المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في مجلس أبي الطيب المتنبي. القسم الأول. د. محمد عبد الرحمن يونس


د. محمد عبد الرحمن يونس
05-12-2007, 04:31 PM
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ



قراءة في كتاب (( في مجلس أبي الطيب المتنبي ))، تأليف الدكتور إبراهيم السامرائي .
الناشر : دار الجيل ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى .

قراءة ودراسة :د. محمد عبد الرحمن يونس
القسم الأول من الدراسة


أبو الطيب المتنبي (( أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي، ( 303ــ 354هـ/ 915ــ 965م)،(( مالئ الدنيا وشاغل الناس )) ، أول شاعر عربي استطاع أن يحتل مكانة مرموقة في ديوان الشعر العربي القديم والحديث والمعاصر، لم يصل إليها أيّ شاعر عربي آخر ، وأول شاعر عربي نالت أشعاره حظاً وافراً من الدراسة والتحليل والمقارنة. وعلى الرغم من كثرة الدراسات الأكاديميّة التي درست بنية خطابه الشعري ، وعلاقته بأوضاع مجتمعه، فإنّ هذا الخطاب لا يزال قابلاً لمزيد من الدرس والتحليل، نظراً للقيمة الفنيّة الجماليّة التي وسمت هذا الخطاب، و نظراً للقيم الإنسانيّة التي دعا هذا الخطاب إلى تكريسها من شموخ وعزٍ وكبرياء، وإحساس بالعظمة قلّما نجد له مثيلاً في تاريخ الأدب العربي شعراً ونثراً.
ومن أحدث الدراسات التي حاولت أن تبرز بعض سمات الخطاب الشعري عند المتنبي دراسة الشاعر والباحث الدكتور إبراهيم السامرائيّ الموسومة بـ (( في مجلس أبي الطيّب المتنبي)) . وتأتى هذه الدراسة عبر سجال نقديّ يديره السامرائيّ، مستحضراً أبا الطيّب المتنبي، وشخصية أخرى لتحاوره، ويطلق عليها أبا الندى، ويجلس الثلاثة جلسة شعرية ليتحاوروا حواراً قوامه شعر المتنبيّ، وموضوعات هذا الشعر. يحتدم الحوار تارة، ويبدو ودياّ حميماً تارة أخرى، يهدف في النهاية إلى تقديم شعر المتنبي بنزعاته الإنسانيّة حيناً، والمتعالية على غيرها حيناً آخر. يقول السامرائي: (( وها أنا أعود إلى شعره باحثاً أتفقّد فيه حاجة تقيم صلة جديدة ليست صداقة ولا عداوة، ولكنّها صلة الإنسان بالإنسان يعاشره فتنعقد بينهما وشيجة رحم مادتها الإنسان . وسأجعل هذه الصلة بيننا قائمة أسأل منها أبا الطيب مستحضراً ما قاله في شعره فألتمس الجواب فيه . وستكون هذه الصلة في مجالس يحضرها أبو الندى يتلو شعر المتنبي، وأنا أسمع فأسأل أبا الطيب فينعقد الحوار. وقد يكون الأمر في غير حوار فيبدي أحدنا ما يراه ويعرضه إلى صاحبه بين يدي أبي الطيب ، فإمّا أن يوافق أبو الطيب على ما رأينا وإمّا أن يكون منه موقف خاص.)). ص6.
وفي مجلس أبي الطيب المتنبي الذي يعقده السامرائيّ تتلاقى ثلاث رؤى نقديّة تمثّل ثلاثة تيارات فكريّة تحاول أن ترصد مظاهر شعر المتنبي. وهذه التيارات تنتمي إلى ثلاثة أزمنة: زمن معاصر يمثّل الخطاب النقديّ بتياراته المختلفة، ومواقفه المتباينة من شعر المتنبي، يحاول السامرائيّ من خلاله أن يوضّح توجه هذا الخطاب ، وأهم أسسه المعرفيّة، وطبيعة رؤيته وتقييمه لأشعار المتنبي، وزمن آخر تمثّله شخصية يطلق عليها السامرائيّ (( أبا الندى))، تقوم هذه الشخصيّة بدور الراوي، أو السارد الذي ينشد أشعار أبي الطيب المتنبي، ثمّ يبثّ رؤيته النقديّة حول هذه الأشعار، ويمكن أن تمثّل هذه الرؤية التيارات والمواقف النقديّة التي تزامنت مع شعر المتنبي، سواء أكانت متعاطفة معه، واضعة إياه في أعلى قمم الشعر العربي، أو معادية له، منقصة من قيمته الفنيّة والإنسانيّة. وزمن ثالث يمثّله المتنبي ، ويبرز من خلاله صوت الأنا الشعري الفاعل الذي يدافع عن نفسه، معتبراً أنّ كل الأصوات المعادية الأخرى هي أصوات تؤسس رؤيتها انطلاقاً من الغيرة والحسد والحقد الدفين على عظمة هذا الصوت الشعريّ وتفرّده.
إنّ مجلس السامرائيّ وأبي الطيّب المتنبي وأبي الندى هو الصورة النديّة للمجالس الأدبيّة الكثيرة عبر العصور التاريخيّة، إنه أشبه بندوة أدبيّة يتحاور فيها ثلاثة أدباء حول شعرية المتنبي، ويمثّلون حركة النقد العربيّ وتياراته ابتداءً من العصر العباسيّ حتى العصر الحالي، فالسامرائيّ وأبا الندى يستضيفان أبا الطيب المتنبي، ويستنطقانه ليبثّ أحزانه، وإحساسه بالغربة، وعبقريته الشعريّة، وتفرده في آن، ويحاولان من خلال هذا الحوار أن يطرحا مجموعة من الأسئلة التي تحاول أن تنتزع اعترافاً من أبي الطيب يفصح عن ذاته المتعالية، ولماذا هذه الذات الفرديّة متعالية على (( النحن الاجتمــاعيّة )) أو على (( الموضوعي الآخر)) ، ومن خلال الحوار نستنتج أنّ تضخم (( الأنا)) عند أبي الطيب يجعلها أحياناً تلغي الآخرين ، وتتجاوزهم وتسمو عليهم، وأمام هذه (( الأنا)) المتشعبة في الزمان والمكان والمالئة لهما، باعتبارها ذاتاً متعالية متفوّقة ونتشويّة، ليس أمام الآخرين إلاّ أن يُغمروا في أمكنة وأزمنة جدّ محدودة.
إنّ تعالي هذه(( الأنا)) هو الذي سبب له المتاعب طيلة حياته، مع ملوك وسلاطين عصره، ومع مدينته، وحتى مع ذاته نفسها، وهو الذي شرّده ، وطوى به الصحارى والقفار، وهو الذي دفعه ــ بشكل تدميريّ ومتوثب ــ لأن يطمح في أن يكون صاحب إمارة أو ولاية، فلماذا لا تكون هذه(( الأنا)) على سدّة الإمارة، أو الولاية الكبيرة طالما هي متفوقة على عشرات السلاطين والأمراء الذين يعاصرونها، وعلى بني البشر جميعاً. هذه(( الأنا)) المتعالية تعالياً نرجسيّاً . يقول المتنبي:
أيّ محــــلّ أرتقــــــــي أيّ عظيـــــم أتقــي
وكلّ ما قد خلــــق الله ومـــا لــــم يخــــلق
محتقــر في همتــــــي كشعرة في مفرقي . ص 15.

