حسين صديق حكمي
02-21-2007, 08:07 PM
للمتنبي نفس مميز في تصوير المواقف الوداعية ، التي يضطر الإنسان فيها أن يفارق أحبابه الذين لم يعتد على فراقهم ، الذين أحبهم وهام فيهم وذاب في هواهم . وهي مواقف وبلا شك تسلب اللب ، وتدمع العين ، ويزيد فيها وجيب القلب وخفقانه ، وتنهار فيها القوى ، ويشتد الخطب ، تلك المواقف وشح بها أبو الطيب مقدمات قصائده التي سافرت في الدنيا شرقاً وغرباً ، ولما كان الشيء بالشيء يذكر وفي خضم الحياة أجدني منساقاً للتعاطف مع شاعر العربية الأكبر ، وبي ميل شديد هذه الأيام خاصة لاستذكار تلك المقاطع ومدارستها ومشاركة زملائي من أدباء وأديبات المنتدى لتذوق شعر الوداع المشوب بالحنين والألم :
يقول أبو الطيب :
حشاشة نفس ودعت يــوم ودعوا : فلـــم أدر أي الظاعنيـــن أشيـــــــــــــع
أشاروا بتسليم فجــــــدنــا بأنفس : تسيل من الآمــــــــــــــــاق والسم أدمع
حشاي على جمر ذكي من الهوى : وعيناي في روض من الحسن ترتــــــع
ولو حملت صم الجبال الذي بنــا : غداة افترقنــــــــــــــــا أوشكت تتصــدع
حمل البيت الأول معنى جديداً ، حيث قرن بين ذهاب أحبابه وذهاب نفسه ، وجاء الاستفهام رائعاً يتضمن الحيرة والأسف ممتزجين ، ويؤكد في الثاني معنى الأول ، وكم هو جميل قوله : أشاروا بتسليم ، فما أروع تلك الأكف النواعم اللاتي تشير مودعات ، ولم يستطع تحملاً من رآها حتى جاد بنفسه .
وللمتنبي عينية ثانية بديعة ، ومؤثرة يقول في صفة الوداع فيها :
الحزن يقلق والتجمل يردع : والدمع بينهما عصي طيع
يتجاذبان دموع عين مسهد : هذا يجيء بها وهذا يرجع
والفراق هنا فراق أبدي مؤلم ، فهو يرثي صديقه ذاك أبا شجاع فاتك الملقب بالمجنون ، ذاك الذي أهداه يوماً هدية من الطيب زكي الرائحة فقال يخاطبه :
يذكرني فاتكاً حلمه : وشيء من الند فيه اسمه
نعود لوداعيته ، ها هو يصور القلق الذي ينتاب الحزين ، وصراع القلق والتجمل ، فالحزن يثير القلق والتجمل يردع عنه . ثم يأتي الدمع اللذيذ ، لذيذ لأنه يبرد اللوعة ، ويشفي النفس ، غير أن المتنبي يصور حيرة الدمعة بين نزولها وبقائها ، هذا معنى ما أراده بقول : عصي طيع . ولله دره من تصوير بليغ تربع على تلك القصيدة الجميلة .
ويقول شاعرنا في الخد أن عزم الخليط رحيلا : مطر تزيد به الخدود محولا
يا نظرة نفت الرقاد وغادرت : في حد قلبي ما حييت فلولا
لن نقف إلا عند نظرة الوداع وكيف تفعل فعلها في قلب المودع ، ما جعل المتنبي يبالغ ليصف مقدار تأثيرها بأنها تترك أثراً يطول عهده إلى آخر العمر .
أما نونيته تلك فمن خوالد الدهر ، يقول فيها لله دره :
قد علم البين منا البين أجفــــــــــــانا : تدمى وألف في ذا القلــب أحزانا
أملت ساعة ساروا كشف معصمها : ليلبث الحي دون السر حيـــــرانا
ولو بدت لأتاهتهم فحجبهـــــــــــــها صون عقولهم من لحظها صانا
بالواخدات وحاديهـــــــــــا وبي قمر ٌ : يظل من وخدها في الخدر خشيانا
أما الثياب فتعرى من محـــــــاسنه : إذا نضاها ويكسى الحسن عريانا
يضمه المسك ضم المستهـــــــام به : حتى يصير على الأعكان أعكانا
قد أشفق من دمعي على بصــــــري : فاليوم كل عزيز بعدكم هــــــــانا
هذه وداعية وفي الوقت ذاته لوحة فنية جميلة لشاعر عربي عظيم . هذه مشاركة آمل أن تضيف شيئاَ من الحس والذوق إلى قارئها وشكراً لكم .
