المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الذاتُ والمَرايـا في القـَصيـدةِ المَغـربـيةِ


أ.د / مصطفى الشليح
12-16-2006, 02:36 PM
الذاتُ والمَرايـا في القـَصيـدةِ المَغـربـيةِ





الترائي والمعنى
للسؤال والنص احتمالان يتجاذبان فاعلية الإبداع كينونة ًيتحاور, منها وإليها, الباثُ والمتلقي حوار الذاتِ والآخر افتراضَ حدوثٍ, ثم حوارَ الذات / الآخر تحققا تفاعليا يترك المرايا تُراوح المواقعَ تجليَّ حرفٍ وتماهيَ سمةٍ وطيفٍ؛ ليدركَها الترائي جسرَ اندماج وانفراج بين الرائي والمرئي في لعبةِ انكتاب الذاتِ لغة ً لا تكونُ بيانـًا إلا إذا افتتن الماءُ الغامضُ بالأبجديةِ المتسللةِ منْ اعتيادية الأشياء إلى جوهر النار والمعنى. ثم لا تنبري اللغة ذاتـا قدْ تَبينُ ولا تـُبينُ إلا باستشفافِ المرهفِ الخبيئ منْ تشكل الصدى ناجما عنْ صوتين مترائيَيْن فِعْلا تواصليا.

الترائي ميثاق سِرِّي بين قطبيْ اللغة إنتـاجا وتأويلا. يكون الترائي إنتاجا حين يتم استضمارُ المتلقي من قِبل المبدع قيمـًا ثقافية, وأنساقا معرفية, وأطرا مرجعية, ومسالك ترويجية. ويكون تأويلا بإحداث تحويل فاعل لاستضمارات المبدع من التخلق إلى التحقق عبر منطوق النص ومفهومه, وعبر الكائنات اللغوية التي اخترقت الحجاب من البيان إلى حيث تـناسلُ وجوهٍ غير معلومةٍ للبيان.

إن البيان النصي ذروة التعاقد بين الباث والمتلقي, وعند انكسار أفق الكلام قد تنحل عروة المرايا شذراتٍ عرائية الاستماع والانتجاع, وماءً مشردًا في الرمل المسافر عتماتٍ لا تأتي إلا إحكامَ تباعدٍ, عندَ الترائي, بين الرائي والمرئي؛ وقدْ يستوي أفق الكلام, بعد انكسار, ليسكنَ الماءُ إلى الرمل تأسيسا للمفارقات الدلالية بين التذكر والتدبر, أو بيْن التمثل والتأمل, أو بين المسايرة والمغايرة.

الاستواءُ إلمامٌ بسلطة ِالفعل الإبداعي,واحتكامٌ إلى احْتمالات الترقي والتلقي, واستواءُ النص انبراءٌ للحديثِ عنْ موقع السؤال من النص, وعن وقع النص في السؤال, وعن الناقد السالك منعرجاتِ ذلك الاستواء.

العابرُ وذات النصِّ
ثمة محدداتٌ قاعدية ٌيفترض منطق التناول اشتمالَ العابر عتبة النص عليها قبل الانخراط في بيان الاستواء تـفكيكا وتحليلا ثم تركيبا وتأويلا. لهذه المحددات أصول ثلاثة إذا تفاعلت وتكاملت أذِنتْ بمقاربةٍ يكون فيها النص سيدًا, ويكون المقاربُ واصلا إلى المكوناتِ التي بسطتْ شعرية السيادة النصية في علاقتها بذاتها, وفي قنوات امتدادها إلى المتلقي, منْ حيث اعتمادُ الترائي أخذا بانهيار المواقع في لعبة الكتابة الإبداعية بعامة وفي الأثير الشعري منها بخاصة.

1.المعرفة ولزوم الصدور عنها باعتبارها سعة شمولية منفتحة سواء حين تداخل أنواع أدبية متعددة لبلورة شخصية كانت المشاركة وسما تاريخيا لها, أوعند تفاعل فضاءات ثقافية لتشكيل خارطة الإبداع, أو عند الاستئناس بما يمثل إضاءة لعالم النص من معطيات خارجية :

أ: احتواء ما تركن إليه ذاكرة النص, سكونيا وتعاقبيا, لإدراك سمتي الصوت والصدى بين ما تقدم وما تأخر من النصوص باعتبار التسلسلية التي يضبط قانونها المجرى الإبداعي, وبحكم أن الشعر قصيدة كونية لها أبدية التناسل, وبفعل أن الشعراء لا يملكون, وإن رغبوا في الأمر, سَفرًا عن الذاكرة الثقافية بوجه عام؛ وإلا لبدا لكل عصر شاعرٌ ومتلق مختلفان ينشدان إحداث القطيعة مع التراث, وذاك ما تعذرالقيام به على امتداد تاريخ الشعر العربي.
ب: التقاط قواعد ومقاصد المجال التداولي للخطاب الشعري حدسا لعله أن يكون يقينا - عند انجلاء استبصار علمي صارم – للعلاقة السرية الواضعةِ ميثاقا بين الباث والمتلـقي, حتى يتيسر استقبال النص بوعي تاريخي يكفل إلماما بكيفية اشتغال آليات الترويج إثر اكتمال عملية الإنتاج بين الشاعر والقارئ.

ج: الارتقاء إلى موقع المبدع في ضبط تقنيات الصناعة الشعرية, لغة وبلاغة وتركيبا وتخييلاوإيقاعا, واستشفاف مدارات الفاعلية الإبداعية من عمق التراسل بين تلك البنيات لكون الجمال يتمرأى عبرالتقاطعات التفاعلية المؤدية إلى ما يسمى ب " النص ".
من هنا فالتوازي المعرفي, في قواعد الصناعة, بين الشاعر والدارس حد أدنى من حدود أهلية العبور إلى النص اختبارا دراسيا.

2. التصور وقوامه أشكال تصريف المعرفة بنقلها من التنظيري إلى التدبيري, ومن المشترك بين الجمهور إلى شبكة افتراضية من الأسئلة عن الراهن من الأسئلة,التي غدتْ فرطَ تعاوُر بيْن الدارسين رَواسمَ لعلها أن تصيرَ أجوبة لما لم يستشكلْ أمره بعدُ.

يقول أدونيس: ( المعرفة العربية السائدة غير نقدية؛ ذلك أنها نشأتْ وتنشأ في حضن الجواب. ومن هنا كان طابعها الغالب فقهيا- شرعيا, حتى في الآداب والفنون. وفي هذا ما يوضح كيف أن الثقافة العربية المهيمنة تمارس النقد بطريقة غير نقدية والفكر والفلسفة بطريقة غير فكرية وغير فلسفية, والعلم بطريقة غيرعلمية, والشعر والفن بطرق غير شعرية وغير فنية. الثقافة العربية المهيمنة مجموعة من المؤسسات الاجتماعية – الأخلاقية - السياسية. إنها ثقافة بلا ثقافة.1 )
لأدونيس غير قليل من العمق في الدنو من جوهر السؤالين الشعري والنقدي, وله رؤياه في اشتعال المسافة بين السؤالين منهجا لا منهج له إلا ارتداء الذات معرفة لملاقاة النص, وإلا التصور المفضي إلى انتهاك المدرسي من المقاربات ليكبر السائل الرائي ما يتسلسل لانهائيَّ المعنى.