إنّ (( الأنا المعرفي)) عند المتنبي، الطموحة إلى الثراء والسيادة والسلطة، تتعالى على الشرائط الاجتماعية والإنسانيّة والحضارية التي سادت الزمان الذي عاشه المتنبي، وهي تتفوّق معرفياً وفناً شعرياً على كل بني البشر، وليمت من مات غيظاً :
أنا ترب الندى وربّ القوافي وسمام العدى وغيظ الحسود. ص 14.
وتصبح هذه الذات رائيّة ، عالمة عارفـــــة ، معرفة الأنبياء. هذه الذات التي تعايش مجموعــــــــة من الأجلاف الرعاع تحاول جاهدة أن تخلصهم من خطاياهم وهمجيتهم ، وبالتالي فإنّها غريبة غربة روحيّة ومعرفيّة وإنسانية، إنّها كغربة المسيح بين اليهود :
ما مقامي بأرض نخلة إلاّ كمقام المسيح بين اليهود . ص 15.
ولا يرضى المتنبي لغربته أن تكون أقلّ معنى، وقيمة إنسانيّة عن غربة الأنبياء، إنّها كغربة النبي صالح بين قومه :
أنا في أمّة تداركــــها الله غريب كصالح في ثمود. ص 14.
هذه الغربة الروحيّة، وشعوره بتفوّقه على أبناء زمنه كله، جعلته ــ على غير المألوف ــ متيقناً من أنّه هو الأصل وقومه جميعاً هم الفرع ، ولذا فمن الواجب أن يفخروا به بدلاً من أن يفخر بهم، فمصدر اعتزازه بنفسه لا يأتي من الإرث المعرفيّ الإنسانيّ الذي خلفه الأجداد، بل هو متأصل في ذاته المتعالية قبل انتمائه إلى ذوات اجتماعيّة وقبليّة وقوميّة أخـرى :
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي وبحسبي فخرت لا بجدودي . ص 13.
وها هو يرثي جدته، مستنفراً عظمة (( أناه الفرديّة)) ، يقول:
ولو لم تكوني بنت أكرم والد لكان أباك الضخم كونك لي أمّا . ص 13.
وأمام بروز هذه (( الأنا)) وتعاليها على قومها، يشير السامرائيّ إلى مواقف بعض نقاد المتنبي الذين عابوا عليه هذه النرجسيّة، ويستجمع هذه المواقف قائلاً : (( ألا ترى معي، أبا الطيب، أنك تجاوزت الحدّ وجعلت الشرف لك وحدك، وأنّ قومك عيال عليك، وأن آباءك، وأجدادك ليغرفون من بحرك ويقيمون مجدهم من مجدك. وكأنّ أبا الندى قد وقف على ((أنا)) في هذه القصيدة، وأحسّ أنك قد تجاوزت فيها الحدود، فاحتشم في حضرتك فطواها وأبى أن يتلوها.)). ص13.
والسؤال الذي يمكن أن يُطرح : ما هي أهم أسباب غربة ((أنا)) المتنبي داخل الموضوعي الجماعي؟ هـــل هي الغربة الروحيّة أم الاجتماعيّة أم السياسيّة ؟ أم كانت هذه الغربة نتيجة للإحباطات والخيبات الكثيرة التي رافقت مسيرة المتنبي؟ . إنّ ذات المتنبي الطامحة لم يُقدر لها أن تُوضع في المكان اللائق بها نتيجة لظروف سياسيّة كانت أقوى منها، في حين أنّ الآخرين الذين لا يرقون إلى مستواها هم الأقوياء والسادة والحكام والأغنياء، وبأيديهم مقاليد كل شيء .
لقد كان المتنبي يعتقد أنّه أفضل من أيّ خليفة أو ملك أو أمير من أمراء عصره، فقد كان يشعر وأنّه في مجلــــس سيف الدولة الحمداني ــ صاحب حلب ــ (علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي الربعي، 303ــ 356هـ / 915 ــ 967م)، وفي مجلس كافور الإخشيدي ــ صاحب مصر ــ (292 ــ 357 هـ / 905 ــ 968 م)، عظيماً مثلهما، بل أكثر منهما، فلماذا لا يكون الأمير المتوّج فوق عرش مدينة أو ولاية؟ ولماذا لا يتوّج إمارته الشعريّة بالإمارة السياسية التي تمكّنه من استلام مقاليد السلطة . وهنا يمكن القول: إنّ سرّ عذاب المتنبي الدفين، وحزنه الراعف هو إحساسه بالاستلاب السياسي، وحرمانه من كرسي السلطة، ولو أنّ المتنبي لم يستنفر كل طموحه لأن يكون أميراً أو صاحب ولاية لكان أكثر عظمة إنسانيّة، ولكانت صورته التاريخيّة أشدّ إضاءة . هو يعتقد أنّه عظيم ، ولم ينكر أحد عليه ذلك، حتى أعداؤه كانوا في قرارة أعماقهم يعترفون بقامته الشعريّة المديدة، ويحسدونه على هذه القامة الشامخة، لكن أن يوظّف قسماً من طاقاته الشعريّة الجماليّة ، ويقف أمام أبواب السلاطين مستجدياً علّهم يمنحونه إمارة أو ولاية، فإنّ ذلك سيقلل من اعتزازه الإنسانيّ، وسيحطّ من عظمته، وسيرفع من شأن هؤلاء السلاطين في آن، وهنا تكمن نقطة الضعف التي سمحت لأصدقاء المتنبي وأعدائه وحساده معاً أن يوجّهوا سهام نقدهم إلى صدره من خلالها ، ويتساءلوا: هل يحقّ له أن يزهو بأثواب التيه والفخار على بني قومه ويحتقرهم في آن ؟ وهل يبقى قوله الشعريّ الآتي صحيحاً ؟:
وكلّ ما قد خلق الله وما لــم يخلــــــق
محتقر في همتـــــــي كشعرة في مفرقي
وهاهو المتنبي يمدح أحد الأمراء مستعطفاً:
أرجو نداك ولا أخشى المطال به يا من إذا وهب الدنيا فقد بخلا . ص 27.

