مبارك الهاجري
05-03-2007, 05:27 PM
فـــي الحـــب
لا كالبدايات التقليدية سيخوض بنا القلم هذا البحر؛ خصوصاً وأننا لا نبحث في رحلتنا هذه عن لآلئ مكنونة، أو جواهر أضمرها القاع، بل هو ما تراءى لنا أمام أعيننا، على أنّه في تواجده وظهوره ذاك، أصبح أكثر توغلاً في الاختفاء، وأبعدُ عمقاً في المواربة، وأشقُّ بحثاً في حقيقته كلمّا تجلى لنا، وكأنَّك في بحثك ذاك كمن يحاول أن يصل إلى قريبٍ من حل لألغاز الطبيعة التي ما وجدَ نفسه إلا وهيَ معه، وكأنها في صمتها ذاك تشي له بحديثٍ هو شفاءٌ لكلِّ ما يمور في نفسه، إذ تقول: أنا كالروح التي تكونها، فإن أنتَ كشفتَ عنها، فسأظهرُ لك دون حجاب، على أني أقولُ لك كما تحدثك نفسك كلّما تعرقلتَ في شائكٍ: امضِ لما أنتَ مُسيَّرٌ له، واستمتع بما هو أمامك وبين يديك، ولا تُجهد عقلكَ فيما لا قدرة له في تجاوز ما كان قريباُ من أمري وأمرك. وكذا سرُّ الحب الذي يزيده سحراً، غموضه في وضوحه، وسرّه في علانيته، وطبيعته فيما وراء الطبيعة، غير أننا ونقولها بدايةً، لن نخرجَ من هنا ومعنا أرقام شفرته، أو حل لغزه، أبداً وإنّما هو اقتفاء الأثر، وإن كان واحدٌ ما يُطبعُ فيه الأثر على أنّه في كُلِّ طبعةٍ يحمل بصمةً لا تكون كما سبقها، ولن تكون كما تأخّر عنها؛ لذا فنحنُ وذاك الأثر على طريقٍ نرى فيها من المعالم ما يعودُ بنا إلى وصفها وتشخيصها، لا تسويتها أو اشتقاق أخواتٍ لها، من حيث معرفتنا بأساسياتها ومكوناتها!. وإنَّ في ذاك الانقطاع لصلةٌ بالنفس في فضائها الروحاني، فإن لذة وإن ألم، فكلاهما آهةٌ بيدَ أنَّ إحداهما للداخل، والأخرى للخارج!.
قلتُها قبل أن أقرأها للرافعي وبعد أن كتبها وتجرّد من الدنيا ـ رحمه الله ـ أنّك ما تميل حين تميل بقلبك إلى هوىً يجذبك إلى حبيبٍ إلا أن يكون فيه شيءٌ منك وإن صَغُر، فالإنسان لا يفتأ يبحث عن أجزائه، وإن كانت لدى ألدَّ خصومه، بل وكأنَّ تلك الأجزاء من الإيحاء كالصيحة التي تأخذُ بلبك قبل مسامعك، فلا تملك إلا أن تمشي إليها مشية النائم، فإن هو بَسَطَ ذراعيه أمامه ـ وذلك مما يلزم أن يفعله على غير إرادة ـ فأنت حاملٌ قلبك على كفيّك، وإن هو مُغمض العينين، فأنت مُغبَّشُ العقلِ لا تملك من أمر الإرجاع والتبصر شيء!.
وفي وقع النظرةِ الأولى حكاياتٌ وحكايات، رُغمَ أنّها من نوادر الائتلاف، إذ لا يكون فيها منادياً إلا الجمال، والجمال يستأثر بنفسه ولا يؤثر، وذا من دواعي ثقل الحب على أحدٍ دون الآخر، وهو الحبُ من طرف، فما أنت بفاعلٍ فيمن جعلَ الحُسنَ صوتاً له إلا أن تزدد يقيناَ بأنّك لا تكلم إلا أخرس، فحياتك والجماد، فكأنك في تلك الحال كمن أحبَّ في نفسه كرهه لها، فما لبث أن يمضي خلف ذله!.
ولا تسأل عن ألم ذلك الحب الناقص؛ إذ أنه ما كان في نقص سببه إلا زيادةً فيه، فهو مما لا تتداعى له سائر الإنسانيّة بالسهر والحمى، فحسبُكَ بذلك ألم!.
