علي الزهراني
12-25-2006, 10:37 PM
! مسافر فوق جمر الحروف يحترق .. يطعم البيد قوافيه
الدكتور صالح سعيد الزهراني ولد عام 1381 ه / 1961 م في الباحة حاصل على الدكتوراه في البلاغة والنقد من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. يعمل استاذا مشاركا بقسم البلاغة والنقد وسبق له العمل رئيسا لقسم البلاغة، ومديرا لمركز احياء التراث الاسلامي بمعهد البحوث العلمية بالجامعة، وعضوا بمجلس كلية اللغة العربية ، وبمجلس عمادة خدمة المجتمع، وبالمجلس العلمي بالجامعة ، وبمجلس معهد البحوث العلمية بالجامعة . عضو نادي مكة الثقافي الادبي، ونادي الباحة الأدبي. دواوينه الشعرية : تراتيل حارس الكلأ المباح 1419 ه فصول من سيرة الرماد 1419 ه ستذكرون ما أقول كم 1420 ه ممن كتبوا عنه: حسن الهويمل، ومحمد بن سعد بن حسين، وأحمد حنطور، وزهير المنصور، وصلاح حسين. له العديد من الأمسيات والندوات والمحاضرات الشعرية والثقافية والأدبية والفكرية وسبق أن شارك في مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة في حفل الافتتاح للمهرجان. يتمتع بأخلاق حميدةوصفات أهلته لنيل " حبيب الجنوب" و"قمة الشعر" وما الى ذلك من الألقاب الرفيعة التي بالفعل يستحقها وهانحن في ملحقنا الثقافي وبإشراف مبدعنا: يوسف الرفاعي تخصص جزءا يسيرا لتحليل وقراءة وجماليات ما جاء في ديوانه تراتيل حارس الكلأ المباح..
إن الشعر ينساب من بين يديه كانسلال الماء من بين الاصابع عذبا رقراقا ناصعا فصيحا محلقا في سماء القوافي وبحور الكلمات وأنهر المعاني شاعر ذو احساس مرهف وذو خيال خص خلاق يحمل بين صفحتي روحه النقيه الشجية هم ديني ووطني وعربي . يحب الحياة يحلم بمستقبل مليء بالسلام الروحي والعالمي ويعشق الحزن وعندما أقول الحزن أعني حرقة الواقع وتجهمه كجثامين مسجى على عتبة الالم وهذا ما برز واضحا ظاهرا لكل من قرأ شطره شكل الحرف عنده بعد أن تتبعناه في ديوانه الموسوم " تراتيل حارس الكلأ المباح" قرابة سبعة عشر حرفا مبثوثة بين ثنايا قصائده ليدل دلالة واضحة أن الشاعر بلور الأسى والحرقة واللوعة في صيحات شعره براكين وملتهبة وعاطفة صادقة " الأكيد" وسكبها في حروفه من مثل: كم ندعي عشق الحروف ونكتب ونقول : إنا في غرامك نتعب ويقول أيضا:
أنا ما لعبت بأحرفي وعواطفي
أني لمن لعق المصائب يلعب؟
ويقول في قصيدة أخرى:
لا تلمني يا ملهمي فالقوافي
أحرقنني والشعر جمر وريح
فشاعرنا العذب هذا يتمنى
المراد ولكن هل يستحقق
يامن يموج الحرف في أفقه
ما كل من يسعى ينال المراد
