المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحمد شوقي .. أمير الشعراء


صالح سعيد الهنيدي
07-25-2005, 04:29 AM
وُلد أحمد شوقي عام 1870 في مصر التي صبغته بعروبتها وإسلامها; فقد تحدّر من أعراق مختلطة: كان جدّه لأبيه كرديّا، وكانت جدّته لأبيه يونانية تعمل في قصر الخديو. لكن أبويه وُلدا بمصر وتربّيا في رحابها.

نشأ شوقي في القاهرة، وضمن له تفوقه الدراسي مجانية تعليمية في مدرسة الحقوق. وعندما تخرج فيها عام 1887، عيّنه الخديو توفيق في قصره، وأرسله إلى فرنسا في بعثة لدراسة الحقوق والترجمة طالت حتى عام 1893 .

وقد حسمت تلك الرحلة الدراسية الأولى منطلقات شوقي الفكرية والإبداعية. وخلالها اشترك مع زملاء البعثة في تكوين (جمعية التقدم المصري)، التي كانت أحد أشكال العمل الوطني ضد الاحتلال الإنكليزي. وربطته حينئذ صداقة حميمة بالزعيم مصطفى كامل، وتفتّح على مشروعات النهضة المصرية.

وطوال إقامته بأوروبا، كان فيها بجسده بينما ظل قلبه معلقًا بالثقافة العربية وبالشعراء العرب الكبار وعلى رأسهم المتنبي. ولذا، ظل تأثره بالثقافة الفرنسية محدودًا، ولم ينبهر بالشعراء الفرنسيين الرمزيين والحداثيين أمثال رامبو وبودلير وفيرلين الصاعدين آنذاك.

وبعد عودة شوقي إلى مصر، تعدّدت رحلاته إلى تركيا والدول الأوروبية، إلا أن رحلة منها كانت، مثل رحلته الدراسية الأولى، حاسمةً في تشكيل مصيره. كانت تلك الرحلة عام 1915 إلى برشلونة الإسبانية، التي اختارها الشاعر منفًى له، عندما أُمر بمغادرة مصر بعد خلع الإنكليز للخديو عباس حلمي. وتأمل شوقي مشاهد الحضارة العربية في الأندلس، واكتشف أن الارتباط بالعروبة أبقى وأجدر منه بدولة الخلافة العثمانية. كما تعززت نزعته الوطنية الغلابة في عشق مصر والتغني بأمجادها، وشهدت سنواته التالية ذروة تألقه الإبداعي في التعبير عن الضمير القومي، وشحذه لإمكاناته الإبداعية، وتوجيه طاقاته الخلاقة لتجديد روح الشعر العربي وتمكين صياغته. وفي عام 1927، تألفت لجنة عربية لتكريمه، وخلعت عليه لقب (أمير الشعراء).

ويصف طه حسين التحول الذي قلب إستراتيجية شوقي الشعرية بعد المنفى الإسباني قائلاً: (إنه قد تحوّل تحولاً خطيرًا حقّا لا نكاد نعرف له نظيرًا عند غيره من الشعراء الذين سبقوه في أدبنا العربي (...). إن شعره التقليدي قد تحرر من التقيد بظروف السياسة (...). واستكشف نفسه، وإذا هو شاعر قد خلق ليكون مجدّدًا). كما يرى طه حسين أن (شوقي)، في كثير من قصائده الأخيرة، قد أخذ يحقق النموذج الجمالي والفكري للإنسان المصري والعربي.

ومن موقع النقد الأسلوبي المعاصر، يرى الدكتور محمد الهادي الطرابلسي أن أسلوب شوقي كان (يتغذى من رصيد ثقافي واسع، فخرج يمثل عصارة مصفّاة من التراث العربي الغني، ومن المعارف الإنسانية، إلى جانب تصويره تجربة طويلة للحياة. ولقد تميز أسلوب شوقي بالتوازن بين طاقتين: الإخبارية والإيحائية، فحقق بذلك رسالة مزدوجة: فكرية وفنية معًا).

لقد اعتمد شوقي على توظيف عدد من التقنيات الشعرية الفعالة لتوليد الدلالات الكلية، من أهمها تجانس التراكيب والاشتقاقات، ومفارقات الصياغة، وآليات التكرار وطرائق التصوير والتجسيد، مع قدرة فائقة على إشباع الحس الجمالي للقارئ العربي والاستجابة لتوقعاته.

وفي أخريات سنواته، عكف شوقي على استئناف مشروعه الإبداعي الرائد في كتابة عدد من المسرحيات الشعرية الرفيعة، التي أسست لهذا الفن في اللغة العربية، حتى وافته المنية عام 1932 .

ضم ديوانه (الشوقيات) 11320 بيتًا، وبلغت (أرجوزة دول العرب) و(عظماء الإسلام) 1365 بيتًا، كما وصل شعره المسرحي إلى 6179 بيتًا. هذا بالإضافة إلى الشوقيات المجهولة التي نشرها الدكتور صبري السربوني، والتي وصل عددها إلى ما يقرب من 4700 بيت، بما يشهد بخصوبة شوقي وثراء منجزه الإبداعي في الشعر، وبجدارته ليكون شاعر العروبة والإسلام في العصر الحديث.

