المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في قصيدة " أعلى قليلا من الصمت الطري " .


د. مصطفى عطية جمعة
05-04-2007, 02:25 PM
نص وقراءة : بقلم : د. مصطفى عطية جمعة
الذات الشاعرة تحتوي الكون في أعماقها
قراءة في قصيدة " أعلى قليلا من الصمت الطري "
للشاعر / عبد ربه محمد سالم اسليم
إننا أمام نص ينبئ عن شاعر مميز ، نص فيه الكثير من الاستفزاز والتوهج ، يبدأ الاستفزاز من العنوان : أعلى قليلا من الصمت الطري ، حيث يحيلنا العنوان إلى حالة من الهلامية النفسية والصوتية والمادية الرخوة ، ليكون التساؤل عن ماهية العلو ، الذي سيكتشف بعدئذ في النص بأنه حالة الكتابة الشعرية ، بكل ما فيها من تعقد نفسي وفكري ومادي .
هذه الحالة الإبداعية أو الأدق : صنع الإبداع ، تتجلى في ارتحالك الكوني ، عبر الليل ، والشمس ، والريح والشجر ، فكأنك تستعد للإبداع من خلال تحاور الكونيات في أعماقك ، ومن ثم صهرها في نصك ،
ولنقرأ النص معا ، ومن ثم يكون النقاش .
النص :
" أعلى قليلا من الصمت الطري "
( 1 )
منذ رآني الصمت والليل ينعس في صدري ...
يستمهل قوس قزح
ليجلس على ركبة الناي ...
يغزل جنيات الانتظار ...
يقرأ غرق الريح في أظافري ...
هكذا يتقافز التعب نكهة صدأ ،
ويمعن في كسب جولات الابتسامة أمام الشجر ،
ويتغلغل في نقوش الغياب ...
( 2 )

دخلت حليب الطفولة لأكون أطول من الحداثة ،
وأعمق من ما بعد الحداثة ...
كانت الريح تنتظرني ،
وتهب ضحكة عذرية ...
تداعبني مثل وردة بيضاء ،
وهي تغزل الخيول من شهيق الرخام !!! ...
( 3 )

فتحت الكتابة بريشة جناح هدهد ،
وانطلقت مع العشب الأخضر ...
أزأر مثل عجز التعب ، وأكبر من الروح ...
أمعن في اكتساب الله ،
وصولات من الهذيان أقيمها في محراب القلب !!! ...
أحرق التعب عصافير مشوية ،
وقطرات هيولي
كي أغزل صيامي ابتهالات لزيت الزيتون ،
وفرح سنين ضوئية تبحث لها عن فسحة من خمر وكثيرا من الزكاة !!! ...
( 4 )

خطواتي تشبه شجرة الكينيا ، وأنا أطعن البحر بالرمح الأبيض
لأخترق شرفات الهيولي ...
( 5 )

عشق يمرغ الغيوم في حضن حنجرتي !!! ...
ما أقرب جسدي إلى السماء ،
وما أبعده عن الغربة !!! ...
وفوضى اللغة !!! ...
يتمحور النص حول : تلك الحالة الملتبسة التي لا تزال غامضة في أعماق الشاعر ، حالة التجلي للشاعرية ، حينما تنطلق لآفاق رحبة ، وتمسك اليد القلم لتعبر عن هذه الآفاق . هذه الحالة التي حيرت الباحثين والنقاد والشعراء ، والجميع يدور في فلكها ، أملا في سبر أغوار كنهها ولكن هيهات ، فهي حالة من الشيطنة كما يراها الشاعر الجاهلي قديما أو التوتر النفسي كما يراها باحثو علم النفس المعاصرين ، أو الإلهام كما يراها الشعراء أنفسهم ، أو الفيض كما يراها الصوفيون ، والجميع يتفقون أنها حالة تجمع ما بين الجسدي / الدنيوي ، والسماوي / التحليق النفسي وفي هذا النص ، يوضح " عبد ربه " كيف أنها حالة كونية ، في تجل جديد ، كونية تلتبس الذات الشاعرة ، فيخطو الشاعر في النهاية إلى الأرض خطوات بمساحة الأشجار ، ويتعارك مع البحار .
فيقول :
منذ رآني الصمت والليل ينعس في صدري ...
يستمهل قوس قزح
ليجلس على ركبة الناي ...
يغزل جنيات الانتظار ...
يقرأ غرق الريح في أظافري ...
هكذا يتقافز التعب نكهة صدأ ،
ويمعن في كسب جولات الابتسامة أمام الشجر ،
ويتغلغل في نقوش الغياب ...

