المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتابة الجسد : إشكالية المصطلح وأزمة الفهم


د. مصطفى عطية جمعة
04-19-2007, 05:05 AM
كتابة الجسد : إشكالية المصطلح وأزمة الفهم
بقلم /د. مصطفى عطية جمعة
مصطلح " كتابة الجسد " تعبير شاع في الأوساط الأدبية في السنوات العشر الأخيرة ، ويعني أن يعبر الأديب عما هو موجود ملموس حسي بالنسبة إليه ، ومن هذا الحسي جسده ، هذا البناء العضوي الذي يحوينا ، ونتعايش به ، ونتلذذ بحواسه . وطرحوا مفهوم التعبير عن الجسد بكل أعضائه ، دون التفرقة بين عضو وآخر ، ويستطيع القارئ الفطن أن يعي أن هذه الفكرة تحمل في ثناياها مفهومًا ماديًا أساسه : لا للروح ولا للتعبير عنها ، لأنها غير ملموسة ، وإنما التعبير عن الجسد المادي فقط ، وأنه لا قيود أخلاقية على الكتابة الجسدية ، فلا فرق بين اليد والأعضاء الجنسية ، فالمنظور ثابت : نعبر عن كل جسدنا ولذائذه ، مثل لذة الطعام والشراب والجنس .
وكي نناقش هذا المصطلح بشكل هادئ متجرد ، ومن وجهة النظر الغربية ، يجدر بنا تعميق جذوره التي تعود إلى فلسفة الحداثة ، في نظرتها الإيجابية إلى الماديات والجسد والأشياء ، فقد تعاملت الحداثة مع المادي منطلقة من كونه كائنا ، نعايشه ، ويمكن التحاور معه، والبحث في تكوين علاقات مع هذه الأشياء ، وفي الجسد الواحد : لا أحكام قيمية وخلقية في أعضائه ، فكل أعضاء الحس سيان ، لا تعظيم لحاسة البصر في نظرتها للسماء أو تحقيرها في نظرتها إلى امرأة عارية ، فكل ما يقوم به البصر لا خجل منه . ونفس الأمر ينطبق على أعضاء الجنس : لا خجل منها ، والتعامل معها بوصفها جزءًا لا يتجزأ من الجسد ، وجزءًا لا يتجزأ من المشاعر والأحاسيس ، وهم يرون – كتّاب الجسد – أن الجنس مكون أساس في المنظور البشري للأشخاص والمواقف ، كامن في الأعماق ، ومن المهم إخراجه ، دون خجل ، على الورق ، فالكتابة الإبداعية عمل صريح لا نفاق ولا رياء فيه ، ولابد من كتابة مشاعر كل عضو جسدي دون الحياء من ذلك ، فنكتب مشاعر اليد والرجل والعين والسمع والتذوق ... إلخ .
إن هذا المنطلق الفلسفي يعود إلى بنية فلسفة الحداثة التي اعتمدت الصراحة والمكاشفة سبيلا ، وسخرت من كل الأديان والقيم المجتمعية القديمة ، وعدّتها عاملاً من عوامل النفاق والتسطح الاجتماعي ، وأن هذه القيم المتوارثة سبب في اشتعال الحروب والأزمات المجتمعية . وقد تدخل الفكر الماركسي أكثر في هذه النظرة ، حيث دعّم ذوو التوجه اليساري هذه الرؤية في فلسفة الحداثة ، منطلقين من جوهر الفلسفة الماركسية التي اتخذت التفسير المادي للتاريخ والمواقف منطلقًا ونظرت للدين نظرة سلبية " الدين أفيون الشعوب " ، فالمتشددون أنكروا الدين تمامًا ، والميسرون رأوا أن الدين كان وسيلة إلهاء وإغواء للشعوب عن قضاياها، وفي كلتا الحالتين لابد من إقصائه ، وهو مفهوم علماني منسجم من المجتمعات الأوروبية الحديثة ذات الطابع العلماني في الفكر والفن .
