مشاهدة النسخة كاملة : وفاة الروائي الكبير نجيب محفوظ (1911-2006م)
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:08 AM
وفاة الروائي الكبير نجيب محفوظ (1911-2006م)
.................................................. ............
توفي نجيب محفوظ عن عمر ناهز 95 عاما
توفي الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ الأربعاء في مستشفى بالقاهرة.
وكان الأديب المصري العالمي قد نقل مؤخرا إلى غرفة العناية المركزة بإحدى مستشفيات القاهرة.
وكان محفوظ قد نقل قبل بضعة أيام الى مستشفي الشرطه بالعجوزه إثر معاناته من الالتهاب الرئوي.
وكان الأديب الحائز على جائزة نوبل قد نقل إلى المستشفى الشهر الماضي بعد سقوطه وإصابته في رأسه.
وقد توفي نجيب محفوظ عن عمر ناهز الرابعة والتسعين.
محاولة اغتيال
كما تعرض محفوظ لمحاولة اغتيال سابقة على يد أحد الذين أغضبتهم روايته "أولاد حارتنا". وقام هذا الشخص بطعن محفوظ بسكين في رقبته، مما أدى لتدمير أعصاب الرقبة الأمر الذي حد من قدرته على استخدام يده في الكتابة، الى جانب ما كان يعانيه من تدهور في إبصاره وسمعه.
ولد محفوظ في عام 1911 ويعد واحدا من أكبر الكتاب والمثقفين في العالم العربي.
ونشر لمحفوظ خمسون كتابا ما بين روايات طويلة وقصص قصيرة ومسرحيات وأعمدة في الصحف ودراسات ومذكرات وتحليلات سياسية.
وتعد كتاباته الروائية مثل "ثلاثية: بين القصرين، السكرية وقصر الشوق" و"ثرثرة فوق النيل" تصويرا لواقع مصر الاجتماعي أثناء القرن العشرين، وترجمت أعماله إلى 25 لغة.
وحصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب عام 1988.
وتقوم الجامعة الأمريكية بالقاهرة بمنح جائزة سنوية باسم محفوظ، كما أطلق اسمه على أحد شوارع القاهرة.
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:09 AM
سيرة نجيب محفوظ الأدبية (1911-2006م)
.................................................. ........
اسمه الكامل نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا. ولد في يوم 11 ديسمبر (كانون الأول) 1911 بحي الجمالية، 8 حارة درب قرمز ـ ميدان بيت القاضي ـ القاهرة، كان أبوه موظفاً بسيطاً، ثم استقال واشتغل بالتجارة وكان له أربعة إخوة وأخوات، في الرابعة من عمره ذهب إلى كتاب الشيخ بحيري، وكان يقع في حارة الكبابجي، بالقرب من درب قرمز. التحق بمدرسة بين القصرين الابتدائية وبعد أن انتقلت الأسرة عام 1924 إلى العباسية، 9 رضوان شكري، حصل على شهادة البكالوريا من مدرسة فؤاد الأول الثانوية، والتحق بكلية الآداب، قسم الفلسفة. نشر أول مقال له شهر أكتوبر (تشرين الاول) 1930 وكان بعنوان (احتضار معتقدات، وتولد معتقدات)، وعندما كان في السنة الثانية، قام بترجمة كتاب مصر القديمة لـ"جيمس بيكي".
أتم دراسة الفلسفة عام 1934 وكان ترتيبه الثاني على الدفعة، وعقب تخرجه، عين كاتباً في ادارة الجامعة، وبقي فيها حتى عام 1938، التحق بالدراسات العليا فور تخرجه، وبدأ يعد لرسالة الماجستير التي كان موضوعها (مفهوم الجمال في الفلسفة الاسلامية) تحت اشراف الشيخ مصطفى عبد الرازق.
نشر أول قصة قصيرة له بالمجلة الجديدة الأسبوعية الصادرة يوم 3/8/1934 بعنوان (ثمن الضعف).
عمل سكرتيراً برلمانياً بوزارة الأوقاف من 1938 حتى 1945. وحصل على جائزة قوت القلوب الدمرداشية عن رواية "رادوبيس" عام 1943. وفي عام 1944 حصل على جائزة وزارة المعارف عن رواية "كفاح طيبة"، ثم حصل على جائزة مجمع اللغة العربية عام 1946 عن رواية "خان الخليلي"، انتقل للعمل بعد ذلك بمكتبة الغوري بالأزهر، ثم نقل للعمل مديراً لمؤسسة القرض الحسن بوزارة الأوقاف حتى عام 1954. تزوج في نفس العام 1954، وأنجب بنتين هما : أم كلثوم، وفاطمة. عمل مديراً لمكتب وزير الارشاد، ثم مديراً للرقابة على المصنفات الفنية في عهد ثروت عكاشة، حصل على جائزة الدولة في الأدب عن رواية "قصر الشوق" عام 1957، عمل مديراً عاماً لمؤسسة دعم السينما عام 1960، وبعدها عمل مستشاراً للمؤسسة العامة للسينما والإذاعة والتليفزيون عام 1962،حصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام 1962، وعين رئيساً لمجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما في اكتوبر 1966. حيث عين مستشاراً لوزير الثقافة لشؤون السينما عام 1968 وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1970 وأحيل إلى المعاش في نوفمبر (تشرين الثاني) 1971 حيث انضم إلى مؤسسة الأهرام وعمل بها كاتباً وحصل على جائزة التضامن الفرنسية/العربية عن روايته الكبرى "الثلاثية". حصل على جائزة (نوبل) العالمية للآداب عام 1988، ليصبح أول أديب عربي ينالها وذلك عن مجمل أعماله مع تنويه خاص برواية "أولاد حارتنا".
* أعماله:
* (مصر القديمة ـ كتاب مترجم 1932)، (همس الجنون ـ مجموعة قصصية ـ 1938)، (عبث الأقدار ـ رواية ـ 1939)، (رادوبيس ـ رواية ـ 1943)، (كفاح طيبة ـ رواية ـ1944)، (القاهرة الجديدة ـ رواية ـ 1945)، (خان الخليلي ـ رواية ـ 1946)، (زقاق المدق ـ رواية ـ 1947)، (السراب ـ رواية ـ 1948)، (بداية ونهاية ـ رواية ـ 1949)، (بين القصرين ـ رواية ـ 1956)، (قصر الشوق ـ رواية ـ 1957)، (السكرية ـ رواية ـ 1957)، (أولاد حارتنا ـ رواية ـ 1967)، (اللص والكلاب ـ رواية ـ 1961)، (السمان والخريف ـ رواية ـ 1962)، (دنيا الله ـ مجموعة قصصية ـ 1962)، (الطريق ـ رواية ـ 1964)، (بيت سيئ السمعة ـ مجموعة قصصية ـ 1965)، (الشحاذ ـ رواية ـ 1965)، (ثرثرة فوق النيل ـ رواية ـ 1966)، (ميرامار ـ رواية ـ 1967)، (خمارة القط الأسود ـ مجموعة قصصية ـ 1969)، (تحت المظلة ـ مجموعة قصصية ـ 1969)، (حكاية بلا بداية ولا نهاية ـ مجموعة قصصية ـ 1971)، (شهر العسل ـ مجموعة قصصية ـ 1972)، (المرايا ـ رواية ـ 1972)، (الحب تحت المطر ـ رواية ـ 1973)، (الجريمة ـ مجموعة قصصية ـ 1973)، (الكرنك ـ رواية ـ 1974)، (حكايات حارتنا ـ رواية ـ 1975)، (قلب الليل ـ رواية ـ 1975)، (حضرة المحترم ـ رواية ـ 1975)، (ملحمة الحرافيش ـ رواية ـ 1977)، (الحب فوق هضبة الهرم ـ مجموعة قصصية ـ 1979)، (الشيطان يعظ ـ مجموعة قصصية ـ 1979)، (عصر الحب ـ رواية ـ 1980)، (أفراح القبة ـ رواية ـ 1981)، (ليالي ألف ليلة ـ رواية ـ 1982)، (رأيت في ما يرى النائم ـ مجموعة قصصية ـ 1982)، (الباقي من الزمن ساعة ـ رواية ـ 1982)، (أمام العرش ـ حوار بين حكام مصر ـ 1983)، (رحلة ابن فطومة ـ رواية ـ 1983)، (التنظيم السري ـ مجموعة قصصية ـ 1984)، (العائش في الحقيقة ـ رواية ـ 1985)، (يوم قتل الزعيم ـ رواية ـ 1985)، (حديث الصباح والمساء ـ رواية ـ 1987)، ( صباح الورد ـ مجموعة قصصية ـ 1987)، (قشتمر ـ رواية ـ 1989)، (الفجر الكاذب ـ مجموعة قصصية ـ 1990)، (أصداء السيرة الذاتية ـ 1996)، القرار الأخير ( مجموعة قصصية 1997 )، صدى النسيان ( مجموعة قصصية 1998 )، ( فتوة العطوف 1999 ).
* دراسات عن أعماله:
* (ثلاثية نجيب محفوظ ـ للأب جومييه ـ ترجمة د. نظمي لوقا ـ 1959)، (المنتمي ـ د.غالي شكري ـ 1964)، (قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ ـ د.نبيل راغب ـ 1967)، (دراسة في أدب نجيب محفوظ ـ د. رجاء عيد ـ 1974)، (قراءة الرواية) د.محمود الربيعي ـ 1974)، (الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ ـ د.سليمان الشطي ـ 1976)، (الإسلامية والروحية في أدب نجيب محفوظ ـ د. محمد حسن عبد الله ـ 1978)، (نجيب محفوظ.. الرؤية والأداة ـ د. عبد المحسن طه بدر ـ 1978)، إبراهيم فتحي ـ دار الفكر المعاصر ـ 1978، (نجيب محفوظ.. يتذكر ـ جمال الغيطاني ـ 1980)، (بناء الرواية ـ د. سيزا قاسم ـ 1984)، (عالم نجيب محفوظ من خلال رواياته ـ د. رشيد العناني ـ 1988)، (الفن القصصي بين جيلي طه حسين ونجيب محفوظ ـ د. يوسف نوفل ـ 1988)، (نجيب محفوظ وتطور الرواية العربية)، د. فاطمة موسى ـ هيئة الكتاب ـ 1999، ( العالم الروائي عند نجيب محفوظ)، إبراهيم فتحي ـ دار الفكر المعاصر ـ 1978، ( التشكيل الروائي عند نجيب محفوظ : دراسة في تجليات التراث)، د. محمد أحمد القضاة ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ عمّان ـ (2000) .
* كتاب كتبوا عنه:
* د. طه حسين، يوسف الشاروني، إبراهيم فتحي، مصطفى اللواتي، د. ناجي نجيب، نبيل فرج، د. شاكر النابلسي، حسن البنداري، رجاء النقاش، يحيى حقي، د. محسن جاسم الموصلي، د.علي الراعي، رشدي صالح، أحمد عباس صالح، د. لويس عوض، محمود أمين العالم، توفيق حنا، د. غالي شكري، د. محمد غنيمي هلال، د. صبري حافظ، أنور المعداوي، ثروت أباظة.
* ناشرو أعماله:
* شجعه الكاتب الراحل سلامة موسى، فنشر له في المجلة الجديدة، ومجلة الرواية، ثم نشر له رواية (عبث الأقدار).
* اقترح الأديب الراحل عبد الحميد جودة السحار تكوين لجنة لنشر أعمال الأدباء، وهي التي أصبحت تعرف في ما بعد باسم "مكتبة مصر"، وقد نشرت له كل أعماله.
* الرواية الوحيدة التي نشرت بالخارج هي رواية (أولاد حارتنا)، إذ نشرت في دار الآداب ببيروت عام 1967م.
* نشرت روز اليوسف في سلسلة "الكتاب الذهبي" رواية (خان الخليلي) عام 1952.
* نشرت أخبار اليوم رواية (ثرثرة فوق النيل) عام 1981.
* أعماله التي تحولت إلى أفلام سينمائية:
* بداية ونهاية ـ خان الخليلي ـ زقاق المدق ـ السراب ـ اللص والكلاب ـ بين القصرين ـ قصر الشوق ـ السكرية ـ السمان والخريف ـ الطريق ـ الشحاذ ـ القاهرة 30 ـ ثرثرة فوق النيل ـ ميرامار ـ الحب تحت المطر ـ الكرنك ـ وصمة عار ـ الحرافيش ـ فتوات بولاق ـ المطارد ـ شهد الملكة ـ الجوع ـ أصدقاء الشيطان ـ التوت والنبوت ـ عصر الحب ـ أميرة حبي أنا ـ دنيا الله ـ الشريدة ـ المذنبون ـ أهل القمة ـ الشيطان يعظ ـ الخادمة ـ أيوب ـ الحب فوق هضبة الهرم.
* كتاباته المسرحية وروايات أُخرجت مسرحياً:
* كتب محفوظ المسرحيات التالية: يميت ويحيى ـ التركة ـ النجاة ـ مشروع للمناقشة ـ المهمة ـ الجبل ـ الشيطان يعظ.
* ورواياته التي قدمت للمسرح هي :
* زقاق المدق ـ بداية ونهاية ـ بين القصرين ـ قصر الشوق ـ اللص والكلاب ـ الجوع ـ (قهوة التوتة) ـ خان الخليلي ـ روض الفرج ـ ميرامار ـ تحت المظلة.
* مقاهي نجيب محفوظ بالقاهرة
* مقهى عرابي بالعباسية ـ مقهى الفيشاوي ـ مقهى الفردوس ـ مقهى قشتمر ـ مقهى سفنكس ـ كازينو الأوبرا ـ مقهى زقاق المدق ـ كازينو السكاكيني ـ مقهى أحمد عبده بالحسين ـ مقهى ريش ـ مقهى علي بابا ـ كازينو كليوباترا ـ كازينو قصر النيل ـ مقهى لونا بارك.
* مقاهي نجيب محفوظ بالاسكندرية
* كازينو بترو بالاسكندرية ـ كازينو الارميتاج ـ كازينو الشانزليزيه ـ كازينو سان استيفانو ـ مقهى ديليس ـ كازينو البيتش كلوب ـ كازينو الكونكورد.
* أعماله المترجمة:
* إلى الإنجليزية: ـ السمان والخريف ـ الشحاذ ـ بداية ونهاية ـ زقاق المدق ـ ميرامار ـ حضرة المحترم ـ الطريق ـ اللص والكلاب ـ دنيا الله ـ مجموعة قصص ـ أولاد حارتنا ـ المرايا ـ بين القصرين ـ قصر الشوق ـ السكرية ـ يوم قتل الزعيم ـ ثرثرة فوق النيل ـ أفراح القبة.
* إلى الفرنسية: ـ اللص والكلاب ـ بين القصرين ـ قصر الشوق ـ زقاق المدق.
* إلى الألمانية: ـ زقاق المدق ـ ثرثرة فوق النيل ـ بين القصرين ـ أولاد حارتنا.
* إلى الصينية: ـ بين القصرين ـ قصر الشوق ـ السكرية ـ زقاق المدق ـ اللص والكلاب ـ بداية ونهاية ـ الحرافيش ـ الشحاذ ـ الكرنك ـ رادوبيس.
* إلى السويدية: ـ زقاق المدق ـ ثرثرة فوق النيل ـ بين القصرين ـ أولاد حارتنا ـ قصر الشوق ـ السكرية.
* إلى لغات أخرى منها : ـ الروسية ـ الايطالية ـ البولندية ـ الاسبانية ـ اليابانية.
* كتب عن حياته:
* نجيب محفوظ، الطريق والصدى: ـ د. علي شلش ـ هيئة قصور الثقافة ـ 1993: يتناول رحلته الطويلة مع الكتابة، وتنوع مسالكه، وأبرز الدراسات والتقسيمات التي اجتهد الباحثون في وضعها، من خلال ثلاث مراحل عند نجيب محفوظ هي : البحث عن الطريق / الطريق / الصدى.
* إسلاميات نجيب محفوظ : د. محمد حسن عبد الله ـ هيئة قصور الثقافة ـ 1994: يرد الكتاب على المشككين في عقيدة نجيب محفوظ من خلال أعماله الإبداعية، ومن خلال مقتطفات متعددة من حواراته، ويتعرض لرواية أولاد حارتنا بالتحليل الموضوعي مناقشاً قضايا الوجود والحرية والجبر والاختيار وغيرها.
* أساتذتي ـ نجيب محفوظ : إعداد : إبراهيم عبد العزيز ـ ميريت للنشر والمعلومات ـ القاهرة ـ 2001: يقدم الكتاب أسماء تأثر بفكرها نجيب محفوظ في مراحل مختلفة من بداياته أبرزها طه حسين وتوفيق الحكيم ويحيى حقي وسلامة موسى، وحسين فوزي والشيخ مصطفى عبد الرازق، والتقاطعات الفكرية التي أحدثها مع نتاجاتهم وحضورهم البارز في الحياة الثقافية المصرية.
* نجيب محفوظ : رجاء النقاش ـ الأهرام ـ 1999: الكتاب عبارة عن عدة حوارات مطولة أجراها المؤلف مع نجيب محفوظ، تناولت أبرز القضايا في أدبه وفكره منذ بداياته وانتهاء بأزمات جائزة نوبل ورواية أولاد حارتنا ومحاولة اغتياله، وعلاقته بالثورة وعبد الناصر، ولماذا كان يرفض النموذج الاشتراكي الذي قدمته الثورة، وأسرار تعاطفه مع محمد نجيب وانحيازه في الماضي لحزب الوفد.
* في حب نجيب محفوظ: ـ رجاء النقاش ـ الشروق ـ 1995: مزيج من الدراسة الأدبية والسيرة الذاتية المتعلقة برؤى نجيب محفوظ للإبداع والحياة.
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:11 AM
قراءة في «أصداء السيرة الذاتية» لنجيب محفوظ (1)
بقلم: أ. د. حسين علي محمد
...............................
صدرت في الأعوام الأخيرة بعض كتب السيرة الذاتية، ومنها «شواهد ومشاهد» لعبد الحميد إبراهيم، و«مد الموج» لمحمد جبريل، وكلها يقتدي بنجيب محفوظ في كتابه «أصداء السيرة الذاتية»، حيث لا تُرصد السيرة الذاتية بطريقة السرد المعروفة، وإنما تُختار مشاهد أقرب إلى اللقطة الموحية، أو القصة القصيرة جدا، وقد أفادت هذه السِّيَر في هذه التقنية من كتاب نجيب محفوظ «أصداء السيرة الذاتية».
وقد كتبتُ في مجلة «قرطاس» (عدد يناير 2001م) مقالة عن كتاب «شواهد ومشاهد» لعبد الحميد إبراهيم، توقّفتُ فيها عند التشكيل والرؤى، وفي هذه المقالة سنلتقي مع خمسة مشاهد من كتاب «أصداء السيرة الذاتية» لنجيب محفوظ تقتربُ في تقنية كتابتها من «القصة القصيرة جدا»، وسنتوقف أمامها لتأمل دلالاتها الفكرية والثقافية.
