المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : د.عبد العزيز الخويطر...شيء من أدبه.


حسين العفنان
09-10-2006, 10:53 PM
السلام عليكم :
الدكتور عبد العزيز الخويطر ـ متعه الله بالصحة والمسرة ـ من كبار الأدباء الإسلاميين في المملكة العربية السعودية ولأسلوبه لذة ومقالاته تميز.
ولعلي أعرض بعض مقالاته هنا
ما القصد من هذا ؟
قد نجد نصّاً في التراث يشير إلى ما نعتقد عدم صحته، وعند هذه الحالة نكون في حيرة وذلك إذا أردنا أن نعرف الداعي إلى ابتداع خبر غير صحيح، أو نقله، أو الترويج له. وقد نحدس الأسباب في ضوء ظروف المجتمع الذي قيلت فيه القصة عنه، فنرجعه إلى المنافسة بين فئتين، بينهما ما يوجب الحزازة، كأن تكون بين قبيلتين، أو دولتين، أو طائفتين دينيتين، أو مهنتين متنافستين، أو أن يكون عادة بين سكان الصحراء وسكان المدن، أو حماس مريدين أو معجبين بشخص رأوا أنه يستحق أن يؤلف من أجله ما يزيد في الرفع من مقامه، أو حاقدين، أو غاضبين، أو كارهين لشخص يرون فيما يؤلف ما يساعد على الخفض من شأنه، وصرف الناس عنه وتشويه سمعته، والنيل منه.
وبالنظر إلى بعض ما كتب في الأدب العربي، وتاريخه وما ورد فيه من أحكام، أو قصص نجد أنه قد تنبه للباطل فيها نقاد قبلنا، رأوا مداخل واسعة لإلقاء الضوء على الإفتئات الذي جاء فيما كتب، وفيما تناقله الرواة، أحياناً لأن له صدى في ذهن الناقل، لتمشيه مع ما يضمره لهذه القبيلة، أو لهذه الدولة، أو لهذه الفئة، أو لهذه الأسرة. أو لأنه فيه طرافة، وفيه تسلية، ويصلح لحديث المجالس، ولا يفكر في الإثم الذي يلحق بقائل الباطل، وسامعه المشجع على الحديث في هذه الأمور.
هنا نص فيه طرافة، وقد يكون فيه رائحة سياسة، وقد تنبه له صاحب كتاب «جمع الجواهر في الملح والنوادر» الحصري وهذا هو النص
«حكى الجاحظ عن الشرقي بن القطامي أن ابن أبي عتيق لقي عائشة -رضي الله عنها- على بغلة. فقال:
إلى أين، ياأمّاه؟
فقالت له: أصلح بين حيين تقاتلا.
فقال: عزمت عليك إلا ما رجعت، فما غسلنا أيدينا من يوم الجمل حتى نرجع إلى يوم البغلة».
وقد لاحظ الحصري الخلل في هذا الخبر، والوضع في هذه القصة، وحكم حكمه في ضوء الظرف الذي يعرفه عن ذلك المجتمع، وما حدث فيه، وما يدور فيه، فعلق على هذا بقوله:
«وهذه حكاية أوردها الشرقي لغِله ودِغله، على وجه النادرة، لتحفظ، ويُضحك منها، ويتعلق بها من ضعف عمله، وقل عزمه، فيكون ذلك أنجع وأنفـع لمـا أراد من التعـرض لعِــرْض أم المؤمنين رضي الله عنها.
ومثل هذا كثير مما لو ذكرته لدخلت فيما أنكرته، فقد قيل: الراوية أحد الشامتين، كما قيل: السامع أحد القائلين»(1).
(1) جمع الجواهر في الملح والنوادر، لإبراهيم علي الحصري، ص(4)، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثانية، 1953م.
العدد 350 السنة 31 ربيع الأول 1427هـ

حسين العفنان
09-10-2006, 10:57 PM
أمور روحية

قطع الإنسان شوطاً بعيداً في الإنجازات المادية، فاخترع وطور، وصور وغيّر، وابتكر ما كان فيه راحة لأبناء جنسه، وما كان فيه تفوق بصرف النظر عن فائدته أو مضرته.

