المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الثقافة بوصفها ضرورة


مصطفى معروفي
01-26-2007, 11:32 PM
1- الثقافة والمثقف /محاولة تعريف :
إن للثقافة تعاريف مختلفة ومتنوعة ، وقد عدها بعضهم فوصلت عنده إلى 160تعريفا ، وهي في كثير من جوانبها مرادفة لكلمة حضارة ، ولكن أسوق هنا واحدا من التعاريف التي أميل إليها وأحبذها ،وهوأن:"الثقافة هي المخزون الحي في الذاكرة، كمركب كلي ونمو تراكمي.. مكون من مُحَصِّلة العلوم، والمعارف، والأفكار، والمعتقدات، والفنون، والآداب، والاخلاق، والقوانين، والأعراف، والتقاليد، والمدركات الذهنية والحسية، والموروثات التاريخية، واللغوية، والبيئية.. التي تصوغ فكر الانسان وتمنحه الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تصوغ سلوكه العملي في الحياة..).
ولعل أطرف تعريف بقي عالقا بذهني منذ يفاعة سني هو :"الثقافة هي ما يبقى في الذاكرة بعد أن ننسى كل شيء".
ويبدو أن تنوع وتعدد تعاريفها يشي بعدم الحسم فيها .
أما المثقف فهو الشخص الذي يكتسب ذهنيا الأشياء المذكورة أعلاه.
لكن ثمة نظرة أو نظرات إلى هذا المثقف نفسه ،من حيث طبيعته ومن حيث وظيفته.ولعل من أبرز المفكرين الذين تعرضوا لهذه المسألة المفكر الإيطالي غرامشي.
فالمثقف عند هذا المفكر هو مثقف نموذجي وعضوي.
والمثقف النموذجي عنده نوعان ،النوع الأول هو الذي يخلق المعرفة ،بمعنى أنه ينظر - من التنظير - ، وله رؤية خاصة للكون.والنوع الثاني هو الذي يطبق النظرية في الواقع العملي ، فهو ينزل أفكار المنظر من واقعها المجرد إلى العالم المحسوس ،وطبعا هو يعطي نموذجين لهذا المثقف ،النموذج الأول بوصفه مثقفا خالقا للمعرفة، والنموذج الثاني بوصفه مثقفا مطبقا لهذه المعرفة.
ثم إن المثقف العضوي عند غرامشي هو الذي له دراية بحقل عمله ، بغض النظر عن مستواه الدراسي ،وبغض النظر عن كونه ملما بالأبجدية أم لا.فهو مثلا في نظره يعتبر الفلاح مثقفا عضويا ،حتى ولو كان لا يعرف القراءة والكتابة،باعتبار أن له إلمام ودراية بحقل عمله ،كما يعتبر السقاء - بائع الماء - مثقفا عضويا كذلك ،باعتبار أن له طرقه وأساليبه في التعامل مع الماء كبضاعة انطلاقا من حصوله عليها إلى نهاية ترويجها وتصريفها.
هذا غيض من فيض في موضوع الثقافة ،والآن أتناول الموضوع من زاوية الثقافة بوصفها ضرورة يحتاجها المرء في واقعه المعيش، إذ" ليس يحيا المرء بالخبز وحده " كما يقول سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا السلام.
2- الثقافة بوصفها ضرورة:
الثقافة غذاء للعقل ،تنميه وتعمل على توسيع أفقه،هذه حقيقة لا يختلف فيها اثنان،فكل عقل بلا ثقافة يظل عقلا يشكو من الفاقة والعوز.
لكن إذا كنا مرة بعد مرة نتساءل عن الجدوى من الثقافة وعن النتيجة التي يمكن أن يحصل عليها المرء وهو يجهد نفسه ويبذل كل ما في وسعه في سبيل الحصول على زاد ثقافي ،فإن الإجابة عن هذا التساؤل تكون كالتالي:الثقافة تحمل نتيجتها معها،بمعنى أن الجزاء نحصل عليه أثناء عملية التثقيف وبعدها،وهوذلك الإحساس المعنوي الذي ينتابنا كلما حصلنا على أفكار ومعلومات جديدة ،إنه إحساس بالمتعة لا يعرفه إلا من أوتي قدرة على التذوق والفهم ،و من يشكل له التثقيف هما ملازما له في كل الأحوال.
إن الذين ينظرون إلى الثقافة من زاوية مادية صرفة لهم نظر قاصر،وأستسمح عن وصفي إياهم بهذا الوصف ،لأنهم نفعيون بكل ما تحمل كلمة نفعية من معان ودلالات قدحية.إنني لا أغفل ولا أهمل الجانب المادي -أقصد الجانب المالي بالضبط - ودوره في الحياة،فهو يكاد يكون كل شئ في واقعنا الحالي ،بيد أن هناك طرقا أخرى تؤدي إلى المال ، وقد تكون الثقافة إحدى هذه الطرق.
العصر الحاضر هو عصر الماديات بامتياز،وهوالعصر الذي تلقت فيه القيم الأخلاقية والإجتماعية النبيلة ضربات قاسية وموجعة ،سببها الجشع والاستغلال السئ للمعطيات التقنية ـ حتى لا أقول المعطيات العلمية ـ أي أن سبب تلك الضربات الخالية من الرحمة في المحصلة النهائية هو الحيف والغبن الماديان اللذان يلحقان فئة من الناس دون أخرى.
إن هذا الطغيان المادي أثر بشكل سلبي على الإنسان ، وبالتالي قام بزحزحة قيمه النبيلة من مكانها قصد تعطيلها أخيرا،فبسبب هذا الطغيان المادي بات المرء ينظر إلى الثقافة وإلى التثقيف كلون من الترف العقلي أو كمضيعة للوقت لا طائل من ورائه،في مقابل ذلك بات ينظر إلى التهافت على المال وتكديسه نظرة تقديسية ،ذلك أن المال لا الثقافة هو الذي يستطيع وحده أن يكتري منزلا ويشتري سيارة وأن يدفع في فاتورة الماء والكهرباء..الخ..الخ..وإذا فما الفائدة من الجري واللهاث وراء الثقافة ؟
هذه النظرة بكل ما تحمله من تنقيص وازدراء للثقافة ليست عامة ،وبالتالي لا يمكن أن نسحبها على الجميع ،فثم فئة أخرى لها وجهة نظر أخرى في الموضوع مخالفة ،بحيث إنها ترى في الثقافة ضرورة لا غنى للمرء عنها ،وهي تغتنم كل الفرص المواتية من أجل تحسين مستواها الثقافي ،فهي تقرأ وتكتب ،وتحضر الندوات والمحاضرات ،وتزور المعارض والمتاحف وتشاهد الأفلام والمسرحيات وتسمع الأغاني الجميلة الجيدة، وتساهم في كل نقاش جاد وهادف إلى آخر ذلك ،مما يساهم في تنمية الوعي ورقيه.وهي إذ تفعل ذلك يزداد فهمها وتعطشها لكل ما هو ثقافي حتى يصير لديها هذا الأخير هما يوميا وهاجسا مصاحبا على مدار الساعة.مثل هذه الفئة هي التي حفظت لنا التراث الحضاري عبر القرون والأجيال،ولولاها لكنا نعيش الآن في ظلام دامس .
إن الذين يقللون من أهمية الثقافة لا يعرفون للثقافة معنى ،بل أكاد أقول لا يعرفون للحضارة وللإنسان قيمة ،ولذا نطلب منهم أن يلجوا أبواب الثقافة وسيتأكدون بأنفسهم أن نظرتهم التبخيسية لها هي نظرة غير صائبة،وأنا ضامن لهم أنهم إذا دخلوا باب الثقافة سيحبون المكوث والبقاء هناك ،لأن فردوسها يغري بذلك .
في النهاية أزعم أن الحياة بلا ثقافة هي حياة لا تستحق أن تعاش ،فمن سيتفضل ويثبت لي عكس هذا؟