إنه الشاعر الدكتور: صالح بن سعيد الزهراني المحاضر بجامعة أم القرى كلية اللغة العربية ذلك الطود الشامخ السامق الذي بلغ بشعره آفاق التواصل وحميمية اللقاء وفرحة النقاء في ديوانه الآنف الذكر كتب " عشرين قصيدة" دشنها باهداء الى أبيه وأمه وما أجملها من استهلاك بحسنه وتألقه برّ ومودة ورحمة وغفران تراوحت قصائده في هذا الديوان مابين ثورة الحروف وألم الفراق واشتياق الارض فواصل الصبح الجنوبي وتذكر قطرات الندى على أرضها الخضراء والطبيعة البكر الساحرة شكلت بعض القصائد لمحات سريعة يستلهمها من ماضٍ سحيق أو ذكرى عابره تستحق الوقوف عليها كثيرا للتأمل والنهل من معانيها وصورها الجميلة البليغة فهو موفق كثيرا جدا في توظيف وتآلف المعنى مع الحرف مع التركيز ليشكل نسقا رائعا وفريدا وجميلا في البدء:
عنوان الديوان : " تراتيل حارس الكلأ المباح" عنوان مطاطي يفهم من جميع الجهات أينما تقلبه في رأسك يحصل المعنى ويوصل للمراد لو أردنا قراءة بعنوان الديوان يمتد معنا لصفحات ولكن "حسبي!" بعض أسطر تحدد ما أريد على الأقل من " وجهة نظري !" قوله .. الشاعر الاستاذ الدكتور صالح بن سعيد الزهراني لوسلمنا جدلا بظهور وشرعية التيارات الثقافية والأدبية فهو من التيار الديني المتزن الملتزم المنفتح لاستماع الاراء ولكنه يميل ميلا الى استلهام المعاني والالقاب الاسلامية من حكم ومثل من قرآ ننا الكريم وسنة نبينا الكريم أول ما يطالعنا في عنوان الديوان كلمة " تراتيل" اقتباس واضح جلي من قوله تعالى : ورتل القرآن ترتيلا.." أما بقية .. حارس من الاحتراس اليقظة والانتباه وتكون بقية الحواس جاهزة متيقذة .. لأحرف الشعر وأنهر القوافي وسماء الكلمات فكلؤه أرض خصة ونبات أرض بهي يستقي منها المعاني السامية المعبرة لتعبق بالمكان شعرا ورياحين فما لجماله إذ جُيّر بطرق مباحة فعوامل التربية والنشأة وأرض الجنوب بسحرها الآخاذ ووجع الأمةالدامي واستنبات المعاني والقيم القديمة الجديدة بعد تذكرها واستلهامها استوثقت عرى نفسية للشاعر وحدقت بأركان أجزاء عمره الفاني في عشق الشعر فأصبح مرتيلا وحارسا متخذا من جمال المواضيع أحسنها ! وغواصا ماهرا سابحا ليخرج من جواهر الشعر ياقوتها ! لقيمات سائغة علها تشبع نهم القارئ الكريم بدايات ديوانه قصيدة" قراء لعوامل النعريه" جرح وألم ولوعة خافق ووجدان مشاعر يقول في بعض أبياتها:
ونذوب في عينيك نفخ قصيدة
عربية ومن المدامع نشرب
ويقول أيضا:
وإذا تكالبت الجراح بخافق
ما فاده طب ولا متطبب
ثم يعود لجراح الأمة الدامي من خلال العرس المؤجل حينا!! فيقول:
لا تخدعنك أنجم ببريقها
فنجوم فتحك "راقصان" و"مطرب"
كانت إذا اهتزت "دمشق" لحادث
هاجت ذرى "صيدا" وماج "المغرب"
واليوم في "الأقصى" جراحك ثرة
ما لكف مجدبه وظهرك أحدب
وهنا عندما تخجل الحروف وتبكي أوراق الخريف ويستلهم الوطن ليصبح القاضي العادل والملاذ الآمن ولكن! أنا ههنا لكن " حيفا" في دمي وفمي يطعم صيديدها يتحلّقُ ويقول قبله:
أبكي لمن أبكي وجلدي هارب
