقي
هنيئاً يا مرافئ الوجدان بهذه القمة الإبداعية
دكتورنا الفاضل بارك الله في جهدك

همدان بن ناصر العليي
01-22-2008, 07:01 PM
أتمنى من الأستاذ الدكتور إضافةً إلى كرمه الجم هنا أن يضع لنا صور من مختلف محطات حياته - حتى الطفولة - إن لم يكن هناك أي احراج أو تمنع في ذلك ..

لا زلت هنا لأرتشف

د. مصطفى عطية جمعة
01-22-2008, 10:59 PM
الأخوة الأعزاء /
إبراهيم خليل إبراهيم
فيصل الزوايدي
مهتدي غالب مصطفى
حسين العفنان
سلام الله عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته
اسمحوا لي أن يكون الرد عليكم في رسالة واحدة ، ذلك أن الكلمات تعوزني في شكركم ، على تفضلكم بالحضور البهي ، والتلقي الفاعل ، ودعوني أقدم عميق امتناني لكم على مشاعركم الجياشة نحو شخصي البسيط ، وأحب أن أوضح أن هذه خواطر ونثر عن الذات أردت أن أضعها بين أيديكم ، لتتأملوا ذاتي معي .
جزاكم الله خيرا
أخوكم / مصطفى عطية

د. مصطفى عطية جمعة
01-22-2008, 11:15 PM
الإخوة والأخوات الأعزاء :
مهتدي غالب
صدى حرف
يوتوبيا
صالح سعيد
فاتن محمود
صدى الخالدي
انتصار الهذلي
عبد الوهاب موسى

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
اسمحوا لي أن تكون رسالتي واحدة إليكم ، ففيض مشاعركم يغمرني ، وأجد محبتي لكم تزداد لحظة بعد أخرى ، وأشعر أن ذاتي تعبق بعبقكم ، وتفرح بفرحكم ، فما أجمل أن يجد المرء من يشاركه جوانب من حياته , ويستشعر أن هناك من يحبونه ، ويتهلفون لقراءة ما يدونه عن ذاته ، إنها لحظات جميلة أحسها وأنا أجد عبير كلماتكم يغرق فؤادي .
تقبلوا :
تقديري
حبي
مودتي
ولكم فائق امتناني
أخوكم / مصطفى عطية

د. مصطفى عطية جمعة
01-23-2008, 12:00 AM
الإخوة الأعزاء
محمد حسام الدين دويدري
سفينة الصحراء
حسن حجازي
همدان العلي
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
تقبلوا خالص مودتي
وعظيم شكري
وفائق محبتي
بالنسبة لإرفاق صور ، للأسف فإن صور طفولتي شبه منعدمة ، فلعل كلماتي البسيطة تنقل لكم بعض هذه الصور .
غمرتني مشاعركم الجميلة
وأود أن أقدم قلبي لكم ، لعله يكون صداقا لصداقة أبدية بيننا
دمتم بخير جميعا
أخوكم / مصطفى عطية

صالح السالم
01-23-2008, 01:19 AM
د. مصطفى
أبحر بنا في هذا المركب الذاتي الماتع
رائع أنت بكل ما تحويه الكلمات
وتخطه السطور

ناصر البراق
01-24-2008, 03:24 PM
تفردت مرافئ الوجدان
بالكثير من الفعاليات الثقافية الماتعة
ويأتي هذا المرفأ ( حديث الذكريات ) كواحدة من هذه الميزات المرافئية
وقد اختير الدكتور مصطفى عطية كأول سارد لسيرته الذاتية ( الذكرى والذاكرة .. نثر عن الذات )
وهو اختيار موفق لأن لدى الدكتور عطية الكثير من الذكريات التفصيلية
وهاهو يبدأ هذا السرد الجميل فنشكره أوفر الشكر
وندعو للمرافئ بمزيد من التوفيق

د. مصطفى عطية جمعة
01-24-2008, 11:45 PM
( 3 )
شاء القدر أن أكون معاصرا لزمن التغيّر والتبدل في مظاهر عديدة ، ويمكن أن أسميه زمن التغير الأوسط ، الذي عاصرتُ فيه تداعيات زمن سابق ، واستقبال زمن جديد ، بالطبع هذه التداعيات وتلك التبدلات لم تقتصر على جيلي، فهي ممتدة من أجيال سابقة ، ولكن فرق أن تبشّر الأجيال السابقة بهذه التداعيات وتتكلم عنها، وبين أن أعاصر انزواءها التدريجي ومن ثم تلاشيها .
لعل أبرز هذه المظاهر المتلاشية : ألعاب الأطفال الشعبية ، وعمارة الحارة المصرية القديمة ، والحرف القديمة .
كانت مدينة الفيوم ( حبيبتي ) نموذجا للمدينة المصرية التي قاومت ردحا من الزمن هجوم المدنية على معمارها وتخطيطها وخدماتها، قبل أن تستسلم في سني السبعينيات والثمانينيات إلى زحف الشوارع الحديثة والمباني الخراسانية وتيسير الخدمات والمرافق ، و من ثم ظهور العائلات الصغيرة المحصورة في الشقق. فطفولتي المبكرة وصباي كانت في الحارة المصرية ، بكل عبقها وزخمها وتقاليدها ، وأيضا عشت مع أسرتي في إحدى البنايات التي كانت مؤشرا على زحف المدنية الحديثة ، وعندما أردد مصطلح " الحارة المصرية " ، فإنما أعني الحارة بكل تراثها ومعالمها وبشرها وألعابها ، فهي مَعْلم وجود .
ولو بدأت بألعاب الأطفال الشعبية التي كانت سائدة قبل مزاحمة التلفاز والأندية لها ، فقد كان شهر رمضان هو المحطة الأبرز لممارستي الألعاب الشعبية ، فطيلة سني طفولتي وصباي كان " رمضان " يأتي في فصل الصيف .
وفي هذا الشهر الكريم كنّا نسهر ، نلعب هذه الألعاب المتوارثة ، جيلا بعد جيل بشكل غير مباشر ، ويمكن أن أسميه توارثا ضمن الذاكرة الجَمْعية للشعب المصري ، السهر يمتد بنا إلى وقت السحر ، نلعب لعبات : عسكر وحرامية ، وسبع الطوبات ، والقفز على الظهر ولعبة " ثبّت " ولعبة " الكهرباء" وغيرها . جذبتني في هذه الألعاب : الألفة والروح الجماعية والتخطيط والتنفيذ الذكي الذي يقودنا إلى الفوز ، وجدتُ ذاتي فيها ، وشعرت بلذة الفوز والبهجة الجماعية ، خاصة في الألعاب التي تحتاج لذكاء وتخطيط مثل عسكر وحرامية، كان الأولاد (الحرامية ) إذا أرادوا فرارا يركضون بعيدا ، ويطاردهم العسكر ، وذات مرة وكنت مع الحرامية ، فكرنا أن نكون قريبين ، ونخادعهم ، واختبأنا في طوابير المخبز المزدحمة ، ركض الأولاد العساكر يبحثون عنا ، وعدنا نحن لنهجم على مركز الشرطة ، ونحتله ، وكنت في طليعة الفائزين .
عندما نقارن بين هذه اللعبات الشعبية القديمة بفوائدها التربوية ، وبين الألعاب التي يلعبها أبناؤنا اليوم ، نجد ميولا واضحة إلى الفردية كما في ألعاب البلاي ستيشن وركوب الدراجات ، وتعزيزا للأنانية كما تبدو في رغباتهم في الاستئثار باللعبة والفوز الدائم ، وعدم التحلي بروح الفريق ، وللأسف لم تعد الألعاب الشعبية موجودة في الأندية والمدارس ، فالسائدة هي الألعاب الرياضية، وهناك الكثير من الكتب والأفلام التسجيلية التي توثق الألعاب الشعبية ، ويمكن أن يتم إخراجها وتعميمها وتقديمها لأطفال اليوم بشكل جذاب ، استثمارا لهذا الإبداع الشعبي المتوارث .
وقبل رمضان ، كان شباب الحي يجمعون خمسة قروش من كل بيت ، لتزيين الحي ، فيمدون خيوطا ملصق عليها أوراق مصبوغة بالأحمر والأزرق والأخضر، ووسط الحارة يمدون حبالا معلق عليها نموذج لمسجد وفانوس مضيء، كنت حاضرا في هذه الأيام ، وأنا صغير بين أرجل الشباب ، أقوم بلصق الورق الملون بالنشا ، وأشاهد صنع الفانوس والمسجد ، وعقب عيد الفطر ، كنت أول من يلتقط خيوط الزينة التي يمزقها الناس ، وأعيد تعليقها في بيت جدي ، وسرعان ما أزهد فيها فأمزقها . غابت الزينات الآن ، لاتساع الشوارع ، وانشغال الأطفال والشباب بمشهيات الحياة الحديثة ، وإن وجِدتْ زينات ، تكن أضواء وألعاب نارية متنوعة الألوان والأشكال ، ولكنها إنتاج مصانع ، لا شباب يافعا ، يعبر عن فرحه بالشهر الكريم بإمكانات بسيطة .
كنت أسهر مع العيال في الحارة حتى أسمع طرقات طبلة المسحراتي وهو يجوب حواري الحي ، وينشد بنغمة حلوة وصوت ضعيف : " اصحَ يا نايم ، وحّد الدايم" وينادي على من يعرفهم في بيوتهم ، فأتعجب ولما سألت جدي لأمي (رحمه الله) : كيف يوقظ صوته الضعيف الناس ؟ ابتسم جدي وقال : ولماذا يرفعه يا بني؟ الراديو موجود ، وشغّال طوال الليل . عدت أتساءل : ولماذا يلف المسحراتي في الحواري ويتعب نفسه ؟ يضحك جدي ويقول : لأنه لا يعرف عملا آخر يعمله في رمضان ؟ ويردف : الناس الطيبون تعرف هذا ، فهم يعطونه المال وخير رمضان صدقات ، وهو مسكين ، يريد العمل لا الصدقة .
أدركت وقتئذ كيف أن هذا الرجل عنوان لاندثار مهنة ، كانت ذات أثر في تاريخنا ، ولكنها سمة الحياة ، التي تتقلب فيها الحرف وتتبدل .
ومن الحرف المتلاشية أيضا حرفة " النحّاس " وهو منظف النحاس وملمعه ، وقد كان الناس يعتمدون على الآنية النحاسية في سائر شؤونهم : الطبخ والغسل والتنظيف ، وهناك أيضا السرير ذي القوائم النحاسية ، وكان لأمي طاقم نحاسي كامل في المطبخ والحمام ، ولأن النحاس بطبيعته يصدأ، ويكون صدؤه لونا أخضر ، فإنه يحتاج إلى نظافة مستمرة ، فهذا الصدأ قد يسبب تسمما ، لذا كان الناس يحرصون على تنظيفه وتلميعه ، وكان " النحّاس " يستخدم طرقا عديدة لنزع طبقة الصدأ ، ثم يضع سوائل عدة لتلميعه ، وتحضر في عيني صورة النحاس الذي يقف وسط "الطست " الكبير المستخدم في غسل الثياب ، بقدميه ، يتحرك يمنة ويسرة ، يحكه مرات لنزع الصدأ ، وعندما تشاهد الآنية النحاسية عند تسلمها من " النحّاس " يتملكنا العجب من مهارته ، فقد كان بريقها يقترب من اللون الذهبي. عامةً ، فإن النحَاس كان ثروة في المنزل ، لذا كان اللصوص إذا هاجموا منزلا شعبيا فإن الأواني النحاسية كانت هدفهم . لحقتُ انزواء هذه المهنة ، عندما رأيت أمي وهي متعلمة تعليما جيدا ( دبلوم المعلمات ) ، تلقي أواني الطبخ النحاسية ، وتشتري أواني الألومنيوم البيضاء ، سنوات قليلة ، وأقفلت دكاكين " النحّاسين " في الشارع الذي يحمل اسمهم ، وصار اسما على غير مسمى .
نفس الأمر ينطبق على حرفة " السقّا " ، الذي كان يحمل قُرَب الماء ، أو عصا مثبت في طرفيها صفيحتان ، كان يذهب إلى حنفيات البلدية وسط منطقة "سوق التبن " فيملأهما ثم يحملهما إلى البيوت ، سنوات قليلة ، وكانت البلدية تحفر حفرا طولية ، بطول الحواري لإدخال أنابيب المياه العذبة إلى البيوت ، وكلما رُدِمَت حفر في حارةٍ، تلاشت أقدام السقّا منها، ولم يتبق إلا سقا واحد ، يحمل الماء إلى بعض العجائز الفقيرات اللائي لا يملكن مالا لتوصيل المياه لبيوتهم ، أو لأن بيوتهم أوشكت على السقوط ، ففضلن ألا يصل لها الماء. أما بقية السقائين ، فقد ضاقت سبل العيش بهم ، فعاش بعضهم مترحمين على زمن تولى ، كان السقا فيه ذا شأن في الحياة اليومية ، لأنه يحمل سببها، معتمدين في معيشتهم على أبنائهم ومعونات المحسنين ، والبعض الآخر، فضّل أن يكون بائعا للعلف والبرسيم في سوق التبن ، ثم أقفلت البلدية حنفيات المياه العمومية وسط السوق ، بعدما تأكدت أن كل البيوت قد وصلتها المياه .