وسنلاحظ في هذه المشاهد أن نجيب محفوظ اتخذ من المرأة (التي طالت صحبتُه معها في الحياة وفي الفن) أداة فنية: حقيقية في المشاهد الثلاثة الأولى، ورمزية في المشهدين الرابع والخامس:
المرأة والنضال!
يقول في مشهد بعنوان «ليلى»:
«في أيام النضال والأفكار والشمس المشرقة تألقت ليلى في هالة من الجمال والإغراء.
قال أناس: إنها رائدة متحررة.
وقال أناس: ما هي إلا داعرة.
ولما غربت الشمس وتوارى النضال والأفكار في الظل، هاجر من هاجر إلى دنيا الله الواسعة.
وبعد سنين رجعوا، وكل يتأبط جرة من الذهب وحمولة من سوء السمعة.
وضحكت ليلى طويلا وتساءلت ساخرة:
ـ ترى ما قولكم اليوم عن الدعارة؟!»( ).
إن هذا المشهد يُشير إلى بداية التحرر الوطني (في الخمسينات والستينيات الميلادية من القرن الماضي) حيث خرجت المرأة إلى ميادين الحياة واختلف الناس في فهم هذا الخروج، الذي رآه البعض تحرراً ورآه البعض دعارة. ولكن الزمان اختلف ـ على حد تعبير الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة ـ وجاء عهد لا يرفع شعارات النضال، ولا يتعامل بمفردات القاموس التي شاعت في الخمسينيات والستينيات، بل ينحت ألفاظاً أخرى عن السوق المفتوحة، وفوائد السفر، والشركات متعددة الجنسيات، والرؤية الواقعية، والحل التاريخي مع إسرائيل … إلخ. وهاجر من هاجر إلى دنيا الله الواسعة؛ بحثاً عن استثمار أمواله التي كسبها في سنوات النضال، أو للراحة من النضال، أو للبحث عن الثروة، ويصور نجيب محفوظ هذا بقوله المفيد المختصر: «وبعد سنين رجعوا، وكل يتأبط جرة من الذهب وحمولة من سوء السمعة».
وهنا يحق لليلى ـ التي عانت من قبل من هؤلاء، في أيام النضال والثورة ـ أن تتساءل، ساخرةً من أعمالهم الآن التي تتنافى مع أقوالهم «أيام النضال والأفكار»: «ترى ما قولكم اليوم عن الدعارة؟!».
إن هذا المشهد يرسم لوحة رآها الروائي واختزنها، حتى أخرجها لنا في هذا المشهد، وكأنه يقول لنا لقد عشتُ عصر الكلام الجميل، و«الأيديولوجيا الاشتراكية» الذي سرعان ما اتضح زيف أصحابه المنادين به عند أول اختبار.
المرأة والزمن
وفي مشهد ثان بعنوان «النهر» يُقدِّم فيه صورة قد تكون حقيقية لامرأة عرفها، لكنه من خلالها يُشير إلى تدفق نهر الزمن، حتى ليُنسينا ما مررْنا به من تجارب حميمة. والمرأة هنا هي المرآة التي ينعكس عليها جريان هذا الزمن / النهر:
«في دوامة الحياة المتدفقة جمعنا مكان عام في أحد المواسم.
مَن تلك العجوز التي ترنو بنظرة باسمة؟
لعلَّ الدنيا استقبلتنا في زمن متقارب.
واتسعت ابتسامتُها، فابتسمتُ رادّاً التحية بمثلها.
سألتني:
ـ ألم تتذكّر؟
فازدادت ابتسامتي اتساعاً.
قالت بجرأة لا تتأتّى إلا للعجائز:
ـ كنتَ أول تجربة لي وأنت تلميذ ..
وساد الصمتُ لحظةً ثم قالت:
ـ لم يكن ينقصنا إلا خطوة!
وتساءلتُ مذهولاً:
ـ أين ضاعت تلك الحياةُ الجميلة؟!»(ص80،81).
إن العجوز تُعيد له قطعة جميلة من حياته ونزوات صباه، وكأنها جعلته يفطن إلى تدفق نهر الزمن، وأنه لم يعد يتذكر ما عاشه بالفعل، فيسأل ـ كأنه لا يُصدق ـ «أين ضاعت تلك الحياةُ الجميلة؟!».
المرأة والتجربة الأليمة
وفي مشهد ثالث بعنوان «الندم» يُقدِّم فيه صورة للمرأة التي ترمز إلى التجربة الآثمة الأليمة أو غير الصحية التي تُقابلنا في حياتنا، والتي نتذكرها بندمٍ، ولا بد من هذا الندم الذي هو علامة صحة نفسية، واستقامة دينية، وصحوة نفس ترفض الانجراف في الخطأ، أو مداومة السير في طريقه:
«حملت إليَّ أمواجُ الحياة المُتضاربة امرأة، ما أن رأيتُها حتى جاش الصدر بذكريات الصبا. ولمّا ذابت حيرة اللقاء في حرارة الذكريات سألتُها:
ـ هل تذكرين؟
فابتسمت ابتسامة خفيفة تُغني عن الجواب.
فقلتُ متهوِّراً:
ـ التذكر يجب أن يسبق الندم!
فسألتني:
ـ كيف تجده؟
فقلتُ بحرارة:
ـ ذو ألمٍ كالحنين ..
فضحكت ضحكة خافتة ثم همست:
ـ هو كذلك، والله غفور رحيم!»( ).
إن الإنسان قد يسقط، ويُمارس تجربة خاطئة في الحياة، لكنَّ الوعي بألم هذه التجربة (أو تلك الذكرى التعيسة) بدايةُ الرؤية الصحيحة للحياة وللأشياء، لأنها تعني تصحيحاً للخُطا، ورغبة حقيقية في عدم مداومة السير في الطريق الذي تبيَّن خطؤه!
السوق / الحياة
ويقول في مشهد رابع يمثِّل فيه السوق دنيا الله الواسعة:
«ذهبتُ إلى السوق حاملاً ما خفَّ وزنُه وغلا ثمنه، واتخذتُ موضعي منتظراً رزقي. وهدأ الضجيجُ فجأة، واشرأبَّت الأعناق نحو الوسط. نظرتُ فرأيتُ ست الحسن تتهادى في خُطا ملكة على أحسن تقويم. سلبت عقلي وإرادتي قبل أن تُتم خطوة، فنهضت لأتبعها مخلفاً ورائي العقل والإرادة وأسباب رزقي، حتى دخلتُ بيتاً صغيراً أنيقاً يُطالع القادم بحديقة الورد. واعترض سبيلي بواب مهيب الجسم، حسن الهندام، وحدجني بنظرة مستنكرة، فقلت:
ـ إني على أتم استعداد لأهبها جميع ما أملك.
فقال الرجل بلهفة قاطعة:
ـ إنها لا تُرحب بمن يجيئون إليها هاجرين عملهم في السوق»( ).
إن المرأة الجميلة هنا ترمز للحياة الرخية الهانئة السعيدة، التي يحلم بها الكادحون في هجير الحياة، والتي لن ينالوها إلا بالتعب، والسعي في أسباب الرزق، التي يرمز إليها الكاتب بـ«السوق».
وكأنه يقول لنا إن حلم الوصول إلى السعادة والعيش الهنيء في ظلالها ـ دون تعب ـ محاولة عقيم!
المرأة والحقيقة!
ويقول في مشهد خامس بعنوان «على الشاطئ»:
«وجدت نفسي فوق شريط يفصل بين البحر والصحراء. شعرتُ بوحشة قاربت الخوف. وفي لحظة عثر بصري الحائر على امرأة تقف غير بعيدة وغير قريبة. لم تتضح لي معالمها وقسماتها، ولكن داخلنا أمل بأنني سأجد عندها بعض أسباب القربى أو المعرفة. ومضيت نحوها ولكن المسافة بيني وبينها لم تقصر ولم تبشر بالبلوغ. ناديتُها مستخدماً العديد من الأسماء والعديد من الأوصاف فلم تتوقف ولم تلتفت.
وأقبل المساء وأخذت الكائنات تتلاشى، ولكنني لم أكف عن التطلع أو السير أو النداء»( ).
والمرأة في المقطع السابق تُمثِّل الحقيقة التي نبحث عنها فلا نُصادف إلا الوهم، وقد انتقل السارد من صوت الفرد إلى صوت الجماعة من خلال الضمير «نا» في قوله: «داخلنا أمل بأنني سأجد عندها بعض أسباب القربى أو المعرفة». ولكن هاهو عمر الفرد ـ نجيب محفوظ ـ يُشرف على النهاية (أو هو عمر البشرية التي أوغلت في التاريخ) والمنادي لم يظفر ببغيته في معرفة الحقيقة رغم إلحاحه على معرفتها: «ناديتُها مستخدماً العديد من الأسماء والعديد من الأوصاف فلم تتوقف ولم تلتفت»، وستظل الرغبة في الحياة ومراودة المعرفة أملاً يُخايل الإنسان ويؤرق وجوده، وقد يصل إلى الخاتمة قبل أن يصل إلى الحقيقة! «وأقبل المساء وأخذت الكائنات تتلاشى، ولكنني لم أكف عن التطلع أو السير أو النداء».
وما أكثر التجارب التي تناولها نجيب محفوظ تناولاً فنيا من خلال تصويره المرأة تصويراً حقيقيا، أو رمزاً فنيا يُبلِّغ من خلاله ما يريد أن يقوله في فنية عالية، تمرّس عليها خلال رحلته الإبداعية الطويلة التي تقترب من ثلاثة أرباع قرن!
................................
*من كتاب «مقالات في الأدب العربي المُعاصر» للدكتور د. حسين علي محمد، سلسلة «أصوات مُعاصرة» المنصورة 2004م.
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:12 AM
الشخصية الإسلامية في رواية «زقاق المدق» لنجيب محفوظ(1)
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
تُعدُّ رواية "زقاق المدق" لنجيب محفوظ واحدة من أفضل رواياته في المرحلة "الاجتماعية الواقعية"( )، تلك المرحــلة التي تشمل رواياته الأربع: "القاهرة الجديدة" (1945م)، و"خان الخليلي" (1946م)، و"زقاق المدق" (1947م)، و"بداية ونهاية" (1949م).
ورغم أن نجيب محفوظ قد قدَّم في هذه الرواية عدداً كبيراً من الشخصيات يحتاج إلى جهد نقدي مُوازٍ للإحاطة والإشارة إليه، إلا أننا سنتوقّف أمام شخصية ثرية قامت بدورها في البناء الروائي، وتُقدِّم نموذجاً متفرداً في أدب نجيب محفوظ، وهي شخصية "السيد رضوان الحسيني"، باعتبارها شخصية إسلامية، فاعلة، نشطة.
وقد عني الكاتب بتقديم الشخصية في ملامحها الجسمية والنفسية جميعاً منذ السطور الأولى في الرواية، فأما ملامحها الجسمية، فيقدمها الكاتب بقوله: "كان السيد رضوان الحسيني ذا طلعة مهيبة، تمتد طولاً وعرضاً، وتنطوي عباءته الفضفاضة السوداء على جسم ضخم، يلوح منه وجه كبير أبيض، مُشرَب بحمرة، ذو لحية صهباء، يشع النور من غرة جبينه، وتقطر صفحته بهاءً، وسماحةً، وإيماناً"( ).
وأما ملامحه النفسية فتتوزَّع في أكثر من فصل، يقول الروائي في الفصل الأول عنه: "كانت حياته، وخاصة في مدارجها الأولى ـ مرتعاً للخيبة والفشل، فانتهى عهد طلبه العلم بالأزهر إلى الفشل، وقطع بين أروقته شوطاً طويلاً من عمره دون أن يظفر بالعالمية، وابتُلي ـ إلى ذلك ـ بفقد الأبناء، فلم يبق له ولد على كثرة ما خَلَّف من الأطفال. ذاق مرارة الخيبة حتى أُترع قلبه باليأس أو كاد، وتجرّع غصص الألم حتى تخايل لعينيه شبح الجزع والبرم، وانطوى على نفسه طويلاً في ظلمة غاشية. ومن دجنة الأحزان أخرجه الإيمان إلى نور الحب، فلم يعد يعرف قلبه كرباً ولا هما. انقلب حبا شاملاً وخيراً عميماً وصبراً جميلاً، وطأ أحزان الدنيا بنعليه، وطار بقلبه إلى السماء، وأفرغ حبه على الناس جميعاً، وكان كلما نكد الزمان عنتاً ازداد صبرا وحبا، رآه الناس يوماً يُشيع ابناً من أبنائه إلى مقرِّه الأخير وهو يتلو القرآن مشرق الوجه، فأحاطوا به مواسين مُعَزِّين، لكنه ابتسم لهم، وأشار إلى السماء، وهو يقول: "أعطى وأخذ، كل شيء بأمره، وكل شيء له، والحزن كفر" فكان هو العزاء. ولذلك قال عنه الدكتور بوشي: "إذا كنت مريضاً فالمس السيد الحسيني يأتيك الشفاء، وإذا كنت يائساً فطالع نور غرته يدركك الرجاء، أو محزوناً فاستمع إليه يُبادرك الهناء". وكان وجهه صورةً من نفسه، فهو الجمال الجليل في أبهى صوره"( ).
وفي الفصل السادس يستكمل الروائي الصورة: "كان وجهه الأبيض يفيض بشراً ونوراً، تُحيط به لحيته الصهباء إحاطة الهالة بالقمر. وكان كل شيء حوله يلوح بالقياس إلى طمأنينته الراسخة قلقاً مضطرباً. وكان نور عينيه صافياً نقيا ينطق بالإيمان والخير والحب والترفُّع عن الأغراض"( ).
ويُضيف الحوار على لسان السيد رضوان الحسيني ما يُكمل الصورة النفسية للرجل المؤمن، الصادق في إيمانه الذي يعرف أن الأقدار بيد الله، وأن المصائب اختبار منه، وأن الحب يقهر الكراهية ويتغلّب عليها. يقول الروائي على لسانه:
-لا تقل مللت! الملل كفر. الملل مرض يعتور الإيمان. وهل معناه إلا الضيق بالحياة! ولكن الحياة نعمة الله سبحانه وتعالى، فكيف لمؤمن أن يملها أو يضيق بها؟ ستقول ضقت بكيت وكيت، فاسأل الله من أين جاءت كيت وكيت هذه؟ أليس من الله ذي الجلال؟ فعالج الأمور بالحسنى، ولا تتمرّد على صنع الخالق. لكل حالة من حالات الحياة جمالها وطعمها. بيد أن مرارة النفس الأمارة بالسوء تُفسد الطعوم الشهية. صدِّقني إن للألم غبطته، ولليأس لذته، وللموت عظته، فكل شيء جميل، وكل شيء لذيذ! كيف نضجر وللسماء هذه الزرقة، وللأرض هذه الخضرة، وللورد هذا الشذا، وللقلب هذه القدرة العجيبة على الحب، وللروح هذه الطاقة على الإيمان؟ كيف نضجر وفي الدنيا من نحبهم، ومن نعجب بهم، ومن يحبوننا، ومن يعجبون بنا، استعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا تقل مللت"( ).
وهو المعنى نفسه ـ تقريباً ـ الذي يكرره بعد ذلك في الصفحة نفسها:
"أما المصائب فلنصمد لها بالحب، وسنقهرها به. الحب أشفى علاج، وفي مطاوي المصائب تكمن السعادة كفصوص الماس في بطون المناجم الصخرية، فلنلقّن أنفسنا حكمة الحب"( ).
أما ملامحه الاجتماعية فهو مقصد الناس عند الشدة، وعندما تمر بهم مشكلة؛ ولهذا فالسيدة "أم حسين" تلجأ إليه عساه يستطيع إصلاح زوجها، وإبعاده عن طريق الغي الذي مازال سادراً فيه:
اللهم عفوك ورحمتك" .. نطقت الست "أم حسين" بهذه العبارة وهي ماضية إلى مسكن السيد رضوان الحسيني … أعياها إصلاح زوجها وعجزت عن ردعه، فلم تر بدا في النهاية من مقابلة السيد رضوان، لعله أن يفلح هو ـ بصلاحه وهيبته ـ فيما فشلت فيه"( ).
وهو الناصح الأمين لهم، فعندما يقرر عباس الحلو أن يذهب للعمل في معسكر الإنجليز "باركه السيد رضوان الحسيني، ودعا له طويلاً، وقال له ناصحاً:
- اقتصد ما يفيض عن حاجتك من مرتبك، واحذر الإسراف والخمر ولحم الخنزير، ولا تنس أنك من المدق، وإلى المدق راجع"( ).
وهو ذو مكانة اجتماعية طيبة بين الناس، فرغم أنه محدود الإمكانات المادية إلا أنه يتنازل عن حقه في الزيادة التي قررها الأمر العسكري بزيادة الإيجارات أيام الحرب العالمية الثانية، فلم يفد، ولم يثر من مصائب الحرب كما أفاد غيره:
"إنه ليبدو لحبه الخير ولسماحته كما لو كان من الموسرين المثقلين بالمال والمتاع، وإن كان في الواقع لا يملك إلا البيت الأيمن من الزقاق وبضعة أفدنة بالمرج. وقد وجد فيه سكان بيته … مالكاً طيب القلب والمعاملة، حتى إنه تنازل عن حقه في الزيادة التي قررها الأمر العسكري الخاص بالسكن … رحمةً بساكنيه"( ).
وهو يقدم المعونة لكل محتاج من أبناء الزقاق؛ فالشاعر المطرود من المقهى يشكو حاله للسيد رضوان الحسيني، الذي منحه أذنه عن طيب خاطر وهو يعلم بما يُكربه، وكان حاول مراراً أن يُثني المعلم كرشه عما اعتزمه من الاستغناء عنه دون جدوى. ولما انتهى الشاعر من شكواه طيّب خاطره، ووعده بأن يبحث لغلامه عن عمل يرتزق منه، ثم غمر كفه بما جادت به نفسه وهو يهمس في أذنه: «كلنا أبناء لآدم، فإذا ألحّت عليك الحاجة فاقصد أخاك، والرزق رزق الله والفضل فضله»( ).
وقد اهتم الروائي ـ كما رأينا ـ بتقديم شخصية محبوبة اجتماعيا، قادرة على التأثير والعطاء في مجتمعها.
