المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصيدة ودراسة : قراءة في منشور عطري ، رؤية تأويلية للتشكيل الجمالي


د. مصطفى عطية جمعة
04-07-2007, 10:25 PM
قراءة في قصيدة " قراءة في منشور عطري " للشاعر سعد علي مهدي :

تثوير عالم النبات كبناء مواز لعالم البشر
قراءة تأويلية في التشكيل الجمالي
بقلم د. مصطفى عطية جمعة

يشكل نص " قراءة في منشور عطري " نموذجا لكتابة شعرية مميزة تتعامل مع مكونات عالمنا المادي والميتافيزيقي برؤية جديدة ، هذه الرؤية تمثل خطا متميزا في الكتابة الشعرية ، ولها امتدادات في التراث الشعري العربي ، وكذلك في الشعر العالمي ، ولعل هذا النص نموذج ثري لهذا اللون الشعري ، الذي يعتمد على رؤية مفادها : إن كل ما حولنا في الوجود يعايشنا مثلما نعايشه، فيجب أن نتعامل معه بوصفه حيا متحركا منطلقا ؛ وبالتالي تسقط نرجسية الإنسان واستعلائه على الوجود ، فليست الطبيعة في خدمة غرور الإنسان ، بل هي مكون أساس له في هذا الوجود . فهل يستطيع أي منا الاستغناء عن النباتات أو الحيوانات أو الطيور أو الأفلاك ؟ إذن ، فلماذا الاستعلاء عليها ، والتعامل مع مكونات هذا الوجود من منظور أن البقاء للإنسان فقط ؟ هذه رؤية الفكر البيئي الذي اجتاح العالم منذ عقود .
تأسيسا على الرؤية السابقة ، في المحيط الإبداعي ، فإن هناك تيارا أدبيا بات يتعامل مع مكونات الوجود بوصفها كيانات موازية متكاملة المعالم والرموز، ومن الممكن بناء عوالم شعرية وإبداعية ، ذات تشكيل جمالي مستقى من هذه الكيانات بحيث يكون هذا الكيان عالما متكامل العناصر ، والرموز ، والدلالات ، ويكون وسيلة إسقاطية لقراءة عالم البشر . ولنا في الفنون التشكيلية نموذج فاعل ، فكثير من اللوحات التشكيلية تتناول جزئيات وشرذمات ومتناثرات المادة في الوجود ، وتعيد تشكليها لتقديم قراءة فلسفية وجمالية لعالمنا البشري .
وفي هذا النص يتخذ – شاعرنا - النباتات بتفاصيل حياتها عالما موازيا لعالم البشر ، ومن خلال هذا العالم النباتي ، يقدم " سعيد مهدي " قراءة لعالم البشر ، بكل جزئيات عالم النبات ، على مستوى الزهور والأشجار والألوان ، وأيضا ما يضاد النبات من مفسدات مثل الأملاح والمبيدات ، فنحن نتيه متأملين في دنيا النباتات ، معجبين بزهورها الجميلة ، وأشجارها الباسقة ، وألوانها الزاهية ، ثم نكتشف أن هذا التيه ، ما هو إلا بناء فلسفي له إسقاط واضح على العالم الإنساني ، ورغم صدمتنا الناتجة عن الخروج من دنيا النبات ، إلى واقع الإنسان بكل عنفوانه ، ومظالمه ، فإن نشعر أن هذه القراءة امتلكت عبقا نباتيا مشبع برائحة الزهور ، وبسوق الأشجار ، وتنوع الألوان .
تأتي هذه القراءة ضمن تجربة " نص وقراءة " في محاولة لتسليط الضوء على عالم شعري متميز للشاعر سعيد على مهدي ، الذي يعد ضمن طليعة الشعراء العرب الذين يتكئون على جماليات شعر الحداثة ، ورؤى ما بعد الحداثة، في قراءة الوجود ، وقراءة أزمات مجتمعنا العربي ، بروح إسلامية ، وبرموز ودلالات تضرب في أعماق الثقافة الإسلامية . لذا كان المنهج الأنسب – الذي ارتأيناه – هو منهج التأويل الدلالي لجماليات النص ، فلا يمكن بأي حال فصل جماليات النص الجزئية عن الرؤية الكلية المطروحة ، وقد نشر النص في منتدى "مرافئ الوجدان " الإلكتروني الذي يحفل بكثير من الإبداعات المميزة .
وفي سبيل المزيد من التفاعل مع القراءة ، نقوم بعرض النص ، ومن ثم تكون القراءة التأويلية من منطلقات جمالية وتشكيلية .
* * *
النص :
قراءة في منشور عطري للشاعر / سعيد علي مهدي

