صالح سعيد الهنيدي
10-29-2007, 06:52 PM
الجهة اليسرى
من تجليات غرفة الإنعاش
محمد نديم
رسمت معلمته يوما ما سمكة فوق السبورة السوداء، مبينة عليها كل تفاصيل جسدها وزعانفها, وطالبت التلاميذ أن يرسموها وبدقة شديدة، وانتظرت منهم الأخطاء، ليطل وجهها المتجعد غضبا فوق وجوههم المشرقة بالخوف، ثم تنهال على أكفهم الصغيرة بعصاها الغليظة. سرح الحرفوش الصغير بخاطره وهو ينظر للسمكة المرسومة بالطباشير، ترى كيف يكون طعمها؟ وفقد انتباهه إلى الدرس، فكانت العصا ثقيلة الوقع على أصابعه الصغيرة، وعندما بكى لجدته كي تطبخ له سمكة، وعدته خيرا.
**********
على صدر الشاشة، ذات الوجه المتجعد غضبا، المعلمة البنية اللون، تلقى بيانا باسم دولتها العظمى عن ضرورة ممارسة الديمقراطية بين سكان (النجوع) المتخلفة، أولئك الذين يجب أن يرسموا الأطعمة، ولا يتذوقونها، لأنهم ببساطة لا يمكنهم، بل لا يحق لهم ذلك.
**********
عندما مد الحرفوش الصغير يده في درج طاولته, وأخرج شيئا من الحلوى، وهم بالتقامها، لمحته المعلمة. وقامت الدنيا ولم تقعد. تجعد وجه المعلمة كليمونة جافة، وبرزت عيناها كجمرتين, وانهالت على وجهه صفعا وعلى مسامعه سبا وقذفا. حاول دفع الصفعات بيده الصغيرة، فما كان منها إلا أن اتهمته بالسفالة وقلة الأدب، لأنه حاول التعدي عليها !!! فتكالبت عليه باقي المعلمات، وانهالت عليه العصا.
**********
أمام شاشة التلفاز المفعمة بالضجيج والنار والأشلاء، لا طعم للأشياء في فمي, أنفاسي ألملمها بصعوبة كأشلاء ممزقة، وكوب الشاي يرتعش في يدي. منذ ذلك اليوم، تعلم الحرفوش الصغير فن السكوت، وتجرُعَ مرارة النظر إلى الحلوى التي بين يديه دون أن يجرؤ على لمسها.
**********
على صدر الشاشة, كان وجه المعلمة يزداد تجعدا، وهي تلقى بيانا باسم دولتها العظمى، عن مكافحة المكافحين، الذين يرفعون أيديهم على نقطة فوق خارطة كبيرة، وأصدرت أمرها لطائرات حديثة X لرد الصفعات، صرخت في بيانها : إرهابيون، رسمت بالعصا الغليظة علامة وصواريخ عابرة كي تنهمر حممها فوق هذه النقطة بدقة شديدة، فتمزق أحلام البسطاء. حين يشذ بفكره قليلا، كان الحرفوش الصغير يمرح في رياض من خياله الطفولي البريء، وكان يصحو دائما على رأس العصا الغليظة، تشير نحوه أن : قِفْ ومد كفيك الصغيرتين, وتناول وجبتك اليومية من العقاب، لشرودك عن الدرس ولو قليلا.
**********
أمام شاشة التلفاز، كان قطار الضجيج والنار والألم يتتابع أمام عيني، وكان طعم الحلوى أكثر مرارة. وفي يدي، كان جهاز التحكم عن بعد، حاولت تغيير وجه الشاشة إلى شيء آخر فلم أتمكن، اختلطت الصور بين إعلانات الحلوى ووجوه الأطفال وأجسادهم الممزقة. داخل الشاشة وبين تفاصيل الخبر، ألمح ابنتي ذات الضفيرتين، خرجت لتوها لشراء بعض الحلوى، لقد تأخرت كثيرا، ومازال أمامها الكثير من الواجب المدرسي كي تتمه، افترسني القلق، فقلب معلمتها قاس كعصاها.
**********
قطار الضجيج واللهب والدماء، يركض في كياني اضغط أزرار جهاز التحكم الآلي فإذا بي داخل جهاز التلفاز أركض بين القطيع الذي يحركه الفزع، في تفاصيل الخبر، باحثا عن ابنتي في كل اتجاه. مراسلو محطات التلفاز وسط الجموع يحذرون من انفجار وشيك، أو غارة جديدة متوقعة، أو قصف آخر محتمل. الشوارع تغص بكلاب مسعورة سوداء، ومعلمين يمسكون هراوات غليظة، وحشود من المهرجين, والمعدمين, ولابسي الأقنعة، ومطربي الأغاني الهابطة، وحاملي الكئوس والبيارق، والمباخر، وباقات الشوك والورود، والأسلحة البيضاء، والشموع السوداء المفخخة، وبائعي الأطعمة الفاسدة والأدوية منتهية الصلاحية والحارات تغض بالجنازات.