لا يمكن أن نتعامل مع هذا المقطع وغيره من المقاطع من كونه صورا مركبة ، وإنما هو مقطع شعري متكامل ، ينقل حالة التجلي الكونية عند الإبداع ، ورغم تعقد الصورة من خلال الإضافة في : ركبة الناي ، ونقوش الغياب ، إلا أنها تنقل لنا حالة التجلي ، عبر التمعن والتغلغل اللذين يسبحان في الذات الشاعرة .
ويأتي المقطع الشعري الثاني معبرا عن جوهر الإبداع من خلال هذه الحالة الشعرية ، حالة صنع الكتابة ، أو بالأدق الوقوف عند عتبة الإبداع، وهي حالة حار فيها الكثير من الشعراء ، وهنا تنقلب على السابقين ، من خلال الكونية التي جمعها في أعماقه ، وبانت في تأمله الذي يريد احتواء الشمس والريح .
* * *
ثم يعرج في المقطع الثاني إلى الأرضية ، فيقول :
فتحت الكتابة بريشة جناح هدهد ،
وانطلقت مع العشب الأخضر ...
أزأر مثل عجز التعب ، وأكبر من الروح ...
أمعن في اكتساب الله ،
وصولات من الهذيان أقيمها في محراب القلب !!! ...

ما أروع احتواء الأرضية عبر : مكونات وجزئيات الأرض : جناح هدهد ، عشب أخضر ، ومن ثم الهذيان الإبداعي في القلب ، وقد يتحفظ البعض على " اكتساب الله " ، ولكن أراه تعبيرا موظفا في النص بدلالة إيمانية سامقة ، أكدها تعبير :وصولات من الهذيان أقيمها في محراب القلب !!! ... ، فاكتساب الإيمان الإلهي أساس لصلاة من أعماق القلب .

أحرق التعب عصافير مشوية ،
وقطرات هيولي
كي أغزل صيامي ابتهالات لزيت الزيتون ،
وفرح سنين ضوئية تبحث لها عن فسحة من خمر وكثيرا من الزكاة !!!

التعب : ناتج عن محاولات الكتابة ، تعب الذات المبدعة ، وهي تتأمل السماء والأرض ، وتغوص في القلب ، وهي تسعى للظفر بسنين ضوئية دلالة على الانطلاق الإبداعي في أعماق نشوة الخمر ، والخمر ليست إدانة لكونها خمر ، وإنما رمز لحالة النشوة التي تعتري الشاعر عند فوزه بالنص . وهنا نسجل للشاعر كيف أن الألفاظ اكتسبت دلالات جديدة تجاوزت الدلالات التقليدية لها ، فالخمر : نشوة التجربة الشعرية في اكتمالها ، والزكاة : هذا الفيض الذي تغرقنا به الذات الشاعرة عندما تتعملق الكون ، وتريد نشر الخيرات لكل البشر .
يقول :
خطواتي تشبه شجرة الكينيا ، وأنا أطعن البحر بالرمح الأبيض
لأخترق شرفات الهيولي ...
هذا المقطع ناتج العناء والتعب ، فقد امتلكت الذات الشاعرة السماء والأرض ( الكونية المطلقة ) ، مع إيمان بالله العظيم . فكانت الخطوات عالية الوقع : حيث صارت الخطوة في مساحة شجرة الكينيا ، وصار الشاعر طاعنا البحر ، ولنتخيل هذا التعبير الكنائي ( من الكناية ) ، لنعرف إي مدى وصلت الذات المبدعة بعدما غرفت الكونية في أعماقها.
يقول :
عشق يمرغ الغيوم في حضن حنجرتي !!! ...
ما أقرب جسدي إلى السماء ،
وما أبعده عن الغربة !!! ...
وفوضى اللغة !!! ...
العشق : رمز لقطوف الذات المبدعة ثمرات القصيدة ، وقد دلت " حضن حنجرتي " على أن القطف إنما هو قطف شعري ، وشاعري ، وتأكد في هذا المقطع كيف أن الشاعر صار كونيا " ما أقرب جسدي إلى السماء " ، وكيف صار منتميا للشعر ، وللإيمان الرباني ، وقد برهن على ذلك بقوله:
" وما أبعده عن الغربة !!! ...
وفوضى اللغة !!! ... "
* * *
هذا نص ليس سهلا ، لا يسلس قياده بسهولة ، ولكن إن تعمقناه سندهش من كيفية استيعاب الذات الشعرية للسماء والأرض ، بكل جزئياتهما ، وتفصيلاتهما .
نص يتحدى ، والتحدي حافز للعقل ، والفؤاد .