ولقد كرّس المتنبي كثيراً من قصائده الشعريّة لمدح أشخاص قد يكونون عاديين ولم يقدّموا لأمتهم شيئاً يذكر، وربمالا يستحقون مدحاً، ومن هؤلاء الممدوحين: (( عبيد الله بن خلكان، وأبو المنتصر شجاع بن محمد المنبجي الرضي الأزدي، وعلي بن أحمد الطائيّ، ومحمد بن زريق الطرسوسي، وعبد الله بن يحي البحتري، ومساور بن محمد الرومي، ومحمد بن إسحاق التنوخي، والحسن بن إسحاق التنوخي .)) ص 20، وآخرون كثيرون.
وإذا كان المتنبي قد مدح أشخاصاً بما ليس فيهم، ومدح بعض الطغاة والظلمة فإنّه مدح بعض العلماء والقضاة الذين عرفوا بعلمهم وكرمهم، فهاهو يمدح القاضي عبد الوهاب المالكيّ الذي كان من أهل العلم والفضل، والذي هجر مدينة بغداد لأنّه لم يجد فيها أسباب العيش الكريم. يقول فيه:
قليل الكرى لو كانت البيض والقنا كآرائه ما أغنت البيض والزًّغف
يقوم مقام الجيش تقطيب وجهـــه ويستغرق الألفاظَ من لفظه حرف
وإن فقد الإعطاء حنّت يمينــــــه إليه حنين الإلف فارقـــــــه الإلف. ص 40. يتبع في القسم الثاني

