المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في قصة الحنطه للروائي والناقد د. مصطفى عطيه


لميس الامام
04-29-2007, 11:08 PM
الحنطه للدكتور مصطفى عطيه

الأب بكار :
حتى الحيات ، خرجت تتلظى و تلتمع جلودها المزركشة تحت نيران القرص المتعامد في
السماء ، كأنه يتعقبنا .
أيتها الأفاعي ، كفي عن اللهث ، فلن تنالي من جسـدي و لا جسـد زوجتي " برية "
التي ضَمُر ثديها ، و رضيعنا معلق فيه ، و ابناي ، و ابنتي يجرون أقدامهم
كأنها العصي . هل تطمعين - أيتها الأفعى - في الحنطة التي أحكمت ربطها على
بطني ، و قد حفظت أعداد حبيباتها ؟
تقعرت بطني ، لا يزال النفس يتردد ، فلا تتطلع عيونكم - أبنائي - إلى الحنطة
و إن كان القلب يهُن لكن دقاته تُعالي صوت القذائف التي صَمّت إحداها أذنيّ .
. . هناك في بقايا بلدتنا " بربرة " .
تقوست ساقاي ، ليس بعد ، أمامنا ليالي حتى نصل إلى السلك الشائك للحدود .
تتحسس أناملي الحنطة ، كأن ملمسها نغم . تلسعني عيونهم ، و بريق الروح يتسلل
من شفاههم التي أخرست ضنًا بالرذاذ المتطاير مع الكلمات . لن أقرب حبيبة واحدة
، سأقاوم أيها الرضيع ، ألا تترك قطعة الجلد المعلقة في فيك . افتح عينيك حتى
أشم الروح منها ، أو حرك أصابعك المتجمدة كالعقارب المتناثرة موتا حولنا .
هل تشبع من سكونك . . ؟ لا . . . إنه يُذكّرني بسكون أبي في قبره تحت
الأنقاض ، بينما النيران تتصاعد للنجوم .
السكون في خلاياي . تقترب طاقة النور ، من قلبي . الآن . . . ربما الحنطة . .
. تعزف الموت لي . . . . . و الحياة لكم .
الأم برية :
تصلبت الرمال أمام أظفارنا . أنترك عظامك تنبت الأشواك . الأرض هنا لن تجود
بقبرك . أحكم ربط الحنطة حول بطني . رضيعي " فرح " فارقني مقتلعًا ثديي . ساكن
بجوار من ألقى بذرته في رحمي التصق ولداي و ابنتاي ببطني . . يفكون القماش ،
لا تزيدوا - فلذات كبدي - على كف من الحبات . . ثم أسرعوا بأقدامكم .

الظلام مطبق ، و أجسادنا المتساندة في نومها ترتجف . تلك النجمة ، واهنة
حركتها من المشرق إلى حيث يبتلعها المغرب . هل تتأسين - أيتها النجمة - لوحدتك
في السماء أم لوحدتنا ؟ ها هو القرص يتسارع بخيوط أشعته المحرقة . تفتحت
أبصارنا تتخطى تماس الأفق من بعيد .
شدوا يدي - أبنائي - ليلة واحدة ، منذ فارقتنا يا " بكار " و يا " فرح " .
الحنطة تتناقص و أنفاسكما تلاحقني . دعوا يدي . . فالصمت يملأ جسدي .
عيونكم ستواصل المسير نحو سلك الحدود الشائك ، حيث هناك يهطل الماء ، و
يلمع رذاذه من السماء . الصمت الآن . . .
. . . . . . له رنين مع طاقة النور التي تدنو مني .
الولدان و البنت :
عند رأس " برية " تقول البنت : " لا تنهوا الحنطة حتى نستطيع أن نصل " . توقفت
أسنان الولدين ، كان الأفق ملتفًا بالاحمرار . تلفتت عيونهم ، تصرخ في الجسد
المسجي . . . .
" أين السلك الشائك يا أمنا ؟ ، أفيقي ، و أشيري لنا . . سنعدوا نحوه ، قد
شبعنا . . أشيري . . أشيري . . ".
تقول البنت : " أمنا " برية " مع " فرح " و أبي " بكار" لا تقلقوها " .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النجمة تسرع من المشرق للمغرب ، مرات ، و مرات . . عيونهم . . الآن . . معلقة
بالجسد الذي بدأ في الانتفاخ و قد ازدادت بطونهم تقعرًا ، يصطرخون جوعًا . . .

. . . . . ثم تلاحقت . . . أسنانهم على اللحم المنتفخ .


القراءه والابحار...