ماذا تنتظرُ الأزهارُ لتعلنَ عن ثورتها الكبرى

في وجه توابيت الملحِ

وبوجه طواغيت القُبحِ

كي تنشر أفكار النسرين علانيةً

وتبشّرَ أوراق الدفلى

برياح الثورة والفتحِ

اِنّ التحرير له ثمنٌ

وبدن النزف مع الطعنةِ لا يُذكرُ شأنٌ للجُرحِ

فتعالَي نُعلن ثَورتَنا

الآنَ .. ونحملُ صورتَنا

زاهيةً تحملُ رَونقَها

أنباءُ الليل الى الصُبحِ

*********

نفرحُ بالبسمةِ والنظرةِ من خلف ستارٍ يفصلنا

من دون ستار

وكأنّ الكَونَ يلاحقنا بقذارتهِ

غسلاً للعار

يا كلّ نفايات الأرض انتظري فالثورةُ قادمةٌ

لا بدّ سيقلعُكِ الأعصار

ولقد أقسمتُ على النرجس كي ينهضَ في كلّ الدنيا

لكنّ النرجسَ أرسلني كي أستنهضَ كلّ الأزهار

لتُدافعَ عن شرف العطرِ

ولَون العشقِ

وتقرأَ للصحراء قليلاً ما جاء بكرّاس الأمطار

**************

للبُرعمِ رَبٌّ يَحميهِ

ما دام العطرُ بجانبهِ

والماء الدافىءُ يَسقيهِ

لا خوفَ على فكر النعناع من الأملاح اذا زحفَت

لتمارس دَور التشويهِ

ستُعيدُ الأرضُ خصوبتُها

بربيعٍ آخر يَرويهِ

وستُعلنُ أغصانُ الزيتون تجاربَها

عن رسمِ علامات الصُلحِ

في وجه أساليب الرُمحِ

اِن يَمسـسها قرحٌ فلقد عاشَت تستهزىءُ بالقَرحِ

ولقد أقسمتُ بخضرتها

سنقاومُ تيّار الملحِ

سنقاومُ تيّار الملحِ
القراءة :
إنه نص مدهش ، نص محفز ، نص مستفز .
مدهش لكونه يتعمق مكونات الوجود ، فيختار الزهور والنباتات ، لا لكي يصفها أو يتحدث عن جمالها أو يستخدمها وصفا لغيرها من البشري ، وإنما كي يقيم علاقة معها .
نص محفز لكون العلاقة المقامة بين الشاعر وزهوره وأشجاره ليست علاقة حب وتلاق على غرار قصائد وصف الطبيعة التي سادت حقبة الشعر الرومانسي ، وإنما علاقة تثوير ( من الثورة ) ، تطرح قراءة للكون من واقع الرغبة في التغيير ، تغيير الكون، بكل ملوثاته المادية والمعنوية .
نص مستفز لكونه يستخدم الزهور والنباتات والأشجار منشورات وبيانات للثورة، وأدوات للتغيير ، فيصبح الزهر زعيما للثوار ، محركا للجموع النباتية ، متسلحا بأشجاره ، مصطبغا بألوانه .
إنه نص سير في خط جديد في الكتابة الشعرية لم تنفرد به بالطبع ، فمعه آخرون بالعربية وغيرها خاصة في تجار شعر الدول الإسكندنافية ، حيث ظهرت جماعات شعرية تعتمد العلاقات المباشرة مع النباتات والطيور ... ، تحيا معها ، وتتنفس في محيطها ، فخرجت نصوص من شذى هذه العلاقات ، ولكنه مشبعة بروح الإنسان ، ورؤاه وفلسفاته .
شاعرنا يثور في مطلع النص هاتفا :

ماذا تنتظرُ الأزهارُ لتعلنَ عن ثورتها الكبرى

في وجه توابيت الملحِ

وبوجه طواغيت القُبحِ

كي تنشر أفكار النسرين علانيةً

وتبشّرَ أوراق الدفلى

برياح الثورة والفتحِ

منذ المطلع ، تبدو العلاقة المتفجرة ، دون تمهيد مسبق لنشوء هذه العلاقة ، بل تترك هذه المسبقات للمتلقي ، يتخيلها ، ويتوقعها ، ومن ثم يبني عليها ، وبعبارة أخرى : فإن الشاعر استهل نصه من نقطة المنتصف ، حيث الزهور مشحونة بكل ما في عالمها من مظالم ، فعليها أن تعلن الثورة ضد الملح والقبح . تأويل النص ينصرف- وفقا للمعطيات الجمالية - إلى أن الزهور هي شبابنا ، هذا الشباب الذي استوى في عالم الكبار ، فوجد من المظالم والعهود الخائنة ما دفعه للثورة ، وجاءت مفردات : الملح والقبح ، معبرة عن هذه الأنظمة النباتية / الإنسانية بكل تكلسها ، وخمودها ، وركونها ، وقد كانت مفردة " النسرين " بكل دلالاتها الجمالية ، وأريحيتها اللونية صاحبة فكر الثورة المرتجاة ، ورافعة لواءها . ومن أجل ربط العالم النباتي بالبشري ، كانت مفردات البشر الشائعة : الطواغيت ، الثورة ، الفتح ، وهي مفردات مستقاة من قاموس شعري راسخ في زمن الثورات العربية الذي ساد حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين ، فهذا بناء على بناء أو بالأدق : تناص على تناص ، على مستوى المفردات المنتقاة بدقة ، لتحقق الإحالة التأويلية المقصودة .

ولقد أقسمتُ على النرجس كي ينهضَ في كلّ الدنيا

لكنّ النرجسَ أرسلني كي أستنهضَ كلّ الأزهار

لتُدافعَ عن شرف العطرِ

ولَون العشقِ

وتقرأَ للصحراء قليلاً ما جاء بكرّاس الأمطار

النرجس ليس ماديا بل بشريا ، وليس بشرا عاديا بل ثائر مفجر ، وهو يثور بطريقة الأزهار ، يثور من أجل الحفاظ على العطر ( رمز نقاء الوجود ) ، والعشق ( رمز القلبية النقية والعاشقة ) ، وللصحراء (رمز للجدب ) . إنها ثورة من طراز جديد ، ثورة الزهور ضمن عالم الطبيعة بخضرته وصحرائه .
وتداخل البشري / الشاعر ، من خلال جملة " أرسلني كي أستنهض " لنعيش تجربة ثورة الزهور ، ويظل السؤال : هل الشاعر زهرة ضمن الزهور أم بشر تداخل بإنسانيته لتحريض النباتات في سبيل ثورته . هذه الثورة تسعى :
" لتُدافعَ عن شرف العطرِ
ولَون العشقِ "
هدف زهري ، مصبوغ بالإنساني ، فشرف العطر / كرامة الإنسان ، ولو العشق / محبة الإنسان .
إننا لا يمكن أن نستوعب التمايزات الأسلوبية التي تفجرت في كلمات النص من خلال الطريقة التقليدية : الاستعارة والكناية ، وإنما في إطار أكثر شمولا ، فالنص كل لا يتجزأ ، لا ينفصل عن الرؤية . والرؤية واضحة : إننا – بوصفنا بشرا – لا نعيش الوجود بمفردنا ، بل يتعايش معنا النيات والحيوان والفطريات. وقد اتجه الشاعر نحو هذا ، وراح يسقط على عالمها كل ما في كوننا من فساد وإفساد ، برؤية إسلامية ناصعة ، تستلهم منجزات شعر الحداثة الجمالية ، وتقدم رؤية ما بعد حداثية ، تتخذ الإسلام رؤية شاملة للكون ، رؤية فلسفية ، وقدم من التناص التاريخي ، والقرآني ، ما يشكل داعما خلفيا لهذه الرؤية ، حيث يهتف الشاعر :
للبُرعمِ رَبٌّ يَحميهِ