يقول: ( لا أزعم أني ناقد. ولا أتبنى في تذوق الشعر وفهمه أي منهج. ولئن صح لي أن أحدد في هذا المجال ما أنا. فإنني أميل إلى أن أصنف نفسي بأنني راء, يتجه نحو أفق عير مرئي. وفي سيري ألاحظ وأختبر, وأكتشف, وأعرف, مشيرا إلى ما أراه عائقا دون التقدم نحو هذا الأفق الذي أتطلع إليه. ثم إن المنهج قد يكون جيدا لمبتكره, لكنه, بالنسبة إلى غيره, ليس إلا مدرسة؛ وأنا غير مدرسي. كل مدرسي باطل. ولا أ كتم رأيي أن هذا المنهج أو ذاك أو ذلك مما يفخر باتباعه كثير من الأصدقاء وغير الأصدقاء لا يغريني أبدا. ولا أشعر بأي ضعف إزاء ذلك, أو بأي نقص, أوبأي ضير, لسبب أساس هو أن المنهج أيا كان يلغي الجسد, ولغة الجسد, وكلام الجسد. أي أنه يلغي, في رأيي, أعمق ما يُكوِّنُ علاقة الإنسان بنفسه, وبالإنسان والعالم. هكذا أرى أن المنهج حجاب. وحين يمتلك المنهجُ الذوق والتأمل, لا يحجبهما وحدهما, وإنما يحجب المعرفة كذلك. فالإنسان أكبر من المنهج,وأوسع وأغنى.2)

الجدل بين الذات والتصور والمنهج ليس مناط البغية هنا.
كان الشاهدان الأدونيسيان اختزالا لوهم مقاربات تزعم السُّرى في ليل القصيدة الأبيض , وتختلق من التعِلات ما يعن لها أنه مَداخل لاستباق الماء الصامت إلى سراب الكلام عندما يكبر العنفوانَ شاعرٌ رأى وما رأى.

انبناءً على ما أتى ومض إشارةٍ لن يتأتى لدارس الشعر أنْ تتملكه مغامرة ارتياد مجاليه لاستصحاب خوافيه أوارتقاب أقاصيه إذا أعوزته الرؤية العالمة التي لاتحجب المعرفة, حسب أدونيس, وإذا افتقر إلى جمال البيان المسعف في تلقي النص, وإذا ألبسَ الوقع النصي صممَ الدخيل.

إن امتلاك تصور يُفوض احتمال مباشرة نصية ذات انسجام, وقدْ يخول إمكانية تفاعلية مع القصيدة؛ ثم لعله مانعٌ خلودا إلى ما يتوازى و"المسلمات ", ودافعٌ, عن المقاربات, التوزعَ بين الرؤى والمقترحات الغيرية؛ ناهيك عنْ توشيح ذي الدرس, المؤسس باعتماد تصور, حُرية إبداعية مسؤولة في القراءة والمساءلة. ولعله أنْ يلجم المسايرة الاتباعية التي لمْ تقدمْ غير استطراد تنويعي للمنجز الدراسي سلفا.

إن التصورموقف.
ومن شروط البحث, ومن مواصفات الباحث حدوثُ موقف.
إذا استبان التصور واتضح الموقف أمكن, آنذاك, للدارس أن يُصغيَ إلى النص وقعا ورجعا, وإلى الكلمات تقترحُ مسارًا إجرائيًا لتسلس المعنى أو ما يتنفس انفراجا منه.
هل القولُ إن احتجاب التصور ترك َالباحثَ, في القصيدة, ينـكث غزْلا لا خيط له, بحثا عن القصيدة ؟

3. المنهج وأدبياته متاع نافقة سوقه بين المهتمين وغير المهتمين, بل إن إثارتها لا يخلو منها محفل شعرأو مجلس أدب.

لكن المقصد سؤالان:
• ما علاقة المنهج بالمعرفة ؟
• ما صلته بالتصور ؟

إن ترتب المنهج عن المعرفة بدهية, ولكن ما ليس بدهيا شكلُ استمداد المنهج من المعرفة, وبأية صيغة يكون الاستمداد, وماهية الوعي النقدي الضابط أساسيات التعامل. وبأسئلة غير داعمة ثقافة الجواب السائدة في النقد المساكن :

• ما البنية الفكرية المسعفة في تلقي منهج دون غيره ؟
• كيف التبرير, علميا, التطوافُ الحادث بين المناهج ؟
• هل يؤخذ بالمنهج, فكرة وصورة, باعتماد شمولي أم يتم اقتطاع ما يمكن, تجاوزا, تحقيق تجاوب مع النص ؟
• وإذا اقتُرف الاقتطاع ألا يكون اغتيالا لروح المنهج وفلسفته ؟
• ثم إذا جُمِّعتْ اقتطاعات من مناهج متدانية أو متنائية أليس الأمرُ تلفيقا يحيل على فوضى منهجية ؟
• ومتى اعتمدتْ هذه الفوضى ألا تكون إعرابا عن غياب تصور مؤذن بتحويل المعرفة من الإطلاق المغرب إلى التقييد بنسق ؟

هكذا يستبين التصور جسرا واصلا بين المعرفة والمنهج. وبذلك تنجلي أصالة الباحث في الشعر, وكفاءته في التعامل مع المنهج من حيث هو أداة إجرائية أو قانون مسطري غير ثابت, وليس باعتبار المنهج ثقافة قائمة الذات والبنيان, وبحكم أن وظيفته تنظيمية ترتب الانتقال من انطباع وارد إلى انتباه راصد وشاهد.