كما أن أطروحات " دارون " التي رأت أن الإنسان قردي الأصل ، فهو حيوان متطور مرتق ، جعلت كثيرًا من المبدعين يرغبون في التمسك بالجد الحيواني ، رافضين أي نقاش أساسه الفرادة البشرية في الخلق والهيئة ، والمنظور الديني الذي كرّم الذات الإنسانية ، وجعلها منزلة من الجنة من عند الله .
كذلك تغذت هذه الرؤية بما طرحه عالم " فرويد " الذي جعل الجنس ( مع الطعام والشراب ) من حاجات الإنسان الأساسية ، ولايمكن بأي حال تجاهلها . ولابد من الإفصاح عنها ، فالكبت الجنسي يرسّخ في النفس الكثير من العقد التي تؤرق صاحبها ، وتدفعه لتصرفات شديدة الغرابة .
ويجدر بالذكر أن هناك فرقًا في المصطلح بين : كتابة الجسد ، والتعبير بالجسد، فالأول : يعني : الكتابة بشكل مباشر عن مشاعر الجسد وأعضائه ، أما الثاني ، فيعني : التعبير – في الكتابة – بأعضاء الجسد ، بأن يتحرك البطل في مسرح السرد بأعضاء جسده ، فيقفز ويضحك ويضرب ويثغو وينتقل ، دون الاستماع إلى المشاعر والأحاسيس وصوت العقل والإدراك ، وتفسير الأحداث وتعليلها عقليًا .
وتكمن الإشكالية في المصطلح – بالنسبة لنا نحن العرب – الفهم الخطأ والمتسرع له ، وهذا الفهم أنتج مبدئيًا الرفض الكلي من فئات كثيرة ، من المثقفين والمبدعين الذين رأوا فيه إهدارًا للقيم الأخلاقية الرفيعة . ونحن نؤكد أن المسألة ليست في قبول أو رفض المصطلح ، وإنما في فهمه بشكل حقيقي وواضح ، ومن ثم مناقشته مناقشة عميقة ، فما أسهل الرفض ! ولكن المترتب على الرفض أن بعض الناعقين من الشباب الذين يبحثون عن التجديد والبروز ، يجعلهم يتشبثون به مدعين الحدة والتطور ، في مواجهة شيوخ متأخرين متجمدين . وهذا – في رأيي – لم يحدث بشكل موسع ، ربما لطبيعة الصراخ والحوار عالي النبرة ، الذي لا يسمع إلا ذاته ، ويكتفي بالقشور ، ومن ثم الرفض . ومن ثم تضيع الكثير من التداخل العقلاني الهادئ في حقول النقاش العالمي ، وتختفي بالتالي أصوات المثقفين العرب وأطروحاتهم ، ليظل المشهد الفكري الغربي والعالمي خاليًا من روافد الثقافة الإسلامية والعربية . وبعبارة أوضح : لنناقش الفكرة والمفهوم قبل الرفض أو القبول . وهذا يستتبع العرض المحايد للفكرة في أدبياتنا ، ومن ثم مناقشتها وفقًا لقيمنا وثقافتنا ، وتصاغ الأوراق والبحوث في ذلك .
ومن ناحية أخرى ، فإن مناقشة الفكرة لا يعني قبولها ، بل يعني التعرف عليها ، والوقوف على ما فيها ، والأهم التعرف على الأبعاد الفلسفية والاجتماعية التي خرجت منها ، فإنها وليدة مجتمعات غير مجتمعاتنا ، في المنظومة الفكرية والدينية والأخلاقية والعلمية .
