المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القيادي المبدع وغير المبدع : قراءة في طرق الاختيار والسلوكيات


د. مصطفى عطية جمعة
04-14-2007, 10:47 AM
مقال : بقلم / د. مصطفى عطية جمعة
القيادي المبدع و غير المبدع
قراءة في طرق الاختيار والسلوكيات

عندما نتأمل في سلوك القياديين في الكثير من الدول العربية ، نلاحظ سمة تكاد تكون عامة ، مشتركة ، منغصة بين معظم هؤلاء : أن الجميع لا إبداع لديه، لا تجديد ، بل تكلسا و ترهلا . وبالتالي ؛ فإن الشكوى موحدة بين مختلف طوائف الشعب ؛ وعنوانها : هناك تغييب للكفاءات ، قتل للإبداع ، لا مجال للمجتهدين ، لا متسع للموهوبين . بل تعمّد إقصاء كل هؤلاء ، وتتفاقم الأمور وتزداد المشكلات سوءًا ، وتظل الشكوى بلا توقف .
وتمتد الظاهرة من المستويات الدنيا إلى المستويات العليا ، من مستوى مسؤولي المخافر والمدارس والوحدات الصحية والخدمية ، مرورًا بالكليات والجامعات ومدراء الهيئات الخدمية المتعددة ، إلى الوزراء والمحافظين ورؤساء تحرير الصحف والمجلات والدوريات ، انتهاء بالحكام ( القيادات السياسية ) . فالقاسم المشترك بينهم : إعلاء المركزية ، قتل المواهب ، تطفيش المجتهدين .
وتعتري هذه الظاهرة جملة أمور؛ فالقيادي ذاته الذي أصبح يميل إلى النفاق، ويتعمد الروتين ، ويتسلح بالقرارات الإدارية ، واللوائح ، والقوانين ، كان يومًا متنفذا صغيرا ، يضيق ذرعًا بسلوكيات رؤسائه الذين يحاربون المجتهد والمجدد والمبدع ، فلما تسلم عمله القيادي ، وشعر أنه الرئيس وتحته المرؤوسون ، استخدم نفس عادات وسلوكيات من قبله ، وتعامل مع من أهم أدنى بنفس الطريقة. لذا ، نجد العجب ، وضرب الكفوف من الناس ، وهم يشيرون إلى هذا أو ذاك ، ويقولون كان يومًا يعيب الروتين واللوائح ، فصار أشد ممن كان قبله .
* * *
إنها ظاهرة معقدة ، تتداخل فيها أبعاد نفسية واجتماعية وإدارية ، فالبعد النفسي فيها أن الموظف الذي يدين رئيسه ، ويتهمه أنه لا يشجعه ولا يحفزه على العمل ، يترسخ في اللاوعي عنده أن رئيسه بقي في كرسيه بفضل تمسكه بالروتين ، وأنه لو أفسح المجال للأنشط والمجتهد ، فهذا معناه أن كرسيه في خطر ، وأنه لا يعمل بكفاءة بدليل أن مرؤوسيه تفوقوا عليه. فالتفسير النفسي (الأول ) إذن : الخوف على الكرسي من هؤلاء المجتهدين المجدّين.
أما التفسير الإداري ( الثاني ) فيتصل بتلك النظم والقوانين واللوائح التي صممت لتنظيم العمل ظاهريا ، وفي الحقيقة أنه من الممكن اختصارها وتقليصها، ولكن الميراث الوظيفي يجعل الرؤساء يتفنون في ابتكار المزيد منها من أجل التحصين الشخصي لهم في العمل ، فهم على قناعة تامة أن الأوراق مستندات حماية وأدلة إثبات لهم ، واتهام للعميل ( المواطن ) .