مني وثغري بالجراح معلّق
ثم ختام هذه القصيدة بالابداع والغرابة والشمول والسمو في تبطين معنى العاشقين والخائنين مجنسه من خلال : تبقى قلوب العاشقين وفيّة وقلوب من ليس المحبّة قلّبُ وفي حسن الختام يقول:
وغريبه حال المحب إذا اشتكى
لكن حال الخائنين الأغربُ
هذا الوجع الأبدي لهذا الشاعر الهزاني يدخلك "بقوة" من مسافات الحزن بدون استئذان يجعلك تسافر معه أنى توجه ؟ وأنت ماعليك سوى " البكاء معه أو اصطياد الثلاثية " الهم الحزن والكآبة" فلنبحر مع هذا الشاعر العذب ونستقل سفينة الشعر ونجدّف بمجاديف الكلمات "مسافرين " بلا بوصلة:
مسافر فوق جمر الحرف يحترق
مسافر زاده الألحان والحُرق
مسافر ماشكى نزفاولارهقا
وكيف يشكو الذي أعصابه رهق؟
ولو شكى الحزن ما أصفى مودته
ولو شكى قبله العشاقُ ما عشقوا
ويذقنا طعما ولذة ولكن ليس ككل المذاقات:
كلا .. سأطعم هذي البيد قافية
رزقتها ولكل الناس ما رزقوا
هنا في خاتمة هذه القصيدة علّها من وجهة نظري لها علاقة بعنوان الديوان " تراتيل .. حارس الكلأ المباح" يقول:
صدقتهم بمواويلي وكذّبني
قومي وأقسم أن القوم ماصدقوا
إني وثقت فكان القتل في ثقتي
فكان أني بغير الله لا أثق
العجب العجاب بل أجّل الغرابه أن شاعرنا العذب سخرّ كل شعره تقريبا في غرضي المدح والوصف وكأن يذكرني بمقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما ضّف الشعراء بقوله أن أشعر الشعراء زهير بي أبي سلمى لا وسئل رضي الله عنه لماذا؟ قال : لأنه لا يمدح الرجل إلا بما فيه .. من خلال شعره من وضوح وصدق فهما يتشابهان في الحكمة وقوة الوصف فشاعرنا له من كل عصر زهرة فهو نتاج أدبي فريد سره تلمحه زهير أو مرة ابن الابار القضاعي وغيرهما الكثير .. فهو مداح بحق في جنوبه الأبهاوي والباحي بل مارس بحرفنه فواصل للصبح الجنوبي:
يقول في قصيدته رسالة الى أميرة الغرابة "أبها"
"أبها" رسائل حبي مالها عدد
ولم يجبني على أشواقها أحدُ
"أبها" أجيبي سؤالي وأذكري سببا
يغالب الشك إن القلب لا يجدُ
ويقول أيضا:
" أبها" يصير المدى غيما ووشوشة
وفي دمي يانشيدي يغرق البلدف
ومن تراتيل حارس الكلأ المباح يقول:
وفي داخلي ألف سر عن محبتنا
وفي موطن حارساه الحب والرشدُ
أما عشقه الباحي فهي قصيدة في ثوب حسناء اية في الحسن يقول:
توسدي أحرفي واستدفئ هدبي
وحلّقي فوق حرفي واسلكي لهبي
جوبي السراة التي رصعتها قبلا
مازجتها بفمي أسقيتها تعبي
ومن الصور الجميلة البليغة التي تعجز الكتابة التعبير عنها يقول:
مدى ظفائرك الخضراء فوق يدي
وسافري رعشة الموال وانسكبي
ثم ختم ببيت كسائر قصائد الديوان غاية في الجمال والصفاء والوفاء :
فلن يغيرني تاجي وأوسمتي
فأنت أكبت من تاجي ومن لقبي
ويقول في تقاسيم العشق الجنوبي:
هذه قبلتي وهذا حنيني
واشتياقي ولوعتي وجنوني