(2)
لا يتحرك السيد «رضوان الحسيني» وحده في فضاء رواية «زقاق المدق»، فهناك شخصيات أخرى تزحم الفضاء الروائي، فنجد في الرواية «نماذج فريدة ومختلفة من أمثال شخصية «المعلم كرشة» المصاب بالشذوذ الجنسي، وزوجته الثائرة، الحاقدة عليه دوماً، وابنه «حسين كرشة» المتمرد على روح الخنوع التي يتميز بها الزقاق، وشخصية «سليم علوان» ثري الحرب الذي لم يكتف بزوجته، فبدأ يفكر في الزواج من «حميدة» حتى تخلى عن أفكاره ومشروعاته عندما فاجأته الذبحة الصدرية وتراقص أمامه شبح الموت … ثم شخصية «زيطة» صانع العاهات للشحاذين والنصابين، والفران «جعدة» وزوجته «سنية الفرانة» التي تضربه أكثر من مرة يوميا بالشبشب، حتى يسمع الزقاق صراخه، وشخصية «الشيخ درويش» الذي كان يعمل مدرساً اللغة الإنجليزية ثم نزع إلى التصوف الذي قارب حد الجنون والهوس، وشخصية «الست سنية عفيفي» الأرملة المتصابية التي لم تكن تفكر إلا في الزواج، وكيفية الحصول على زوج، حتى ولو أنفقت كل ما تدخره بعد وفاة زوجها، وشخصية «عم كامل» بائع البسبوسة الذي يستيقظ من النوم لكي ينام مرة أخرى بسبب لحمه وشحمه المتراكمين»( ) و«عباس الحلو» الحلاق، الذي يريد الزواج من «حميدة»، و«فرج إبراهيم» القواد.
ولن نستطيع أن نتناول علاقة «السيد رضوان الحسيني» بكل هذا الحشد من الشخصيات، ولذا فسنتوقف أمام علاقته بأكثر الشخصيات أهمية في بناء الرواية وهي شخصية البطلة: «حميدة».
(3)
تعد شخصية «حميدة» هي الشخصية الرئيسة في هذه الرواية، يشخصها الروائي على هذا النحو:
«في العشرين، متوسطة القامة، رشيقة القوام، نحاسية البشرة، يميل وجهها للطول في نقاء ورواء، وأميز ما يميزها عينان سوداوان جميلان، لهما حور بديع فاتن، ولكنها إذا أطبقت شفتيها الرقيقتين وحدّت بصرها تلبسها حالة من القوة والصرامة، لا عهد للنساء بها»( ).
وفي هذا الوصف ركّز على ملامحها الجسمية حيث أشار للونها «نحاسية البشرة»، وقامتها «رشيقة القوام»، وملامحها «يميل وجهها للطول في نقاء ورواء، وأميز ما يميزها عينان سوداوان جميلان، لهما حور بديع فاتن»، وأشار في نهاية الفقرة إلى بعض ملامحها النفسية «ولكنها إذا أطبقت شفتيها الرقيقتين وحدّت بصرها تلبسها حالة من القوة والصرامة، لا عهد للنساء بها».
ولكنه في مكان آخر يشير إلى الملامح الجسمية، والنفسية، ويشير إلى الملامح الاجتماعية عرضاً في أنها «مقطوعة النسب»، يقول:
«العصر .. عاد الزقاق رويداً إلى عالم الظلال، والتفت حميدة في ملاءتها، ومضت تستمع إلى دقات شبشبها على السلم في طريقها إلى الخارج، وقطعت الزقاق في عناية بمشيتها وهيئتها لأنها تعلم أن أعيناً أربعاً تتبعها متفحصة ثاقبة: عيني السيد سليم علوان صاحب الوكالة، وعيني عباس الحلو الحلاق. ولم تكن تفاهة ثيابها لتغيب عنها؛ فستان من الدمور، وملاءة قديمة باهتة، وشبشب رق نعلاه، بيد أنها تلف الملاءة لفة تشي بحسن قوامها الرشيق، وتصور عجيزتها الملمومة أحسن تصوير، وتبرز ثدييها الكاعبين، وتكشف عن نصف ساقيها المدملجتين، ثم تنحسر في أعلاها عن مفرق شعرها الأسود، ووجهها البرنزي الفاتن القسمات … وهي فتاة مقطوعة النسب، معدمة اليد، ولكنها لم تفقد قط روح الثقة والاطمئنان. ربما كان لحسنها الملحوظ الفضل في بث هذه الروح القوية في طواياها. ولكن حسنها لم يكن صاحب الفضل وحده، كانت بطبعها قوية، ولا يخذلها الشعور بالقوة لحظة من حياتها، وكانت عيناها الجميلتان تنطقان أحياناً بهذا الشعور نطقاً يذهب بجمالها في رأي البعض، ويُضاعفه في رأي البعض الآخر. فلم تفتأ أسيرة لإحساس عنيف يتلهف على الغلبة والقهر، يتبدّى في حرصها على فتنة الرجال»( ).
إنها ترى أحلامها أكثر من إمكاناتها وواقعها، وترى أن الزقاق يضيق عن أن يستوعب أحلامها. ومن ثم فهي تشعر بنفور من الزقاق وأهله:
«مرحباً يا زقاق الهنا والسعادة. دمت ودام أهلك الأجلاء. يا لحسن هذا المنظر، ويا لجمال هؤلاء الناس! ماذا أرى؟! هذه حسنية الفرانة جالسة على عتبة الفرن كالزكيبة عيناً على الأرغفة، وعيناً على جعدة زوجها، والرجل يشتغل مخافة أن تنهال عليه لكماتها وركلاتها. وهذا المعلم كرشة متطامن الرأس كالنائم وما هو بالنائم. وعم كامل يغط في نومه، والذباب يرقص على صينية البسبوسة بلا رقيب. آه. وهذا عباس الحلو يسترق النظر إلى النافذة في جمال ودلال، ولعله لا يشك في أن هذه النظرة سترميني عند قدميه أسيرة لهواه، أدركوني يا هوه قبل التلف. أما هذا فالسيد سليم علوان صاحب الوكالة، رفع عينيه يا أماه وغضّهما، ثم رفعهما ثانية، .. قلنا الأولى مصادفة، والثانية يا سليم بك؟! رباه هذه نظرة ثالثة! ماذا تريد يا رجل يا عجوز يا قليل الحياء؟! .. مصادفة كل يوم في مثل هذه الساعة؟! ليتك لم تكن زوجاً وأباً إذن لبادلتك نظرة بنظرة، ولقلت لك أهلاً وسهلاً ومرحبا. هذا كل شيء، هذا هو الزقاق فلماذا لا تهمل حميدة شعرها حتى يقمل؟!»( ).
إنها شخصية غير منتمية، لا تُكن أية مشاعر طيبة لهذا الزقاق. فهي تسميه «زقاق العدم»( ). وإنها لتشمئز من الملابس المهلهلة التي ترتديها، وترى أن الملابس الجديدة هي كل شيء في الحياة: «ما قيمة هذه الدنيا بغير الملابس الجديدة؟! ألا ترى أن الأولى بالفتاة التي لا تجد ما تتزين به من جميل الثياب أن تُدفن حية؟!»( ). ومن ثم فهي تسلق الزقاق (زقاق العدم)! بلسانها في مثل هذه المحاورة بينها وبين أمها بالتبني:
«ـ لستُ أجري وراء الزواج، ولكنه يجري ورائي أنا، وسأنبذه كثيراً.
ـ طبعاً! أميرة بنت أمراء
فتغاضت الفتاة عن سخرية أمها، وقالت بنفس اللهجة الحادة:
ـ أفي هذا الزقاق أحد يستحق الاعتبار؟
…
ـ لا تسلقي الزقاق بلسانك، إن أهله سادة الدنيا!
ـ سادة دنياك أنت. كلهم كعدمهم»( ).
هذه الشخصية القلقة اللامنتمية، تبحث عن الثراء؛ فرغم خطبتها لعباس الحلو إلا أنها تفرح فرحاً طاغياً حين تخبرها أمها أن السيد سليم علوان «على سن ورمح» صاحب الوكالة يطلب يدها «وأنصتت إلى المرأة بانتباه عميق وهي تروي قصتها. وخفق قلبها خفقاً متواصلاً، وتورّد وجهها، وتألّقت عيناها بشراً وسروراً. هذه هي الثروة التي تحلم بها، هذا الجاه الذي تهيم به. وإنها من حب الجاه لفي مرض، وإن الشغف بالقوة لغريزة جائعة في بطنها. فهل يُتاح لها جاه أو ارتواء بالثروة؟»( ).
ولكن الأم تتذكّر أنها مخطوبة، وأنها قرأت الفاتحة مع الحلو، وتذهب لتستشير «السيد رضوان الحسيني» «فجفلت الفتاة من هذا الاسم قائلة:
ـ ما شأنه في أمر يخصني وحدي؟
ـ نحن أسرة لا رجل لنا، فهو رجلنا»( ).
واختيار الأم للسيد رضوان الحسيني للمشورة يشي باحترامه وتبجيله، ووضعه موضع القريب أو كبير العائلة، وقولها «هو رجلنا»، واختيارها إياه دون سواه يبين القيمة المعنوية العالية للشخصية الإسلامية.
ولقد كان رأيه عاقلاً متوازناً: «الحلو شاب، والسيد سليم شيخ، وأن الحلو من طبقتها والسيد من طبقة أخرى، وأن زواج رجل كالسيد من فتاة مثل ابنتها لا بد محدث متاعب ومشكلات لا يبعد أن يصيب الفتاة بعض رشاشها»( ).
ولكن الرشاش أصاب السيد رضوان من فم حميدة الذي لا يرحم، فقد صاحت بصوت جاف حينما سمعت من أمها ما قاله الشيخ، والشرر يتطاير من عينيها:
«ـ السيد رضوان ولي من أولياء الله، أو هذا ما يحب أن يتظاهر به أمام الناس، وإذا قال رأياً لم يبال مصلحة الناس في سبيل اكتساب الأولياء مثله، فسعادتي لا تهمه في قليل أو كثير، ولعله تأثر بقراءة الفاتحة كما ينبغي لرجل يرسل لحيته مترين. فلا تسألي السيد عن زواجي، وسليه إن شئت عن تفسير آية أو سورة ..! أما والله لو كان طيباً كما تزعمون لما رزأه الله في أولاده جميعاً»( ).
وقد رفض السيد رضوان الحسيني «تلبية رغبة حميدة وأمها في الارتباط بسليم علوان رباط زواج، ... لأنه يعلم أن الدين لم يشرع أن يخطب المسلم على خطبة أخيه «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى يترك» وهي من شرع الإسلام. والكاتب يعرف ذلك لأنه علل منع الشيخ رضوان لإتمام هذا الزواج أن أم حميدة قد وافقت على خطبة حميدة من عباس الحلو قبل أن يتقدّم لها السيد سليم علوان»( ).
ولم تتزوج «حميدة» بالسيد سليم علوان الذي مرض مرضاً شديداً، ولكنها غادرت الزقاق مع «القوّاد» فرج إبراهيم.
وحين تُغادر إليه بيتها ذات يوم ليستدرجها في طريق الرذيلة والسقوط فإن أول ما تُحدث به نفسها هو: «ما عسى أن يقول السيد رضوان الحسيني مثلاً لو رآها تمرق إلى هذه العمارة؟»( ).
إن الزقاق يعج بالشخصيات، ولكن شخصية السيد رضوان الحسيني وحدها هي التي تستدعيها ذاكرة «حميدة» في أولى خطوات انزلاقها. وكأن لا وعيها يريد أن يتشبث بالفضيلة التي رمتها وراء ظهرها عن اختيار واعٍ.
وحينما تفكر «حميدة» في عرض «فرج إبراهيم» بالغواية، وأن يكون قواداً لها لتقتحم معه «حياة النور والثروة والجاه والسعادة، لا حياة البيت التعسة، والحبل والولادة والقذارة، حياة النجوم»( ) حينما تفكر في هذا العرض فإن السيد رضوان الحسيني يتراءى لها ليلاً وهي تفكر في حياتها المقبلة: «السلام عليكم يا إخوان»، .. هذا صوت السيد رضوان الحسيني الذي أشار على أمها برفض السيد علوان قبل أن يهتصره المرض، تُرى ماذا يقول عنها غداً إذا تناهى إليه الخبر؟»( ).
إن السيد رضوان الحسيني يمثل ـ في الرواية ـ صوت النقاء والطهر والعفاف الذي حاول أن يحمي «حميدة» من نزواتها وطيشها، لكن نداءاته ضاعت سدى، لأن شخصية «حميدة» لم تكن لتلقي بالاً للتقى والطهر والعفاف. وما أصدق ما وصفها به الروائي وهو يصور انحدارها في السقوط في سخرية مرة:
«عاهرة بالفطرة! تجلّت مواهبها، فبرعت في فترة قصيرة في أصول الزينة والتبهرج، وإن سخروا أول الأمر من سوء ذوقها، فكانت سريعة التعلم محسنة للتقليد. ولكنها سيئة الاختيار لألوان ثيابها، وفي ميلها إلى الحلي تبذل ملموس. ولو كان ترك الأمر (يقصد فرج إبراهيم) على ما تشتهي وتحب لتبدّت وكأنها «عالمة» في زواقها الفاقع، وحليها التي تكاد تغطي جسمها. وفيما عدا ذلك، فقد تعلّمت الرقص بنوعيه، ودلّت على مهارة في تعلم المبادئ الجنسية للغة الإنجليزية. ولم يكن النجاح الذي جاءها يجر أذياله بمستغرب، فتهافتت عليها الجنود، وتساقطت عليها أوراق النقود، وانتظمت في سلك الدعارة لؤلؤة منقطعة النظير»( ).
كانت شخصية «السيد رضوان الحسيني» بالنسبة «لحميدة» تُمثل الضمير الذي يُحاول أن يردعها، ويُعيدها إلى طريق الحياة القويمة، والإيمان، والطهر. ولكنها بما أوتيت من قوة وتمرد كانت تصر على انطلاقتها الشيطانية في سبل الغواية والضلال.
وتظل الصورتان ضروريتين للرواية، صورة الإيمان الذي لا تعوقه المصائب «السيد رضوان الحسيني»، وصورة «حميدة» التي تمثل العُهر المنفلت من كل القيود، والذي لا ينتمي إلا إلى طريق الضلال والغواية!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*من كتاب "مقالات في الأدب العربي المعاصر" للدكتور حسين علي محمد
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:13 AM
رحلة مع الخوف
بقلم: رجاء النقاش
ـــــــــــــــــــــــــــ
«الخوف» هي القصة القصيرة التي كتبها نجيب محفوظ في أوائل الستينيات من القرن الماضي ونشرها بعد ذلك في مجموعته بيت سيئ السمعة سنة1965, وبطل القصة هو عثمان الجلالي ضابط الشرطة الذي قضي علي الفتوات جميعا, ولكنه لم يحقق الاستقرار والطمأنينة للناس, وقد رأي البعض أن نجيب محفوظ كان يتحدث عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في قصته, وهو يرسم صورة بطل القصة عثمان الجلالي, وقد رأيت من جانبي أن هذا التفسير بعيد الاحتمال, وأن المعني الأقرب إلي شخصية عثمان الجلالي هو المعني الإنساني والاجتماعي العام, فعثمان الجلالي هو نموذج للانفراد بالقوة, والانفراد بالقوة خطر علي الجميع حتي علي صاحبه, لأن الانفراد بالقوة يغري بارتكاب الأخطاء والتهاون في حقوق الآخرين والعدوان عليهم. وفي قصة الخوف أيضا هناك شخصية نعيمة, وهي الفتاة الجميلة التي يتصارع حولها الجميع, وحين ينفرد الضابط عثمان الجلالي بالقوة تصبح نعيمة تحت سيطرته ونفوذه, بعد أن كانت من قبل فريسة يتنافس عليها سائر الفتوات, وعندما انفرد عثمان الجلالي بالقوة وحده لم تحصل نعيمة علي حرية الإرادة التي لعلها كانت تحلم بها والتي كنا نتوقعها لها بعد زوال عصر الفتوات, لأن انفراد الجلالي بالقوة لم يساعد علي أن يعيد إلي نعيمة حرية التصرف في أمور حياتها, بل بقي حالها علي ما كان عليه, وأصبحت رهينة لإرادة الضابط الذي انفرد بالقوة بعد أن قضي علي الفتوات.
وكنت قد دعوت القراء الأعزاء إلي المشاركة في تفسير هذه القصة الجميلة, فوصلتني عدة رسائل تسهم في التحليل والتفسير, وذلك عن طريق البريد والفاكس. أما رسائل البريد فقد قرأتها في سهولة ويسر, ولكن بعض رسائل الفاكس لم تكن واضحة بالصورة الكافية, ومع ذلك فسوف أحاول أن أقدم الآراء المختلفة التي وصلتني في هذه الرحلة مع الخوف, وليعذرني الذين لم أتمكن من قراءة رسائلهم علي الفاكس بصورة دقيقة, فالذنب هو ذنب هذا الجهاز المدهش الحديث, وهو جهاز الفاكس الذي يتميز بالسرعة, ولكنه أحيانا يفتقد الدقة والإتقان.
وسوف أقدم الآراء التي وصلتني دون التعليق عليها, إذا اتفق أصحابها معي أو اختلفوا في تفسير قصة الخوف, فقد قلت رأيي وقدمت اجتهادي المتواضع في تفسير القصة, والأدب عموما يحتمل تعدد التفسيرات, وأظن أن من واجبنا الحرص علي قدر كاف من الديمقراطية الأدبية, أي علي التنوع في وجهات النظر, وبدون هذه الديمقراطية الأدبية نعود من جديد إلي قضية الانفراد بالقوة, أي بالرأي الواحد المفروض علي الجميع, وهذا الانفراد الذي يرفض التعدد والتنوع هو من أسوأ الأمور.
