المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البيئة . الذائقة .. وسطوة الشعر 1- 4


علي مغاوي
11-11-2006, 02:53 PM
البيئة . الذائقة .. وسطوة الشعر
1-4 4
يجب التفريق في النقد الأدبي بين كل من : الحكم الخلقي الاجتماعي والحكم العقلي العلمي ، والحكم الجمالي الفني ، حيث لم تعد قيمية الفنون وتصنيفها بحسب الأطر الأخلاقية ـ خارج الحدود التي تحكمها بأحكام معيارية ـ بذلك التعصب البحثي الذي راده في الماضي كل من: أوجست كونت ، ودور كايم ، وليفي بريل ، وغيرهم ، فلا دراسة الفنون ونقدها صنف ـ في النهاية ـ على شاكلة العلوم الطبيعية ولا هي انتهت إلى غيبيات يتنبأ بها أقران الشعراء أو حالات الرسامين الغيبية ، بل بقيت الفنون تنتصب أمام عصر المعلومات مثبتة دور الأحاسيس في تفعيل نشاط الإنسان ومثيرة للعواطف وقارئة أولاً وأخيراً لما يجب أن تكون عليه الحياة بوصفها مجتمعاً يندفع باتجاه الكمال،واستمرت المسارات النقدية متباينة في طرقها وأساليبها،وواصلت الفنون في أنساقها المختلفة بحيث بقي لدينا منها ما امتازت صوره وما حمل قضايانا وما هزّنا واستثار فينا ما نحب أو لا نحب.
ولكن تقدير الناقد لاختلاف الفنون عن كل العلوم بأنها تنشأ خارج دائرة الطرح العلمي للفرد على اعتبار أن مصدرها ومستهدفها ، هو المجتمع حتى لو كان متنها تجربة فردية لعاشق أو سجين أو مرتزق أو غير ذلك ، فهي في النهاية عامة تتحدث إلى المجتمع بلسانه وتخاطب جوانب قوته وضعفه من خلال أديم أرضه وهوائه وحالك قضاياه ، وتمس شغاف قلبه وتتلمس في بصيرته ما يدرك ومن بصره ما يحاكي وجدانه،
وتكرس في ذائقته الجمعيّة متاعب الحب واللاحب وترتب ـ من منظور وجداني استشرافي ـ أوليات همه في المسيرة الجمعية لحياة إنسان تحكمه انتماءات متعددة.
وبقيت كل جوانب الفن المتعلقة بطبيعة العمل الفني والقيم الفنية والجمالية والإبداع منقادة للظروف الاجتماعية من الأعراف والعادات والتقاليد فمرة تكون متعلقة بالجنس وفطرة الإنسان من خلال موروثه البشري ومرة ببيئته بجميع ما يميزها أو يشابهها بالبيئات الأخرى من تفاصيل طبيعية وحياتية ، ومرة بالعصر وأحداثه المختلفة المتغيرة بتغير الزمن ، ومن خلال هذه العوامل تدفق القنوات الفنية وتنشأ مساراتها وكأنها رهينة هذه الظروف الحياتية .
وهذا ما يجعلنا نقرأ شعراً فننسبه لهذا المجتمع أو ذاك،ولشاعر دون آخر بحسب رصيدنا من معرفة شعره الذي مثل لنا ـ دون أن نشعر ـ وصفاً دقيقاً لشخصيته الأدبية أو الفنية وبحسب تصنيفنا للمبدعين حتى إلى جغرافية أماكنهم أو توجهاتهم الفكرية ، وكأننا اقتربنا من تصديق القول :(الأدب والفنون مرآة الحياة).
وكانت درجة الاختلافات الفنية ـ لدى المبدعين ـ تشتد في الماضي حين كان التآثر بين المجتمعات يأتي بطيئاً لصعوبة الاتصال ، ثم بدأت المسافات تضيق سواءٌ على المستوى الفكري أو الفني بسبب هذا التطور في المواصلات والاتصالات حتى ضاقت دائرة الفروق أيضا بين فنون المجتمعات فيما زاد التآثر بين المبدعين ، وقل وقع التأثر على المتلقين في كل المجتمعات ولكن هذا العصر لم يأت إلاّ بعد أن دفع الكثيرون من دارسي آداب وفنون المجتمعات الأخرى ثمناً باهضاً لتأثرهم بفنون وآداب غيرهم، وبعد أن فشلوا أو نجحوا في دراساتهم لآداب وفنون المجتمعات الأخرى،حيث وُصفوا بصفات الكثير منها لا يسر ، وجاء الاعتراض في ذلك حتى على طريقة التفكير فكان أن وصفوا بأنهم إباحيون وملاحدة وأصوليون وثائرون وأخيراً علمانيون ، لأنهم تأثروا أو تناولوا من معين فني غير معينهم بطريقة لم تألفها أو لا تقرها قوانيننا الاجتماعية سابقاً وربما أقرّتها حاليا.
وعلى حساب هذه المسافات من التنوع في طرق الحياة الاجتماعية نجح الكثير من دارسي هذه الفنون الأخرى لأنهم عبَّروا عن استنكارهم للأطر الأخلاقية التي تناولوها في دراساتهم ، ووجدت أيضا مبررات الإشادة بأدوارهم بنفس الدرجة التي انبثقت فيها مبررات الشتائم والاتهامات لكثير من الدارسين وهؤلاء هم الذين رادوا الآداب والفنون في عالمنا العربي لقرن مضى وخاصة في مصر وسورية والمغرب العربي ولبنان على وجه الخصوص.
وعلى صعيد آخر ، أليس ما حدث في أوربا أثناء حلول الانقلاب الصناعي هو انخراط للمسيرة الفنية والأدبية في جوف المشكلات الاجتماعية الجديدة التي سببتها الثورة الصناعية؟ ، إذ لا نتوقع أن تبقى قنوات الآداب والفنون بعيدة عن هموم وآلام المجتمع وهذا ما يجب أن يكون عليه حال الأدب .
حينما ضاقت رقعة العالم وتحول ـ كما يقال ـ إلى قرية ، انكفأنا على توصيف المتأثرين بما يحلو لنا وبحسب رؤية شخصية لمدى تأثرهم ضد أو مع قوانيننا الاجتماعية .
وطالما أن الحياة امتزجت إلى هذا الحد ، وأن الظروف الحياتية استوت فلا مفر من التآثر والتقارب على أن تتفرد الآداب الحقيقية العظيمة التي صنعت من الحياة الواقعة ولم تكن نتاج آداب أخرى حتى لو تأثرت ، ناهيك عن ما تحدثه الآداب الراقية من مهارة في الذائقة ودقة في أحكامنا دون النظر إلى أحكام نبنيها على آراء الآخرين.
يتبع 2-4