هذه رعشة الهوى في فؤادي
لزلزلتني برغم كل سكوني
ويقول مشبها الجنوب بالعروس كاملة الزينة:
ياعروس السراة جئت صباحا
قزحيا أرد بعض ديوني
وأغني لمقلتيك القوافي
حالمات تختال دون رنين
ويختم بقوله:
مرة حاولي إذا شئت حبا
أن ترى صورتي وأن تفهميني
أن ترى وجهك الجميل جوادا
عربيا مسافرا في عيوني
أما نصه "فواصل .. للصبح الجنوبي:
يا جبال السراة .. غيرك ينسى
لست ممن يموت حبا وينسى
بين جفنيك تستريح حروفي
تتجلى أحلى أعمق جرسا
ومن جماليات الصورالبليغة المبثوثة في هذا الديوان :
فاعصري الغيم في فمي واغرسيني
في بلاد طابت ترابا وغرسا
ويقول في موضع آخر:
شربوا من دمي رحيقي
وأقاموا فوق الضجيعة عرسا
وختم بقوله:
وأنا في فمي أغني لقومي
حافظا للزمان ما ليس ينسى
حاملا همهم شجي أبديا
وأقاسي الا صبح اليوم أقسى
شكل عمق الفخر والاحساس بالانتماء بالزمان والمكان علامة فارقة في كيان وسلوك شاعرنا العذب وبالطبع نحن معه مكة المكرمة وطيبة الطيبة الحرمان الشريفان موطن القداسات لذلك هناك شيد ينجذب إليه الشاعر حبا وعشقا وانتماء ولا يهتم بعد أن صنفوه من هذا التيار أو ذاك يقول:
صنفوني .. قولوا مساء نهاري
غامض ناصع الرؤى كالصحاري
صنفوني . كما تشاؤون قولوا
أي شيءٍ .. إني اتخذت قراري
هاشمي عيناه قمح وماء
بدوي يدور ضد المدار
من فيافيه طيبتي وصفائي
وشموخي وغضبتي وأواري
فعلى زهوه أدير عقالي
وعلى مجده أشد إزاري
من يلوم المجنون في حب ليلى
غير قلب مدلس مستعار؟
أنت ضد "التيار" "فجر غريب"
وأنا مولع بحرب "التتار"
ويقول:
كيف لا أقتفي خطا رسمتها
"رجل" "طه" وفيلق "الأنصار"
"مكة" في دمي" وطيبة " قلبي
فالحقوا بي أوفاعزقوا في غباري
صنفوني فالصقر وجه فريد
لن يكون الشاهين مثل الحباري
كل شيءٍ في الحب يغدو جميلا
أي فرق مابين ماءٍ ونارٍ؟!
ويقول في نص " مرثية للقمر المكي" كما عنونها إلى روح الصديق الدكتور محمد يوسف برماوي:
يملهمي للثواني في دمي مطر
وللقاءات وجه لونه سفر
ويقول في مواضع أخرى:
أنا هنا في ربا " زهران" أغنية
" كئيبة يتحاشى طعمها الوتر
لا الشعر يورق في كفي فأنثره
زهرا ولا يائس منه فأعتذر
أرى الحجارة جمرا نافعا، شجا
ولا قذى ذاب في عيني ولاعور
هنا يذكرني هذا الشاعر العذب ببيت الخنساء والعجيب وقد تكون مصادفة جميلة أن يشترك شاعرنا في مرثيته مع مرثية الخنساء عندما رثت اخاها صخرا في نفس القافية تقول :
قذىً يعنيك أم بالعين عوّار
أم ذرّفت إذ خلت من أهلها الدار
أما توظيف المثل ففي نص "عيبن" من قوله:
قد يبخس الكيل.. لكن ضدنا اجتمعا
ياوجه " صنعاء" سوء الكيل والحشف
وغيره الكثير لهذا الشاعر العذب الذي سبحنا معه في ديوانه وجدّفنا بالكلمات واحتزمنا بالتشبيهات ويظل جهدنا فيه جهد المقل ولكن حسبنا أننا قطفنا من بستانه زهره!!