والرسالة الأولي هي من الناقد السينمائي الكبير سمير فريد, وقد وصلتني الرسالة علي الفاكس وفيها سطور مطموسة وكلمات غير واضحة, وقد بذلت أقصي ما أستطيع من جهد لقراءتها قراءة صحيحة, وأرجو أن يكون التوفيق قد حالفني فلم أخطئ في قراءة الرسالة. يقول سمير فريد في رسالته:
أعتقد أن وجهة نظرك السياسية وليست وجهة نظر نجيب محفوظ هي التي جعلتك تعتبر قصة الخوف قصة إنسانية عامة, وليست عن ثورة يوليو وعبد الناصر. وكما تعلم فإن عمل الناقد هو أن يساعد القارئ علي إدراك وجهة نظر الكاتب, وله ـ أي للناقد ـ بالطبع أن يوافق الكاتب أو يختلف معه, ولكن ليس له الحق أن يفرض علي الكاتب وجهة نظره كناقد. وكما تعلم ـ أيضا ـ فإن ما كتبه نجيب محفوظ هو إنساني عام, ولكنه يرتبط بواقع مصر زمن كتابة كل عمل, وبوجهة نظر نجيب محفوظ السياسية. وقد أنزعج إبراهيم أصلان وعبر عن ذلك في مقال له في الحياة الصدور أكثر من كتاب يحمل اسم نجيب محفوظ وعنه دون موافقته, وهذا أمر مروع, وكأنه لا يكفي محاولة اغتياله وتعجيز يده اليمني التي كتبت ما كتبه من روائع الأدب العربي, ولكن ما يفوق ذلك أن يتم فرض وجهة نظر سياسية عليه تكون مخالفة لوجهة نظره, ففي الشهر الماضي استمعت في روما إلي محاضرة بالإنجليزية للأستاذ محمد سلماوي قال فيها ان نجيب محفوظ توقف عن الكتابة بعد ثورة يوليو لإنه وجد عبد الناصر قد حقق كل أحلامه, والآن تقول أنت في مقالك بالأهرام إن نجيب محفوظ كان ينقد الثورة من داخلها وليس من خارجها ثم تقرر بشكل قاطع أن نجيب محفوط ليس من أعداء الثورة, وكأن الكتاب ينقسمون إلي مؤيدين للثورة وأعداء لها, وهو منطق سياسي حزبي خالص. وكنت أظن حتي استمعت الي محاضرة سلماوي وقرأت مقالك أنه لا خلاف علي أن نجيب محفوظ من الناحية السياسة هو كاتب ليبرالي, أي لا يحتكر الحقيقة, وأنه يؤمن بالديمقراطية الغربية, وبالطبع, ومثل كل من يؤمنون بالديمقراطية الغربية, فإن نجيب محفوظ لا يري أن هذا النظام هو الذي يحقق الجنة علي الأرض, وإنما هو الأفضل برغم سلبياته, وهذا لا يعني أن عبد الناصر في قصة نجيب محفوظ كان مجرد فتوة, ولكن المسألة ليست كما تقول إن نجيب محفوظ هو أكرم وأنبل وأوسع أفقا من أن ينظر مثل هذه النظرة المحدودة إلي جمال عبد الناصر, وإنما نجيب محفوظ أكرم وأنبل وأوسع أفقا من أن يبيع الحرية, حتي لو كان ذلك من أجل جمال عبد الناصر. لقد كان عبد الناصر في تقديري هو المدني الوحيد بين ضباط الثورة, لأنه كان صاحب مشروع للنهضة الشاملة, وقد ترك آثارا لاتمحي, وحقق تطورا أكيدا, ولكن علينا أن نسأل: لماذا لم يتم مشروعه, أو بالأحرى لماذا فشل وانتهي عهده بكارثة1967 ؟ بالله عليك لا تقل إنها المؤامرة الغربية. أولم يحن الوقت لنسأم حديث المؤامرة ؟. وأعتقد أن واجب كان من يهمه أمر الوطن في عام مرور نصف قرن علي ثورة يوليو أن يسأل الأسئلة الصحيحة, ويجيب عليها بعيدا عن القوالب الفكرية الجامدة. وعن نفسي فقد أصبحت علي يقين, وهذا حالنا بعد خمسين سنة من الثورة, أن من يبيع الحرية من أجل شيء يفقد كل شيء.
تلك هي رسالة الأستاذ سمير فريد, وكما وعدت في البداية فلن أعلق عليها أو علي غيرها, فقد قلت رأيي من قبل. وما جاء في رسالة سمير فريد هو وجهة نظره الخاصة به, وقد يكون هناك فرصة أخري أنسب وأوسع للتعليق علي هذه الرسالة, أو علي بعض ما جاء فيها من أراء, ففي الرسالة ما يستحق التعقيب والتعليق.
الرسالة الثانية هي رسالة الأستاذ الدكتور سامي منير عامر ـ قسم اللغة العربية ـ كلية التربية ـ جامعة الإسكندرية وفي هذه الرسالة يقول صاحبها الفاضل:
إن كتابكم في حب نجيب محفوظ الذي أنعم النظر نقديا في نتاج عظيمنا نجيب محفوظ روائيا, مضافا إليه كتابكم ـ بمشاركة نجيب محفوظ نفسه ـ صفحات من مذكراته وأضواء جديدة علي أدبه وحياته... هذان الكتابان بكل ما ناقشاه من قضايا نقدية لا يدعان مجالا لأي شك في أن عثمان الجلالي ضابط عطفة الفرغانة هو بعينه رمز لواقع سياسي ممثلا في الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ولما كنت مصادفة أوالي قراءة نص قصة الخوف في مجموعة بيت سيئ السمعة باللغة المحفوظية الأقصوصية, ومستعينا في ذات الوقت بترجمة دينيس جونسون ديفيز خير من ترجم أقاصيص محفوظ مع أستاذينا محمد مصطفي بدوي وفاطمة موسى إلي الإنجليزية.. أقول لما كنت منشغلا بهذا الأمر فإن تفسيركم في هامش صفحة224 من كتاب نجيب محفوظ ـ صفحات من مذكراته هو خير تفسير يوحي به مغزى ودور هذه الشخصية التي أطاحت بكل الطامعين في كبده ـ نعيمة التي جمعت طبقات المحبين حولها بنار فرن إنضاج كبدتها, كما ورد في النص... ولاشك أن إضافتك التفسيرية الجديدة في مقال الأهرام الأحد6 ـ2 ـ2002, هذه الإضافة التي تأخذ مأخذ الإنسانية في تفسيركم الجديد لقصة الخوف ليست في قوة التفسير الأول1998, لأنكم تعرفون أن إغراق نجيب محفوظ في واقعه المحلي هو مدخل إلي العالمية النوبلية. وقد أشرتم في مقالكم الجديد إلي أن نجيب محفوظ ليس من السذاجة أو ضيق الأفق حتي يعني عبد الناصر بتصويره في شخصية الضابط عثمان الجلالي, وأنا أري أنها كانت براعة في المواجهة الشجاعة من صاحب التسعين عاما ـ نجيب محفوظ ـ ولم تكن جديدة عليه, فقد قالها بصراحة موجعة في مواجهة مجموعة الثورة في رواية ميرامار ساخرا من دعوى الاشتراكية ص121, بل وفي رواية قشتمر ص108, إذ هو يضع علي لسان بعض الشخصيات آراءه بطريقة إيحائية تتضمن نقدا أكثر شجاعة بكثير مما عرفناه عن أستاذنا توفيق الحكيم في مسرحياته السياسية, ولو أن حظ نجيب محفوظ كان خيرا, إذ قيض له الله الدكتور ثروت عكاشة من ناحية والأستاذ محمد حسنين هيكل من ناحية أخري لدرء خطر صراحته السياسية عنه, والحمد لله أن جاء الرئيس محمد حسني مبارك فتوج جهود نجيب محفوظ بقلادة النيل اعترافا من الرئيس باتساع رقعة الديمقراطية التي أتيحت في عهده لكل من يريد أن يدلي برأي يدفع حياتنا إلي واقع أفضل.
وفي رسالة الدكتور سامي منير عامر ملحق لا يتصل بموضوعنا الأساسي وهو تفسير قصة الخوف وإنما يتصل بما ترمز إليه أسماء الأبطال في قصص نجيب محفوظ ورواياته, وجهد الأستاذ في تحليل أسماء الأبطال فيه ذكاء وطرافة, وأرجو أن يعكف علي تحويله من ملاحظات سريعة إلي بحث كامل ودراسة مفصلة, فسوف يكون في ذلك نفع ومتعة.
نلتقي بعد ذلك مع الرسالة الثالثة وهي من الأديب الطبيب الدكتور أحمد حربي ـ استشاري الطب النفسي ـ دمنهور. وفي هذه الرسالة يقول الدكتور: ولدت قبل ثورة يوليو المجيدة ببضعة شهور, وتأجل امتحاني للإعدادية بسبب نكسة1967, ومع نصر أكتوبر كنت طالبا بطب الإسكندرية, فأنا من جيل يحتفظ لثورة يوليو بحب كبير وتقدير عظيم, ولكن الموضوعية لا تمنعني من أن أري بعض المثالب فيما أحب وفيمن أحب, فالنضج العقلي يكبح العواطف ويرشد الإدراك والبصائر إلي الفهم المتكامل. وفي قصة الخوف لنجيب محفوظ أري أن نعيمة ترمز لمصر و الحملي يرمز للأحزاب, أما الفتوات فهم رمز للمندوب البريطاني والقصر, أما الضابط عثمان الجلالي فهو رمز لعبد الناصر, وهذا لايعيب عبد الناصر ولا يضر محفوظ, فالوجود قائم علي التعدد.. نعم... عبد الناصر كان عظيما وكان من الممكن أن نرفعه إلي أعلي الدرجات, ولكنه أبدا, أبدا, لم يكن إلها. والشاعر امرؤ القيس يذكرنا بالتعدد حيث يقول:
ولو أنها نفس لماتت مرة
ولكنها نفس تساقط أنفسا.
ومن أجل بعض التوضيح لبيت امرئ القيس الوارد في رسالة الدكتور حربي أقول إن كلمة تساقط هي في الأصل تتساقط والتخفيف لضرورة الشعر, وهو تخفيف مقبول من ناحية اللغة.
وأخيرا أتوقف أمام رسالة وصلتني علي الفاكس من الأستاذ الفاضل الدكتور عبده, ولم أستطع أن أقرأ الاسم الثاني لعدم وضوح الفاكس, فليعذرني صاحب الرسالة وليتفضل بتصحيح الاسم وتوضيحه لنشره علي وجهه الصحيح.
وفي هذه الرسالة يقول الدكتور عبده:
فيما يتصل بقصة الخوف لنجيب محفوظ لست أجد أدق من قولكم:.. إن عبد الناصر ـ مهما كانت أخطاؤه ـ أعظم من أن يوضع في كفة واحدة متعادلة مع عثمان الجلالي بطل قصة الخوف وأن نجيب محفوظ هو أكرم وأنبل وأوسع أفقا من أن ينظر هذه النظرة الضيقة المحدودة إلي عبد الناصر. وأنا ناصري حتي النخاع كما يقولون, لذا أتمني لو أتيحت الفرصة أن تسأل نجيب محفوظ بصراحة: هل قصد فعلا بكتابة هذه القصة أن يرمز إلي عبد الناصر, فالأدلة التي وردت في مقالك والتي يرددها الذين يقولون إن عثمان جلالي يرمز لعبد الناصر هي فعلا أدلة لها وجاهتها, والبعض ممن ناقشتهم مقتنعون بهذه الأدلة, أي بأن نجيب محفوظ كان يقصد عبد الناصر في قصته الخوف.
وأقول لصاحب الرسالة الفاضل الدكتور عبده إن أحد الأدباء قد كتب يوما يقول: لا تسألوني عن معني ما أكتبه, فسؤال الأدباء عن معني أدبهم يشبه سؤال المرأة عن عمرها, فهو سؤال لا جدوى منه ولن يحصل أحد من ورائه علي إجابة صحيحة!
بقيت هناك رسائل أخري حول قصة الخوف وموعدنا مع هذه الرسائل في الأسبوع القادم إن شاء الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
*المصدر: صحيفة الأهرام 27/1/2002م:
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:14 AM
رحلة جديدة مع الخوف
بقلم: رجاء النقاش
ــــــــــــــــــــــــــــــ
لا تزال قصة الخوف التي كتبها نجيب محفوظ في أوائل الستينيات من القرن الماضي موضوعا لرسائل القراء الأعزاء, وقد أسعدني ذلك, حيث وجدت فيه كثيرا من المعاني الايجابية, وأول هذه المعاني وأهمها أن قراءة الأدب لاتزال نشيطة وحية بين جماهير المحبين للثقافة والفن, وأن قراءة الأدب لا تزال تقاوم هجمه الفن التليفزيوني الذي جعل من المشاهدة أيسر وأمتع من القراءة, فالتليفزيون قادر بإمكاناته الواسعة أن يشغل الناس عن أدبهم وثقافتهم المقروءة. وعندما نجد دليلا علي انتعاش القراءة الأدبية فإن في ذلك الدليل مايبعث علي اطمئنان المهتمين بحاضر الأدب ومستقبلة, فلا يزال للأدب المقروء سحره وبريقه وجاذبيته, ولن يخسر الأدب الجميل الجيد معركته بسهولة أمام التليفزيون.
ومن المعاني الأخري في اهتمام القراء الأدباء بقصة الخوف أن هذه القصة الجميلة التي كتبها نجيب محفوظ منذ مايقرب من أربعين سنة لاتزال حية ومحتفظة بجمالها الفني حتي الآن, وهذه هي القيمة الباقية دائما في كل أدب جيد وأصيل, فمثل هذا الأدب يتجدد مع الأيام, ويعطي ثماره كلما جاء الربيع وأي أدب يموت بعد كتابته ويفقد تأثيره بعد ظهوره بوقت طويل أو قصير, هو أدب فيه نقص وقصور, أما الأدب الحي, مثل أدب نجيب محفوظ, فهو أشبه باللحن الذي يمكن عزفه في كل العصور, ولن يؤثر فيه تجدد الآلات الموسيقية أو اختلاف الأذواق من جيل إلي جيل, وذلك لأن مادة الحياة في هذا اللحن باقية وإن تغيرت الظروف أو تغير الناس علي أن من أهم ما أسعدني في رسائل القراء الأدباء حول قصة الخوف هو أن عددا من هذه الرسائل يختلف مع رأيي في القصة, فقد كان رأيي ولايزال هو أن بطل القصة عثمان الجلالي ليس رمزا ولا إشارة إلي الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بقدر ماهو رمز وإشارة إلي معني إنساني عام يتصل بكل الأحوال المشابهة لحوادث القصة في مصر والعالم ولا بأس أن يقال إن في القصة تنبيها لضباط ثورة يوليو جميعا حتي يكونوا علي وعي بهذا المعني الانساني. وحسب وجهة نظري فان عثمان الجلالي كما رسمه نجيب محفوظ في قصته هو تجسيد لظاهرة الانفراد بالقوة وهو يمثل كراهية نجيب لهذه الظاهرة وتحذيره منها وتأكيده بأنها تنطوي علي شر كبير في أي موقع تظهر فيه, سواء أكان ذلكك في الأسرة أو في المجتمع أو في العالم الواسع الكبير أو حتي في شارع أو حارة أو مؤسسة من المؤسسات. ولاشك أننا نستطيع أن نقرأ القصة الآن في ضوء الموقف العالمي الراهن, وهو موقف تعاني منه الدنيا كلها بعد انفراد البعض بالقوة دون غيرهم, مما يدفعهم إلي الكثير من التصرفات الخاطئة والظالمة والخطيرة. وفهمي للقصة علي هذه الصورة يبتعد بها عن أن تكون عملا فنيا محدودا ومؤقتا ينتهي تأثيره بانتهاء مناسبته. كما أن بطل القصة قد انتهي به الأمر إلي أن يكون مجرد بلطجي, فهل يمكن أن يقتنع عدو أو صديق بأن نجيب محفوظ قد نظر إلي عبد الناصر مثل هذه النظرة؟ أشك في ذلك.
ومع هذا كله فأنا لا أري ضررا في أن يختلف معي القراء الأدباء في تفسيري للقصة, مادام الاختلاف قائما علي الصدق وحسن النية, فمثل هذا الاختلاف هو نوع من الهواء النقي الذي يحقق الصفاء في عالم الفكر وهو اختلاف يضيف إلي الحوار حيوية تقضي علي أي ركود فيه. ولذلك فأنا بهذا الاختلاف سعيد وإذا كنا سوف نضيق بالاختلاف في تفسير الأعمال الأدبية, فكيف لنا أن نحلم بأي نوع من الديمقراطية؟!
وأعود إلي بقية ماوصلني من رسائل حول قصة الخوف وأولها رسالة من الأديب اللواء أحمد العرنوسي عضو اتحاد الكتاب وفيها يقول: القصة الرمزية من القصص التي يلجأ إليها الكاتب إذا أراد أن يعبر عن رأيه دون مجاهرة أو بطريقة لا توقعه في مشاكل. وقد لجأ إلي هذا الأسلوب الكاتب الكبير توفيق الحكيم في إحدي قصصه حين صور قطارا يسير وتعترضه مخاطر, فينزل الركاب ومعهم سائق القطار, فمنهم من يري أن العلامة الخاصة بمرور القطار حمراء ومنهم من يري أنها خضراء, وذلك إشارة إلي التردد بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي. وكاتبنا الكبير نجيب محفوظ له باع طويل في عالم الرمز, وهو ـ كما جاء في مقالك عن قصة الخوف ـ ليس من أعداء ثورة يوليو, ولكنه كان دائما يريد لها ما هو أفضل, وقد كانت روايته ميرامار من هذا النوع, فقد أراد كاتبنا أن يصور مصر في شخصية زهرة الفتاة الريفية التي تعمل بالبنسيون, والتي كانت مطمعا للنزلاء, ومنهم الاقطاعي الذي تم وضعه تحت الحراسة, وعضو الاتحاد الاشتراكي الذي ينادي بالقيم ويتم ضبطه مع آخرين بسرقة أموال إحدى الشركات. وفي النهاية يفوز بقلب زهرة بائع الصحف الذي أحبها. والحقيقة أن نجيب محفوظ لم يرمز لشخصية عبد الناصر في قصة الخوف بضابط الشرطة عثمان الجلالي, ولكنه أراد معني أوسع, وهو ثورة يوليو بأكملها, وقد قضت الثورة علي الملك والاستعمار والإقطاع الذين أذلوا هذا الشعب وحظيت الثورة بتأييد واسع من طبقات الشعب الفقيرة, إلا أنه كما كان للثورة ايجابياتها فقد كان عليها مآخذ كثيرة, منها عدم الالتزام بالشرعية القانونية وانحراف بعض رموزها وتابعيهم, مما أدي إلي مصادرة الحريات وفرض الرقابة الصارمة علي الصحف وأجهزة الاعلام وإتاحة مواقع السلطة لأصحاب الثقة, مع تنحية أصحاب الخبرة والمعرفة والثقافة. وفي وقت ظهور قصة الخوف كانت البلاد ترزح تحت بطش لجان تصفية الاقطاع التي قادتها مجموعة من الضباط الشبان والصولات والجنود, وفي محافظتي, وهي الدقهلية, كنت أعمل في جهاز الشرطة بمدينة المنصورة, وقد شهدت بنفسي مساعدا أي صول يحكم محافظة الدقهلية ويوصي بوضع من يشاء تحت الحراسة. لقد أراد كاتبنا الكبير أن ينبه إلي خطورة التصرفات التي لا تستند إلي شرعية أو قانون,وهي التصرفات التي أنشأت, ماأصبح معروفا باسم مراكز القوة التي قضي عليها الرئيس الراحل أنور السادات.
ويختتم اللواء أحمد العرنوسي رسالته بقوله: إن قصة الخوف لو تم نشرها اليوم لكانت معبرة عن الحالة الدولية التي انفردت فيها أمريكا بالقوة وأصبحت تبطش بمن تشاء دون مراجعة. وقصة الخوف تصلح لكل عصر تسود فيه روح البطش ويخفت فيه صوت الضمير والعقل والشرعية.
