المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرؤية الرومانسية في قصة (ثلاثة)لجبير المليحان


فيصل عبد الوهاب حيدر
09-05-2007, 09:30 PM
نص : (ثلاثة ) لجبير المليحان
مشى فينا القطار..تتراكض الأيام من النافذة. قهقه طفلي الجالس خلفي فرحا بركض الأشجار، التفت إليه؛ فإذا هو أبي يملأ كرسيه بالبكاء . انتهى النص


تلخص رموز هذه القصة القصيرة جدا الرؤية الرومانسية حول علاقة الإنسان بالطبيعة إضافة إلى العلاقة بين مراحل العمر الثلاث : الطفولة والشباب والشيخوخة مثلما تركزت في رؤية الشعراء الرومانسيين لهاتين المسألتين وخاصة الشاعرين الانكليزيين : وليم بليك ووليم وردزورث . ورؤية الشاعر وردزورث هي الأقرب إلى ما توحيه رموز هذه القصة لذلك سنتناولها بشيء من التفصيل في معرض تفسيرنا لدلالاتها ، حيث تشكل فكرة العلاقة بين الأجيال الثلاثة معظم ثيمات هذا الشاعر في تعمقه في سيكولوجية تجلي الطبيعة وانعكاس ذلك على رؤية كل جيل . فالطفل يتوحد مع الطبيعة ويحتفل بها بينما تشكل مرحلة النضوج قوة متدهورة نسبة إلى الطفولة باعتبار أن هذه المرحلة هي التي يتفتح بها الشاب على مسؤوليات الحياة ومتاعبها ، كما أنها المرحلة التي يتعرف بها الإنسان على حقيقته كشخص معرض للفناء – تلك الحقيقة الغائبة عن مخيلة الطفل وإدراكه – وهي المرحلة الأقرب إلى الشيخوخة المتماسة مع الموت. ورغم احتفالية الشاب بالطبيعة ومباهجها إلا أن ما ينغص عليه هذه الاحتفالية انه بدأ يدرك حقيقة فنائه بمواجهتها؛ هو الفان وهي الخالدة. أما في مرحلة الشيخوخة فان الشيخ الذي يعاني من فقدانه لقوته البدنية ومظهره البراق في شبابه فلا عزاء له غير الشعور بالتوحد أو الوحدة مع الطبيعة من خلال التأمل والتذكر والتعلل بالحكمة مع تركز الروح وتضخمها على حساب البدن.
ولنعد إلى القصة التي تحمل عنوانا رمزيا ((ثلاثة)) وهو الرقم الذي يشير إلى مراحل العمر الثلاثة. تستهل القصة برمز القطار الذي يشي بمسيرة العمر ((مشى فينا القطار))، وهي جملة موحية يردفها القاص بجملة تقريرية مباشرة ((تتراكض الأيام من النافذة)). وكان يمكن الاستغناء عنها لأنها لا تضيف للفكرة شيئا لأن الجملة الأولى قد اختزلت المعنى المقصود رمزياً. وقد قال القاص (مشى فينا القطار) ولم يقل (مشى بنا القطار) للدلالة على حكم الزمن فينا وسطوته. ثم يبدأ القاص باستعراض المراحل الثلاثة بطريقة رمزية رائعة وبجمل مركزة وموحية وغاية في الإتقان. المرحلة الأولى مرحلة الطفولة لخصها القاص بهذه الجملة(( قهقه طفلي الجالس خلفي فرحاً بركض الأشجار )). وحسنا فعل القاص باْن جعل الراوي يمثل المرحلة الوسطى أي مرحلة الشباب ومن براعته أيضا أن جعل الطفل يجلس خلفه في القطار بما يتناسق مع التسلسل الزمني للعمر ولكنه يتقاطع معه بأن جعل الجد -الأب في القصة- خلفه أيضا. وهذه الجملة التي يصف فيها القاص الطفولة تتطابق تماما مع رؤية وردزورث المذكورة آنفا. فالطفل يقهقه فرحا برؤية الأشجار وهي تركض، وهو يعبر عن احتفاليته بالطبيعة وتوحده التام معها غير مدرك لما يمثله ((الركض)) من معنى الاقتراب نحو خط النهاية ((الموت)) ، وتركيز القاص على هذا المعنى يتمثل في إيراده لكلمة الركض مرتين . ويعبر القاص عن المرحلة الوسطى، الشباب، بجملة ((التفت إليه)).وعندما يلتفت الشاب ليجد في مكان طفله أباه فان ذلك يمكن أن يوحي لنا بالمقولة المعروفة ( أن الطفل أبو الرجل ) حيث يمجد الرومانسيون الطفل ويعدونه مصدرا للقوة والجمال ، إضافة للمعنى الديني الذي يحمله الطفل وإيحاءاته في الأديان الأخرى . والالتفات هنا تعبير دقيق لمعنى الانتباه أو إدراك الحقيقة بان الإنسان كائن فان وهو ما يمكننا فهمه من توصيف وردزورث لهذه المرحلة في العديد من قصائده، وهي مرحلة استيقاظ الروح أيضا بعد مرحلة الطفولة التي تنام فيها الروح؛ يقول الشاعر وردزورث في قصيدته ((تنترن آبيTintern Abbey )) مخاطبا الطبيعة أو النهر:

