المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (وقفات تأملية في الرسائل الهمذانية)


هيفاء الحمدان
04-14-2007, 04:17 PM
لبديع الزمان الهمذاني (ت:398هـ) مجموع رسائل طبعت قديماً تحت عنوان " كشف المعاني والبيان عن رسائل بديع الزمان" وقام بشرحها الشيخ العلامة إبراهيم بن الأحدب الطرابلسي رحمه الله..
وهذه الرسائل آيات من البلاغة،ونور من الفصاحة،رأيت أن أثبت شيئاً منها هنا،لتعزيز حضورها أمام مقاماته التي فاقتها شهرة لا لشيء،إلا لأن الأولى جنس أدبي مألوف، والأخرى جنس أدبي مبتكر،وعلى قول الهمذاني "إن كان للجديد لذَّة ،فإن للقديم حُرمة " ،فهيا إلى رحاب رسائل الهمذاني وأولى الوقفات:

كتب الهمذاني في إحدى رسائله مصوراً مشهد الرحيل والاستعداد للسفر:
"إني أثبت هذه الأسطر،ونصفي راحل وإبلي مقيمة،وكتبتُها والأحمالُ تُشَدُّ،والعُلوفاتُ تُعَدُّ،والحمير تُؤكَف،والمكاريُّ يزْلِف،والدَّوابُّ تَسرَح،والجمالُ تُقدَّم،والجمَّالُ يَشتِم..!"

هذه الصورة مشحونة بأجواء الاستعداد للرحيل،واستطاع الكاتب أن ينقل لنا من خلالها صوراً متفرقة أو جزئيات لصورة اسمها الرحيل فقال :(إني أثبت هذه الأسطر،ونصفي راحل وإبلي مقيمة)، فنصفه الراحل هو فكره المضطرب ساعة الرحيل،وإبله المقيمة يقابلها من الجهة الأخرى جسده المقيم في ساحة الرحيل ،ولمَّا كان الجسد هو المؤدي لحركة الانتقال والإقامة المحسوستين،فإن ذلك النصف الراحل-غير المرئي-هوالفكر دون شك..!
الفكر ساقه الشوق ولم يطق الانتظار في اطار الجسد،حتى ينتهي من متطلبات الانتقال وسير القافلة،فغادر سريعاً..
والكاتب في مثل هذا الموقف الشعوري يجد أن الضرورة ملحَّة لإثبات شيء ما يستقر بثبوته شعور نفسي ما فتئ يقلقه،ويصور ما تبقى من المشاهد الحركية التي تزيد في حدَّة القلق،الذي يولده إحساسه بضيق الوقت وقرب السفر،ولذا يعبر عن خلجات نفسه ويودعها طيَّ هذا الكتاب،مستعيناً بالأفعال المضارعة للدلالة على استمرارية الحدث في حلقة متصلة،يأخذ بعضها بحجز بعض حتى تنطلق في النهاية إشارة الرحيل وبدء السفر،وهو في هذه الأثناء يجمع حشاشة نفسه ليودعها هذه "الأسطر" القليلة لا "السطور" الكثيرة؛ لأن المقام لا يتسع للإفاضة في التعبير..
وتتوالى الأفعال المضارعة في النص :"تُشدّ،تُعدُّ،تُؤكَف،يَزلِف،تُسرَج،تُقَدَّم، يشتِم " وهي الأداة الأساسية المستخدمة في رسم هذا المشهد،مبنية للمجهول عدا (يَزلِف و يَشتِم)،وهذا الانصراف عن المبني للمعلوم في الأفعال السابقة مرده عدم الاهتمام بالحدث الذي قامت به في تشكيل الصورة،وأن تأثيرها كان ثانوياً في نفس الكاتب،ولمّا كان "المكاريَّ" و"الجمَّال" أهم شخصيات مشهد الرحيل،أسند إليهما الفعلين" يزلف" و " يشتم "،والفعل يزلف بمعنى يقترب له دلالة شعورية باقتراب السفر،أما الفعل "يشتم" فيحمل مؤثراً شعورياً قلقاً ومتوتراً يلقي بظلاله على نفسية الكاتب،وتأتي أهمية هذه الصورة لبيان الموقف النفسي الذي عايشه أثناء كتابة هذه الرسالة.
فمن غير هذه الصور الجزئية وتتابع الحركة فيها على قدم وساق ما بين أحمال تشد وعلوفات تعد ودواب تؤكف وأخرى تسرج، لم يكن ليتضح للقارئ الجو النفسي المضطرب الذي في ظله أبدع الهمذاني هذه الرسالة، فالصورة هنا حية متحركة تنقل إلى سمع القارئ أصواتها،وتعرض عليه شخوصها وألوانها مستمدة من البيئة والحيوانات والإنسان مكوناتها الأساسية.
ثم الحركة الطاغية على المشهد حركة تقدم إلى الأمام بين (يزلف) و ( تقدم) ،فهناك توتر يقترب كلما اقترب المكاري،وهناك حركة انتقال إلى الأمام بعد أن اتخذت الجمال وجهتها بالتقدم فلا مجال للالتفات أو النظر إلى الوراء،وبالتالي لا مجال للعدول عن السفر.

حلم الطفولة
04-14-2007, 06:11 PM
أستاذة هيفاء ...