ما دام العطرُ بجانبهِ

والماء الدافىءُ يَسقيهِ

لا خوفَ على فكر النعناع من الأملاح اذا زحفَت

لتمارس دَور التشويهِ

ستُعيدُ الأرضُ خصوبتُها

بربيعٍ آخر يَرويهِ

( للبرعم رب يحميه ) تناص مع مقولة عبد المطلب بن هاشم ، وهو يقول لأبرهة الأشرم : " للبيت رب يحميه ، عندما أراد الأخير مهاجمة الكعبة ، فهل البرعم رمز للبيت الحرام لو طرحنا تأويلا إسلاميا ؟ أم رمز للدين كله لو اتسع التأويل ؟ أم رمز للوجود الرباني لو رحب التأويل ؟
وفكر النعناع : بكل شذى النعناع ، وخضرته الزاهرة . رائع هذا القول ضمن المنظومة النباتية التي قدمتها ، فالنعناع ليس زهرا ، ولا نباتا عاديا ، إنه يجمع شذى الزهور وفوائد النبات والثمار : رائحة زكية مميزة العبق ، ولون أخضر زاه ، وأوراق ذات نسق تشكيلي ولوني فريد . فإضافة " فكر " إلى النعناع يشي بطزاجة وصفاء وعذوبة ونكهة الفكر .
( الأملاح ) رمز للفساد والإفساد والتلوث ، وهو رمز مستقى من عالم النبات ، حيث الأملاح خطر يهددها ، وهذا مقدم ضمن المنظومة الكلية التي انتهجها الشاعر في نصه : تثوير عالم النبات ليكون عالما موازيا لعالمنا البشري .
ويقول :
وستُعلنُ أغصانُ الزيتون تجاربَها

عن رسمِ علامات الصُلحِ

في وجه أساليب الرُمحِ

اِن يَمسـسها قرحٌ فلقد عاشَت تستهزىءُ بالقَرحِ

ولقد أقسمتُ بخضرتها

سنقاومُ تيّار الملحِ

سنقاومُ تيّار الملحِ
التناص قرآني : " إن يمسسها قرح " ولكن مع دلالة جديدة ، دلالة التحدي ، لكل ما هو ملوث في هذا الكون ، ولننظر إلى اللفظة القرآنية التي أعطت توهجا رائعا في سياقها النصي ، وهو توهج من كونها تحيلنا إلى أن القرح / الأزمة / المحنة / الاحتلال ، لا يمس المسلم فحسب ، وإنما يمس الكافر ، فإن نكن نألم فهم يألمون كما نألم .
( خضرتها ) رمز لوني إسلامي ، يعيدنا إلى ألوان الرسول صلى الله عليه وسلم المفضلة ، حيث كانت رايته خضراء ، وقيل إن خيمته كانت خضراء ، وهو يتخذ اللونية الخضراء رمزا للمقاومة .
وهي تقاوم : تيار الملح / كل مجترئ مفسد يطاول أمتنا ، وأرى أن الإلحاح على ذكر الزيتون إشارة واضحة للجهاد الفلسطيني ، ولنرجع لأدبيات وأشعار المقاومة ففيها الزيتون رمزا للأرض ، كما أن شعار فصائل المقاومة ( حماس مثلا ) لونه أخضر ، وقد تطورت دلالة الزيتون من السلام (المصطنع المزيف ) إلى المقاومة والثبات . ونقف هنا ، فهذا تناص على تناص ، تناص الزيتون الذي ملأ شعر فلسطين بمستويين : مستوى الإشارة إلى أن أشجار الزيتون من أخص بيئة فلسطين النباتية ، ومستوى أن الزيتون رمز للسلام ، وإن كان السياق النصي هنا يختلف ليصبح جزءا من أدوات المقاومة والتغيير ، ويكون السؤال : هل هذا سخرية غير مباشرة / سخرية شعرية ، من شعارات السلام المرفوعة ؟ أرى أن هذا الأرجح ، من خلال النص ، حيث جاء :
وستُعلنُ أغصانُ الزيتون تجاربَها
عن رسمِ علامات الصُلحِ
وختام النص ، لم يخرجنا من عالمه النباتي ،
ولقد أقسمتُ بخضرتها
سنقاومُ تيّار الملحِ


فهو مقاوم تيار الملح / بكل جموده ، وملوحته ، وفساده ، والتأويل الأخير للملح تأويل يشمل المحتل اليهودي والغربي ، إلى كل من يتآمر ضد أرضنا الخضراء ، إنها قصيدة الثورة النباتية ، التي نجحت في تكوين قاموس شعري وشاعري ، ثري الدلالات ، عميق التأويل ، متنوع المفردات .
وأخيرا إنه :
نص مدهش ، محفز ، مستفز .

صالح سعيد الهنيدي
04-08-2007, 06:10 AM
أبدعتَ يا دكتور مصطفى وأبدعت
قصيدة " قراءة في منشور عطري " للشاعر سعد علي مهدي
تحمل الكثير من المنعطفات الإبداعية الزاخرة
وقد أجدت التعامل مع أسرارها وسبرت مكامن أغوارها

ونحن نرغب في المزيد من مثل هذه القراءات
التي تُعنى بمبدعي المرافئ وأدبائها

بوركت يا دكتور
ودام نبضك الجميل

د. مصطفى عطية جمعة
04-08-2007, 10:05 AM
الأستاذ / صالح سعيد الهنيدي تحياتي المعطرة برائحة البحر من المرافئ
أشكر قراءتك الفاعلة لهذه الدراسة ، وإن كان هناك فضل فالفضل لله أولا ، ثم للمرافئ التي فيها من النصوص والمبدعين والإدارة ، ما يحفز المبدع على الإبداع والناقد على الكتابة ، وهذه تجربة أتمنى أن تستمر في المرافئ من أجل تمييز النصوص ، وحفز الشعراء .
بوركت عزيزي وبورك المنتدى الجميل

حلم الطفولة
04-08-2007, 02:33 PM
د . مصطفى

هنا وجدت الأدب .. وجدت العلم والاستمتاع بالعلم

قراءتك أضاءت النص بأنوار الإبداع وبجلال البهاء ..

شكرًا لك ولقلمك المتألق ..

هيفاء الحمدان
04-08-2007, 07:27 PM
الأستاذ الكريم / د- مصطفى عطية جمعة
تنحني قامة الكلمة تقديراً لنظرتك الجمالية في هذا النص الراقي للمبدع سعد مهدي..
أستاذنا الكريم..
رويت عطشي النقدي من هذه القراءة العميقة..
ووددت لو أني على موعد يومي مع قراءة كهذه..!
أجدت في تحديد العلاقات وتحليلها وعرض الرؤى النقدية بشكل مقنع ،وأزلت الحجاب عن جماليات الدلالات اللفظية، حتى غدا النص جمالاً على جمال..!
واسمح لي أن أستوقفك عند دلالة النرجس في القصيدة ، هل قصد الشاعر إلى إكسابها دلالة جديدة بعيداً عن الدلالة النفسية "النرجسية"، محاولاً بذلك إضفاء صفة إيجابية مرغوبة للنرجس كنوع من التحديث في المعاني المعهودة..؟

مع تقديري واحترامي.