عبد المحسن الحقيل
11-11-2006, 03:48 PM
أهلا أستاذ :



الحكم الخلقي الاجتماعي والحكم العقلي العلمي ، والحكم الجمالي الفني .

من وجهة نظري يجب أن يموت الأول ويتبعه الثاني ليبقى الثالث فهو الأقدر على التقيين والتقويم .


عافاك الله ..,

صالح سعيد الهنيدي
11-11-2006, 06:23 PM
أهلا بك أخي علي مغاوي
وإطلالة نقدية واستقرائية جميلة
قرأت بشغف المبحث الأول لهذه الورقة البديعة
وأظن أن التعليق سابق لأوانه
فكان يجب أن أتريث حتى
تنتهي فصول هذه القراءة الأربع
لكن لي مداخلة بسيطة
وهي أنّه يجب تتمازج
الأحكام الثلاثة الخلقي الاجتماعي
والعقلي العلمي ، والجمالي الفني
أثناء قراءة أي عمل أدبي
وبمستويات متفاوتة
أقول بمستويات متفوتة
لأن الفنية يجب أن تكون بارزة
في الأعمال الإبداعية
ولكن بدون انتفاء الخلقية والعقلية
لأن أي عمل إبداعي يجب أن تُرسم له
خطوط الطول والعرض التي يجب
ألا يتجاوزها
والانفلات الحاصل في الفنون الغربية
وتبعها بعض الآداب العربية
هو بسبب إذابة تلك الخطوط العريضة
فتجد الاستهزاء بالذات الإلهية وبالدين مثلا
منتشرًا في صفحات شتى من الأدب الغربي
وبعض العربي مع الأسف
وتجد التصوير الجنسي الفاحش
المغرق في الرذيلة
ديدن بعض الأدباء
من مدعي الفنِّ للفنِّ
شكرًا لك
لإثارة هذه الشجون
وللحديث بقايا
إن شاء الله
عند الانتهاء من ورقتك
النقدية السامقة