لقد أحببت هذا الهمذاني لكثرة ما سمعت عنه منك ِ !!

كيف لا وهو بطل بحثـك الذي حصلت به على درجة الماجستير ..

أجزم أننا سنستمتع معك .. برسائله ومقتطفات نوادره ..

هيفاء الحمدان
04-17-2007, 04:19 PM
حلم الطفولة..
سيسعد الهمذاني لحبك إياه..
فأنت قارئة ثاقبة الفكر..
وسأسعد بقراءتك أيضاً لهذه الوقفات..
شكراً لمرورك.

خالد العنزي
04-17-2007, 08:06 PM
جميلة هذه الوقفات التأملية
وبديع الزمان سمي بهذا الاسم لأنه برع في فنون الأدب
ويكفيه اختراع فن المقامات
شكرا لك أستاذة هيفاء

خالد العنزي
04-17-2007, 08:09 PM
تم تقييم الموضوع

هيفاء الحمدان
04-21-2007, 03:53 PM
جميلة هذه الوقفات التأملية
وبديع الزمان سمي بهذا الاسم لأنه برع في فنون الأدب
ويكفيه اختراع فن المقامات
شكرا لك أستاذة هيفاء

شكراً لك أستاذ خالد ،أبهجني مرورك..
وشكراً لعنايتك بالتقييم..
دمت بخير.

حلم الطفولة
05-10-2007, 03:58 PM
مرحبا هيفاء

الهمذاني .. أديب متفتق الذهن .. أبدع في النثر واستطاع تطويره بشكل ٍ لافت في ذلك العصر ..

ويستحق منا وقفات ..


ولكني أفضل وقفات على رسائله .. في العتاب و الشكوى والاعتذار والود والشوق .


فما رأيك ؟ هل نرى شيئًا من ذلك ؟!

هيفاء الحمدان
05-13-2007, 03:52 PM
أهلاً حلم الطفولة
لك ذلك إن كان في الوقت متسع..
شكراً لاهتمامك.

د. مصطفى عطية جمعة
06-19-2007, 02:06 PM
الأديبة الباحثة الأستاذة / هيفاء الحمدان
تحية طيبة إليك
رائع أن تتطرقي إلى إنتاج الهمذاني من الرسائل ، فهذا إنتاج مجهول على المستوى المعرفي والنقدي بسبب شهرة الهمذاني في مقاماته المعروفة باسم مقامات الهمذاني ، ومن المهم تغطية نتاج الأديب بشكل متكامل : القصصي والنثري .
تحية لك لتسليطك الضوء على هذه الرسائل بهذا المستوى المنهجي الرائع .
دمت بخير وإبداع

ألق الماضي
07-08-2007, 06:43 PM
مرحبا أخت هيفاء
جميل هذا الحب لشخصية أدبية عرفت بالعبقرية في زمانها ؛ أليس هو من يستطيع أن يكتب رسالة تقرأ من آخرها كما تقرأ من أولها؟! أو ليس هو الذي يستطيع أن يدبج رسالة في اللحظة التي يطلب منه فيها ذلك ويستطيع المزاوجة فيها بين العربية والفارسية؟!أوليس هو من يستطيع أن يهذ صفحات متتالية من كتاب قد طالعه للتو؟!أليس هو من إذا سمع قصيدة للمرة الأولى أعادها بعد صاحبها دون خطأ أو لبس؟! أليس هو...
الكلام عنه كثير ...ولا يجهل فضله...ولعل في موته مسموما في عمر صغير نسبيا ما ينبأ بقدره وجلالته.
كل الود لك هيفاء:icon39[1]:
سأتابع ما تكتبينه حول رسائل أحمد بن الحسين الهمذاني.

ألق الماضي
07-08-2007, 06:51 PM
جميلة هذه الوقفات التأملية
وبديع الزمان سمي بهذا الاسم لأنه برع في فنون الأدب
ويكفيه اختراع فن المقامات
شكرا لك أستاذة هيفاء

مرحبا أخي خالد
لتسمح لي الأخت هيفاء بهذه المداخلة:f286:
بديع الزمان الهمذاني هو الرائد الحقيقي لفن المقامات(هو أول من وجهها وجهة فنية أدبية وأعطاها اسمها الأدبي حين أطلقها على مقاماته ).
لكن هناك من سبقه بمحاولات بعضه كان ناضجا وإن اتجه وجهة لغوية وبعضها الآخر أقل نضجا.
وأول من كتب المقامات ( بغض النظر عن فنيتها وأدبيتها وإنما سبق تاريخي فقط )هو العالم اللغوي أبو الحسين أحمد بن فارس وقد أثبت الباحثون تأثر بديع الزمان به.
هناك آراء أخرى وأسماء أخرى سبقت بديع الزمان وتأثر ببعضها.
لكن الريادة الفنية كانت له.
شكرا لكما.

أسمهان
07-08-2007, 09:53 PM
قد كنت أسمع عن الهمذاني ولكنه قد زاد الآن في نظري تألقآ فيكفيني من سببآ لذلك ماكتبتيه أستاذتي
.. طالبتك التي لن تنسى فضلك أبدآ..
.. (أسمهان)..

ابراهيم خليل ابراهيم
07-27-2007, 08:26 PM
شاركة ممتازة
اليك تحياتى وتقديرى