المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحبّ بين العذرية والأفلاطونية. د. محمد جاهين بدوي


د.محمد جاهين بدوي
12-07-2006, 03:42 PM
مفهوم الحب بين العذريّة والأفلاطونية
د. محمد جاهين بدوي
* * *
يخلط كثير من الناس بين مفهومي الحب العذري والأفلاطوني، متصورين أن ثمة ترادفا بين دلالة المصطلحين، والحق أن فرقا كبيرا دقيقا كائنا بينهما، فالعذرية ” عاطفة قوية مشبوبة يهيم فيها المحب بحبيبته، ويرجو الحظوة بوصالها، ولكن تتضاءل لديه النظرة إلى المتع الحسية، إذ يطغى عليها حرص المحب على استدامة عاطفته في ذاتها، وعلى اعتزازه بها مع التضحية في سبيل الإبقاء عليها بما يستطيع بذله من جهد وآلام” 1
وهذه العذرية أسلوب من الحب عرفت به قبيلة من العرب يعرفون ببني عُذرة، وهم قوم ينتسبون أساسا إلى قبائل قحطان من اليمن، يعرفون برقة فائقة في طباعهم، يستهويهم الجمال فيمعنون في عشقه مع عفة اشتهروا بها. 2
ولعل من أهم خصائص هذا اللون من الحب أنه حب محض لا تعرف أدران الشهوة ولا أوضار الحس إليه سبيلا، فالشاعر العذري فيه ” يخلق للمرأة شمائل تميزها عن سائر بنات حواء، فهو يخلق منها قوة روحية تسيطر على مسالك ضلاله ومذاهب هداه، وهو يراها أمنع من الظبية العصماء، وقد يراها أبعد من النجم في السماء” 3
ومن أهم خصائص هذا الحب أيضا أنه ” حب حتى الموت، وإذا بدأ فلا نهاية له إلا بنهاية المحب ” 4
وثمة صفة أخرى لهذا الحب، وهي الإفراد والتوحيد في المحبة، فكل أبطال هذا الحب من العذريين إنما كان تعلقهم بنموذج مفرد من النساء، لم يشركوا به غيره، أو يجدوا عن هواه مصرفا، فهم قد وقفوا عاطفتهم عليه، وأفرغوا كل أشواقهم تجاهه، ورأوا فيه الغاية القصوى للجمال والجلال الأنثوي، حتى غدا المحبوب لديهم محض مثال وفكرة متخيلة، وهذا هو الأمر الذي جعل المحب العذري يتعرف غالبا مقرونا بذكر محبوبته، وذلك على نحو ما نجد في هذه الأسماء المركبة من مثل ” قيس ليلى ” و ” جميل بثينة ” و ” كثيِّر عزّة “.
أما الحب الأفلاطوني وهو ما قد يتبادر إلى أذهان بعضهم عادة بمجرد ذكر الحب العذري فقد استقرّ في الأذهان وهمٌ باطل مؤداه: أن المصطلحين يكادان يترادفان في الدلالة على لون من الحب ذي طبيعة واحدة، توصف بالعذرية تارة وبالأفلاطونية تارة أخرى، هذا إن لم يكن يفهم أنهما مترادفان كل المرادفة، والأمر عند التحقيق ليس فيه شيء من ذلك، فشتان ما بين الحبين: العذري والأفلاطوني في البدء والنهاية والماهية والعلة الغائية، فهذا الحب الأفلاطوني الذي دعا إليه أفلاطون في المأدبة، واحتفل به كثيرا ورأى فيه أتم أشكال الحب وأسماها، إنما هو ذلكم الحب الذي يكون بين ذكرين على نحو كانت تمارس فيه الجنسية المثلية، ثم ترقّى أمر هذه الممارسة إلى لون من الاستعلاء والتسامي الجنسي والروحي بين ذينك الذكرين.
وها هو ذا أفلاطون يذهب إلى أن ” كلاًّ منا شطر من كائن كامل، وكلا منا يبحث دائبا عن شطره الآخر، والذكور الذين انشطروا عن الخنثى ” الكائن المشترك ” يعشقون النساء، ويهيمون بهن، والزناة من هؤلاء، وكذلك النساء اللواتي يعشقن الرجال ويتهالكن عليهم، والنساء اللواتي انشطرن عن أنثى يعشقن بنات جنسهن، ولا يأبهن بالرجال، أما الأشطار الذكور، وهم أنصاف ذكر فيميلون إلى الذكور دون سواهم، ويسرهم القرب منهم، بل والاتصال بهم، وهؤلاء خير من لداتهم منذ حداثتهم، تتوافر فيهم خصال الرجولة أكثر من غيرهم، ويرميهم البعض بالوقاحة والصفاقة، ولكنهم جد مخطئين، فليست الصفاقة هي التي تدفعهم إلى أعمالهم، ولكنها الفتوة وروح الرجولة العالية القوية تدفعهم إلى مصادقة أندادهم وأشباههم،….، وأمثال هؤلاء ينشئون علاقات تدوم ما دامت الحياة، ولا يبغون من وراء صداقاتهم مغنما ولا كسبا، ولا يستطيع أحد أن يزعم أن اللذة الجنسية وحدها هي التي تحقق لهما السعادة ما داما معا، إذ يكمن في أعماقهما شوق ليس من السهل الإبانة عنه، ولا حتى الدلالة عليه، وإن عبروا عنه في كثير من الإبهام، … ، إن المحب يتحد بمحبوبه، ويفنى فيه، فيصير المحب والمحبوب شخصا واحدا، وعلة ذلك أننا كنا أصلا كائنا واحدا، وليس الحب إلا تعبيرا عن الشوق إلى العودة إلى الأصل” 5
نعم هذه هي حقيقة الحب الأفلاطوني في مجلاها الأتم والأكمل الذي يحفل به أفلاطون كثيرا، ويدعو إليه من خلال هذا النص الأصلي من ” المأدبة ” وقد اقتطفت منه هذه الفقرة على طولها لنكون على بينة من حقيقة هذا الحب الأفلاطوني، كما صوره أفلاطون نفسه، وهو – كما ترى – يستبعد كون المرأة موضوعا للحب في نظريته تلك، ويحل محلها الذكر، فجماع نظريته في الحب أنه ما كان تساميا عن جنسية مثلية كانت بين ذكرين، أما المرأة فلا وجود لها ” فلا هي البداية التي يبدأ منها من يعشق الجسد، ولاهي طرف في النهاة التي ينتهي إليها من يعشق الروح، وإنما يشكل الغلام البداية الحسية، والرجل النهاية الروحية ” 6
والغريب حقا في أمر هذا الحب الأفلاطوني الذي يمكن أن نعده مرادفا لحب ” الشواذّ ” لبعضهم - بعد أن تابوا وأنابوا وقرروا الكف عن اللواط والاحتفاظ بالصداقة السامية - أنه يقرن جهلا واعتباطا بالحب العذري الذي نلم من آثاره الفنية بأسمى آيات المحبة السوية في طهر وعفة، يسمو بهما شعور يظل مترفعا عن حاجات الحس، حتى نخاله ضربا من الرياضة الروحية، والمكابدة الوجدانية اللتين تترقيان أحيانا إلى رياضات المتصوفة ومكابداتهم، وذلك الخلط في المفاهيم – لعمري – آية تهرؤ في الاصطلاحات، وفساد في حياتنا الأدبية عظيم !!.
ــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي:
د. محمد غنيمي هلال: الحياة العاطفية بين العذرية والصوفية، ص 13 ط 2 مكتبة الأنجلو المصرية 1960
2- يراجع: د. كامل مصطفى الشيبي: الحب العذري ص 29، 30 دار الحرية للطباعة بغداد 1985
3- د. زكي مبارك: العشاق الثلاثة ص 20، دار المعارف . مصر 1992
4- د. كامل مصطفى الشيبي: الحب العذري ص 31
5- أفلاطون: المأدبة، ترجمة د. وليم الميري، الصفحات 45، 46، 47 دار المعارف مصر 1970
6- د. إمام عبد الفتاح: أفلاطون والمرأة، ص 109، الحولية الثانية عشرة من حوليات كلية الآداب جامعة الكويت، الرسالة 75، 1991 - 1992