علي مغاوي
11-11-2006, 06:25 PM
أخي : عبد المحسن الحقيل ..
الحكم الخُلقي ( الأخلاقي ] في النقد تتحكم فيه ثوابت المجتمعات بين الحلال والحرام ، والمألوف وغير المألوف ، وإن اختلفنا حولها بحسب انتماءات المجتمعات المختلفة ..
وعلى سبيل المثال في الجاهلية قال الصحابي الجليل " حسان بن ثابت " شعرا لم يقل مثله بعد دخوله الإسلام .. وأسبابه لا يجهلها مثلك ..
أما النقد الحكمي العقلي .. فقد عنيت بذلك النقد الأكاديمي المقنن المستند إلى قواعد مثل .. بحور الشعر .. وسلامة النحو .. وغيرها .. فهل هذا ما عنيته حفظك الله .. فيشرفني حوار أمثالك حول هذا .. ، وإن كنتَ عَوَّلْت على طرح فيه لبس لغوي من أخيك فاعذر عثرة قلمي .. وأنت أهل لذاك ..

على فكرة : تابعت اختلاف درجة الالتزام بالأحكام الخلقية في سنين خلت بين الأدب في أمريكا الجنوبية وأوربا ووجدت كثيرا من المفاجآت ، وحتى على ما أذكر بين هولندا وبريطانيا ..
وبحسابات الزمن لدينا في العالم الإٍسلامي .. ما كان يسمعه الناس ولا يرون فيه باسا في عصر من العصور قد لا نستسيغه أخلاقيا الآن ..
ما أجمل مرورك ..

علي مغاوي
11-11-2006, 10:59 PM
أتدري يا هنيدي ..
وحشتني مواجع النقد خاصة وأني أتعاطاه انطباعيا بحتاً ، وأعترف أن النقد الذي لا يمثل إبداعا آخر في علاقته بالنص ليس نقدا شاملا ولا يرتقي إلى ما يسمى اصطلاحا بعلم الجمال ..
أنا لرأيك أميل في قضية شمولية النقد لجميع معاييره .. على كثرتها
أنا شديد التحمس لمزيد من الفائدة من طرحكم ..
مزيد الحب ..