صالح سعيد الهنيدي
01-24-2008, 11:52 PM
د. مصطفى
ما نزال نرتشف هذا العذب النمير
من سيرتك الذاتية
وما تزال تبحر بنا أمواج الطفولة المتقدة

واصل
فالشوق يحفزنا على المكث هنا

د. مصطفى عطية جمعة
01-25-2008, 12:00 AM
الأخوان العزيزان :
صالح السالم
ناصر البراق
سلام الله عليكما
متيم بالسعادة وأنا أقرأ كلماتكما الرقيقة ، فهذا يحفزني على المزيد من كشف الذات ونثرها ، ما دمت أجد هذه الأفئدة الطيبة ، وتلك العقول المتفتحة ، وهذا التلقي العالي .
أخوكما / مصطفى

د. مصطفى عطية جمعة
01-25-2008, 12:04 AM
د. مصطفى
ما نزال نرتشف هذا العذب النمير
من سيرتك الذاتية
وما تزال تبحر بنا أمواج الطفولة المتقدة

واصل
فالشوق يحفزنا على المكث هنا


الشاعر الكبير / صالح سعيد الهنيدي
سلام الله عليك
شكرا لتواصلك الدائم
ومتابعتك الحثيثة
وإذا كنتَ مشتاقا لكلماتي ، فأنا أشد شوقا لتعقيباتك ، ومنتدانا مرافئ شوق في بحار من الحب الجامع بين أعضائه وزواره .
دمت بألق وإبداع .

د. مصطفى عطية جمعة
01-30-2008, 03:10 AM
( 4 )
عندما أخطو في شوارع حي الروبي ، تمتلئ أنفي بعبق طفولتي ، وأتنسم هواء لا يزال في أعماقي ، رغم التبدلات التي طالت الحي : مبان إسمنتية ، شوارع متسعة بعض الشيء ، رصف الحواري ، ولكن لا يمكن أن أخرج من هذه الحالة التي تتلبسني : حالة الانتماء المكاني ؛ فالمكان القديم يحيا في ذاكرتي، وأنا أحيا فيه ، وهذا يعطي نسبية في تعاملنا مع المكان والأشخاص ، فكلما مر بنا العمر ، واتسعت التجارب ، وتعلقت آثارها بذاكرتنا ، تصبح الذاكرة هي المهيمنة ، فإذا حضرنا مكان لنا علاقة خاصة به ، فهو يحضر ومعه تلك العلاقة، ربما تخفت آثارها قليلا ، ولكن تتحرك في الخلفية ، وتقتحم سلوكياتنا، لدرجة أنني أوقن أن الذاكرة هي محرك وجودنا في علاقاتنا بالناس والأمكنة والأزمنة ، وهي اللاعب الأساسي في تعاملاتنا ، وكلما تتابعت السنون علينا ، تراكمت الذكريات في طبقات ، وضاق هامش الجديد .
المكان ليس مجرد جمادات ، إنه مزيج من الزمان والموجودات المادية ، والأشخاص ، والمواقف الإنسانية . هذا ما يفور في أعماقي وأنا أخطو في أزقة " الروبي " وما حوله من أحياء فرعية ، إنها حالة الهيام والعشق المكاني ، التي تضاعفت مع سنوات اغترابي التي تقترب الآن من خمس عشرة سنة ، وكلما تناءى المكان الحاضر عن عيوني ، اشتدت صورة المكان / الذاكرة في أعماقي.
ها أنا طفل صغير ، في الخامسة من عمري، أذهب إلى بيت جدي لأمي، هذا البيت العتيق المؤلف من دهليزين ( ساحتين ) صغيرين في مدخل البيت الدهليز الأول و الثاني في منتصف البيت ، الأول يمنع الزائر من اجتلاء من بالبيت من نساء ، والثاني لحركة أهل البيت ونشاطهم اليومي . إنه بناء متسق مع القيم الإسلامية التي ترسخت في النفوس عبر مئات السنين ، قيم تحولت إلى تقاليد مكانية ومعمارية تراها منبثة في الزوايا والأزقة تجاورا يصنع ألفة وأخوة ، وفي واجهات البيوت القديمة ونوافذها ، حيث المشربيات التي تستر من وراءها عن عيون المارة ، وتجعل من بالبيت يطالع الشارع وهو مطمئن في ستره .
قبل أن تلج بيت جدي ، عليك أن تطرق مدقة حديدية ، مثبتة وسط باب خشبي كبير ، كي يأتيك صوت يأذن لك بالدخول ، تدفع الباب فيحدث أزيزا عالي النبرة ، وتدخل ، تتعجب من كون الباب غير مغلق من الداخل ، هذا شأنه طوال اليوم ، يفتح جدي المزلاج وهو ذاهب لصلاة الفجر ، ويظل الباب مواربا حتى يغلقه جدي بعد صلاة العشاء ، بعدما يتأكد ألا أحد خارج المنزل . إذا دفعت الباب الموارب ، تجد الدهليز الصغير ، ليس فيه إلا باب يفضي بك إلى الدهليز الأوسط ، وعليك أن ترفع عقيرتك حتى تُعلِم من بالداخل أنك موجود ، فتخرج إليك جدتي لأمي ( رحمها الله ) ، متلفعة بطرحتها السوداء إن لم يوجد رجل في المنزل ، تستجلي ما تريد ، وتجيب طلبك .
في داخل البيت : غرف عدة ، اثنتان للنوم ، وواحدة لجلوس النساء ، وهناك المطبخ ، والحمام في ركن ناء ، حمام بلدي دون صرف صحي . أسقف البيت عالية ، تعطيك هواء باردا في الصيف ، فمهما اشتد قيظ الشارع ، فإن البرودة الخفيفة ستتلمس جسدي الصغير عندما أكون تحت السقف العالي ، وفي الشتاء ، ينقلب الوضع ، دفء بالداخل ، وصقيع في الخارج ، وتتعجب من هذا البناء المعماري المتلائم مع المناخ ، ويبطل عجبك عندما تجد حيطان البيت عريضة ، حوالي نصف المتر ، وألواح الخشب تعوها مشكلة سقف المنزل ، إنها مانعة القيظ صيفا ، وحافظة الدفء شتاء.
توفيت جدتي وأنا في الخامسة ، ماتت عقب عملية جراحية في مستشفى الفيوم العام ، ذاكرتي تستحضر يوم الوفاة : ازدحام في الدهليزين الأوسط والخارجي ، نساء متشحات بالسواد ، يصرخن ، ويلطمن خدودهن ، تحمر الخدود ؛ إنها تقاليد بالية ، تبالغ في الحزن ، بما يخرج النفس عن التسليم بقضاء الله ، عيوني الصغيرة تتحرك ، وترى من تشق جيبها ( صدرها ) لحظة حمل الجثمان إلى النعش الخشبي المستقر أمام الباب الخارجي الكبير ، يستقر الجثمان فوق النعش وتحمله الأكتاف ، وجدي يتقدم الجنازة هادئ ، حزين ، يمنع العبرات، متمسكا بما قدره الله .
أول مرة أواجه الموت في حياتي ، وها هي جدتي تغادر ألفة العائلة بعد مرض لا أذكر أعراضه ، وقد بقى من أريجها حنان ، يختزنه جسدي الصغير بلمساتها الحانية وهي تضعني في حجرها ، وتداعبني ، هل الموت يعني مفارقة الأحبّاء لنا ؟!
البيت بعد جدتي فارغ ، العيون شاخصة ، وتتابع أيام العزاء ، في التقاليد المصرية : العزاء يستمر دون توقف ، ثلاثة أيام بعد الوفاة ، ينصبون الصيوان الكبير الذي يملأ الحارة ، ويمنع عربات الكارو الخشبية من المرور ، ثم يتكرر الأمر بعد أسبوع من الوفاة ، بصيوان أصغر ، ثم يوم الخامس عشر ، ثم يوم الأربعين ، ثم كل عام فيما يسمى " السنوية " . وتظل النسوة يلبسن السواد عاما على الأقل ، إنه ميراث ضخم من الوفاء وأيضا من الحزن .
الآن ، اضمحلت هذه التقاليد ، وأضحى الناس يكتفون بالأيام الثلاثة بعد الوفاة ، بفعل زيادة الوعي بالشريعة السمحاء .

د. مصطفى عطية جمعة
02-01-2008, 11:07 PM
( 5 )
منذ أواسط سني السبيعينات بدأت التبدلات الاجتماعية والاقتصادية، لم يعِ عقلي الصغير إلا سفر آباء أصحابي إلى العراق ودول الخليج وليبيا ، عادوا محملين بالملابس الزاهية ، والألعاب .
- أين أبوك ؟ سألت الولد " خالد " الذي يلعب معي عند بيت جدي .
- مسافر في ليبيا . أجاب دون اهتمام .
- ألا يعود ؟ كنت مصرا على الإجابة .
- لا أعرف .
- متى سافر ؟
- من سنتين تقريبا .
قالها وانصرف لكرة " الشراب " التي ينطّطها على مشط قدمه ببراعة .
بعد شهور اخترقت سيارة " بيجو " بيضاء الحارة محملة بحقائب وكراتين كثيرة، وبرز جلباب أبيض فخم منها ، وانقلبت الحارة لوصول " أبي خالد " . اليوم التالي ، كان خالد يلبس خاتما ذهبيا ، وبدلة جديدة ، ويلعب بكرة جلدية . بعد شهرين ، سافر الأب ثانية ، وبدأت " أم خالد " وجدته هدم منزلهم العتيق ، ذي النوافذ الخشبية الطويلة ، والمشربيات التي اسودت بفعل الزمن . تكوم المنزل أخشابا وطوبا ، ثم امتدت أسياخ الحديد في الشارع ، وبجانبها العمال الذين يخلطون الأسمنت بالرمل ، وارتفعت الأعمدة الخراسانية . بدا البيت نشازا وسط بيوت الحارة العتيقة .
في الأعوام التالية ، بدا بيت جدي نشازا وسط البيوت الإسمنتية بطلاءاتها الجديدة ، تدافع الناس إلى الهدم ، إلا جدي تمسك ببيته ، وأصر خالي على إدخال المياه النقية والصرف الصحي .
تكاثر المسافرون للخليج والعراق والدول الأوروبية ، وكثرت الأموال التي تزيل البيوت ، وتغرس مكانها الأبنية الخراسانية ، كنت أسير في الحواري ، فأجد الرمال وأطنان الحديد والإسمنت تمنع السير ،فشحّت الأمكنة التي يمكن أن نلعب فيها ، بسبب خلطات الخرسانة . تغيرت طباع الناس مع علو العمارات في الحواري الضيقة .
قال الولد " حسين " لنا – نحن اللاعبين – أمام بيته :
- الحمد لله ، أنا رافع رأسي بعمارتين بناهما أبي لنا .
كان أبوه جزارا ، سنوات وأحال البيت القديم ، وفيه المعلف والمذبح إلى عمارتين متجاورتين .
* * *
لم أصدق عيني وأنا أرى " أم عزت " تاجرة الإسمنت ، بجسمها السمين ، تركض في الشارع ، قادمة من محلها الكائن في ميدان الروبي ، كانت تصرخ بكلمات متداخلة : - العساكر يا ناس .
تجاوبت معها بناتها ، فأسرعن إليها ، انكفأت أم عزت على الأرض ، كنت بالقرب منها ، قالت :
- بسرعة ، أخرجوا الإسمنت من البيت .
فترة وجيزة ، وكانت بناتها يحملن أكياس الإسمنت ، ويضعنها على عربات الكارو الخشبية ، ثم تخبأ في بدرومات البيوت .
حكت النسوة في الشرفات وأمام الأبواب ليلا :
- أم عزت كانت تبيع الإسمنت في السوق السوداء ، مسكينة ، تساعد زوجها عامل البلاط ، ربنا رزقها ولدا وست بنات ، وبناتها تحتاج التجهيز في الزواج والولد ابنها مدلع ، يتزوج ويطلق كل سنة .
- المشكلة كانت مع تاجر إسمنت كبير اختلف معها ، فأبلغ عنها .
- أغلق الضباط محلها وفتشوا بيتها ، وقلبوه .
مرت أسابيع ، ودار الهمس على ألسنة النسوة :
- أم عزت ذكية ، دفعت رشاوى للصولات والعساكر ، وأخذت براءة ، وفتحت المحل من جديد .
* * *
- ثريا جاءت .
قالتها أمي ، وهي ترتقي سلالم البيت المجاور ، حيث تبعتها بعض نساء الحارة، وفي منزل " أم حمدي " كانت ثريا ، تعرض الملابس الحريمي الزاهية ، والعباءات الخليجية ، والفانلات ، والقمصان الجاهزة ، عادت أمي محملة ، والتف إخوتي حولها ، نظرت لأبي وقالت :
- البضاعة جميلة ورخيصة ، زوجها يهرّبها من بورسعيد .
أجابها أبي :
- زوجها شاطر ، يرشو موظفي الجمرك ، ويخرج بالبضاعة .
كان نصيبي فانلة جديدة ، فرحت بها كثيرا ، ولم أكن أعلم أنها بداية النهاية لتفصيل الثياب . سنوات ، وأقفرت محلات الخياطين ، وتلاشت أقدام النسوة عند الخياطات ، واكتظت محلات شارع البحر بالبضائع المستوردة .
* * *
أسير في سوق الخضار مع أمي التي تقول لخالتي :
- حتى بائعات الخضار ، صرن يعشن في العز والنعيم ، انظري إلى الذهب في أيديهن وحول أعناقهن ، الموظف هو التعيس الآن .
أتطلع إلى البائعات ، يفترشن الأرض ، وأمامهن أقفاص الخضار والفواكه، والذهب يلمع وهن يزن للناس . ردت خالتي :
- من سنين ، كانت البائعة تجذبنا من ثيابنا للشراء .
* * *
كانت سياسة الانفتاح الاقتصادي، والخروج الأكبر للمصريين إلى الخارج ، وراء التبدل الاجتماعي والاقتصادي الذي اجتاح بلدنا . لم تكن المشكلة في المال ، بل في النفوس التي طغت المادية عليها .