هيفاء الحمدان
04-08-2007, 07:32 PM
"رؤية إبداعية جديرة بالتثبيت"

د. مصطفى عطية جمعة
04-08-2007, 10:50 PM
[حلم الطفولة د . مصطفى

هنا وجدت الأدب .. وجدت العلم والاستمتاع بالعلم

قراءتك أضاءت النص بأنوار الإبداع وبجلال البهاء ..

شكرًا لك ولقلمك المتألق ..


الأخت الكريمة / حلم الطفولة سلام الله عليك ورحمته وبركاته
أشكرك على قراءتك الفاعلة للدراسة النقدية ، وأشكرك على هذا التلقي الرائع ، الذي يظهر عمقا عالي المستوى في جماليات النصوص ، وبنيتها .
أكرر شكري وتقديري .

د. مصطفى عطية جمعة
04-08-2007, 11:00 PM
الأستاذ الكريم / د- مصطفى عطية جمعة
تنحني قامة الكلمة تقديراً لنظرتك الجمالية في هذا النص الراقي للمبدع سعد مهدي..
أستاذنا الكريم..
رويت عطشي النقدي من هذه القراءة العميقة..
ووددت لو أني على موعد يومي مع قراءة كهذه..!
أجدت في تحديد العلاقات وتحليلها وعرض الرؤى النقدية بشكل مقنع ،وأزلت الحجاب عن جماليات الدلالات اللفظية، حتى غدا النص جمالاً على جمال..!
واسمح لي أن أستوقفك عند دلالة النرجس في القصيدة ، هل قصد الشاعر إلى إكسابها دلالة جديدة بعيداً عن الدلالة النفسية "النرجسية"، محاولاً بذلك إضفاء صفة إيجابية مرغوبة للنرجس كنوع من التحديث في المعاني المعهودة..؟

مع تقديري واحترامي.


الأخت المبدعة المتألقة / هيفاء تحياتي النرجسية
أشكرك كثيرا على تثبيت الدراسة ، فهذا شرف لي ، وتقدير كبير لتجربة " قصيدة ودراسة " .
كما أشكرك على هذا التلقي شديد الفاعلية للقراءة النقدية ، والذي يدل على تعمق عالي المستوى في النص وفي القراءة . أما بخصوص استفسارك عن دلالة النرجس في النص ، فإن النرجس أبيض اللون وهو دال على الصفاء في المطلق ،وكثير من الشعراء يستخدمونه بهذه الدلالة ، حتى أضحت دلالة مستهلكة في النصوص ، ولكن مبدعنا سعد مهدي ، تعامل بروح جديدة مع النرجس مثلما تعامل مع عالم النبات بشكل عام في نصه ، حيث أكسب النرجس دلالة إيجابية فاعلة ، لها دورها في الحراك الثوري المزمع ، فتطورت الدلالة من النقاء إلى الحراك ، من السلبية الطيبة ، إلى الحركية الفاعلة ضمن المنظومة النباتية الثورية .
تحياتي الحارة لك ، وأشكرك على تواصلك الدائم

خالد العنزي
04-08-2007, 11:15 PM
أستاذنا الكبير
سعادة الدكتور مصطفى
عندما تتجه القراءات النقدية لأعضاء المرافئ
نشعر بقيمة مبدعينا
وأنت لك القدح المعلى في هذا الجانب
فأرجو أن تولي أدباء المرافئ من وقتك الثمين
ما يفتح لهم مصاريع الإبداع

شلالات شكر
لك أيها الفاضل

سعد علي مهدي
04-09-2007, 12:34 AM
الأستاذ الفاضل ..

الدكتور مصطفى جمعة العطية .

أرجو أن تسمح لي هنا بتسطير بضع كلمات ..

أنا على يقين أنها لن تفيك حقك من الجهد في هذه الدراسة المعمّقة .

شيءٌ واحدٌ أدهشني هنا أيها الأستاذ الفاضل .. وهو

كيف استطعتَ الغوص إلى أعماق القصيدة ..

وكأنك كنتَ جالسا ً معي عند كتابتها ..؟

أتعلم يا سيدي ..

لقد قرأت الكثير من الكتابات حول بعض قصائدي ..

إلا إنني لم أجد دراسة ً تحليلية ً بهذا العمق ..

وأودّ هنا أن أقدّم لك التهنئة على أمر ٍ هام بات يستحوذ على الكثيرين من النقاد ..

هو ابتعادكَ تماما ً عمّا يشعرون به من غريزة الدجاج ..

في تمزيق الأوراق بالمخالب والمناقير .

لله درّك ..

وماذا يمكنني أن أقول لك هنا غير ..

ألف شكر ٍ من الأعماق ..

طامعا ً بمتابعتك يا ذا القلم الرصين .

لك فائق احترامي ..

وخالص مودّتي .

د. مصطفى عطية جمعة
04-09-2007, 11:01 AM
أستاذنا الكبير
سعادة الدكتور مصطفى
عندما تتجه القراءات النقدية لأعضاء المرافئ
نشعر بقيمة مبدعينا
وأنت لك القدح المعلى في هذا الجانب
فأرجو أن تولي أدباء المرافئ من وقتك الثمين
ما يفتح لهم مصاريع الإبداع

شلالات شكر
لك أيها الفاضل

الأستاذ / خالد العنزي القدير
تحية حارة وشكر ثري
أشكرك على تلقيك العظيم لقراءتي النقدية ، وهي تدل على وعي جمالي عالي المستوى
وسأسعى قدر المستطاع إلى السير على هذا النهج : نص ودراسة ، مع أدباء المرافئ ، فهم من الإبداع العظيم ما يحفز الناقد على الكتابة ، ويستفزه للعطاء ، وهذا ما يشعرني بالأسى ، والسبب : كم من مبدعينا هم قامات شامخة ، لا تجد من يتابعها ولا يضعها في دائرة الضوء ، أما جهدي فهو جهد المقل الضعيف الذي يعذر به إلى الله على التقصير .
أشكرك ، ولك خالص تحيتي ومودتي

أحلام الحميد
04-09-2007, 12:28 PM
الدكتور الكريم /

مصطفى عطية جمعة ..

