المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في البَحْثِ عن القَصيدةِ العَربيَّةِ المُعاصرةِ 2 / 4


أ.د / مصطفى الشليح
09-03-2006, 02:00 PM
في
البَحْثِ عَن القَصِيدةِ العَربيَّةِ
المُعاصِرة
2 / 4
ِ
إن عمودَ الشعر العربي, في الحقيقة, أعمدة, أو لعله واحد بصيغة المتعدد. ومن ثمة فالنص الشعري المعاصر نصوص إذا تقاطعت عند مؤتلفات فإنها, حين الانهماك التطبيقي المتأني, توزعت إلى مختلفات.
ومن ثمة, ثالثا, فالنقد الذي التفت إليها نقود تتمرأى أقرب إلى التنائي منها إلى التداني, بل إن تجربة ناقد واحد قد يكون بها من السياحة المنهجية ما يستدعي سؤالا عن المنهج في علاقته بالمعرفة وبالرؤية الناقدة, وآخر عن إمكانية اعتباره أدوات تأطيرية وتنظيمية, وليس ثقافة قائمة بذاتها.
أصالة الكتابة, شعرية أو نقدية, تكمن في الدخول إلى النسق الأكبر من قبل الأنساق الصغرى, وهي تتأهب للخروج عليه.
الدخول في الخروج سمة الثقافة التي تشربت التاريخ, وأمكنها أن تتمدد لبناء تاريخ آخر, بنص مغاير ومختلف, دونما انطواء طللي.
تلك هي الثقافة العربية.
لا يحتاج النسق إلى نموذج مقدار احتياجه إلى نصوص تفترض نموذجا يقاس عليه, وهذه النصوص, ثقافية أكثر منها شعرية, تسعف في انتظام أشكال النموذج نسقا أو أنساقا تبعا لحجم الأشكال وأثرها في سلم القيم الموضوعاتية والجمالية.
نسق الانقطاعات يفيد التوحد, وإذا افتقرت الثقافة إلى هذه الانقطاعات الدالة على كون وجودها ذا حيوية واستمرارية في الزمان افتقدت حداثتها والدهشة الأولى المفضية إلى إبداع يأخذه النص الأول إلى نصوص لا يتناهى حصرها, لأنها متصلة بالإنسان.
إن من علامات الثقافة العربية أنها - وخلافا لما يتم الترويج له عن ماضويتها, وعن انغلاقها الذي يرى نقاد الشعر في عمود الشعر مثالا بارزا له, وعن نقليتها واكتفائها بالسائد الوافد بدلا من سفر عن التواتر إلى حيث التوترُ يكون مدخلا إلى رحابة الذات في تلبساتها النصية - لم يتمكن الاحتواء التقليدي من ترسيخ نسق بقدر ما قد يكون أسهم في خلخلة الانكفاء بأنساق بديلة.
الحكاية, إذن, ليست في الثقافة العربية ولكن في القارئين لها, وفي الزوايا التي منها ينظرون, وفي المعرفة التي عنها يصدرون؛ ثم في المقصد الذي إليه يعبرون.
لا جديد نأتي به, ذلك أن السؤال المعرفي الموطأ به آنفا حاضر بامتياز في المشهد الثقافي العربي, من حيث إنّ الاكتفاء بالإشارات الدالة أضحى أقوى بروزا من العبارات المذالة.
معرفة النص عبارة, أما الإشارة فباب لها التأويلُ, ودرب إليها زرافات الإبداع. حينما يشير الناقـد فإنه يكاد يتقمص دور الشاعر, وحينما يوجز يلغز, وحينما يكثـف يتعسف.
النقد بيان إذا جنح بها الاحتمال, فمداره القراءة المتعددة التي يذهب بها التأويل إلى أبلغ مدى متأتٍ من النص.
الكتابة على الكتابة التي يسردها النقد الحداثي, مسبوقا إليها من قبل نقدٍ تراثي تبنى أطروحة الكلام على الكلام, لا تدل على تناوب موقعي بين الشاعر والناقد, ولا تؤشر على امِّحاء الفروق بين لغة الكتابتين, وإن كان المتلقي يأنس بعضا من ذلك في المقاربات التي يقترحها شاعر ناقد. ولسنا بضاربين مثلا, فالنماذج جلية في القديم وأجلى في المعاصر, ولعل هذه المداخلة أن تكون عينة منها.
ذلك الإيناس يفضي إلى تلمس تعلة لذلك الصنيع من حيث إن لغة الخرق التي يعتمر بها الشاعر لا ترتضي انزياحا إما الشاعر يسعى إلى كتابة نقدية؛ وقد يكون قريبا, من ذلك ما قال القدامى من تعذر الجمع بين الصناعتين, وإن حدث ذلك فإن تراسلا بلاغيا يكسر حدود الكتابتين, ثـمّ تسافر, طردا وعكسا, تقنيات هذه إلى تلك.