د. مصطفى عطية جمعة
02-04-2008, 12:48 AM
( 6 )
جدي لأمي ، محمد ، صحبته أعواما ، صحبة الحفيد والابن والصديق ، خاصة في سنواته الأخيرة ، ماتت جدتي وتركته وحيدا ، مع ابنه وبناته ، واصل عمله نجارا ، يصنع الأبواب والشبابيك ، يعمل في الدهليز الأوسط لبيته ، بمفرده ، كنت أحاول مساعدته ، فيرفض ويقول لي : أنت تروح المدرسة فقط
- لماذا تربط إصبعك يا جدي ؟
سألته ذات يوم وأنا أشير إلى سبابته المربوطة بشاش مخضب بالميكركروم الأحمر ، كان يجلس وسط بناته ، يضحك ويحكي :
- استعنت بشاب "صنايعي " يساعدني ، كنت أشتغل في بيت جديد ، أركّب شبابيكه ، الولد أرعن ، ركّب الولد ضلفة الشباك بالغلط ، وجدت شغلي كله سيخرب ، أسرعت ممسكا بالكماشة والشاكوش ، نزعت المسامير ، وفككت الضلفة ، وركبتها مرة ثانية بشكل صحيح ، كنت خائفا أن يأتي صاحب البيت ، ويقول عن شغلي إنه خربان وأنا في هذا السن .
أكملت أنا :
- وطبعا ضرب الشاكوش إصبعك .
- صح يا بني ، لقد كبرت ، وبدأت يدي تهتز في العمل .
كنت أرى تتابع الزمن في تجاعيده ، وشعره الشايب ، وحكاياته عن زمن لم أعاصره ، ولكنني عشته في كلماته ، يتحدث بحنين وحب عن أيام شبابه ، وكدّه ، وناس زمان .
* * *
وها هو يحكي وأنا بجواره على كنبة خشبية :
- كانت أم حسين ، من بيت الشرش ، عجوزا قصيرة ، وزوجها طويلا ولكن أبناءها ورثوا القصر عنها . كانت تعالج الناس ، والمقابل دعوة خير لها ولعيالها .
- هل عالجتك يا جدي ؟
- سقطتُ مرة من فوق شباك عال ، كنت أركبه في الدور الثاني لبيت زبون ، توقعت الموت ، ولكن لا يزال في عمري بقية ، سقطت على مشط قدمي، انكسر، وانقلب المشط ، وجه القدم مكان راحتها ، الألم رهيب وأنا أتلوى، حملوني إلى بيتي ، وجدتك صرخت وجمعت الحارة لمّا شافتني .
- ولماذا لم يأخذوك للمستشفى ؟
- يا بني ، كنا فقراء لا نقدر على مصاريف الدكتور والمستشفى ، وما كان فيه إلا مستشفى واحد يذهب له الميسورون .
- معقول !
- ربطت جدتك – الله يرحمها - قدمي ، وأنا أصرخ ونمت على السرير ، وأحضروا المجبراتي من حي الصوفي ، جاء ، ونظر لرجلي ، وقال اذهبوا به للدكتور ، يحتاج عملية وأنا لا أقدر عليها . قررت جدتك أن تذهب بي للمستشفى وتبيع ذهبها .
- ورحت المستشفى يا جدي ؟
- في آخر النهار ، جاءت أم حسين ومعها امرأتان ، دخلت عليّ ، وهي تقول : كيف حالك يا أبا سيد ؟ وربنا يبعد الشر عنك ، وإن شاء الله تقوم بالسلامة، ممكن أشوف رجلك يا أخي ؟ ثم فكت الرباط ، وقالت بسيطة إن شاء الله، وأشارت إلى المرأتين ، بسرعة ، صعدت واحدة منهما على صدري وجلست ، كانت امرأة خفيفة الجسم ، والأخرى أمسكت ذراعيّ ، وأمسكت أم حسين قدمي وبسرعة عدلت مشط رجلي ، فصرخت صرخة وألقيت بذراعيّ المرأتين للأرض وربطت أم حسين قدمي بأعصاب باردة ، وهي تقول : بالشفاء إن شاء الله .
- وهل شفيت يا جدي ؟
- جاء المجبراتي مرة ثانية ، وكشف على قدمي ، وقال : سليمة إن شاء الله، والرباط مضبوط على الكسر . بعد شهر ، شفيت قدمي ، ولا زلت أدعو لأم حسين ، الله يرحمها .
* * *
كان يسير في حواري حي الروبي ، ويحملق بنظره الواهن إلى البيوت ، مستندا على كتفي وهو يقول :
- عجيبة الدنيا ، والرزق بيد الله ، شف يا بني ، محلات الحاج عبد الجواد تاجر الحديد، أكبر تاجر في البلد كله ، كان حدادا بسيطا ، ولكنه ذكي وشاطر، أغناه الله بعد الحرب العالمية ، أيام هتلر ، جمع العيال الفقراء والحرامية ، وطلب منهم جمع كل الحديد الخردة الملقى في الصحراء والمزارع من بقايا الحرب ، عربات ودبابات ومدافع مكسرة، وكان يسهر طول الليل مع صبيانه ، يكسر الحديد ، ويعبئه في صناديق ، فإذا طلع النهار، تأتي عربات النقل وتحمله إلى القاهرة ، وهناك يذيبونه ، ومن تجارة الخردة أغناه الله ، وأغنى عياله من بعده .
أعود أسأل جدي عن أغنياء الفيوم :
- وماذا عن عائلة " الأدور " وهم تجار خشب وإسمنت ، الناس تقول إن أباهم وجد كنزا في بيت قديم ؟
يضحك ويجيب :
- يا بني ، الناس بطبيعتها كسالى ، والأدور كان مقاولا ، بدأ حياته بنّاء بسيطا، ثم عمل مقاولا للأنفار ، وبعد حرب هتلر ، كان الخراب في البلد كبيرا ، فعمل ليلا ونهارا ، وبنى أكثر البيوت ، وكنت أعمل معه ، كان لا ينام الليل ، وعينه تراقب العمال في كل صغيرة ، ويبني خمسة أو ستة بيوت في وقت واحد .
يبتلع ريقه ، ويكمل :
- ما وجد الأدور كنزا ولا " لقية " في بيت قديم ، صحيح أن هناك من وجد، ولكنه كما اغتنى بسرعة ، افتقر بسرعة ، فالمال السهل يضيع ، وكان من عادات الناس زمان ، أنهم يحفظون الذهب في صناديق أسفل بيوتهم، وأحيانا يموتون ولا يخبرون أحدا بما جمعوه ، وبعض الناس وجدوا آثارا من أيام الفراعنة ، وباعوها للإنجليز والفرنسيين . يا بني ، الله عادل، ويعطي كل مجتهد على قدر عمله .
فتح جدي شهيتي للسؤال :
- معقول ، ينسى الرجل أن يخبر عن مكان الذهب !
- هل تعرف عائلة " عزوز " ؟
- نعم ، بيتهم الصغير عند حارة النحاسين .
- أخت الحاج عزوز ، كانت عزباء ما تزوجت، ودائما كانت تحكي عن كنز جدها المخبوء في البيت الصغير هذا ، وهي الوحيدة التي تعرف مكانه من جدها ، وكان أبناء أخيها يطيعونها ، طمعا وأملا ، وظلت هي تحكي عن الذهب والفضة في الكنز وهم يستمعون ، ساعة وفاتها ، ووقت احتضارها ، امتنعت عن الإحابة ، فضغطوا عليها ، كانت في غيبوبة ، تصحو وتنام ، فنطقت قبل أن يخرج السر الإلهي بأنه تحت السلم .
- وجدوه طبعا ؟
- حتى الآن يبحثون عنه ، وظلوا مقيمين في البيت على أمل أن يجدوه، مساكين ، البيت صغير وهم كثر ، ولا يزالون يرددون حكاية الكنز ، نفس ما كانت تحكيه العمة المسكينة . ولو كان هناك كنز صحيح ، لماذا لم تخرجه في حياتها وتتمتع به بدلا أن تعيش عالة على غيرها ؟

[/align]

صالح سعيد الهنيدي
02-04-2008, 01:11 AM
لي عودة يا دكتور لقراءة أعمق بإذن الله
هذا البهاء يحتاج إلى غوص إلى أعماقه

بارك الله لك في حياتك ولنا فيك

حسن حجازى
02-04-2008, 07:15 AM
معك مبدعنا الجميل
د/مصطفى
نتابع بكل شوق محبة وانتظار
ما احلى لحظات البوح
حسن حجازي

د. مصطفى عطية جمعة
02-04-2008, 11:09 PM
لي عودة يا دكتور لقراءة أعمق بإذن الله
هذا البهاء يحتاج إلى غوص إلى أعماقه

بارك الله لك في حياتك ولنا فيك

الأخ العزيز الكريم الشاعر الكبير / صالح الهنيدي
سلام الله عليك
وتحياتي إليك شخصا وقلما
صدقني : كلماتك تحفزني ، وتعطيني دفعة كبيرة للمسير ، فأنا مدين إليك بكتابة هذه الذكريات ، التي وجدت نفسي تنثرها ، وها أنا أكتشف ذاتي بشكل جديد .
شكرا لك مع حبي وتقديري .

عبد الغفور السعيد
02-04-2008, 11:19 PM
ما أروع هذا الانسكاب !!
د. مصطفى
واصل فالشوق يحفزنا على الركض
في هذا المضمار

د. مصطفى عطية جمعة
02-04-2008, 11:26 PM
معك مبدعنا الجميل
د/مصطفى
نتابع بكل شوق محبة وانتظار
ما احلى لحظات البوح
حسن حجازي

العزيز الجميل الشاعر الناثر / حسن حجازي
تحياتي ، حبي ، تقديري إليك
دائما أنت الحاضر في كل موقع ، المتابع لكل ما ينشر ، دعني أشد على يديك لهذا الحضور اللافت ، وتلك المتابعات الدقيقة .
حبي إليك
أخوك / مصطفى

د. مصطفى عطية جمعة
02-04-2008, 11:30 PM
ما أروع هذا الانسكاب !!
د. مصطفى
واصل فالشوق يحفزنا على الركض
في هذا المضمار


الأخ العزيز / عبد الغفور
سلام الله عليك
كم أنا سعيد بهذا التواصل منك ، وسعيد بإبحارك في كلماتي ، وسعيد لأن لقبك هو السعيد ، أهلا بك دائما .
أخوك / مصطفى

د. نوال
02-10-2008, 12:54 AM
مبدع أينما كنت

أتابع هذه الذكريات العذبة

شكرا أستاذي وبالتوفيق الدائم

خالد العنزي
02-10-2008, 02:08 AM
متابع لهذا السرد الذاتي
الفكرة رائعة ولم أجدها إلا في مرافئ الوجدان
شكراً لكم كثيراً

د. مصطفى عطية جمعة
02-11-2008, 02:05 AM
( 7 )
كثيرا ما كنت أنام في بيت جدي ، أنتبه في البكور ، مع غبشة الفجر ، ثم خيوط الشمس المشتتة لما تبقى من ظلمة ، يكون جدي عائدا من الصلاة ، فأسمع صرير باب البيت الكبير ، أنهض لأتعلق في جلبابه ، وهو يحمل الطبق الألومنيوم ، ويتأهب لشراء الفول الطازج . تلسع وجهي نسمات الصباح ، ونحن متجهان لبائع المدمس الحاج " ربيع " بالقرب من ميدان " المبيضة " ، الفول الساخن وقطرات من الزيت الأصفر تزينه ، وفي أوسطه مزيج الكمون والشطة والملح : أحمر ، أبيض ، أخضر ، في محيط من البني الزاهي .
في عودتنا ، يشير جدي إلى بيت كبير ، ذي واجهة عريضة على بحر يوسف المخترق للفيوم ، أتساءل :
- بيت من هذا ؟
- هذا بيت فتحي باشا ، من باشوات الفيوم أيام الملك .
استرعى انتباهي في البيت ضخامته ، وكونه يحتل ناصيتين على شارعين كبيرين ، البيت مغلق منذ زمن ، وقد اسودت أبوابه ، يكمل جدي :
- كان فتحي باشا رجلا ضخم الجسم ، يمتلك شارعين كبيرين ، غير الأراضي والمواشي ، وكان عنده عبيد وخدم وحشم .
أفغر فاهي أمام هذا الوصف ، يشدني لأسئلة عدة ، ولكن جدي يواصل حكيه بتؤدة ، دون أن ينتبه لعلامات وجهي المتساءلة :
- كان فتحي باشا معتادا على الجلوس أمام بيته في الصباح ، يشاهد البحر، ويشرب القهوة ، ومعه خادم حبشي ، وكان إذا جلس يمنع حركة السير في الشارع أمامه ، فيغيّر الناس طريقهم حتى يقوم .
- يتوقف شارع البحر يا جدي ؟
- نعم ، وفي مرة ، جاءه ضابط إنكليزي يركب الحصان ، ومر أمامه وهو جالس ، رغم أن الخادم أشار له ، ولكن الضابط شتم الخادم . قام فتحي باشا من مكانه ، وقال : أنت يا ولد تعال هنا . وقف الضابط ، ونزل من الحصان ، فقال له الباشا : كيف تمر من قدامي يا ولد ؟ رد الضابط : هذا شارع عام . رد الباشا: أين تشتغل ؟ قال : في شرطة الفيوم . قال الباشا : وما قالوا لك من هو فتحي باشا ، أنت خرسيس يا ولد . ودفعه بيده بقوة ، فاصطدم الضابط بسور البحر . وحاول أن يشتكي الباشا بعد ذلك ، ولكن لم يهتم أحد به في الشرطة .
- ياه يا جدي !
كنا قد وصلنا للبيت ، فجلسنا ، ووضعوا طبلية الفطور : الفول والخبز الساخن، والفلفل المخلل الحار ، وبجوارنا وابور الجاز ، عليه برّاد الشاي . الأصابع تتخضب بالفول والفلفل المقطع ، والأسنان تلتهم كسرات الخبز ، ثم استندت الظهور إلى الحائط ، لرشف أكواب الشاي الساخنة ، والسواد يغطي زجاجها .
يحكي جدي وهو يرتشف وينظر لي :
- كان فيه أحد الباشوات زمان ، وكان رجلا طيبا ، أقام عرسا لابنه ، ودعا فيه كل الغلابة والمساكين ، وأعطى كل واحد سندويتش لحم .
- عادي ، حتى الآن يوزع الناس هذا في الأفراح .
- ووضع في كل سندويتش جنيه ذهب .
- ياه ... ، معقول !
- والله ، كان سعر جنيه الذهب أقل من جنيه الورق ، بسبع وتسعين قرشا
لم أصدق ، هذا الزمن الذي يحكي عنه جدي ، ولكنني اشتقت للمزيد ، فتلاحقت أسئلتي :
- هل كانت الأسعار رخيصة بهذا الشكل ؟
- نعم ، كنا نشتري رطل اللحم بقرشين ، والطبخة تتكلف كلها ثلاثة قروش لكن كان الفقراء كثيرين ، والشغل قليل .
- والآن أفضل ؟
يبتسم ، ويقول :
- زماني كان أفضل ، وكان الناس طيبين ، والخير كثير ، الآن في زمانك ، الناس قلوبها تغيرت ، رغم أن الفلوس كثيرة .
لم يع عقلي الصغير معنى تغير قلوب الناس ، ولكنني سبحت في زمن مضى، وأنا أطالع عيون جدي المملوءة بالحنين .
* * *
في الشتاء ، وفي الدهليز الأوسط ، وبعد العشاء ، كنت مع جدي حول "منقد " النار ، يكسر أخشابا صغيرة ، ويغذي بها الوهج ، يضع براد الشاي جانبا في المنقد ، تختلط رائحة الشاي بالخشب المحترق ، في أنفي وأنا أرتشف من الكوب الصغير ، الدفء في أعماقنا ، نحن الصغار ، وننصت لحواديته ، فتحلق أخيلتنا البريئة مع الشاطر حسن ، والسندباد ، وتظل معي في نومي ، وكل ما أذكره قبل غوصي في النوم يديه خشنتي الملمس وهي تحملني إلى السرير ذي القوائم الحديدية .
[/align][/align]