أبدع في البناء، وفي رَصّ الطرقات، وفي نصب الجسور، وفي إنشاء الموانئ، واخترع بواخر تمخر العباب، يزيد في تحسينها سنة بعد أخرى، واخترع الطائرات وطورها، واخترع الهاتف، ووسائل الاتصالات المتعددة، وبهر العالم بالحاسوب، وقبل هذا وذاك قدم للعصر الحديث الكهرباء عماد كل ما هو مظهر من مظاهر حضارة اليوم.

ولكن الإنسان وقف حائراً أمام الأمور الروحية، لا يستطيع أن يزيد من وصف ما ظهر منها كما ظهر، أما كنهه فبقي لله وحده، تنافس الأمريكان والروس في وقت مضى، ولم يبعدوا عن مكان البدء كثيراً..

الأنبياء جاؤوا من عند الله بالمعجزات، التي لم يستطع الناس معرفة كيف أمكن أن تتم، وآمن المؤمنون تقوى وطاعة، وسلموا بما جاء به الرسل، واكتفوا بالإيمان، واطمأنوا إلى ذلك، فإذا حدث لأحدهم أمر من الأمور الروحية اكتفوا بمظهر الأمر، ولكنهم الآن يحاولون أن يقارنوا الحوادث لعل المقارنة توحي لهم بشيء من القواعدالتي تسير في حدودها هذه الأمور.

كان الغربيون يهزؤون بتاريخ المسلمين الذي يروي قصة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ومخاطبته لسارية، على بعده منه، وسماع سارية لأمر عمر، وانصياعه له، وما أتى منه من نتيجة متوخاة، ثم لما أحصوا من الحوادث التي تماثل موقف عمر، عادوا إلى قصته، وصاروا يفتتحون بها كتبهم عن «التلبثي» ويضعونها أمامهم للدراسة، ووضعها في إطار ما جمعوه أملاً في أن تفتح لهم بابا يلجون منه إلى عالم الروحانيات المقفل.

أورد سبط ابن الجوزي قصة عمر مع سارية، في كتابه: «الجليس الصالح، والأنيس الناصح» فقال رواية عن أسلم عن أبيه، قال:

«خرج عمر بن الخطاب يوم الجمعة، فصعد المنبر، ثم صــــاح: الجبل يا سارية الجبل: الجبل : يا سارية الجبل. قالها مرتين.. ثم خطب، فأرخت تلك الساعة، فوصل سارية من نهاوند، وبين نهاوند والمدينة مسيرة ثلاثة أشهر، (وقال): إن العدو نزل الوادي، فكمن لنا، فسمعنا صوتاً يقول: الجبل الجبل، فصعدنا إلى الجبل، فملكنا العدو، فقتلنا وأسرنا، وفتح الله علينا، وفتحنا البلد، فنظروا، فكان اليوم الذي صاح فيه عمر. فقيل لعمر: ما كان الكلام الذي قلته.

فقال: والله ما ألقيت لــه بالاً، وإنما شيء جــرى علــى لساني» (1).


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صفحة 68 فصل العدل وإغاثة الملهوف

العدد349 السنة31 صفر1427هـ

حسين العفنان
09-10-2006, 10:58 PM
جواهر في إناء صفيح

بعض القصص في الأدب العربي تشد فتصرف القارئ عن التفكير في صحتها أو اختلاقها ، ويعمد قارئها إلى إلغاء التفكير هذا تجاهها ، ويأخذها على علاتها ، ويتلذذ بما فيها من متعة الطرافة ، وجمال منطق العرض . وأمامي الآن قصة من هذا النوع ، انتهت بعطاء جزيل بسبب كذبة ، وبهذا استحقت عنوان : جواهر في إناء صفيح:

«كان بالبصرة ثلاثة إخوان ، يتعاشرون ولا يفترقون ؛ اثنان شاعران، والآخر منجم ، لا يحسن شيئاً ، ففني ما بأيدهم ، عندها خرج الشاعران إلى بغداد ، فمدحا من كان بها من الأشراف، فرجعا وقد اعتقدا (حصلا) أموالاً نفيسة، وبقي صاحبهما في فقره .