وليس جديدا أن المنهج ما كان حقيقة علمية, ولن يكونها؛ وأن ما يتوسل به, من المناهج, راهنا و يترائى سويًّا لسوف ينظر إليه لاحقا بفضل الترقي العلمي, معيبا مشوبا بما ينزع عنه السواء, فيلتمس ما عداه.
وليس حادثا انتسابُ المنهج, في دراسة الشعر, إلى نظرية الأدب, وإلى النص تعيينا. ينتمي إلى النص باستحضار انبثاق أدواته الإجرائية من ظواهر لغوية وبلاغية وشعرية قدْ ينتظمها نص أو قدْ تأتي يشتملها متن من النصوص. تلك الظواهر تملي على الدارس, شرط تأملها, ضابطا أو جملة ضوابط تتحول, بعد الاختبار, قواعد.
إملاء لا ينفصل, بالضرورة, عن الثقافة المؤطرة لتلك النصوص, وعن شعرية الكتابة التي ترفد نظرية الأدب بما تتأسس به الكليات. وما دام الأمر على ذلك النحو ألا يؤثَرُ جانب المرونة في التعامل مع منهج غريب عن النص الذي يُساق إليه

في ضوء هذه الهواجس يمكن تأمل وجوب انتقال الدرس النقدي للشعر المغربي من سؤال النص إلى نص السؤال انتقالا تأسيسيا لإنتاج أسئلة معرفية وجمالية بعدما ارتكن النقد الشعري في المغرب إلى سُلط متعاليات تباينتْ، في اعتماد المنهج، من شذرية الإنصات إلى النص في ضوء ترجيع بلاغي عاطل عن إنتاج قراءة إبداعية إلى نسقية الانصراف عن محاورته، من حيث هو كائنٌ لغويُ / جمالي، باقتراح مداخلَ منهجية ٍتسعف ، في السُّرى به، الى حيث اللانصُّ؛ و باجتراح لفاعلية الذات والمعنى التي تنسبك، إذا انسكبتْ، قصيدة تكتمل شِعرا باحتفاء متلق ٍقد لايكون ناقدا بقدر ما يكون منصرفا إلى سؤال النص عن بلاغته.

وقد يكون ذلك الناقدَ متى انتبه إلى الشعر فأدناه ليشكله نصَّ السؤال الذي تشرع بلاغُته بابا على اختبار الكينونة بالكلام، وعلى اختيار الكلام انبراءَ معرفةٍ من النص.

قـراءة الـذاتِ استثـناء
سؤالان جوهريان:
• من أين تم العبور إلى قراءة القصيدة المغربية ؟
• وكيف العبورُ لم يتدثر ببلاغة المرايا عندَ ملاقاة النص ؟

بداءة إن واجهات الثقافة العربية, مشرقا ومغربا, مرايا متقابلة ينعكس فيها كل علم عبر علم آخر, ويتبلور كل منجز إبداعي من خلال ما يدانيه من التجليات الإبداعية الأخر.
تلك المرايا تمتلك سر استمرارية تسرب التراث في الذات العربية منذ خمسة عشر قرنا من الزمان.
من ثمة اعتبر السابرون بنية الثقافة العربية شمولية المأخذ والمنزع, وذات سعة تشاركية تمنح مكوناتها حرية الانبناء وفق المشترك القاعدي, وعبرالاسثنائي الذي لا يُفوِّتُ التفرد بقدر ما يُفوِّضُ التعدد في نطاق التوحد.

تلك الشمولية أعربت عنها طرق تلقي العلوم, وسبل استثمارها وتوظيفها, فمجاري الكتابة والتأليف فيها؛ مما تحتفل به البرامج التأطيرية, والمناهج التدبيرية في المصادر الكبرى للثقافة العربية. ثم أبانت عنها الآداب والبلاغة توسعة حديثٍ.

بلاغة المـرايا انتقال من النص إلى المعرفة عبر حديث النص عن بلاغته. للمعرفة بلاغتها في الثقافة العربية بعامة والمغربية بخاصة, ولها قنواتها, ثم إن لها سبلا ومنافذ لتصريفها.

تأخذ بلاغة المرايا موقعها من إحداث فجوة أو مسافة التوتر لا تتشكلُ (من مكونات البنية اللغوية وعلاقاتها فقط, بل من المكونات التصورية أيضا: أي لا من الكلمات فقط بل من الأشياء أيضا. هكذا يكون الإقحـام ( Juxtaposition ) أحد المنابع الأصيلة للشعرية لأنه ينشأ من وضع مكونات لا متجانسة في بنية لغوية متجانسة. وتكون مجرد هذه الموضعة الفيزيائية للأشياء مصدرا للشعرية, دون أي تشكيل إضافي3.)

اللا تجانس أفضى بالإبداع إلى ما اعتبره القدامى غرابة 4.
لعله خرق عادة كتابية, أو لعله أن يكون سفر العناصر في السديم النصي لاختبار الذات في جدليتها مع الآخر الذي يعبر أقاليم الحدِّ الماهوّي إلى ما يمتدّ سعة في الوجود؛ حتى تأخذ بلاغة المرايا الإعراب عن الذات, أو كي تكتب الذاتُ بلاغتها في المرايا.

لكن حديثا عنْ مرايا البلاغة يكفل تبيُّنَ مسافة التوتر من عدمها في القصيدة المغربية التي ارتأى منطقُ تطورها تدرجًا متريثـًا أثناء البناء النصي الحديث للشعر بناءً أسَّسَ الاختلافَ من موقع التمثل والتحول عن شبكات معرفية ثلاث:

أ : التراث المغربي المنسرب في الجسد الثقافي امتلاء وسؤالا.5
ب: الثقافة الأندلسية المسافرة في الكتابة حتى عهـد الحماية.6
ج: أدب النهضة المهاجر من المشرق بصيغ اختلِف في بيانِها.7

مرايـا البلاغـة: الذات والبياض

لم تكن القصيدة المغربية, عبر تاريخها, البغية الأثيرية عند مرتادي المجالات الكتابية, ثم لعل النظرَ الشزر آثرها في مسارات تشكلها؛ بلْ لعل الأنساق الثقافية التي أطرت اشتغال الأدب برمجتْ لاختيارات تعبيرية تَمثـل بعضٌ منها في الحكاية والرسالة, وتأتىَّ الآخرُ عبر الأدب الشعبي بكافة التلوينات الإبداعية.

ونجم ثالث الأبعاض عن انغمار في انبراء تآلـف ما تقدمَ في تجربة التصوف حيث سامتَ سلوكَ الطريق ارتداءُ البريق مزاجًا من السرد والسر, ومن الحكي والري, ومن الشعر والفكر, ومن الموزون والملحون, ومن الترائي بين احتمالات البيان حدَّ التواري للفاصل القاعدي المشترط بين شطوط الصناعتين, وحدَّ التوازي التفاعلي بين خطوط الراحتـْين في الأدب المغربي.

تلك هُوية الكتابة المغربية التي خولتْ تميزًا دون اعتباره أفضلية لاحترازين :

1 : اطراح المتداول المقارن لانتصار أو لاجتراح.
2 : اعتماد الناتج الجمالي أداةَ اختبار الأنساق بناءً ونماءً.

من ثمة, ولاعتبارات أخرى متاخمة يتعذر الاتيان بها مفصلة, كانت الكتابة المغربية مرا يا لتفاعل الأنواع الأدبية والمعرفية, فترتبَ ما دعوناه ب " المشاركة 8 " الدالة على انفتاح دائب للمثقف المغربي على المختلِف ذي الواجهات المتنائية / المتدانية العاطفِ على التصوفِ من الفقه, والمنصرفِ إلى الشعر منْ منابر الخطابة لبناء المؤتلف.