فالجمال بذاتِهِ لا يعدو الأخذ والأخذ فقط، فالمرأة الجميلة لا تبتسم حين يعتورك منها كما اعتور ذلكم الشاعر:
ويلاه إن نظرتْ وإن هيَ أدبرتْ & وقعُ السهامِ ونزعهنَّ أليم
إلا لما وقع منها فيك، فهي ترى مكان قوتها من ضعفك، ورفعتها من خضوعك، ونشوتها من ألمك، فهي لا تبادلك أبداً ما تشعر به تجاهها، إلا أن تكونَ أنت ممن لا يراها على خارطة الحُسن، ولا يعدها إلا جاعلةً تمرغ قلوب الرجال حول قدمها ثمناً لماءِ الحياةِ فيها، فلا تجدها منك إلا كالصنمِ الذي يسجد له من ضلَّ به فكره، ووُسِمَ في مدارك عقله جهلُه، فحينها لا تملكَ تلك الفاتنة إلا أن تقبل من إدباركَ ، وأن ترغب ما رغبت به عنها، إذ أنّك في طبيعتك تلك معها، إنّما تنبؤها أنَّكَ قدّرتَ فيها إنسانًا مخبوءاً لا ينكشف ولا يظهر إلا بإهمال الجسد الذي صورَّ تلكم الإنسانية مسخاً لا حياةَ فيها!.
فبذلك تكون أنتَ من يُحَب، لا من يُحِب، إذ أنّها أحسَّت بنقصها في فعلها، فتيقَّنتْ منه بلا مبالاتك بها، فعاد الإنسان بها يبحث عمّا يعطف على جوانب نقصه، ويرشده إلى طبيعته البشرية التي متى أدركت أنّها لن تبلغ السماء يوماً بذاتها، فإنها لن تنفك أن تكون سماءً على حدة، بتلك الروح التي تعلو بحسها على المادة في ذلك الجمال!.
وفي هذا النوع من الهوى قصةٌ لأحد الأصحاب أرى أنَّ صفحةً أخرى ووقتاً آخر أرحب بها من هذه الصفحة وهذا الوقت!.
لنا موعدٌ قريب إن أذِنَ الله بذلك.
لا كالبدايات التقليدية سيخوض بنا القلم هذا البحر؛ خصوصاً وأننا لا نبحث في رحلتنا هذه عن لآلئ مكنونة، أو جواهر أضمرها القاع، بل هو ما تراءى لنا أمام أعيننا، على أنّه في تواجده وظهوره ذاك، أصبح أكثر توغلاً في الاختفاء، وأبعدُ عمقاً في المواربة، وأشقُّ بحثاً في حقيقته كلمّا تجلى لنا، وكأنَّك في بحثك ذاك كمن يحاول أن يصل إلى قريبٍ من حل لألغاز الطبيعة التي ما وجدَ نفسه إلا وهيَ معه، وكأنها في صمتها ذاك تشي له بحديثٍ هو شفاءٌ لكلِّ ما يمور في نفسه، إذ تقول: أنا كالروح التي تكونها، فإن أنتَ كشفتَ عنها، فسأظهرُ لك دون حجاب، على أني أقولُ لك كما تحدثك نفسك كلّما تعرقلتَ في شائكٍ: امضِ لما أنتَ مُسيَّرٌ له، واستمتع بما هو أمامك وبين يديك، ولا تُجهد عقلكَ فيما لا قدرة له في تجاوز ما كان قريباُ من أمري وأمرك. وكذا سرُّ الحب الذي يزيده سحراً، غموضه في وضوحه، وسرّه في علانيته، وطبيعته فيما وراء الطبيعة، غير أننا ونقولها بدايةً، لن نخرجَ من هنا ومعنا أرقام شفرته، أو حل لغزه، أبداً وإنّما هو اقتفاء الأثر، وإن كان واحدٌ ما يُطبعُ فيه الأثر على أنّه في كُلِّ طبعةٍ يحمل بصمةً لا تكون كما سبقها، ولن تكون كما تأخّر عنها؛ لذا فنحنُ وذاك الأثر على طريقٍ نرى فيها من المعالم ما يعودُ بنا إلى وصفها وتشخيصها، لا تسويتها أو اشتقاق أخواتٍ لها، من حيث معرفتنا بأساسياتها ومكوناتها!. وإنَّ في ذاك الانقطاع لصلةٌ بالنفس في فضائها الروحاني، فإن لذة وإن ألم، فكلاهما آهةٌ بيدَ أنَّ إحداهما للداخل، والأخرى للخارج!.