قراءةٌ ثرية ..
لمثلها يطمح المبدعون ..
فهي محفزة على التماس الجمال .. والغوص في الدلالات ..
فتحت آفاقًا وآفاقًا في النص ..

أستاذي الكريم ..
استمتعنا بها .. واستفدنا كذلك ..
ونطمع بالمزيد ..

دمتَ مبدعًا .. ومحلقًا في ضياء الحرف السامق ..

د. مصطفى عطية جمعة
04-09-2007, 10:44 PM
الدكتور الكريم /

مصطفى عطية جمعة ..

قراءةٌ ثرية ..
لمثلها يطمح المبدعون ..
فهي محفزة على التماس الجمال .. والغوص في الدلالات ..
فتحت آفاقًا وآفاقًا في النص ..

أستاذي الكريم ..
استمتعنا بها .. واستفدنا كذلك ..
ونطمع بالمزيد ..

دمتَ مبدعًا .. ومحلقًا في ضياء الحرف السامق ..

الأخت المبدعة المتالقة / أحلام المحيميد تحياتي وتقديري لك
دائما أنت متابعة جيدة لكل ما ينشر في المرافئ ، وارى أن هذا أبرز ما يميز المرافئ أن الإدارة فاعلة ، غاية التفاعل ، مع ما ينشر ، وهذا ما يحفزني إلى تكرار التجربة دائما ، خاصة أن في المرافئ من النصوص ما يحفز الناقد على الكتابة ، ويستفزه للإبداع . دام تواصلنا ، وفي انتظار المزيد من إبداعك

د. مصطفى عطية جمعة
04-09-2007, 11:03 PM
الأستاذ الفاضل ..

الدكتور مصطفى جمعة العطية .

أرجو أن تسمح لي هنا بتسطير بضع كلمات ..

أنا على يقين أنها لن تفيك حقك من الجهد في هذه الدراسة المعمّقة .

شيءٌ واحدٌ أدهشني هنا أيها الأستاذ الفاضل .. وهو

كيف استطعتَ الغوص إلى أعماق القصيدة ..

وكأنك كنتَ جالسا ً معي عند كتابتها ..؟

أتعلم يا سيدي ..

لقد قرأت الكثير من الكتابات حول بعض قصائدي ..

إلا إنني لم أجد دراسة ً تحليلية ً بهذا العمق ..

وأودّ هنا أن أقدّم لك التهنئة على أمر ٍ هام بات يستحوذ على الكثيرين من النقاد ..

هو ابتعادكَ تماما ً عمّا يشعرون به من غريزة الدجاج ..

في تمزيق الأوراق بالمخالب والمناقير .

لله درّك ..

وماذا يمكنني أن أقول لك هنا غير ..

ألف شكر ٍ من الأعماق ..

طامعا ً بمتابعتك يا ذا القلم الرصين .

لك فائق احترامي ..

وخالص مودّتي .

الشاعر الجميل المبدع السعيد الغاضب / سعد مهدي تحياتي المعبقة من نشيدك العطري
أولا : الشرف لي لأنك أتحت لي بنصك قراءة أضافت لي قبل أن تضيف لك .
ثانيا : هذه القراءة تأتي ضمن مشروع نقدي -أعانني الله عليه - وعنوانه : نص وقراءة ، وهو عبارة عن انتخاب مجموعة من النصوص المتميزة كل عام لتسليط الضوء عليها ، ومن ثم على مبدعها ، وهي ستجمع في كتاب مستقل ، سيصدر عند تمام هذه الدراسات ، وبالمناسبة أحد كتبي عنوانه : جدلية المرئي واللامرئي . وقد كان منهجه دراسات في الدواوين والمجموعات بشكل عام ، أما منهج الكتاب المزمع فهو دراسات في نص واحد فقط ، من خلال منهجيات النقد الحداثي .
ثالثا : عادتي دائما أن أنشر نصوصي إلكترونيا أولا ، ثم تنشر ورقيا في صحف ومجلات ، في الخليج ومصر ، وهذا ما فعلته مع دراستك ، حيث أرسلت لعدة صحف في مصر والخليج .
رابعا : أنت شاعر فحل ، والفحل يحتاج جهدا لقراءته وإلا لن يجد إلا نقيق الدجاج ، أو نقار الخشب الذي لن يعي أبعاد تجربته وجمالياتها .
خامسا : انتظر المزيد من المتابعة لنتاجك دائما فهذا واجبي وإفادة لي .
سادسا : .............................................. حبي ومحبتي وتقديري لك .

هيفاء الحمدان
04-10-2007, 01:32 AM
ثلاث عيون من النرجسِ & & على قائمٍ أخضر أملسِ
يذكرنني طيب ريَّا الحبيب & & فيمنعنني لذة المجلس ..!

الأولى / للدكتور مصطفى عطية جمعة
والثانية / للشاعر المبدع سعد علي مهدي
والثالثة / لكل من أولى اهتماماً بهذه الدراسة القيمة..

تحياتي للجميع.

د. مصطفى عطية جمعة
04-13-2007, 02:04 AM
ثلاث عيون من النرجسِ & & على قائمٍ أخضر أملسِ
يذكرنني طيب ريَّا الحبيب & & فيمنعنني لذة المجلس ..!

الأولى / للدكتور مصطفى عطية جمعة
والثانية / للشاعر المبدع سعد علي مهدي
والثالثة / لكل من أولى اهتماماً بهذه الدراسة القيمة..

تحياتي للجميع.

الأخت المبدعة / هيفاء الحمدان تحياتي من شذى المرافئ
أول مرة اشعر أنني غير قادر على رد تحيتك العبقة
كنتِ أكرم مني ، بكلمات رقيقة ، عطرة ، برائحة النرجس .
فاسمحي لي أن اشكرك وأحييك وأحييي المرافئ التي جمعتنا على الخير .
دمت متألقة القلم والذات دائما

ساري
04-18-2007, 12:51 AM
قراءة في قصيدة " قراءة في منشور عطري " للشاعر سعد علي مهدي :

تثوير عالم النبات كبناء مواز لعالم البشر
قراءة تأويلية في التشكيل الجمالي
بقلم د. مصطفى عطية جمعة

