لميس الامام
04-16-2007, 08:41 AM
مشاهدات ... صغيرة.
الحافلة
الصبح مأتمٌ ... والشمس دمعةٌ
وفي الفؤاد نارْ
في زحمة الطريق ...
ولفحة الحريق ...حط الغريب يقذفه
- على رصيف الغربة - القطار
يفتش الوجوه
ويرقب العيون
ويشكو من دوارْ
يسير في الزحام
وموجة الظنون
قد مله الصديقْ
ومله الطريقْ
ومله النهار
و مل الانتظارْ
***
وقفت بالطريق
كي يهدأ الطريق
لأعبر الطريق.
وعابرو السبيلْ
عيونهم غضبْ.
تمر حافلةْ
بطيئة ... بطيئةْ
توزعُ الدُخانْ
وتنشر الغبار والحزن واللهب.
يطل من زجاجها المهشم القميءْ
عابرو سبيلْ
عيونهم غضبْ.
أدارت ظهرها لي عند المنحى
لمحت في زجاجه العريض المتسخْ
جبين طفلة
بكفها الصغيرْ
أشارت فاندهشْتُ
أشارت مرتينْ
صحوتُ ... وانتبهـْتُ
أشرت مرتين لها ...
فتـبـسمَتْ
******
الصبح بهجة ٌ
والشمس ضحكة ٌ
والشوق للحياةْ
في قلبها محارْ
ووجها بهي ٌ
وكفها ندي ٌ
وعينها نهارْ
- يده الصغيرة :
ولهيب الصيف
يطاردهم ْ :
الناس قطيع في الطرقات
يفر من الوحش الكاسرْ
أتصبب عرقا وهموما
أتحين لحظة أن أعبر
شارعنا المشتعل الهادرْ
كفي متسخٌ بسواد
إذ أ ُمْسكَ غيظا من سأم
بصحيفة خبر يومية
وغبار يملأ حلقومي
قلبي مشتعل بالأحداثْ
أشعر بالغربة تنهشني
إذ أن الوحشة تسكنني .
ألمح في الدرب على بعد
امرأة تركض في عجل
وتجر صغيرا من يمناه.
تبطئ....
يبطئ ُ
تـُسرعُ ...
يسرعُ ...
يركضُ ..
يتعثرُ في حجر
يسقطُ ...
أو يبكي ...
أو يصرخ ُْ
يمسح دمعته في كـُمهْ.
لكنْ الدهشة تـُسكتني ... !
(ما أفلَتَ يده من أمــه.)
- قطعة حلوى :
فوق الرصيف الشارع تقعيْ .
(بين جدائل تقطر وسخا ,
يبدو وجهٌ يشبه قمرا)
وملابسها تبدو مزقا ..
في قدميها وحل الشارع ..
في عينيها قهرُ عذابْ
بين يديها قطعة حلوى
تلعق شيئا من سُكرها ..
في خديها بعض ترابْ.
ويشاركها ماءَ الحلوى
سربُ ذباب.
الشاعر محمد نديم في رأيي المتواضع يعتبر واحدا من قلة من شعراء التغريبة ..فقد كتب محمد نديم الكثير من القصائد واللوحات الشعرية الملونة بماء الشوق والتوق الى تراب جذوره وجوار الوطن.. والتي ركز عليها في قصائده حتى اصبحت موطنا له يناجي من خلالها الحبيبة ويصور اللهفة الى العودة من تغريبة عمر والتي كان لموطنه الاصلي – اسوان – دور كبير في تشكيل حالات بعينها يغلفها اشتياق لذكريات الطفولة والشباب..من منهلها تنبع أحاسيسه لتصور الغربة كما يراها من زاوية مشاعره الرقيقة..
في هذه القصيدة التي نطل من خلال شُرَّاعاتها المفتوحة على بحر وقائع ترتكز على مشاهد عديدة صغيرة شكلت برمزيتها ومن خلال تصوير الحركة والزحام وتسجيل مجريات أحداث مجردة ، عالم جديد ، يجذبنا اليه عالم لم يبعدنا عن واقع خيالي في صياغة جديدة تتجلى فيها أدوات البلاغة شاملة بحر التخيل نظمها الشاعر بديباجة خاصة به اكتنفت ظلالها شقاء العالم المحيط بنا ..شقاء عالم لم يعرفه الكثيرون منا..