يوتوبيا
01-26-2007, 11:58 PM
والمثقف النموذجي عنده نوعان ،النوع الأول هو الذي يخلق المعرفة ،بمعنى أنه ينظر - من التنظير - ، وله رؤية خاصة للكون.والنوع الثاني هو الذي يطبق النظرية في الواقع العملي ، فهو ينزل أفكار المنظر من واقعها المجرد إلى العالم المحسوس ،وطبعا هو يعطي نموذجين لهذا المثقف ،النموذج الأول بوصفه مثقفا خالقا للمعرفة، والنموذج الثاني بوصفه مثقفا مطبقا لهذه المعرفة.



أهلا بك أستاذ مصطفى

موضوع قيم جدااا ، ويبدو أن المثقفين الآن معظمهم من النوع الثاني ، بعكس جيل العمالقة

فهم منظرون ولهم رؤاهم في الكون والحياة

شكرا لطرحك الراقي

صالح سعيد الهنيدي
01-27-2007, 12:14 AM
أخي مصطفى معروفي
بحث عميق ويتمحور حول قضية
من أهم وأبرز القضايا في عصرنا الحديث
قضية الثقافة قضية شائكة
ويدل على هذا اختلاف مفهوم الثقافة لدى أغلب المنظرين
فهي من المفاهيم الفضفاضة جدًّا
ولعلي أشير إلى تعريف خطر في ذهني للتو :
( الثقافة هو مجموعة المعارف الإنسانية التي تزيد العقل نموًّا واتزانًا )
وأركز على قضية الاتزان العقلي
لأن بعض المعارف لا تزيد العقل إلا اختلالا واضطرابًا
فهل تنسجم مع المفهوم الثقافي
لا أعتقد

شكرًا لك

مصطفى معروفي
03-21-2008, 02:33 PM
أهلا بك أستاذ مصطفى

موضوع قيم جدااا ، ويبدو أن المثقفين الآن معظمهم من النوع الثاني ، بعكس جيل العمالقة

فهم منظرون ولهم رؤاهم في الكون والحياة

شكرا لطرحك الراقي
أختي الكريمة يوتوبيا:
تعم،معك حق،وهناك الآن بعض المثقفين الذين لهم رؤاهم الواضحة،لكنهمقبة قليلة.
شكرا لك على المرور الكريم.