هيفاء الحمدان
05-05-2007, 07:56 PM
مرحباً بك أستاذي د/ مصطفى..
أحييك على هذا العطاء النقدي المتدفق..
اهتمامك بالنصوص الأدبية على اختلاف مشاربها وأشكالها ومضامينها يدل دلالة قاطعة على عمق الحاسة النقدية لديك وتوهجها الدائم..
ولكني لا أدري..ماذا أقول حقيقة.. عندما تصطدم ذائقتي النقدية بنثر معقد التركيب يلبس ثوب القصيد..!
قراءتك المضمونية للنص كشفت لنا عن بعض جوانبه المبهمة -قصداً- وأقول هنا قصداً لأن كاتب النص أراد له هذا الإبهام باستخدامه الأسلوب التعبيري المتخم بالرمزية والغموض والتركيبات المعقدة...
معذرة أستاذي...
ثم معذرة..
اسمح لي أن أعبر هنا عن رأيي..
في سحر البيان وعذوبة اللغة مندوحة عن هذه الطلاسم..
وبحور الشعر تموج بأوزان لمن يحسن ركوبها..
وإلا فنزال إلى بر النثر وكلاهما تاج على رأس الفصاحة..

شاكرة لك ومقدرة.

د. مصطفى عطية جمعة
05-06-2007, 08:28 AM
مرحباً بك أستاذي د/ مصطفى..
أحييك على هذا العطاء النقدي المتدفق..
اهتمامك بالنصوص الأدبية على اختلاف مشاربها وأشكالها ومضامينها يدل دلالة قاطعة على عمق الحاسة النقدية لديك وتوهجها الدائم..
ولكني لا أدري..ماذا أقول حقيقة.. عندما تصطدم ذائقتي النقدية بنثر معقد التركيب يلبس ثوب القصيد..!
قراءتك المضمونية للنص كشفت لنا عن بعض جوانبه المبهمة -قصداً- وأقول هنا قصداً لأن كاتب النص أراد له هذا الإبهام باستخدامه الأسلوب التعبيري المتخم بالرمزية والغموض والتركيبات المعقدة...
معذرة أستاذي...
ثم معذرة..
اسمح لي أن أعبر هنا عن رأيي..
في سحر البيان وعذوبة اللغة مندوحة عن هذه الطلاسم..
وبحور الشعر تموج بأوزان لمن يحسن ركوبها..
وإلا فنزال إلى بر النثر وكلاهما تاج على رأس الفصاحة..

شاكرة لك ومقدرة.

الأخت المبدعة / هيفاء تحياني وتقديري إليك
أشكر قراءتك الفاعلة ، وتلقيك عالي المستوى ، وتعقيبك الفاعل المعبر عن ذائقة رفيعة ، ومعرفة نقدية راسخة .
وأحب أن أشير إلى أنني أشرت إلى أن النص ليس سهلا ، ويحتاج إلى عناء ، ولعلي في هذه القراءة أزلت بعض الغموض فيه . وهذا يعني ألا نهمل النصوص الشعرية الغامضة بعض الشيء ، وهي متوافرة في تراثنا القديم ، فالغموض فيه أبعاد فنية ، تتطلب قراءة وقراءة وقراءة ، من أجل فك أبعاده بهدف اجتلاء جمالياته . ولعلك تتفقين معي أن بعض نصوص أبي تمام فيها غموض ، ولكنه غموض مثل المحار الذي يكشف عن اللؤلؤ .
تحياتي وتقديري وإلى تواصل دائم