والرسالة الثانية من الأستاذة مني عمرو, وهي تنتمي ـ كما فهمت من رسالتها ـ إلي أسرة الديبلوماسي الشهير عبدالفتاح عمرو سفير مصر في لندن قبل الثورة. وفي هذه الرسالة تقول الأستاذة مني: أود أن يكون لي شرف المساهمة في التعليق علي قصة الخوف لكاتبنا العالمي نجيب محفوظ, والقصة جميلة, وهي تثير قضية خطيرة وجديرة بالتفسير والمناقشة وقضية القصة هي الانفراد بالقوة وما يتركه ذلك من آثار سيئة علي الضعفاء الذين يتصورون للأسف أن خضوعهم وسلبيتهم وعدم تمردهم إنما هو حائط الأمان بالنسبة لهم. ولاشك أن نجيب محفوظ يشير بين سطورقصته إلي أن الانسان ليس معصوما من الخطأ, وأنه إذا لم يجد من يردعه عن الشر فسوف يقع فيه ويستمر في ذلك. ومن هنا ظهرت القوانين السماوية والأرضية لكي تردع الانسان عن الخطأ والشر. والعدالة لا معني لها دون قوة تحميها. وضعف الضعفاء يثير شهية الأقوياء ويشجعهم علي مزيد من الطغيان, فالضعف هو المادة التي تصنع الانسان القوي, والقوي ليس قويا بنفسه وإنما هو قوي بضعف الآخرين. وقد تعرضت الحارة في قصة الخوف لنجيب محفوظ إلي آثار سلبية مفزعة لأن ضابط الشرطة عثمان الجلالي انفرد بالقوة, وتخلي عن قدسية عمله, وقام بتقليد الفتوات, بينما كان هذا الضابط في الأصل هو حامي القانون والساهر علي تنفيذه, ولكنه أصيب بفيروس الظلم والجبروت ولم يجد من يردعه وكذلك فالقصة, رغم أنها مكتوبة في القرن الماضي, إلا أنها تبدو وكأنها مكتوبة بعد أحداث11 سبتمبر المعروفة, وفيها وصف لأحوال العالم الآن. وفي القصة مايحث المظلومين علي الصحوة وعدم الاستسلام لما يتعرضون له. وهذه متعة من آلاف المتع التي نحس بها في كتابات نجيب محفوظ, فنحن نقرأ رواياته وقصصه في أي وقت دون أن يعنينا كم من الوقت قد مر علي كتابتها.
والرسالة الثالثة من الأديب الأستاذ مصطفي عبد المنعم ـ من مواليد1927 كما جاء في الرسالة, ويقول الأستاذ الفاضل في رسالته: رأيي باختصار في قصة الخوف لنجيب محفوظ هو أن نجيب ببصيرته النافذة وحبه الواعي لوطنه مصر كان يقصد الزعيم جمال عبد الناصر بشخصيته بطل القصة عثمان الجلالي, ولكنه لم يكن يملك ككاتب إلا هذا الأسلوب الرمزي حتي يتمكن من نشر قصته, وليفهم أصحاب الألباب. والحمد لله, فإنهم كثيرون. أطال الله عمر كاتبنا الكبير ورحم الله عبدالناصر, وأقال الله مصر من عثرتها وتأخرها وكبوتها بسبب حكم استمر18 عاما, تم فيه تكبيل مصرنا الغالية بينما انطلقت فيه مختلف دول الجيران.
والرسالة الرابعة من الأستاذ مصطفي مشالي ـ السويس ـ وفي هذه الرسالة يقول الأستاذ الفاضل: لم يكن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر صاحب انفراد بالقوة علي طول الخط, ولكنه عندما أصبح صاحب القرار في البلاد وقع في هذا الانفراد الذاتي بالقوة وذلك عندما أمر بحشد القوات المسلحة في سيناء سنة1967. لقد كان عبد الناصر مثلا يحتذي في الوطنية, وكان رائدا للقومية العربية وهو مؤسس الضباط الأحرار وقائد الثورة ومحرر مصر من الاحتلال ومن أسرة ملكية فاسدة, ولو أن عبد الناصر استعان بالصبر والمشورة ولم يقم بالتلويح بالحرب لما كانت مأساة1967 التي مازلنا نعاني منها إلي الآن. أما الصراع بين الفتوات فهو يرمز للصراع بين الأمريكان والسوفييت في وقت كتابة القصة. أما عطفة فرغانة في القصة فهي رمز للبلاد العربية التي كان الأقوياء ـ أي الفتوات ـ يتصارعون عليها رغم أن هذه البلاد لم تكن طرفا في النزاع ولكنها تأثرت به ودفعت ثمنا له.
ومن الأستاذ الفاضل الدكتور فاروق عبدالسلام260 شارع شبرا مصر جاءت الرسالة الخامسة, وهي رسالة ساخنة, وفيها يقول صاحبها: باختصار شديد لماذا تنحاز هكذا لعبد الناصر انحيازا كاملا وأنت في غاية الاطمئنان إلي أن التاريخ سوف يكتبها لك لا عليك؟
إن ما ذكره أصحاب الرأي القائل بأن المقصود ببطل قصة الخوف لنجيب محفوظ هو جمال عبد الناصر من أسانيد ثلاثة هو أمر صحيح مائة في المائة, فالتلميحات والايحاءات في الحرفين ج. ع من اسم جمال عبد الناصر واسم عثمان جلالي صحيحة, وخلعه الملابس العسكرية ولبسه الملابس المدنية صحيح, واستيلاؤه بعد ذلك علي نعيمة أي علي مصر صحيح مائة بالمائة.
ثم ينتقل صاحب الرسالة الدكتور فاروق عبدالسلام إلي اختيار بعض العبارات الواردة في قصة الخوف ويفسرها بما يتفق مع وجهة نظره فيقول: هناك ما ورد في قصة الخوف, من قول نجيب محفوظ عن نعيمة ـ أي مصر ـ:.. ولكن نظرة عينيها العسليتين خلت من الروح كورقة ذابلة وقوله عن نعيمة أيضا: وطبعت بطابع الجفاف فركضت الشيخوخة نحوها بلا رحمة ـ فهل فعلت هزيمة1967 بنعيمة أي مصر إلا هذا بعينه؟, ثم يقول الدكتور في رسالته الشائكة جدا: وأخيرا لماذا لا تنتظر من الروائي المبدع نجيب محفوظ أن تكون عينه علي عبد الناصر وهو يرسم ملامح شخصية عثمان الجلالي, مع أن الذي اكتشف نجيب محفوظ وقدمه للحياة الأدبية هو الناقد العظيم سيد قطب صاحب تفسير في ظلال القرآن الذي أعدمه عبد الناصر؟!
وأعتذر لصاحب الرسالة الفاضل عن عدم نشر بقية رسالته لما تتضمنه من لغة نقدية بالغة القسوة والعنف. علي أنني مع ذلك أريد أن أقول لصاحب الرسالة إنني لا أنكر حبي لعبد الناصر وإيماني بأنه شخصية تاريخية نادرة, ولكن هذا لا يمنعني من رؤية الأخطاء, وبعضها فادح. كما أنني أعترف مع صاحب الرسالة ومع نجيب محفوظ نفسه بأن سيد قطب كان هو أول ناقد كبير يلتفت إلي نجيب ويشير بقوة إلي موهبته. ولكن هل كان اكتشاف سيد قطب لعبقرية نجيب محفوظ هو السبب في إعدامه ؟. إنني لا أخفي إعجابي الكبير بأدب سيد قطب وأفكاره المتميزة ومواهبه العالية, ولا أخفي حزني الشديد بسبب مصيره المأساوي. ولكنني لست من أهل السياسة, ولا أحب أن أكون, ولذلك لم أفهم مطلقا كيف اندفع سيد قطب, هذا المفكر الكبير, إلي إلقاء نفسه في دوامة السياسة العملية العنيفة, والتي يعرف أصحابها مقدما أنها تقود إلي إحدى قمتين: السلطة أو المشنقة, كما لم أفهم أبدا كيف أقدم مفكر نابغ مثل سيد قطب علي تأليف كتاب مخيف مثل معالم علي الطريق, وهو كتاب تحريضي أشعل النار وأودي بحياة كثيرين ومنهم سيد قطب نفسه.
والرسالة السادسة والأخيرة من الشاعر الأديب أحمد جابر شاعر غنائي واختصاصي مكتبات الجهاز المركزي للتنظيم والادارة والرسالة طويلة وخلاصتها أن نجيب محفوظ في قصته الخوف كان يتنبأ بما حدث وسوف يحدث لبعض الشعوب مادامت واقعة تحت وطأة الخوف وملتزمة بدفع ثمن هذا الخوف. وقصة نجيب محفوظ موجهة إلي عرب الأمس وعرب اليوم وعرب الغد, وهي موجهة إلي كل من يظن أنه بمنأى عن الخطر مادام استسلم لقوانين الخوف الـظالمة له والمسيطرة عليه.
وقد أرسل الشاعر أحمد جابر مع رسالته قصيدة جميلة بالعامية لا يسمح المجال بنشرها وإن كان من حق صاحبها أن أقول له إن قصيدته تكشف عن موهبة طيبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المصدر: صحيفة "الأهرام" 3/2/2002م.
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:15 AM
حوار مع نجيب محفوظ
حاوره: حمدي عابدين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*من حي الجمالية إلى استوكهولم
*نجيب محفوظ: مزقت كثيرا من كتاباتي قبل نشري أول قصة
في لقائه الأسبوعي الذي يعقد كل يوم أحد بفندق شبرد بالقاهرة توافد أحباؤه ومريدوه وأصدقاؤه لتهنئته بعيد ميلاده التسعين. بدا نجيب محفوظ في قمة نشاطه ووعيه. كان موعدنا معه هناك لأن زوجته أخبرتنا أنه لا يلتقي بأحد في منزله في شهر رمضان. سألته في البداية: أستاذ نجيب.. بعد خبرتك الطويلة في الكتابة القصصية والابداعية ماذا يمكن أن تقول للمبدعين الشباب؟
فأجاب: الثقافة والعمل والصبر.
* هل كتبت كثيراً قبل أن تنشر أول قصة؟
ـ كتبت كثيرا من القصص بعضها مزقتها قبل أن أرسلها إلى أي جريدة، وربما مزق بعضها القائمون على أمر الصفحات الأدبية. استمر هذا طويلا إلى أن جاءت أشياء تستحق النشر، بعدها سارت الأمور بشكل جيد.
* هل تذكر بعض الكتابات التي مزقتها؟
ـ إحدى هذه الكتابات كان كتاب "الأعوام" وقد كتبته تقليدا لكتاب "الأيام" الذي ألفه طه حسين وعبر فيه عن حياته ومعاناته إلى أن صار عميدا للأدب العربي. وعلى هذا المنوال مزقت كتابات أخرى شعرت أنها جاءت على نهج كتابات لآخرين أمثال المنفلوطي إلى أن كتبت قصة اسمها "ثمن الضعف" رأيت أنها يمكن أن تنشر وأبدأ بها حياتي مع الإبداع فأرسلتها إلى مجلة "الجديد"، وكان ذلك في عام 1934.
* ماذا تقول عما يحدث الآن في فلسطين؟ هل ترى أن هناك إمكانية لتحقيق السلام؟
ـ لا بد أن يكون هناك أمل في تحقيق السلام، لأنه ليس هناك أحد يستطيع أن يحارب طول عمره إلا إذا كان مجنونا.
* هل أنت مقتنع بإمكانية تحقيقه الآن أو في المستقبل المنظور؟
ـ جاء علينا وقت كنت مقتنعا تماما بأن السلام تحقق على أرض فلسطين وأن العرب هناك سوف يحصلون على حقوقهم. كنت مقتنعا بهذا مدة طويلة جدا إلى أن حدثت الانتفاضة الأخيرة.
* تعتقد أن شارون يمكنه أن يوقف الحرب؟
ـ المسألة ليست حربا أو سلاما، لكن لا بد أن يكون هناك اقتناع بحقوق الناس. إذا حدث ذلك وجاء إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية شخص مقتنع بحقوق أبناء فلسطين يسود السلام.
* لقد زادت الحروب الصغيرة والكبيرة في عصرنا الحالي. ما هي أسباب ذلك في رأيك؟
ـ بعد الحرب العظمى الثانية اعتقدت أنها آخر الحروب الكبيرة، لأني مقتنع انه ليس هناك دول يمكنها أن تهلك دولا، لكن بعدها شاهدت حروبا دخلتها أميركا للسيطرة على العالم، فهل تعتقد أن هناك أسبابا أخرى لديها، هي تحارب ولديها كل شيء لماذا تحارب، كان هناك أسباب كبيرة للحرب الأولى والثانية، أما حروب أميركا الحالية فلا نعرف ما الذي يدفعها لخوضها إلا ما قلته قبل ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المصدر: صحيفة "الشرق الأوسط" 11/12/2001م.
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:16 AM
نجيب محفوظ: رائد الرواية العربية
والحائز على جائزة نوبيل العالمية عام 1988م
بقلم: ويلسن بريخو
......................
علمٌ من أعلام الأدب العربي و رائد من رواد الرواية العربية، ذلك هو نجيب محفوظ الذي وقف على أعلى قمة أدبية عند حصوله على جائزة نوبيل العالميّة في الآداب.
حمل نجيب محفوظ مشعلَ الحرية، فأرادَ أن يهدي الشبابَ والأجيال القادمة إلى رؤية جديدة في الدراسة الأدبية، وينشر حب المناقشة وتبادل الرأي في إطار إنساني متفاهم.
وُلدَ نجيب محفوظ بحيّ الجمالية الذي هو أحد أحياء منطقة <<الحسين>> بمدينة القاهرة الفاطمية في 11 كانون الأول/ديسمبر 1911، والاسم الكامل لنجيب محفوظ هو <<نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد باشا>> وأصل أسرته من مدينة <<رشيد>> على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
عاشَ نجيب محفوظ في حيّ الجمالية وهو قلب القاهرة القديمة. و في هذا الحيّ القديم الأصيل يعيشُ أبناء الشعب جيلاً بعد جيلٍ. و في حيّ الجمالية عرفَ نجيب محفوظ الحياة الشعبية وعادات سكانها حيثُ تركتْ آثاراً عظيمة في أدبه وفي معظم روايته وقصصه.
فمن <<حيّ الجمالية>> أخذ الكثير من الأسماء << خان الخليلي>>،و<< زقاق المدق>>، و <<بين القصرين>> و <<قصر الشوك>> و <<السكرية>>. ومن <<حيّ الجمالية>> أخذ نجيب محفوظ كلمة <<الحارة>> التي أصبحت فيما بعد رمزاً للمجتمع والعالم، أي رمزاً للحياة والبشر.
وتناول نجيب محفوظ المعاني الإنسانية في رواياته الأدبية، ففي رواية<<خان الخليلي>> كانت الحارة صورة حيّة لمجتمع مصر في صراعاته وتطوراته المختلفة مع كل جديد في الحضارة الحديثة.
وانتقل نجيب محفوظ من <<حيّ الجمالية>> إلى <<حيّ العباسية>> مع أسرته، وكان الحيّ الجديد أعلى مستوى، فتعرف محفوظ على طائفةٍ من الأدباء والشعراء والمثقفين، أمثال: <<إحسان عبد القدوس>> و الدكتور <<أدهم رجب>>.
بدأ نجيب محفوظ نشاطه الفكري وهو طالب، واتصل بأستاذين كبيرين له، وهما:
الأستاذ <<الشيخ مصطفى عبد الرزاق>> أستاذ الفلسفة الإسلامية في كلية الآداب. والأستاذ <<سلامة موسى>> الصحفي والمفكر الكبير.
وقد أخذ نجيب محفوظ عن أستاذه سلامة موسى نزعته التجددية و تطلعه إلى الحضارة الحديثة وحماسه لفكرة العدالة الاجتماعية، واهتمامه بالبحث عن أصول الشخصية المصرية في جذورها الفرعونية.
وكان نجيب محفوظ محباً للضحك والنكتة والموسيقى والطرب، وكان صديقاً للناس يخاطب العامة، يزور المقاهي ويلتقي بالأصحاب والأصدقاء، وكان مقهى <<عرابي>> في حيّ الجمالية حيث زاره أكثر من عشرين سنة. ومكان آخر كان يتردد عليه وهو <<كازينو الأوبرا>> ومقهى <<ريش>>.
ونستطيع القول بأن (الثلاثية) هي أعظم عمل قام به نجيب محفوظ، وبل أعظم عمل روائي عرفه الأدب العربي في العصر الحديث. فالثلاثية عمل أدبي رائع يصور هموم ثلاثة أجيال في مصر: جيل ما قبل ثورة 1919، وجيل الثورة، وجيل ما بعد الثورة. فصوّر محفوظ أفكار وأذواق هذه الأجيال ومواقفها من المرأة والعدالة الاجتماعية والقضية الوطنية. كما صوّر محفوظ عادات وأزياء وثقافة هذه الأجيال وما تقرأه من صحف ومجلات. <<فالثلاثية>> ملحمة تصور الواقع الاجتماعي والتجربة الإنسانية في الحياة.
وأنهى نجيب محفوظ عمله الأدبي بـ 49 عملاً روائياً وقصصياً وجائزة نوبيل العالمية عام 1988، وكان نجيب محفوظ أول عربي ينال هذه الجائزة.
مقاطع من رواية «ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ
.................................................. ...........
" أخرج من الدرج محبرة وراح يملأ القلم ، عليه ان يعد البيان من جديد . حركة الوارد . في الحقيقة لا حركة البته ، حركة دائرية حول محور جامد ، حركة دائرية تتسلى بالعبث ، حركة دائرية ثمرتها الحتمية الدوار ، وفي غيبوبة الدوار تختفي جميع الأشياء الثمينة. من بين هذه الأشياء الطب والعلم والقانون والأهل المنسيون في القرية الطيبة والزوجة والابنه الصغيرة تحت غشاء الأرض ، وكلمات مشتعلة بالحماس دفنت تحت ركام من الثلج. ولم يبق في الطريق رجل، وأغلقت الأبواب والنوافذ، وثار الغبار لوقع سنابك الخيل، وصاح المماليك صيحات الفرحة في رحلة الرماية، كلما عثروا على آدمي في مرجوش او الجماليه أقاموا منه هدفا لتدريبهم. وتضيع الضحايا وسط هتاف الفرح المجنون، وتصرخُ الثكلى الرحمة يا مملوك، فينقضُّ عليها الصائد في يوم اللهو. بردت القهوة وتغير مذاقها ومازال المملوك يضحك ملء شدقيه، وحلَّ الصداع مكان الخيال ومازال المملوك يضحك. وهو يطلقون اللحي ويثيرون الغبار ويفرحون بالأبهة والتعذيب .. ودبَّ نشاط مرح في الحجرة القاتــمة مؤذنا بالانصراف .. "
--------------------------------------------------------------------------------
".. ولكن ماقيمة أن تبقى أو أن تذهب ، أو أن تعمر كسلحفاة . ولما كان الزمن التاريخي لا شيئا بالقياس بالزمن الكوني فسناء في الواقع معاصرة لحواء، ويوما ما ستحمل لنا مياه النيل شيئاً يستحسن أن نسميه فقالَ له صوت الظلام ( أحسنت ).. ولا أستبعد أن اسمع ذات ليلة نفس الصوت وهو يأمرني بعمل خارق يذهل له من لا يؤمن بالمعجزات.. وقد قال العلم في النجوم كلمته ولكن ما هي في الحقيقة الا أفراد عالم آثروا الوحدة فتباعدوا عن بعضهم آلاف السنين الضوئية.. فيا أي شئ افعل شيئا فقد طحننا اللاشــــــئ.."