صالح سعيد الهنيدي
12-07-2006, 06:38 PM
أشكر لك يا دكتور محمد جاهين
على هذا المبحث الجميل
والذي عرجت فيه على مفهومين
كدنا نظن أنهما مترادفا المعني
فإذا بالعذري يتسامى إلى مراتب الحب
وإذا بالأفلاطوني ينحدر إلى أتون الجنس

شكرًا لك

يوتوبيا
12-07-2006, 11:53 PM
أهلا بك د / محمد
ما وصفته بالحب الأفلاطوني عرف في التراث بغزل الغلمان
فالظاهرة والمصطلح معروفتان في تراثنا ، واستيراد مصطلح الحب الأفلاطوني للدلالة على الظاهرة
وأد لشيوعها قديما في الثقافة العربية
شكرا لطرحك الراقي

عيسى الحكمي
12-08-2006, 09:01 PM
الحمد الله الذي هذبنا بالايمان وارشدنا الى طريق الصلاح والاحسان وامرنا بغض البصر عن الحور المقصورات الحسان .وخلقلنا من نفس واحدة، وجعل لها زوجها ليكون الحب هاهنا مرضاة للرحمن .وبعد / فان الحب عبادة ارتضاها الله لعباده.والزواج دواء العشاق . والحب خارج اطار العلاقة الزوجية فتنة قلبية ومرض اجتماعي يفضي بالمجتمعات الى انتهاك الحرمات ومن خلاله تقضى الشهوات بغير وجه حق ( فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) فاين هذا من فلسفة افلاطون ، ومن نسيب الشعراء الذين يقولون مالا يفعلون. اعلم يقينا ان هذه ورقة بحث بحتة . لكن مداخلاتي هنا لبيان الفرق بين من جعل المرأة جسد ومتعة ولذة وشهوة وبين من طهرها من الفحشاء والمنكر ، وصان بفضله الانثى من المذكر فباي آالاء ربنا نتنكر .
_______
ملاحظة د محمد بدوي ... ليت نبط الخط صغرته قليلا . وتقبل تحيتي وامتناني.