عبد المنعم جابر الموسوي
02-12-2008, 07:12 AM
الاستاذ الناقد والأديب المؤمن د . مصطفى عطية جمعة
منتصف الليل حيث السكون والشعر والتجلي صادفني هذا العبق الساحر من فيك . رد لي جزءاً شارداً من هروب الذات .
ايمانك وقلمك ونقدك اكثر من جميل والأجمل هذا الأدب الجم وهذا التواضع الغريب وهذا الخُلق السامي .
كم أتشوف الى هذا الثراء من حياتك !
سأتابعه بكل لهفة
دمت أبا لهذه الصفحات التي نحترق عليها بين الحين والا خر . وألف شكر .

عبد المنعم جابر الموسوي
عراقي مقيم في ألمانيا

د. مصطفى عطية جمعة
02-12-2008, 11:33 PM
الاستاذ الناقد والأديب المؤمن د . مصطفى عطية جمعة
منتصف الليل حيث السكون والشعر والتجلي صادفني هذا العبق الساحر من فيك . رد لي جزءاً شارداً من هروب الذات .
ايمانك وقلمك ونقدك اكثر من جميل والأجمل هذا الأدب الجم وهذا التواضع الغريب وهذا الخُلق السامي .
كم أتشوف الى هذا الثراء من حياتك !
سأتابعه بكل لهفة
دمت أبا لهذه الصفحات التي نحترق عليها بين الحين والا خر . وألف شكر .

عبد المنعم جابر الموسوي
عراقي مقيم في ألمانيا

الشاعر الكبير / عبد المنعم الموسوي
شكرا لك هذا التوهج والألق ، وحسن المتابعة ، وروعة التلقي
سعدت غاية السعادة بقراءتك ، وتفاعلك ، وتعليقك .
دمت مبدعا متوهجا
د. مصطفى

أحلام الحميد
02-13-2008, 04:22 AM
نسختُ هذه الذّكريات على جهازي ؛ لأقرأها بتمهل واستمتاع ..

سعيدة بهذا الهطول ..

شكرًا دكتور مصطفى ..

ألق الماضي
02-14-2008, 05:47 AM
مبدع أنت حيثما كنت...
أتابع بشغف...
ولكم تمنيت أن تضم هذه الانثيالات العذبة بين دفتي كتاب...
آمل أن نقرأ هذه الذكريات يوما في كتاب يضمها...
شكرا للأستاذ صالح الذي أمتعنا بهذا الجمال...

د. مصطفى عطية جمعة
02-14-2008, 11:17 PM
نسختُ هذه الذّكريات على جهازي ؛ لأقرأها بتمهل واستمتاع ..

سعيدة بهذا الهطول ..

شكرًا دكتور مصطفى ..



الأخت العزيزة الشاعرة الرقيقة / أحلام الحميد
تحياتي إليك : شخصا وقلما وإبداعا
شكرا لك هذا الحضور
وإذا كان هناك هطول ، فهو من قراءاتك الفاعلة ، وتلقيك العالي
تقبلي فائق تقديري
أخوك /
مصطفى عطية

د. مصطفى عطية جمعة
02-14-2008, 11:22 PM
مبدع أنت حيثما كنت...
أتابع بشغف...
ولكم تمنيت أن تضم هذه الانثيالات العذبة بين دفتي كتاب...
آمل أن نقرأ هذه الذكريات يوما في كتاب يضمها...
شكرا للأستاذ صالح الذي أمتعنا بهذا الجمال...

الأخت العزيزة / د. ألق الماضي
تحياتي وشكري وتقديري إليك
أشكرك على تلقيك العالي
وعلى اقتراحك الجميل
وأدعو الله أن ييسر الأمر لإنجاز هذه الذكريات ، حتى تكون مكتملة ، لتنشر في كتاب .
تحياتي إليك
أخوك / د. مصطفى عطية
الكويت

القارورة
02-15-2008, 01:42 AM
وعي ذاتي
لا أزال أستمتع بتفاصيله
لتكن في حفظ الله يا دكتور

د. مصطفى عطية جمعة
02-19-2008, 12:36 AM
وعي ذاتي
لا أزال أستمتع بتفاصيله
لتكن في حفظ الله يا دكتور

الأخت العزيزة القاروة
أهلا بك
وأسعد بقراءتك الدائمة
وتعليقاتك المبدعة
دمت بخير وألق

د. مصطفى عطية جمعة
02-19-2008, 12:39 AM
( 8 )
كان أبي مغرما بالسينما منذ صغره ، منذ أن كان يعمل في القاهرة في باكورة شبابه ، قبل أن يستقر في الفيوم ، وكما حكى لي فإنه قرر شراء التلفاز مع أول مدخرات له هو وأمي في مطلع حياتهما الزوجية ، فصار التلفاز في بيتنا تقريبا منذ أوائل سني السبعينيات.
فمنذ تفتح عيناي ، وجدت تلفازا كبيرا، أسود اللون ، من إنتاج شركة النصر ( المصرية ) لصناعة التلفزيون والراديو، وكان أبي – ولا يزال – محبا لمشاهدة التلفاز ، يسترجع مع الأفلام العربية القديمة ذكرياته في القاهرة ، عندما كان يشاهدها في السينما ، كان عاشقا للسينما ، فقط أفلامها الراقية ، ويحب مشاهدة الأفلام الأجنبية ، وهو قبل كل شيء قارئ للأدب والروايات.
ولأن التلفاز المصري كان مقتصرا على قناتين ، فإن تقاليد لعبنا في الشارع لم تتغير ، خاصة في الصيف ، حيث كنا ننهي اللعب الساعة العاشرة ، قبل بدء السهرة لنعود إلى البيت نتناول العشاء وعيوننا مبحلقة في الصور الملونة بألوان : الأبيض والأسود والرمادي .
و في فصل الشتاء ، أيام الدراسة ، اقتصرت علاقتنا مع أفلام التلفاز على يومي الخميس والأحد ، حيث كان يعرض فيلم في الظهيرة ، واليوم عندما نقارن مئات القنوات اليوم واختلاط الحابل بالنابل فيها ، تأخذنا الشفقة على أيامنا ، وقد حكيت مرة لأولادي عن قناتي التلفاز المصري في الماضي ، فلم يصدقوا ضيق الخيارات أمامنا ساعتها ، وكأن التلفاز صار مستلزما أساسيا في الحياة المعاصرة للجميع منذ الصغر ، ومعهم بعض الحق ، فهم في زمن غير الزمن، وقد نشأوا على الصورة المرئية بكل سحرها ، إلا أنني أمارس عليهم تحكما حتى لا يسقطون في النابل ، وما أكثره .
كان بيتنا من أوائل البيوت اقتناء للتلفاز ، ولا زلت أذكر عندما كان التلفاز يخرب أو يتوقف ، كنا نحزن ، ونظل نبحث عن أي بيت آخر نشاهد فيه المسلسل أو الفيلم . وعندما كنا نتعارك مع أخينا الأصغر ، كان يضرب بقبضته التلفاز فيتعطل ، فنتحايل على الوالد حتى يصلحه ، فقد اكتسب خبرات من كثرة ممن قاموا بإصلاحه ، فيقوم بفك لوحة مفاتيحه ، ويعبث به حتى يشتغل .
وبالطبع كان تأثير التلفاز طاغيا علينا ، في حركات الممثلين وأدائهم ، وهناك ألعاب تم ابتكارها وتماشت مع الثقافة التلفازية التي بدأ الأولاد يكتسبونها، وكنا نلعبها في حيّنا ، وهي لعبة تعتمد على التمثيل الصامت لمشاهد من أفلام معروفة ، ومن ثم يكون الفريق فائزا إذا عرف اسم الفيلم ، وهناك لعبة أخرى وهي تعتمد على القفز فوق الظهر مع ذكر اسم ممثل من المشهورين ، ويظل القفز مستمرا ما دامت هناك أسماء تذكر .
ومن المؤسف ،أن تكون الأفلام العربية والمسلسلات – حتى يومنا - حافلة بالكثير المضاد لثقافتنا من عري وتفسخ ، رغم وجود أفلام عالية المستوى وتقدّم فكرا راقيا ، بفنية عالية ، ولعل هذا ما جعلني أتخذ موقفا مضادا منها بشكل عام في باكورة شبابي أيام الجامعة ، حينما التزمت أكثر بالدين ، فقاطعت التلفاز فترة من الزمن ، وكان السائد في جيلنا وقتها أن التلفاز من الأشياء المنهي عنها لما فيه من فسق يطغى على الجيد فاجتنابه أولى ، ولكن النظرة تغيرت بسرعة ، بعد انتشار الفضائيات الإخبارية والدينية والثقافية ، وأضحى التلفاز من لوازم الحياة المعاصرة ، بكل ما فيه من سلبيات ، ولكن الخيارات اليوم أفضل وأكثر عما كان .