ويأتي التفسير الاجتماعي ( الثالث ) عاملاً حاسمًا في ترسيخ روتينية القيادي ، فالمنصب شرف وهيبة في المجتمع المحيط به ، ووسيلة لنيل المكاسب الذاتية والعائلية ، والشخص ترتفع مكانته بسمو منصبه ، إذن عليه أن يقاتل للبقاء فيه أطول فترة ممكنة ، لضمان التميز الاجتماعي والعائلي والقبلي . ولن يبقى هو إلا بمحاربة من هم دونه . ولنا في كثير من الوزراء والمحافظين نماذج ، فهم يحيطون أنفسهم بالخانعين الخاضعين المتسلقين الضعاف ضمانًا لهم . ويكفي أن أحدهم تبوّأ مشيخة قبيلته لأنه حاز منصبا قياديا فترة طويلة ، فلما خرج من الوزارة انصرف أقاربه عنه . وهو نموذج لكل من هو على شاكلته .
ولا تعني التفسيرات السابقة أن القيادي منضبط في عمله ، ولكنه يجيد فن البقاء في كرسيه ، يعامل الغرباء بالروتين ، ويحطمه مع مصالحه الخاصة ومصالح فئته ومنتفعيه ، وهو في كلتا الحالتين لديه من الأوراق والثغرات القانونية ما يحميه ويعزز وضعه أمام من هم أعلى منه .
* * *
وفي سلوك القياديين في بلادنا مفارقات ، فالقليل منهم مبدع مجتهد مخلص لله وللرعية وللوطن ، والغالبية متحصن باللوائح والقوانين ظاهريا ، ويخالفها ذاتيا ، والنادر المتفلت المهمل جدا . ولكن السؤال : لماذا لا يبدع القيادي في منصبه ويحقق المزيد من الشهرة والتفوق والبقاء ؟ خاصة أن سلطات كثيرة تحته . وللإجابة عن هذا السؤال ، لنوضح أولاً نقطة تتصل بسبل وصول القياديين ؛ فاختيارهم خاضع للتراتب الوظيفي أو ما يسمى التدرج في السلم الوظيفي ، وهذا حادث حتى درجة وكيل وزارة . والمصيبة في هذا التدرج أنه يقتصر على الوظائف القيادية الدنيا ، التي تتصل بشكل مباشر بمصالح الجمهور والناس ، وبالتالي فهؤلاء بيدهم الأمر والنهي ، فمهما كان الوزير أو رئيس الوزراء مبدعا ، سيتحطم إبداعه على صخرة هؤلاء القياديين الصغار . ولنأخذ مثالا على ذلك : وزارة الثقافة ( أو ما يعادلها في بلادنا ) ، يكون الوزير مثقفا للغاية ، ويضع الخطط الطموحة ، ولكن عندما تنزل إلى المراتب الدنيا ، تتبخر بين الأوراق والنظم والروتين وتكاسل الموظفين وتضيع فوائدها في علاوات ومكافآت للقياديين وموظفيهم ، ويتحمل اللوم الوزير المثقف ، فيتم تغييره ، ويأتي غيره ، بينما المضيعون الحقيقيون قابعون كما هم ، ومحاسبتهم نادرة .
أما اختيار الوزراء ( المستوى القيادي العالي ) فهو خاضع لاعتبارات : سياسية ، التوازن القبلي ، التوازن المذهبي ، العلاقات العامة ، إرضاء الخواطر، وأخيرا : الكفاءة والقوة والأمانة . ومن المفارقات أن الدهاء السياسي العربي ( في النظم التي تدعي الديمقراطية ) تختار نائبا معارضا مشهورا في البرلمان ، ليكون وزيرا ، فيظل المسكين يكافح للتغيير ، وهو يظن أن المسألة متوقفة عليه هو ، ويغرق في الاجتماعات واللجان المشكلة والمنبثقة ، واستعراض البحوث والتوصيات ، ثم عندما تنزل إلى أرض الواقع ، تكون النتائج أسوأ مما يتوقعه الناس ، لماذا ؟ لأن القيادي الأسفل ومتنفذوه غير مقتنعين بجدوى إصلاحات الوزير المجدد ، فهم معتادون على ما ألفوه منذ سنوات ، فيكون التطبيق خطأ ، ويخرج الوزير محترقا سياسيا وتنفيذيا والأمثلة على ذلك كثيرة .
* * *
إن موقف القيادي الأصغر أو الأعلى من منصبه يخضع لثلاثة أنماط من الشخصيات : الأول : القيادي المبدع الماهر بالفعل ، وهو إضافة حقيقية لمنصبه، وسيزيد عليه ، وسيعي المؤامرات المحاكة ضده ، وسيبرع في تنفيذ مخططاته، على جميع المستويات وهؤلاء قلة في بلادنا ؛ لسبب بسيط هو : نظرية قتل وتطفيش الكفاءات منذ شبابها إلى كهولتها ، إما بتدجينها أو بتهجيرها أو بحرقها .