لعلها الثنائياتُ الضدية, لكنْ أليستِ الذاتُ لباسَ تناقض يأخذ انسجامَه منْ إرسال الجسور بين عناصرَ إذا لمْ تلتمسْها أدركها التلاشي؟
ولعلَّ امتداداتٍ لها تغمر الراهنَ الثقافي تذكرةً باسترساليةِ التواصل بين مداراتٍ مغربيةٍ في لعبةِ الكتابةِ الأدبية ضدًا على دعاوى الانقطاع.

لكنَّ القصيدةَ المغربية, في علاقتها بالذات الشاعرة عرفتْ بياضًا إذا لمْ يكنْ شموليَّ العموم فليسَ بهِ ما يُلبسهُ رداء الخصوص.

يقول عبد الواسع الحميري : ( ارتبط مفهوم " الذات " قديما بمفهوم " النفس ", أو "العين ", أي بمفهوم " الجوهر" و" الماهية ". ف" ذات الشيء " نفسُه وعينه, أي في حقيقته وماهيته, أو سماتـه الأساسية التي تجعل منه شيئا معينا, وليس شيئا آخر. و " ذات الشاعر" هي حقيقة الشاعر, هويته الشخصية, ما به يكون الشاعر ذاته أي شاعرا بعينه, وليس أي شاعر, أي مقومات وجوده الواقعي أو الموضوعي, بوصفه " إنـسانا+ متميزا " أو " موهوبا ", أو بوصفه " كائنا اجتماعيا تنهض فيه إمكانية التفـرد .. ف" ذات الشاعر " إذن- وأقصد بها ذات الشاعر الحداثي طبعا- هي " أنا " الشاعر, الماهوية, أي الحقيقية أو الموضوعية بوصفه كائنا " مزدوج الهوية " أو" الشخصية ".9..)

وإذا كان السؤال, عن معيار التفرقة الذي ارتضاه الدارسُ لوقف الحديث على الشاعر الحداثي قائمًا, وكأنماغير الحداثي لا ينسحبُ, عليه, ما يكونُ معتورا غيره من التوتر والقلق والتمزق واللاتوازن10.. فالشاعر, في اعتقادنا, لا صفة تعيينية له؛ هو شاعـرٌ منْ حيث بناؤه العالمَ باللغة, ومنْ حيث انبناؤه لغة ً تأصيلا وتخييلا وتأويلا.

هو شاعرٌ لأنه ليس في مقدوره أنْ يكون إلا شاعـرًا.
بهذا نحن أمام شعراء وآخرين يتوهمون أنهم يكتبون شعرا؛ ولم يعدم النقد العربي تصنيفا لهم11. ولذلك نرى أن السالكين مسارا آخر غير حداثي معنيون بما أنف ذكره, ومعنيون بما أتى به د.الحميري مائزا بين ذات الشاعر والذات الشاعرة في قوله : ( ..أما حين تحدد " الذات " بالوصف أو بالمشتق " شاعرة " أي حين تصبح " ذاتـًا شاعرة ", أو حين يقال " الذات الشاعرة " , فإنها, حينئذٍ, تصبح ذاتـا أخرى؛ عرضية, حادثة متموضعة في الحالة أوفي الزمن, أي متحولة عن ذات الشاعر الماهوية ومتجاوزة لها في آن.12)

كانت العلاقة ذات التباس بينا للذات الشاعرة والقصيدة المغربية في صوتين لها: الحدث والقضية, بلْ أوغلتِ الذاتُ بياضا كلما أوْغل الصدى انتزاعًا للغة من شرودها اندهاشًا عبر براري المغامرة لتصير مرفقـًا توثيقيا للحدث, أو لتكون بيانـًا تأمينيًا عن قضيةٍ.

اتسمتْ قصيدة الحدث بانشطارها إلى ما يلي:
1. معرفية: وتنتج عنها المجاراة والمعارضة, جلية أو خفية, فهي ذات سلطة توجيهية تستمد قوتها من هيمنة الأصل على الفرع.
2. دينية : وتنبثق من ثوابت في الضمير الجمعي تزجيها تقاليد, وتزج بها, في حضرة الشعر، عادات وأعرافٌ. ومنها: المولديات, والهجريات, والرمضانيات, والولويات13. لا تخلو من أحد أمرين: أن تكون صادقة أو مجارية, علما أن الصدق الأخلاقي لا يسعف, بمفرده, في إنتاج شعر.
3. سياسية : ويطبعها الدوري والفوري. فمن الدوري السلطانيات/ العرشيات, ومن الفوري ما يعرض لقضية وطنية, أو عربية, أوإسلامية, أو عالمية.
4. إخوانية : وتحومُ حول الشبكة العلائقية للشاعر. وهي ظرفية تعكسها المساجلات, وتبادلية تضبطها المراسلات, وذات روية يقوم بها غرضان: التهنئة والرثاء, وقدْ تكون ترويحية تبلورها مقطعات العبث, والألغاز, فهي إلى النظم أقرب.

ولعل شعراء البدايات, في العصر الحديث, ألمّ بشعرهم الحدث أو ألموا به, ولعلهم كانوا متشيعين, في كل ذلك, للمتن التراثي المغربي الذي واكب الجهاد المغربي على امتداد التاريخ.

يقول د. عبد الحق المريني: ( .. يهدف شعراء الجهاد من خلال أشعارهم إلى التعبيرعن الوقائع والأحداث المغربية, وعن قضايا الإنسان المغربي في مراحل كفاح وجهاده مستمدين قوتهم واندفاعهم وتحمسهم من الروح الإسلامية والشعور الوطني. إنهم لم يخوضوا غمار حروب الجهاد, مشاركة ومعايشة, ولا خبروا تجربتها الحربية كما خبرها شعراء صدر الإسلام, وإنما خاضوها من " الخارج " – انطلاقا من الرؤية والمعاناة - كما فعل الشعراء الأمويون والعباسيون. فقد كانوا أقرب من المؤرخين إلى حركة الجهاد, بقصائدهم وأشعارهم التي أنشدوها وأطنبوا في أغراضها ..14 ).

ذلك القرب ألبس النصَّ الشعري الوثيقة التأريخية للحدث دون أن تشمل المتن برمته, بل لعله ناجمٌ عن كون غير قليل من الشعراء المغاربة كانوا مؤرخين أو أنهمْ كانوا منصرفين إلى بعض منه, كما في الكتابة الترجمية أوالمنقبية وغير ذلك.

كان عبدالعزيز الفشتالي, وأحمد بن القاضي, وأكنسوس, وأحمد بن خالد الناصري, ومحمد بن علي الدكالي, وعبد الرحمن بن زيدان, وعبد الله كنون, والمختارالسوسي, وعلال الفاسي.. وآخرون شعراء/ مؤرخين أومؤرخين/ شعراء. ولا ضيْرَ من القول, مجددا, إن سعة المشاركة كانتْ وسمَ فاعلية لكتابة المغربية.