--------------------------------------------------------------------------------
" التقط من النافضة عقب سيجارة من السجائر التي دخنها أثناء الجلسة ، بقي منها الفلتر البرتقالي وعقب ابيض مضغوط فتأملها طويلا ثم أعادها الى موضعها وسط مجموعة من الهاموش الهالك، وتضوع من النيل شذى مائي ذو نكهة أنثوية ، وخطر له أن يتسلى بعد النجوم ولكن أعوزتهُ الهمة اذ لم يكن في النجوم من يعنى برصد كوكبنا ودراسة أحوالنا الغريبة فنحن ضائعــون . وترى كيق يفسر الراصد مجلسنا الضاحك مابين اجتماع شمله حتى تقوضه .. سيقول ثمة تجمعات دقيقة تنفثُ غبارا مما يكثر في الغلاف الجوي للكواكب وتصدر عنها اصوات مبهمة لا يمكن فهمها مادمنا لم نصل بعد الى معرفة اي فكرة عن تكوينها ، ويزيد حجم التجمعات مابين مرة وأخرى مما يدل على أنها تتكاثر بطريقة ما ذاتيه او خارجيه ، ولذلك فمن غير المستحيل ان يوجد نوع من الحياة البدائية في ذلك الكوكب البارد خلافا للقائل باستحالة وجود حياة في غير الأجواء النارية .. ومن العجيب أن هذه التجمعات تختفي لتعود من جديد ويتكرر الحال على ذلك المنوال دون هدف واضح مما يرجح معه الراي القائل بعدم وجود حياة بالمعنى الصحيح على الأقل .. وحسر الجلباب عن ساقيه المشعرتين وضحك بصوت عالي ليرى الراصد ويسمع .. وقـــال : بل لنا حياة / وقد أوغلنا في الفهم حتى أدركنا اللامعنى وسوف نوغل أكثر وأكثر ولا أحد يستطيع التكهن بما سيكون .. ولن نكون أدهش من يوليوس قيصر اذ تدهمه الحسناء الخالدة بارزة من البساط المنطوي ويسأل القائد الذاهل : ( من الفتاة؟ ) .. فتجيب ممتلئة ثقة وجمالا :(كليوباترة ملكة مصر . ) .. "
--------------------------------------------------------------------------------
" ويضيقُ الصدر بأي حكمة الا حكمة تنعي جميع الحكم ، فليذهب العذاب المتراجع أمام السحر الى غير رجعة .. وعندما نهاجر الى القمر سنكون اول مهاجرين يهاجرون هربا من لا شئ الى لا شئ .. فواحسرتاه على نسيج العنكبوت الذي غنى ذات مساء في قريتنا مع نقيق الضفادع "
--------------------------------------------------------------------------------
" ليس من العجيب ان يعبد المصريون فرعون ولكن العجيب ان فرعون آمن حقاً بأنه اله "
--------------------------------------------------------------------------------
".. ذلك أن الفلسفات قصور جميلة هائلة لكنها لا تصلح للسكنى .. "
--------------------------------------------------------------------------------
" .. من المحقق أنهما لا يعرفان ان النيل هو الذي قضى علينا بما نحنُ فيه .. وأنه لم يبقَ من عباداتنا القديمة الا عبادة ابليس . وأن الداء الحقيقي هو الخوف من الحياة لا الموت .. "
--------------------------------------------------------------------------------
" ... في كوخ عم عبده شئ لا يتغير حقاً .. هو الخلاء "
--------------------------------------------------------------------------------
" .. عليكم اللعنه .. ليس أعدى للكيف من التفكير . وعشرون جوزة كادت أن تضيع هباء . ولا شئ يبدو راسخ الايمان كشجرة البلح ، كما ان اصرار الهاموش يستحق الاعجاب ، ولكن اذا فقدت أنات عمر الخيام حرارتها فقل على الدنيا السلام ، وجميع هؤلاء الساخرين تكوينات ذرية ، وهاهو كل فرد منهم ينحل الى عدد محدود من الذرات . فقدوا الشكل واللون ، اختفوا تمام ، ولم يعد منهم شئ يرى بالعين المجردة ، وليس ثمة هناك الا أصوات .. "
--------------------------------------------------------------------------------
*مقاطع من رواية "ثرثرة فوق النيل" / نجيب محفوظ / دار القلم - بيروت / الطبعة الأولى 1972
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:17 AM
علي أحمد باكثير
بقلم: نجيب محفوظ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سعدت بما سمعته من ان جمعيه اصدقاء علي احمد باكثير اقامت هذه الايام الدوره الثانيه لمهرجان علي احمد باكثير المسرحي الذي كانت قد اقامت دورته الاولي في العام الماضي, فقد اثلجت صدري انباء هذا المهرجان بعد انباء الحادث الاليم الذي وقع في بني سويف.
ولقد عرفت علي احمد باكثير منذ سنوات الشباب حين كنا نخطو خطواتنا الاولي في الكتابه الادبيه, انا في الروايه وهو في المسرح, فقد كنا انا وهو ضمن الفائزين في جوائز وزاره المعارف وكان هذا الفوز هو الذي فتح امامنا طريقا للنشر بعد ان كانت اعمالنا قابعه في الادراج, ثم توطدت العلاقه بيننا بعد ذلك علي مدي السنوات بعد ان صارت اسماونا معروفه في المجال الادبي, وقد كنا نلتقي اسبوعيا في كازينو الاوبرا.
لقد كان علي احمد باكثير علي ثقافه عاليه وكان حجه في اداب اللغه الانجليزيه التي كان يجيدها اجاده تامه وقد عمل لفتره طويله مدرسا للغه الانجليزيه لكنه انتقل بعد ذلك الي مصلحه الفنون فتزاملنا مره اخري, حيث كنت اعمل بها انا ايضا, وقد كنت من اشد المعجبين بادب علي احمد باكثير برغم انه كان كاتبا مسرحيا تخصص في المسرحيات التاريخيه وانا روائي ملت كثيرا الي المعاصره والواقعيه, علي ان باكثير لم يقتصر انتاجه الادبي علي المسرح وحده والذي ترك لنا فيه اكثر من اربعين عملا, وانما كان شاعرا من الدرجه الاولي شهد له بها العقاد والمازني وغيرهما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المصدر: صحيفة "الأهرام" ـ في 23/9/2005م.
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:19 AM
في حب نجيب محفوظ
بقلم: حسيــــــين عيـــــد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كثيرة هي الكتب التي صدرت عن الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ ، خاصة بعد فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 1988، وقليلة هي الكتب التي قدمت (إضافة) حقيقية أو (تناولاً) جديدا لعالم نجيب محفوظ ، بحيث (تضيء) الطريق أمام القارئ، وتأخذ بيده (ليستمتع) وهو يقرأ تلك الأعمال. من هذا النوع الثاني، كتاب " في حب نجيب محفوظ " الذي صدر أخيرا للناقد المعروف رجاء النقاش الذي يصحبنا بأسلوبه السلس العذب في رحلة شائقة إلى عالم نجيب محفوظ ، لنتابعه وهو يرسم لنا صورة (شخصية) للفنان، بما ضمنته من ملامح (عامة) كإنسان و(خاصة) كفنان.
اعتمد الناقد في إنجاز كتابه على ركيزتين أساسيتين.. الركيزة الأولى: علاقة (صداقة) وطيدة استمرت ما يقرب من خمسة وأربعين عاما، بدأت منذ مجيء رجاء النقاش لأول مرة إلى القاهرة عام 1951 من قرية " منية سمنود " إحدى قرى المنصورة، ليكمل تعليمه بكلية الآداب، وكان من أعز أهدافه أن يتعرف على نجيب محفوظ ، بعد أن أصبح عاشقا له، منذ أن قرأ روايته " رادوبيس" في قريته تحت شجرة " جميز". وتحققت أمنيته عندما اصطحبه الناقد الكبير الراحل أنور المعداوي إلى " كازينو أوبرا "، وقدمه إلى نجيب محفوظ في ندوته الأسبوعية التي كان يعقدها في ذلك الوقت كل يوم جمعة، وازدادت تلك العلاقة قوة ورسوخا مع الأيام.
أما الركيزة الثانية التي اعتمد عليها الناقد الكبير في بناء كتابه فهي (حب) نجيب محفوظ ، "فالحب هو المفتاح الأول للفهم والمعرفة"، وهو ليس حبا مطلقا من جانب واحد، بل هو يرتبط مع أعمال نجيب محفوظ بعلاقة جدلية، " فلو أن نجيب قد توقف عند مرحلة أدبية واحدة ، لتوقف الحب عند هذه المرحلة، وانتهى به الأمر إلى أن يصبح نوعا من الذكريات، ولكن نجيب محفوظ كان يتقدم ويتدفق يوما بعد يوم، كأنه " وردة " نادرة تجدّد عطرها وألوانها كل صباح".
ملامح عامة
أتاحت علاقة الناقد رجاء النقاش الطويلة بالأديب نجيب محفوظ ، أن يقترب من شخصيته، وأن يتعرف على صفاته الشخصية عن قرب شديد. هذه الصفات والملامح وإن اشترك فيها مع العديد من البشر، إلا أنها شكلت جانبا أساسيا من شخصيته كفنان. ويمكن إنجاز هذه الملامح التي رصدها الناقد الكبير، فيما يلي:
- حرص على البساطة الكاملة في ملبسه ومظهره وسلوكه، شديد الصبر، صاحب بال طويل، وصدر واسع، ويتمتع بنفسية شديدة التسامح، أمين صادق مع النفس والآخرين، يثق في نفسه، ولكنها ثقة خالية من أي غرور، متواضع، لديه استعداد للرضا بما تأتي به الأيام، مع ميل للتفاؤل في أشد لحظات الحياة صعوبة وشدة.
- الوفاء للناس والأماكن، وهو ما يوضحه رجاء النقاش، حين يقول "ظل نجيب محفوظ يتردد أكثر من عشرين سنة على مقهى "عرابي " في حي الجمالية، وظل أكثر عن عشر سنوات يتردد على " كازينو الأوبرا ". وظل عشر سنوات أخرى يتردد على مقهى " ريش ". ولم يترك مكانا من هذه الأماكن إلا مرغما "، و" أكثر مجموعة ارتبط بها نجيب محفوظ وما زال مرتبطا بها حتى الآن هي مجموعة " الحرافيش "، وهم أصدقاؤه القدماء الذين يحبهم ويحبونه "
ملامح خاصة
إذا كان رجاء النقاش قد استطاع بحكم علاقته الطويلة بنجيب محفوظ، أن يقترب منه وأن يرصد ملامح عامة في شخصيته، قد يشترك فيها مع آخر، فأنه كنا قد حساس استطاع أن يكتشف عدداً آخر من ملامح خاصة انفرد بها نجيب محفوظ ، وميزت شخصيته كفنان. ويمكن إيجاز هذه الملامح التي رصدها فيما يلي:
- محب وعاشق للغناء والطرب، "وهذا الميل إلى الغناء والطرب والتذوق. الفني الرفيع عند نجيب محفوظ ، هو سبب رئيسي آخر من أسباب تكوين شخصيته الإنسانية المهذبة المصقولة التي تحرص دائما على معاملة الناس بالحسنى، ومواجهة الحياة بالصبر وسعة الصدر، والنفور من الخصومات الحادة بينه وبين الآخرين".
- "بعيد"عن الامتلاء بنفسه. ذهنه ومشاعره تملك تلك النوافذ المفتوحة على الهواء والضوء"، "حريص كل الحرص على حسن الاستماع إلى الآخرين واحترام آرائهم حتى لو كانوا يختلفون معه أشد الاختلاف. ساعده ذلك على الوصول إلى هذه القدرة العالية في إدراك المتغيرات المتلاحقة في الفن والحياة".
- موهبة طبيعية عالية، وحساسية فنية عالية، وقوة ملاحظة بعقله ومشاعره معا، ووعي سليم يتطور الحياة والأساليب الفنية.
- " التكوين الأساسي الأول لنجيب محفوظ هو مزيج من مصطفى عبد الرازق (أستاذ الفلسفة الإسلامية في كلية الآداب التي التحق بها نجيب محفوظ في فجر شبابه) وسلامة موسى (الصحفي والمفكر الكبير في تلك الفترة). مزيج من النظرة المستنيرة إلى التراث العربي والإسلامي، والتطلع إلى التجديد الحضاري والدعوة إلى العدالة الاجتماعية ورد الاعتبار للجذور القديمة للشخصية المصرية.
لقد امتزج الأستاذان في شخص نجيب محفوظ للشخصية المصرية. وخرجت من هذا الامتزاج شخصية فكرية وأدبية جديدة، مليئة بالحيوية والاستقلال والموهبة.
- محب نادر لمصر، شديد الارتباط والإخلاص للمكان ويوضح رجاء النقاش أهمية هذه الصفة بقوله: " أن الأديب الحقيقي إنما يقيم عمله الفني على أساس الاختيار، وهذا الاختيار عادة نابع من تجاربه ومن الحياة التي يعرفها ويستطيع أن يجد فيها مادته الفنية التي يتفاعل بها تفاعلا صحيحاً"؛ لذلك "فقد التزم نجيب محفوظ من بداية إنتاجه الأدبي حتى الآن بالكتابة عن واختار مادته الأساسية من البيئة الشعبية في مدينة القاهرة، وهي البيئة التي عاش فيها وأحبها مصر، واختار مادته الأساسية من البيئة الشعبية في مدينة القاهرة ، وهي البيئة التي عاش فيها وأحبها وأخلص لها وفهمها أعمق الفهم".
- قدرة على مخاطبة الإنسان في وطنه إلى جانب قدرته على مخاطبة الإنسان في أي مكان، لأنه من " خلال إخلاصه العميق للبيئة العربية المحلية في مصر، تمكن عن الارتفاع في تصويره لهذه البيئة إلى المستوى الإنساني العام ".
ضوابط واعية
بعد أن رصد الناقد ملامح نجيب محفوظ العامة، التي قد يشترك فيها مع آخرين، ثم أضاف ملامح خاصة تميزه كفنان، وهي- جميعا- صفات لا يملك الفنان من أمرها شيئا، لأنها جزء من تكوينه، أضاف رجاء النقاش جانبا مهما من (الضوابط) التي يضعها الفنان (بوعي)، حتى يستقيم أمره ويستقر في عمله الفني. بدت هذه الضوابط تارة (كقرارات) ألزم نجيب محفوظ بها نفسه، وبدت تارة أخرى (كخبرات) استمدها من واقع مسيرته في الحياة والفن. ويمكن إنجاز هذه الضوابط كما يلي:
"التركيز على مهنة الكتابة، وفرض على نفسه- طائعا وسعيداً - قدراً عاليا من الاستغناء غن أي شيء آخر".
"حرص منذ بدايته الأدبية سنة 1932 ألا يكتب إلا باللغة العربية الفصحى ، ومن آرائه "أنه يكتب لكل العرب ولا يكتب للمصريين فقط"، وهذا الرأي عند نجيب محفوظ يعكس إحساسه القومي السليم، فهو يؤمن بأن الثقافة تقف في مقدمة عناصر التوحيد بين الأقطار العربية المختلفة ، وإن اللغة عنصر رئيسي من عناصر الثقافة العربية الواحدة".
- حرص على تنمية ثقافته على الدوام، فهو يتابع كل ما هو جوهري في الفن والفكر ، مما جعله كاتبا معاصرا على الدوام.
- المثابرة والدأب والانتظام في العمل.
- "الواقعية في النظر في الأمور، فلم يخدع نفسه أبداً، ولم يكن يتعلق على الإطلاق بأي أحلام صعبة أو طموحات مستحيلة".
-إيمانه الراسخ الأول الوحيد لأي نوع من أنواع النجاح"، "لذلك حرص على الاجتهاد في تقديم أفضل ما لديه، ثم يترك النتائج تأتي وحدها دون أن يجرى وراءها أو يرهق نفسه بما تحقق منها وما لم يتحقق".
- الرفض الكامل لأن يربط بين ما يكتبه وبين عملية النشر؛ لأنه "منذ بدايته لا يكتب بناء على طلب الخارج ، بل هو يكتب فقط ما يحس به وما يعبر عن تجربته، فإن لم يجد ما يكتبه توقف عن الكتابة ، فالدافع الأساسي للكتابة دافع داخلي، وليس دافعاً خارجيا".
- رفض طيلة حياته أن يعمل بالسياسة؛ لأن ذلك كان كفيلا أن يجره إلى دوامة عنيفة تعوق عمله الأدبي.
- وضع خطا فاصلا بين الأدب والصحافة ، ورفض العمل بالصحافة رفضا قاطعا برغم الإغراءات الكثيرة التي قدمتها إليه مؤسسات صحفية كبرى ليترك وظفينه ويتفرغ للعمل الصحفي.
- لم يتعجل الزواج وبناء أسرة حتى تجاوز الأربعين، حتى لا يربك حياته في مراحلها الأولى بمسئوليات قد تؤدى إلى تعطيله عن إعطاء أدبه ما يحتاج إليه من تفرغ واهتمام.
- وبعد أن تزوج حرص على أن يكون هناك فاصل دقيق بين حياته العامة وحياته الخاصة ، فالاختلاط بين الحياة العامة والخاصة كثيرا ما يؤدي إلى الاضطراب والفوضى في كل شيء.
- حرص على الاندماج مع الناس، ويوضح الناقد ذلك قائلا: " نجيب محفوظ من هؤلاء الفنانين العظماء الذين يعيشون بالعمق، ولا يعيشون بالعرض ، أي أنه لا يحب الحياة المزدحمة بالأشخاص والأحداث والأماكن الكثيرة، لأن هذا الازدحام يؤدى إلى السرعة في الفهم والشعور، بينما يؤدي الاختيار المحدود للناس والأماكن إلى العمق في المعرفة والإحساس".
رحلته الفنية
يحدد رجاء النقاش أهم إنجازات الروائي العربي نجيب محفوظ في مجال الرواية، فيقول: "بدأ نجيب محفوظ يكتب وليس أمامه طريق ممهد ومسبوق فصنع بجهده وعبقريته هذا الفن العظيم، الذي أصبح بفضله من فنون العرب الرئيسية وهو فن الرواية. ولم يكتف نجيب محفوظ بأن يحمل على كتفيه هم تأسيس هذا الفن، بل ثابر واجتهد وبذل جهداً غير عادي لتطويره حتى أصبحت كتاباته مقبولة ومحبوبة من الأجيال الجديدة التي ظهرت في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات".
وعبر فصول القسم الثاني من الكتاب "الفن والإنسان في أدب نجيب محفوظ ". يرصد التطور الروائي للكاتب حين يقول: "منذ أن أنهى نجيب محفوظ الثلاثية المعروفة "بين القصرين وقصر الشوق والسكرية"، وهو يشق لنفسه طريقا جديداً في الفن والفكر على السواء ".
