محمد حسام الدين دويدري
10-07-2007, 12:37 PM
إنصاف بحاجة إلى إنصاف
ربما ينظر البعض إلى شارة المرور على أنّها الإيعاز الآلي المنظّم لمن تجمّع في نقطة عبور بالانتشار كلٌّ في اتجاه حاجته ؛ لكنّ البعض الآخر ممن هم في الزاوية المتعامدة من التقاطع ينظرون إلى ذات الشارة في ذات الزمان والمكان على أنّها سبب اجتماعٍ عابرٍ وتلاقٍ هو محض صدفة ٍلا قصد فيه ...؛ ومع أنّ كلاً من الفريقين محقٌّ قي تصوّره فإنّ الأجدى أن نلمّ بمفاصد الرأيين معاً لنخلق منهما رأياً شمولياً أقرب ما يمكن إلى الصواب ...
كان ذلك بعضاً ممَّا تراءى لي إذ خيّل أنّه قد تبادر إلى ذهن السيدة " إنصاف " حينما عثرت عليّ مصادفةً وقد أرغمتنا إحدى الشارات على التوقف بملء "الإرادة المقنّنة" مع من توقف من المارّة بعد محاولة فاشلةٍ لاستباق العبور. حاولتُ أن أنبش ركام الذاكرة حينما بادرتني بالسلام ، وللحظات غالبني شعورٌ بالخوف من شيخوخة الذاكرة ؛ لكنّ طيفاً باهتاً كاد أن يقضي على ذلك الخوف حينما ذكرني بإحدى الطالبات المجدّات؛ إذ كنت أتوسّم فيها شأناً لِما أشرق من بصيرتها الثاقبة وحسن تلقيها للعلم ؛ بيد أنّ ذلك الخوف حاول العودة من جديد حينما أجريت مقارنة خاطفةً بين من أراها أمامي ومن تجسّدت في الطيف الزائر. كدت أتيقّن من أنّ من أشاهد على صلة قرابة بذلك الطيف القادم من مجاهل الذاكرة لولا أن بادرَتْ هي إلى التأكيد بأنّ محدّثتي ليست سوى طالبتي المجدّة "إنصاف" ذاتها ؛وبشيء يسيرٍ من المحاكمة السريعة وصلت إلى يقين بأنّ الفارق لم يكن سوى ما بدا من إسرافٍ في فعل الزمن أضيف إلى فعل ما فيه فأجمعا على حدّة التأثير ....،كان الحديث عادياً متخماً بالمجاملات ، وما هي إلا لحظات حتى تفرّق المارّة بإيعاز، وكذلك كان حالنا ؛ فقد بدا لي أنّها كانت على عجلةٍ من أمرها ربما كي لا تتأخر في إيداع طفليها المرافقين لها في مأمن قبل الالتحاق بعملها الصباحي، مضيت في طريقي ، لكن سؤالاً حائراً راح يلتهم انتباهي ليعاودني فلم يهدأ حتى طلبت مساعدة زوجتي في حلّ رموزه ...، فالسيدة "إنصاف" لم تكن سوى واحدة من اللواتي دأب التعب اليومي على اختطاف ابتساماتهنّ ليقذفها في ضجيج عشوائية الحياة - وما أكثرهنّ -، جمعتها الحياة بمن توافق معها على بناء خلية متواضعة صالحة منتجةٍ من خلايا المجتمع ، لكنّ أعباء الحياة وضيق ذات اليد كانا دافعين قاسيين لها ولمن تقاسمه إلى التخلّي عن الفترة المسائية المخصصة للراحة وشحن العزائم لصالح عملٍ آخر في ظلّ "الدخول" المتهاوية أمام تيارات الاحتياجات ونخر الأسعار ، وهي في الفترة الفاصلة بين العملين أمٌ وزوجة تخشى من التقصير في أداء ما كلّفت به بموجب أمرٍ إلهي مبرم ....، أمّا عن زوجها فلم يكن أحسن حالاً ، بل كان كثيراً ما يصل الليل بالنهار من عملٍ إلى آخر، يحفزه الحبّ ويزيد عزيمته الصبر والأمل، فأقساط الجمعية السكنية لم تكن الوحيدة ، ولا أقساط الغسّالة كذلك ....وضريبة "الحلم بالنظافة" تضاف إلى ضريبة امتلاكه لمسكنه - الذي تحوّل إلى مجرّد مهجعٍ للنوم - باتت تتعاضد مع غيرها على محاولة قهره .... "والعبء بالعبء يذكر ..."..؛ في حين كانت رحى الحياة تستمرّ في طحن ما تبقّى من مراحل العمر ليسحب الصبا ألوانه من الوجوه قبل الأوان وتُبدَل الفتوّة إلى بقايا مستهلكة....