يشكل نص " قراءة في منشور عطري " نموذجا لكتابة شعرية مميزة تتعامل مع مكونات عالمنا المادي والميتافيزيقي برؤية جديدة ، هذه الرؤية تمثل خطا متميزا في الكتابة الشعرية ، ولها امتدادات في التراث الشعري العربي ، وكذلك في الشعر العالمي ، ولعل هذا النص نموذج ثري لهذا اللون الشعري ، الذي يعتمد على رؤية مفادها : إن كل ما حولنا في الوجود يعايشنا مثلما نعايشه، فيجب أن نتعامل معه بوصفه حيا متحركا منطلقا ؛ وبالتالي تسقط نرجسية الإنسان واستعلائه على الوجود ، فليست الطبيعة في خدمة غرور الإنسان ، بل هي مكون أساس له في هذا الوجود . فهل يستطيع أي منا الاستغناء عن النباتات أو الحيوانات أو الطيور أو الأفلاك ؟ إذن ، فلماذا الاستعلاء عليها ، والتعامل مع مكونات هذا الوجود من منظور أن البقاء للإنسان فقط ؟ هذه رؤية الفكر البيئي الذي اجتاح العالم منذ عقود .
تأسيسا على الرؤية السابقة ، في المحيط الإبداعي ، فإن هناك تيارا أدبيا بات يتعامل مع مكونات الوجود بوصفها كيانات موازية متكاملة المعالم والرموز، ومن الممكن بناء عوالم شعرية وإبداعية ، ذات تشكيل جمالي مستقى من هذه الكيانات بحيث يكون هذا الكيان عالما متكامل العناصر ، والرموز ، والدلالات ، ويكون وسيلة إسقاطية لقراءة عالم البشر . ولنا في الفنون التشكيلية نموذج فاعل ، فكثير من اللوحات التشكيلية تتناول جزئيات وشرذمات ومتناثرات المادة في الوجود ، وتعيد تشكليها لتقديم قراءة فلسفية وجمالية لعالمنا البشري .
وفي هذا النص يتخذ – شاعرنا - النباتات بتفاصيل حياتها عالما موازيا لعالم البشر ، ومن خلال هذا العالم النباتي ، يقدم " سعيد مهدي " قراءة لعالم البشر ، بكل جزئيات عالم النبات ، على مستوى الزهور والأشجار والألوان ، وأيضا ما يضاد النبات من مفسدات مثل الأملاح والمبيدات ، فنحن نتيه متأملين في دنيا النباتات ، معجبين بزهورها الجميلة ، وأشجارها الباسقة ، وألوانها الزاهية ، ثم نكتشف أن هذا التيه ، ما هو إلا بناء فلسفي له إسقاط واضح على العالم الإنساني ، ورغم صدمتنا الناتجة عن الخروج من دنيا النبات ، إلى واقع الإنسان بكل عنفوانه ، ومظالمه ، فإن نشعر أن هذه القراءة امتلكت عبقا نباتيا مشبع برائحة الزهور ، وبسوق الأشجار ، وتنوع الألوان .
تأتي هذه القراءة ضمن تجربة " نص وقراءة " في محاولة لتسليط الضوء على عالم شعري متميز للشاعر سعيد على مهدي ، الذي يعد ضمن طليعة الشعراء العرب الذين يتكئون على جماليات شعر الحداثة ، ورؤى ما بعد الحداثة، في قراءة الوجود ، وقراءة أزمات مجتمعنا العربي ، بروح إسلامية ، وبرموز ودلالات تضرب في أعماق الثقافة الإسلامية . لذا كان المنهج الأنسب – الذي ارتأيناه – هو منهج التأويل الدلالي لجماليات النص ، فلا يمكن بأي حال فصل جماليات النص الجزئية عن الرؤية الكلية المطروحة ، وقد نشر النص في منتدى "مرافئ الوجدان " الإلكتروني الذي يحفل بكثير من الإبداعات المميزة .
وفي سبيل المزيد من التفاعل مع القراءة ، نقوم بعرض النص ، ومن ثم تكون القراءة التأويلية من منطلقات جمالية وتشكيلية .
* * *
النص :
قراءة في منشور عطري للشاعر / سعيد علي مهدي