فقالا له : لو ذهبت ، فتسببت .

فقال : مالي صناعة ، ولا عندي بضاعة .

فقالا : على كل حال معك ظرف ، ولك لطف .

فخرج إلى بغداد ، واتصل بيقطين بن موسى ، وقال : ما أتيت إليك بشيء ، غير أني أكذب الناس . فضحك ، وخف على قلبه . فكان في جملة حاشيته . فغضب المهدي على عبدالله بن مالك الخزاعي ؛ فأتاه الرجل ، وهو من المهدي في أشد السخط ، وقد ألزمه داره ، فقال للحاجب :

استأذن على الأمير ، وقل له :

رسول الأمير يقطين بالباب :

فدخل ، وخرج له بالإذن ، فدخل . وقال : الأمير يقول لك :

اليوم كنت عند أمير المؤمنين ، فذكّرته سالف حقوقك ، وقديم خدمتك ، فعفا عنك ، وأمرك بالركوب غداً ، ليخلع عليك ، ويجدد الرضا عنك بمحضر الناس .

فَسُرَّ عبدالله بذلك ، ودفع إلى الرجل مالاً ، وبكّر إلى دار المهدي ، فاستأذن عليه ، فلما دخل ، قال :

ما جاء بك ؟ قبحك الله ! وقد أمرنا بلزومك دارك ؟

قال : أو ما رضيت عني ، يا أمير المؤمنين ، وأمرت يقطينا بإحضاري ؟

فقال : إذاً لا رضي الله عني ، ولا خطر هذا بقلبي .

قال : فرسولُه أتاني بذلك .

قال : علي بيقطين .

فأتي به ، فقال :

أتكذب عليّ ، وتحكي عليّ ما لم أقله؟

قال : وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟

قال : زعمت أني رضيت عن هذا .

قال يقطين : وأيمان البيعة (1) يا أمير المؤمنين ، إن كنت سمعت بشيء من هذا أو قلته .

قال عبدالله : بل أتاني رسولك فلان.

فبُعث خلف الرجل يحضره المهدي . فلما حضر ، قال :

ما هذا الذي فعلت ؟

قال : يا سيدي ، هذا بعض ذلك المتاع ، بدأت في نشره خوفاً عليه من السوس .

فقال المهدي : ما يقول ؟

فأخبره يقطين بأول أمره معه . فضحك المهدي ، وجدد الرضا عن عبدالله بن مالك ، ووصل الرجل بصلة جزيلة ، ووصله عبدالله بأوفر صلة . فانصرف إلى صاحبيه ، واسع النعمة ، عظيم المال . »

وقد قدم صاحب كتاب : "جمع الجواهر" لهذا بقوله ، عنواناً: "الملح تبلّغ المطالب ، وترفع من لا قدم لقومه". ثم بدأ الباب بقوله : "وكم أفادت من الرغائب ، وبلّغت من المطالب ، ورفعت من لا قدم لقومه ، ولا أمس ليومه(2) ."

لقد صدق فكم رأينا من إنسان تتعداه عين الرائي ، يكون زينة المجلس ، ونور النادي ، وكم ظريفة تأتي من مثل هذا تحل إشكالاً ، أو ترفع ضيماً ، أو تأتي برزق لمحتاج .


ـــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش :

1- لا يحوز الحلف بغير الله ، لأن الحلف بغير الله شرك ، أما إذا كانت أيمان البيعة في الأصل حلف بالله ، وأنه بهذا أحال إلى حلف بالله ، فالأمر مختلف .

2- جمع الجواهر ، في الملح والنوادر ، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني (ص:24) ، دار الجيل ، بيروت : الطبعة الثانية ، تحقيق : علي محمد البجاوي


العدد348 السنة31 محرم1427هـ