ربَّ قائل بأنّ الرجل عليه أن يكون أكثر تحمّلاً كي يؤدي واجبه على وجهٍ يغدو أقرب ما يستطيع إلى الكمال ؛ وأنّ المرأة شريكه في نصف المجتمع ؛ لكنّ ذلك يجب أن لا يفرض علينا تناسي سنن الحياة والحقّ في التمتع بنعيمها ، كي لا نتحوّل إلى آلاتٍ عتيقةٍ متثاقلة أولاً ؛ وكي لا نُحمّل المرأة فوق طاقتها فتخسر نضارتها وحريتها التي ناضلت طويلاً للبحث عنها ، لتجد نفسها لاهثةً لا تكاد تلتقط الأنفاس بين الجري من عمل إلى واجبٍ إلى عمل...، ولعلّ في مقدّمة ذلك انشغالها بخوفها على أطفالها في غياب نظامٍ مناسبٍ لأوقات مغادرة الأولاد وحضورهم إلى المنزل؛ وفي ظلّ امتناع بعض مؤسساتنا عن تأمين رياضٍ للأطفال تكفل للأمهات العاملات شيئاً من راحة البال لإتاحة المجال لحسن الأداء في إطار بعض الجهد المنظّم ...
وربّ قائل أنّ ذلك يزيد في أعباء وتكاليف لمؤسساتنا غنىً عنها ؛ لكنّ الأجدى هو أنّ نبدع في الجمع بين النظرتين في نقطة التقاطع لنستخلص المحصًلة الأكثر تكاملاً وفائدة للجميع...*
ربما ينظر البعض إلى شارة المرور على أنّها الإيعاز الآلي المنظّم لمن تجمّع في نقطة عبور بالانتشار كلٌّ في اتجاه حاجته ؛ لكنّ البعض الآخر ممن هم في الزاوية المتعامدة من التقاطع ينظرون إلى ذات الشارة في ذات الزمان والمكان على أنّها سبب اجتماعٍ عابرٍ وتلاقٍ هو محض صدفة ٍلا قصد فيه ...؛ ومع أنّ كلاً من الفريقين محقٌّ قي تصوّره فإنّ الأجدى أن نلمّ بمفاصد الرأيين معاً لنخلق منهما رأياً شمولياً أقرب ما يمكن إلى الصواب ...
كان ذلك بعضاً ممَّا تراءى لي إذ خيّل أنّه قد تبادر إلى ذهن السيدة " إنصاف " حينما عثرت عليّ مصادفةً وقد أرغمتنا إحدى الشارات على التوقف بملء "الإرادة المقنّنة" مع من توقف من المارّة بعد محاولة فاشلةٍ لاستباق العبور. حاولتُ أن أنبش ركام الذاكرة حينما بادرتني بالسلام ، وللحظات غالبني شعورٌ بالخوف من شيخوخة الذاكرة ؛ لكنّ طيفاً باهتاً كاد أن يقضي على ذلك الخوف حينما ذكرني بإحدى الطالبات المجدّات؛ إذ كنت أتوسّم فيها شأناً لِما أشرق من بصيرتها الثاقبة وحسن تلقيها للعلم ؛ بيد أنّ ذلك الخوف حاول العودة من جديد حينما أجريت مقارنة خاطفةً بين من أراها أمامي ومن تجسّدت في الطيف الزائر. كدت أتيقّن من أنّ من أشاهد على صلة قرابة بذلك الطيف القادم من مجاهل الذاكرة لولا أن بادرَتْ هي إلى التأكيد بأنّ محدّثتي ليست سوى طالبتي المجدّة "إنصاف" ذاتها ؛وبشيء يسيرٍ من المحاكمة السريعة وصلت إلى يقين بأنّ الفارق لم يكن سوى ما بدا من إسرافٍ في فعل الزمن أضيف إلى فعل ما فيه فأجمعا على حدّة التأثير ....