يقول أبو الطيب :
حشاشة نفس ودعت يــوم ودعوا : فلـــم أدر أي الظاعنيـــن أشيـــــــــــــع
أشاروا بتسليم فجــــــدنــا بأنفس : تسيل من الآمــــــــــــــــاق والسم أدمع
حشاي على جمر ذكي من الهوى : وعيناي في روض من الحسن ترتــــــع
ولو حملت صم الجبال الذي بنــا : غداة افترقنــــــــــــــــا أوشكت تتصــدع
حمل البيت الأول معنى جديداً ، حيث قرن بين ذهاب أحبابه وذهاب نفسه ، وجاء الاستفهام رائعاً يتضمن الحيرة والأسف ممتزجين ، ويؤكد في الثاني معنى الأول ، وكم هو جميل قوله : أشاروا بتسليم ، فما أروع تلك الأكف النواعم اللاتي تشير مودعات ، ولم يستطع تحملاً من رآها حتى جاد بنفسه .
وللمتنبي عينية ثانية بديعة ، ومؤثرة يقول في صفة الوداع فيها :
الحزن يقلق والتجمل يردع : والدمع بينهما عصي طيع
يتجاذبان دموع عين مسهد : هذا يجيء بها وهذا يرجع
والفراق هنا فراق أبدي مؤلم ، فهو يرثي صديقه ذاك أبا شجاع فاتك الملقب بالمجنون ، ذاك الذي أهداه يوماً هدية من الطيب زكي الرائحة فقال يخاطبه :
يذكرني فاتكاً حلمه : وشيء من الند فيه اسمه
نعود لوداعيته ، ها هو يصور القلق الذي ينتاب الحزين ، وصراع القلق والتجمل ، فالحزن يثير القلق والتجمل يردع عنه . ثم يأتي الدمع اللذيذ ، لذيذ لأنه يبرد اللوعة ، ويشفي النفس ، غير أن المتنبي يصور حيرة الدمعة بين نزولها وبقائها ، هذا معنى ما أراده بقول : عصي طيع . ولله دره من تصوير بليغ تربع على تلك القصيدة الجميلة .
ويقول شاعرنا في الخد أن عزم الخليط رحيلا : مطر تزيد به الخدود محولا
يا نظرة نفت الرقاد وغادرت : في حد قلبي ما حييت فلولا
لن نقف إلا عند نظرة الوداع وكيف تفعل فعلها في قلب المودع ، ما جعل المتنبي يبالغ ليصف مقدار تأثيرها بأنها تترك أثراً يطول عهده إلى آخر العمر .
أما نونيته تلك فمن خوالد الدهر ، يقول فيها لله دره :
قد علم البين منا البين أجفــــــــــــانا : تدمى وألف في ذا القلــب أحزانا
أملت ساعة ساروا كشف معصمها : ليلبث الحي دون السر حيـــــرانا
ولو بدت لأتاهتهم فحجبهـــــــــــــها صون عقولهم من لحظها صانا
بالواخدات وحاديهـــــــــــا وبي قمر ٌ : يظل من وخدها في الخدر خشيانا
أما الثياب فتعرى من محـــــــاسنه : إذا نضاها ويكسى الحسن عريانا
يضمه المسك ضم المستهـــــــام به : حتى يصير على الأعكان أعكانا
قد أشفق من دمعي على بصــــــري : فاليوم كل عزيز بعدكم هــــــــانا
هذه وداعية وفي الوقت ذاته لوحة فنية جميلة لشاعر عربي عظيم . هذه مشاركة آمل أن تضيف شيئاَ من الحس والذوق إلى قارئها وشكراً لكم .