حكاية الناقد مع الشاعر والقصيدة حكاية, في اعتقادي, مع المرآة .
لقد انتبه الباحثون إلى أقنعة الشعراء بما يحتدم فيها من مواجهة بين الأنا والآخر, لكن اختبار أقنعة النقاد لمَّا ينتبه إليه بعد, أو قد تكون التفاتات حيية تمت هوامش لم تتحصرم لتكون مراكز تيسرُ التقاط الأشكال المَوقعية التي منها يبرزون.
يبحث الشاعر في المرآة عن الآخر الشبيه أو النقيض.
مرآة الشاعر نصية.
ليس شرطا أن تكون شعرية, لكنها نصية لا حدود لها وإن استبانت لها حدود افترضها النقدة.
ثم إنها نصية مطلقة في الزمان والمكان, لأنها تحاور النص الإبداعي الأول بكل خارطته وتضاريسها, ولأنها لا تكتفي بالمجاورة حتى تنسخها بالمغايرة, ولا تقرأ إلا لكونها ستُقرأ من قبل نص آخر, في سلسلة لامتناهية من القراءة المقروءة.
مرآة الشاعر سيرورة الأنا في الآخر.
مرآة الشاعر خروجُ من الحدث للدخول في التاريخ.
لعلها أن تكون المتخيل الذاتوي الذي ترتجله القصيدة بعيدا عن تراتب الكلام ومنطقه, لعلها اختزال الزمن بتجريده من ثلاثيته والرحيل به براقا أو أعماقا, ثم لعلها محو للمكان وسريان في لغو الماء, النافر من المرآة, ليكون الرائي مرئيا, وليصير الكاتب مكتوبا, ليغدو الشاعر نصا.
مرآة الشاعر هي القصيدة.
يكون الشاعر في القصيدة الأنا والآخر.
" إن الشخصية – المرآة في ما نتصور, هي الآخر الشبيه, أو الآخر النقيض, وقد انفتح الشاعر عليهما لتعرف هويتهما وتجربتهما, ولالتقاطهما في مرآته, كأشباه ونقائض ماضية تتوازى مع أشباهه ونقائضه الحاضرة, وهو الأمر الذي يحمل إمكانية أن يتحول أي منهما إلى أنا مغاير يتـفاعل معه الشاعر لينتج من خلال تفاعله معه قـناعه الخاص الذي يجسد هويته العنيفة التي يرتجيها, أو هوية مناقضة مفروضة عليه, وعلى واقعه, وأمته, بالإرغام والقهر" 1
الشبيه هو النقيضُ الذي يبحثُ عن الشاعر في المرآة.
كتابة القصيدة محو للحدود الفارقة بين المؤتلف والمختلف, فالكهوف التي أخذ الشاعر عريها الإبداعي لا أساطير لها, ولا صورا ممهورة بها جدرانها؛ إنْ هو إلا رسمٌ أولي ملامحه تأتي ولا ملامح لها إلا لغة مغربة في غرابتها.
.. والقصيدة تنكتبُ لا يهم الشاعر أن تكون لشبيهه أو لنقيضه, لأن الحروف تقيم, هنا, جسورا, وتقيم, لهناك, عبورا إلى ما ليس هناك, ولأن الحروف تؤثث أفضية الكهوف بالذي يعطفُ شذريا على نسقيٍّ لبيان العبارة.
قصيدة تنظر فيها المرآة لترى صورتها.
إن القصيدة أعمق من المرآة وأشرق.
من ثمة, إنّ الناقد الباحثَ عن الشاعر في المرآة يرى ذاته ولا يرى سواها.
جدلية الخفاء والتجلي, بلغة كمال أبي ديب, لعبة الناقد والشعر العربي المعاصر.
ليس الشاعر وحده من إذا انحاز إلى النقد كان داعية إلى طريقته في الشعر, لأن الناقد الذي ينتخبُ نصا دون سواه يبحثُ فيه عن الشبيه في نقيضه وعن النقيض في شبيهه, ويبحثُ عن التماسِّ الحادث بين الصورتين, وهما بين اتحاد وتضاد, وعن السؤال الذي يحث, فيه, الإيغالُ على التحديق في النصِّ التماسا لمُعادل موضوعيٍّ يكون إجابة عن التناص الذي يسكنه الناقد, بوعي أو بدونه, طلبا لبيت ضاق به النقد فرأى في الشعر سكنا, ورأى فيه شجنا.
النص الشعري مرآة الناقد أو لعله قناع له.
إن افتحاصَ الناقد للنص مَعْبرٌ إلى بسط أطروحيٍّ لتصوره الوجودي ولموقعه الحقيقي من اشتباكاتِ الشخوص قبل النصوص, وتذكرة بالإديولوجي والثقافي من مؤمله في علاقاته بالعالم, واستدراكٌ تعيينيٌّ لموقفه من حكايات الصراع, بين الكائنات, وكناياتها.