أما ملامح الطريق الجديد، فهي أولا في (الأسلوب) ؛ "فأسلوب نجيب محفوظ قد تغير إلى حد بعيد. لم يعد ذلك الأسلوب البطيء المتأني الذي لا تفوته كبيرة أو صغيرة بل أصبح أسلوبا سريعا، لا يقف أمام التفاصيل. إنه يتجه إلى العموميات أكثر "إنه أسلوب شعري: جمله قصيرة، مليء بالتوتر".
ويلح على الجانب الشاعر في أكثر من موضع: " فقد أصبح أسلوبه مليئا بالندى الشاعري الحلو، بعد أن كان موضوعيا قاسيا وأصبحت كتابته ذات موسيقى داخلية تتسرب إلى روحك تسربا عميقا".
وبعد أن أشار إلى ملمح التغير في (الأسلوب) ، يوضح ما صاحبه من تغير في (بناء) الروايات، فإذا نجيب محفوظ "ينتقل من الاهتمام بالتفاصيل إلى الاهتمام بالمشاكل الكلية العامة. ويتحول من ذلك الفنان الذي كان همه أن يعطينا أدق تفاصيل البيئة المحلية التي نعيش فيها، إلى فنان يعرض ويناقش مشكلة إنسانية عامة ، تعنى البيئة المحلية كما تعني الإنسانية كلها".
هنا، لا يتوقف عند رصد ملامح التغير في الطريق الجديد فقط ، بل هو يبحث جاهدا عن (تفسير) لهذا التطور، فنجده تارة في "أن نجيب محفوظ قد انتقل من النزعة الطبيعية التي سيطرت على إنتاجه حتى الثلاثية إلى شيء جديدا لا أجد اصطلاحا نقديا ينطبق عليه بدقة، ولكنني سأسمح لنفسي بأن اسمية باسم "الواقعية النقدية ". وهذا التطور من الناحية الفنية قد حمل معه تطورا آخر يسير إلى جانبه وينبع منه. فقد انتقل نجيب محفوظ من الإغراق في "المحلية" وبدأ يخطو خطوات أولى في طريق التعبير عن المشكلة الإنسانية العامة وبعبارة أخرى بدأ يسير في طريق "النزعة العالمية".
لم يكتف الناقد بهذا التفسير لتطور نجيب محفوظ . إنه يحفر عميقا محاولاً تلمس جوانب أخرى ، يعبر عنها بقوله: "في المرحلة الأولى من حياة نجيب محفوظ الفنية، وهي المرحلة التي انتهت بالثلاثية المعروفة كان نجيب محفوظ يجمع في شخصيته بين المؤرخ والفنان في نظرته إلى الواقع الذي يصوره، أما في المرحلة الجديدة التي جاءت بعد الثلاثية فقد أصبح نجيب محفوظ في نظرته إلى الواقع أشبه بالشاعر، ومهمة (المؤرخ الفنان) هي تسجيل الواقع تسجيلا أمينا دقيقا والكشف عن أسراره وخفاياه، أما مهمة الشاعر فهي التعبير عن هذا الواقع تعبيرا وجدانيا غنائيا".
تغيرات المرحلة الجديدة
ثم يرصد الناقد (ملمحا) آخر للتغير في المرحلة الجديدة ، حيت يقول: "ونستطيع أن نلاحظ التغيير الجديد عند نجيب محفوظ حتى من عناوين رواياته الأخيرة، فقد انتهت تماما نزعته إلى تسمية رواياته بأسماء الأماكن التي وقعت فيها، ومن أسماء رواياته الأخيرة: "أولاد حارتنا" و "اللص والكلاب" و "السمان والخريف" ثم "الطريق"..إلخ ، وكل هذه الأسماء تثير معنى في النفس دون أن تكتفي بالإشارة إلى مكان معين هو البيئة المادية للرواية ".
ويفسر مغزى هذا التغير، حين يقول: "إن نجيب محفوظ لا يهتم بتصوير هذه البيئة تفسيراً دقيقا واقعيا، مسرفا في دقته وواقعيته، كلا، إنه يرسمها رسماً عاماً، وفي خطوط قصيرة، ذلك لأن هذه البيئة لم تعد تعني شيئا في حد ذاتها، بل أصبح لها معنى رمزي" ؛ و "لأن الذي يهم الفنان هو أن يصور المدينة في نفس البطل أما المدينة الواقعية فلا تعنيه"، ثم يضيف رجاء النقاش ملمحا جديدا، بأن نجيب محفوظ "قد أصبح يميل ميلاً واضحاً إلى خلق بطل أساسي واحد في كل رواية، بينما في المرحلة الأولى يميل إلى عكس ذلك "، كما "أصبح لكل رواية مركز رئيسي تدور حوله وتتحرك بسببه ". وهو لا يكتفي برصد الملمح، بل يمضي كعادته ملتمسا (تفسيراً) له، ويرجع هذا الميل إلى أنه " من دون شك رغبة في التركيز الذي هو طابع المرحلة الجديدة في أدب نجيب محفوظ وهو يقوم بالتجميع والتقطير بدلا من رسم الصور ال (سكوب) للحياة والناس. وهو في هذا التركيز يقترب من طبيعة. الشعور والنظرة الشعرية". " ثم ينتقل إلى استكشاف ملامح (البطل الجديد) في روايات ما بعد الثلاثية ، فيقول " إن البطل الجديد عند نجيب محفوظ واحد من الذين يولدون ويخرجون عن الطابور العادي، ويقفون على تل مرتفع في الذكاء والحساسية ثم يكتشفون أن حياة الإنسان ليست "مستوية" كما تبدو من النظرة العادية. بل إنها تطل على هوة كبيرة مجهولة ". ويصل إلى نتيجة مفادها الإنسان عند نجيب محفوظ في مرحلته الجديدة إنسان له استقلاله الذاتي الخاص، إنسان له وجوده الداخلي الذي يتميز تميزا كاملا عن غيره، إنسان يمكن أن يوجد في أي مكان من العالم، لأنه بقلقه الخاص وهمومه الخاصة ينفصل عن بيئته بقدر ما يرتبط بصفته الإنسانية العامة أولا وقبل كل شيء.
ويوضح في تحليله لرواية "الشحاذ": أن البطل يريد أن يعرف، ونغمة البحث عن المجهول ترتفع في رواية الشحاذ ارتفاعا حاداً عنيفا. ولعل أعمق ما يجرى في داخلنا اليوم هو هذا الحنين إلى المعرفة".
يحلق الناقد في فضاء النص الأدبي، ليربطه بواقعنا المعيش حين يقول " في اعتقادي أن داخل رواية "الشحاذ" وفي أعماقها دعوة إيجابية كبرى تمس روح حضارتنا العربية كلها " ثم يستطرد: "إنها دعوة للإنسان العربي في مصر وغيرها لكي يقتحم الخطر ولا يقف عند الحدود الناعمة الساذجة للحياة، وإلا طمسته رياح التغيير الكبيرة العنيفة التي تهب على العالم. إن هذه الرواية أغنية من أجل " سوبر مان " عربي، من أجل إنسان يحلق في الفضاء وينزل إلى باطن الأرض. إن المعادل العلمي لرواية نجيب محفوظ المليئة بالشعر هي أن يكون في بلادنا جيش من العلماء يبحثون عن إجابة للأسئلة الكبرى الحائرة التي دارت في ذهن بطل الشحاذ ووجدانه، ولم يجد لها حلا فتحطمت حياته..ولكن بقي رمزاً عظيما للمحاولة. للجهد الكبير في البحث عن المجهول ". ونحن وإن قمنا بإطلالة (سريعة) من خلال منظور الناقد رجاء النقاش، على مرحلة مهمة من مراحل تطور كاتبنا الكبير نجيب محفوظ ، فإنها لا تغني أبداً- بل قد تحفز- عن قراءة متأنية، تستمع بأسلوب الناقد رجاء النقاش وهو يستكشف لنا مواطن الجمال في رواية "الحرافيش" أو وهو يثير قضايا أخرى تتعلق بأدبه..
حسين عيد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
*المصدر: مجلة "العربي".
الرابط: http://www.alarabimag.com/arabi/common/showhilight.asp
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:20 AM
المرأة في أدب نجيب محفوظ
بقلم: عبد الهادي صابر
...........................
صورة المرأة تعد مرآة تعكس قيم وثقافة المجتمع الذي تنتمي إليه، وقد يعكس النتاج الأدبي للمجتمع الوضع الصحيح للمرأة داخله، وقد يعكس صورة مشوهة، فإذا نظرنا لبعض الأعمال الأدبية فإننا نجد تشويها متعمدا لصورة المرأة في المجتمع العربي، فهناك بعض الأدباء يجنحون بالمرأة في أعمالهم ليعكسوا صورة مغلوطة أو تحمل جانبا واحدا من وضعية المرأة داخل مجتمعها ليعمم هذا الجانب السيئ على جميع نساء المجتمع.
وإذا نظرنا للأدباء الذين نقلوا صورة مشوهة للمرأة في المجتمع المصري نجد "نجيب محفوظ" متصدرا هؤلاء، فقد اتخذ محفوظ من عالم المرأة إطارا لمناقشة قضايا ذات أبعاد عدة ووظفها بصورة سيئة؛ فصورها فتاة ليل وصورها بالعاهرة وصورها أيضا بالعاشقة.أما صورة المرأة المكافحة العفيفة، والفلاحة المصرية المجاهدة لم تجد لها مكانا في روايات نجيب محفوظ، رغم أن نجيب محفوظ ـ في كل أعماله ـ شكلت المرأة جانبا مهما، حيث يظهر شغفه الهائل بعالمها وما يكتنفها من غموض وأسرار وما يحيط بها من محاذير، واقتحم نجيب محفوظ هذا العالم ليقدم تأريخا لعالم المرأة بكل عنفها وصخبها وضجيجها وإحجامها ومراوغتها.
لقد قدم نجيب محفوظ المرأة على أنها سلبية خنوع خائفة متداعية سليطة اللسان سيئة الخلق ساقطة، سواء بإرادتها أو بإرادة الآخرين ومن خلال أعمال نجيب الروائية سنقدم بعض شخصيات رواياته النسائية التي استخدمها في هذه الأعمال وكيف كان يوظف صورة المرأة في أعماله، على العكس لم يقدم نجيب محفوظ المرأة على أنها السيدة المكافحة التي تقوم على تربية الأبناء أو الواقفة بجوار زوجها، لكنه استخدمها في أسوأ صورة، وما يأتي من أمثال يوضح ذلك.
ففي رواية "القاهرة الجديدة" توجد شخصية "إحسان شحاته" وقد وظفها نجيب محفوظ في هذا العمل على أنها طالبة معهد التربية، شديدة الفقر، تعيش في أسرة مثقلة بأعباء الحياة، ولكنها تشعر بقوة جمالها كما تشعر بقسوة فقرها، وفي غمار هذه المشاعر المتضاربة تسقط إحسان صريعة لمجتمع لا يعترف إلا بالثروة والنفوذ، تسوده المحسوبية والانتهازية وتحكمه البراجماتية القاسية، مجتمع لا يعترف بحق الحياة الكريمة لأفراده، ولم لا وهو مقطع الأوصال بين فساد سياسي تحكمه الأهواء والمصالح وظلم اقتصادي يظهر في سوء توزيع الثروة؟ وبين هذا وذاك تلعب إحسان دورها ببراعة في مسرحية عبثية هزلية مأساوية، في الوقت ذاته يخرج فيها جميع الممثلين عن النص ثم يسقطون جميعا صرعى في مشهد النهاية.
وفي رواية "زقاق المدق" يأتي نجيب محفوظ بشخصية "حميدة" وهي فتاة جملية تعيش بين شخصيات زقاق المدق الذي تصفه في النهاية بأنه زقاق العدم، وحميدة كما يصورها "نجيب محفوظ" في الرواية هي شخصية شديدة الطموح شديدة الطمع، عيونها الجميلة تتطلع إلى ما هو أبعد من عالم الزقاق وقلبها يخفق لمرأى البنات الجميلات وهن يرفلن في ملابسهن الجميلة، فلا تملك إلا أن تقول ما قيمة الدنيا بدون الملابس الجديدة، حميدة متمردة شغوف بأن تعيش حياة أخرى في عالم آخر ولم تكن الظروف تعمل لصالحها دائما حينما قذفت بنفسها إلى قلب المدينة الصاخبة وهي تعيش في أجواء الحرب العالمية الثانية، وكانت الحرب بآثارها المادية والاجتماعية هي التي دفعت بحميدة إلى الانحراف كما يذكر نجيب محفوظ متناسيا أن الدين والقيم يجب أن تصون الأعراض وتحفظ المرأة من الوقوع في براثن الخطيئة.
نأتي إلى ثلاثية نجيب محفوظ وهي مليئة بالشخصيات النسائية المتحررة، وهذا واضح في شخصية "سوسن حماد" زوجة الحفيد "أحمد عبد المنعم" في رواية "السمان والخريف" توجد شخصية "ريري" وهي نموذج فريد للفتاة المنحرفة التي تخرج ليلا ولا تعود إلا في الفجر، وأصبحت ماعونا ملوثا لكل من هب ودب، ثم تقرر العودة للأخلاق.
وحول هذه الشخصية تقول الدكتورة "نعمات أحمد فؤاد"ـ في مقال لها نشرته صحيفة "الأهرام" القاهرية ـ إن نجيب محفوظ كثيرا ما قدم نماذج سيئة للمرأة لكنه قرر بعد ذلك أن يتصالح مع المرأة ويقدم نموذجا للكبرياء المتسامح والقدرة على الصمود أمام الإغراء والزهد في الإثم الذي ذاقت هوانه وتعاسته وذلك في رواية الثلاثية.
أما شخصية "نفيسة" في رواية "بداية ونهاية"فيصورها نجيب محفوظ على أنها ساقطة يائسة، ويعلل ذلك بفقرها وجهلها ودمامتها، وهي شابة في مقتبل العمر، يمتلئ جسدها بالحيوية والرغبة في الحياة، ولكن وجهها الدميم يخذلها وجهلها يقودها مغمضة العينين إلى مصيرها المحتوم وفقرها لا يترك لها أملا في الزواج، لقد تحالف عليها ما يدمر حياة أي فتاة، ولو كانت نفيسة غنية لربما وجدت من يتغاضى عن دمامتها ويتناسى قبحها، وربما وجدت من يغفر زلتها ويعفو عن خطيئتها فالشرف قيد لا يغل إلا أعناق الفقراء وحدهم، نفيسة أقرب ما تكون إلى ملامح البطل التراجيدي الذي تضعه الحياة في مأزق، وقد زلت قدم نفيسة فماتت مرتين، يوم أن استسلمت لضعفها ويأسها ويوم أن قفزت إلى أعماق النيل بلا رجعة.
في رواية "ميرامار" نجد شخصية "زهرة"ابنة الريف الفلاحة الجميلة التي هربت من قريتها لتعمل خادمة في "بنسيون" ميرامار بالإسكندرية يطمع فيها جميع نزلاء البنسيون.
هذه كلها نماذج توضح أن عالم المرأة لدى نجيب محفوظ هو من أسوأ الشخصيات، وقد اتخذ نجيب محفوظ هذه الشخصيات الساقطة عن عمد، ولم يفسر لنا ما المقصود باختياره لهذا السقوط حيث جعل المرأة تسبح في عالم الرذيلة دون رادع من قيم أو دين أو أخلاق، متجاهلا نماذج مشرفة يذخر بها المجتمع المصري، وبذلك ظلم نجيب محفوظ المرأة عشرات المرات في أدبه.
................................
*نقلاً عن موقع: لها أون لاين.
*الرابط: http://www.lahaonline.com/index.php?option=content&task=view&id=2269§ionid=1
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:21 AM
في صحبة نجيب محفوظ : حين يصبح الوجود إبداعاً حياً
بقلم: د. يحيى الرخاوي
..........................
تهنئة حارة إلى أديبنا الكبير نجيب محفوظ بمناسبة عيد ميلاده السادس والثمانين.
في أصداء السيرة الذاتية يقول نجيب محفوظ : (تذكرت كلمات بسيطة, لا وزن لها في ذاتها, مثل (أنت), (فيم تفكر), (طيب), (يالك من ماكر).. ولكن لسحرها الغريب الغامض جن أناس, وثمل آخرون بسعادة لا توصف).
كانت تلك بداية الانتباه إلى فضل الله علينا بمعاشرته بعد ما كان, فكانت مفتاح تهنئتي له بعيد ميلاده السادس والثمانين, فقد شاء سعد حظي أن أرافقه ثلاث سنوات وشهرا, عدة مرات كل أسبوع, لأتعلم منه كل هذا: هكذا, وأنا لا أظن ـ ولا أذكر ـ أنني جلست مثل هذا الساعات مع أبي شخصيا ـ طوال خمس وثلاثين سنة ـ لا تسعة وثلاثون أسبوعا ـ هكذا وجهاً لوجه, قلبا لوجدان, لسانا لأذن, وبالعكس.
عرفته بكل هذا القرب بعد الحادث القدر, وكان قد توقف عن القراءة قبل ذلك, ثم توقف عن الكتابة بعد الحادث, ففزعت أشد الفزع وآلمه, ورحت أتساءل كيف يمكن لهذا العقل البشري, لهذا الوعي الخلاق, لهذا الإنسان الحاد التلقي الغامر الإبداع, كيف يمكنه أن يستمر ? وقد ظل أكثر من سبعة عقود يتلقى ليرسل, يتمثل ليقول, يستوعب ليبدع, كيف يمكنه أن يستمر دون قلم وورقة ? دون نشر وهجه المتجدد يضيئ وعينا المتلهف, دون تلوين وتشكيل وإعادة تشكيل ? دون استلهام إلهي, أو وجد نبوي ? وحين لم تسعفني الإجابة جزعت, وصبرت, وأملت, وثابرت, فإذا بعشرتي له وتلمذتي على هدي خطاه الوديعة على أرض الواقع اليومي تخفف عني ما أصابني من ألم, وما تصورت من عجز, إذ راح شيخنا الجليل يجيب عما حيرني بما هدانا الله إليه, فجاءت إجابته ـ من واقع حركتنا اليومية ـ تحقق لي فرضا طالما شغلني, وهو: إن الحياة الحقيقية هي الإبداع الحقيقي: قبل ودون أي ناتج إبداعي آخر خارج عن ذات صاحبه. (خارج (عن), وليس (من)ذات صاحبه).
قيل وكيف كان ذلك ?