،كان الحديث عادياً متخماً بالمجاملات ، وما هي إلا لحظات حتى تفرّق المارّة بإيعاز، وكذلك كان حالنا ؛ فقد بدا لي أنّها كانت على عجلةٍ من أمرها ربما كي لا تتأخر في إيداع طفليها المرافقين لها في مأمن قبل الالتحاق بعملها الصباحي، مضيت في طريقي ، لكن سؤالاً حائراً راح يلتهم انتباهي ليعاودني فلم يهدأ حتى طلبت مساعدة زوجتي في حلّ رموزه ...، فالسيدة "إنصاف" لم تكن سوى واحدة من اللواتي دأب التعب اليومي على اختطاف ابتساماتهنّ ليقذفها في ضجيج عشوائية الحياة - وما أكثرهنّ -، جمعتها الحياة بمن توافق معها على بناء خلية متواضعة صالحة منتجةٍ من خلايا المجتمع ، لكنّ أعباء الحياة وضيق ذات اليد كانا دافعين قاسيين لها ولمن تقاسمه إلى التخلّي عن الفترة المسائية المخصصة للراحة وشحن العزائم لصالح عملٍ آخر في ظلّ "الدخول" المتهاوية أمام تيارات الاحتياجات ونخر الأسعار ، وهي في الفترة الفاصلة بين العملين أمٌ وزوجة تخشى من التقصير في أداء ما كلّفت به بموجب أمرٍ إلهي مبرم ....، أمّا عن زوجها فلم يكن أحسن حالاً ، بل كان كثيراً ما يصل الليل بالنهار من عملٍ إلى آخر، يحفزه الحبّ ويزيد عزيمته الصبر والأمل، فأقساط الجمعية السكنية لم تكن الوحيدة ، ولا أقساط الغسّالة كذلك ....وضريبة "الحلم بالنظافة" تضاف إلى ضريبة امتلاكه لمسكنه - الذي تحوّل إلى مجرّد مهجعٍ للنوم - باتت تتعاضد مع غيرها على محاولة قهره .... "والعبء بالعبء يذكر ..."..؛ في حين كانت رحى الحياة تستمرّ في طحن ما تبقّى من مراحل العمر ليسحب الصبا ألوانه من الوجوه قبل الأوان وتُبدَل الفتوّة إلى بقايا مستهلكة....
ربَّ قائل بأنّ الرجل عليه أن يكون أكثر تحمّلاً كي يؤدي واجبه على وجهٍ يغدو أقرب ما يستطيع إلى الكمال ؛ وأنّ المرأة شريكه في نصف المجتمع ؛ لكنّ ذلك يجب أن لا يفرض علينا تناسي سنن الحياة والحقّ في التمتع بنعيمها ، كي لا نتحوّل إلى آلاتٍ عتيقةٍ متثاقلة أولاً ؛ وكي لا نُحمّل المرأة فوق طاقتها فتخسر نضارتها وحريتها التي ناضلت طويلاً للبحث عنها ، لتجد نفسها لاهثةً لا تكاد تلتقط الأنفاس بين الجري من عمل إلى واجبٍ إلى عمل...، ولعلّ في مقدّمة ذلك انشغالها بخوفها على أطفالها في غياب نظامٍ مناسبٍ لأوقات مغادرة الأولاد وحضورهم إلى المنزل؛ وفي ظلّ امتناع بعض مؤسساتنا عن تأمين رياضٍ للأطفال تكفل للأمهات العاملات شيئاً من راحة البال لإتاحة المجال لحسن الأداء في إطار بعض الجهد المنظّم ...
وربّ قائل أنّ ذلك يزيد في أعباء وتكاليف لمؤسساتنا غنىً عنها ؛ لكنّ الأجدى هو أنّ نبدع في الجمع بين النظرتين في نقطة التقاطع لنستخلص المحصًلة الأكثر تكاملاً وفائدة للجميع...*