هكذا تتبدى القصدية في كل قراءةٍ نقديةٍ, وتتبدى معها الكهوفُ الأخرى التي لا يدخلها الناقد إلا ليرى ذاته, وإذا واراها, تقية أو إيثارا لعلميةِ نظر, ألبسها للنص تأويلا, وأمعن في تقصص صوت الشاعر تقويلا.
وهكذا تكون الصلة بين الشاعر والناقد انعكاسا لمرايا متقابلةٍ لامتناهيةٍ تسْلم الواحدة الناظرين إلى الأخرى؛ فتكون للشاعر مرآة, وتصير للناقد مرايا غير ذات عدد.
يخرج الشاعر من النص ليدخله بقناع أو بمرآة.
يدخل الناقد, إلى مراياه ليخرج من النص.
الدخولُ والخروج إشكالية العتبات النصية في النقد العربي المعاصر.
يقول عبد الرحمن بسيسو: " وهكذا أصبح البحثُ عن معادل موضوعي مواز لأفكار الشاعر ومشاعره الخاصة, ظاهرة لافتة في الشعر العربي الحداثي, منذ انطلاقة حركة الشعر الحر, وأصبح البحث عن شخصية, أو كينونة أسطورية أو تاريخية أو دينية أو أدبية, أو ظاهرة طبيعية, أو كينونة إنسانية أو نباتية أو حيوانية أو غير ذلك, لتكون قطبا أساسيا في صوغ قناع يختـفي الشاعر وراءه, ويكون معادلا موضوعيا له, ظاهرة لافتة أيضا .. " 2
و.. كان الناقد, أيضا, يبحث عن أقنعةٍ وعن معادلات موضوعية, وكان النصّ والمنهجُ القناعيْن المبرزين في الإجراءات التطبيقية التي انصرفت إلى الشعر المعاصر.
" لقد وصفت المناهج النقدية المعاصرة النص على نحو ما تراه من أهمية المستويات أوالعناصر. فأصبح النص " تحفة " للتأمل والوصف على رأي مدرسة النقد الجديد. وصار " دليلا " أو " نسيجا " على رأي البنيويين والأسلوبيين, وانتقل إلى حيز القراءة لإظهار معانيه المغيبة أو المكبوتة, فغدا " بينة " لدى التأويليين و " ميثاق قراءة " لدى نقاد التلقي وجماليات الاستقبال, فيما كان " وثيقة " على رأي المناهج التقليدية .." 3
زئبقية النصِّ سمة كل كتابة إبداعية, واحتمالاته الإشارية مَراهم لتلك الزئبقية, لكن السؤال ليس في القبض على النصِّ, لأن القبضَ مستويات, ولأن البسط سيدُ العلاقات ما بين الدارس والنص, وليس في السفر الدلالي لماهيته في لانهائيات الامتدادات التأويلية, وليس ذاك السؤالُ عن قنوات تدبُّر الاشتغال النقدي, لأن كل مسافر إلى إياب, ولأن الذهاب إلى النص يأتي من تحلل الوساطات, ومن تمثل مسارات التلقي والتفاعل.
السؤال عن التلوينات التي تلبسها المدارس النقدية للنص رداءً مصطلحيا؛ تلوينات ذات إحالات على متعاليات ينضوي تحتها المنهج باعتباره تأطيرا معرفيا قبل أن يكون مسارب من الأدوات الإجرائية.
من " الوثيقة " إلى " التحفة " يكون النص قد اخترق مفهوم " اللعب " الذي اعتمدته الشعرية البنيوية, ويكون أقرب إلى التناص مع العمل الفني, وأدنى إلى تجريده من أطره الحوارية مع ما عداه من النصوص.
ليس مهما إسناد صفةٍ إلى النص لأنه قائم بها أو بدونها, ولكن الانشغال كان يتعينُ أن ينصب على ما يقول النص, وكيف يقول, ولماذا يقول, قبل لذاذة المتاهة التي أقبل عليها متن نقدي عربي في تسياره بين المدارس النقدية الغربية؛ باعتبار أن النص الشعري المعاصر, في أصالته الريادية, ما كان تحفة, ولا دليلا, ولا نسيجا, وما كان بينة, ولا ميثاق قراءة, وما كان وثيقة إلا لدى الناظرين بعين التاريخ إلى الشعر.
النص الشعري المعاصر كان سؤالا وجوديا وحضاريا.
كان سؤال الحياة .