صالح سعيد الهنيدي
05-06-2007, 06:39 PM
أخي الحبيب
الدكتور مصطفى عطية
أعتذر أولا عن التأخر في الرد
حيث الانشغال بقضايا المنتدى أصبح حائلا
عن التفاعل مع مثل هذه الإبداعات القرائية
حقيقة لا أخفيك أنني ممن لم يقتنع بشاعرية النثر بعد
حيث أشعر أن الشعر والنثر يسيران بخطين متوازيين
ولا يمكن اللقاء بينهما بأي حال
تظل مسألة الرمزية في النصوص مسألة شائكة
وتحتاج إلى مزيد من الحوار بيننا
حيث أشعر - وربما أكون واهمًا - أن شعراء ما يسمونها
قصيدة النثر أرادوا أن يتعلموا الشعر فلم ينقدْ لهم
فركبوا موجة النثر وأسموه شعرًا
أثق في حاستك النقدية كوثوقي في طول باعك في سبر أغوار النصوص
ولذا فيجب أن يطول بيينا الحوار ويطول حتى نخرج
بقيم فنية عميقة حول الكثير من المفاهيم
وهذا ما نريد نشره وترسيخه في مرافئ الوجدان

شكرًا لك
بقدر عطائك الوافر
ولو أن الشكر لا يفي حجم وفائك

العزّي
05-06-2007, 10:51 PM
أستاذي الفاضل الدكتور مصطفى عطية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولاً أستاذي الفاضل أحييك بتحية الإخاء والنقاء والصفاء والاحترام
ولتتأكد أننا نحتاج أمثالك من المتوازنين المنصفين المتريثين في الحكم والعرض
وأرجو منكم الرجوع معي قليلاً لنبض قلمك الندي حين قال:

(( ومن ينظر في النماذج الشعرية التي صاحبت موجة الحداثة التي زاد انتعاشها في سنوات السبعينيات حتى أواسط الثمانينيات ير أنه سعت إلى تدمير الأبنية اللغوية والأدبية في الشعر من خلال السخرية بكل التعبيرات والصور المتوارثة ، وإحداث بناء لغوي جديد ، التدمير للغة ، والبناء لسياقات جديدة ( فكرة التدمير والبناء ) ، فرأينا صورًا شعرية شديدة الغموض ، وتعبيرات لغوية معقدة ، وصار الشعار المرفوع : العيب في القارئ المتلقي ))

فهلاَّ أجبت بمراس المتخصص ووضوح المبدع وصراحة اللبيب عما يلي:

- أرجو أن توازن لي هنا بين ما حكمت به سابقاً من أنهم سعوا إلى تدمير الأبنية اللغوية والأدبية في الشعر ، وأنهم أرادوا صورًا شعرية شديدة الغموض ، وتعبيرات لغوية معقدة ، وصار الشعار المرفوع : العيب في القارئ المتلقي...
وبين قولك أعلاه: (( إننا أمام نص ينبئ عن شاعر مميز ، نص فيه الكثير من الاستفزاز والتوهج )) ، وما ظهر لي من إعجابك الشديد بهذا النص الموغل في الغموض؟!

- ما مدى شاعرية هؤلاء المتخبطين في المعنى وكيف لنا تسمية ما يطرحونه شعراً وهو يخلو من أهم أركان الشعر؟!
وإن وافقناهم بأنهم قد جددوا في القوافي والأوزان وأرسلوها كما يحلوا لهم ، فأين هي مشاعرهم وأحاسيسهم المبهمة ، وهل الشعر إلاّ مشاعر وأحاسيس تتأجج في نفس صاحبها فيلفظها شعراً منغَّماً أو نثراً مؤنَّقاً؟!

- هل كل تصوير خرج عن الحقيقة هو من فصيلة الخيال المحلق الجميل ، أم أن هناك ما هو أقرب إلى حلم النائم وأشد التصاقاً بالوهم كالذي يدمنه هؤلاء المجددون ؟!!


ختاماً:لك مني أستاذي الكريم أوفى عبارات التقدير
وفقكم الله وسدد خطاكم

هيفاء الحمدان
05-07-2007, 04:03 PM
الأخت المبدعة / هيفاء تحياني وتقديري إليك
أشكر قراءتك الفاعلة ، وتلقيك عالي المستوى ، وتعقيبك الفاعل المعبر عن ذائقة رفيعة ، ومعرفة نقدية راسخة .
وأحب أن أشير إلى أنني أشرت إلى أن النص ليس سهلا ، ويحتاج إلى عناء ، ولعلي في هذه القراءة أزلت بعض الغموض فيه . وهذا يعني ألا نهمل النصوص الشعرية الغامضة بعض الشيء ، وهي متوافرة في تراثنا القديم ، فالغموض فيه أبعاد فنية ، تتطلب قراءة وقراءة وقراءة ، من أجل فك أبعاده بهدف اجتلاء جمالياته . ولعلك تتفقين معي أن بعض نصوص أبي تمام فيها غموض ، ولكنه غموض مثل المحار الذي يكشف عن اللؤلؤ .
تحياتي وتقديري وإلى تواصل دائم