د. مصطفى عطية جمعة
02-23-2008, 03:53 PM
( 9 )
رهبة كبيرة في نفسي وأنا أخط أولى خطواتي في المدرسة الابتدائية ، وكانت محطتي الأولى - مدة عام دراسي واحد - هي مدرسة الفرنسيسكان الابتدائية الخاصة ، مدرسة تتبع كنيسة الفرنسيسكان إحدى بقايا مؤسسات التبشير التي كانت منتشرة في مصر أيام الاحتلال البريطاني ، وتعتمد على تقديم خدمات تعليمية وثقافية للشعب ، خاصة الفئات المتعلمة والثرية ، كي يتم استقطاب هذه الفئة للمنحى الغربي ، وللعلم فإن الكثير من قادة مصر السياسيين والعسكريين وصناع القرار هم خريجو مثل هذه المؤسسات التربوية الأجنبية .
لا أذكر من السنة التي قضيتها في هذه المدرسة إلا شذرات ، تتصل بانضباط ومستوى جيد من التعليم ، وقد حصلت في آخر السنة على هدية عبارة عن مسدس لعبة يُحشَى بالبمب ؛ لعبتُ به فترة طويلة وتحمل مني عنتا كثيرا، كما أذكر رحلة ذهبت فيها مع طلاب المدرسة إلى حديقة " عين السيلين " وهي من الأماكن السياحية المشهورة في الفيوم ، وتتكون من منحدرات ومرتفعات مكسوة بالخضرة والأشجار ، وفي وسطها تنبع عين ماء دافئة ، طيبة الطعم . كانت جوا مثاليا للجمال الطبيعي ، هكذا كانت الصورة المترسبة في أعماقي ، لم تتغير رغم أنني زرتها – شابا – عشرات المرات ، ورأيت كيف تحولت إلى منتجعات وشاليهات وكافيريتيات متاحة للخاصة .
هذه ذكريات حلوة أما الذكريات المحزنة ، فهي حادثة ضياعي ، فمع آخر يوم في الدراسة ، خرجت مبكرا عن الموعد ، وكان معي زميل لي يسكن بجواري في الحي ، فطلب مني أن أعود معه هو وأخوه الأكبر إلى البيت ، فرفضت وقلت سأذهب إلى أبي في العمل، وكنت أظن أن عمل أبي قريبا من المدرسة ، ومشيت وأنا فرح ، لأنني سأرى أبي في عمله ، وفجأة وجدت جسمي الصغير وسط شوارع عريضة ، متداخلة المعالم ، أسائل الناس عن مكان شغل أبي ، والناس تهز رأسها بعطف ؛ لا يعلمون أين يعمل أبي ! ، ولا من هو أبي في الأساس ، أسئلة طفل عمره ست سنوات ، بدأت في البكاء ، ثم أسرعت أركض على الأرصفة ، وأنا أصرخ على أبي ، وأرفض من يحاول أن يوقفني ، كنت في حالة خوف هستيري ، حتى أوقفني عامل نظافة ، وكان كبيرا في السن ، الطيبة تغرق وجهه ، واستطاع أن يحتويني ، ويهدئني ، وسمع مني الكثير عن أبي وعائلتي وبيت جدي ، ثم حدد سكني في حي الروبي من خلال المعالم التي ذكرتها ، وقال لي تعال معي ، وأخذني ، واشترى لي " سندويتش فلافل " ، وما ألذه ! وما زال معي حتى أوصلني لبيت جدي رغم بُعد المسافة ما بين حي الجون وحي الروبي ( حوالي ثلاثة كيلومترات)، وعاد مصحوبا بالدعوات ، ولازلت أدعو له ، ولهذه النفوس الطيبة التي تفعل الخير وأفئدتها ترنو مرضاة الله ، فهو مجرد عامل نظافة ، ولكنه بلا شك موفور الثواب عند البارئ جل وعلا .
لا أعلم لماذا لم أستمر في هذه المدرسة ، فمع العام الدراسي الجديد ، تم نقلي إلى مدرسة ابتدائية حكومية ، وشتان الفرق بين المدرسة الخاصة في مستواها التعليمي والعلمي والمدرسة الحكومية . عموما لقد تنقلت بين عدة مدارس ابتدائية ، ولا زلت أذكر أول مدرسة حكومية أذهب إليها كانت مدرسة "التحرير الابتدائية " ، وقد قضيت فيها أسبوعا أو أكثر ، ثم نقلت منها ، و في وجهي أثر حتى الآن من هذا الأسبوع ، ولعل هذا سبب نقلي ، فقد كنت أجلس مع زميلي في ساحة المدرسة ، ولمحت ولدين يجلسان على سور المدرسة ، وبسرعة ، رأيت صخرة تطير من يد أحدهم نحو وجهي ، لتستقر في أنفي ، يغزر الدم ، ثم أرى الأثر بعد غسيل وجهي : ضياع قطعة صغيرة جدا من أرنبة أنفي ، ولكنها كافية لتميزني من بين الوجوه ، كما قالت ، وتقول أمي .
انتقلت إلى مدرسة المنشية الابتدائية ، وهي قريبة أيضا من مقر عمل والدي بهيئة الإصلاح الزراعي ، وهي مدرسة قديمة ، من قبل الثورة ، ومبناها عتيق الطراز ، وما تعلق في ذاكرتي منها : الزحام الشديد ، وكان على أبي أن يتسمر أمام البوابة ، في مكان معلوم متفرسا في الوجوه حتى يصطادني .
أسبوعا ، وسرت مع أبي ، في شارع المدارس القريب من حينا ، وفيه الكثير من مدارس الفيوم : الابتدائية إلى الثانوية ، كان أبي يحمل ملفي إلى مدرسة ملحقة المعلمات الابتدائية ، وهي مدرسة جديدة نسبيا ، عبارة عن مبنى دراسي من تسعة فصول ( ثم زادت ) ، وكان أخي الأكبر مني بعامين ( المهندس علاء ) يدرس فيها ، ويبدو أن المدرسة رفضت قبولي في بداية العام الدراسي.
وجدت نفسي جالسا – بحكم طولي - في الطاولة الثانية في التنظيم الطولي في الصف ، صرت أغدو يوميا إلى مدرستي ، أحمل بيد حقيبتي الجلدية ( بنية اللون ) التي أخذتها من أخي ، ويدي الأخرى تمسك بيد أخي ، ونسير في شارع المدارس الواسع ، وفي هذه المدرسة كانت هناك آثار عديدة حُفرِت في أعماقي.

د. مصطفى عطية جمعة
02-26-2008, 09:32 PM
( 10 )
جاء والد " محمود " زميلي في الصف ، تبدو الهيبة في وجهه ، والجد على ملامحه ، رأيته يقف أمام باب الفصل ، يسأل عن مستوى ابنه ، عاتبته معلمتي " الأبله عفاف " على سوء مستوى ابنه ، فقال لها :
- أنا رجل صنايعي ، ولا أعرف القراءة ، وأمه كذلك . يا أبله ، أين عصاكِ التي تؤدبينه بها ؟
فقدمت له الأبله عصا صغيرة الحجم ، فضحك الوالد ، وقال :
- غدا سأرسل لك عصا غيرها ، أريده ناجحا .
في الفسحة الدراسية ، محمود غارق في الرعب ، نسأله :
- من أين سيأتي أبوك بالعصا ؟
- أبي يعمل نجارا ، وطبعه ساخن ، ولكن أمي تدلعني لأنني الوحيد على أخواتي البنات .
بالفعل ، نرى محمودا في الفسحة يسير في معية أخته الكبرى ، تعطيه الطعام ، وتتعهده حتى يشبع .
* * *
في اليوم التالي ، حضر أحد العمال من ورشة والد محمود ، حاملا عصا طويلة بنية اللون ، لامعة ، فرحت الأبله بها كثيرا ، وساد الوجوم على وجوهنا .
ظل محمود على مستواه السيئ ، وتورمت أيدينا .
* * *
تتألف المرحلة الابتدائية في مصر من ست سنوات ، من الصف الأول حتى الصف السادس الابتدائي ، وأعترف أنني كنت غير فائق ( شاطر ) طيلة السنوات الخمس الابتدائية ، كان مستواي عادي ، مرات يقترب من المتوسط ومرات أقل من المتوسط ، وفي العموم لم أكن منشغلا كثيرا بتحسين مستواي الدراسي ، رغم محاولات أمي في الدفع بي ، ولكنني كنت أدرس لإرضائها ، وأنجح دون تفوق ، ظللت على هذه الحال حتى الصف السادس الابتدائي .
* * *
أذكر زميلي " ناصر " كثير الكلام ، يسكن بالقرب من بيتنا ، بيتهم في آخر شارع العامود ، عدت معه إلى المنزل يوما ، فراح يحدثني عن القصص التي يقرؤها، ويستعيرها من مكتبة المدرسة ، التي بها قصص كثيرة . لم أكن في هذه السن المبكرة محبا للمطالعة ، ولكن القصص التي حكاها لي أعجبتني ، في اليوم التالي ذهبت إلى مكتبة المدرسة ، كانت أمينة المكتبة الأبله " إخلاص " ذات نبرة خافتة ، طيبة النظرات ، قلت لها :
- أريد أن أستعير قصة .
- في أي سنة أنت ؟
- قلت في الصف الثالث الابتدائي .
أعطتني قصة ، وطلبت مني أن أقرأها بصوت عال، لأنها ستختبرني في القراءة، جلست على طاولة ، وقرأت بضعة أسطر من الصفحة الأولى بعيني ، كنت مشدوها بالكتب المتراصة على الأرفف ، نادتني ، وفتحت صفحة عشوائية من منتصف القصة ، وقالت : اقرأ . قرأت بصعوبة ، وتعتعت في النطق . ربتت على كتفي وقالت :
- اذهب يا بني ، وتتدرب على القراءة ، ثم استعر .
أدرت ظهري وانصرفت ، والحزن يعصرني ، ومن بعدها كرهت المكتبة، ولم أفكر في الاستعارة ثانية ، كنت أقرأ بعيني بسرعة ، وأفهم جيدا ، ولكن تيقنت في هذه اللحظة لماذا أنا أتعتع في القراءة ، كنت خجولا ، ولا أشارك في الصف إلا نادرا ، أي لا أتحرّك إلا إذا حُرّكتُ ، فأجدت مهارات القراءة الصامتة ، ولم أتدرب على مهارات القراءة الجهرية .
* * *
علمنا أن الأستاذ " نادي " سيدرسنا ، كنا نعرفه جيدا ؛ ضخم الجثة ، تميزه عيوننا بكفه المملتئة ، وهي تهوي على الصدغ أو تمسك بالعصا ، حين دخل فصلنا ؛ كان الخوف في حلوقنا ، تصلبت عيوننا على إصبعيه وهو يطحن إصبع طباشير غليظ ، ثم ينفخ الطحين فيتطاير في وجوهنا . في الصف يكتب تحضيره ، ثم يرفع صوته بالشرح دقائق ، ثم نكتب خلفه ما يدونه على السبورة، وتكتفي عيوننا بالمراقبة ، وآذاننا بالسماع .

صالح سعيد الهنيدي
03-03-2008, 07:40 PM
د. مصطفى
لا نزال نرتشف هذا العذب النمير

بارك الله فيك

د. مصطفى عطية جمعة
03-09-2008, 01:07 AM
د. مصطفى
لا نزال نرتشف هذا العذب النمير

بارك الله فيك

الشاعر الكبير / صالح الهنيدي
سلام الله عليك
كلما رأيت كلماتك هنا أزداد سعادة ، وحبا لك : شخصا وقلما وإبداعا
شكرا لك هذا الحضور المميز
ولك فائق تقديري
أخوك / مصطفى

عبد المنعم جابر الموسوي
03-15-2008, 04:53 PM
استاذي المؤمن الرائع د مصطفى عطية جمعة
عودتني على نقدك الجميل البناء لقصائدي وهاانا مازلت اطمع بالكثير من عباراتك
لقد كتبت هذه المدة عدة قصائد في موقع المرافئ لكني شعرت بها يتيمة دون نقدك وتحليلك اتمنى ان اقرا من فيض وجود ثقافتك الواسعة كي تزدهر بقلمك قصائدي ثانية وتسمو
خالص ودي
عبد المنعم جابر الموسوي

د. مصطفى عطية جمعة
03-20-2008, 03:12 PM
( 11 )
في الصف الخامس الابتدائي ، أجبرنا على الاشتراك – نحن البنين في الصف- في استعراض رياضي ، وجاء الأستاذ " سيد " معلم التربية البدنية، وبدأ يخرجنا من الحصص ثلاث مرات أسبوعيا ، لمدة شهرين أو أكثر للتدريب على أداء ألعاب رياضية بشكل جماعي ، لكل طلاب الصف الخامس في مدرستنا ، ثم اكتشفنا أن هناك مدارس أخرى مشاركة في هذا العرض ، وكان علينا أن نتجمع في إحدى المدارس لنؤدي التدريبات بشكل جماعي ، ومع اقتراب موعد العرض كنا نخرج يوميا إلى استاد الفيوم الرياضي ، حيث نتدرب مع الطلاب ، كانت تكاليف ضخمة تنفق : ملابس رياضية لكل طالب ، ووجبة يوميا ، وأجور المعلمين ، كل هذا من أجل عمل استعراض في عيد الفيوم القومي يوم الخامس عشر من شهر مارس .
في يوم العرض ، ارتديت الملابس الرياضية الجديدة ، وذهبت منذ الصباح الباكر إلى الاستاد ، وظللنا جالسين في المدرجات إلى أن حان موعد العرض قبل غروب الشمس بساعتين . اكتشفت أن طلاب المدارس الإعدادية والثانوية مشاركون أيضا ، كان عرضا كبيرا ، وأموالا مهدرة ، حضر المحافظ وكبار رجال التربية والتعليم بالفيوم ، اكتشفت أنني فرد بسيط وسط آلاف الطلاب ، وأن كل هذا العناء كان لمجرد ساعة زمنية أمام مسؤول ، وهكذا تضيع الأمة من أجل إرضاء حفنة قليلة .
ويمكن أن نقيس على ذلك الكثير من المناشط في حياتنا الاجتماعية والرياضية ، ميزانيات عملاقة توجه لاحتفالات : يعلم الضيف قبل المؤدين أنها زينات ومظاهر لا تعبر عن نهضة حقيقية في الرياضة . ولازلت أتذكر كلام والديّ وهما يلوماني على تمسكي بالاشتراك في هذا العرض ، وتركي الحصص والدروس ، وتدني مستواي الدراسي ، ولكنني كنت مأخوذا بالتمرينات والألعاب، مدفوعا بمشاركات زملائي كلهم .
( 12 )
أعدُّ عام الصف السادس الابتدائي نقطة تحول في حياتي ، فقد كنت تلميذا متوسط المستوى ، مرات أقترب من التفوق ، ومرات أخرى أكون في المستوى المتوسط ، ولكنني لم أذق طعم التفوق الحقيقي إلا في السنة السادسة في المرحلة الابتدائية ، وكانت البداية في امتحان المواد الاجتماعية ( التاريخ والجغرافيا ) ، كنت أحب التاريخ جدا ، ولا زلتُ ، وعندما جاء الامتحان الشهري ذاكرته كثيرا ، كان يتناول تاريخ مصر في العصر الحديث : الحملة الفرنسية على مصر ، وحكم محمد علي ، فذاكرته حتى أنني حفظت الصفحات حفظا ، وفي الاختبار ، أجبت بدقة وبراعة ، وسرعان ما سلّمت ورقتي ، وكلمات الاستغراب من معلم المادة تلاحقني : هل أنهيت يا بني ؟ قلت : نعم . قال : راجع إجاباتك . قلت : راجعت يا أستاذ . فتسلم الورقة ، وقلّب فيها ، وقال : عظيم يا بني ، إجاباتك جيدة جدا ، دعني أصحح الورقة . فصححها ، ثم أعلن أمام الطلاب : مبارك عليك يا مصطفى حصلت على ثلاثين من ثلاثين درجة. شعرت بالسعادة الغامرة ، وبدأت أجتهد في سائر المواد الدراسية ، وأشارك في الصف بفاعلية ، ووجدت نفسي ذا طلاقة في الحديث ، وسرعة في البديهة، ما أجمل التفوق !
بعد شهر ، تم اختياري ضمن خمسة تلاميذ وتلميذات للمشاركة في مسابقة أوائل الطلاب بين فصول الصف السادس الابتدائي ، وشاركنا بالفعل ، واحتل فصلنا المركز الأخير ، بكيت في هذا اليوم ، فقد تعرضنا لبعض الظلم نتيجة محاباة المحكمين ، ولكننا أخطأنا في الإجابات في المجمل ، ونلت مع زملائي وزميلاتي المشاركين سخرية من طلاب المدرسة طوال الأسبوع التالي .
* * *
كانت معلمتنا للغة العربية الأبله " عصمت " حاملا بالطفل الثاني بعد سنوات عجاف ، فقد رزقت بابنة وحيدة في بداية زواجها ، وكانت ابنتها معنا في الفصل، سمينة الجسم ، بيضاء اللون ، رغم سمرة وجه أمها . وظلت تتمنى أن ترزق بالولد حتى حملت .
غابت الأبله عصمت عنا لظروف الولادة القيصرية ، وظللنا بلا معلمة للغة العربية أياما طويلة ، حتى وجدنا الأبله " اعتماد " تأتي إلينا ، وتخبرنا أنها ستدرسنا العربية إلى نهاية العام الدراسي ، كانت صبوحة الوجه ، باسمة الملامح ، نحيفة العود، ولكنها محملة بكم من الحنان والقدرة على تبسيط المعلومة ، فأحببناها جميعا، وعشقت اللغة العربية على يديها ، كانت أرملة – كما علمنا بعد ذلك – تربي أطفالها ، تفرغت لهم تماما . وحين جاء موعد مسابقة أوائل الطلاب الثانية ، كانت مسؤولة عن تدريبنا ، وهي أيضا رائدة فصلنا ، أعطتنا حافزا قويا للفوز، ذاكرنا جيدا ، وفي المسابقة كان أداؤنا مختلفا، وكنت – كالعادة – الناطق باسم فريقي في الإجابة ، تمرست أكثر على الطلاقة والتحدث بالعربية . وكانت النتيجة أننا حصلنا على المركز الثاني ، وكان الفوز بهذا المركز له طعم كبير علينا جميعا ، وتكرر الفوز بعد ذلك .
* * *
بعد سنوات ، وعندما كنت في المرحلة الإعدادية ، وفي ليلة صيفية ، كنت أسير في شارع المدارس ، بالقرب من مدرستي الابتدائية ، رأيت الأبلة اعتماد تسير بعيدا عني ، وبلا إرادية ، ركضت إليها ، طويلا ، ووقفت أمامها أبتلع أنفاسي المتلاحقة ، وهي تتفرس في وجهي في ضوء الشارع الضعيف، ثم هتفت فرحة بي ، مرددة اسمي ، قلت لها بصوت متهدج : أحببت أن أسلم عليكِ فلن أنسى فضلك أبدا علي . أحسست بسعادتها الغامرة وأنا أقول لها ذلك ، فدعت لي بالخير ، وأخبرتني أنني سأكون ذا شأن في المستقبل ،
أدركت كيف أن الطالب هو ثمرة المعلم / المعلمة ، وأن على المعلم العبء الأكبر بعد الوالدين في تشكيل الشخصية ، وتكوين الدوافع والتحبيب في المادة.