ولقدْ تدانى الجسرُ بين الذات والقصيدة, وكادت المرايا تعدلُ عنْ وجهتها الخلفية الترجيعية والشاعر المغربيُّ يطوي الحدثَ لينشر القضية.
والقضية تَوزعَها الإقليميُّ بموضوعاته الإصلاحية والقومي ببسط التواصل بين المغرب والمشرق. وإن الناظر في دواوين علال الفاسي, ومحمد بن ابراهيم " شاعر الحمراء", ومحمد الحلوي, وادريس الجاي, وآخرين, ليأنس حيوية التفاعل بين الأنا المغربي والآخر المشرقي, وإنْ كان تحري الذات يأخذنا إلى التوحد في إطار التعدد بين هنا وهناك.

إنه المكان التاريخي الذي يُبرزخُ ترائيَ الذات.
تلك مرايا الهوية المتناسلة.
هوية التناص بين الأدبين من موقع التمثل النِّدي الذي يتجاذبُ استمالة النص الإبداعي سؤالا واحتمالا يكادان يبعدان عن المركز والمحيط مؤطرين لتلك الجدلية الفاعلة.

نحْوَ تذويتٍ للقصيدة

موقفٌ من العالم مختلفٌ تمتزج. عنده, الذات بالآخر.
يرى أحد الدارسين أن الموقف ذو نمطين : أولهما منفتحٌ على العالم يبرز في شعره ( عالمان متداخلان ومتعاكسان في آن. عالم الآخر مجسدا في عالم الذات، وعالم الذات منبثـقا عن عالم الآخر ومتجاوزا له. وكلا العالمين .. مجسد لتلك العلاقة الاندماجية بين الذات والعالم.15).
وثانيهما منفصمٌ عن العالم باعتبار( .. أن الذات الشاعرة لم تبق مرتبطة بالآخر من حيث هو ذاتٌ إنسانية, أو وجود آخر يمكن التفاعل معه, أو تحقيق الوجود الفردي من خلاله, بل بوصفه معطى من معطياتِ تجربتها أومجرد محيط لمركزيتها ..16)
يمثل النمط الأول السياب ودرويش وصلاح عبد الصبور, ويبرز في الثاني منهما, خصوصا, أدونيس ويوسف الخال وقاسم حداد ..

لن نساجل الدارس في التجزئة, ولن نحاوره في الجسرنـة الحادثة, افتراضا, بين النمطين, ولسنا سائلينه عن موقع درويش, مثلا, بعد الذي أتى به في " جـدارية محمود درويش17 " من حيث هي تجربة ُوجودٍ وعدم.
لكن رأيا لأدونيس يقول: ( أنت لا تستطيع أن تنظر إلى الشيء إلا من خلال الأنـا, لكن بالمقابل, حين لا ترى الأنا إلا بنفسها تصبح خالية من المعنى. الأنا يجبُ أنْ ترى نفسها من خلال ما يغايرها, ومن هنا أهمية الشيء. 18)

وقدْ يعزفه, انفرادا رؤيويًا, الشاعر المغربي عبد الكريم الطبال19:
لو أنني استطعتُ
أنْ أجوهرَ الضدين
في قطرة ضوءْ
فيجلس الورد
على يمين الرملْ
ويرقص الجندبْ
في بلاط البحرْ
ويهطل البياض
في بيداء الليلْ
لو استطعتْ
كنتُ قبضتُ البرقَ
من جفنيهْ
وكنتُ صالحتُ أنايْ
ولم أعدْ سوايْ

من لعبةِ الثنائيات الضدية إلى الماهيات الحَدية التي تجوهر المعنى, يحتمل الشاعرُ البياضَ ماءً يسكنُ العتمة ليسلبَ عتبة الليل يبابَ السراب؛ بلْ يحملُ الشاعرَ المعنى للدخول إلى الذات.
قبضُ البرق بسط للضوء الذي كان قطرة شذرية في برزخ الضدين حيث الفعلُ الشعري البديل الماهوي لمغارات الخروج من السِّوى, وحيث الطريقُ السالك الشائك الفاتك بالذي استبق المرايا فما تجوهرَ ولا تصورَ, وما اخترقَ الصدأ لانجلاء ولا َطرقَ الصدى لانبراء الورد, جلوسا, على اليمين الرمليِّ الحكايات عنْ هناك.

ولعل, لي, رأيا ذاهبًا إلى تفرد الطبال الرائد بالانكتاب شعرا يُذوتُ المسافة بين الحلم والكتابة, ويشرع اللغة الإشارية للسفر المجنح في ندوبِ الشمس حين يسألها القمرُ عن الجمار الحالمة.

يقول20:
إذا التصقتُ بابتسامة الشجرْ
فكنتُ الأجنحه
أو استحممتُ في الرياح
فكنتُ المتعدد الأحداق
أو ارتميتُ في فراش البحر
فكنتُ القابض على جمارالحلم
أو اعتليتُ حجرا مفضض الإحساس
فكنتُ عنفوان الفرح المفقود
أهمس في القلب الذي يكتبني
يقرؤني
قصيدة في داخل القصيدة
يا سبدي
يا سندي
إني أريد أن أظل هنا
طبيعة في داخل الطبيعة

لعبة أخرى في تقنية الكتابة الشعرية عند الطبال: تنائيات التداني.
الماء الأثيري يكسو الذات أجنحة تتراسل والأحداق التي ترسي التعدد في انتباه البحر فراشـًا إلى الشاعر. إذا كان الموج جمرًا ابيضتْ المهرة التي تسنمها الشاعر لافتقاد الفرح.
الرياح اللواقح أحداق, وجمار الحلم فضية الثابت الحجري.

ماذا لو أن الفتى حجر..؟
قال شاعر قديم تدثر بالصحراء, وامتهن اختزال الكلام حماما مرََّ بانذهال نخلةٍ فرأى سجعا هامسا, ورأى الظل مائسا فتلـَّفتَ يسأل صورته عن الأحداق كيفَ تتجنحُ رياحا أو فراشا للبحر.

ينأى الشاعر عن الشاعر.
ينسل من رمادية الاعتياد, ويؤانس الأحمر الحلميَّ والأبيض الحجريَّ لتكسير الدلالة المسافرة من .. تميم بن مقـبل21 إلى عبد الكريم الطبال.

شاعران استلما الحجر معنى شعريا.
ولعلهما سألاه دنوا لسبر اختلال المعنى في رنـوِّ الذات إلى الآخـر.

لا أعلم أيهما انتحى التبلد الحدْسي اختيارًا وجوديا, ولا أيهما أجرى تحويلا تأويليا, بالفضة, ليصيرالفضاء إحساسا إذا يسامته ابتهاجُ الشعري عنفوانا يكتبه ويقرؤه الفقد بيانـا.