الثاني : القيادي الموظف الروتيني الذي يجيد فهم النظم وتنفيذ اللوائح ، ولكن يغيب عنه الإبداع وتشجيع الكفاءات ، وقد حاز منصبه بفضل طاعته الجيدة لرؤسائه ، وتنفيذه المنضبط للتعليمات ، وهذا مساو لوظيفته ، ولكن بقاءه الحياتي مرتبط بهذا الكرسي ، فقد ناضل سنوات عمره للفوز به . وقد عبّر نجيب محفوظ في رواية " حضرة المحترم " عن هذه الفئة ، التي تحلم بالمنصب وتظهر من الفنون والمبتكرات الورقية ما يجعلها تفوز به .
الثالث : القيادي الذي هو أقل من المنصب ، وهذا مسكين حاز المنصب لقرابة أو توصية أو ترضية ، وسيكون خاضعا لمن حوله من المتنفذين والسكرتارية واللجان ، سعيدا بالتوقيعات والاجتماعات .
* * *
لو ارتفعنا إلى المستويات القيادية في الدولة ، فإننا نجد القادة السياسيين هم إفراز طبيعي لهذا المجتمع المركزي بكل ضغوطه القبلية والشعبية والروتينية ، لذا لا نتعجب عندما نجد قادة دول يمضون سنوات طويلة في مناصبهم ، يسافرون ويشاركون في اجتماعات القمم ، ويستقبلون الرؤساء والوفود ويرسلون البرقيات ، دون أن يحلوا المشكلات المزمنة للأوطان ، وهذا طبيعي ، فاختيارهم لم يتم من الشعب ، وإنما جاء لأسباب غير ديمقراطية ؛ توريثا أو ترقية أو اختيارا للأضعف من قبل الرئيس السابق ، أو اتفاقا من قبل القوى المتنفعة في المجتمع أو خارج المجتمع بأن يكون هذا الشخص واجهة سياسية لهم . ولا نستغرب ، فالمعروف أن حكومة مصدق في إيران سقطت وأحكمت قبضة شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي لأن شركات النفط الأمريكية لم ترض عن سياسية مصدق الوطنية في التأميم .
فإذا تبوأ هذا الشخص المنصب ، سيكون أقل من منصبه كفاءة وقدرة ، وبالتالي سيختار الأضعف منه حتى لا ينافسه ، ويخضع نفسه لمستشاريه ومخابراته وأجهزته الأمنية ، ويظل الأمر هكذا .
فلا نستغرب ، إنما الحاكم إفراز للشعب ، والشعب مفرزة حكامه ، هذا في النظم البيروقراطية الديكتاتورية .
* * *
والحل ؟
الأخذ بالآليات الديمقراطية في الانتخاب ، وترشيح الأكفأ ، والأقوى ، والأمين ، وهذا لا يتطلب إلا المزيد من الوعي الإداري والسياسي والاجتماعي ، ومن قبل هذا كله : إخلاص النيات لإصلاح الأوطان . ففي النظم الديمقراطية ، تغلب على نيات الشعوب المصلحة العليا للوطن فوق الاعتبارات الفئوية والقبلية ، وبالتالي يختار الأكفأ .
وهذا للعلم ليس صعبا ، فدولة مثل ماليزيا اتخذت الديمقراطية سبيلا ، فأتت بمهاتير محمد ، الذي استطاع في خلال عقدين من الزمن أن يجعلها في مصاف النمور الآسيوية ، ويكفي أن قيمة ما تصدره ماليزيا من مصنوعات يوازي ما تصدره أقطار الخليج مجتمعة من النفط ، وأقل قليلا من قيمة ما تصدره إسرائيل
وأخيرا : إن المنظور الحديث في قيادات الشعوب والدول يؤكد أن الدولة الحديثة باتت تصنع وتؤسس خلال عشر سنوات ؛ ومن النماذج : كوريا الجنوبية ، سنغافورة ، دبي ، البرازيل .