أستاذي الفاضل..
أشكر لك هذه الأريحية الكريمة،وإنه لمما يثلج الصدر أن نلقى في ناقد بصير بمثل مكانتك العلمية والأدبية هذه الرحابة والقبول لكل رأي خالف رأيه أو وافقه..
لا أخفيك أستاذي..لست ممن يؤمنون بمصطلح قصيدة النثر، ولكن ذلك لا يعني أني أرى النثر دون الشعر أو أن الشعر دون النثر،وإنما أنظر لمدى الإبداع الذي يتجلى في النص ويتناسب مع خصائصه الفنية..
أما عن غموض أبي تمام إذا ما قارناه مع ما ورد في هذا النص من تركيبات معقدة فلا أقول إلا شتان بينهما..فغموض أبي تمام- في الغالب- غموض شفاف سرعان ما ينجلي عن صور ساحرة ومعانٍ بعيدة الغور يستنبطها العقل الذي اعتمد عليه كثيراً في توليد صوره وأفكاره، ولأجله عيب في بعض إغرابه وتعقيده؛ومثلك لا يخفى عليه ذلك.
نعم قد يشدنا الغموض في بعض صوره لنعمل على تأويله،وسبر معانيه،وإبراز جمالياته ،وهذا جزء مهم من العملية النقدية،لكن أن يتحول الأمر إلى أن يكون الغموض والتعقيد هدفاً ينشده الكاتب،حتى إذا ما امتعض القراء من ذلك التعقيد قال "إني أرى ما لا ترون" فذلك هو الإبهام بعينه..
أستاذي..
ثقة في رحابة صدرك سيقت تلك الكلمات،ولك مني وافر التقدير.

د. مصطفى عطية جمعة
05-09-2007, 11:58 AM
أخي الحبيب
الدكتور مصطفى عطية
أعتذر أولا عن التأخر في الرد
حيث الانشغال بقضايا المنتدى أصبح حائلا
عن التفاعل مع مثل هذه الإبداعات القرائية
حقيقة لا أخفيك أنني ممن لم يقتنع بشاعرية النثر بعد
حيث أشعر أن الشعر والنثر يسيران بخطين متوازيين
ولا يمكن اللقاء بينهما بأي حال
تظل مسألة الرمزية في النصوص مسألة شائكة
وتحتاج إلى مزيد من الحوار بيننا
حيث أشعر - وربما أكون واهمًا - أن شعراء ما يسمونها
قصيدة النثر أرادوا أن يتعلموا الشعر فلم ينقدْ لهم
فركبوا موجة النثر وأسموه شعرًا
أثق في حاستك النقدية كوثوقي في طول باعك في سبر أغوار النصوص
ولذا فيجب أن يطول بيينا الحوار ويطول حتى نخرج
بقيم فنية عميقة حول الكثير من المفاهيم
وهذا ما نريد نشره وترسيخه في مرافئ الوجدان

شكرًا لك
بقدر عطائك الوافر
ولو أن الشكر لا يفي حجم وفائك

الأستاذ الشاعر المبدع / صالح سعيد الهنيدي تحياتي العطرة من مرافئك
أؤيدك في أن الحوار ضروري للوصول إلى نتائج مشتركة ، تخص القيم الجمالية والفنية في قصيدة النثر ، وهذا أمر مهم ، وسيكون منتدانا الحبيب متفاعلا مع مشروع قصيدة النثر من خلال القراءات والقصائد المنشورة ، فالهدف أن نحاور التجارب ، والحوار يقتضي أطرافا مختلفة مع بعضها ، حتى نصل إلى رؤية مشتركة .
أؤيدك فيما تقول ، وفي انتظار فتح هذا الحوار في الباب الجديد المخصص لقصيدة النثر .
تحياتي عزيزي الشاعر من المرافئ ، وإلى أن نلتقي ثانية في المرافئ .