المصدر
http://thaqafa.sakhr.com/ketab/pages.asp?Lnk=AhmadSwqy/a001.xml

صالح سعيد الهنيدي
08-21-2005, 01:54 AM
أحمد شوقي يرثي

عمر المختار




ركزوا رفاتك فـي الرمـال لـواء
يستنهض الـوادي صبـاح مسـاء




يا ويحهم نصبـوا منـارا مـن دم
توحي إلى جيـل الغـد البغضـاء




ما ضر لو جعلوا العلاقة في غـد
بيـن الشعـوب مـودة وإخــاء




جرح يصيح على المدى وضحيـة
تتلـمـس الحـريـة الحـمـراء




يأيهـا السيـف المجـرَّد بالـفـلا
يكسو السيوف على الزمان مضـاء




تلك الصحارى غمـد كـل مهنـدأ
بلى فأحسـن فـي العـدو بـلاء




وقبور موتـى مـن شبـاب أميـة
وكهولهـم لـم يبرحـوا أحـيـاء




لـو لاذ بالجـوزاء منهـم معقـل
دخلوا علـى أبراجهـا الجـوزاء




فتحـوا الشمـال سهولـه وجبالـه
وتوغلـوا فاستعمـروا الخضـراء




وبنوا حضارتهم فطـاول ركنهـا
دار السـلام وجـلّـق الشـمـاء




*****




خُيّرت فاخترت المبيت على الطوى
لـم تبـن جاهـا أو تلـم ثــراء




إن البطولة أن تموت مـن الظمـا
ليـس البطولـة أن تعـب المـاء




أفريقيـا مهـد الأسـود ولحدهـا
ضجـت عليـك أراجـلا ونسـاء




والمسلمون على اختلاف ديارهـم
لا يملكون مـع المصـاب عـزاء




والجاهليـة مـن وراء قبـورهـم
يبكـون زيـد الخيـل والفلـحـاء




*****




فـي ذمـة الله الكريـم وحفظـه
جسـد ببرقـة وسّـد الصحـراء




لم تبق منه رحى الوقائـع أعظمـا
تبلى ولـم تبـق الرمـاح دمـاء




كرفـات نسـر أو بقيـة ضيغـم
بـاتـا وراء السافـيـات هـبـاء




بطل البداوة لم يكن يغـزو علـى
تنك ولـم يـك يركـب الأجـواء




لكن أخو خيـل حمـى صهواتهـا
وأدار مـن أعرافهـا الهيـجـاء




*****




لبى قضاء الأرض أمـس بمهجـة
لـم تخـش إلا للسمـاء قـضـاء




وافـاه مرفـوع الجبيـن كـأنـه
سقراط جـرّ إلـى القضـاة رداء




شيـخ تمالـك سنـه لـم ينفجـر
كالطفل من خوف العقـاب بكـاء




وأخو أمور عـاش فـي سرائهـا
فتغـيـرت فتـوقـع الـضـراء




الأسد تزأر في الحديد ولـن تـرى
في السجن ضرغاما بكى استخـذاء




وأبي الأسير يجـر ثقـل حديـده
أسـد يُجـرّز حـيـة رقـطـاء




عضت بساقيـه القيـود فلـم ينـؤ
ومشـت بهيكلـه السنـون فنـاء




تسعون لو ركبت مناكـب شاهـق
لترجـلـت هضبـاتـه إعـيـاء




خفيت عن القاضي وفات نصيبهـا
مـن رفـق جنـد قـادة نـبـلاء




والسن تعصف كل قلـب مهـذب
عـرف الجـدود وأدرك الآبــاء




*****




دفعوا إلى الجـلاد أغلـب ماجـدا
يأسو الجـراح ويُعلـق الأسـراء




ويشاطر الأقـران ذخـر سلاحـه
ويصف حـول خوانـه الأعـداء




وتخيـروا الحبـل المهيـن منيـة
لليـث يلفـظ حـولـه الحـوبـاء




حرموا الممات على الصوارم والقنا
من كان يعطي الطعنـة النجـلاء




إني رأيت يد الحضـارة أولعـت
بالحـق هدمـا تــارة وبـنـاء




شرعت حقوق الناس في أوطانهـم
إلا أبـاة الضـيـم والضعـفـاء




*****




يأيهـا الشعـب القريـب أسامـعف
أصوغ في عمـر الشهيـد رثـاء




أم ألجمت فاك الخطوب وحرمـت
أذنيك حيـن تخاطـب الإصغـاء




ذهب الزعيم وأنـت بـاق خالـد
فانقد رجالـك واختـر الزعمـاء




وأرح شيوخك من تكاليف الوغـى
واحمـل علـى فتيانـك الأعبـاء