المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثقافة اللون


عبد الغفور السعيد
04-21-2007, 07:58 PM
بقلم: جعفر حسن.
ثقافة اللون

لعل الإنسان وجوديا محكوم بهذا القفص الذي يعيش بداخله، جسد ما نتكون فيه ونعي منه العالم، فمن أطرافه يتحسس العالم من حوله، ليكون فكرة عن الأشكال والألوان والروائح، وملامس الأشياء، وأصواتها وطعومها، لكننا ندرك أننا يمكن أن نستشعر أربعة طعوم للأشياء فقط، تتراوح بين الحلو والحامض والمالح والمر، وتشكيلة من تلك الطعوم لا تخلق فرقا عند التذوق، فيمكن في عصير الليمون أن ندرك بسهولة طعم السكر والليمون الحامض، كما أن بقية الحواس يمكن أن نفصلها بطريقة تكون باستمرار قريبة من الإدراك المباشر للأشياء، إلا حاسة البصر تلك الحاسة التي تجعل الإنسان يدرك الأشياء من بعيد، وبعيد جدا كما أنها تمد الذات عبر الضوء إلى مناطق تقرب من نهاية الكون.

ونعرف أننا محكومون بالقدرة الجسدية التي تجعل لكل إحساس عتبة يجب أن يتجاوز تأثير العالم الحسي الخارجي درجته لكي ندرك ما نحن بصدده، لكن يمكننا التأمل في حساسية العين للألوان تلك الحساسية التي تشير إلى إمكانيتنا إدراك ملايين الألوان، إذا أخذنا بعين الاعتبار درجات اللون المختلفة، كما أنها بطبيعة الكائن تتفاعل مع باقي نواتج الإحساس من أعضاءه الأخرى، لذلك نرى أن اللون الأخضر الغامق في الألوان يوحي بنوع من اللزوجة، بينما يحيل اللون الأحمر الصارخ إلى النار.. الخ.

لغة في لون اللغة

تتعامل اللغة مع مكونات الوجود، وتشير إليها بغير رابط ضروري لازم، واللغة العربية ككل اللغات تقوم بذات الغرضية التي تفترض لا غرضيتها بذات القدر، لذا يمكن تبرير إلا معنى والأدب فيها، فنجد قانونا من قوانين اللغة يشتغل بقوة في تشكلها، وهو قانون الاقتصاد، بمعنى أن استخدام اللغة يميل إلى الاقتصاد في استهلاك الطاقة لمخارج الحروف، ويميل باللغة إلى الاختزال في تكويناتها البلاغية وتركيباتها، وهذا يعني أن كثيرا من العبارات والأسماء الطويلة نسبيا، تختزل وتختصر إلى الحد الذي يتناسب مع اقتصاد اللغة العربية، فأسم دجلة والفرات المتقاربين تميل بهما اللغة إلى الفراتين وهكذا، فلا يمكن للغة المحدودة المفردات أن تميل إلى تسمية كل الألوان المدركة في الوجود بالنسبة للإنسان، أي حولي 10 ملايين لون يمكن إدراك الاختلاف بينها في صفة أو اكثر.

على أنها تلزم اللون بدرجات مختلفة فتقول (غامق، فاتح، داكن، خفيف..الخ) وتنسب للميل نحو السواد بالمحروق، وهكذا تشتغل الصفة مع اللون (فاقع، باهت) على سبيل المثال، وبالتالي من هذه التراكيب يمكن أن تجد حالة تعبيرية عن الألوان المشتقة تفي إلى حد ما بالتعبير عن الحاجات اليومية. بينما تحتفظ بتسمية للألوان الأساسية (الأصفر، الأزرق، الأحمر) والألوان حاضرة في الثقافة (الأسود، الأبيض، الأخضر، البنفسجي،الأرجواني.. الخ)، وتحتفظ بنسبة للألوان التي تختلط علينا (الرمادي،البني.. الخ) ، بينما تميل إلى استخدام ألوان الأجسام المعروفة (البرتقالي، البطيخي، الرصاصي، الذهبي، الفضي.. الخ) لما لا تجد له معادلا، ولسنا نعرف طريقة للجزم بأيهما اسبق هل هو البرتقال أم البرتقالي، كما يبتكر العلم مصطلحات التمييز في استخدام (النقبة، الإضاءة، النصوع، التشبع).

على أننا نجد نوعا من الفقر أللازم في الدلالة اللونية للغة العربية، ولسنا نعرف ذلك السبب الذي يجعلها كذلك، هل لأنها سجلت من لسان البدوي الذي يغشاه فقر البيئة التي تميل إلى سيطرة لون الرمل الرمادي عليها، وهل تسمية الأخضر بالأسود هو ناتج عن ذلك البعد كما في سواد العراق؟؟ وان تفنن اللغويون في تبريره.