ماذا تنتظرُ الأزهارُ لتعلنَ عن ثورتها الكبرى

في وجه توابيت الملحِ

وبوجه طواغيت القُبحِ

كي تنشر أفكار النسرين علانيةً

وتبشّرَ أوراق الدفلى

برياح الثورة والفتحِ

اِنّ التحرير له ثمنٌ

وبدن النزف مع الطعنةِ لا يُذكرُ شأنٌ للجُرحِ

فتعالَي نُعلن ثَورتَنا

الآنَ .. ونحملُ صورتَنا

زاهيةً تحملُ رَونقَها

أنباءُ الليل الى الصُبحِ

*********

نفرحُ بالبسمةِ والنظرةِ من خلف ستارٍ يفصلنا

من دون ستار

وكأنّ الكَونَ يلاحقنا بقذارتهِ

غسلاً للعار

يا كلّ نفايات الأرض انتظري فالثورةُ قادمةٌ

لا بدّ سيقلعُكِ الأعصار

ولقد أقسمتُ على النرجس كي ينهضَ في كلّ الدنيا

لكنّ النرجسَ أرسلني كي أستنهضَ كلّ الأزهار

لتُدافعَ عن شرف العطرِ

ولَون العشقِ

وتقرأَ للصحراء قليلاً ما جاء بكرّاس الأمطار

**************

للبُرعمِ رَبٌّ يَحميهِ

ما دام العطرُ بجانبهِ

والماء الدافىءُ يَسقيهِ

لا خوفَ على فكر النعناع من الأملاح اذا زحفَت

لتمارس دَور التشويهِ

ستُعيدُ الأرضُ خصوبتُها

بربيعٍ آخر يَرويهِ

وستُعلنُ أغصانُ الزيتون تجاربَها

عن رسمِ علامات الصُلحِ

في وجه أساليب الرُمحِ

اِن يَمسـسها قرحٌ فلقد عاشَت تستهزىءُ بالقَرحِ

ولقد أقسمتُ بخضرتها

سنقاومُ تيّار الملحِ

سنقاومُ تيّار الملحِ
القراءة :
إنه نص مدهش ، نص محفز ، نص مستفز .
مدهش لكونه يتعمق مكونات الوجود ، فيختار الزهور والنباتات ، لا لكي يصفها أو يتحدث عن جمالها أو يستخدمها وصفا لغيرها من البشري ، وإنما كي يقيم علاقة معها .
نص محفز لكون العلاقة المقامة بين الشاعر وزهوره وأشجاره ليست علاقة حب وتلاق على غرار قصائد وصف الطبيعة التي سادت حقبة الشعر الرومانسي ، وإنما علاقة تثوير ( من الثورة ) ، تطرح قراءة للكون من واقع الرغبة في التغيير ، تغيير الكون، بكل ملوثاته المادية والمعنوية .
نص مستفز لكونه يستخدم الزهور والنباتات والأشجار منشورات وبيانات للثورة، وأدوات للتغيير ، فيصبح الزهر زعيما للثوار ، محركا للجموع النباتية ، متسلحا بأشجاره ، مصطبغا بألوانه .
إنه نص سير في خط جديد في الكتابة الشعرية لم تنفرد به بالطبع ، فمعه آخرون بالعربية وغيرها خاصة في تجار شعر الدول الإسكندنافية ، حيث ظهرت جماعات شعرية تعتمد العلاقات المباشرة مع النباتات والطيور ... ، تحيا معها ، وتتنفس في محيطها ، فخرجت نصوص من شذى هذه العلاقات ، ولكنه مشبعة بروح الإنسان ، ورؤاه وفلسفاته .
شاعرنا يثور في مطلع النص هاتفا :

ماذا تنتظرُ الأزهارُ لتعلنَ عن ثورتها الكبرى

في وجه توابيت الملحِ

وبوجه طواغيت القُبحِ

كي تنشر أفكار النسرين علانيةً

وتبشّرَ أوراق الدفلى

برياح الثورة والفتحِ

منذ المطلع ، تبدو العلاقة المتفجرة ، دون تمهيد مسبق لنشوء هذه العلاقة ، بل تترك هذه المسبقات للمتلقي ، يتخيلها ، ويتوقعها ، ومن ثم يبني عليها ، وبعبارة أخرى : فإن الشاعر استهل نصه من نقطة المنتصف ، حيث الزهور مشحونة بكل ما في عالمها من مظالم ، فعليها أن تعلن الثورة ضد الملح والقبح . تأويل النص ينصرف- وفقا للمعطيات الجمالية - إلى أن الزهور هي شبابنا ، هذا الشباب الذي استوى في عالم الكبار ، فوجد من المظالم والعهود الخائنة ما دفعه للثورة ، وجاءت مفردات : الملح والقبح ، معبرة عن هذه الأنظمة النباتية / الإنسانية بكل تكلسها ، وخمودها ، وركونها ، وقد كانت مفردة " النسرين " بكل دلالاتها الجمالية ، وأريحيتها اللونية صاحبة فكر الثورة المرتجاة ، ورافعة لواءها . ومن أجل ربط العالم النباتي بالبشري ، كانت مفردات البشر الشائعة : الطواغيت ، الثورة ، الفتح ، وهي مفردات مستقاة من قاموس شعري راسخ في زمن الثورات العربية الذي ساد حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين ، فهذا بناء على بناء أو بالأدق : تناص على تناص ، على مستوى المفردات المنتقاة بدقة ، لتحقق الإحالة التأويلية المقصودة .

ولقد أقسمتُ على النرجس كي ينهضَ في كلّ الدنيا

لكنّ النرجسَ أرسلني كي أستنهضَ كلّ الأزهار

لتُدافعَ عن شرف العطرِ

ولَون العشقِ

وتقرأَ للصحراء قليلاً ما جاء بكرّاس الأمطار

النرجس ليس ماديا بل بشريا ، وليس بشرا عاديا بل ثائر مفجر ، وهو يثور بطريقة الأزهار ، يثور من أجل الحفاظ على العطر ( رمز نقاء الوجود ) ، والعشق ( رمز القلبية النقية والعاشقة ) ، وللصحراء (رمز للجدب ) . إنها ثورة من طراز جديد ، ثورة الزهور ضمن عالم الطبيعة بخضرته وصحرائه .
وتداخل البشري / الشاعر ، من خلال جملة " أرسلني كي أستنهض " لنعيش تجربة ثورة الزهور ، ويظل السؤال : هل الشاعر زهرة ضمن الزهور أم بشر تداخل بإنسانيته لتحريض النباتات في سبيل ثورته . هذه الثورة تسعى :
" لتُدافعَ عن شرف العطرِ
ولَون العشقِ "
هدف زهري ، مصبوغ بالإنساني ، فشرف العطر / كرامة الإنسان ، ولو العشق / محبة الإنسان .
إننا لا يمكن أن نستوعب التمايزات الأسلوبية التي تفجرت في كلمات النص من خلال الطريقة التقليدية : الاستعارة والكناية ، وإنما في إطار أكثر شمولا ، فالنص كل لا يتجزأ ، لا ينفصل عن الرؤية . والرؤية واضحة : إننا – بوصفنا بشرا – لا نعيش الوجود بمفردنا ، بل يتعايش معنا النيات والحيوان والفطريات. وقد اتجه الشاعر نحو هذا ، وراح يسقط على عالمها كل ما في كوننا من فساد وإفساد ، برؤية إسلامية ناصعة ، تستلهم منجزات شعر الحداثة الجمالية ، وتقدم رؤية ما بعد حداثية ، تتخذ الإسلام رؤية شاملة للكون ، رؤية فلسفية ، وقدم من التناص التاريخي ، والقرآني ، ما يشكل داعما خلفيا لهذه الرؤية ، حيث يهتف الشاعر :
للبُرعمِ رَبٌّ يَحميهِ

ما دام العطرُ بجانبهِ

والماء الدافىءُ يَسقيهِ

لا خوفَ على فكر النعناع من الأملاح اذا زحفَت

لتمارس دَور التشويهِ

ستُعيدُ الأرضُ خصوبتُها

بربيعٍ آخر يَرويهِ

( للبرعم رب يحميه ) تناص مع مقولة عبد المطلب بن هاشم ، وهو يقول لأبرهة الأشرم : " للبيت رب يحميه ، عندما أراد الأخير مهاجمة الكعبة ، فهل البرعم رمز للبيت الحرام لو طرحنا تأويلا إسلاميا ؟ أم رمز للدين كله لو اتسع التأويل ؟ أم رمز للوجود الرباني لو رحب التأويل ؟
وفكر النعناع : بكل شذى النعناع ، وخضرته الزاهرة . رائع هذا القول ضمن المنظومة النباتية التي قدمتها ، فالنعناع ليس زهرا ، ولا نباتا عاديا ، إنه يجمع شذى الزهور وفوائد النبات والثمار : رائحة زكية مميزة العبق ، ولون أخضر زاه ، وأوراق ذات نسق تشكيلي ولوني فريد . فإضافة " فكر " إلى النعناع يشي بطزاجة وصفاء وعذوبة ونكهة الفكر .
( الأملاح ) رمز للفساد والإفساد والتلوث ، وهو رمز مستقى من عالم النبات ، حيث الأملاح خطر يهددها ، وهذا مقدم ضمن المنظومة الكلية التي انتهجها الشاعر في نصه : تثوير عالم النبات ليكون عالما موازيا لعالمنا البشري .
ويقول :
وستُعلنُ أغصانُ الزيتون تجاربَها