هل الفقد وجدٌ ؟
وهلْ هناكَ ليس هنا ؟
وما الشمسُ قبل الصورة ؟

يُردف في نص آخر 22 :
يا طينُ
البث في خبائكَ
لا تفكرْ
في الهبوط إلى غدير
أو إلى شمس
فثمَّة مَن يشكلُ منك سيفا
ثم ينفخ في سنانك
أو يصور منك أفعى
ثم ينفث في لسانك
أو يلملم منك كأسا
ثم يحشوها سرابا
يا أخي
في الليل
اسكنْ في سمائكَ
لا تفكرْ
في الذهاب إلى سواكَ
فأنت إنْ تفعلْ
تقـَوَّض ملكُكَ
وانتهى أبـدٌ لديكَ

الخباءُ الطينيُّ ذو فضاء يُربك احتمالات المسافة والحيز والجهة.
له المكان الخصوصيُّ, وله المراقي إلى عتمات الرؤيا وإلى عتبات الماء غير المرئي, ثم لعل, به, انجذابا إلى الليل الأبدي : ليل الذات المجيد.

إن الذات عصبُ القول الشعري, في بلاغة الرؤيا عند عبد الكريم الطبال, وفي كتابات ندرةٍ من الشعراء المغاربة المؤطرين بالتصوف بعدا مرجعيا متأتـًيا من ثقافةٍ مغربيةٍ توهَّمَ الماهِدون, بالتـأريخ لها, أن الفقهَ كانَ سيدا.
والحقُّ أن الخبيئ الوضيئ من المصادر الذي جُليَ في العقدين الأخيرين, في مختلف التخصصات الأكاديمية, أعربَ عنْ كون التصوف ما كان انشغالا معرفيا وجماليا بقدر ما كان ممارسة ذاتية وجودية 23.

من ثمة تتجهُ المقاربات الجديدة إلى قراءة الثقافة عموما والقصيدة خصوصا خارج السلط النقدية التي روجتْ ما ليس ترسلُ النصوص, ولكن ما تمَّ تعاوره من تمثلات شذرية لا تلم بالمنطق النصي, ولا تحتكمُ إلى الشمولية مدارا لمساءلة إبداع كانتِ " المشاركة ُ " وسْما للمنحازين إليه.

كانت الثقافة الشفوية متسلسلة في الوعي الجمعي, وذات هيمنة ما برحتْ متمرئية في الراهن الثقافي, وفي المنجز الشعري دون أنْ نزعمَ كون الشعراء " الشباب " لمْ يتجاوبوا مع النص المشرقي السالك المسار ذاته.

هكذا تتلبس الذات شعرا مغربيا جانحة, به, إلى تذويتٍ مترتبٍ عن الذي أنف ذكرُ بعْض منه, وعن إنهاكاتٍ انكسارية حاصرتِ العربيَّ, من الماء إلى الماء, عقبَ انتكاساتٍ متناسلةٍ.
وبذلك اعتبر تذويتُ القصيدة مقاومة شعرية لبناء الذات, ولكيْ لا تموت, ثم لكيْ ينتبه الذاتي إلى كينونةٍ كادتْ تمَّحي علاقة ًبين الأنا والآخر.

يقول خالد بلقاسم محللا ومؤولا ماورد في كتاب: تقريظ الذات 24 Eloge du Sujet لبرنار سيشر ) Bernard Sichère وارتباط الذات بالجسد هو ما يحتفظ لها بتميزها وفرادتها وغموضها مادام الغموض يلف مفهوم الجسد, ويجعله بمنأى عن المعرفة الإنسانية كما يرى سبينوزا. ولعل هذا ما يجعل كل ذات تنفرد بخصائصها, وتتمنع عن التكرار لأنها تحتفـظ دائما بالسر وبالمجهول.
وقد أكد فوكو على دور المقاومة في بناء الذات, أي مقاومة السلط في شتى تمظهراتها, ما دامت السلط تتوجه إلى محو الذاتي والمتفرد وخلق كائن كما تريده لا كما يريد هو أنْ يكون. وفي هذا ما يجعل الذات إنتاجاProduction ويجعلها تتحدد كقدرة على التفرد, وكحدث محتمل ومرفوض في آن, لذا يُمكنها ألا تولد كما يمكنها أن تموت, وهكذا فإن الكائن + الذات مهدد بأن يموت كما ولد, أيْ أن يموت كتعميم Géneralité.. ومن الطريف والدال في آن أنْ ينتهيَ سيشر إلى الإقرار بأن البعد الشعري هو المؤهل, بامتياز, إلى إنقاذ واقع الذات..25 )
تأسيسا على ما تقدم يمكن اعتبارُ التذويتِ مدخلا إلى حوار الذات والمرايا في القصيدة المغربية لمعطيات نصية داخلية متصلة بالتجربة ذاتها, ولإضاءات أسعف, بها, الباحثون في الشعرالأدونيسي تذهبُ إلى أن عبوره إلى قصيدة المرايا أتى على النحو الآتي26 :

القصيدة المسرحية

قصيدة القناع

القصيدة الطويلة

قصيدة المرايا

إن القناع والمرايا, في النص الأدونيسي, واجهاتُ زمنين شعريين:
1: اعتمِد القناع تقنية شعرية في ضوء سيادة القراءة المادية للتاريخ العربي؛ فكأنه كان استدعاء الآخر لتتلبسه الذات, وكأنه كان تساميا ليندَّ عن الهوة الحادثة بين الأنا والهوية, ولعله تغيا بناء ترميميا للذات يحتفل بالرمز التاريخي معتبرَه, إنْ قليلا أو كثيرا, البديل المرآوي.

2: استبدِلَ القناع بالمرايا بفعل التحول من تاريخ الفكر إلى تاريخ الذات27, وبحكم اشتغال معرفة مختلفة متمثلة في التصوف وانشغال بها, واعتبارا للتعديل المقصدي في سؤال الأنا بالعطوف إلى البناء المختلف للذات استنادا إلى إلماعات الهوامش المنسية في دفتر الوجود العربي.

يرى كمال أبوديب أن ( المرايا والجسد إذن ثنائية ضدية على صعيد آخر: المرايا غير محددة الملامح ولاتمتلك أبعادها الخاصة. والجسد يملك أبعاده الخاصة. ويبرز التضاد على أكثر من صعيد. فالمرايا ترتبط بالمجرد, والجسد يرتبط بالحسي. المرايا لا تقدرعلى التكاثر إلاعبر التكرار. والجسد هو الفاعلية الأولى للاستمرار عبر التجدد والتنوع 28.)

تلك الثنائية الضدية ترتب تصورَ كمال أبي ديب للعلاقة بين الشاعروالوجود سواء في " جدلية الخفاء والتجلي29 " أو" في الشعرية 30 "حيث تحضر الفجوة - مسافة التوتر أطروحة مركزية؛ بيد أن بيانه عن الخاصين المرآوي والجسدي يتشربه " هاجس النزوع " إلى تحديد الفروق عوض اعتبار التماهي, بينهما, ابتدار حديثٍ عن اللاتناهي عبر" التكرار " و" التجدد والتنوع ".