مصطفى معروفي
03-21-2008, 02:38 PM
أخي مصطفى معروفي
بحث عميق ويتمحور حول قضية
من أهم وأبرز القضايا في عصرنا الحديث
قضية الثقافة قضية شائكة
ويدل على هذا اختلاف مفهوم الثقافة لدى أغلب المنظرين
فهي من المفاهيم الفضفاضة جدًّا
ولعلي أشير إلى تعريف خطر في ذهني للتو :
( الثقافة هو مجموعة المعارف الإنسانية التي تزيد العقل نموًّا واتزانًا )
وأركز على قضية الاتزان العقلي
لأن بعض المعارف لا تزيد العقل إلا اختلالا واضطرابًا
فهل تنسجم مع المفهوم الثقافي
لا أعتقد

شكرًا لك
شكرا لك أخي الأستاذ صالح سعيد الهنيدي على الإضافة القيمة،وأقول:
والله معك حق في كون بعض المعارف تخل بالتوازن العقلي للمرء،ويصبح عرضة للشكوك تنهشه وتحيدبه عن جادة الصواب.
أغبطكأخي صالحعلى نظرتك الثاقبة للثقافة ولمفهومها ولوظيفتها.
تسلم لأخيك مصطفى

ألق الماضي
03-22-2008, 12:02 AM
الإنسان بلا عقيدة يؤمن بها ومبدأ يعيش من أجله وثقافة تجمع ذلك وغيره لا يستحق العيش فضلا عن الحياة...
موضوع في غاية الأهمية...
شكرا لجمال الطرح ووضوح الرؤية...

مصطفى معروفي
03-23-2008, 11:27 PM
الإنسان بلا عقيدة يؤمن بها ومبدأ يعيش من أجله وثقافة تجمع ذلك وغيره لا يستحق العيش فضلا عن الحياة...
موضوع في غاية الأهمية...
شكرا لجمال الطرح ووضوح الرؤية...
ألق الماضي،أشكرك وأقول:
الانسان بلا عقيدة هو إنسان ضائع ،ولا فرق بينه وبين العجماوات،وأنا أرى أن العقيدة في صالح الإنسان نفسه ،فهي التي تحافظ على توازنه النفسي،وتصونه من الوساوس والهواجس،وتعطيه قيمة في الوجود.
شكرا على المرور المتألق.

فاتن محمود
03-24-2008, 01:06 PM
الثقافة هي ذاكرة الشعوب
حال افتقادها
يفقد الشعب هويته
وتتماهى خصوصيته مع عوام ثقافات أخرى دخيلة
يفقد معها ذاته
فتكون نهايته

مع خالص تقديري أستاذ مصطفى معروفي

مريم الجابر
03-27-2008, 03:36 PM
إن الذين يقللون من أهمية الثقافة لا يعرفون للثقافة معنى ،بل أكاد أقول لا يعرفون للحضارة وللإنسان قيمة ،ولذا نطلب منهم أن يلجوا أبواب الثقافة وسيتأكدون بأنفسهم أن نظرتهم التبخيسية لها هي نظرة غير صائبة،وأنا ضامن لهم أنهم إذا دخلوا باب الثقافة سيحبون المكوث والبقاء هناك ،لأن فردوسها يغري بذلك .

أستاذ مصطفى.. أن الولوج لباب الثقافة لا يأتي بين يوم وليلة..
ولا نستطيع أن نعممه ... فبإعتقادي هو حالة ألفة بين المرء وبين الثقافة التي يريد أن يكتسبها..
كما ذكرت في الأمثال .. كل شخص مثقف بالفطرة في مجال عملة ويتطور بالممارسة..
لذا فالثقافة باتت ضرورية دون أن نفرضها على أنفسنا..

مودتي

مصطفى معروفي
06-09-2008, 08:20 PM
اختي الكريمة فاتن محمود:
ما جاء في ردك هو صحيح ومنطقي وسليم،
فالشعوب التي لا تتكئ على إرث ثقافي متين هويتها عرضة للزوال مع مرور الوقت
تسلمين أختي الكريمة.

مصطفى معروفي
06-09-2008, 08:24 PM
أختي المجيدة مريم الجابر:
نعم ،لقد أصبحت الثقافة ضرورة،
وأصبحت ميسرة سهلة تأتي إلينا من كل ناحية،
وما على المرء سوى أن يتحلى بالرغبة فيها.
شكرا جزيلا لك.