د. مصطفى عطية جمعة
05-09-2007, 02:19 PM
أستاذي الفاضل الدكتور مصطفى عطية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولاً أستاذي الفاضل أحييك بتحية الإخاء والنقاء والصفاء والاحترام
ولتتأكد أننا نحتاج أمثالك من المتوازنين المنصفين المتريثين في الحكم والعرض
وأرجو منكم الرجوع معي قليلاً لنبض قلمك الندي حين قال:

(( ومن ينظر في النماذج الشعرية التي صاحبت موجة الحداثة التي زاد انتعاشها في سنوات السبعينيات حتى أواسط الثمانينيات ير أنه سعت إلى تدمير الأبنية اللغوية والأدبية في الشعر من خلال السخرية بكل التعبيرات والصور المتوارثة ، وإحداث بناء لغوي جديد ، التدمير للغة ، والبناء لسياقات جديدة ( فكرة التدمير والبناء ) ، فرأينا صورًا شعرية شديدة الغموض ، وتعبيرات لغوية معقدة ، وصار الشعار المرفوع : العيب في القارئ المتلقي ))

فهلاَّ أجبت بمراس المتخصص ووضوح المبدع وصراحة اللبيب عما يلي:

- أرجو أن توازن لي هنا بين ما حكمت به سابقاً من أنهم سعوا إلى تدمير الأبنية اللغوية والأدبية في الشعر ، وأنهم أرادوا صورًا شعرية شديدة الغموض ، وتعبيرات لغوية معقدة ، وصار الشعار المرفوع : العيب في القارئ المتلقي...
وبين قولك أعلاه: (( إننا أمام نص ينبئ عن شاعر مميز ، نص فيه الكثير من الاستفزاز والتوهج )) ، وما ظهر لي من إعجابك الشديد بهذا النص الموغل في الغموض؟!

- ما مدى شاعرية هؤلاء المتخبطين في المعنى وكيف لنا تسمية ما يطرحونه شعراً وهو يخلو من أهم أركان الشعر؟!
وإن وافقناهم بأنهم قد جددوا في القوافي والأوزان وأرسلوها كما يحلوا لهم ، فأين هي مشاعرهم وأحاسيسهم المبهمة ، وهل الشعر إلاّ مشاعر وأحاسيس تتأجج في نفس صاحبها فيلفظها شعراً منغَّماً أو نثراً مؤنَّقاً؟!

- هل كل تصوير خرج عن الحقيقة هو من فصيلة الخيال المحلق الجميل ، أم أن هناك ما هو أقرب إلى حلم النائم وأشد التصاقاً بالوهم كالذي يدمنه هؤلاء المجددون ؟!!
ختاماً:لك مني أستاذي الكريم أوفى عبارات التقدير
وفقكم الله وسدد خطاكم

الأستاذ الأديب / العزي سلام الله عليك ورحمته وبركاته
أولا : أهلا بك صديقا كريما ، وأخا معطاء .
ثانيا : إنني سعيد غاية السعادة بهذا الحوار المتفجر ، والذي يدل على رسوخ الأطراف كافة في التفاعل النصي ، وإلا فلن يكون هناك حوار إلا بهذا التفاعل المستمر ، وطرح الأسئلة وإعمال العقول .
ثالثا : فكرة التدمير الحداثية لها بعدان : بعد إيجابي يتمثل في طرح أنساق جديدة ودلالات جديدة في الاستخدام اللغوي ، وهذا مشروع ، وقديم منذ قدم الاستعمال اللغوي . وانظر مثالا لكلمة الصلاة والتطور اللغوي الذي حدث لها في الإسلام فهي بمعنى الدعاء ، ولكنها اكتسبت جديدا في الإسلام .
إذن هذا الحق مشروع ومكفول ، وعلى الشاعر المبدع أن يحرص على أن يكون له قاموسه الشعري الخاص وفكرة القاموس الشعري نابعة من دلالات خاصة بالشاعر في استعمالاته اللغوية ، ولعل محمد عفيفي مطر خير نموذج لذلك .
والبعد الثاني للتدمير بعد سلبي ، حيث فهمه البعض بالغموض الملغز ، وتدمير القواعد النحوية ، وأبرز مثال لذلك : كتابات الروائي فتحي إمبابي بمصر ، وإسماعيل فهد بالكويت ، وأنا أعد بحثا عن هذه الفكرة بشكل عام ، وخلاصتها أن هناك من تعامل مع التدمير اللغوي بشكل إيجابي فجدد الدلالات، وأعاد التوظيف والبناء ، وهناك من أدخلنا في أحاجي وألغاز ولعل تجربة حسن طلب ( المصري ) في ديوانه آية جيم نموذجا على ذلك .
أما شرعية قصيدة النثر ، فهذا أمر مختلف عليه ، وحسم لدى الكثيرين ، لأنها تختلف في معاييرها اللغوية والصورية عن النثر العادي حتى ولو اكتسى بعبارات الشعر .
بالنسبة للأحاسيس في النص : فإن الشعر نعم أحاسيس ، وأيضا : رؤى وأفكار ونظرة للحياة والإنسان، ولا يشترط أن تكون الأحاسيس بينة ، فهناك أحاسيس متولدة من الكلمات مثل النغم ، تشعر به ولا تجده ، ينقلك لعالم آخر ، دون تحديد أبعاده .
وعن التصوير والحقيقة أشير إلى أن هناك في الصورة الشعرية أشكال كثيرة بعضها تقليدي مثل : الاستعارات والتشببيهات ، وبعضها حداثي البناء مثل صور اللاوعي والرموز والكلمات الموحية وغيرها ، وهناك الصور الكلية والممتدة .
وهذا النص : مشكلته في بنيته الشعرية التي بها غموض ، ولكنه غموض ينجلي بعد عدة قراءاته محايدة ، في أوقات مختلفة ، خاصة أنه يعالج موضوعا ليس هينا هو النظرة الكونية للشاعر أو ما يسمى القلعة الشعرية ، وهو مفهوم شعري معقد ، ولكن الشاعر طرح رؤاه فيه .
أهلا بك صديقا وأخا ومحاورا ، ولك تقديري ومحبتي