للإنسان المبدع نسقه المعرفي المبني أساسا على عنوان النص: شكلا ومضمونا ،
باطنيا كان ام ظاهريا .
اختيار عنوان القصة القصيرة التي قام بكتابتها الدكتور مصطفى عطية يبدو كلوحة غلاف للنص استهلالا ومضمونا فلقد رأيته كعتبة بدون مفتاح ندلف من خلالها الى رؤؤس اقلام النص الداخلي مباشره... ومن خلال هذه العتبه الاستهلاليه (العنوان) امكنني تشكيل رؤيتي الحقيقيه عند متابعتي مضمون القصة من سرد واحداث..
في العادة تكمن أهمية اختيار العنوان في استقطابه بقوة جاذبيته للقارئ، تلك الجاذبية التي تقابلها في مجالات الحياة الأخرى جاذبية اللون والرائحة والملمس. العنوان، كمدخل للنص أراه ضروري للغاية وإهماله قد يودي بأي لنص الى التهلكه.
من خلال قراءتي لقصة الدكتور مصطفى عطية القصيره الحنطه رأيت وهذا من وجهة نظري أن الشكل هو المضمون وان كان رمزا، فالشكل في مساحة قصته القصيرة رسم السطح العميق للجوهر .
وإذا كان الشكل هو الوجه المنظور للجوهر، فقد قام بابداع و اهتمام كبيرين بأشكال العرض الإبداعي بنفس الدرجة التي تم بها اهتمامه بالمادة/الموضوع.
"الحنطة" و في مجتمع من "المجتمعات التي تقع تحت براثن المجاعات فوق مساحات كبيره من يابس كرتنا الارضيه ، رسمها الروائي مصطفى عطيه كرغيف الخبز الذي تتوقف عليه حياة شعوب اضناها الفقر وقتلها الجوع والكفاف والجفاف.. ما كانت الا مفتاح الرمز للدخول الى معاناة وصراع المقصود منهما الاشارة الى صور الموت ومراحل الدخول فيه في سبيل تخطي حدود عالم الجفاف بكل تلك الالام التي حاقت باسرة بكار وامرأته بريه وذاك والامل في الوصول الى ارض الغيث والنماء لانقاذ ما يمكن انقاذه من افراد الاسرة الجائعة المهددة بالفناء جوعا وقهرا تحت انواء الحريق المناخي وما يتبعه من تهديدات كائنات جائعه تماثلهم جوعا بالفتك بكل ما يصافها من اجل لقمة تقيت جوعها وتسد رمقها.
الحنطه كما اراها من زاوية رؤيتي هي بحد ذاتها وجبة كاملة لنص يعتمد في الاصل على تجارب وخبرات اصلية ذات صلة بالموت جوعا..وارى ايضا ان الروائي هنا قد كان يعي من خلال سرده ان النص موجه لقراء عرب هم في غالبيتهم مسلمون يتسربلون بالرحمه والتمازج مع معاناة اخوانهم..فكانت كل ادواته التي استخدمها من مفردات وتصاوير بيئية طبيعية تلائم طبيعة نفوسهم برمزيه تصل قيمة ترميزها الى معظم الثقافات الاسلامية لتندمج احساسا ومعنى ومشاركة شعوب صارعوا الموت من اجل الحصول على رغيف الخبز لقتل الجوع الحنطة اساسه فقد يغامر المرء بروحه وارواح رعيته من اجل هذه الوجبة وحدها.

ولأن الخبز غذاء ضروري في وجباتنا كما هو الحال في المجتمعات العربية الإسلامية، فقد عمد الكاتب الروائي الى الاشارة من داخل قصته القصيرة الحنطة الى حدث يميزها ليصل بنا كقراء -في المقدمة والمضمون – الى ما اودت به سنين المجاعة -في بعض دول افريقيا- من مآس وأوجاع وصراع حتى الموت راسما بالحرف والكلمة للقارئ أعلى درجات العوز والحاجة. فرارا من المجاعة وهذا هو سر جمالية السرد الذي انتمى في المقام الاول الى ثقافة تلك الشعوب..

نص مختلف بحق يستحق بجدارة القراءة والابحار...

لميس الامام

هيفاء الحمدان
04-30-2007, 02:35 PM
عزيزتي لميس..
إشارة مرور فقط ولي عودة بإذن الله..
دمت بخير.

هيفاء الحمدان
04-30-2007, 07:34 PM
مرحباً لميس..
أشكر لك قراءتك الواعية لهذا النص المتميز..

"فكانت كل ادواته التي استخدمها من مفردات وتصاوير بيئية طبيعية تلائم طبيعة نفوسهم برمزيه تصل قيمة ترميزها الى معظم الثقافات الاسلامية لتندمج احساسا ومعنى ومشاركة شعوب صارعوا الموت من اجل الحصول على رغيف الخبز لقتل الجوع الحنطة اساسه فقد يغامر المرء بروحه وارواح رعيته من اجل هذه الوجبة وحدها."
نعم وقد تدور أعظم الملاحم على رحى الجوع،فالجوع فتنة عظيمة تودي إلى هلاك الأمم..
كل فوضى تحمَّل الناس منها * * باهظ الشرِّ أصلها جوعانُ
هكذا قال إلياس قنصل عندما أحس بخطر الجوع حين يكون معول هدم في ظل السياسات الجائرة لقوى الشر،التي هدفها أن يبقى الإنسان عبداً للرغيف..
وما معنى الكرامة والمعالي * * إذا عشنا عبيداً للرغيف..؟!
أي معنى سيبقى للكرامة إذن ..؟
ولعل هذه السؤال قد ألح على البردوني فجعله ينشد:
لماذا لي الجوع والقمح لك؟
يناشدني الجوع أن أسألك..
ففي أضلعي في دمي غضبة
إذا عصفت أطفأت مشعلك..!