الشراعة الاولى:
فتحها لنا الشاعر محمد نديم على مصراعيها – بافتتاحية رائعه - لنرى صبح التغريبة وقد تحول الى مأتم تبكيه الشمس حيث حط ذلك الغريب على رصيف ميناء قطار مقذوفا رغما عنه وكأنه الضال الباحث عن حقيقة يبحثها في كل الوجوه يستشفها من كل العيون المزدحمة اللاهية في حركة اصابته بدوار الغربة والوحدة وقد زادت من مفاجأة الموقف سقوطه دون ان يعي انه تحت ظل سقف في طريق حاد به عن سيل عابري سبيل غاضبين متذمرين في صبيحة يوم لم يبدأ نهاره بعد .. والى ان يهدأ هذا السيل الجارف المحمل بغضب السائرين يفسح لنفسه في سقطته تلك طريقا يلج منه الى هذا العالم متفاديا ان يهوى مع الرهط الى جرف قساوة الازدحام .. بل ليحلق الى قمة الابداع الوصفي .
ولكي لا يظل عالقا في مخدر الانتظار..فمن حيث سقط ، أخذنا ببراعة المصور الفوتوغرافي الى قمة الوصف في مشهد يرسمه في صور حركية متتالية صورت مظهر الشارع بحافلات حبلى باجساد الغاضبين تمر بالتواءاته كثعبان ينفث السم على شكل دخان وحزن ولهب ..ومنها الى مفارقة جميلة تبرز كوجه ملائكي لطفلة بجبين طاهر وضاء ، صورها بعدسة فائقة الاتقان كأمل يشرق من خلال غمامة الزجاج المتسخ متفاعلا ، مدخلا الى نفس هذا الغريب شيئا من الامل مفيقا اياه من خدر الانتظار والخيال ...ولينقلنا بسلاسة متناغمة الى فصل اخر من مشاهد الزحام القاتم متمحورا في هنيهات قصيرة من حالة التغريبة الى حالة اشبه بواحة يتبرد في بركتها تكتنفها بهجة الصبح والشوق الى الحياة من جراء تلك الابتسامة والوجه البهي الذي فتح لنا شراعة اخرى ندلف منها الى مشاهد من ضافي الظلال بعيدة عن اوحال الزحام وكآبة الغربة..وتمضي الحافلة بوجه تلك الطفلة الامل ، ليعود بنا الى وصف مشهد آخر من مشاهد الشارع الملتهب المزدحم في:
الشراعة الثانية:
يمر الوقت ويعلو صوت غليان الطقس في لهيب ذلك القيظ ليرى المارة من حوله وقد بدو كقطيع يفر من هجمات أسد كاسر لتزداد قطرات العرق هطولا فوق جبينه وجسده وليصل الى مبتغاه ، الى شارعه الذي يحاكي نفس الاحتراق وقد اسودت الايدي منه اتساخا كناية عن تلوث المكان فيتذكر الوطن من خلال جريدة علها تأخده الى هناك الى عالم افضل.. ولكن حتى أمن الوطن وأمانه فرا منه كذلك القطيع ولكن الفرق بينه وبين قطيع البشر ذلك، ان الوحش الكاسر استبدل بوحش الغربة القاسي ينهشه بلا هوادة حتى كاد يقطع اوصاله..ومن خلال المعاناة ورغما عنه راح الشاعر يصور مشهدا اخر يدهشه يمثل طفل يحتري الامان من التصاقه بأمه يسير حيث تسير دون ان يفلت من يدها حتى وان وقع وتعثر ..لكنها معه بذلك الامان الذي ينشده الشاعر من وطنه في غربته وكأني به يحدث نفسه : يا ليتني لم افارق الوطن فهو الامان والحماية وهو الحضن الدافئ..
الشراعة الثالثة:
يصور الشاعر لنا الشاعر مشهد آخر لرصيف القطار او لنقل موطن الغربة الذي قذف به الى هناك على عكس ما كان يحلم به ، صوره كقطعة حلوى مغرية (الهدف المرتجى من التغريبة) بين يدي طفلة (موطن التغريبة) تصور هذه البقعة من العالم الحلم الذي ارتجاه متسخا مهلهلا موحلا ..فيه قهر وعذاب جوع.. ..ولكن الغريب هنا سيبادر في تحقيق هدفه على الرغم من هذا الكم الهائل من المنغصات - بالتقاط لقمة عيش ولو شاركه فيها سرب منغصات..
الشاعر\ محمد نديم ...قراءة متواضعة لنص رائع خلط في فكري بين النعمة التي نرفل بها في اوطاننا وبين غربة الاحتياج القصرية..