ولكن لم يحدث هذا في المراحل الأولى لدخول مصطلح " كتابة الجسد " في أدبنا العربي ، فقد نقلته مجموعات من الشعراء الشباب الذين اطلعوا عليه في أواخر سني الثمانينيات من القرن العشرين ، ومن ثم عملوا على ترويجه ، منطلقين من العناوين العامة له : كتابة كل أعضاء الجسد ، وكالمعتاد تم اختزال المفهوم إلى كتابة أعضاء الجنس فقط ، ومختلف التعاملات والمواقف التي تدور في فلكها . فكانت كتابات جماعة الجراد الشعرية ، وبعض قصائد النثر ، وبعض القصص والروايات ذات المضمون الجنسي الصارخ . مما دفع أحد النقاد الكبار (د. علي عشري زايد ) الذي اطلع على نماذج من هذه الكتابة يصرخ قائلاً : " إن كان هذا شعرًا فكلام العرب باطل " ، مستشهدًا بهذه النماذج الرديئة ، ولتبدأ بعدها معركة صاخبة ظلت سنوات بين شد وجذب ، حتى خبت الموجة ذاتها ، ليبدأ النقاش الهادئ .
في تصوري أن كتابة الجسد فكرة جيدة ، وهي متحققة بأشكال كثيرة في أدبنا العربي ، القديم والحديث ، فسرديات العرب ( النثرية ) تحفل بهذا اللون بشكل كبير ، وما كتاب البخلاء للجاحظ إلا نموذج راق لهذه الكتابة ، ففعل البخل جسدي نفسي بالأساس ، وجل المواقف التي ساقها الجاحظ تعبر عن مدى تعطش الجسد إلى الطعام ، وأنانية البخيل وزهده في إشباع معدته وشهوته .
كما أن " المقامات " – بوصفها قصصًا – فيها الكثير من الكتابة الجسدية ، ففكرتها المحورية التحايل من أجل الحصول على الطعام والشراب دون تعب ، ودون قيم . وفي ألف ليلة وليلة كثير من القصص ذات المعطيات الجسدية ، من حرمان وشوق وسعادة ، ونفس الأمر نجده في كتاب " الأغاني " للأصفهاني ، وإن اشتمل على كثير من صور التهتك والمجون ، ولكن المفهوم واضح فيه .
فالمبدعون القدامى حققوا الفكرة ، وصاغوها ضمن إطار فلسفي وفكري راق وبعضهم انحدر ، ولكن تحقق ، مثلما تحقق أيضًا في الشعر الجاهلي ( امرئ القيس نموذجًا ) ، وفي الشعر العباسي ( البحتري وأبي نواس .. ) .
وفي العصر الحديث وجدنا أشكالا رائعة من القص عبرت عن ذلك ، ولعل تجربة القاص " محمود البدوي " التي ارتكزت على فلسفة فرويد خير مثال ، ولكن البدوي صاغها في إطار نفسي اجتماعي ، جعلته يتربع على عرش القص في سني الأربعينيات من القرن العشرين .
إذن ليست المسألة كونه جديدا أو قديما ، ولكن المسألة : هل قمنا بقراءة تراثنا وفقًا لهذا المفهوم ؟ إن أي ظاهرة أدبية لابد أن يكون لها جذور ، وتكمن موهبة من يؤسس لها في قدرته على صياغتها فكريًا وفلسفيًا بشكل متكامل ، يجعلها في مصاف النظرية ، وليست مجرد خواطر متناثرة .
ويبقى السؤال الملح : لماذا لا نقوم بدراسة التجربة كلها في تكوينها واستوائها ضمن مناهج : الأدب المقارن بوصفها ظاهرة أدبية في الأدب العربي والأدب الغربي في العصر الحديث ؟ أو نقوم بدراستها ضمن القراءة التحليلية لتراثنا النثري والشعري القديم والمعاصر ؟

