المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عدنان الصايغ و نهاية الشعر


فوزي الديماسي
04-06-2007, 01:38 PM
للشعر بهجته و سطوته ، و للشعر أريجه و بريقه و سحره ، هو الرسم بالكلمات على حد تعبير نزار قباني ، و هو طلاسم و رقص متقن بالمفردات ، و هو رديف النصوص المقدسة في تأرجحه بين الهنا / الآن و الهناك / المفارق ، محايث له مغاير في آن من حيث المرجع بمفهومه اللساني ، فشتان بين خطاب مصدره عالم الغيب و آخر عالم الشهادة مصدره ، و لكن الجامع بينهما أنهما خطابان مفارقان لا يندرجان

في خانة الكلام بمفهومه اللسانـي ، فالشعر خطاب تحسبه سحرا و ما هو بذلك ، و إنما هو لغة مطرزة و منمقة و متأنقة مجايلة لليوميّ و لما وراءه ، و للهامشيّ و لما وراءه و للشعبيّ و لما وراءه ، ذلك هو الشعر في أبسط تجلياته و ذلك ما تفتقده نصوص عدنان الصايغ في غير منعطف و في كثير من النصوص حيث جاءت قصائده عارية من كلّ شعرية ، تغلب عليها صفة التقريرية و تعوزها الإنشائية حتى باتت نصوصه و لا نعمّم مقاطع نثرية حاملة من حين لآخر إشارات تحمل على فنّ الشعر القائم على التلميح لا التصريح ، و الشعرإيحائي ، لا إيحاليّ لأنّ الإحالة و التصريح أشياء ليست منه في شيئ ففي قصيدته الموسومة بعنوان ” أبواب ” و نعتنا إياها بالقصيدة هو من باب التفاؤل ، إذ الإنشائية أي العنصر الأساسي في العملية الشعرية غائب بامتياز حتى أنّ كلامه المحمول عنوة على فن النظم جاء في حلة ركيكة متينة الصلة بالنثر بل إنها لم تبلغ في كثير من أجزائها درجة النثرية :

أطرق بابا
أفتحه
لا أبصر إلاّ نفسي
بابا
أفتحه
أدخل
لا شيء سوى باب
آخر
يا ربّي
كم بابا يفصلني عنّي

فالأسطر هنا عبارة عن تراكيب إسنادية فعلية قصيرة و بعض متممات على حد تعبير النحويين ، احتلت لها محلات في التوزيع البصري للقصيدة و هو في الحقيقة توزيع لا يخضع لإستراتيجية نحوية و شعرية و لا يراعي المقاطع و المعاني ، فأيّ شعرية هذه التي تنسحب على متمّم نحويّ لا محلّ له في التركيب النحوي فلا إنشائية ذات خطر و لا شعرية نحوية فهل من إنشائية في كلمة ” بابا ” المحتلة سطرا شعريا برمّته ؟ فالأسطر في هذه القصيدة جمل خبرية تحمل معانيها في ظاهرها و في بعض الأحيان ترد الكلمات شاحبة وخالية من كل شعرية كما في قوله ” أدخل ” و قراءتها لا تتجاوز عتبات السطح ، إذ النص و خاصة النص الإبداعي يقرأ قراءتين من خلال خطه الأمامي و من خلال خطه الخلفي كما ذهبت إلى ذلك جوليا كريستيفا أو هي لعبة ” الميتالغوي ” علـى حد تعبير الناقد التونسي مصطفـى الكيلانـي ، فغيـاب التكثيف و الاختزال جعـلا من النص الممهور بعنوان ” أبـواب ” لعدنان الصايغ من ركيك النثر أقرب و به ألصق ، و لو عرضنا القصيدة كلها باستثناء السطر الأخير ” كم بابا يفصلني عنّي ” على محك علم البلاغة لتهاوت كلها ، و انحدرت نحو عميق الغياب و سحيقه ، و ذلك لخلوّها ممّا يجعل من النص الشعري نصا شعريا يعكس فيه المبدع بلغة مكثفة رؤيته و رؤياه ، ولولا مراوغة السطر الأخير لأفق القارئ لقلنا ما هكذا يقد الشعر يا عدنان !!
أمـّـاّ عن قصيدته المنشورة تحت عنوان ” رقعة وطن ” فهــي الأخرى لم تشذّ عن سابقتها ، و غرقت بدورها في التقريرية و المباشرتية :

ارتبك الملك
و هو يرى جنوده
محاصرين
من كل الجهات
و المدافع الثقيلة تذك
قلاع القصر

لو جمعنا هذه الأسطر في شكل فقرات على طريقة النثر ” ارتبك الملك و هو يرى جنوده محاصرين من كلّ الجهات و المدافع تذك قلاع القصر ” فهل من شيء يوحي بشعريتها ، و ما يميّزها عن النثر العادي ليحشرها صاحبها في خانة الشعر ؟ فهل من استعارة أو كناية أو تورية تشفع لهذه الأسطر النثرية الباهتة و الخاوية ، و قد قيل في المدونة النقدية القديمة ” الشعر أحلاه أكذبه ” و الكذب في هذا الباب ليس بمعناه الأخلاقي و إنما بمعناه الفني ، فهل أتت هذه الأسطر بخارق ؟ أم جعلت الحقيقة مجازا ؟ أو قربت بعيدا أو جمّلت قبيحا ؟ ثمّ إنّ الأسطر المشار إليها هي جملة واحدة تركيبها الإسنادي ” ارتبك الملك ” و اللاحق بها من الأسطر متممات للتركيب جاءت فـي شكل تراكيب ظرفية تفيد الزمانية و هل تقسيم المتمّم أي التركيب الظرفي إلى مقاطع مختلفة في الطول يعد من باب فعل الشعر ؟؟ و يحقق بالتالي شعرية النص ؟؟ و هل من مقاييس ها هنا اعتمدها الشاعر لتقطيع الجملة إلى مقاطع و توزيعها بصريا حسبه ، أم أنّ العبث و اللاّإستراتيجية هو الأساس الوحيد في التقسيم ، و مثل هذه الشواهد كثيرة في شعر عدنان الصايغ و نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر قصيدة :

و كيف ارى الصحب
من غيبوا في الزنازين
أو كرشوا في الموازين
أو سلّموا للتراب
إنها محنة - بعد
عشرين -
أن تبصر الجسرغير
الذي قد عبرت
السماوات غير
السماوات
و الناس مسكونة
بالغياب ..