علي مغاوي
11-13-2006, 12:29 AM
البيئة . الذائقة .. وسطوة الشعر
2 - 4

وأحسب أنه كلما شاب الغموض فناً من الفنون كان هذا الغموض غير المستحب دليلاً على عدم إمكانية المباشرة لأسباب قاهرة وأيضاً كان هذا الغموض يشير إلى قضية كبيرة ، ولا أعتقد أن فناً يحمل هم أمة يمكن أن يكون سردياً سطحياً ساذجاً أمام انحسار الفروسية والصعلكة في نظام الأمم الراهنة .
وعليه فإن النظر إلى الفنون باعتبارها هزلاً ولهواً نظرة ظالمة ظلم الاعتراضات على الانتماءات المجتمعية لها ، والسؤال : ألم يستهو القمر الشعراء والفنانين الأوربيين ؟ وإن كنا نعلم ما يعني في سماء الصحو العربية وأنه غيره هناك ، كما أن الغضا الذي زاد من إحساس مالك بن الريب بحب الحياة وضاعف آلامه على فراق (باكية أخرى تهيج البواكيا) لم يماش ركاب شكسبير .
واللياليَ الثلجية التي أشعلت ليالي المحبين في المجتمعات الشمالية الباردة لم تكن بديلا لحرقة طرفة بن العبد ..ولا ملهمة لأبي القاسم الشابي ، بل تحول إلى بَرَدٍ يعض على العناب حين قدِّر لرمال الصحراء أن تكون بساتين وكروماً أندلسية في عيون أعرابي كان له أن يكون شاعراً خارج رصيد البيئة الذهنية الصحراوية .
أقول تحول العالم إلى قرية .. فانثالت المفردات الغريبة والجمل الشعرية ذات المضامين والصور الأوربية والآسيوية على صفحات مؤلفاتنا الثقافية والأدبية دون أن تمثل لأصحابها أو لمجتمعنا مروقاً أخلاقياً أو خروجاً لغوياً وفنياً أو مؤامرة على المجتمع العربي ، مع اعتبارنا لكل ما كان كذلك واعتبارنا وتقديرنا لكل من أمكنه أن يبدل بالشتائم الشخصية رؤية موضوعية للعمل الفني الأدبي أو غيره .
وبرغم براعة بعض شعرائنا في استخدام مفردات حديثة في صياغاتهم الشعرية فقد مثَّلَت المفردات الشعرية الموروثة في ذاكرتهم اللغوية الشعرية نكهة خاصة،والمتتبع لها في شعر بدر شاكر السّياب ، وأمل دنقل ، وأدونيس ، وغازي القصيبي ، ويحي السماوي ومحمود درويش ، والميداني بن صالح ، والفيتوري ، والجواهري ، وأبو ريشة ، والعشماوي ، والصّحَيّح ، والبردُّوني ، وغيرهم ، يجد أن عصر التكوين الشعري فيها مثَّل حكَماً ورقيباً ألزمهم بالنفس الموروث العطر في حاضرهم الشعري الذي صاغ لغتهم الشعرية في عصر مختلف سياسياً واجتماعياً بل وحياتياً ، فلم يعد يليق بالشعر خاصة ـ عندهم ـ أن يُحصر ضمن مخابئ الوزن والبناء وإقحام الكلمات في النص قسرا للحفاظ على توحيد القافية على حساب الشاعرية وأفق الفن الشعري الواسع ، كما أن الشعر لم يعد محدود الآفاق بحيث نحكم على الشاعر بأنه أحسن إذا وصف وأبدع إذا جانس وقابل وشبّه ، وأنه تفوق إذا امتهن التورية والطباق ويبقى ذلك ملزماً في التناول الأكاديمي لتاريخ الأدب العربي .
ولأن الشعر قد تجاوز بديع الفخر والحماسة والوقوف على الأطلال إلا بشكل يلامس تطوراً مفترضاً فيناً ، وأننا أصبحنا في عصر لا يمكننا من استيعاب :
(كأنك شمس والملوك كواكب***إذا طلعت لم يبد منهن كوكب)
ولأن أخطر ما في تطور الفنون هو عقلنتها لتتسق واللبنة العصرية وتساير الإنتاجية العلمية السريعة ، فمنجز العقل الذي كان في الشعر الجاهلي لا يعني إلا الحكمة والحلم والتنبؤ ... يفرض هذه الأيام على الفنون أن تحقق حضوراً شعورياً وعقلياً يمكنها من شغل الناس ، حتى تمسهم من خلال ما يرضيهم ومالا يرضيهم ، ولو تأملت منجز العقل البشري في هذه الأيام خُيِّل إليك أن مشاعر الناس تجاه ما يجبههم كل يوم منه أكبر من حصرهم في وصفية سردية تعطل مسيرة الآداب والفنون والشعر على وجه الخصوص ومن لازال في ذهول بنفس درجة انبهار الناس الذين تأثروا بصدور وورود رايات عمرو بن كلثوم) ، لم يكن لعصرنا شأن به ، كما ورد في معارضات : عبد المحسن مسلم بن حليت ، ومريم البغدادي لهذا النص :
ألا هبي بصحنك فاصبحينا *** ولا تبقي خمور الأندرينا
إن التغير التدريجي في الذائقة الشعرية العربية .. سيقودنا بالتأكيد نحو حلقة جديدة في سلسلة الحضارة الفنية للشعر ليصبح عصرنا هذا مكوناً قسرياً لذائقة جديدة سيستلهمها الخَلَف على أنها أساس ينبني عليه إطلاقهم الشعري الجديد ويبقى الرصيد الثقافي الفني مرشداً في نوع المفردة وقوانين الصيغ البلاغية ، فنعذرهم على تعدد أهداف الخطاب الشعري الواحد بقدر عذرهم لنا على تغير سرعتنا وآلاتنا ونوع مساكننا ولباسنا وزينتنا ، بل همومنا ومسئولياتنا الكبرى...
خليق بالشعر ألاَّ يتطور بالاتجاه الحسي فقط ، وإلاّ لما خرج غازي القصيبي من هيامه حتى بأدق خصوصيات المتنبي إذ لا نذكر له حديثا لم يعرج على مكانة المتنبي الشعرية ، وإلاّ لماذا بقي الثبيتي ـ الشعبي ـ العمودي ـ التفعيلي ـ الحديث ـ نجما رغم سرقته الواضحة للقصيدة الشعبية التي يعرفها أجدادنا:
(يا صحن ما فيك العسل ما أنت صحنا
من صحبتش ياالخاينة ما انتصحنا)
في الوقت الذي انداح روض الشعر عند الجواهري فامتطى ضفاف النهر.. (يادجلة الخير .. ) وأبدع في رثاء زوجته بقصيدة مطلعها :