قلتُها قبل أن أقرأها للرافعي وبعد أن كتبها وتجرّد من الدنيا ـ رحمه الله ـ أنّك ما تميل حين تميل بقلبك إلى هوىً يجذبك إلى حبيبٍ إلا أن يكون فيه شيءٌ منك وإن صَغُر، فالإنسان لا يفتأ يبحث عن أجزائه، وإن كانت لدى ألدَّ خصومه، بل وكأنَّ تلك الأجزاء من الإيحاء كالصيحة التي تأخذُ بلبك قبل مسامعك، فلا تملك إلا أن تمشي إليها مشية النائم، فإن هو بَسَطَ ذراعيه أمامه ـ وذلك مما يلزم أن يفعله على غير إرادة ـ فأنت حاملٌ قلبك على كفيّك، وإن هو مُغمض العينين، فأنت مُغبَّشُ العقلِ لا تملك من أمر الإرجاع والتبصر شيء!.
وفي وقع النظرةِ الأولى حكاياتٌ وحكايات، رُغمَ أنّها من نوادر الائتلاف، إذ لا يكون فيها منادياً إلا الجمال، والجمال يستأثر بنفسه ولا يؤثر، وذا من دواعي ثقل الحب على أحدٍ دون الآخر، وهو الحبُ من طرف، فما أنت بفاعلٍ فيمن جعلَ الحُسنَ صوتاً له إلا أن تزدد يقيناَ بأنّك لا تكلم إلا أخرس، فحياتك والجماد، فكأنك في تلك الحال كمن أحبَّ في نفسه كرهه لها، فما لبث أن يمضي خلف ذله!.
ولا تسأل عن ألم ذلك الحب الناقص؛ إذ أنه ما كان في نقص سببه إلا زيادةً فيه، فهو مما لا تتداعى له سائر الإنسانيّة بالسهر والحمى، فحسبُكَ بذلك ألم!.
فالجمال بذاتِهِ لا يعدو الأخذ والأخذ فقط، فالمرأة الجميلة لا تبتسم حين يعتورك منها كما اعتور ذلكم الشاعر:
ويلاه إن نظرتْ وإن هيَ أدبرتْ & وقعُ السهامِ ونزعهنَّ أليم
إلا لما وقع منها فيك، فهي ترى مكان قوتها من ضعفك، ورفعتها من خضوعك، ونشوتها من ألمك، فهي لا تبادلك أبداً ما تشعر به تجاهها، إلا أن تكونَ أنت ممن لا يراها على خارطة الحُسن، ولا يعدها إلا جاعلةً تمرغ قلوب الرجال حول قدمها ثمناً لماءِ الحياةِ فيها، فلا تجدها منك إلا كالصنمِ الذي يسجد له من ضلَّ به فكره، ووُسِمَ في مدارك عقله جهلُه، فحينها لا تملكَ تلك الفاتنة إلا أن تقبل من إدباركَ ، وأن ترغب ما رغبت به عنها، إذ أنّك في طبيعتك تلك معها، إنّما تنبؤها أنَّكَ قدّرتَ فيها إنسانًا مخبوءاً لا ينكشف ولا يظهر إلا بإهمال الجسد الذي صورَّ تلكم الإنسانية مسخاً لا حياةَ فيها!.
فبذلك تكون أنتَ من يُحَب، لا من يُحِب، إذ أنّها أحسَّت بنقصها في فعلها، فتيقَّنتْ منه بلا مبالاتك بها، فعاد الإنسان بها يبحث عمّا يعطف على جوانب نقصه، ويرشده إلى طبيعته البشرية التي متى أدركت أنّها لن تبلغ السماء يوماً بذاتها، فإنها لن تنفك أن تكون سماءً على حدة، بتلك الروح التي تعلو بحسها على المادة في ذلك الجمال!.
وفي هذا النوع من الهوى قصةٌ لأحد الأصحاب أرى أنَّ صفحةً أخرى ووقتاً آخر أرحب بها من هذه الصفحة وهذا الوقت!.
لنا موعدٌ قريب إن أذِنَ الله بذلك.