د. مصطفى عطية جمعة
03-20-2008, 03:23 PM
استاذي المؤمن الرائع د مصطفى عطية جمعة
عودتني على نقدك الجميل البناء لقصائدي وهاانا مازلت اطمع بالكثير من عباراتك
لقد كتبت هذه المدة عدة قصائد في موقع المرافئ لكني شعرت بها يتيمة دون نقدك وتحليلك اتمنى ان اقرا من فيض وجود ثقافتك الواسعة كي تزدهر بقلمك قصائدي ثانية وتسمو
خالص ودي
عبد المنعم جابر الموسوي


الشاعر الكبير / عبد المنعم الموسوي
شكرا لك هذا الحضور الزاهي ، وهذا الاطراء الجميل في شخصي المتواضع، واعلم عزيزي أنني أستفيد منك شعريا وإبداعيا وأستمتع بقراءة أشعارك ، لأنك شاعر كبير بما تعنيه الكلمة ، وقصائدك تفيض بالصدق والجمال ، وتنقلنا لأجواء العراق الوطن ، والعراق التاريخ ، والعراق الإبداع ، وكأنها مكتوبة بالدم .
وسأتابع جديدك إن شاء الله .
حبي إليك الدائم .
أخوك / مصطفى

د. مصطفى عطية جمعة
04-09-2008, 10:09 PM
( 12 )
في سن الصبا ، كانت النفس تتشكل ، ولا زالت حتى الآن ، فالفرد محصلة خبرات وتجارب ومعارف ، ولكن ما يميز هذا السن ، ظهور بوادر الشخصية ، وملامحها المستقبلية ، ولا زلت أذكر كيف أن شغفي بالقراءة والاطلاع بدأ مبكرا، وكنت أحب قراءة المقتطفات والأقوال المدونة على اللوحات واللافتات، وقد كانت جدران مدرسة ملحقة المعلمات الابتدائية زاخرة بلوحات خشبية مدون عليها الكثير من الأقوال المأثورة ، موزعة في مختلف أركان المدرسة ، وكان معي نوتة صغيرة ، كنت أدوّن فيها هذا الأقوال، التي كانت تستهويني في وجازتها وحسن تأليف كلماتها ، وقد استمر هذا الأمر معي حتى وقتنا الحاضر ، وقد كنت معجبا أشد الإعجاب بالأقوال المنثورة ، لا الشعرية ، وأحب فهمها قبل حفظها ، فالنثر فيه الكثير من الطاقات اللغوية والفكرية .
خلال هذه الفترة ، وقع في يدي قصة من القصص البوليسية الشهيرة وقتئذ من سلسلة "الشياطين الـ 13 " وهي سلسلة كانت مزدهرة في الثمانينيات من القرن الماضي ، قرأتها بشغف كبير ، وسرعان ما تملكني حب هذا اللون القصصي ، فرحت أشتري هذه القصص ، وأتبادلها مع أصدقائي ، وبمرور الوقت ، بدأت في قراءة الألغاز البوليسية الصادرة عن دار المعارف مثل ألغاز المغامرين الخمسة والمغامرون الثلاثة وغيرهم ، وأظن أنني قرأت غالبية ما صدر منها ، وتملكني عشق هذا اللون من القراءة في القصص البوليسية ، وبمرور الزمن قرأت أعمال الروائية الإنجليزية الأصل " أجاثا كريستي " وأعجبت بشدة بكتاباتها البوليسية وقدرتها على تحليل الشخصيات ، وتقديم أحداث معقدة، بأسلوب جذاب وبمعلومات غزيرة ، كما قرأت أعمال " شرلوك هولمز " ، وقصص " اللص الشريف " ، وأرسين لوبين وغيرهم ، كانت فترة تكويني الخيالي والثقافي ، ولا أزعم أنني الوحيد من أقراني الذي كنت أقرأ هذا ، فقد كان هذا سائدا مع من هم في سني ، ولكنني كنت أكثر حرصا على الاستعارة والشراء والمبادلة لهذه القصص من غيري .
وأظن أن عشق القراءة يتأتى من الاطلاع المبكر على الكتب الجذابة المسلية التي تحوي المعلومة والحكاية هي الأنسب للطفل كي تجذبه للقراءة ، فيعتاد عليها ، وتكون جزءا من تكوينه . وللأسف بعض النقاد مؤرخي الأدب يتعاملون باستهانة مع مؤلفي القصص البوليسية والطفولية ومع هذا اللون الأدبي الرائع ، وهذا أمر خطأ بلاشك، فمبدعو أدب الطفل على أعلى مستوى ، ولدينا في الأمة العربية كتّاب لأدب الطفل متميزين أمثال: "محمود سالم" مؤلف الألغاز والشياطين الـ 13 ، و" نبيل فاروق " مؤلف رجل المستحيل ، وأحمد نجيب ، وهي مؤلفات تحتاج إلى المزيد من الدراسات الأكاديمية " مضمونا وأسلوبا واتجاهات .

د. مصطفى عطية جمعة
04-09-2008, 10:16 PM
( 13 )
وأنا في العاشرة من عمري ، في الصف الرابع الابتدائي ، كان موعدي في عطلة الصيف مع مكتبة دار الكتب في الفيوم ، وقد كانت شهرتها "مكتبة البلدية"، ذهبت مع أبي ، وأخي الأكبر مني بعامين ، سجل أبي الاشتراك باسم أخي الأكبر، فلم أكن في الحسبان ، وكنت ذاهبا على عادة الصغار في مصاحبة آبائهم ، وتعلقا بما يفعله الأخ الأكبر .
دخلت من بوابة " دار الكتب " الحديدية ، لأطالع مبنى عتيقا ، به حديقة غناء ، وسلالم رخامية ، وسياج فخم ، يذكّرنا بقصور الباشوات في زمن ما قبل الثورة . صعدت السلم الرخامي ، وولجت المكتبة ، وكعادتي ، تجولت عيوني في اللافتات المعلقة ، قرأت : " دار الكتب بالفيوم ، أسست عام1932م ، ومنظمة على النمط الأمريكي " . دخلت الغرف ، الكتب مرصوصة بعناية على الأرفف ، والغبار يعلوها ، تأملت الغرف : واسعة الأركان ، أرضيتها خشبية ، جدرانها تميل للصفرة بفعل الزمن ، المكتبة مقسمة حسب الموضوعات: ديانات ، معارف عامة ، مراجع ... ، وتوجد طاولات عريضة تتوسط الصالة .
فتنت أي فتنة بالكتب ، شعرت أنني أنتقل لعالم ثان ، عالم من المتعة القرائية ، استعار أخي كتابين ، وعدت معه إلى المنزل وأنا مبهور بما رأيت .
في زيارة تالية لأخي ، في فصل الصيف ، تعرفنا على شاب يكبرنا بأعوام ، استعار كتب ألف ليلة وليلة طبعة دار الهلال القاهرية، حدثنا عن طرافة هذه القصص ، فعزمت على أن أستعيرها وأقرأها ، ولكن المشكلة أن لا استعارة لي، فألححت على أبي أن يسجل بطاقة استعارة ، وهذا ما حدث ، بعد شهور ، وقد غرقت في ألف ليلة وليلة ، مأخوذا بروعة قصصها ، وغرابة أحداثها ، وقد كانت طبعة دار الهلال منقحة ومهذبة من التجاوزات الأخلاقية الموجودة في طبعات دور نشر أخرى .
ظللت مواصلا على اشتراكي في دار الكتب ، منذ الصف الرابع الابتدائي ، وحتى سن الخامسة والعشرين من عمري ، قبل أن أغادر الوطن في رحلة العمل في دول الخليج ، وكنت دائما أزور هذه الدار مرتين على الأقل شهريا ، أستعير منها المزيد من الكتب .
خلال سنوات المرحلة الإعدادية والثانوية تشكلت ثقافتي القصصية والروائية ، وتعمق الخيال الروائي لي من خلال الكتب والروايات التي استعرتها من مكتبة دار الكتب ، وقد قرأت معظم إصدارات سلسلة روايات الهلال ، وسلسلة " كتابي " ، وسلسلة روايات عالمية ، وغيرها ، وقرأت في هذه السن المبكرة لأشهر المؤلفين العالميين أمثال : سومرست موم ، وألكسندر ديماس،ودستوفسكي ، وتولستوي ، وأرنست همنجواي ، كنت أقرأهم على سبيل العشق القصصي ، ولم أكن أعلم أنهم في قمة الأدب العالمي ، وكانت قراءاتي مقتصرة على الروايات ، لا الشعر ولا القصص القصيرة ، ولا الروائيين العرب ، وقد تغير هذا الأمر بعد المرحلة الثانوية ، حينما تعددت اهتماماتي الأدبية والثقافية .
وأذكر أنني في المرحلة الجامعية ، وقد شرعت في الكتابة القصصية ، قابلني أحد الأدباء في الفيوم السابقين عليّ في ميدان الكتابة الإبداعية ، وراح يتغنى بما يقرأ من روايات مترجمة ، وذكر أسماء بعضها ، فوجدت أنني قد قرأت هذه الروايات ، وعددت له الكثير ، فنظر لي وقال : متى ؟ وكيف ؟ وهل وعيتها ؟ قلت له : نعم .
وأحب أن أؤكد أن الأديب الروائي يحتاج إلى مخزون ضخم من القراءات القصصية ، لتعميق خياله ، وفتح الآفاق أمامه على شخصيات وعوالم أخرى، ويجدر بالذكر أن هذا الأديب الذي حاورني سرعان ما توقف تماما عن كتابة القصة ، بعدما راح يكرر أفكاره ، وافتقد الجديد ، نظرا لضحالة خياله الروائي وهذا ما ذكرته له بحب في الكثير من أحاديثي معه .[/font][/size][/align]

د. مصطفى عطية جمعة
06-04-2008, 05:42 PM
إخواني وأخواتي الأعزاء
سلام الله عليكم
أعتذر عن توقفي عن متابعة الذكريات فترة من الوقت لظروف خاصة بي ، وأعدكم بمواصلة الكتابة إن شاء الله
أرجو تقبل اعتذاري
وتفضلوا بقبول خالص مودتي إليكم
أخوكم
مصطفى عطية جمعة