البيئة واللون

ترى ماذا سيكون مصير لغتنا لو أنها سجلت من لسان الفلاحين في سواد العراق، تقول كتب البيولوجيا أن الإنسان الأول ميز الألوان لحاجته لإدراك وتميز الفاكة بين الأغصان الخضراء على الشجرة، فليس عبثا أن تميز الأشجار ألوان فاكهتها الناضجة عن تلك التي لم تنضج ولو قليلا، ليميزها الحيوان ويأكلها من اجل نشر بذورها بعيدا عن أماكن تواجد الشجرة، وليس لإشباع الحيوانات المختلفة. كما نلاحظ أن الفلاحين يحتفون بألوان الثياب الزاهية التي ربما وجدت لتمييز الإنسان في الحقل من بعيد، في بيئة يسود عليها الأخضر باعتباره لون الزرع، لذلك تميل ثياب الفلاحين إلى تلك الألوان التي تشير إلى ثقافة الزراعة، تلك الألوان التي لا يحتاجها الإنسان في المدينة.

ونحن نسير في الليل نشاهد بعض الأجانب من الآسيويين في بلادنا يرتدون ملابس داكنة اللون تتماه مع إسفلت الشارع خصوصا في المساء، ونتساءل إلا يفكر هؤلاء انهم بهذا يعرضون أنفسهم لحوادث السير، لكننا ننسي حاجة هؤلاء النفر من العمالة الهاربة إلى الاندغام في البيئة، بحيث لا تعود العين تلحظ وجودهم، انهم بهذا يحافظون على ذواتهم من الانكشاف والتعرف، وبالتالي الطرد خارج البلد.

ويمكن أن ندرك تلك الوظيفة للون في الجيوش التي تسرف في صبغ السيارات واختيار ألوان الملابس للتماهي مع البيئة الموجودة في مكانها، فلون الرمل هو السائد في الخيام والسيارات وغيرها، ذلك الرمل الذي يتخلله بعض الزرع الأخضر، أن الجيوش تبدل كل ما في وسعها لفعل الإيهام بالاندغام في البيئة المحيطة، كذلك تفعل الحيوانات في مستواها الأول وليست الحرباء ببعيدة عن متخيلنا في ذلك، كما أنها في ذات الوقت تسرف في محاولة الكشف عن كل الأشياء.

كما أننا يمكن أن نفهم في هذا الاطار تلك الحاجة للبس الملابس الفاقعة اللون التي تشير إلى الاشخاص وتميز ذواتهم في الحفلات أو في الأماكن العامة، ونلاحظ أن الملابس تعبر عن الحالات المختلفة لنفسية الشخص في بلادنا عبر ما تعكسه الألوان التي يلبسها خلال حياته اليومية، ونلاحظ الألوان الداكنة التي تعبر عن حالة من الكآبة، أو تناسبا مع الطقس الشتوي الذي يوحي نفسه بالكآبة ذاتها.

اللون والترميز الثقافي

ولعلنا نيمز تلك الشحنات الدلالية التي تميل بالألوان إلى تماه مع مرموزاتها التي تحملها داخل الثقافة، فالأبيض في ثقافتنا ذو علاقة مع الطهارة والقداسة، فتخيل هالة الضياء على الشخصيات التي دخلت المقدس تعبير عن تلك القدسية، كما أن بياض الوجه يعني الاستحسان، لذلك ربما نجد أن ملابس الممرضات تميل في اغلبها إلى البياض، الذي يدل فيما يدل على الحيادية والنقاء والطهارة، كذلك توضع الشراشف البيضاء على الأسرة، هل لان البقع تبدو اشد تميزا على الأبيض؟ كما نجده رمزا للولادة في ثقافتنا، فألام تقمط ابنها في البلاد العربية بقماش ابيض يكون رباطه منه، بينما يكون كفن الميت ابيض دلالة على الولادة الجديدة التي ستتم بالبعث، وبذات الإشارات يشحن لباس الحج دلالة على الولادة المعنوية.

بينما يشحن الأبيض في مدلولاته بشحنة سلبية إذ يرتبط بالسلطة على الرغم من سيادة مدلول الحيادية فيه، إلا انه أيضا رمز للاستسلام، كما في العلم الأبيض الذي يرفع في المعارك، وهو رمز السلام كذلك، وربط الحمامة والغراب ذات مدلول لوني بالطوفان العظيم، وبالتالي يعتمد ايضا كقيمة ايجابية في بعض الاحيان، وهو ما يوحي به لباس شرطة المرور في بعض البلدان، فحين يوقفك شرطي المرور تشعر بالاستسلام المباشر الذي يصادر في ذات الوقت حقك في الاعتراض، وليس غريبا أن تطلى به سياراتهم أيضا.