في ذمة الله ما ألقى وما أجد
*** أهذه صخرة؟ أم هذه كبد؟


وعبقت رائحة جذور نخيل العراق على ضفاف مشاعر السماوي الذي سيبقى خبز أمه طازجاً إلى الأبد.

علي مغاوي
11-13-2006, 12:28 PM
البيئة . الذائقة .. وسطوة الشعر 3 -4 و4 - 4 3 - 4جمعت الورقتين الأخيرتين استعجالا لفائدة مداخلات المهتمين ..
ومن لبنان الذي بكى فيه الشيخ (الكهل) إيليا أبوماضي دماً حين لم تعرفه جبال لبنان وحين أنكرت قريته (المحيدثة) ذاكرة طفولته ، وقد عاد إليها متهالكاً بعد غربة أمضى فيها أبو ماضي شعره وحبه وعمره حين قال:
وطن النجوم أنا هنا حدِّق أتذكر من أنا
ألمحت في الماضي البعيد فتى غريرا أرعنا ؟
جذلان يمرح في حقولك كالنسيم مدندنا
يتسلق الأشجار لا ضجرا يحس ولا ونى
ويعود بالأغصان يبريها سيوفا أو قنا
أنا ذلك الولد الذي دنياه كانت ها هنا

كم عانفت روحي رباك وصفقت في المنحنى
كالعشب أثقله الندى للغصن أثقله الجنى
عاش الجمال مشردا في الأرض ينشد موطنا
حتى انكشفت له فألقى رَحْلَهُ وتوطنا
واستعرض الفن الجمال فكنت أنت الأحسنا

وهل كانت أنشودة المطر ستحدث هذا الضجيج لو كانت لإيطالي يستحم بالعشي والآصال في مياه أزقة البندقية ؟. وهل كان نزار سيرثي بلقيس (نينوى الخضراء) ؟؟ لو كانت اغتربت إلى الأبد على شواطئ نيوزلاند ؟ ، وإلاَّ لما كان البردُّوني قد جعل صنعاء (مليحة عاشقاها السل والجرب).
ولهذا فالشعر ينبت مثل كل شيئ من واقع التربة والحياة الاجتماعية والشخصية والذائقة التي تقف وراء كل الأحداث الفنية ما لم تمتهن الأحاسيس .. ويتم تجييرها لصالح إمكانات لغوية وخبرات علمية مكتسبة تنفرج من خلالها المشاعر لتلون كل أزهار المكان بتراب منقول إلى عشق مكاني آخر ثم يسمى ذلك فنا أو شعرا ، والمقولة الشهيرة لماركس : "ليس الوعي البشري هو الذي يحدد وجودهم ، بل إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم" ، فما العيب في أن يقول شاعر من المحدثين :
ولي وطن قاسمته فتنة الهوى ونافحت عن بطحائه من يقاتله
إذا ما سقاني الغيث رطبا من الهوى تنفس صبح الخيل وانهلَّ وابله
وإن مسني قهر تلمست بابه فتورق في نفسي بروقا قبائله
تمسكت من خوفٍ عليه بأمتي وأشهرت سيف الحب هذي قوافله

سوى شاعر نبت شعره في صميم الخيل والحب والرمال والولاء للقبيلة شاعر ، البروق لديه لا علاقة لها إلاّ بمواسم الخصب ورحيل الهجير ، ومن أين لمن يعيش على ضفاف الأنهار ورطوبة الغابات أن يقول شعرا كهذا ؟ وأن يرسم صورة أخّاذة كهذه ؟.
هذا شعر أيامنا هذه للشاعر : علي الدميني ، إذا لم يكن هذا الشعر جاهلياً فهو إرث اجتماعي بيئي وتركة حسية تفوقت على مفردة العصر أو أنها تلاشت معه .
وهذا الشنفرى مع فارق العصر والهم من نفس المجتمع يقول في لامية العرب:
أقيــموا بـني أمـي صـدور مطيــــكم فإني إلى قــوم ســواكـم لأمــيل