د. مصطفى عطية جمعة
06-04-2008, 05:45 PM
( 14 )
كانت صورة المثقف في خيالي شديدة المثالية ، تدور حول رجل يقضي وقته بين الكتب والمجلات الجادة والمقالات العميقة في الصحف اليومية ، ويوزع وقته بين عمله النهاري ، وقراءته وكتاباته ليلا . ربما تأثرت بما قرأته عن أحوال الأدباء والمثقفين في مصر والعالم العربي في القرن التاسع عشر والقرن العشرين ، وربما كانت كتابات الأدباء التي طالعتها في مرحلة المراهقة والشباب المبكر عن الأدباء الناجحين المشاهير سببا في ذلك ، وقد كانت حياة "نجيب محفوظ " نموذجا أمامي ؛ فالرجل كان يعيش حياة الأديب الموظف ، موظف في وزارات الدولة نهارا ، وقارئ نهم ليلا ويلتقي مع المثقفين والأدباء على المقاهي وفي المنتديات والصالونات الأدبية. ونفس الأمر كان مع " عباس محمود العقاد " وهو عالم وأديب موسوعي ، جمع الأدب والسياسة والفكر والترجمة .
* * *
من الشخصيات التي كانت نموذجا لهذه الحياة ، رجل فاضل اسمه " مصطفى الأبجيجي " معلم اللغة العربية في محافظة الفيوم ، ذهبت إليه وأنا في الصف الأول الثانوي مع صديقي الحميم " محمد عبد المنعم " ( هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعمل بالتجارة ) ، كان هذا الرجل نموذجا للمثقف القارئ الزاهد ، هادئ الطباع ، بيته يعود لبنايات ما قبل الثورة ، ذات الزخارف الجميلة، ويقع خلف مكتبة البلدية العتيقة ، البيت به حديقة صغيرة ، وشقته في الطابق الأرضي : شقة واسعة ، متعددة الغرف ، وبها غرفة خاصة للمكتبة ، الكتب مرصوصة على الأرفف بنظام دقيق ، جلها كتب أدبية للعقاد والمنفلوطي والرافعي ... ، ناهيك عن المجلدات والمراجع ، وفي ركن من الغرفة : تلفاز أبيض وأسود ، ومذياع ضخم ، وإسطوانات . حياة مثالية للقراءة ، وشخص دمث الأخلاق ، ليست له كتابات إبداعية ، بقدر ما هو قارئ متابع ، شعرت بالسعادة الكبيرة في حضرته ، ووددت لو تتلمذت عليه ، ونهلت من مكتبته ، ولكنه كان في سن الشيخوخة ، يداعب أحفاده ، ويكتفي بالقليل من الكلمات.
* * *
حلمت كثيرا بهذه الحياة ، وكنت أوطّن نفسي أن تكون حياتي للأدب ، وظل الحلم يطاردني حتى الآن ، إلا أن هناك مراجعات وتبدلات حول هذه النظرة نضجت بمرور الزمن وسنوات العمر وما رأيته من أحوال الأدباء أنفسهم ، فالكثير منهم – كما عاشرتهم – لا يقرأون ، ويميلون للكسل ، وكتاباتهم قليلة ، وتكاد تدور في معان مكرورة ، وهم كثيرو الشكوى والتبرم ، قلقون في الطباع، ولكن المميز منهم هو من وطّن العزيمة في نفسه ، وجعل القراءة فقرة لا مناص منها ، وهم في المجمل قلة ، ولكنها قلة مميزة بالفعل . وكان السؤال الذي ألح عليّ : هل تكفي القراءة فقط للأديب ؟ أم أن هناك روافد أخرى في الحياة يستمد بها الأديب تكوينه الثقافي ؟
وكان السؤال الذي ألح عليّ : هل يكتفي الأديب بالقراءة فقط ؟ أم أن هناك روافد أخرى في الحياة يستمد بها الأديب تكوينه الثقافي ؟
أعتقد أن القراءة أساس للأديب والعالم والمثقف ، ولكن روافد الحياة التي أعنيها تتمثل في : توافر الموهبة في تخصص ما ، ثم تحسس مشكلات المجتمع والتعمق مع الناس والشخوص ، وربما أدرك ذلك المتميزون من الروائيين مثل نجيب محفوظ ، الذي جمع ما بين البعد الاجتماعي الناجح في علاقاته مع البشر وبين القراءة العميقة المنظمة ، أيضا ضرورة وجود متابعة حثيثة للجديد في العالم من أفكار وحركات أدبية وسياسية واجتماعية ، فالانحباس على قراءة في مجال واحد أعدها نوعا من الجفاف المعرفي ، ربما تعمق التخصص ، ولكنها تحصر صاحبها في مجال ، وهذه أزمة نعاني منها الآن ، حيث يحبس الأديب نفسه في قراءات بعينها ، فيكون الطبيعي في هذا ألا يفيض بالجديد المميز .

حسن الشمراني
06-05-2008, 04:14 PM
د. مصطفى عطية
سرد جميل وذكريات زاخرة بالجد والاجتهاد
تتجلى الروعة في هذه الذكريات في كونها ذكريات ناقدة تسلط الضوء على بعض السلبيات السيئة والعادات غير السليمة التي تعاني منها المجتمعات العربية .
لازلت مستمتعاً بقراءة هذه المذكرات .
دمت بخير

صالح سعيد الهنيدي
06-20-2008, 07:42 PM
د. مصطفى
عودًا حميدًا
ولا تزال ذكرياتك تتوهج يومًا بعد يوم

مستمعين لصوت قلبك

د. مصطفى عطية جمعة
06-20-2008, 11:23 PM
د. مصطفى عطية
سرد جميل وذكريات زاخرة بالجد والاجتهاد
تتجلى الروعة في هذه الذكريات في كونها ذكريات ناقدة تسلط الضوء على بعض السلبيات السيئة والعادات غير السليمة التي تعاني منها المجتمعات العربية .
لازلت مستمتعاً بقراءة هذه المذكرات .
دمت بخير

العزيز الجميل / حسن الشمراني
أشكرك غاية الشكر على ما تفضلك بالاطلاع على ما كتبت
ولازلت أستمتع معك بذكرياتك الجميلة أنت أيضا ، فلا تحرمنا منها أبدا ، وهي تعيدنا لأجواء القرية والبراءة التي نفتقدها كثيرا .
شكرا لك عزيزي
تحياتي وحبي
د. مصطفى عطية

د. مصطفى عطية جمعة
06-21-2008, 12:59 AM
د. مصطفى
عودًا حميدًا
ولا تزال ذكرياتك تتوهج يومًا بعد يوم

مستمعين لصوت قلبك

الأستاذ صالح
أشكرك
من كل قلبي
فأنت سبب لهذه الذكريات
دمت بخير
أخوك
مصطفى

د. مصطفى عطية جمعة
06-21-2008, 01:41 PM
( 15 )
لا زلت أذكر بداية تشكّل موهبة كتابة القصة لديّ ، كنتُ في سن صغيرة جدا ، وكانت أول قصة كتبتها شديدة الطرافة ، وتدور فكرتها حول قط يصادق كلبا ، وهما العدوان اللدودان ، وكيف أنهما كانا يلتقيان ، ويلعبان مع بعضهما، ثم يعودان إلى بيوتهما . ربما تأثرت في كتابة هذه القصة بما كنت أراه في الشارع من حرابة الكلاب والقطط ، وكان خيالي الساذج يصور لي يوما أنه من الممكن التلاقي بين الأعداء الدائمين في عالم الحيوانات ، وهذا غير متحقق في عالم البشر .
كتبت هذه القصة وأنا في الصف الثالث الابتدائي ، وعرضتها على أخي وأبي اللذين سخرا منا ومن فكرتي ، خاصة أنني كتبتها على ورق مقصوص على هيئة مثلث ، وكأنها ستنشر في مجلة أو جريدة بهذا الشكل .
لم أكرر التجربة ثانية ، ولكنني عرفت لذة الإمساك بالقلم ، وكم كانت سعادتي وأنا أكون أول تلميذ في الصف أنهي كتابة موضوع التعبير في حصة التعبير التحريري ، وأقف ألقيه أمام زملائي ، وقد ظلت هذه الخصلة فيّ حتى المرحلة الثانوية ، وكان زملائي يستمتعون كثيرا بما أكتبه ، كانت قراءاتي مَعينا لي على نقاء الأسلوب وثراء الكلمات ، وأذكر أول درجة كاملة حصلت عليها في التعبير التحريري وأنا في الصف الخامس الابتدائي ، كانت الأبله قد طلبت منا أن نكتب موضوعا عن المياه ، بشرط أن يكون به استشهاد من القرآن أو الشعر أو الحديث الشريف . وعندما كتبت الموضوع ، حضرتني الآية الكريمة التي حفظتها لأنها كانت مدونة على محل لبيع الثلج في ميدان " المبيضة " : { وجعلنا من الماء كل شيء حي } ، وختمت بها موضوعي ، ثم سلمت الكراسة للأبله ، وسرعان ما انطلق الجرس إيذانا بانتهاء الحصة ، فانصرفت مع زملائي. وفي اليوم التالي كانت المعلمة قد صححت الكراسات ، وأرسلتها مع إحدى الزميلات، وأخذت كراستي وفتحتها ، كانت الدرجة كاملة ، بينما تدنت درجات زملائي .
في حصة اللغة العربية ، نادتني المعلمة أمام الصف ، وطلبت مني أن ألقي الموضوع ، فألقيته على خجل مني ، فطلبت من الصف أن يصفقوا لي ، لأن الموضوع مكتمل الفكرة والصياغة والاستشهاد . كم كانت لذيذة هذه الأيام ، والفرحة فيها شديدة الطزاجة ، تلامس القلب ، وتنغرس فيه .
* * *
استمرت الرغبة في الكتابة ، وتبلورت أكثر وأنا أقرأ القصص البوليسية ثم عرجت مبكرا إلى قراءة القصص المترجمة والقصص العربية ، وكنت شديد التأثر بما أقرأ ، فظهرت عندي أفكار كثيرة مقتبسة من الروايات ، المترجمة والعربية ، ولا زلت أذكر بعضا من عناوين القصص التي كنت أدوّن مضامينها في أوراق صغيرة منتزعة من دفاتري ، ولا زلت أحتفظ ببعضها في أظرف ، كان منها عناوين : ( الخائنة ، الغيرة السوداء ، حب ووفاء ... إلخ ) .
وقد فتنت كثيرا بروايات إحسان عبد القدوس ، كانت سهلة ، شديدة التشويق، تناسب فترة المراهقة التي كنت أمرّ بها ، وكما تعلمون جميعا فإن غالبية قصص إحسان عبد القدوس كانت تدور عن المرأة : الغانية والمضطهدة والمستغلة والضائعة ، ولذا كانت رواياته تحقق أعلى مبيعات على الإطلاق منذ فترة الخمسينيات وحتى الثمانينيات ، وكانت تؤخذ عنها الأفلام الرومانسية . كان إحسان عبد القدوس يمتلك موهبة كبيرة في الصياغة القصصية ، رغم أن كتاباته كانت بسيطة البناء والأسلوب وتتداخل فيها العامية مع الفصحى ، وهذا سبب انتشارها ، ولكنه كان يستطيع أن يحلل الشخصيات والأحداث ، بطريقة جذابة ومسلية .
تأثرت كثيرا بإحسان عبد القدوس ، طيلة فترة المراهقة ( سن الخامسة عشر إلى السابعة عشر ) ، وكنت معجبا به بدرجة كبيرة ، فهو أسطورة الشباب والفتيات في القصص ، إلا أنه على مستوى النقد الأدبي لم يجد حظه ، لأن النقاد تعاملوا معه باستهانة نظرا لوجود كثير من الاستسهال في كتاباته ، وإلحاحه على عالم المرأة ، وتعمد ذكر المشاهد المثيرة في قصصه ، وهذا بالطبع يقلل من قيمة الأدب . ربما نفس الأمر ينطبق بدرجة أقل على كاتب اسمه " إسماعيل ولي الدين " الذي شاعت كتاباته خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات ، وكما وصفه نجيب محفوظ إنه " يكتب وعينه على السينما " ، وأرى أنه أقل فنية وقيمة أدبية من إحسان عبد القدوس ، ولا يمتلك قضية بعينها ؛ بقدر ما هو الرغبة في تحقيق أعلى مبيعات ، ومخاطبة غرائز المراهقين . إن قضية الرخيص تتفاعل دائما ، وهذه النوعية من الكتابات تفسد الذوق العام والأخلاقيات ، وتحدث اضطرابا في العملية النقدية تقييما لها ، ولكن حمدا لله أن النقاد المعتبرين لا يقفون عند هذا اللون ، وإنما يقف كتّاب الصحف اليومية والمجلات ، ومواقع الإنترنت . وللأسف تأثرت بهذه الكتابة السهلة فترة الوقت ، وسرعان ما لفظتها مفضلا القراءة إلى حين .