خالد السلمان
04-19-2007, 01:00 PM
الفكرة جيدة يا دكتور
ولكن ألا يحدث الإغراق في كتابة الجسد
السباحة ضد تيار الفكرة العاطفية والروحية للأدب ؟
حيث إن الأدب هو ما يدعو إلى السمو الروحي والعاطفي والشعوري
شكرا لك

هيفاء الحمدان
04-21-2007, 12:26 AM
مرحباً دكتور مصطفى..
السلوك الإنساني منذ قديم الأزل يدور في فلك واحد مهما تعددت اللغات واختلفت الأجناس،نعم هناك اختلافات يحكمها الدين أوالعادات والأعراف،لكن يظل ما هو إنساني وما هو فطري لغة عالمية يفهمها الجميع،ومن هنا من الممكن أن نلتقي في ثقافتنا عند هذا المحور -أعني الإنساني- ولو بحثنا في مجال الأدب المقارن عن أوجه التشابه والاختلاف بين أدبين عالميين لكان بالإمكان أن نقف على ثروة أدبية من الموضوعات البكر،وكثير منها في كتب التراث الأدبي التي لم نعطها حقها من الاهتمام والعناية،فبعض المصطلحات النقدية الحديثة حاضرة في هذه الكتب القديمة،ولكنها تريد من يستنبطها ويزيل عن وجهها الغبار لتبدو أكثر وضوحاً..
المشكلة أننا اعتدنا للأسف أن تصدر إلينا المصطلحات من الغرب،حتى إذا ما أدخلتنا أزمة المصطلح في جدلية الأصالة والحداثة،علت أصواتنا وانبرى كل فريق للدفاع عن رأيه والتعصب له،ولو أننا وجهنا هذه الجهود نحو تراثنا الأدبي وفتشنا فيه عن المصطلحات والمنهجيات النقدية لفزنا بأولية السبق،ولكن زامر الحي لا يطرب..
وحتى ينعق ناعق الغرب،منا من يطرب ومنا من يغضب..!

شكراً لطرحك الواعي أستاذي الكريم.

د. مصطفى عطية جمعة
04-25-2007, 08:50 PM
مرحباً دكتور مصطفى..
السلوك الإنساني منذ قديم الأزل يدور في فلك واحد مهما تعددت اللغات واختلفت الأجناس،نعم هناك اختلافات يحكمها الدين أوالعادات والأعراف،لكن يظل ما هو إنساني وما هو فطري لغة عالمية يفهمها الجميع،ومن هنا من الممكن أن نلتقي في ثقافتنا عند هذا المحور -أعني الإنساني- ولو بحثنا في مجال الأدب المقارن عن أوجه التشابه والاختلاف بين أدبين عالميين لكان بالإمكان أن نقف على ثروة أدبية من الموضوعات البكر،وكثير منها في كتب التراث الأدبي التي لم نعطها حقها من الاهتمام والعناية،فبعض المصطلحات النقدية الحديثة حاضرة في هذه الكتب القديمة،ولكنها تريد من يستنبطها ويزيل عن وجهها الغبار لتبدو أكثر وضوحاً..
المشكلة أننا اعتدنا للأسف أن تصدر إلينا المصطلحات من الغرب،حتى إذا ما أدخلتنا أزمة المصطلح في جدلية الأصالة والحداثة،علت أصواتنا وانبرى كل فريق للدفاع عن رأيه والتعصب له،ولو أننا وجهنا هذه الجهود نحو تراثنا الأدبي وفتشنا فيه عن المصطلحات والمنهجيات النقدية لفزنا بأولية السبق،ولكن زامر الحي لا يطرب..
وحتى ينعق ناعق الغرب،منا من يطرب ومنا من يغضب..!

شكراً لطرحك الواعي أستاذي الكريم.

الأستاذة / هيفاء الحمدان تحياتي لشخصك الكريم المبدع الواعي
أتفق معك في طرحك ، وأرى أننا في حاجة إلى قراءة مستمرة لتراثنا ، وهذا لا يمنع من التحاور الإيجابي مع المنتج الفكري الغربي بشكل عام ، وفي النقد بشكل خاص .
تحياتي وشكري