قطار اللهيب والألم والضجيج يجتاح كل ذرة في كياني، وأنا أركض ببطء شديد متنفسا بصعوبة بالغة، الخوف يجتاحني والعرق يكاد يغرقني. تصرخ المعلمة القميئة الوجه مشيرة إلي بعصاها الغليظة : ... إرهابي أمسكوه. حاولت التنصل من هويتي فلم أتمكن، ألقيت بجسدي وسط الزحام، قررت أن أهرب عائدا إلى بيتي الذي لمحته على الجهة المقابلة من خلال شاشة التلفاز، رأيت كوب الشاي، مازال يصدر دخانا رقيقا على الطاولة في ركني المفضل أمام الجهاز الصاخب في بهو شقتي الصغيرة. لم أستطع العودة. أشعر بالاختناق والغثيان وقطار النار والألم يركض صاخبا في كياني كله, ذراعي الأيسر تكاد تُشَل، شعرت أن القطار يمزقها تحت عجلاته الفولاذية بلا رحمة.
**********
المعلمة ترج الشارع بصراخها : أمسكوه، العصا الغليظة تتبعني وتقرع كتفي وظهري، والحلوى تتساقط من جيبي والسمكات الملونة تفرمن دفتري، ووجه جدتي مازال مبتسما في ناظري ،ويعدني خيرا ! ركض الجميع ورائي. لا مفر، لا مفر من الضغط على أزرار جهاز التحكم عن بعد، ضغطت بشدة على كل الأزرار، انفجرت الشمس، وتحولت الشوارع إلى خيمة من نار وتناثرتُ مع الرعد والدخان، والحجارة، والأشلاء، والغبار.
**********
رأيت جدتي بملابس الممرضات، تقترب أنفاسها الرقيقة من وجهي، وهي تدس بحنان رأس إبرة في ذراعي، وكف رقيقة لطفلة ذات ضفائر, تمسك بعض حلوى, تحتضن بقوة كفي المرتعشة الساخنة. وجه صديقي الحميم، بملابس الأطباء, يظهر ويغيب، سمعته بالكاد، وهو يطمئنني من خلال ابتسامته المضيئة، حمداً لله على سلامتك، ويستفسر مني : قل لي بالتفصيل كيف بدأ الألم معك في الجهة اليسرى من الصدر؟
القصة الفائزة بالمركز الأول في مسابقة منتديات مرافئ الوجدان - فرع القصة
صحيفة البلاد الاثنين 18 شوال 1428هـ
من تجليات غرفة الإنعاش
محمد نديم
رسمت معلمته يوما ما سمكة فوق السبورة السوداء، مبينة عليها كل تفاصيل جسدها وزعانفها, وطالبت التلاميذ أن يرسموها وبدقة شديدة، وانتظرت منهم الأخطاء، ليطل وجهها المتجعد غضبا فوق وجوههم المشرقة بالخوف، ثم تنهال على أكفهم الصغيرة بعصاها الغليظة. سرح الحرفوش الصغير بخاطره وهو ينظر للسمكة المرسومة بالطباشير، ترى كيف يكون طعمها؟ وفقد انتباهه إلى الدرس، فكانت العصا ثقيلة الوقع على أصابعه الصغيرة، وعندما بكى لجدته كي تطبخ له سمكة، وعدته خيرا.
**********
على صدر الشاشة، ذات الوجه المتجعد غضبا، المعلمة البنية اللون، تلقى بيانا باسم دولتها العظمى عن ضرورة ممارسة الديمقراطية بين سكان (النجوع) المتخلفة، أولئك الذين يجب أن يرسموا الأطعمة، ولا يتذوقونها، لأنهم ببساطة لا يمكنهم، بل لا يحق لهم ذلك.
**********
عندما مد الحرفوش الصغير يده في درج طاولته, وأخرج شيئا من الحلوى، وهم بالتقامها، لمحته المعلمة. وقامت الدنيا ولم تقعد. تجعد وجه المعلمة كليمونة جافة، وبرزت عيناها كجمرتين, وانهالت على وجهه صفعا وعلى مسامعه سبا وقذفا. حاول دفع الصفعات بيده الصغيرة، فما كان منها إلا أن اتهمته بالسفالة وقلة الأدب، لأنه حاول التعدي عليها !!! فتكالبت عليه باقي المعلمات، وانهالت عليه العصا.
**********
أمام شاشة التلفاز المفعمة بالضجيج والنار والأشلاء، لا طعم للأشياء في فمي, أنفاسي ألملمها بصعوبة كأشلاء ممزقة، وكوب الشاي يرتعش في يدي. منذ ذلك اليوم، تعلم الحرفوش الصغير فن السكوت، وتجرُعَ مرارة النظر إلى الحلوى التي بين يديه دون أن يجرؤ على لمسها.