فإلى أي مدى
كان التفاتي في سنا الروح إليك
يا نهر(( الواي)) المليء بالأحراش! أيها الهائم في الغابات
في أي مدى كان التفات الروح مني إليك.

والالتفات في القصة أيضا بمعنى قياس المسافة الزمنية ما بين الطفولة والشباب مثلما هو قياس المسافة بين الشباب والشيخوخة: ((فإذا هو أبي يملأ كرسيه بالبكاء)). إن هذه الجملة الأخيرة تحدد خط النهاية لقطار العمر من خلال الأب الباكي الذي لم يتبق له من العمر إلا القليل. والرؤية العبثية تبدو ظاهرة في الجملة الأخيرة التي تحدد منهج القاص وفكره، مثلما تعزز الرؤية الوجودية التي لا تتنافى مع الرؤية الرومانسية ولكنها تتناقض مع الرؤية الروحية . فالبكاء هنا تعبير عن اليأس والشعور بالفقدان والخسارة. فماذا يفقد الإنسان بموته غير ملذات دنياه الفانية ؟ أليس خلود الروح مطمحا سعيدا للإنسان؟ لا يمكننا إقناع النفس الأمارة بالسوء بذلك فهي بحاجة إلى قوة روحية جبارة ليتمثل ذلك على صعيد الواقع.

صالح سعيد الهنيدي
09-06-2007, 07:03 AM
قراءة مميزة
لقاص مميز

شكرًا أستاذ فيصل

ألق الماضي
09-06-2007, 09:42 PM
أستاذ فيصل...
قراءة واقعية جميلة لهذا النص المثقل بالإيحاء...
تحيتي وتقديري...

فيصل عبد الوهاب حيدر
09-06-2007, 09:57 PM
قراءة مميزة
لقاص مميز

شكرًا أستاذ فيصل

والشكر موصول لك لمتابعتك وحضورك عزيزي استاذ صالح الهنيدي..تحية

عبد الغفور السعيد
09-06-2007, 10:05 PM
أستاذ فيصل
قراءة متميزة
تستحق التقييم

:tgeem2:

أرجو أن تواصل هذا الإبحار الرائع

فيصل عبد الوهاب حيدر
09-10-2007, 06:49 AM
أستاذ فيصل...
قراءة واقعية جميلة لهذا النص المثقل بالإيحاء...
تحيتي وتقديري...

