صالح سعيد الهنيدي
08-23-2005, 11:09 AM
http://www.alwatan.com.sa/daily/2005-08-23/Pictures/2308.cul.p24.n3.jpgعلي فايع الألمعي (alifayia@alwatan.com.sa)
بالقلب لا بالعقل يُدخل " عيسى مشعوف " في مجموعته الأولى " قفص الإنسان " ـ الصادرة حديثاً عن مركز الحضارة العربيةـ أبطال مجموعته في أقفاص تنتجها ذوات منكسرة ومتوارية خلف مشكلات اجتماعيّة وقضايا وهموم يوميّة متلاحقة ومتسارعة، إذ كتبت نصوص المجموعة الـ 18 شيئاً من هموم ذات تتوزع بين الفقر وجبروت الأغنياء وهموم الكتابة، ومشكلات النشر، والفراغ، والانفلات من سلطة الأب بفعل الجحود الاجتماعي، والحروب، ومشكلات الشعوب، ويوميات العمل العابرة، والانتخابات البلدية وصراعات العواطف.
تلك مكونات النّصّ التي صعّد فيها القاصّ عن طريق الأزمات المفتعلة ـ أحياناً ـ والمستساغة أحايين أخرى، فهي ـ أي مكوّنات النّصّ ـ شخصيات داخل كلّ عمل، يجتهد الرّاوي في اختلاق درجات التّصعيد العاطفي أو الاجتماعي، وحتّى الذّاتي المغرق في ذاتيّته، عن طريق توظيف المفردات ذات الإيقاع اللفظي الصاخب تارة، مثل: " البائس والمهترئ، والقلق، أو عن طريق المستهجن : كالصّمت، والخوف، والظلام، والفشل، والانحطاط".
بينما أوكل الكاتب مهمّة القصّ للغائب الذي يبادر فيروي الأحداث وفق الاستعداد العاطفي المنسجم مع الحدث تارة، والمتعارض معه أخرى، كما في نصّ " الوهن والسّراب " ص 77 الذي كان تعبيراً ذاتيّاً عن الانتخابات البلديّة، الّتي أقحم فيها الكاتب ذاته عن طريق الاستنتاجات غير الثابتة إلاّ في قناعته وإيمانه وهو الّذي لم يستحسن التّجربة من خلال النّصّ، باعتبارها تجربة أولى لا يمكنها أن تولد كاملة دون أن توجد فيها أشياء كثيرة ناقصة تساعدها على أن تنطلق إلى غايات أسمى وأعمّ، بيد أن اختلاط الذّاتي الصّرف بالموضوعي خلق لدى الرّاوي قناعة بفشل التّجربة دون اعتبارات أخرى، أو إمكانيّة فتح آفاق وزوايا متعدّدة يمكن النّظر منها حال الكتابة.
وكذلك في نصّ "حيث تموت الأشياء" ص 19 الذي أبرز التباس الذّاتي الطاغي بالموضوعي المتواري خلف جبروت الرّاوي وهيمنته.
ولعلّ أكثر الأشياء التي يمكنها أن تلفت الانتباه لهذا العمل هي تلك الفضاءات النّصوصيّة المفتوحة للقراءة المختلفة، المفتونة بهمّ معيّن، والنّاقمة بفعل المعالجة أو بساطة التوظيف، واحتراف التّصعيد والتّهويل في نصوص تغيب حاجتها تلك، وتنتفي معها مصداقيّة الكتابة والتّعبير.
لكنّ سمة العمل الأبرز تبقى ماثلة في تلك الأطر التي اختارها الكاتب لعمله، فالشّخصيّة ـ عادةً ـ ما تكون محكيّاً عنها، فهي الغائب الذي يتوارى خلفه القاصّ، واللّغة العالية في الحزن والبؤس والخوف والظلام هي اللغة السّائدة داخل العمل، والمعالجات تتّفق وبشكل كبير في جلّ النّصوص ـ إن لم تكن في النّهاية المعلومة فهي في النّهايات البائسة التي يمكن للقارئ أن يعثر عليها في ثنايا تلك السّطور المخنوقة.
في تجربة " عيسى مشعوف " الأولى مجموعة كبيرة من المعطيات الإيجابيّة التي من شأنها أن تخلق قاصّاً مبهجاً، إذا استطاع التّحلّل من المعالجات الذّاتيّة المطبقة على لغته والمحكمة بسياج عاطفي على جلّ نصوص المجموعة التي بدت لي وقد اختزلت الحياة في بؤس وشقاء وجبروت وطغيان وضيق، بينما الحياة ببهجتها ومواقفها وعناوينها البارزة غابت وسط سيادة النّظرة السّوداويّة على نصوص المجموعة، حتّى تلك الحميميّة التي كان يمكن أن تكون في نصّ " غيابة الظلام " وأدتها نزعة تستحسن الحزن، وترسم عليه جلّ نصوصها، إن لم تكن كلّها.
فهي برغم سموّ هدفها، ونبل مقاصدها، ونزوعها في الوقت ذاته إلى انتقاص كلّ شيء بغية الالتفات إليه، والإشعار بوجوده، إلاّ أنّها تعطي قراءات أخرى تخبر بأنّ وراء التّجربة الكتابيّة المريرة أشياء تخفي وراءها انكسارات لم نجد فيها ما يشعرنا بالمقاومة، ولم تُفتح لها الأبواب الأخرى التي أوصدها الرّاوي بعناية فائقة، حتّى كان لها بالمرصاد إن هي حاولت الخروج عن نسق الكتابة، ونسق الذّات التي توارت خلف ضمير غائب، لكنها لم تتوار فعلاً كتابيّاً، فقد ارتطم الوعي بحدّة الخيال، كما ارتطمت الرؤية بحدّة الكتابة وبؤس النظرة.