د. مصطفى عطية جمعة
05-09-2007, 02:30 PM
أستاذي الفاضل..
أشكر لك هذه الأريحية الكريمة،وإنه لمما يثلج الصدر أن نلقى في ناقد بصير بمثل مكانتك العلمية والأدبية هذه الرحابة والقبول لكل رأي خالف رأيه أو وافقه..
لا أخفيك أستاذي..لست ممن يؤمنون بمصطلح قصيدة النثر، ولكن ذلك لا يعني أني أرى النثر دون الشعر أو أن الشعر دون النثر،وإنما أنظر لمدى الإبداع الذي يتجلى في النص ويتناسب مع خصائصه الفنية..
أما عن غموض أبي تمام إذا ما قارناه مع ما ورد في هذا النص من تركيبات معقدة فلا أقول إلا شتان بينهما..فغموض أبي تمام- في الغالب- غموض شفاف سرعان ما ينجلي عن صور ساحرة ومعانٍ بعيدة الغور يستنبطها العقل الذي اعتمد عليه كثيراً في توليد صوره وأفكاره، ولأجله عيب في بعض إغرابه وتعقيده؛ومثلك لا يخفى عليه ذلك.
نعم قد يشدنا الغموض في بعض صوره لنعمل على تأويله،وسبر معانيه،وإبراز جمالياته ،وهذا جزء مهم من العملية النقدية،لكن أن يتحول الأمر إلى أن يكون الغموض والتعقيد هدفاً ينشده الكاتب،حتى إذا ما امتعض القراء من ذلك التعقيد قال "إني أرى ما لا ترون" فذلك هو الإبهام بعينه..
أستاذي..
ثقة في رحابة صدرك سيقت تلك الكلمات،ولك مني وافر التقدير.

الأخت الكريمة / هيفاء راشد الحمدان تحياتي الطيبة إليك وإلى إبداعك الراقي
أحب أن أؤكد بداية أنني أؤمن بحق الاختلاف والحوار إلى أقصى درجاته مادام ملتزما بضوابط النقاش ولا أغضب مطلقا من أي اختلاف معي مهما عظم شأنه ، خاصة أنه خلاف وليس اختلافا ، وهذا مطلوب في الأدب والنقد ، فالذائقة تختلف ويتبعها اختلاف مذهبي وفكري .
بالنسبة للنص موضع النقاش : أنا قلت إنه غامض وليس سهلا ، وخاصة أنه يناقش الحداثة وما بعد الحداثة في الأدب ، ويسجل موقف الشاعر منها ، ونظرته الكونية ، وهو مضمون شديد العمق وقد صاغه الشاعر ببنية لغوية اعتمدت التصوير المركب والرموز ، وما يسمى الإحساس المتولد من إيحاءات الكلمات وهي أمور أحببت أن أقدم قراءة خاصة بها ، لعل تكون موضع النقاش ، وأظن أن القراءة أزالت بعض الغموض ، وأبانت بعض الملتبس ، وهذا لا يعني أننا نؤيد ونعضد هذا الاتجاه ، ولكن ينبغي ألا ننفيه ولا نهاجمه ، بل نتفهمه ونتحاور مع جمالياته ورؤاه ، وهذا ما حاولته في تجربتي المتواضعة للقراءة .
دمت أختي العزيزة بخير ، وأنا سعيد بالحوار الموصول دائما .