عزيزتي الق الماضي
شكرا لمرورك البهي..تحية

فيصل عبد الوهاب حيدر
09-10-2007, 08:59 PM
أستاذ فيصل
قراءة متميزة
تستحق التقييم

:tgeem2:

أرجو أن تواصل هذا الإبحار الرائع

استاذ غفور
شكرا لمتابعتك وحضورك..تحية

د. مصطفى عطية جمعة
10-11-2007, 06:39 AM
الأستاذ فيصل
تحياتي وكل عام وأنت بخير
أثبتت هذه الدراسة أن رؤاك النقدية شديدة العمق ، وتمتلك الكثير من القدرة في التحليل السردي المعتمد على اللغة ، وما وراء الأحداث ، وهو تحليل جيد ، غاص في بواطن النص .
دعني أناقشك ما دام النص والدراسة مطروحين .
أرى أن التفسير للقصة بأنها ذات بعد رومانسي مبالغ فيه قليلا ، وكنت أحبذ ألا تشير إلى ما ذكره شعراء الإنكليز ، فالقصة منفتحة الدلالة زمنيا ومكانيا ورمزيا ، وحصر دلالاتها في رؤية روماسنية ولو كانت بالمعنى المتقدم ، فيه بعض التضييق على دلالة منفتحة بالاساس ، وأرى أن القصة كما ذكرت تشي بعلاقة زمنية مكانية بين العمر والقطار والشخوص ، وهي علاقة ذات نزعة إنسانية رحبة تشمل الجميع ، وأتحفظ على العلاقة بالطبيعة ( الأشجار ) فهي علاقة عابرة ليس فيها من العمق مثلما ذكره الرومانسيون .
تحليلك للقصة شديد الروعة ، ودال على قلم متمكن .
شكرا لك

فيصل عبد الوهاب حيدر
10-26-2007, 06:55 PM
الأستاذ فيصل
تحياتي وكل عام وأنت بخير
أثبتت هذه الدراسة أن رؤاك النقدية شديدة العمق ، وتمتلك الكثير من القدرة في التحليل السردي المعتمد على اللغة ، وما وراء الأحداث ، وهو تحليل جيد ، غاص في بواطن النص .
دعني أناقشك ما دام النص والدراسة مطروحين .
أرى أن التفسير للقصة بأنها ذات بعد رومانسي مبالغ فيه قليلا ، وكنت أحبذ ألا تشير إلى ما ذكره شعراء الإنكليز ، فالقصة منفتحة الدلالة زمنيا ومكانيا ورمزيا ، وحصر دلالاتها في رؤية روماسنية ولو كانت بالمعنى المتقدم ، فيه بعض التضييق على دلالة منفتحة بالاساس ، وأرى أن القصة كما ذكرت تشي بعلاقة زمنية مكانية بين العمر والقطار والشخوص ، وهي علاقة ذات نزعة إنسانية رحبة تشمل الجميع ، وأتحفظ على العلاقة بالطبيعة ( الأشجار ) فهي علاقة عابرة ليس فيها من العمق مثلما ذكره الرومانسيون .
تحليلك للقصة شديد الروعة ، ودال على قلم متمكن .
شكرا لك

عزيزي د.مصطفى
تسرني تعلقياتك على ما أكتب وأقرأها بتمعن واهتمام شديدين لفائدتها الكبرى ..اذا لم نأخذ بدلالة الأشجار كرمز للطبيعة وأخذنا بدلالة العلاقة بين مراحل العمر الثلاثة فإن هذا يعني الغوص في طبيعة هذه العلاقة من وجهة نظر الرومانسيين الذين أولوا هذه المسألة كل اهتمام وخاصة وردزورث وهي هنا للمقارنة واضاءة النص لا أكثر لأن القاص يعيش بيننا الان وهو قاص حداثوي فلا مجال للعلاقة بين العصرين..وقد علق بعض الاخوة في مواقع أخرى على هذه المقالة وأشاروا أنه كان من الأفضل لو تناولت القصة وفق رؤية وجودية لأنها أقرب الى روح النص وهي فعلا كذلك ولكني ارتأيت الرؤية الرومانسية لوجود دلالات في النص تعمق هذا الاتجاه رغم تعسفه..تلك وجهة نظري واحترم وجهة نظرك كثيرا واشكرك عليها وربما هي الأصح..دمت بخير