محمد أحمد فرج
06-25-2008, 11:42 AM
إنها بحق صدفة جميلة جدا بينما انا اتصفح الانترنت كتبت في البحث كلمة " حي الروبي " وإذا بالفيض الجميل الذي انهال به علينا دكتور مصطفى الذي أحيا فينا الذكريات الجميلة ولكنها أحياها مجسدة ووصف بدقة حي الروبي وما به وكيف لا وهو ابن هذا الحي، ولقد كانت الصدفة الجميلة لأني أيضا من نفس هذا الحي الرائع وأنا اعمل بالسعودية وسعدت جدا بهذا الوصف الممتع والمشرف لهذا الحي، وارغب في التواصل مع الدكتور مصطفى وباذن الله سوف اسافر قريبا باجازة واتمنى مقابلته

تقبل تحياتي دكتور مصطفى واشكرك على احياءك احاسيس ومشاعر جميلة لطختها الحياة بقسوتها وايقاعها السريع

محمد أحمد فرج
06-25-2008, 11:45 AM
شكرا

صالح سعيد الهنيدي
06-25-2008, 04:06 PM
ذكريات تستحق
ختم التميز
دكتور مصطفى
أرجو أن تصل مصر بألف خير
وتواصل هذا الوهج الذاتي

د. مصطفى عطية جمعة
06-27-2008, 04:33 PM
كم هو جميل ان نعطر سينا الذاتية بأن نحولها لتجربة كي يستفيد من ثناياها و زواياها الآخر الذي يشاركنا همومنا ...
شكراً للدكتور مصطفى فأنا اعتز به و بتجربته و سيرته

أخي الحبيب / مهتدي
تحياتي
أشكرك على تفضلك بالاطلاع على هذه الكتابة ، واعلم أن العطر يأتي ممن يقرأ دائما
لأنه يشم الأريج ، ويفوح بالمسك
أخوك
مصطفى

د. مصطفى عطية جمعة
06-27-2008, 04:40 PM
إنها بحق صدفة جميلة جدا بينما انا اتصفح الانترنت كتبت في البحث كلمة " حي الروبي " وإذا بالفيض الجميل الذي انهال به علينا دكتور مصطفى الذي أحيا فينا الذكريات الجميلة ولكنها أحياها مجسدة ووصف بدقة حي الروبي وما به وكيف لا وهو ابن هذا الحي، ولقد كانت الصدفة الجميلة لأني أيضا من نفس هذا الحي الرائع وأنا اعمل بالسعودية وسعدت جدا بهذا الوصف الممتع والمشرف لهذا الحي، وارغب في التواصل مع الدكتور مصطفى وباذن الله سوف اسافر قريبا باجازة واتمنى مقابلته

تقبل تحياتي دكتور مصطفى واشكرك على احياءك احاسيس ومشاعر جميلة لطختها الحياة بقسوتها وايقاعها السريع

الأخ الحبيب الأستاذ / محمد أحمد فرج
تحياتي وتقديري
سعدت غاية السعادة بهذه الكلمات الرقيقة
وأسعد أكثر بالتعرف عليك والالتقاء
ما دمنا من بلد واحد
ومن حي واحد
ومن فكر واحد
تحياتي إليك
وأهلا بك

د. مصطفى عطية جمعة
06-27-2008, 04:44 PM
ذكريات تستحق
ختم التميز
دكتور مصطفى
أرجو أن تصل مصر بألف خير
وتواصل هذا الوهج الذاتي

العزيز الكريم الشاعر المبدع
صالح الهنيدي
تحياتي إليك
وشكرا لك هذا الحفز المعنوي المستمر
أخوك
مصطفى

سمير الفيل
07-20-2008, 04:24 AM
تعرفت على الصديق د. مصطفى عطية جمعة مساء الأثنين الماضي بنادي القصة بالقاهرة..
وأهديته مجموعتي القصصية السادسة " شمال .. يمين"
وانطباعي حول جهده النقدي والأبداعي مثير للبهجة ..

شكرا له ، وبالتوفيق دائما.

سمير الفيل

د. مصطفى عطية جمعة
07-23-2008, 01:34 PM
تعرفت على الصديق د. مصطفى عطية جمعة مساء الأثنين الماضي بنادي القصة بالقاهرة..
وأهديته مجموعتي القصصية السادسة " شمال .. يمين"
وانطباعي حول جهده النقدي والأبداعي مثير للبهجة ..

شكرا له ، وبالتوفيق دائما.

سمير الفيل


الأديب اللامع المتألق / سمير الفيل
تحياتي إليك
أسعد وأشرف بهذا الحضور المتجلي ، وقد سعدت كثيرا بالاطلاع على مجموعتك القصصية ، وسأسعى للكتابة عنها إن شاء الله ، وودي أن أشارك في ندوة نقاشية حولها .
لك خالص محبتي وعظيم تقديري إليك أيها المبدع .

د. مصطفى عطية جمعة
07-24-2008, 08:51 PM
خلال فترة الثانوي العام ، كنت أحلم أن أعمل في الصحافة ، كاتب صحفي وروائي، وكان اللقب الذي يبهرني " الكاتب الصحفي " ، والنماذج كانت واضحة أمامي ؛ إحسان عبد القدوس فهو صحفي وقاص وروائي شهير ، وجمال الغيطاني ، ويوسف القعيد وغيرهم . ولذا كنت حزينا أشد الحزن لأنني فقدت كلية الإعلام على نسبة واحد بالمئة في الثانوية العامة ، رغم أنني حصلت على مجموع كبير بحساب زماني في الثانوية العامة ( 79% ) ،إلا أن القدر كانت له تصريفات أخرى ، وقد سعيت للالتحاق بأقسام الصحافة في كلية الآداب ، ولكنني فشلت ، لبعد هذه الكليات عن محافظتي الفيوم ، ووقعت في حيرة شديدة، حتى قرأت مقالا للأستاذ " جلال الدين الحمامصي " في أخبار اليوم ، ينصح فيه طلاب الثانوية العامة الذين فقدوا الكليات التي حلموا بها أن يلتحقوا بكليات يمكنهم التفوق فيها وتتفق مع ميولهم ، فالتحقت بكلية التربية ، قسم اللغة العربية في الفيوم ، رغم الحزن الذي كان في فؤادي .
كانت الصورة أمامي أن أكون معلما للغة العربية ، وأيضا أسعى للكتابة الأدبية ، ومراسلة الصحف والمجلات ، من الفيوم ، وعشت هذه التجربة كاملا فحرصت على القراءة والاطلاع والكتابة بشكل منتظم . وكنت أنظر لأساتذتي في الكلية نظرة مثالية ، بأنهم أرباب العلم والأدب ، ولكنني صدمت في الكثيرين منهم ، فقد كانوا مجرد معلمين للعلم ، وليسوا أدباء ولا مثقفين بالمعنى الذي توقعته . وقد أغراني كثيرا لقب أحد الأساتذة " دكتوراه في الأدب العربي "، ورسخ في أعماقي ، وتمنيت أن أحصل عليه يوما ما . وهذا جعلني أعيد التفكير: هل كنت على صواب أن أتجه للصحافة ؟ فقد بدأت أفكر في أواصل دراستي العليا في الجامعة ، وحضرتني نماذج عدة لأدباء وأساتذة في الجامعة مثل : د. طه حسين ، د. نبيل راغب ، وغيرهما ، فحمدت الله على ما قدر لي واكتشفت كم أنا عاشق للعربية : لغة وأدبا ، فأقبلت على الدراسة بنهم ، وسعيت للتفوق في الكلية ، وقد حصلت على تقدير " جيد جدا " ثلاث سنوات من أربع سنوات في الجامعة .
وكان علي أن أواصل الكتابة القصصية ، وهذا ما كنت أفعله ، إلا أنني افتقدت التوجيه الأدبي الكافي ، فبدأت في الذهاب إلى نادي الأدب بقصر ثقافة الفيوم .

د. مصطفى عطية جمعة
07-24-2008, 08:53 PM
( 17 )
تعود علاقتي بنادي الأدب إلى السنة الثانية من الثانوي العام ، حينما ذهبت إليهم في قصر الثقافة ، واستمعت إلى حواراتهم ، ولكنني أجّلت التعاون معهم لحين انتهاء من الثانوية العامة ، وعندما دخلت كلية التربية ، كان هناك نادي الأدب بالكلية ، وحضرت اجتماعا لهم في السنة الأولى ، وألقيت قصة عن حوار بيني وبين أحد شباب المقاومة الفلسطينية ، وكان هذا الشاب قد قابلني في العريش خلال رحلة صيفية . جاءت القصة طويلة ، في عشر صفحات ، وسرعان ما سمعت تعليقات من مثل : الخطاب الوعظي ، غياب التكثيف في الكتابة ، غلبة الحوار على حساب السرد ... ، إنه كلام جديد عليّ ، وسكتُ ، وصممت على المسير . فذهبت إلى نادي الأدب بقصر الثقافة ، وصدمت كثيرا كثيرا ، فقد كانت تخيلاتي عن الكتابة القصصية مستوحاة من الروايات والقصص التي كنت أقرأها وتعود إلى أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ، ولكنني وجدت الأدباء يتحدثون عن الحداثة ، والقصة شديدة القصر ، والحساسية الجديدة ، ويذكرون أسماء جيل الستينيات وجيل السبعينيات وكنا في أواخر سني الثمانينيات من القرن العشرين . وجدت تحديا كبيرا أمامي ، خاصة أنني كنت مصمما على الكتابة ، وتحملت الكثير من النقد ، وكان هناك البعض من الأدباء الذين لا يرغبون في وجود وجوه أدبية جديدة ، خاصة في مجال القصة ، ولكن الكتابة كانت حياتي .
توزّع وقتي بين الكلية في الصباح ، والقراءة المكثفة في المساء ، وحرصت على شراء مجلة إبداع ، والثقافة الجديدة ، والأقلام العراقية ، ورحت أقرأ بكثافة لكل الأقلام القصصية الجديدة ، وأتدرب على كتابة القصة بشكلها الحداثي ، وهذا خلال السنة الأولى من الجامعة ، كان التطور في البداية بطيئا ، ولكنني – بفضل الله – سرعان ما تعلمت الكتابة بشكل جيد في السنة الثانية، وحصلت على الجائزة الثانية في مسابقة نادي الشبان المسلمين في الفيوم ، وكانت عن قصة " عندما نطق الحجر " ، كانت صفحة واحدة ، وكانت الجائزة ستة وعشرين جنيها مصريا ، ولم أعلم بالجائزة ولا بالفوز ، إلا بعد انتهاء امتحانات نهاية السنة في الجامعة . فوجئت بالشاعر " محمد عبد المعطي" رحمه الله يخبرني أنني حصلت على هذه الجائزة ، وأنه احتفظ بها لحين حضوري . عدت إلى المنزل فرحا ، فقد بات الأدب يثمر لي ، وبتُ ذا قدرة على الفوز ، خاصة أنني تنافست مع العديد من الأدباء المعروفين في الفيوم وقتئذ.
وقررت أن أواصل القراءة المكثفة ، وكان أقصى حلم لي – ساعتها – أن أحصل على لقب أديب ذي نتاج أدبي حداثي .

طالبة الجنة
09-29-2008, 08:15 AM
دكتور مصطفى
هلا واصلت هذا الإبداع
نحن في انتظار هطول بقية ذكرياتك

د. مصطفى عطية جمعة
09-30-2008, 12:22 AM
دكتور مصطفى
هلا واصلت هذا الإبداع
نحن في انتظار هطول بقية ذكرياتك

الأخت العزيزة / طالبة الجنة
شكرا لك هذا الاهتمام
وأعدك أن أواصل الكتابة إن شاء الله
فما منعتني إلا مشاغل الحياة
تحياتي وفائق مودتي
أخوك
د. مصطفى عطية

خالد السلمان
02-13-2009, 01:35 AM
أستاذنا الكبير
الدكتور مصطفى عطية جمعة
أتساءل هنا سؤالين
1) هل سيكتمل عقد هذه الذكريات الخلابة ؟
2) هل ستُجمع في كتاب مستقبلاً ؟

عذب السجايا
05-04-2009, 07:20 PM
هنا ذكريات تعبق حضوراً
فأين تتمتها يا دكتور
تتوالى النداءات ...........

د. مصطفى عطية جمعة
05-05-2009, 12:12 AM
إلى خالد السلمان
وعذب السجايا
أشكركما جزيل الشكر على هذا الحضور الجميل والقراءة العطرة
وسأقوم إن شاء الله بمواصلة الكتابة قريبا ، على أمل أن يكتب الكتاب ويطبع مستقبلا إن شاء الله .
تحياتي إليكما
د. مصطفى عطية

خالد السعيد
06-24-2009, 08:28 PM
ما يزال الشوق يحدونا لمواصلة نثرك الرفيع يا دكتور

د. مصطفى عطية جمعة
06-27-2009, 12:19 AM
ما يزال الشوق يحدونا لمواصلة نثرك الرفيع يا دكتور

العزيز الجميل / خالد
بسبب انشغالات كثيرة وعديدة ، توقفت ، وأدعو الله أن ييسر الأمر لي وأتابع .
أكرر شكري إليك
أخوك
مصطفى عطية

حامد الغامدي
04-13-2010, 10:05 AM
نحن في انتظارك يا دكتور مبروك
فوالله إني من المعجبين بما يخطه يراعك .. ولا أقولها مجاملة
فلا تغب كثيرا

محمد حسام الدين دويدري
05-02-2010, 12:37 PM
نتابعك بضغف

احترف الصمت وتأمل
11-14-2011, 10:56 PM
الشعر المتوقد
الشعر عذب روحه وقا دة / ما لعذب إ الآ روحنا المنقادة
الشعر يولد لحظة بلحظة /من عذب ذكرى هيجت اشجانه
ما لعمر يا دنياي الا بسمة/تمحي الفؤاد المثقل المتصابي
ارجو الهي عبرة منسابة/تزجي الفؤاد من الهموم وتنسل
يامن يعمر شوقه من صبره/ويعيش في دنياه حتى يغنم
سأكتب ما أردت من القصيد/ وانثر ذلك العبق الرزين
ومن يكتب الاشواق حرفا/وينقل العبرات دهرا
ما لشعر الا لعبة رنانة/ منها الفؤاد يزج او ينهل
كتبت الحروف من ادواتي/ وصنت الدموع من عبراتي
الشعر روح وقلب وكيان وفكر/الشعر احساس وانسان وبحر
انهل انهل من عذبه المنساب/والثم حروفه من داخلي وكياني
البحر ازرق صافي /وصفائه كالزهرة الغناء
احترف الصمت وتأمل