العزّي
05-11-2007, 01:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

أستاذي المتألق الدكتور مصطفى
أعتز بأخوتك وأستأنس بصحبتك وأستفيد كثيراً من محاورة أمثالك
غير أني أستغرب رأيك في إبداع هؤلاء
هؤلاء الذين لا يملكون القدرة على التعبير ولا يستطيعون حتى الإفصاح عن مشاعرهم ومدّخرات أحاسيسهم فهل نُحسن الظن بهم إلى درجة أنهم سيطرحون أنساقا ودلالات جديدة في الاستخدام اللغوي؟!
أحمد مطر استطاع أن يتأجج بصراحة استطاع أن يثور بوضوح استطاع أن يصرخ باتقان!!
رغم أني لا أقرأ له ولا أحفل بنثره الشعري إلا أني إذا قرأت له أستطيع أن أفهم!!
أستاذي الفاضل:
الشعر هو إحساس صادق وشعور متدفق
هوعاطفة ناطقة ونغم عذب
أويعقل أن يتحول النص الأدبي ( أوما تسمونه الشعر ) أوَ يُعقل أن يكون معادلة رياضية معقدة تحتاج ألى فك رموزها وحل أحاجيها لنصل إلى مغزى قائلها ( إن وصلنا!)
وإن كنت تقارن غموض أبي تمام بغموض هؤلاء فأقول لك:
ألم ترَ أن السيف ينقص قدره
إذا قيل أن السيف أمضى من العصا؟!
أستاذي الدكتور:
ربما أن بيني وبينك مسافات طويلة طويلة إنْ أردت إقناعي بروعة ما يكتب هؤلاء
فما زلتُ أصر على أن الشعر والله أرقى وأعذب من أن يخضع للغموض الملغز
ولكني أحب أن أشكرك على تلك المقالة الرائعة ( مفهوم الحداثة) التي تحدثت فيها سابقاً عن هذه الفئة وفندت مزاعمهم ومما قلت فيها:
(( ... لقد ادّعى هؤلاء أنهم رواد التنوير والتقدم ، واتهموا كل من عاداهم بالرجعية والتخلف ، وصار كل من لا يقرض الشعر على طريقتهم متأخرًا ، أي نشروا إرهابًا فكريًا . وكانت النتيجة : انصراف الجمهور عن متابعة الشعر ، عزلة الشاعر عن الحياة والناس ، الغرق في التعقيد اللغوي ، ربط الموجة الحداثية بالفكر الغربي بشكل عام ، واتخاذ هم العلمانية دينًا وشعارًا ، والغريب أن الدائرة تدور على هؤلاء ... ))
ختاماً أخي الحبيب وأستاذي الأريب:
أشكر لك سعة صدرك في قبول وجهات النظر المتباينة
أعتز بصحبتك
تحياتي لألق حضورك البهي.

هيفاء الحمدان
05-19-2007, 01:34 PM
د/ مصطفى ..
ونحن سعداء بك أيضاً،وبإضاءاتك النقدية الرائعة،ولا نزالً نتابع كل ما يخطه قلمك أملاً بأن تكون النصوص التي تنتقيها توازي حجم إبداعك النقدي..
لك وافر التقدير.

د. مصطفى عطية جمعة
05-29-2007, 01:08 PM
د/ مصطفى ..
ونحن سعداء بك أيضاً،وبإضاءاتك النقدية الرائعة،ولا نزالً نتابع كل ما يخطه قلمك أملاً بأن تكون النصوص التي تنتقيها توازي حجم إبداعك النقدي..
لك وافر التقدير.

الأستاذة المبدعة / هيفاء الحمدان
أسعد كثيرا بقراءتك لما أكتب
وتزداد سعادتي بما يبثه قلمك من حوار فكري ونقدي ينم عن تذوق وفهم عاليين .
تقبلي تقديري وتحياتي .