صالح سعيد الهنيدي
05-12-2007, 07:54 PM
أخي الحبيب الدكتور محمد يونس
تحليل جميل لكتاب ممتع
يقرأ حياة حقبة عربية زاهية
وليست مجرد قراءة مجلس شاعر

لدي سؤال يحيرني يا دكتور
لمَ نال أبو الطيب المتنبي كل هذه المكانة الشعرية ؟!
هل يعود ذلك إلى الحكمة في شعره , أم لانتقاء الألفاظ المعبرة عن المعاني
أم لمدائحه ؟
أم لشيء آخر ..

أنتظرك
وأنتظر القسم الثاني
وبارك الله فيك

لميس الامام
05-13-2007, 01:04 PM
اسمحولي بهذه المداخلة المتواضعة معرفة الحقيقية تسجيلا عن ابو الطيب المتنبي الذي قال فيه وأسهب دكتورنا الكبير محمد عبد الرحمن يونس في قراءته السابقة لعلي اضيف قطرة من بحر فيض قراءته المليئة بزخم المعرفه..

المتني شاعر عربي اوحد غني الامجاد الثلاثة:

مجد العروبة المنهار
مجد الذات- الارادة ومجد الشاعريه
الذوره

من اللا تشابه واللا انتماء انطلق المتنبي في مسيرته نحو المجهول ..فراود اللغز واكتشف الحقيقة:
الانسان إما ان يكون مغايرا ، وبالتالي مجابها وإما ان لا يكون..والشعر فيه يرود الآفاق الصعبة..يركب المستحيل من أجلها في حلم دائم وشوق مستهام ومعانة مريرة، يصوغها كلها في نشيد بطولي مثير ثم يمضي..، وقد اكتشف ذاته وغنى آماله وآلامه وما هم ان أضاع غاياته..ومات دونها..فقد ترك للاجيال غاية الغايات : ضجيج الذات وكبرياء الرجال في سمفونية دهريه هي نشيد الاناشيد يرتلها من بعده التاريخ حتى تتحفز الامة لتنشئ حضارتها وتبني مجدها..

وهذا ما اراده المتنبي الرجل والشاعر حين خاطب نفسه وامته طالبا منها ان تترك في الدنيا دويا كأنما تداول سمع المرء انمله العاشر، اذ بدون ذلك الدوي لا يكون البعث..

