المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " من مذكرات طفل الحرب " للعراقية وفاء عبد الرزاق


فوزي الديماسي
04-20-2007, 09:16 PM
بين الذكرى و الحلم مسافات بعيدة ، و قفار عنيدة ، وشوك وسقوط ودموع وفراغ ،
و على صدر الروح الوحيدة الثخينة " الذات الشاعرة " يجثم جبل الصباحات الموءودة يداعب أشلاء طفولة ضلّت طريقها إلى ابتسامتها البريئة و لاذت بالدويّ و الرصاص . الذكرى و الحلم وجهان لشجن واحد اتخذته الليالي الحالكات مستقرّا و طوّقت به جيد ديوان " مذكرات طفل الحرب " لوفاء عبد الرزاق.


هذا الديوان المضرّج في جراحه المتناسلة يتقاذفه شعوران : شعور بالدفء يجد ظلّه المنشود زمن هجير الأشلاء و الغربة الباردة في ذكريات انصرمت ، و انفرط أريجها كحبّات عقد و لم يبق منها بالتالي إلا رجع صدى يتردد خافتا في قاع الذاكرة المتعبة ،
و شعور بالبرد تتقاذفه أمواج وحدة صرصر نحو شاطئ مهجور و ديار اتخذها البوم وكرا ، و الذات الشاعرة بين دفء الذكرى و برد الحلم الممزّق و راهن يزفّ للطفولة على مذهب الذئاب أشلاءها المتناثرة على حافة الشراسة كقصبة ضعيفة تحاول بين الفينة
و الهمّ لملمة بعض من سكينتها و لكن أنّى للسكينة أن تسكن في فؤاد مجبول على الدموع و الرصاص و التيه:
كان العود شجرة
كانت الشجرة زحاما
و رفيقا آتي إليه
كلّما غنّى المطر
أغنية البرتقال
أغنية هي الآن
وحش المستقبل
" من مذكرات طفل الحرب " كتاب مفتوح على أشجان متعدّدة مثلها كمثل جداول متكاثرة تجري أرقا لتصبّ في نهر كئيب ، إنّه نهر الذات الشاعرة المهزوزة و المهزومة ، و مردّ هزيمتها و اضطرابها و تقوقعها على ذاتها المنطوية على ذاتها إلى راهن عقيم متعفّن ، راهن ضارب بقدمين متورّمتين في أعماق السقوط و الانحدار. حتى الطفولة المحمولة على البراءة و الانطلاقة و الفرح أصبحت على عهد هذا الراهن المتأزّم و الكارثيّ شجرة مجتثّة الفصول ، تحمل ملامحها علامات القحط و البوار و الأفول ، ترنو للكون لا من خلال الصفحة البيضاء على مذهب جون جاك روسو التي من المفروض أن تكون عليها الطفولة بل تنظر للعالم من خلال ثقب شوكيّ حالك صنعته رصاصة .
و قد لعب التماهي في الديوان دوره في المواءمة و الملاءمة بين الطفل و الحرب ، حتى أصبح إليها ينتسب ، و بها يعرّف ، و منها نسل ، و إليها مرجعه ، و يبدو ذلك من خلا التركيب الإضافي الموسوم به عنوان المجموعة " طفل الحرب " و كأنّ بالحرب ها هنا أمّه و أباه و النفخة الاولى و وجهه الذي يمشي به بين الناس ، فالطفل جزء من ذاكرة الحرب و بالتالي فالحرب بظلامها الدامس وويلاتها جزء من ذاكرته هكذا ينبئ عنوان المجموعة تصريحا و تلميحا :
لست بحاجة لأب
كما لست بحاجة لجمال الفصول
أو لأمّ بردائها تفتح الدروب
الدائرة كما تصورها الجغرافيّ
تكره التحايا صباحا
و تكره أن أدعى حلما مثلا
ممتنّ لها جدّا
تلك الرصاصة التي
ستصبح أسرتي القادمة
حقّا لست بحاجة
إلاّ لمزاج الدويّ