إذن يمكن لهذه النماذج الثلاثة أن تقوم دليلا على هشاشة العملية الشعرية لدى عدنان الصايغ طالما أنها لم تبلغ درجة النثرية حتى ، و كم من نثرتجده أشعر من الشعر بكثير و يحتكم إلى صور شعرية على غاية من الروعة و الصنعة و ذلك هو الإبداع الحق بقطع النظر عن المواضيع التي يتناولها و تحضرني هنا شعرية السرد و بلاغته عند طه حسين و جبران خليل جبران ، فالوعد الحق لطه حسين نعدّه من أجود الكتب أسلوبا و طرحا و رغم ذلك لم يحمله النقاد على فن الشعر رغم أننا لو قمنا بتوزيعه بصريا حسب كتّاب قصيدة النثر الحاليين لاستوى كتابا شعريا بامتياز .
و إذا سألت أحد كتّاب قصيدة النثر - و التسمية هنا بالنسبة إلينا إجرائية – عن مدى شعرية ما يكتبون توسلوا بالموسيقى الداخلية التي لم نجد لها أثرا في الأمثلة الثلاث ، فالحروف و المقاطع و الأصوات لم تنسجم مع السياقات التي يكتب من خلالها الشاعر عدنان الصايغ ، فالمقاطع و الأسطر في قصيدته ” رقعة وطن الواردة في سياق استهزائي بدت الأصوات - على حدّ تعبير درس الصوتيات - فيها شاحبة و خالية من نبرة الاستهزاء و يحضرني هنا مثال لأبي الطيب المتنبي يصف فيه معركة من معارك سيف الدولة بقوله ” و القنا يقرع القنا ” فتسمع من خلال الأصوات و الكلمات و الجمل قرع السيف للسيف و حرارة المعركة و هذا ما لم نجده لدى الشاعر في الأمثلة المشار إليها و بذلك جاءت قصائده نصوصا نثرية عادية موزعة توزيعا بصريا هامشيا لا يمكن بأيّ حال من الأحوال حمله على فنّ الشعر

هيفاء الحمدان
04-10-2007, 01:12 AM
أستاذ فوزي..
أهلاً بك..
قرأت نقدك العميق لشعر عدنان الصايغ - أقول شعر تجاوزاً-
وأعجبت بطرحك..
استشهادك بمجموعة من النصوص فقدت شعريتها في محله..
يتبادر إلى ذهني سؤال..
عندما يكتب الشعر بهذه الطريقة..
هل يكون ذلك نتيجة لتأثر الشاعر بمترجمات الشعر الغربي ، حيث تأتي تلك المترجمات طليقة القيد من الوزن الشعري وقافيته، لكنها مكتنزة بالمعاني التعبيرية؛ إلى حد يجعلني أظن أن هناك جمع من الشعراء ممن يسيرون على خُطَا " الصايغ" قد وقعوا تحت سطوة التأثر بمعاني المترجمات، فأعجلهم الأمر ليبدعوا نصوصاَ نثرية ذات طاقة تعبيرية عميقة في قولبة شعرية شكلية دون أن يمسكوا بزمام الوزن الشعري..
فهل هذا النوع من الإنتاج الأدبي تحكمه الرغبة في اقتناص لحظة تأثرية ثم يلقى بالنص المنتج موصوفاً بشعرية لم يكتمل نموها بعد..؟
أرجو أن أجد جواباً..!
مع تحياتي.

انتصار الهذلي
04-10-2007, 06:14 AM
جميلة هذه القراءة السابرة أستاذ فوزي
ويظل هناك فروق إيقاعية بين الشعر والنثر
شكرا لك

فوزي الديماسي
04-19-2007, 06:27 PM
الأخت العزيزة هيفاء
الشعر شعور هو رؤية و رؤيا محكومة بلغة عالية الإحساس تطرب لكن لها فعل الوخز ، تدهشك على حدّ تعبير الفيلسوف هيدغر و تشدّك لها شدّا يطوّف بك في شعاب عقلك بحثا عن الخيط الرفيع الرابض وراء النصّ . ذلك هو الشعر عندي . أما النصوص الالسافرة و المتبرّجة تبرّجا فنيّا فحالها كحال تلك الأغاني و أقول " أغاني " تجوّزا ، فهل لك يا هيفاء أن تقارني بين اغنية ام كلثوم " يا فؤادي لا تسل أين الهوى .... " و أغنية " بوس الواوا " .

الشعر صورة شعرية ، و لغة عالية ، و رؤى متخفّية ...............
كقول المتنبي

إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تحسبنّ أنّ الليث يبتسم

كقول أبي القاسم الشابي

إذا الشعب يوما أراد الحياة ... فلا بدّ أن يستجيب القدر

كقول شاعر تونسي حديث

أنا المشغول بالأيام
امضي إلى زمن ... و بي زمن عقيم

فوزي الديماسي
04-19-2007, 06:33 PM
انتصار شكرا على مرورك الرقيق من هنا