كان المتنبي حجرا كبيرا القي من حالق في بحر العرب الميت..فأحدث فيه تموجات عنيفه متتاليه ثم أصبح هو تلك التموجات.. وبقى البحر راكدا لكثرة ملوحته..لكن الى حين ..فلم يصبح للعرب مشاركة في فهم الانسان والحياة واستشراف الكون الا بتأثير أمثال ابي تمام وأبي الطيب المتنبي وابي العلاء المعري الذين اعطوا الابداع العربي بعده الحضار والشعر والعربي نبرته الحادة والاصيلة.
على ان ابو الطيب المتنبي من بين هؤلاء وأمثالهم كان الاقوى نبرة والاشد تأثيرا وبالتالي الاسطع حضورا بيننا لانه كان الاقوى والاشد والاسطع تمردا وعقلانية وشخصية ووضوح ورؤياعلى استحالة في التحقيق ، واستعصاء على التسمية..

من هنا كان تفرده ووحدانيته وأصالته الذي مكنه من إعطاء الشعر العربي بعدا جديدا نفذ منه الى دائرة الاستقطاب حيث اصبح هو قطبا تتمحور حوله الناس والشعراء تماما كالقطب عند الصوفيه... تسحرهم رموزه وتذيبهم عشقا وفناء مواجده، ومجاهداته..ذلك البعد هو ان الكلمة أو الصورة عند المتنبي لم تعد عادية بارده منتزعة بمهارة من بديع اللغة اي من خارج..اصبحت ما يمكن ان نسميه الكلمة المفاجأة الطالعة من هدير داخلي صاخب ..تهز ،تقهر وتزعج النائمين في كهوف الخدر والموت //تماما كوجدانه وكيانه الزاخرين بضجيج الاقتحام والمغامرة حتى القتل..

لقد حمل المتنبي اللغة العربيه كل ما تستطيع ان تحمله بل فوق ما تستطيع من معان ورموز وأخيلة : حملها عالمه المشحون بكل الذبذبات والتوترات العالية ، والاحلام والطموحات ..وكلها صعب ومستحيل
واسطوري ..

بهذا كله تجسدت ملامح ذلك البعد الذي ورد هنا..والمقصد منه.

عانى ..تألم وتألق حتى استحال لهبا ...

لعلي اوجزت يسيرا من فيض ما كان المتنبي عليه ...شاعر المجد ...

شكري وتقديري لهذا الطرح الرائع..والذي استهواني بروعته
شكرا خاصا للاجلاء للدكتور محمد عبد الرحمن يونس .. وشكرا للاخ صالح الهنيدي الذي ما يبرح ينثر شذاه في كل مكان يستحق المرور.....وبانتظار البقيه...