للمرايا من الدلالات ما يقـتضي تناولا خاصا.
لكن تكفي إشارة دالة إلى أن أية دراسة (..في قصائد المرايا يجب أن تبدأ أولا بتأمل دلالة المرايا من شتى وجوهها: الظاهراتية بحكم وجودها الشيئي ضمن وعينا وشعورنا, والنفسية لما تحمله من دلالة وجود القرين, ورؤية النفس, والتعرف عليها ضمن حيز المرآة, والأسطورية حيث تحمل المرآة جذرا رمزيا يربطها برغبة نرسيس في رؤية وجهه منعكسا على صفحة الماء, والفنية بكونها دالا شعريا وأدبيا عاما, يمكن أن يحمل معه تقنيات خاصة ترتبط بالانعكاس معا, أو التشظية والتناثر.31)

هي مرايا الأعماق عند خالدة سعيد باعتبارها ( بؤرة تقاطع الرؤى بأجمعها.32 ), ومرآة العالم الداخلي حسب اعتدال عثمان 33.
وقدْ تكونُ الرحم الرمزي المؤذن بالتماهي ( حيث يندفع ضمير الذات إلى شكل أولي قبل أن يتموضع في جدلية التماهي مع الآخر34 )

تذويتُ القصيدة المغربية أفضى بها إلى اختبار اللغة, اجتراحَاتٍ وانزياحاتٍ, وإلى اعتبار القصيدة بلاغة َمرايا بدلا من مرايا بلاغةٍ كانتِ الذاتُ, عندها, ممهورة بالآخر الآتـِي من خارج الذات للبيان عن اللجيِّ الهادر أو النديِّ الهامس, وإلى اختيار الترائي كشفا للغامض غير الغامض.

مقابـسة المرايـا

هذه المقابسة من القصيدة المغربيةِ ذاتُ انسيابٍ استئناسي يومئ إلى تجليات قصيدة المرايا التي أذنتْ, بها, سيرورة معرفية, وصيرورة جمالية, من الميثاق الإبداعي المودع في مرايا القصيدة بين المبدعين لها: الشاعر والمتلقي حينما يترائيان عبر التماهي دون التـناهي, وعبر التراسل التأويلي بين الكلام وما يند عن الكلام.

ولقدْ اعتبرناها, والشعراءُ وقوفٌ بين يديها, أشبهَ ب مرآة الغريبة.
قال ذو الرمة:


لها أذن حَشرٌ وذِفرى أسيلة = ووجهٌ كمرآة الغريبة أسْجحُ

وقال ابن بري: ( خص مرآة الغريبة وهي التي لم تتزوج في قومها فلا تجد في نساء ذلك الحي من يعنى بها, ويبين لها ما تحتاج إلى إصلاحه من عيب ونحوه فهي محتاجة إلى مرآتها التي ترى فيها ما ينكره فيها من رآها فمرآتها لا تزال أبدا مجلوة 35)

مرآة الغريبة, في تصورنا, انعكاس غيرُ مرئيٍّ للمتاهة المشرعة على البراري الموحشات, وعلى السفر الليلي في عيون النار. يرتدي الشاعر دمه ليصير الماء بين احمرار وازرقاق, وليكون المرئيُّ سؤالا عن المسافر من الذات إلى الذات.. هلْ أتى حلمه أوْ مات ..

يقول محمد الأشعري36 :
هلْ بدأ المسافر حلمه
أم مات منتظرا عبور الليل
هل وصلتْ تجاعيد الصباح ليقظتي الحبلى
وكنت على امتداد دمي أزاوج بين مرحلتين :
رعب الساعة الأولى
وغبطة آخر اللحظات
أوقفتُ انتشائي عند مدخل غابة صفراءْ
فأورقتْ مدن من الأشلاء والأنهارْ
وانهمرتْ على جسدي اشتهاءات كالندى
ورأيتُ – كامرأةٍ تنوء بحملها -
جبلا يمد يدين عاريتين نحو البحر
ويزحف محدثا في جسده الصخري
أغصانا من الطعنات
وجداولا دموية زرقاء
ورأيتُ صحراءَ من المرايا
ومهرا أخضرا يلهو على صفحاتها العذراءْ
فارتعشتْ تفاصيلي
وانتبهتُ لملمس كحرائق الذكرى

دمٌ أزرق لرحلة من المعلوم إلى الموهوم, وللعراء الطيني الراجف الزاحف يجتر جرحه الصخري ليندفه جدولٌ ألغى انتماءه إلى الأزرق ماءً, وانتسب إلى الراجف موتا في المدى.
تمتد صحراء المرايا من الانشداه إلى الانتباه, من الحلم بالبدء إلى الرسم بالذكرى, ومن الانتشاء إلى الارتعاش اشتهاءاتٌ لاحتمالاتٍ لا توفي بالمؤمل من الحلم المسافر.
تتناسل صحراء المرايا في اللانهائي إلى حيث اللاشيئ, وإلى حيثُ المهر الأخضر يلهو. لماذا المهر أخضر ؟ وهل القباب الخضر حولها الشعر من المكان إلى اللامكان أوعرج, بها, من التحديد إلى التجريد ؟ ثم إنها احتماء من المتاهة باستنسال المتاهة حلما لعله لم يسافر بعد.

ذلك الفراغ يتمرأى عند صالح بوسريف في ما يلي 37:
له مرآة
عليها يُدون أيامَه
يفزعُ من كل شيءٍ
ولا يفزعُ من رؤية أيامه التي انكتبتْ
في شبه هذا
الفراغ.

وقدْ يتمرأى إلى حيث اللاقرارُ لينطرح السؤال: هلْ يمكنُ اعتبار البئر مرآة لاستبصار آخر؟ إن التجاور بين البئر والمرآة في الشعر العربي المعاصر, وعلى الأخص في ديوانيْ أدونيس ودرويش, لخليقٌ أنْ يوحدَ بين استثمارين رمزيين لبناء المعنى الشعري.