يقول إلياس خوري: ".. فالولادة الشعرية مع ما رافقها من انقطاع لاحق, كانت تتهيأ في أحشاء التجربة الشعرية العربية منذ أوائل القرن. فقد تم استيعاب الإنجاز اللغوي في تجربة المهجريين, والإيقاع الجديد القادم مع اللغة الرومانسية. وسط هذا الجو ولدت القصيدة الجديدة, وهي تحمل جميع سمات العمود الشعري, حتى إيقاعيا فقد بقيت التجربة ضمن هذا الإطار ولم تخرج عنه. لكنها من جهة أخرى كانت تحمل عناصر أخرى استطاعت أن تأخذ من انكسار العمود الشعري امتدادا إلى كسره نهائيا.و محاولة تأسيس قصيدة جديدة. أي محاولة كسر الإيقاع وكسر الرؤية القديمة. وهذا لن يأخذ اكتماله إلا في التجربة السيابية, وفي أكثر لحظاتها نقاء وبلورة. في قصيدة أنشودة المطر. " 4
سؤال الحياة يكون استرساليا, ويكون تكامليا, ويكون كونيا, كما هي القصيدة حينما لا تكتب إلا لغة يتداخل فيها كلّ شيء بكلِّ شيء, وفق نسقية يأتلفُ فيها ما تنافر في غيرها.
ليس الشعر المعاصر " ظاهرة عروضية " 5.
إنه انتقالٌ تشكيليٌّ لمعرفةٍ بالعالم تكون مفارقة لبرمجةِ التخلف في المجتمع العربي.
إنه ثقافة تأسيسية تقترح بديلا لثقافةٍ تكريسية.
لا يتعلق الأمر هنا بالعمود الشعري, وهو أعمدة, لأن المشروع كان تحديثيا ذا شمولية بنيوية تمس العقل العربي.
هل تمت قراءة النص المعاصر في ضوء تلك الشمولية التركيبية بين الأنا والآخر؟
وهل مارست القصيدة حكايتها جسرنة تواصلية بين الأنا والآخر؟
قراءة القصيدة المعاصرة, استنادا إلى ما تقدم ذكره, كانت ذات سعي فاحص للكتابة الحادثة, وكان بها توجسٌ من تيسير القنوات التفاعلية مع الأشكال القادمة تعصف بنمطيةٍ ألفَ التلقي المساير تعاطيها, بل لعله أدمنها وأدمنته حتى كاد الباث والمتلقي يكونان عارفين صيغ البيان, ولسُبل تصريفه تبعا لحدث.
لا يتعلق الأمر, طبعا, بالحدس البنائي للشعر الذي أسماه البديعـيون العرب توشيحًا 6 , لأنه يندرج في تلقي خاصة الخاصة لنصوص لِداتهم وأترابِهم من المبدعين, ولا يتعلق أيضا بما يشاكل التوشيحَ من أبواب البديع.
نمطية التلقي التي كانت سيدة, حين أرصد النص المعاصر شرره لتقفية مختلفة للشعر, أدركها البلى التواصلي, والكلام الشعري يدلف إلى المعنى مُنتضيا كيمياءه المتحولة, وناضيا عن بلاغته ترجيعات الصدى, ومفضيا, بكلماته, إلى أفق يرحُب بانتظارات أخرى, ويرحِّب بانكسارات للنموذج المحتذى, وليس للتراث, باعتبار وجوب التفرقة بين الأمرين؛ فالتراث مندغمٌ في الهوية الثقافية العربية.
يملك المبدع محاورة التراثَ ومغادرته بالتخطي, ولكنه ليس يملك أن يطرحه ظهريا وإنْ رغب في ذلك, لأنه يتمدد في كل شيء ثقافي عربي.
تلك النمطية احتجبَ عنها التلقي فقد سمعتْ كلاما عجبا ولكنه كلام عربي. ولعل ما يشاكه ما نحن بصدده الكتابات " النقدية " التي قاربت قصيدة النثر, والتي, بعد أزيد من سبعة عقود, تعيد إنتاج الدفوعات ذاتها التي ألقيتْ إلى الشعر العربي المعاصر.
ذلك الاحتجاب مرده إلى أمرين :
1. إن الشعر, بطبعه, عصيٌّ, وقد يكون جماله في الذي يند منه عن الإدراك.
2. إن لعبة الإدراك تستوجب توافر توافق معرفي وميثاق لغوي بمفاتيح الترميز.
كان الافتقارُ إلى ما يسعف في التواصل مع القصيدة المعاصرة، من عُدةٍ معرفيةٍ, ومن قدرةٍ على النسيان, نسيان النموذج, وآليات الكتابة الأليفة, والاسئناس بالغرابة الجديدة.
أليس الشعر العربي مجالا حيويا لواحات الغرابة في بيداء التماثل والتشابه ؟
لذلك كان " عجز المناهج النقدية القديمة وطرائق التلقي التقليدية عن أن تكون صالحة للتعامل مع هذا الخطاب أو النص الشعري الحداثي, وأن تنهض بمهمة تلقيه وقراءته. ولهذا ظهرت نظريات تلق حديثة ذات أدوات وآليات قادرة على الكشف والحفر والإنتاج: كشف ما تحت سطح النص والحفر فيه حتى تتكشف بنياته العميقة وتنتج دلالاته الغائبة .. " 7