المصدر
http://www.alwatan.com.sa/daily/2005-08-23/culture/culture07.htm
بالقلب لا بالعقل يُدخل " عيسى مشعوف " في مجموعته الأولى " قفص الإنسان " ـ الصادرة حديثاً عن مركز الحضارة العربيةـ أبطال مجموعته في أقفاص تنتجها ذوات منكسرة ومتوارية خلف مشكلات اجتماعيّة وقضايا وهموم يوميّة متلاحقة ومتسارعة، إذ كتبت نصوص المجموعة الـ 18 شيئاً من هموم ذات تتوزع بين الفقر وجبروت الأغنياء وهموم الكتابة، ومشكلات النشر، والفراغ، والانفلات من سلطة الأب بفعل الجحود الاجتماعي، والحروب، ومشكلات الشعوب، ويوميات العمل العابرة، والانتخابات البلدية وصراعات العواطف.
تلك مكونات النّصّ التي صعّد فيها القاصّ عن طريق الأزمات المفتعلة ـ أحياناً ـ والمستساغة أحايين أخرى، فهي ـ أي مكوّنات النّصّ ـ شخصيات داخل كلّ عمل، يجتهد الرّاوي في اختلاق درجات التّصعيد العاطفي أو الاجتماعي، وحتّى الذّاتي المغرق في ذاتيّته، عن طريق توظيف المفردات ذات الإيقاع اللفظي الصاخب تارة، مثل: " البائس والمهترئ، والقلق، أو عن طريق المستهجن : كالصّمت، والخوف، والظلام، والفشل، والانحطاط".
بينما أوكل الكاتب مهمّة القصّ للغائب الذي يبادر فيروي الأحداث وفق الاستعداد العاطفي المنسجم مع الحدث تارة، والمتعارض معه أخرى، كما في نصّ " الوهن والسّراب " ص 77 الذي كان تعبيراً ذاتيّاً عن الانتخابات البلديّة، الّتي أقحم فيها الكاتب ذاته عن طريق الاستنتاجات غير الثابتة إلاّ في قناعته وإيمانه وهو الّذي لم يستحسن التّجربة من خلال النّصّ، باعتبارها تجربة أولى لا يمكنها أن تولد كاملة دون أن توجد فيها أشياء كثيرة ناقصة تساعدها على أن تنطلق إلى غايات أسمى وأعمّ، بيد أن اختلاط الذّاتي الصّرف بالموضوعي خلق لدى الرّاوي قناعة بفشل التّجربة دون اعتبارات أخرى، أو إمكانيّة فتح آفاق وزوايا متعدّدة يمكن النّظر منها حال الكتابة.
وكذلك في نصّ "حيث تموت الأشياء" ص 19 الذي أبرز التباس الذّاتي الطاغي بالموضوعي المتواري خلف جبروت الرّاوي وهيمنته.
ولعلّ أكثر الأشياء التي يمكنها أن تلفت الانتباه لهذا العمل هي تلك الفضاءات النّصوصيّة المفتوحة للقراءة المختلفة، المفتونة بهمّ معيّن، والنّاقمة بفعل المعالجة أو بساطة التوظيف، واحتراف التّصعيد والتّهويل في نصوص تغيب حاجتها تلك، وتنتفي معها مصداقيّة الكتابة والتّعبير.
لكنّ سمة العمل الأبرز تبقى ماثلة في تلك الأطر التي اختارها الكاتب لعمله، فالشّخصيّة ـ عادةً ـ ما تكون محكيّاً عنها، فهي الغائب الذي يتوارى خلفه القاصّ، واللّغة العالية في الحزن والبؤس والخوف والظلام هي اللغة السّائدة داخل العمل، والمعالجات تتّفق وبشكل كبير في جلّ النّصوص ـ إن لم تكن في النّهاية المعلومة فهي في النّهايات البائسة التي يمكن للقارئ أن يعثر عليها في ثنايا تلك السّطور المخنوقة.
في تجربة " عيسى مشعوف " الأولى مجموعة كبيرة من المعطيات الإيجابيّة التي من شأنها أن تخلق قاصّاً مبهجاً، إذا استطاع التّحلّل من المعالجات الذّاتيّة المطبقة على لغته والمحكمة بسياج عاطفي على جلّ نصوص المجموعة التي بدت لي وقد اختزلت الحياة في بؤس وشقاء وجبروت وطغيان وضيق، بينما الحياة ببهجتها ومواقفها وعناوينها البارزة غابت وسط سيادة النّظرة السّوداويّة على نصوص المجموعة، حتّى تلك الحميميّة التي كان يمكن أن تكون في نصّ " غيابة الظلام " وأدتها نزعة تستحسن الحزن، وترسم عليه جلّ نصوصها، إن لم تكن كلّها.
فهي برغم سموّ هدفها، ونبل مقاصدها، ونزوعها في الوقت ذاته إلى انتقاص كلّ شيء بغية الالتفات إليه، والإشعار بوجوده، إلاّ أنّها تعطي قراءات أخرى تخبر بأنّ وراء التّجربة الكتابيّة المريرة أشياء تخفي وراءها انكسارات لم نجد فيها ما يشعرنا بالمقاومة، ولم تُفتح لها الأبواب الأخرى التي أوصدها الرّاوي بعناية فائقة، حتّى كان لها بالمرصاد إن هي حاولت الخروج عن نسق الكتابة، ونسق الذّات التي توارت خلف ضمير غائب، لكنها لم تتوار فعلاً كتابيّاً، فقد ارتطم الوعي بحدّة الخيال، كما ارتطمت الرؤية بحدّة الكتابة وبؤس النظرة.
المصدر
http://www.alwatan.com.sa/daily/2005-08-23/culture/culture07.htm