يقول بوسريف مجددا 38:
هادئا كان في المرآة يودع وجهه
الزمن استدار في وضاءة عينيه
وشعره المخملي
بدا جله
مفروشا بضوء عابر
وكانت ملامحه
تحمل خلف نضارتها
شهوة عشق
بدا
نبضه
دون قرارْ
في المرآة
كان
متى أدركه التعبْ
ألقى بوجهه في
مائها
واستحم بعطر أيامه التي
كانتْ
بلا قرارْ

ولعل محمد بوجبيري المجايل لسابقه لا يبرحُ النسق المؤطر لتفاعل الشعراء المغاربة مع المرآة اختيارا جماليا تكسيريا لمباشرة الخطاب, مع اعتبار السمات المائزة لكل على حدة.
يقول من قصيدة: مرايا 39
من بدْءالأيام كانت تأتي
تضع مائدة عشاء
تضيء شمعة إغواء
تمضي دالية ً تحضن ذاكرةَ الأسماء
لاأعكس إلا غوايتي
قالت المرآة
اخترتُ هذا الطريق
وحده في الضلالة العميق
وحده العتيق
.........................
.........................
صنوبرُ السفوح فينا
زقومُ

حافة الجحيمْ
ظلان
للشجرة الواحدة

الغوايـة ماء المـرايـا.
يتحيز الشاعر جهة الشهادة من أفق الانتظار.
ما كان له أن ينبري انتباها إلى المرآة, ولا أن يغرق بحثا عنْ ذاكرةٍ أخرى.
تأتي المِرآة, كامْـرأةٍ, في المساء ليخضر البهاءُ دالية وطفاءَ الحكايات.

هلْ كانت الحكاية أن الظلين استـبقا يخصفان المهْوى الجحيميَّ وريقاتٍ لتلك الشجرة التي تقف, هنا وهناك, في المتاهة واحدة واجدة مثـل مـرآة الغريـبة ؟
وهلْ أحكي عنْ قصيدةٍ مغربيةٍ لمْ تعْدُها بعدُ ؟

لا انـتهاء للحكي إذنْ ..
و.. للمرايا بقايا ..


هـوامـش الدراسـة

1 .انظر مجلة فصول ص 161. فبراير1991
2 .نفس المرجع : ص 160
3 .كمال أبو ديب : في الشعرية. ص 37 . مؤسسة الأبحاث العربية.لبنان. ط1 .1987
4 .أسامة بن منقذ: البديع في البديع. تحقيق: عبد أ. علي مهنا ص 196 . دارالكتب العلمية. بيروت. لبنان. ط1. 1987
5 .مصطفى الشليح : في بلاغة القصيدة المغربية. ص 51-39. مطبعة المعارف. الرباط. المغرب. ط1 .1999
6 . نفس المرجع. ص69-81
7عباس الجراري : الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه. ص 195. مكتبة المعارف. الرباط. المغرب. ط1. 1979
: معالم مغربية. ص127. الهلال العربية للطباعة والنشر. الرباط. المغرب. ط1. 1991
: تطورالشعرالعربي الحديث والمعاصربالمغرب ص 539. مطبعة الأمنية. الرباط. المغرب. ط1. 1997

عبد الله كنون: أحاديث عن الأدب المغربي الحديث ص 27. دارالثقافة. الدارالبيضاء. المغرب. ط2 . 1978
محمد بنيس : ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب. ص 285. دار العودة. بيروت. لبنان. ط1. 1979
عزيزالحسين: شعر الطليعة في المغرب. ص 84. منشورات عويدات. بيروت-باريس. ط1 1987.
8 .في بلاغة القصيدة .. م س. ص 38-27
9.عبدالواسع الحميري: الذات الشاعرة في الحداثة العربية. ص 12. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. لبنان. ط 1. 1999
10. نفس المرجع. ص13
11.المرزباني: الموشح. تحقيق: علي محمد البجاوي. ص 454. دار الفكرالعربي. القاهرة. مصر
12.الذات الشاعرة..م س 13
13.مصطفى الشليح : الحياة الأدبية في سـلا ( قيد الطبع ) ص 151-130
14عبد الحق المريني: شعر الجهاد في الأدب المغربي. 2/ 420مطبعة فضالة. المحمدية. المغرب. ط1. 1996
15 .الذات الشاعرة..م س. ص 27
16 .نفس المرجع. ص 76
17 . محمود درويش : جدارية محمود درويش. رياض الريس. لبنان. ط1
يقول:
ورأيتُ ما يتذكرالموتى وما ينسون...
هم لايكبرون ويقرأون الوقتَ في
ساعات أيديهم. وهم لا يشعرون
بموتنا أبدا ولا بحياتهم. لا شيء
مما كنتُ أو سأكونُ. تنحل الضمائرُ
كلها. "هو" في "أنا" في "أنت".
لا كلٌ ولا جزءٌ. ولا حيٌ يقول
لميتٍ: كُـنِّي
.. وتنحلُّ العناصرُوالمشاعرُ. لا
أرى جسدي هناك, ولا أحسُّ
بعنفوان الموت, أو بحياتيَ الأولى.
كأني لستُ مني. منْ أنا ؟ أأنا
الفقيدُ أم الوليد ُ؟ ( ص27-28 )
18.منيرالعكش : أسئلة الشعر. ص 136. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. لبنان. ط1. 1979
20.عبد الكريم الطبال: الأعمال الكاملة. 2/299. مطبعة دارالمناهل. الرباط. المغرب. ط1 2000
20.نفس المصدر1/189
21 يقتضي الأمر, ربما, مقاربة دراسية للحجر مفهوما وأبعادا تأويلية في الشعر العربي برمته.
22.الطبال: الأعمال الكاملة. 2 /282
23.مصطفى الشليح : الذات والمعنى في قصيدة التصوف بالمغرب.
( قيد الإعداد للطبع )
24. Paris .1990..Sichère.Bernard :Eloge du sujet .Grasset
25. خالد بلقاسم : أدونيس والخطاب الصوفي. ص 117. دار توبقال للنشر. المغرب. ط1 2000
26. حاتم الصكر : مرايا نرسيس. ص77. المؤسسة الجامعية للنشروالتوزيع. لبنان. ط1 1999
27.محمد الداهي: عبدالله العروي: من التاريخ إلى الحب. ص 68. منشورات الفنك. الدار البيضاء. المغرب. 1996
28. كمال أبوديب : جدلية الخفاء والتجلي. ص 270
29. صدرعن دارالعلم للملايين. ط1. 1979
30. صدرعن مؤسسة الأبحاث العربية. ط1. 1987
31. مرايا نرسيس. م س. ص 78
32. خالدة سعيد : حركية الإبداع. ص 105. دار العودة. لبنان. 1989
33. اعتدال عثمان : إضاءة النص. ص 66. دارالحداثة. بيروت. 1988
34. مرايا نرسيس. م س. ص 80
35. لسان العرب. مادة: سجح
36. محمد الأشعري: يومية النار والسفر. ص 10. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. لبنان. ط1. 1983
37.صلاح بوسريف: قصائد. ص 105. مجلة: آفاق تربوية. عدد:8-9 /1994. المغرب.
38. نفس المرجع. ص104
39. محمد بوجبيري : مرايا. ص101. نفسه[/color][/size][/B]

صالح سعيد الهنيدي
12-16-2006, 06:25 PM
قراءة عميقة
وورقة نقدية أصيلة
لا نزال نغوص في هذا العمق

أنتظر انقضاء المرايا
ثم أعود معقبًا بإذن الله
على بعض الأطروحات هنا