الرابط :
http://www.albilad-daily.com/files/the_newspaper/25-12-2006/culture/culture_index.html[/font]
الدكتور صالح سعيد الزهراني ولد عام 1381 ه / 1961 م في الباحة حاصل على الدكتوراه في البلاغة والنقد من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. يعمل استاذا مشاركا بقسم البلاغة والنقد وسبق له العمل رئيسا لقسم البلاغة، ومديرا لمركز احياء التراث الاسلامي بمعهد البحوث العلمية بالجامعة، وعضوا بمجلس كلية اللغة العربية ، وبمجلس عمادة خدمة المجتمع، وبالمجلس العلمي بالجامعة ، وبمجلس معهد البحوث العلمية بالجامعة . عضو نادي مكة الثقافي الادبي، ونادي الباحة الأدبي. دواوينه الشعرية : تراتيل حارس الكلأ المباح 1419 ه فصول من سيرة الرماد 1419 ه ستذكرون ما أقول كم 1420 ه ممن كتبوا عنه: حسن الهويمل، ومحمد بن سعد بن حسين، وأحمد حنطور، وزهير المنصور، وصلاح حسين. له العديد من الأمسيات والندوات والمحاضرات الشعرية والثقافية والأدبية والفكرية وسبق أن شارك في مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة في حفل الافتتاح للمهرجان. يتمتع بأخلاق حميدةوصفات أهلته لنيل " حبيب الجنوب" و"قمة الشعر" وما الى ذلك من الألقاب الرفيعة التي بالفعل يستحقها وهانحن في ملحقنا الثقافي وبإشراف مبدعنا: يوسف الرفاعي تخصص جزءا يسيرا لتحليل وقراءة وجماليات ما جاء في ديوانه تراتيل حارس الكلأ المباح..
إن الشعر ينساب من بين يديه كانسلال الماء من بين الاصابع عذبا رقراقا ناصعا فصيحا محلقا في سماء القوافي وبحور الكلمات وأنهر المعاني شاعر ذو احساس مرهف وذو خيال خص خلاق يحمل بين صفحتي روحه النقيه الشجية هم ديني ووطني وعربي . يحب الحياة يحلم بمستقبل مليء بالسلام الروحي والعالمي ويعشق الحزن وعندما أقول الحزن أعني حرقة الواقع وتجهمه كجثامين مسجى على عتبة الالم وهذا ما برز واضحا ظاهرا لكل من قرأ شطره شكل الحرف عنده بعد أن تتبعناه في ديوانه الموسوم " تراتيل حارس الكلأ المباح" قرابة سبعة عشر حرفا مبثوثة بين ثنايا قصائده ليدل دلالة واضحة أن الشاعر بلور الأسى والحرقة واللوعة في صيحات شعره براكين وملتهبة وعاطفة صادقة " الأكيد" وسكبها في حروفه من مثل: كم ندعي عشق الحروف ونكتب ونقول : إنا في غرامك نتعب ويقول أيضا:
أنا ما لعبت بأحرفي وعواطفي
أني لمن لعق المصائب يلعب؟
ويقول في قصيدة أخرى:
لا تلمني يا ملهمي فالقوافي
أحرقنني والشعر جمر وريح
فشاعرنا العذب هذا يتمنى
المراد ولكن هل يستحقق
يامن يموج الحرف في أفقه
ما كل من يسعى ينال المراد