**********
على صدر الشاشة, كان وجه المعلمة يزداد تجعدا، وهي تلقى بيانا باسم دولتها العظمى، عن مكافحة المكافحين، الذين يرفعون أيديهم على نقطة فوق خارطة كبيرة، وأصدرت أمرها لطائرات حديثة X لرد الصفعات، صرخت في بيانها : إرهابيون، رسمت بالعصا الغليظة علامة وصواريخ عابرة كي تنهمر حممها فوق هذه النقطة بدقة شديدة، فتمزق أحلام البسطاء. حين يشذ بفكره قليلا، كان الحرفوش الصغير يمرح في رياض من خياله الطفولي البريء، وكان يصحو دائما على رأس العصا الغليظة، تشير نحوه أن : قِفْ ومد كفيك الصغيرتين, وتناول وجبتك اليومية من العقاب، لشرودك عن الدرس ولو قليلا.
**********
أمام شاشة التلفاز، كان قطار الضجيج والنار والألم يتتابع أمام عيني، وكان طعم الحلوى أكثر مرارة. وفي يدي، كان جهاز التحكم عن بعد، حاولت تغيير وجه الشاشة إلى شيء آخر فلم أتمكن، اختلطت الصور بين إعلانات الحلوى ووجوه الأطفال وأجسادهم الممزقة. داخل الشاشة وبين تفاصيل الخبر، ألمح ابنتي ذات الضفيرتين، خرجت لتوها لشراء بعض الحلوى، لقد تأخرت كثيرا، ومازال أمامها الكثير من الواجب المدرسي كي تتمه، افترسني القلق، فقلب معلمتها قاس كعصاها.
**********
قطار الضجيج واللهب والدماء، يركض في كياني اضغط أزرار جهاز التحكم الآلي فإذا بي داخل جهاز التلفاز أركض بين القطيع الذي يحركه الفزع، في تفاصيل الخبر، باحثا عن ابنتي في كل اتجاه. مراسلو محطات التلفاز وسط الجموع يحذرون من انفجار وشيك، أو غارة جديدة متوقعة، أو قصف آخر محتمل. الشوارع تغص بكلاب مسعورة سوداء، ومعلمين يمسكون هراوات غليظة، وحشود من المهرجين, والمعدمين, ولابسي الأقنعة، ومطربي الأغاني الهابطة، وحاملي الكئوس والبيارق، والمباخر، وباقات الشوك والورود، والأسلحة البيضاء، والشموع السوداء المفخخة، وبائعي الأطعمة الفاسدة والأدوية منتهية الصلاحية والحارات تغض بالجنازات.
قطار اللهيب والألم والضجيج يجتاح كل ذرة في كياني، وأنا أركض ببطء شديد متنفسا بصعوبة بالغة، الخوف يجتاحني والعرق يكاد يغرقني. تصرخ المعلمة القميئة الوجه مشيرة إلي بعصاها الغليظة : ... إرهابي أمسكوه. حاولت التنصل من هويتي فلم أتمكن، ألقيت بجسدي وسط الزحام، قررت أن أهرب عائدا إلى بيتي الذي لمحته على الجهة المقابلة من خلال شاشة التلفاز، رأيت كوب الشاي، مازال يصدر دخانا رقيقا على الطاولة في ركني المفضل أمام الجهاز الصاخب في بهو شقتي الصغيرة. لم أستطع العودة. أشعر بالاختناق والغثيان وقطار النار والألم يركض صاخبا في كياني كله, ذراعي الأيسر تكاد تُشَل، شعرت أن القطار يمزقها تحت عجلاته الفولاذية بلا رحمة.
**********
المعلمة ترج الشارع بصراخها : أمسكوه، العصا الغليظة تتبعني وتقرع كتفي وظهري، والحلوى تتساقط من جيبي والسمكات الملونة تفرمن دفتري، ووجه جدتي مازال مبتسما في ناظري ،ويعدني خيرا ! ركض الجميع ورائي. لا مفر، لا مفر من الضغط على أزرار جهاز التحكم عن بعد، ضغطت بشدة على كل الأزرار، انفجرت الشمس، وتحولت الشوارع إلى خيمة من نار وتناثرتُ مع الرعد والدخان، والحجارة، والأشلاء، والغبار.
**********
رأيت جدتي بملابس الممرضات، تقترب أنفاسها الرقيقة من وجهي، وهي تدس بحنان رأس إبرة في ذراعي، وكف رقيقة لطفلة ذات ضفائر, تمسك بعض حلوى, تحتضن بقوة كفي المرتعشة الساخنة. وجه صديقي الحميم، بملابس الأطباء, يظهر ويغيب، سمعته بالكاد، وهو يطمئنني من خلال ابتسامته المضيئة، حمداً لله على سلامتك، ويستفسر مني : قل لي بالتفصيل كيف بدأ الألم معك في الجهة اليسرى من الصدر؟
القصة الفائزة بالمركز الأول في مسابقة منتديات مرافئ الوجدان - فرع القصة
صحيفة البلاد الاثنين 18 شوال 1428هـ