تحياتي

لميس الامام

د. محمد عبد الرحمن يونس
05-13-2007, 04:17 PM
أخي الحبيب الأستاذ الشاعر صالح سعيد الهندي ، صديقا عزيزا .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأطيب تحياتي لمروركم الكريم على مقالي: (( قراءة في كتاب في مجلس أبي الطيب المتنبي)).
وسؤالك : لم نال أبو الطيب المتنبي كل هذه المكانة االشعرية ؟على قدر كبير من الأهمية. وهذا السؤال يمكن أن يشكل مفتاحا لبحث علمي أكاديمي يقوم به باحث نشيط يستجلي جميع جوانب حياة المتنبي الإنسانية والاجتماعية والسياسية والطبقية، حتى تتضح الإجابة الدقيقة عن سؤالكم المهم هذا.
لقد شكلّت الظروف السياسية والثقافية والمعرفية والاجتماعية التي عاشها المتنبي سببا رئيسا في تفرّده وعطائه. فهو شاعر متباين تباينا حادا عن شعراء عصره، في قوة العبارة الشعرية وفي بعد صورتها الدالة، وفي رؤيتها الجديدة، وفي استفادتها من مرجعيات ثقافية متعددة في الحكمة ـ باختلاف مصادرها ـ والنظرة الفلسفية والتاريخ في عصره، وقد لعبت صنوف الخيبة في حياته: السياسية، وفي التملك، وفي علاقاته مع شعراء عصره وأدبائه، وفي علاقاته المتعددة من أصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي والاجتماعي دروا واضحا في هذه المكانة الشعرية، فهو متفرّد في قصائده المدحيّة، وهو متفرد في استخدام صنوف الحكمة والفلسفة، وهو متفرد في غزارة ثقافته، والخلفيات المعرفية الثقافية في عصره والعصور التي سبقته، وهو متفرد في علاقاته المتشعّبة مع الحكام، وهو متفرد في بحثه وخيبته في أن يحصل على حكم، أوضيعة أو إمارة، أو ولاية، وهو متفرد في مدائحه الكثيرة، وفي هجائه أيضا.
يضاف إلى ذلك: أنه أول شاعر عربي ـ في التاريخ الشعري ـ تبرز ( الأنا) عنده متضخمة و متعالية تعاليا واضحا، ومتفردة في هذا التضخم. فقد مرّ بظروف معرفية وثقافية وسياسية واجتماعية تختلف عن ظروف الآخرين، واستطاع أن يصل إلى فضاءات السلطة وأبّهة الحكم، في حين عجز الآخرون عن ذلك. لقد كان ـ وهو يمدح رجال السلطة المرموقين في عصره ـ يعدّ نفسه مهما مثلهم، بل كان يرى أنّه أهم منهم جمعيا وبكثير، وفي ما بعد عندما هجا الاخشيدي ( كافور) نجد أن كان يتعالى عليه، ويرى أن حاكم مصر هذا هو الذي ارتفع مكانة من خلال قصائد المتنبي، بالإضافة إلى شعوره العظيم بأنّه متفّوق على أجداده، وقبيلته و أسرته كلها، بل ومجتمعه كله.
وإذا كان من المعروف في أحيان كثيرة، في تاريخ الشعر العربي، أن الفرد كان يفخر بقبيلته وحسبها ونسبها، ومكانتها السياسية والاجتماعية، فإن الموقف يتباين عند المتنبي، فهذه القبيلة هي التي يجب أن تعتزّ لأنها أنجبته، وهي التي يجب أن تنتمي إلى إرثه المعرفي والحضاري، وليس العكس، ويظهر ذلك واضحا حين يقول:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي وبحسبي فخرت لا بجدودي.
وها هو يرثي جدته قائلا:
ولو لم تكوني بنت أكرم والد لكان أباك الضخم كونك لي أمّا
وحتى تتضح الإجابة عن سؤالك ـ بجميع اتجاهاتها ورؤاها وطموحها، فإن ذلك يحتاج إلى جهود باحث نشيط مثلكم، ومثل قراء مرافئ الوجدان الكثيرين وكتابها النشيطين، وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الكاتبة لميس الإمام، والكاتبة فاتن محمود، والعزيز الكاتب إبراهيم درغوثي، والكاتبة أحلام الحميد، والباحث العربي النشيط الدكتور مصطفى عطية جمعة، والكاتبتين: هيفاء راشد الحمدان ـ ومريم الجابر، وأسماء أخرى كثيرة بعضها مستعار ولا تسعفني ذاكرتي الآن لذكرها.
مودتي الصادقة والطيبة لكم، وشكرا لكم .
أخوكم محمد عبد الرحمن يونس
وفي الحلقة الثانية من الدراسة قد تتضح نقاط أخرى حول سؤالكم المهم.

د. محمد عبد الرحمن يونس
05-13-2007, 04:27 PM
الأستاذة الأديبة لميس الإمام، السلام عليكم ورحمة الله، وأطيب تحياتي لك آملا لك مزيدا من العطاء المعرفي والإبداعي، وشكرا لك على آرائك المهمة، حول شخصية أبي الطيب، وهي تشكل إضاءات مهمة لفهم خطاب المتنبي الشعري المتميز، وجميل لو أنك تنجزين بحثا علميا مهما حول الآراء الواردة في ملاحظاتك، لكنت بذلك تقدّمين للبحث العلمي المتعلق بالمتنبي فائدة كبيرة.
شكرا لك وتقديري وتحياتي
محمد عبد الرحمن يونس

لميس الامام
05-13-2007, 08:39 PM
الدكتور الفاضل محمد يونس

تحياتي سيدي واشكرك على تعقيبك ..
وأعدك ان اعد بحثا حول الاراء التي جاءت في مداخلتي على قراءة حضرتك
ان شاء الله حين اتفرغ في الصيف سأقوم بعمل البحث والله المستعان..

شكري الوافر لك ولتشجيعك البناء..

دمت بكل الخير وبارك الله فيك..

لميس الامام

د. محمد عبد الرحمن يونس
05-13-2007, 08:59 PM
الأستاذة الأديبة الفاضلة لميس الإمام، دمت بخير وعافية وصحة وإبداع، وإن شاء الله تنجزين بحثا متميزا حول شخصية المتنبي نستفيد منه قراء مرافئ الوجدان، ونستمتع به، وبذلك تقدمين خدمة للبحث العلمي حول شعر المتنبي وخصوصية التفرد في حياته وصوره الشعرية جماليات أدبه.
دمت بكل الخير وبارك الله بك
وشكرا لك
محمد عبد الرحمن يونس