فقد حُمّـت الحاجـات واللـيل مقــمر وشدّت لطـيات مطــايا وأرحــل

وفي الأرض مـنأى للـكريـم عــن الأذى وفيها لمن خــاف القلى متــعزّل

لعمرك ما في الأرض ضيق على امرئ سوى راغب أو راهب وهو يعْقِل

وفي قصيدة (دون اسم...) للأستاذة : ثريا العريض ، جاء اسم النص مختبئا وراء حشد من الوهج الداخلي ربما لأنها عربية فقط .. جاءت هذه التسمية الأنيقة معلنة الاعتراض على تغيير اسم المرأة والتحرج من ذكره ، حين يقال : ( أم فلان أو بنت فلان أو أخت فلان ) ليس من أجل التفخيم بقدر ماهو تحشيا لذكر اسم المرأة ، وهذه مقاطع لا يمكن لمن لا تعيش مجتمع الجزيرة أن تتحرق هذا الاحتراق وهي تحمل اسم غيرها قسرا مع جمال اسمها وانعدام مبررات التغييب:
غَنِّني
مثلما أتراءى لوجدك صامتا
تراتيل امرأة غرّبتها حروف النداء
رأت في سراب الصحاري بريق
***
إذا اشتقتني ألف اسمٍ
ولست المنادى
فإن النداء سدى
من ترى يبادل جدران ليلى
بأحلام قيس طليق
يماري جنونه ؟
ويُلبس عفراء رونق أفراحها
بعيد التماع الخيال لحلم يؤرقها أن تكونه ؟
وبعد اهتراء الوعود
يعيد لهند مداها العريق ؟
ويرسم منعطفات الطريق
ليترك عند بثينة ظل جميل رهينة ؟

4 - 4
وفي الجاهلية ما وجدنا شعر غزل في قصائد مستقلة بل لم يظهر ذلك في الشعر العربي ـ بشكل واضح إلاّ في العصر الأموي .. حتى تحول الغزل إلى مباشرة وصفية للجسد.
صحيح أن جميع شعراء الجاهلية لا يباشرون أغراض شعرهم بالتناول ، ولكنهم يمهدون للدخول فيها ثم يُعْلون من قوة تناولهم لها فيشبعونها بل ربما بالغوا فيها ، ولكن المتغزل كان يحتفي بصفاته في الوقت الذي كان يمتعه أن يكون محبوبا أكثر من كونه محبا ، ذلك لما فرضته حياة الصحراء والمجتمعات البدوية من قسوة الحياة وخشونة العيش وانعدام جوانب المتع إلاّ بتغليب دور المرأة الذي كان محور حياة في القوة والشجاعة والراحة للعين وللقلب وللجسد والكرم والنسب .
(وأصدَق مثل لهذا قول الشاعر : جعفر بن علبة الحارثي ، وهو في سجنه :
هواي مع الركب اليمانين مصعد *** جنيـب، وجثــماني بمــكة مــوثـق
عجبت لمسراها، وأنى تخلصـــت *** إليَّ،وباب السـجن دوني معـــلـق
ألمّت فحيّت ، ثم قامت فودّعـت *** فلمّا تولت كادت النفــس تـزهـق
فلاتحسبي أني تخشّعت بعدكــــم *** لشيء،ولا أني مــن المـوت أفــرَق
ولا أنّ نفسي يزدهيها وعيدكــم *** ولا أنني بالمشي في القـيد أخــــرق
ولكن عرتني من هـواك ضمـانة *** كما كنت ألقى منك إذ أنا مطـلق
ترى أي درجة من الكبرياء والتجلد والاستهانة بالأغلال والقيود في مقابل هذا الخضوع وانعدام الإرادة أمام الحبيبة ؟ وإذا استبعدنا قضية الانتحال في الشعر العربي فلقد كان امرؤ القيس محباً صادقاً وضعيفاً حين يقول :
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل *** وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجمــــلي
أغرك مني أن حبـك قاتــــلي *** وأنــك مهـــما تأمــري القلب يفــعل
وهو مبدع حين قال :
تنورتها من أذرعات ، وأهلها *** بيـــثرب أدنى دارهــا نظــرعـــــال
ولعله كان ماجناً حين واصل حواره المسائي بعد أن لقيها هناك .
أليس المجتمع العربي الذي تختلف فيه طبيعة التوازن في العلاقات بين الذكر والأنثى ، لابد وأن تختلف فيه معيارية تناول الفنون لأغراض الغزل مثلا؟
وأي محب في أي مجتمع غير عربي يُروِّعه رؤية وجه الحبيبة الجميلة ؟ سوى حبيب ليلى الذي يقول :
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت *** فقد راعني منها الغادة سفورها
فأي شعر منسوب يمكنه أن يتجنب المعين الرافد من التراكم المكون للشاعر بكل تفاصيل الوسط والمحيط والهم .