لميس الامام
الحافلة
الصبح مأتمٌ ... والشمس دمعةٌ
وفي الفؤاد نارْ
في زحمة الطريق ...
ولفحة الحريق ...حط الغريب يقذفه
- على رصيف الغربة - القطار
يفتش الوجوه
ويرقب العيون
ويشكو من دوارْ
يسير في الزحام
وموجة الظنون
قد مله الصديقْ
ومله الطريقْ
ومله النهار
و مل الانتظارْ
***
وقفت بالطريق
كي يهدأ الطريق
لأعبر الطريق.
وعابرو السبيلْ
عيونهم غضبْ.
تمر حافلةْ
بطيئة ... بطيئةْ
توزعُ الدُخانْ
وتنشر الغبار والحزن واللهب.
يطل من زجاجها المهشم القميءْ
عابرو سبيلْ
عيونهم غضبْ.
أدارت ظهرها لي عند المنحى
لمحت في زجاجه العريض المتسخْ
جبين طفلة
بكفها الصغيرْ
أشارت فاندهشْتُ
أشارت مرتينْ
صحوتُ ... وانتبهـْتُ
أشرت مرتين لها ...
فتـبـسمَتْ
******
الصبح بهجة ٌ
والشمس ضحكة ٌ
والشوق للحياةْ
في قلبها محارْ
ووجها بهي ٌ
وكفها ندي ٌ
وعينها نهارْ
- يده الصغيرة :
ولهيب الصيف
يطاردهم ْ :
الناس قطيع في الطرقات
يفر من الوحش الكاسرْ
أتصبب عرقا وهموما
أتحين لحظة أن أعبر
شارعنا المشتعل الهادرْ
كفي متسخٌ بسواد
إذ أ ُمْسكَ غيظا من سأم
بصحيفة خبر يومية
وغبار يملأ حلقومي
قلبي مشتعل بالأحداثْ
أشعر بالغربة تنهشني
إذ أن الوحشة تسكنني .
ألمح في الدرب على بعد
امرأة تركض في عجل
وتجر صغيرا من يمناه.
تبطئ....
يبطئ ُ
تـُسرعُ ...
يسرعُ ...
يركضُ ..
يتعثرُ في حجر
يسقطُ ...
أو يبكي ...
أو يصرخ ُْ
يمسح دمعته في كـُمهْ.
لكنْ الدهشة تـُسكتني ... !
(ما أفلَتَ يده من أمــه.)
- قطعة حلوى :
فوق الرصيف الشارع تقعيْ .
(بين جدائل تقطر وسخا ,
يبدو وجهٌ يشبه قمرا)
وملابسها تبدو مزقا ..
في قدميها وحل الشارع ..
في عينيها قهرُ عذابْ
بين يديها قطعة حلوى
تلعق شيئا من سُكرها ..
في خديها بعض ترابْ.
ويشاركها ماءَ الحلوى
سربُ ذباب.
الشاعر محمد نديم في رأيي المتواضع يعتبر واحدا من قلة من شعراء التغريبة ..فقد كتب محمد نديم الكثير من القصائد واللوحات الشعرية الملونة بماء الشوق والتوق الى تراب جذوره وجوار الوطن.. والتي ركز عليها في قصائده حتى اصبحت موطنا له يناجي من خلالها الحبيبة ويصور اللهفة الى العودة من تغريبة عمر والتي كان لموطنه الاصلي – اسوان – دور كبير في تشكيل حالات بعينها يغلفها اشتياق لذكريات الطفولة والشباب..من منهلها تنبع أحاسيسه لتصور الغربة كما يراها من زاوية مشاعره الرقيقة..
في هذه القصيدة التي نطل من خلال شُرَّاعاتها المفتوحة على بحر وقائع ترتكز على مشاهد عديدة صغيرة شكلت برمزيتها ومن خلال تصوير الحركة والزحام وتسجيل مجريات أحداث مجردة ، عالم جديد ، يجذبنا اليه عالم لم يبعدنا عن واقع خيالي في صياغة جديدة تتجلى فيها أدوات البلاغة شاملة بحر التخيل نظمها الشاعر بديباجة خاصة به اكتنفت ظلالها شقاء العالم المحيط بنا ..شقاء عالم لم يعرفه الكثيرون منا..