عن رسمِ علامات الصُلحِ

في وجه أساليب الرُمحِ

اِن يَمسـسها قرحٌ فلقد عاشَت تستهزىءُ بالقَرحِ

ولقد أقسمتُ بخضرتها

سنقاومُ تيّار الملحِ

سنقاومُ تيّار الملحِ
التناص قرآني : " إن يمسسها قرح " ولكن مع دلالة جديدة ، دلالة التحدي ، لكل ما هو ملوث في هذا الكون ، ولننظر إلى اللفظة القرآنية التي أعطت توهجا رائعا في سياقها النصي ، وهو توهج من كونها تحيلنا إلى أن القرح / الأزمة / المحنة / الاحتلال ، لا يمس المسلم فحسب ، وإنما يمس الكافر ، فإن نكن نألم فهم يألمون كما نألم .
( خضرتها ) رمز لوني إسلامي ، يعيدنا إلى ألوان الرسول صلى الله عليه وسلم المفضلة ، حيث كانت رايته خضراء ، وقيل إن خيمته كانت خضراء ، وهو يتخذ اللونية الخضراء رمزا للمقاومة .
وهي تقاوم : تيار الملح / كل مجترئ مفسد يطاول أمتنا ، وأرى أن الإلحاح على ذكر الزيتون إشارة واضحة للجهاد الفلسطيني ، ولنرجع لأدبيات وأشعار المقاومة ففيها الزيتون رمزا للأرض ، كما أن شعار فصائل المقاومة ( حماس مثلا ) لونه أخضر ، وقد تطورت دلالة الزيتون من السلام (المصطنع المزيف ) إلى المقاومة والثبات . ونقف هنا ، فهذا تناص على تناص ، تناص الزيتون الذي ملأ شعر فلسطين بمستويين : مستوى الإشارة إلى أن أشجار الزيتون من أخص بيئة فلسطين النباتية ، ومستوى أن الزيتون رمز للسلام ، وإن كان السياق النصي هنا يختلف ليصبح جزءا من أدوات المقاومة والتغيير ، ويكون السؤال : هل هذا سخرية غير مباشرة / سخرية شعرية ، من شعارات السلام المرفوعة ؟ أرى أن هذا الأرجح ، من خلال النص ، حيث جاء :
وستُعلنُ أغصانُ الزيتون تجاربَها
عن رسمِ علامات الصُلحِ
وختام النص ، لم يخرجنا من عالمه النباتي ،
ولقد أقسمتُ بخضرتها
سنقاومُ تيّار الملحِ


فهو مقاوم تيار الملح / بكل جموده ، وملوحته ، وفساده ، والتأويل الأخير للملح تأويل يشمل المحتل اليهودي والغربي ، إلى كل من يتآمر ضد أرضنا الخضراء ، إنها قصيدة الثورة النباتية ، التي نجحت في تكوين قاموس شعري وشاعري ، ثري الدلالات ، عميق التأويل ، متنوع المفردات .
وأخيرا إنه :
نص مدهش ، محفز ، مستفز .
حسبي أني متذوقٌ فقط !!
أولا يا دكتورنا العزيز :
النص لم يأتِ بجديد من حيث استخدام الشاعر له ولكنه جديد بعصره وتوظيفه له
فقط تطرق إليه شعراء كثر من أدبنا العربي
ولعلك أشرتِ إلى ذلك بشكل مقتضب ! وقصدك منه ابن زيدون
وبالطبع تعرف القصة كاملة عندما هام على وجهه بعدما خذلته
حبيبته الشاعرة ولادة بنت المستكفي ! حتى جاء إلى بستان و" شخّص "
الزهر بأنواعه ليشاركه آلامه !! أليس كذلك يا دكتورنا ؟
ثانيا :
كثرت عندك كلمة " تناص " من مثل التناص قرآني : " إن يمسسها قرح "
وأنت تعرف يا دكتور أن أول من استعمل هذه اللفظة على يد جوليا كرستيفا
استنباطا من دراسة عن دوستويفيسكي لباختين بمعنى خاص بالرواية وإنه له
أصل عندنا بمعنى الاقتباس القرآني والتضمين النبوي وربما الشعري من تلميح
أوإشارة من أمثال :
قول عنترة :
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم *** عنها واكني تضايق مقدمي
ضمنه مسلم بن الوليد في قوله :
ولقد سما للخرمي فلم يقل *** يوم الوغى أني تضايق مقدمي
فلماذا نتعمد أن نأخذ من الغرب كل شيء ولو ناقشتك سيدي الدكتور حول كلمة تناص
فلرأينا بمعناها الغربي الأول حول الرواية والقصة وبعيدة كل البعد عن الشعر وغيره !
بارك الله فيك وسدد على طريق الحق خطاك
قراءة نقدية جميلة لنص فاتن جميل
ولكن فقط من متذوق بسيط !!

د. مصطفى عطية جمعة
04-19-2007, 10:36 PM
الأستاذ الجميل / ساري أيها المبحر الجديد سلام الله عليك
أولا : أشكرك لقراءتك الفاعلة الدقيقة .
ثانيا : إنني بشكل شخصي مؤمن أن المناهج النقدية الغربية لم يصنعها الغرب بمفرده ، وإنما هي جهد بشري جماعي ، من الشرق والغرب ، ولنا كل الحق في الاستفادة منها من موقع الندية والتحاور ، ومصطلح التناص له جذور في الفكر النقدي العربي ، وهذا يعطينا فخرا ، ولا يمنعنا من الاستفادة من الإضافات المهمة التي أضافها نقاد الغرب عليه ، حيث أصبح منهجا كاملا .
ثالثا : ليست قضية الاستعانة بالغرب ومناهجه ، ولكن قضية تطوير أدوات النقد العربية التي تعاني كثيرا من الخطابية والمضمونية وتحميل النص ما لا يحتمل ، والمجاملات أو المهاجمات .
تحياتي وأهلا بك في حوار دائم .