انبعاث التكاثر

يشكل اللون الأخضر في ثقافتنا قيمة عالية، تلك القيمة التي تحيل إلى النماء والاخضرار، فليس غريبا أن قصة (الخضر) تشير إلى اخضرارا المكان الذي يتواجد فيه، كما أنها إشارات لا تغفل عن التكاثر، حيث يلف مهر العروس في مجتمعنا البحريني بلفافة خضراء عند تقديمه، تيمنا بالنماء والتكاثر، كما إن لباسنا الريفي الذي بدأ بالانقراض تماما والانسحاب أمام الموضة، كان يبجل اللون الأخضر في تكوينه، خصوصا في الألبسة النسائية للجزء الأسفل من الجسم (السراويل). بينما يلتحف الأطباء باللون الأخضر في العمليات، ذلك اللون الذي يمل بلون الدم إلى السواد حين السقوط عليه لتخفيف وقع لونه الصريح على اللباس والنفس في ذات الوقت.


الشحن السلبي

ويحمل السواد في ثقافتنا شحنة سلبية خصوصا في المتخيل، فالسواد المفترض في الوجه، الذي يعني حالة من الازدراء وتحمل شحنة ذهنية سلبية تماما، فحتى داكن البشرة يمكن أن تقول له (بيض الله وجهك) بينما يمكنك أن تقول للأبيض (سود الله وجهك) وبالعكس، على أن السواد هو الحامل لمدلول الموت، فالنساء في بلادنا العربية يتشحن بالسواد في حالة موت عزيز، كما يفعل الرجال أيضا، وتلصق شريطة جانبية على صورة الميت سوداء اللون أيضا.

لون خامد

على أن اللون الأسود في ثقافتنا العربية في تجلياتها المحلية على منطقة الخليج العربي وعموم العراق، قد ربطت المرأة باللون الأسود، في ذات الوقت الذي ربطت فيه المرأة بالبيت، فحيث أن الشارع عالم ذكوري، مخصص لهيمنة الذكور، كانت المرأة ممنوعة من الخروج إليه، ولما كانت المرأة مضطرة للخروج لتسيير أمور الحياة، فرض عليها تلبس حالة الحياد الذي يمثله السواد اللوني، كما أنها تحمل في مرموزاتها تلك الحالة المنزلية التي تحملها المرأة وهي خارجة عن المنزل، حيث أن الثقافة اختارت لها اشد أركان المنزل ظلمة، ومثلته في العباءة التي تغطيها من بالكامل حتى لا يكاد يبين منها شيء، دلالة على أنها مصانة في الشارع المعادي أمام عيون الذكور الأخرى التي بالنظر إليها تدنس حريم الذكر الآخر (الأب، الأخ، الزوج)، وبالتالي هي خارجة في حياديتها لا تهدد ذكورة الشارع من جهة كما أنها تحمل ظلمة المنزل الرمزية التي تشكل سياجا منيعا أمام ذكورة الآخرين من الجهة الأخرى، إنها مصادرة الذات في حرب ذكورية وهمية لا علاقة للمرأة بها إطلاقا، ويجب أن لا ننسى أن اللون الأسود هو لون محايد على اعتبار انه ألا لون في ذاته.

الأدب واللون

يتميز اللون باعتباره من جماليات المكان، وإن لم يكن في ذاته مكانا ما، لكنه يرتبط في الوصف بجماليات الغروب وألوان النباتات والخضرة .. الخ ، في ذات الوقت يرتبط بجماليات الزمن الذي يشع فيه السواد أو لون الشفق .. الخ، ولعله يظهر في السرد كذلك ، لكنه في الشعرية يرتبط حسب ما يطرح الدكتور علوي الهاشمي بتلك المشاعر التي بردت مع الوقت، عندما يطل من القصيدة، على أن الفعل اللوني يظل معبرا عن المشاعر في السرد، ولعلنا نلمس هذا الجانب في الشعرية البحرينية فيما سيتاح لنا من وقت.

حسن الشمراني
04-21-2007, 09:23 PM
غوص رائع في أعماق اللون ..
لاشك أن للألوان ثقافة تختلف بإختلاف ثقافات الشعوب ..
وقد لاأضيف شيئاً اذا قلت أن مدلولات الألوان تختلف باختلاف الثقافات والشعوب ..
والجزيرة العربية تزخر بالعديد من الثقافات اللونية والتي ربما يعود أغلبها الى البيئات المختلفة في المناطق المتعددة فمن الواحات الخضراء الى الشواطيء المخضبة بزرقة البحر ومن الفيافي الفاقعة الصفرة الى الجبال والكهوف المتدثرة بعباءة السواد الخجولة .

تحياتي لمشاركة الأكثر من رائعة أخي عبدالغفور سعيد وأتمنى أن يستمر هذا العطاء وهذا التميز .
دمت رائعاً .

oOo~ الأسطورة ~oOo
04-22-2007, 12:19 PM
مع اني ماقريت الا مقتطفات منها الا انها حازت على اعجابي
شكرا لك اخي الكريم على المعلومات الثمينة
واستاذنك بتثبيت الموضوع . . . دمت بالف خير