إنه الشاعر الدكتور: صالح بن سعيد الزهراني المحاضر بجامعة أم القرى كلية اللغة العربية ذلك الطود الشامخ السامق الذي بلغ بشعره آفاق التواصل وحميمية اللقاء وفرحة النقاء في ديوانه الآنف الذكر كتب " عشرين قصيدة" دشنها باهداء الى أبيه وأمه وما أجملها من استهلاك بحسنه وتألقه برّ ومودة ورحمة وغفران تراوحت قصائده في هذا الديوان مابين ثورة الحروف وألم الفراق واشتياق الارض فواصل الصبح الجنوبي وتذكر قطرات الندى على أرضها الخضراء والطبيعة البكر الساحرة شكلت بعض القصائد لمحات سريعة يستلهمها من ماضٍ سحيق أو ذكرى عابره تستحق الوقوف عليها كثيرا للتأمل والنهل من معانيها وصورها الجميلة البليغة فهو موفق كثيرا جدا في توظيف وتآلف المعنى مع الحرف مع التركيز ليشكل نسقا رائعا وفريدا وجميلا في البدء:
عنوان الديوان : " تراتيل حارس الكلأ المباح" عنوان مطاطي يفهم من جميع الجهات أينما تقلبه في رأسك يحصل المعنى ويوصل للمراد لو أردنا قراءة بعنوان الديوان يمتد معنا لصفحات ولكن "حسبي!" بعض أسطر تحدد ما أريد على الأقل من " وجهة نظري !" قوله .. الشاعر الاستاذ الدكتور صالح بن سعيد الزهراني لوسلمنا جدلا بظهور وشرعية التيارات الثقافية والأدبية فهو من التيار الديني المتزن الملتزم المنفتح لاستماع الاراء ولكنه يميل ميلا الى استلهام المعاني والالقاب الاسلامية من حكم ومثل من قرآ ننا الكريم وسنة نبينا الكريم أول ما يطالعنا في عنوان الديوان كلمة " تراتيل" اقتباس واضح جلي من قوله تعالى : ورتل القرآن ترتيلا.." أما بقية .. حارس من الاحتراس اليقظة والانتباه وتكون بقية الحواس جاهزة متيقذة .. لأحرف الشعر وأنهر القوافي وسماء الكلمات فكلؤه أرض خصة ونبات أرض بهي يستقي منها المعاني السامية المعبرة لتعبق بالمكان شعرا ورياحين فما لجماله إذ جُيّر بطرق مباحة فعوامل التربية والنشأة وأرض الجنوب بسحرها الآخاذ ووجع الأمةالدامي واستنبات المعاني والقيم القديمة الجديدة بعد تذكرها واستلهامها استوثقت عرى نفسية للشاعر وحدقت بأركان أجزاء عمره الفاني في عشق الشعر فأصبح مرتيلا وحارسا متخذا من جمال المواضيع أحسنها ! وغواصا ماهرا سابحا ليخرج من جواهر الشعر ياقوتها ! لقيمات سائغة علها تشبع نهم القارئ الكريم بدايات ديوانه قصيدة" قراء لعوامل النعريه" جرح وألم ولوعة خافق ووجدان مشاعر يقول في بعض أبياتها:
ونذوب في عينيك نفخ قصيدة
عربية ومن المدامع نشرب
ويقول أيضا:
وإذا تكالبت الجراح بخافق
ما فاده طب ولا متطبب
ثم يعود لجراح الأمة الدامي من خلال العرس المؤجل حينا!! فيقول:
لا تخدعنك أنجم ببريقها
فنجوم فتحك "راقصان" و"مطرب"
كانت إذا اهتزت "دمشق" لحادث
هاجت ذرى "صيدا" وماج "المغرب"
واليوم في "الأقصى" جراحك ثرة
ما لكف مجدبه وظهرك أحدب
وهنا عندما تخجل الحروف وتبكي أوراق الخريف ويستلهم الوطن ليصبح القاضي العادل والملاذ الآمن ولكن! أنا ههنا لكن " حيفا" في دمي وفمي يطعم صيديدها يتحلّقُ ويقول قبله:
أبكي لمن أبكي وجلدي هارب
مني وثغري بالجراح معلّق