لم تكن المناهج النقدية القديمة, في اعتقادنا, عاجزة لأنها كانت مرصودة لخطاب شعر له اعتباراته الخاصة التي تكفل شعريته, وليست تلك المناهج متهالكة حتى يتسرب إليها وهنُ البلى في التطبيق بقدر ما كانت استجابة معرفية وتاريخية لنص انبرتْ قوانينها من محاورته, ومن محاورة الأشكال الثقافية المجاورة له.
ومع ذلك توسل بها الخائضون في لجيِّ المعاصر من شعر العرب, وكانت المحصلة أن تلك المناهج شحبت فاعليتها وأن النصوص لاحت وكأنها ليست بنصوص. ولا يعز التمثيل لما تقدم, ولكن وكد هذه الدراسة تأمل الظاهرة النقدية وليس تقصص العثرات, في كتابات النقد, إلا إذا لم تجد مندوحة عن ذلك الصنيع.
قلنا, قبل الشاهد, إن الإشكال كان في أشكال التلقي, وأنه كان بنيويا يمس المجتمعات العربية رمتها, وأن المؤسسة, بكافة تشكلاتها, كانت مهادا لذلك البيان السالب, وأن المعرفية منها كانت تروج لمستهلك من القول لا صلة له بالتراث, وكان خريجوها, بالضرورة, ينتجون من القول ما يشاكل أو ما يتنزلُ دون ما أخذ.
ولمْ لا نقول إن الأمية الأبجدية كانت مستشرية, ناهيكم عن أمية ثقافية لعلنا ما زلنا نستظل بعتماتها إلى الآن.
كان متلقي النصِّ المعاصر يبحثُ عن ذاته في لغته.
وكان ناقده يستدعي لغة الآخر ليبحثَ عن ذاته.
" ... ولقد أخذ أهل الأدب ودارسوه يخوضون في بحوث النقد الأدبي كأنهم يعالجون أدبا مثل أدب الغرب, يقتبسون نظريات وأفكارا من الغربيين, منهم ما يصلح الاحتكام إليه في كل أدب من آداب الأمم, لأنه يصدر عن طبائع بشرية عامة, ويستـقي من موارد نـفسية وشعورية مشتركة بين بني الإنسان, ومنها ما ليس كذلك في مصدره وفي مورده. إذ إن لكل أمة خصائصها وطرائقها في الحس والإدراك, ولكل جماعة من الناس بيئتهم التي تؤثرفيهم, ويتأثرون بها على نحو بعينه, مختلفا ذلك التأثر درجات, ويعبرون عن ذلك التأثير بأساليب وطرائق خاصة.
ثم إن المذاهب الأدبية وفنونها هي, في جانب مهم منها, ثمرة الحياة الفكرية والنفسية والاجتماعية والحضارية في بيئات بعينها, بحيث لا يصح أن تتخذ فيها أحكام وقواعد عامة تنتظم بني البشر في كل مكان. " 8
غربة النص الشعري المعاصر لم تنقدح ذؤابتها من التلقي العام لكينونته, ولكن من تلقي النقد له, ومن أهبة النقدة المرجعية وهم يبتدرون افتتاح العلاقة باستهلالاته, ومن تسييج التواصل بكل ما يسعفُ في اقتحامه, وبكل ما يشف في " ترويضه ".
إن الإبداع الأصيل ليس يتقحمه الانتهاكُ لأصول التداني, وليس بمسلس قيادًا لوافدٍ يبتغي الأواني قبل المعاني, كما يقول الصوفي, وإن الإبداع ليس بصاحبٍ لتأويل رؤياه؛
إنه الرؤيا وتأويلها.
تلك هي القصيدة .
**********************************
الهـوامش
1. عبد الرحمن بسيسو: قصيدة القناع في الشعرالعربي المعاصر. ص 140
المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت 1999. ط1
2. نفس المرجع. ص 217
3. حاتم الصكر : ترويض النص. ص. 225
الهيئة المصرية العامة للكتاب. 1998
4. إلياس خوري : دراسات في نقد الشعر. ص 16. م س
5. نازك الملائكة : قضايا الشعر المعاصر. ص 69
دارالعلم للملايين. بيروت 1983. ط 7
6. ابن أبي الإصبع: تحرير التحبير. ص 228
ت: حفني محمد شرف. لجنة إحياء التراث الإسلامي. د ت.
7. عبد الرحمن محمد القعود : الإبهام في شعر الحداثة. ص 295
سلسلة عالم المعرفة 279. مطابع السياسة الكويتية. 2002. ط1
8. أحمد عبد الستار الجواري : نحو المعاني. ص 14 - 15
مطبوعات المجمع العلمي العراقي. 1987