قصة الحنطة للدكتور مصطفى نموذج أدبي راق،يحمل مقومات فنية عالية استطاعت أن تعبر عن فكرة لها أهميتها على المستوى الاجتماعي والإنساني عموما..
والكاتب حين كان ينقل الأداء السردي من شخص إلى آخر بعد فناء السابق وانتظار احتضار اللاحق،استطاع بذلك أن يعري صورة الموت جوعاً بأشد ما تكون الصورة إيلاماً وبشاعة،كما كان يرمز بذلك إلى أن الجوع هو عملية تناقصية تبتر أطراف الأمة فموت الوالد والرضيع والأم ماهو إلا موت لطرف من أطراف الأمة مجتمعة،ويظل الشبع -ولن أقول الغنى- بالمقابل عملية تزايدية يحصل بها النماء والخير.
وبإبراز الصورة المقيتة للموت جوعاً على هذا النحو،تحقق الهدف من القصة بتأثر المتلقي وفهمه لأبعاد النص.

تحية تقدير للمبدع الدكتور مصطفى عطية ولصاحبة الاختيارات المميزة والرؤى النقدية الفاحصة لميس الإمام..

لميس الامام
04-30-2007, 10:40 PM
الأخت هيفاء

اجمل التحيات اختي والتقدير كما يليق بشخصك الكريم
أصعب اللحظات حقاً هي لحظة تفر الحروف ويعجز القلم
أمام سحر مداخلتك الرقيقة تلعثم اللسان وقصر البيان
فهل تكفي كلمةأشكرك أيتها الغالية ؟!
لك خالص شكري وامتناني على هذا الحضور الجميل
ودمت بكل الود والنقاء
مع عاطر التحايا وصادق الدعاءلميس الامام

صالح سعيد الهنيدي
04-30-2007, 11:33 PM
قراءة واعية أستاذة لميس
وأجدت في اختيار القصة
فالدكتور مصطفى أبدع في وصف المعاناة
والبحث عن مخرج
شكرًا لكما
وقد تم اختيار الموضوع للموضوعات المتميزة

لميس الامام
05-01-2007, 02:45 PM
اخي صالح الهنيدي..

في المرافئ كنوز ثمينة ..لا بد ان يبحر في امواجها..
وانه لاختيار منك موفق في اختيار النص كموضوع مميز..

لك مني ولناظريك عبق التحايا

لميس الامام

د. مصطفى عطية جمعة
05-02-2007, 01:17 PM
المبدعة المتألقة والناقدة والأديبة / لميس الأمام تحياتي وتقديري لشخصك الكريم
أشد على يديك المبدعة التي حللت النص هذا التحليل المبدع
وبالفعل أثبت أن المبدع - ايا كان - في حاجة إلى ناقد يقرأ أعماله ، فالناقد عين أخرة مبدعة ، والناقد يقدم إبداعا على إبداع .
أجمل ما في دراستك :
- قدرتك على الغوص في أعماق النص بشكل يسير وسلس ، وعرض ثمرات هذا الغوص.
- التعامل الذكي والفاعل مع إشارات النص اللغوية والجمالية ، مثل العنوان .
- قدرة جيدة على التأويل ، وفك شفرات النص .
أخيرا ، أشيد بجهدك الفعال ، وهذا ليس بمستغرب من أمثالك النابهات .
تحياتي وتقديري وشكري

لميس الامام
05-03-2007, 01:11 AM
د. مصطفى عطيه جمعة

تحياتي سيدي وشكري البالغ على تقديركم وإشادتكم الغالية للقراءة والابحار وما هي الا محاولة مني لعرض قراءتي واسلوبي في تقديم الدراسة عن نص خلته أخاذا وجادا يتعرض لقضية غير متداوله على الرغم من اهيمتها وفحوى ظروفها وكان ذلك من خلال قراءتي الاولى لها ..وهذا ما حدا بي الى الابحار والغوص لاكتشاف ما مكنونات النص الرائعه والغير عادية بالنسبة لي...

وسام أضعه على صفحات قراءاتي فخرا واعتزازا بتعقيبكم المتميز..

دمت بكل تقدير واحترام..

لميس الامام

لميس الامام
05-03-2007, 01:11 AM
الفاضل / د. مصطفى عطيه جمعة

تحياتي سيدي وشكري البالغ على تقديركم وإشادتكم الغالية للقراءة والابحار وما هي الا محاولة مني لعرض قراءتي واسلوبي في تقديم الدراسة عن نص خلته أخاذا وجادا يتعرض لقضية غير متداوله على الرغم من اهيمتها وفحوى ظروفها وكان ذلك من خلال قراءتي الاولى لها ..وهذا ما حدا بي الى الابحار والغوص لاكتشاف ما مكنونات النص الرائعه والغير عادية بالنسبة لي...

وسام أضعه على صفحات قراءاتي فخرا واعتزازا بتعقيبكم المتميز..

دمت بكل تقدير واحترام..

لميس الامام