ثم ختام هذه القصيدة بالابداع والغرابة والشمول والسمو في تبطين معنى العاشقين والخائنين مجنسه من خلال : تبقى قلوب العاشقين وفيّة وقلوب من ليس المحبّة قلّبُ وفي حسن الختام يقول:
وغريبه حال المحب إذا اشتكى
لكن حال الخائنين الأغربُ
هذا الوجع الأبدي لهذا الشاعر الهزاني يدخلك "بقوة" من مسافات الحزن بدون استئذان يجعلك تسافر معه أنى توجه ؟ وأنت ماعليك سوى " البكاء معه أو اصطياد الثلاثية " الهم الحزن والكآبة" فلنبحر مع هذا الشاعر العذب ونستقل سفينة الشعر ونجدّف بمجاديف الكلمات "مسافرين " بلا بوصلة:
مسافر فوق جمر الحرف يحترق
مسافر زاده الألحان والحُرق
مسافر ماشكى نزفاولارهقا
وكيف يشكو الذي أعصابه رهق؟
ولو شكى الحزن ما أصفى مودته
ولو شكى قبله العشاقُ ما عشقوا
ويذقنا طعما ولذة ولكن ليس ككل المذاقات:
كلا .. سأطعم هذي البيد قافية
رزقتها ولكل الناس ما رزقوا
هنا في خاتمة هذه القصيدة علّها من وجهة نظري لها علاقة بعنوان الديوان " تراتيل .. حارس الكلأ المباح" يقول:
صدقتهم بمواويلي وكذّبني
قومي وأقسم أن القوم ماصدقوا
إني وثقت فكان القتل في ثقتي
فكان أني بغير الله لا أثق
العجب العجاب بل أجّل الغرابه أن شاعرنا العذب سخرّ كل شعره تقريبا في غرضي المدح والوصف وكأن يذكرني بمقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما ضّف الشعراء بقوله أن أشعر الشعراء زهير بي أبي سلمى لا وسئل رضي الله عنه لماذا؟ قال : لأنه لا يمدح الرجل إلا بما فيه .. من خلال شعره من وضوح وصدق فهما يتشابهان في الحكمة وقوة الوصف فشاعرنا له من كل عصر زهرة فهو نتاج أدبي فريد سره تلمحه زهير أو مرة ابن الابار القضاعي وغيرهما الكثير .. فهو مداح بحق في جنوبه الأبهاوي والباحي بل مارس بحرفنه فواصل للصبح الجنوبي:
يقول في قصيدته رسالة الى أميرة الغرابة "أبها"
"أبها" رسائل حبي مالها عدد
ولم يجبني على أشواقها أحدُ
"أبها" أجيبي سؤالي وأذكري سببا
يغالب الشك إن القلب لا يجدُ
ويقول أيضا:
" أبها" يصير المدى غيما ووشوشة
وفي دمي يانشيدي يغرق البلدف
ومن تراتيل حارس الكلأ المباح يقول:
وفي داخلي ألف سر عن محبتنا
وفي موطن حارساه الحب والرشدُ
أما عشقه الباحي فهي قصيدة في ثوب حسناء اية في الحسن يقول:
توسدي أحرفي واستدفئ هدبي
وحلّقي فوق حرفي واسلكي لهبي
جوبي السراة التي رصعتها قبلا
مازجتها بفمي أسقيتها تعبي
ومن الصور الجميلة البليغة التي تعجز الكتابة التعبير عنها يقول:
مدى ظفائرك الخضراء فوق يدي
وسافري رعشة الموال وانسكبي
ثم ختم ببيت كسائر قصائد الديوان غاية في الجمال والصفاء والوفاء :
فلن يغيرني تاجي وأوسمتي
فأنت أكبت من تاجي ومن لقبي
ويقول في تقاسيم العشق الجنوبي:
هذه قبلتي وهذا حنيني
واشتياقي ولوعتي وجنوني
هذه رعشة الهوى في فؤادي
لزلزلتني برغم كل سكوني
ويقول مشبها الجنوب بالعروس كاملة الزينة:
ياعروس السراة جئت صباحا
قزحيا أرد بعض ديوني
وأغني لمقلتيك القوافي
حالمات تختال دون رنين
ويختم بقوله:
مرة حاولي إذا شئت حبا
أن ترى صورتي وأن تفهميني
أن ترى وجهك الجميل جوادا
عربيا مسافرا في عيوني
أما نصه "فواصل .. للصبح الجنوبي:
يا جبال السراة .. غيرك ينسى
لست ممن يموت حبا وينسى
بين جفنيك تستريح حروفي
تتجلى أحلى أعمق جرسا
ومن جماليات الصورالبليغة المبثوثة في هذا الديوان :
فاعصري الغيم في فمي واغرسيني
في بلاد طابت ترابا وغرسا
ويقول في موضع آخر:
شربوا من دمي رحيقي
وأقاموا فوق الضجيعة عرسا
وختم بقوله:
وأنا في فمي أغني لقومي
حافظا للزمان ما ليس ينسى
حاملا همهم شجي أبديا
وأقاسي الا صبح اليوم أقسى
شكل عمق الفخر والاحساس بالانتماء بالزمان والمكان علامة فارقة في كيان وسلوك شاعرنا العذب وبالطبع نحن معه مكة المكرمة وطيبة الطيبة الحرمان الشريفان موطن القداسات لذلك هناك شيد ينجذب إليه الشاعر حبا وعشقا وانتماء ولا يهتم بعد أن صنفوه من هذا التيار أو ذاك يقول:
صنفوني .. قولوا مساء نهاري
غامض ناصع الرؤى كالصحاري
صنفوني . كما تشاؤون قولوا
أي شيءٍ .. إني اتخذت قراري
هاشمي عيناه قمح وماء
بدوي يدور ضد المدار
من فيافيه طيبتي وصفائي
وشموخي وغضبتي وأواري
فعلى زهوه أدير عقالي
وعلى مجده أشد إزاري
من يلوم المجنون في حب ليلى
غير قلب مدلس مستعار؟
أنت ضد "التيار" "فجر غريب"
وأنا مولع بحرب "التتار"
ويقول:
كيف لا أقتفي خطا رسمتها
"رجل" "طه" وفيلق "الأنصار"
"مكة" في دمي" وطيبة " قلبي
فالحقوا بي أوفاعزقوا في غباري
صنفوني فالصقر وجه فريد
لن يكون الشاهين مثل الحباري
كل شيءٍ في الحب يغدو جميلا
أي فرق مابين ماءٍ ونارٍ؟!
ويقول في نص " مرثية للقمر المكي" كما عنونها إلى روح الصديق الدكتور محمد يوسف برماوي:
يملهمي للثواني في دمي مطر
وللقاءات وجه لونه سفر
ويقول في مواضع أخرى:
أنا هنا في ربا " زهران" أغنية
" كئيبة يتحاشى طعمها الوتر
لا الشعر يورق في كفي فأنثره
زهرا ولا يائس منه فأعتذر
أرى الحجارة جمرا نافعا، شجا
ولا قذى ذاب في عيني ولاعور
هنا يذكرني هذا الشاعر العذب ببيت الخنساء والعجيب وقد تكون مصادفة جميلة أن يشترك شاعرنا في مرثيته مع مرثية الخنساء عندما رثت اخاها صخرا في نفس القافية تقول :
قذىً يعنيك أم بالعين عوّار
أم ذرّفت إذ خلت من أهلها الدار
أما توظيف المثل ففي نص "عيبن" من قوله:
قد يبخس الكيل.. لكن ضدنا اجتمعا
ياوجه " صنعاء" سوء الكيل والحشف
وغيره الكثير لهذا الشاعر العذب الذي سبحنا معه في ديوانه وجدّفنا بالكلمات واحتزمنا بالتشبيهات ويظل جهدنا فيه جهد المقل ولكن حسبنا أننا قطفنا من بستانه زهره!!
الرابط :
http://www.albilad-daily.com/files/the_newspaper/25-12-2006/culture/culture_index.html[/font]