صالح سعيد الهنيدي
09-03-2006, 05:09 PM
جميل يا دكتور
أكمل ما بدأت
فنحن مستمتعون

فواز عبدان
09-07-2006, 10:16 PM
ماشاء الله


لا فضفوك دكتورنا الرائع

اكمل فنحن مشتاقون لبقية روائعك

لميس الامام
10-06-2006, 11:57 PM
أ.د. مصطفى الشليح

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اسمحلي ان ادون شكري وتقدير على هذا الموضوع الزاخر بمواطن الثقافة والمعرفة للقارئ النهم المهتم بأمور اللغة العربية وجوانبها الجمالية ..واسمح الي بأن اضيف دراسة اخرى لها ذات العلاقة بمضمون نصكم الرائع وما هي الا دراسة بلا إضافة فنصكم قد شمل المقصد وبفيض غزير..

دراسة في الغموض الذي يكتنف شعر الحداثة مقارنة بالشعر التقليدي العمودي

منذ بدايات ظهور الشعر الحديث في الثلاثينيات من القرن الماضي (القرن العشرين) ولا يزال الى وقتنا الحاضر كثير من النماذج الشعرية الحديثة التي تبدو غامضة في لغتها، غريبة في اساليبها وصورها واصطلاحاتها وخاصة لدى اولئك القراء الذين أالفو الشعر التقليدي وأنِسوا اليه واعتادوا على لغته واساليبه..ولم تتسن لهم الفرص الكافية للاحتكاك بتجارب الشعر الحديث اوالتفاعل مع نماذج جيدة منه ، لذلك فهم يرون في لغته لغة غريبة ومختلفة او شاذة عن الاساليب الموروثة وخارجة عن النظام اللغوي المتعارف عليه في الشعر العربي القديم ويدون صعوبة كبيرة في فهمها واستيعابها بل ربما نفروا منها وتجاهلوا التجارب الشعرية الجديدة دونما استثناء ولوبما اقتصر بعضهم على زهده فيها او نفوره منها وسكت على مضض ، بينما وقف البعض الاخر موقف الساخر المزدري او الرافض المستنكر والغاضب المحتج ووصف الشعر الحديث بأنه شعر أعجمي اللغة بل ليس بينه وبين الشعر العربي من صلة ، او انه كما عبر عنه البعض انه "شعر سائب" واشبه بالشعر المترجم ترجمة غير موفقة..