عبد المحسن الحقيل
11-13-2006, 02:10 PM
فهمت يا سيدي ما تريد .. لكني أرفض الاستناد التام لمبدأ الأخلاق على حساب الفن تماما كما أرفض العبث الأخلاقي في الأدب دون وجه جمالي .

النقد العلمي رائع إن عرض بوجه أدبي ولكنه ممل إن جاء " علميا " جافا .

هذا ما كنت أرمي إليه .


شكرا لجمال طرحك :)

علي مغاوي
11-13-2006, 05:22 PM
أكاد أتفق معك في اكل عدا الأخلاقي ..
فلو أنني تجرأت محاولا اكتشاف درجة تقبل أعضاء وعضوات المنتدى .. وأوردت النص الشعري الذي يبدأ بقول صاحبه :
قالت وقد لعب الغرام بعطفها **** في جنح ليل سادل الإحلاك
يا ليل هل لي .................................................. ..............
فسيكون الرمومتر لقياس درجة التقبل نابعا من الناقد المفترض وهو شخصي .. ولن أتقبل طرحه ولا أن يطلع عليه الناس من خلالي .. أولاً
وثانياً .. التجاوزارت الحسية التي ترد في النص أشك في جواز تناولها شرعا ، وأجزم برفضها عرفا .. وهذا مثال للقيود الأخلاقية ..
الناس لا يتناولون شعر أبي نواس .. ومن نهج نهجه لذات السبب ، وكنت في غاية الدهشة حين اطلعت على كتاب " الشعر المحرم " مؤخراً ..
وهذا اختلاف يخلف وداً
وأتفق معك في الجفاف العلمي .. إلا حين يكون تعليميا ..
أفدتني كثيرا .. أدين لك

عبد المحسن الحقيل
11-13-2006, 06:59 PM
ربما لو سألتني عما يجب أن يكون وفق معايير ذاتية واجتماعية لما تجاوزت ما تفضلت به آنفا .
لكنك كنت تسألني عن رأي ذاتي وهنا أؤكد أني لا أقبل التقييد الأخلاقي للنصوص وفي الوقت ذاته أرفض تجاوز حدود الذوق الأخلاقي في الأدب دون وجه جمالي .

عندما يوجد وجه يفسر وجودها أقبلها قارئا ومتأملا أرفضها ذاتيا .

دمت رائعا :)

علي مغاوي
11-14-2006, 12:34 AM
يا عبد المحسن ..
وقعت وإياك بين حب يعجب والقناعة بما يرض ..
أعترف بأنك حرضتني على العودة إلى نص غزلي حسي وصفي مباشر .. كنت قد قرأته قديما للصاحبي الجليل حسان بن ثابت ، وأذكر أنه أنشده للصحابة رضوان الله عليهم على هامش غزوة بدر .. لا حظ .. نوع الجمهور العظيم ...ولاحظ المكان العظيم ..
ولم أجده إلى الآن ..
أقول : سبحان الله لو أوردته الآن أو قرأته للناس لنالك مالله به عليم .. وهذا ما يجعلني أتأمل رأيك باحترام وباهتمام ..
لأعك بمواصلة البحث عنه للاستشهاد ..
وعلى ما أذكر أن الكتاب الذي قرأته أحال إلى [ أسد الغابة و إلى الإصابة في تمميز الصحابة ] ..
حتى لا يعتقد المنفعلون أنني أقوم بالتجني ...
دمت مثرا .. كن في الجوار ..

صالح سعيد الهنيدي
11-16-2006, 05:35 PM
الجميل
علي مغاوي
اسمح لي أن أعود
مرة أخرى
أحببت فقط أن أسجل حضوري هنا
وأن آخذ نسخة للموضوعات المتميزة

شكرًا لك