خالد السلمان
04-14-2007, 02:08 PM
تعميق مفهوم القيادة أصبح ضروريا في عصرنا الحاضر
حيث أصبحنا في حاجة ماسة إلى غرس الفن القيادي في نفوس
الناشئة , ليكون لدينا جيل قيادي واعد
شكرا لك يا دكتور

اسيل
04-15-2007, 07:57 PM
اتفق معك جداً وقد اصبت في كل حرف اتقنت صياغته 00
القيادة من المسآئل الهامة التي تفتقدها امتنا اليوم00بسبب افتقادنا للهدف وعدم قدرتنا على تحويل الكلام الى واقع عملي مقنن ومازلنا ننتظر البطل او الفرج من دون ان نعمل شيء0

ف نحن نعاني من غياب الرقابة الذاتية ومن اهمال اداري على كافة المستويات الذي يؤدي الى كبت الروح القيادية عند الأفراد00 فالشخصيات المبدعة والموهوبة هم الشريحة التي تعاني فلا يوجد من يهتم بهم ومؤسساتنا دوماً غائبة 00

فالكثير من الناس يحسب القيادة سلطة وقوة وينسى انها امانة وانها رغبة داخلية تدفع الشخص(القائد)
لتحريك الناس نحو الهدف باستعمال الصدق والثقة والايمان والذكاء والقدرة على الاقناع
بحيث يصل بهم الى درجة الفهم 00والتغير نحو الأفضل

القائد المتحكم يملك استراتيجية منظمة ومبلورة وتخطيط مسبق والقدرة على ترتيب المهام

اخبراً اريد ان اقول ان القائد المبدع 00هوالذي يستطيع ان يصنع كل ماهو جديد وان يطور القديم ويبتكر اسلوب جديد وفعال يناسب البيئة والناس وتسيطر عليه رقابتة الذاتية ومخافة الله ومراعاة الشرع لا اغراضه الشخصية ومراعاة الخواطر

اما القائد الغيرمبدع الغائب (الخائب(هو الذي ينطلق من نقاط ضعف الاخرين فتختلط عليه نقاط التميز والقوة00ف يضن بأن القيادة تسلط وسطوة0
وعموماً هناك من يرى القيادة بشكل ايجابي ويطمح للوصول اليه وهناك من يراه هدف سلبي يخاف الوصول اليه 0
شكراً لك يادكتور اتحفتنا بهذا الطرح الرائع0

د. مصطفى عطية جمعة
04-18-2007, 10:36 PM
تعميق مفهوم القيادة أصبح ضروريا في عصرنا الحاضر
حيث أصبحنا في حاجة ماسة إلى غرس الفن القيادي في نفوس
الناشئة , ليكون لدينا جيل قيادي واعد
شكرا لك يا دكتور

الأخ الجميل المبحر الجديد / خالد السلمان تحياتي وتقديري لك
أشكر قراءتك الفاعلة ، وأشكرك على استكناهك لرسالة المقال المتعلقة بـأهمية التدريب على القيادة واتخاذها علما ودراسة ، مع تصعيد المواهب .
تحياتي وشكري

د. مصطفى عطية جمعة
04-18-2007, 10:42 PM
اتفق معك جداً وقد اصبت في كل حرف اتقنت صياغته 00
القيادة من المسآئل الهامة التي تفتقدها امتنا اليوم00بسبب افتقادنا للهدف وعدم قدرتنا على تحويل الكلام الى واقع عملي مقنن ومازلنا ننتظر البطل او الفرج من دون ان نعمل شيء0

ف نحن نعاني من غياب الرقابة الذاتية ومن اهمال اداري على كافة المستويات الذي يؤدي الى كبت الروح القيادية عند الأفراد00 فالشخصيات المبدعة والموهوبة هم الشريحة التي تعاني فلا يوجد من يهتم بهم ومؤسساتنا دوماً غائبة 00

فالكثير من الناس يحسب القيادة سلطة وقوة وينسى انها امانة وانها رغبة داخلية تدفع الشخص(القائد)
لتحريك الناس نحو الهدف باستعمال الصدق والثقة والايمان والذكاء والقدرة على الاقناع
بحيث يصل بهم الى درجة الفهم 00والتغير نحو الأفضل

القائد المتحكم يملك استراتيجية منظمة ومبلورة وتخطيط مسبق والقدرة على ترتيب المهام

اخبراً اريد ان اقول ان القائد المبدع 00هوالذي يستطيع ان يصنع كل ماهو جديد وان يطور القديم ويبتكر اسلوب جديد وفعال يناسب البيئة والناس وتسيطر عليه رقابتة الذاتية ومخافة الله ومراعاة الشرع لا اغراضه الشخصية ومراعاة الخواطر

اما القائد الغيرمبدع الغائب (الخائب(هو الذي ينطلق من نقاط ضعف الاخرين فتختلط عليه نقاط التميز والقوة00ف يضن بأن القيادة تسلط وسطوة0
وعموماً هناك من يرى القيادة بشكل ايجابي ويطمح للوصول اليه وهناك من يراه هدف سلبي يخاف الوصول اليه 0
شكراً لك يادكتور اتحفتنا بهذا الطرح الرائع0


الأخت العزيزة الرائعة / أسيل سلام الله عليك
أختي المبدعة :
أشكرك على تلقيك الرائع للمقال فهو تلق عالي المستوى دال على وعي وثقافة عظيمين
وأعتز كثيرا بتعقيبك وأعده إضافة للمقال ، بل جزءا مكملا له .
تحياتي وشكري وتقديري