الشراعة الاولى:
فتحها لنا الشاعر محمد نديم على مصراعيها – بافتتاحية رائعه - لنرى صبح التغريبة وقد تحول الى مأتم تبكيه الشمس حيث حط ذلك الغريب على رصيف ميناء قطار مقذوفا رغما عنه وكأنه الضال الباحث عن حقيقة يبحثها في كل الوجوه يستشفها من كل العيون المزدحمة اللاهية في حركة اصابته بدوار الغربة والوحدة وقد زادت من مفاجأة الموقف سقوطه دون ان يعي انه تحت ظل سقف في طريق حاد به عن سيل عابري سبيل غاضبين متذمرين في صبيحة يوم لم يبدأ نهاره بعد .. والى ان يهدأ هذا السيل الجارف المحمل بغضب السائرين يفسح لنفسه في سقطته تلك طريقا يلج منه الى هذا العالم متفاديا ان يهوى مع الرهط الى جرف قساوة الازدحام .. بل ليحلق الى قمة الابداع الوصفي .
ولكي لا يظل عالقا في مخدر الانتظار..فمن حيث سقط ، أخذنا ببراعة المصور الفوتوغرافي الى قمة الوصف في مشهد يرسمه في صور حركية متتالية صورت مظهر الشارع بحافلات حبلى باجساد الغاضبين تمر بالتواءاته كثعبان ينفث السم على شكل دخان وحزن ولهب ..ومنها الى مفارقة جميلة تبرز كوجه ملائكي لطفلة بجبين طاهر وضاء ، صورها بعدسة فائقة الاتقان كأمل يشرق من خلال غمامة الزجاج المتسخ متفاعلا ، مدخلا الى نفس هذا الغريب شيئا من الامل مفيقا اياه من خدر الانتظار والخيال ...ولينقلنا بسلاسة متناغمة الى فصل اخر من مشاهد الزحام القاتم متمحورا في هنيهات قصيرة من حالة التغريبة الى حالة اشبه بواحة يتبرد في بركتها تكتنفها بهجة الصبح والشوق الى الحياة من جراء تلك الابتسامة والوجه البهي الذي فتح لنا شراعة اخرى ندلف منها الى مشاهد من ضافي الظلال بعيدة عن اوحال الزحام وكآبة الغربة..وتمضي الحافلة بوجه تلك الطفلة الامل ، ليعود بنا الى وصف مشهد آخر من مشاهد الشارع الملتهب المزدحم في:
الشراعة الثانية:
يمر الوقت ويعلو صوت غليان الطقس في لهيب ذلك القيظ ليرى المارة من حوله وقد بدو كقطيع يفر من هجمات أسد كاسر لتزداد قطرات العرق هطولا فوق جبينه وجسده وليصل الى مبتغاه ، الى شارعه الذي يحاكي نفس الاحتراق وقد اسودت الايدي منه اتساخا كناية عن تلوث المكان فيتذكر الوطن من خلال جريدة علها تأخده الى هناك الى عالم افضل.. ولكن حتى أمن الوطن وأمانه فرا منه كذلك القطيع ولكن الفرق بينه وبين قطيع البشر ذلك، ان الوحش الكاسر استبدل بوحش الغربة القاسي ينهشه بلا هوادة حتى كاد يقطع اوصاله..ومن خلال المعاناة ورغما عنه راح الشاعر يصور مشهدا اخر يدهشه يمثل طفل يحتري الامان من التصاقه بأمه يسير حيث تسير دون ان يفلت من يدها حتى وان وقع وتعثر ..لكنها معه بذلك الامان الذي ينشده الشاعر من وطنه في غربته وكأني به يحدث نفسه : يا ليتني لم افارق الوطن فهو الامان والحماية وهو الحضن الدافئ..
الشراعة الثالثة:
يصور الشاعر لنا الشاعر مشهد آخر لرصيف القطار او لنقل موطن الغربة الذي قذف به الى هناك على عكس ما كان يحلم به ، صوره كقطعة حلوى مغرية (الهدف المرتجى من التغريبة) بين يدي طفلة (موطن التغريبة) تصور هذه البقعة من العالم الحلم الذي ارتجاه متسخا مهلهلا موحلا ..فيه قهر وعذاب جوع.. ..ولكن الغريب هنا سيبادر في تحقيق هدفه على الرغم من هذا الكم الهائل من المنغصات - بالتقاط لقمة عيش ولو شاركه فيها سرب منغصات..
الشاعر\ محمد نديم ...قراءة متواضعة لنص رائع خلط في فكري بين النعمة التي نرفل بها في اوطاننا وبين غربة الاحتياج القصرية..
لميس الامام