في غمرة الصراع حول قضايا الحداثة في الشعر وتبادل الاتهامات والتناحر بين النقاد حول الشعر القديم والحديث تتراجع شعبية الشعر العربي ويتقلص تأثيره ، حيث يسعى كل فريق من المتناحرين بشكل مباشر او غير مباشر وتحت تأثير نزعات واتجاهات معينة الى صد قطاع من الجمهور العربي عن جانت من النتاد الشعري، وبالتالي فإنهم في الحقيقة جميعا يعملون على تقليص مساحة هذا الشعر وتحديد دوره الفكري والروحي، ومن هنا فإن الجميع يعملون عن قصد او دون قصد لتحقيق اهداف المتربصين لهذا الشعر..

ولعلنا نفرا منهم تجاوز ذلك، فنظر الى طائفة الشعراء المحدثين او المعاصرين نظرة المرتاب المشكك واتهامهم بمحاولة افساد اللغة الشعرية او افساد الذوق وتحطيم الإطار الذي يكفل للشعر العربي الثبات والاستمرار وبأنهم يتخذون التجديد ستارا لهدم التراث العربي وفصل الجمهور عنه، الامر الذي لا يمكن السكوت عليه لأن وراءه نتائج خطيرة مؤداها تشتيت الامة ودفعها الى هوة الاسترقاق والتذبذب الفكري..

هذه الاتهامات قد يصرح بها البعض علنا وعلى مرأى ومسمع من الملأ بينما يتهامس بها بعض آخر في اروقة الادب ومحافل الثقافة ونوادي المجتمع عامة، كل ذلك دون محاولة منهم لتفهم المقاييس والقيم الشعرية التي يضعها الصفوة من الشعراء والنقاد المحدثين كأسس للتجديد في لغة الشعر ودون السعي بجد وأناة للتمييز والتفريق بين الغث والسمين، بين المستعار والأصيل، بين الحقيقي والزائف من تجارب الشعر الجديد..يحكمون على الشعر الحديث ولغته بمقياس المعجم الشعري القديم غير آخذين بنظر الاعتبار ما طرأ على حياة الشاعر المعاصر من تطور في الثقافة والتفكير، وما طرأ على اللغة الشعرية من تحولات دلالية او ما تتطلبه سنة التطور من تغيرات في اللغة والفكر عامة وما يحيط الحياة الراهنة من ظروف... وقد يندفع بعض انصار الشعر التقليدي بحماس اكثر وعنت اشد فيكابر ويتجاهل كل الجوانب الايجابية التي يمكن ان تتمثل في الشعر الحديث وفي اساليبه ولغته، ويتعصب لرأيه او اتجاهه متخذا من تلك النماذج الرديئة الزائفة التي تزج اعتباطا تحت شعار التجديد في الشعر او تلك الهفوات اللغوية والاسلوبية التي يقع فيها بعض الشعراء او يقع فيها المتشاعرون من الشباب ، وتلك الاراء التي ثبت انحرافها عن جادة الصواب ، يتخذ هذه ذريعة للهحوم والنيل والتشهير او التحامل على كل نماذج الشعر الحديث دونما تمييز او استثناء ، ويسعى الى تبرير هجومه واثبات مقولاته بالاستشهاد بذلك القطاع من الجمهور العام الذي ليس له علاقة وثيقة بالشعر او معرفة كافية بالادب، او ليس له ما يؤهله للحكم على انجاز فني.

وعلى الطرف الاخر يقف بعض المتطرفين المغاليين او المقلدين من انصار القصيدة المعاصرة الحديثة متحاملين –ربما كنوع من رد العفل – على الشعر التقليدي ، يصفون لغته واساليبه بانها جاهزة سطحية متخلفة قاصرة تتسم بالفراغ والجمود والسذاجة ويصفون الشعراء التقليديين بالهرم والعجز وبأنهم لم يعودوا قادرين على ربط الشاعر بعصره لانهم لا يفهمون لغة هذا العصر فهم متحجرون واشعارهم نماذج محنطة ، وان نجمهم قد أفل وزمانهم قد انتهى وما الى ذلك من احكام اعتباطية عامة لا تمت الى النقد المنهجي البناء بصلة.