فللدويّ حكمته ، و لصوت الرصاص نكهته في تكوين ماهية الطفل و كنهه ، صورة مكوّنة على إيقاع الحرب ، صورة تكرع من الإنفجارت و الأشلاء حدّ الثمالة ، حتّى باتت الأجنّة على ايقاع الرصاص في الرحم الكارثّي تروح و تغتدي ، كالذات الشاعرة الموسومة بالتململ و لعلّ لعبة الضمائر في ديوان وفاء عبد الرزاق لا تشي بتعدّد الشخوص فالمراوحة بين الذات الشاعرة و الطفل لا تشي بثنائيّة و إنّما تحكي المطابقة بين هذا و ذاك و تحاكيها و تكشف بذلك النقاب عن وجه واحد متجهّم و مجبول على صوت الدويّ و رؤية الأشلاء التي التصقت به و باتت جزءا من حياته و هويّته القائمة على زلزالية الرؤية و كارثية الرؤيا مادامت الرصاصة عنوان بيته و كنية أهله ، فالذات الشاعرة و طفل الحرب منخرطان في معادلة الوجه و القفا ، كلاهما صنو الآخر و شبيه به ، يعيشان سويّا على إيقاع الخيبة محاذاة النعل بالنعل
الذين نسوا لعبهم ارتدوا آخر قمصانهم
ثمّ التحمت أشلاؤهم بي و كأنّها تنتظر زائرا
و الذين يصلحون لرواية المشوّشة
سيقرؤون في كتب التراب
عن أطفال من أغلفة الرصاص
" مذكرات طفل الحرب " يرصد أزمة ثلاثا الماضي و الراهن و القادم ، و هذه الأزمنة كمثل الطفل و الذات الشاعرة في الديوان لا علاقة لهم جميعا بالزمن الفيزيائي و إنما زمانهم نفسيّ إذ تختزل الذات الشاعرة الأزمنة في زمن واحد ذي وجه واحد هو الشجن المحيط بهذه الذات الجريحة و المسيّج لها و لعوالمها و الآتي على الاخضر و اليابس ، حتّى الأحلام طالها نقيق الدويّ و أظافر الرصاص فاغتالها في المهد ، فعدّ بذلك الحلم / الوهم شيئا مؤجّلا و زمنا هاربا منفلتا من لحظة القنص ، يعيش خارج سياق الزمن و الممكن على غرار الامس الدافئ و الراهن الكارثي و كلاهما ملطّخ بالغياب سواء كان غيابا اغترابيا أو غيابا مفروضا ، و كلاهما مهشّم على صخرة المنايا و العويل و العواء
أمس
أخذته مدرسة عاليا
كغرّة بياض للصفّ
و جنتاه اليوم
سكرتان تتمشّى عليهما الجراح
عيناه على رصيف عائم
فلتت منهما الصور
شارد ماؤهما حيث اله آفل
تسدلان أوراقهما لتناسل الرماد
نافر غضبهما المنكّس
الحلم و الطفولة في الديوان أشياء مؤجّلة إلى وقت غير معلوم ، وقت محكوم بثقافة القنا يقرع القنا على حدّ تعبير الشاعر المتنبّي ، فطبول الحرب و الشوارع الغارقة في الأشلاء و الصمت الرهيب و الظلمة المتلبّسة بالغد الشريد أثافي حياة الطفولة و الذات الشاعرة على حدّ السواء ، وجهان طلعا علينا في الديوان كالمرجل المعبّأ بالأنين تلتهمه النار نار الغربة و التأوّه و السقوط ، قدره الذوبان في أرض لا عهد لها بالخضرة و المياه و زقزقة الصباحات المضيئة على فنن الوجود الرافل في النور نور الفجر الوليد

هيفاء راشد الحمدان
04-21-2007, 03:35 PM
أستاذ فوزي...
أهلاً بك مجدداً..
لم أسمع رنة الشعر في هذه النصوص ،وهي بكثافتها التصويرية ولغتها التعبيرية تخلق جواً شعرياً لكنه صامت الأجراس،وكنا قبل أيام نحكي عن عدنان الصايغ ونهاية الشعر..!
نعم أستاذي حملت النصوص قيمة فكرية عالية،وصورت الطفولة المذبوحة غدراً، والدماء المسفوكة قهراً،وكان ينقصها فقط أن ترن في آذاننا شعراً..

تحياتي لك.

فوزي الديماسي
04-29-2007, 02:34 PM
" لم أسمع رنة الشعر في هذه النصوص "
............. تلك هي طبيعة النصوص النثرية يا هيفاء

" وكان ينقصها فقط أن ترن في آذاننا شعراً.. "
ثم لا حيث عن الأذن و الذائقة في النصوص النثرية لأنها نصوص قطعت مع كل ما هو ايقاع و موسيقى ، فهي أعمال تقوم على موسيقى اللغة و الصورة و التكثيف تلك هي طبيعة قصيدة النثر