يزعم ادونيس بأنه لم تعد هناك حقائق مطلقة ولا اشكال ثابتة وتبعا لذلك لم يعد الشاعر العربي الحديث ينطلق من افكار مسبقة ولم يعد يصدر عن معان جاهزة وهكذا لم تعد القصيدة الحديثة تقدم للقارئ افكارا ومعاني شأن القصيدة القديمة وانما اصبحت تقدم له حالة او فضاء من الاخيلة والصور ومن الانفعالات وتداعياتها، ولم يعد الشاعر العربي والزعم هنا لادونيس ايضا ينطلق من موقف عقلي او فكري واضح وجاهز وانما أخذ ينطلق من مناخ انفعالي ، نسميه تجربة او رؤيا..وبهذا يبرر غموض الشعر الحديث وينتهي الى الحكم بأن التجربة الشعرية الحديثة لا تعتبر امتدادا متطورا للتجارب الشعرية الموروثة وانما تشكل نوعا من الانقطاع عن القديم ، كما ينتهي الى الحكم بأن كل مبدع غامض بالنسبة الى معاصريه ، وذهب الى ان الغموض دليل غنى وعمق وان افضل الشعر ما غمض.

إن مثل هذه المزاعم والاحكالم العامة الصادرة في لحظات الانفعال والتمرد او ربما صادرة عن قصد، والتهم التي يصدرها انصار الشعر الحديث بين آونة واخرى ويتشدق بها بعض المقلدين دون تحفظ ودون معرفة لمضامينها ومفاهيمها في الغالب ويتناقلونها فئة عن فئة ويطلقونها اعتباطا وتجنيا كل هذه تثير حفائظ شعرائنا التقليديين وانصارهم فيشنون حملاتهم على لغة الشعر الحديث متخذين من صفة الغموض اول حجر يرمي به هذا الشاعر.
لقد تبلور هذا الصراع واخذ يشتد وتتسع حلبته مع تطور الزمن وامتداد تيار الحداثة وتطور الشعر الحديث وتعدد اتجاهاته واتساع رقعة انتشاره، وقد وجدت عوامل متعددة بالاضافة الى ما ذكر ضاعفت من حدة الصراع وزادت الموقف اثارة وخطورة ولا تزال هذه العوامل تعمل عملها في توسيع الهوة بين اطراف الصراع وتزيد انصار الشعر التقليدي إصرارا على رأيهم في لغة الشعر الحديث وفي كل ما يرتبط بهذا الشعر بصورة عامة ومن ثم تزيدهم بعدا او ابتعادا عن هذا الشعر وعن تجاربه وتجعل بينهم وبين الاعتراف به سدا..وربما كانلذل الاثر الكبير في فصل الجيل الجديد من الناشئة والقراء عموما عن التراث الشعري الحديث وحرمانهم من الاستفادة من جوانبه الايجابية ونماذجه الابداعية الجيدة بل صرفهم عن الشعر عامة وترك المتنازعين وما يتنازعون حوله وفي نفس الوقت فان تحامل المتعصبين للشعر الحديث ضد الشعراء التقليديين وما قد يتبع هذا التحامل من مبالغات في تشويه صورة الشعر القديم دون تمييز من شأنه ايضا ان يصرف الناشئة من القراء عموما عن الشعر القديم سيما ونحن في عصر يفتقر فيه الانسان العربي الى ما يشده الى القراءة وقراءة الادب على الخصوص..

وهذا نموذح لقصيدة حديثه هز منظمها بركان الثورة على القديم فطلع ثائرا بديوان اسماه "كلمات من لهب" وكان مما جاء فيه..

الطيبون انتم:

يا ايها الناس الكرام يا عرب
اما استحت سيوفكم في قبرها..؟
اما انتحى تاريخكم تحت لحاف العار والغبار
عشرون او تزيد؟
وانتم تمشون من مصيدة لمصيدة
في عتبات الامم المتحدة
وترجون الحجر الذي قد مات من زمان

•ترى هل في هذا النص من ثورة على القديم او على لغته؟ اليست هذه هي الخطابية التي ينكرها او يرفضها انصار هذا المسار ؟ وبعد فهل يدل هذا النص على علم الشاعر بجوهر الحداثة في الشعر وهل يوحي بتبنى نظام ثابت؟

دمت بكل تقدير واحترام...

لميس الامام