التعايش مع القدر
رحت أتأمل اختراقه لكل ما أصابنا إذ أصابه, رحت أتابعه وهو يروض القدر بفعل هادئ طيب صبور, ساعة بعد ساعة, يوما بعد يوم, جلسة بعد صحبة, حديثا بعد نكتة, فعاينته وعايشته وهو يبني معمارا جديدا هو ما أسميته في رثائي لأستاذنا محمود شاكر: الإبداع حي ـ حي (استعارة من التعبير صواريخ جو ـ جو), أعني الإبداع الذي يصل مباشرة من وعي يتخلق إلى وعي يتشكل, دون حاجة لأن يصاغ في رموز خارج ذات صاحبها, وأنا لا أعني بذلك ـ فقط ـ ما يشبه العلاقة الصوفية التي تتم بين الشيخ ومريديه, ولكني أتذكر أيضا علاقة الطفل بأمه (وكلاهما يعاد تشكيله إذا صحت العلاقة الجدلية) كما أتذكر علاقة الولي بحوارييه قبل الوحي وبعده, وبمعايشة هذا الحل الرائع الذي وفقنا الله إليه بفضل حيوية وشجاعة شيخنا الجليل تأكد لدي ضرورة التنبيه لخطأ شائع: حين يقتصر استعمال كلمة (إبداع) على ما ينتجه البشر لا على ما (يكونونه), ما ينتجه من يسمون: (المبدعون) في المجال الثقافي أو الأدبي أو الفني أو العلمي.
وقد شغلني هذا الأمر من قديم حتى وضعت سلسلة من الفروض والنظريات تحاول التنبيه إلى ابداع الشخص العادي خلال اليوم العادي, فرحت أقدم الحلم باعتباره (إبداع كل الناس كل ليلة وكل غفوة), كما ربطت بين الإيقاع الحيوي (العادي) ونبض الإبداع, كذلك دأبت على التأكيد على دور إبداع القارئ العادي باعتباره ناقدا مبدعا يعيد صياغة النص أبداً, كما كررت إصراري على أن الفلسفة هي فعل حياتي يمكن أن يمارسه شخص أمي, من حيث إنها ـ الفلسفة ـ موقف نقدي, وتساؤل طازج, ورؤية شاملة, وكلما زعمت ذلك انقضت على الاعتراضات والاحتجاجات من أهل الصناعة وصفوة المتخصصين, وبديهي أنني كنت أتراجع أمام هذا الرفض الجماعي المتكرر, فلما عايشت هذه الخبرة الفريدة مع شيخنا الجليل, سمحت لنفسي أن أتراجع عن التراجع.
أكرمني الله بصحبة هذا الإنسان المصري الطيب الرائع كل هذا الوقت, صاحبته وقد كف عن القراءة والكتابة, ووهن سمعه وخفت بصره, لكنه لم ينهزم ثانية واحدة, فمنذ البداية حين وقفت متألماً منزعجا أتساءل بكل ألم: إذن ماذا ? أفاء الله علينا برحمته فألهم شيخنا هذا أن يمسك بيدي يقودني إلى معايشة هذا النوع من الإبداع اليومي الذي لا يحتاج من الأدوات إلا صدق الوعي وعمق اللحظة, وبعد أن شكلنا معاً حركة جدول الأسبوع, وبعد أن سمح لي حظي أن ألقاه عدة مرات كل أسبوع ما بين جلسات مفتوحة (وحرفشة) خاصة, تركت نفسي أستوعب ما يمارسه شيخنا فينا إذ نتشكل ـ هكذا ـ في حضوره الحي المبدع, فإذا بنا نتعرف على مقاييس أخرى للإبداع, مثل أن يخرج الواحد منا ـ من جلسته ـ غير ما دخل, أو أن يكتشف الواحد منا ـ وهو يتحدث إليه ـ غير ما قصد, أو أن يتذوق الواحد منا طعم الهواء الداخل إلى صدره غير ما ألف, كل ذلك من واقع هذه المعايشة البسيطة الصادقة العميقة, إذ راح شيخنا يقرؤنا ويكتبنا ثم يعيد كتابتنا, وهو لا يكتفي بهذا, بل يسمح لنا بأن نعيد قراءته واستقبالنا له, أي خبرة وأي تجربة!!.
تجربة الإبداع
وهكذا تصورت أنه قد تحقق (فرض إبداع الحياة في ذاتها لذاتها ـ ولو بدرجة ما ـ من خلال هذه التجربة الفريدة, إذ تأكد لي بجلاء كاف أن الإبداع ليس مقصورا على ما يكتب أو ينشر, ولا هو مقصور على تشكيل اللون أو تنغيم اللحن, وإنما الإبداع أساسا هو نوع الحياة التي يحياها الشخص, فحين يكون التلقي طازجا, والدهشة حاضرة, والتعلم مستمرا, والأسئلة لها نفس احترام ويقين الإجابات, تصبح الحياة ـ مجرد مرور اليوم عليك وأنت حي ـ إبداعا في ذاتها, مجرد أن تعي كيف تشرق عليك الشمس, أن تسمع همس أنفاسك, أن تتمتع بتأمل عروق ظهر يدك, أن تعني لمن تقول له (صباح الخير) أن (صباح الخير), أن تسمح لحلمك أن يبقى في وعيك بعض الوقت كما هو دون إضافة أو تأويل أو تفسير, كل هذا إبداع في إبداع, وقد عايشته مع شيخنا هذا, في زمننا هذا طوال ما يقرب من أربعين أسبوعا, فأثرى ذلك كل من شاركنا هذه التجربة الرائعة, فوجدت أن خير تهنئة له في عيد ميلاده هو أن أنشر خلاصة ما وصلني منها ـ هكذا ـ على الناس.
أولا: يصبح الوجود اليومي إبداعا حيا: إذا خرج الواحد من مجلس هذا المبدع مختلفا, وأظن أن هذا ما يحدث في كل جلسات شيخنا الجليل, يحدث بدرجات مختلفة لمعظم من يحضرها فلا يخرج منها إلا وقد تغير فيه شيء ما, شيء طيب وعميق: أحيانا بدرجة ما من التحديد, وأحيانا يصل إلى وعيي رغما عني منه أو أفرح به, وأحيانا أرجح أنه حدث ولا أدرك تفاصيله, فانتظر تراكماته مع غيره حتى أستبين.
ثانيا: يصبح الوجود اليومي إبداعا حيا: حين لا تمل من صحبة صاحبه رغم جدية أغلب ما يدور في جلسته, وأراهن لو أن أحدا جلس مع نجيب محفوظ ونظر في الساعة مرة واحدة يستعجل الوقت (بشرط ألا يطغى على جلسته جسم غريب لحوح لا يعرف طبيعتها).
ثالثا: يصبح الوجود اليومي إبداعا حيا: حين يستطيع المختلفون من الحاضرين حول هذا المبدع الحي أن يتحاوروا بشكل آخر, فيتحمل كل منهم الآخر بدرجة أكبر مما لو تواجهوا بعيدا عنه.
ومجلس نجيب محفوظ يشهد له بذلك.
رابعا: يصبح الوجود اليومي إبداعا حيا: حين تصبح التفاصيل الإنسانية البسيطة لها نفس أهمية ودلالات القضايا العامة, ففي عز انهماكنا ـ مثلا ـ في تعريف المثقف, أو مناقشة السوق الشرق أوسطية, يسأل نجيب محفوظ عن نتيجة فحص قلب جمال الغيطاني وعن مرض ابنة يوسف القعيد, وعن أخبار ابني في نيوزيلاندا, وعن صورة أشعة صدر توفيق صالح, وعن حالة معدة أحمد مظهر, وعن توقيت معاش جميل شفيق, وعن صحة عادل كامل في أمريكا, كل ذلك في جدة رقيقة عميقة, لا تشعر معها أنها مجاملة عابرة, أو واجب راتب, فنغوص دون أن ندري في عمق وجداننا معا, فنتخلق أرق وأقرب.
خامسا: يصبح الوجود اليومي إبداعا حيا: حين لا يسمى كذلك, حين يفقد المبدع صفته الشائعة فلا يبقى إلا حضوره الإنساني العادي, فأنت في جلسة نجيب محفوظ , لا تملك إلا أن تنسى أنك تجلس مع نجيب محفوظ الذائع الصيت الحاصل على نوبل, الكذا وكيت, بل إنه هو شخصيا أكثر واحد لا يلاحظ أنه ( نجيب محفوظ ) بل مجرد واحد منا: يقوم لكل قادم, ويرد على كل سائل, مهما صغر أو كان ضيفا يحضر لأول مرة. وبالتال يطغى هذا الحضور الإنساني الرقيق للمبدع الحيوي على بريق إبداعه المعلن الناتج منه بعيدا عنه, وكأن هذا الإبداع العادي هو الأرضية الأصل التي يمارس مثل هذا المبدع من خلالها حضوره الإيجابي في الحياة, فيصبح أحد مظاهر إبداعه ـ لا كلها ـ هو الناتج الإبداعي الذي يظهر في الأسواق عن طريق دور النشر, لكن أدوات هذا الإبداع الأصل المحيط تختلف عن تلك الأدوات الذائعة الصيت, فمحفوظ يقرؤنا ويكتبنا بكل اللغات, وكل من عاشره أكثر من مرة لابد أن يلاحظ لغات تحاوره المتعددة من أول الكلام السهل الممتنع فعلا, حتى الصمت المفعم, مارا بالإيماءة والتفويت, منحرفا إلى القفشة والنكتة, عائدا إلى المباشرة الشجاعة في الاختلاف وإعلان الرأي ورفض أية رشوة لمسايرة الأعلى صوتا أو الأكثر تشنجا, مع أنه لو ساير ووافق وشجب لرفعوه على الأعناق بطلا قوميا لا مأخذ عليه والعياذ بالله.
الشيخ الطفل
ثم إنك لابد أن تدهش لهذا الإنسان المصري الشيخ الطفل الطيب وهو يسألك عن تفاصيل اهتماماتك, ويشاركك في صلب همك, ويفرح ـ ربما أكثر منك ـ لفرحتك, رأيت ذلك وهو يتابع مشروع شركة سينمائية كلف بالإسهام في إنشائها توفيق صالح, وما كدنا نفرح ـ نحن الحرافيش ـ باحتمال عودة توفيق إلى الإخراج من خلال الفرصة المتاحة حتى أجهضت المحاولة, ونجيب محفوظ يتابع الأمر وكأنه هو الذي سوف يعاود الإخراج, ويأسف لإجهاض المحاولة وكأنه هو الذي ضاعت منه الفرصة, ثم إني عاينت فرحته الغامرة وهو يتابع عودة ظهور مجلة (الإنسان والتطور) التي أتشرف بحمل بعض مسئوليتها, ثم وهو يبعث لي شخصيا ببرقية تهنئة عبر الإذاعة: أنني قد وجدت ناشرا ينشر كل أعمالي, وهو يبتهج لتعليق محمد سلماوي على رواية نعيم صبري الأولى, وكأنه هو الذي يرى عمله الأول ينوه به في الأهرام.
هذا هو نجيب محفوظ الإنسان العادي, غير العادي.
فماذا يمكن أن يصل إلينا من إيجابيات هذه الخبرة ?
وهل استطعت أن أغري من يعتقد أنه حُرم ملكة الإبداع أن ينظر في نفسه فإذا هو مبدع فريد ليس كمثله أحد ?
وهل هذا هو بعض ما ينقصنا في عالمنا العربي اليوم: أن نتجاوز هذه الفجوة المزعومة بين صفوة مبدعة, وجمهرة تابعة ?
يا شيخنا الكريم:
كنت قد كتبت هذا المقال بمناسبة عيد ميلادك السادس والثمانين, أطال الله عمرك, لكنك رفضت كل مظاهر الاحتفال بهذا اليوم, مشاركة لأحزاننا أمام أحداث الأقصر الأليمة, فعدلت عن نشره, ثم لما عدت إليه, وجدت أن به هدية منك إلى الناس, كل الناس ليكونوا كما خلقهم الله: مبدعين إذ يعيشون صحيحا, وما أروع ذاك.
ـــــــــــ
*المصدر: مجلة «العربي».
مريم الجابر
08-30-2006, 11:22 AM
رحم الله الأديب نجيب محفوظ00
وشكرا لك د/حسين 00على هذه السيرة الطيبة للأدديب نجيب محفوظ0
دمت بود0
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:22 AM
من "أصداء السيرة الذاتية"
..............................
1-دعاء:
دعوت للثورة وأنا دون السابعة .
ذهبت ذات صباح إلى مدرستي الأولية محروسا بالخادمة. سرت كمن يساق إلى سجن. بيدي كراسة وفي عيني كآبة. وفي قلبي حنين للفوضى، والهواء البارد يلسع ساقي شبه العاريتين تحت بنطلوني القصير. وجدنا المدرسة مغلقة، والفراش يقول بصوت جهير :
بسبب المظاهرات لا دراسة اليوم أيضا.
غمرتني موجة من الفرح طارت بي إلى شاطئ السعادة ومن صميم قلبي دعوت الله أن تدوم الثورة إلى الأبد.
***
2-رثاء
كانت أول زيارة للموت عندنا لدى وفاة جدتي.. كان الموت ما زال جديدا، لا عهد لي به عابر في الطريق، وكنت أعلم بالمأثور من الكلام أنه حتم لا مفر منه، أما عن شعوري الحقيقي فكان يراه بعيدا بعد السماء عن الأرض. هكذا انتزعني النحيب من طمأنينتي، فأدركت أنه تسلل في غفلة منا إلى تلك الحجرة التي حكت لي أجمل الحكايات.
ورأيتني صغيرا كما رأيته عملاقا، وترددت أنفاسه في جميع الحجرات، فكل شخص تذكره وكل شخص تحدث عنه بما قسم.
وضقت بالمطاردة فلذت بحجرتي لأنعم بدقيقة من الوحدة والهدوء. وإذا بالباب يفتح وتدخل الجميلة ذات الضفيرة الطويلة السوداء وهمست بحنان : لا تبق وحدك.
واندلعت في باطني ثورة مباغتة متسمة بالعنف متعطشة للجنون. وقبضت على يدها وجذبتها إلى صدري بكل ما يموج فيه من حزن وخوف.
***
3-دين قديم:
في صباي مرضت مرضاً لازمني بضعة أشهر. تغير الجو من حولي بصورة مذهلة وتغيرت المعاملة ولت دنيا الإرهاب، وتلقتني أحضان الرعاية والحنان. أمي لا تفارقني وأبي يمر عليّ في الذهاب والإياب. وأخوتي يقبلون بالهدايا لا زجر ولا تعيير بالسقوط في الامتحانات.
ولما تماثلت للشفاء خفت أشد الخوف الرجوع إلى الجحيم. عند ذاك خلق بين جوانحي شخص جديد، صممت على الاحتفاظ بجو الحنان والكرامة، إذا كان الاجتهاد مفتاح السعادة فلأجتهد مهما كلفني ذلك من عناء ، وجعلت أثب من نجاح إلى نجاح، وأصبح الجميع أصدقائي وأحبائي. هيهات أن يفوز مرض بجميل الذكر مثل مرضي.
***
4-الحركة القادمة
قال برجاء حار :
جئتك لأنك ملاذي الأول والأخير.
فقال العجوز باسما:
هذا يعني أنك تحمل رجاء جديدا.
تقرر نقلي من المحافظة في الحركة القادمة .
ألم تقض مدتك القانونية بها ؟ هذه هي تقاليد وظيفتك فقال بضراعة :
النقل الآن ضار بي وبأسرتي.
أخبرتك بطبيعة عملك منذ أول يوم .
الحق إن المحافظة أصبحت وطنا لنا ولا غنى عنه.
هذا قول زملائك السابقين واللاحقين، وأنت تعلم أن ميعاد النقل لا يتقدم ولا يتأخر.
فقال بحسرة :
يا لها من تجربة قاسية !
لم لم تهيئ نفسك لها وأنت تعلم أنها مصير لا مفر منه.
***
5-مفترق الطرق
عرفت في بيتنا بأم البيه - حتى اليوم لم أعرف اسمها الحقيقي فهي عمتى أم البيه. تجلس في حجرتها فوق الكنبة متحجبة مسبحة، كلما طمعت في مصروف إضافي تسللت إلى مجلسها. وعلى فترات متباعدة تقف سيارة أمام بيتنا الصغير فيغادرها البيه، قصيرا وقورا مهيبا ، يلثم يد أمه ويتلقى دعاءها.
زيارة تنفخ في البيت روحا من السرور والزهور، وقد تحمل إلي علبة من الحلوى، رجل آخر يتردد على أم البيه كل يوم جمعة. صورة طبق الأصل من البيه غير أنه يرتدي عادة جلبابا ومركوبا وطاقية وتلوح في وجهه أمارات المسكنة. وتستقبله عمتي بترحاب وتجلسه إلى جانبها في أعز مكان.
حيرني أمره.
وحذرتني أمي من اللعب في الحجرة في أثناء وجوده.
ولكنها لم تجد بدا في النهاية من أن تهمس لي:
إنه ابن عمتك !
تساءلت في ذهول : أخو البيه؟
أجابت بوضوح :
نعم .. واحترمه كما تحترم البيه نفسه؟
وأصبح يثير حب استطلاعي أكثر من البيه نفسه.
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:27 AM
نجيب محفوظ: ملاحقة المعنى
بقلم: إبـراهيم عبـد المجيـد
...............................
هـذا كتـاب بـاللغة الإنجيليزية للبـاحث المصري الـدكتور رشيـد العنـاني المحـاضر في الـدراسـات الإسلاميـة والعـربيـة في جـامعـة إيكستر Exeter بإنجلترا، ومترجم روايـة "حضرة المحترم" لنجيب محفـوظ إلى الإنجليـزية، والمترجم، أيضـا، لمسرحيـة "علي جناح التبريـزي وتـابعه قفة" لألفـريد فـرج.
الكتاب منشور هذا العام - 1993 - عن دار روتلدج Routledge في إنجلترا وأمريكـا في وقت واحـد ضمن سلسلة الثقافة والفكـر العـربي Arabic Thought And Culture وهي سلسلة تعني بتقديـم الشخصيات والحركـات الكبرى في الفكـر العربي.
الملاحظـة الأولى، والمهمة، على هذا الكتاب هي، العنـوان. فكلمـة " Pursuit" تعني متـابعـة الشيء وملاحقته واقتفاء أثره وتعقبه وما إلى ذلك، والقارئ للكتـاب يكتشف أن المؤلف يـرفـض التقسيم الكلاسيكي لأعمال محفوظ إلى مراحل ثابتة، ويؤكد على تداخل المراحل وتطور العديد من المعاني ونحوها من عمل إلى عمل، حتى أن بعض الأعمال تكـون توسيعا لأفكار بدأت جنينية في أعمال سابقة.
الباحث الدكتور رشيد العناني يتعقب هذه الأفكار، ويلاحقها بالدرس والتحليل العميق المتأني ليقدم صـورة، سهلة، وشاملة، وعميقـة لعالم كاتبنا الكبير حامل نوبل نجيب محفوظ . والحقيقة أن هذا اكتشاف قديم في أعمال نجيب محفوظ وأهميته هنا هي في تأكيده بالبحث والتحليل وشكل واسع وحاسم ولأول مرة بهذا الوضوح، ولقد قلت أنا مرة في حديث لي - مازحا بالطبع - إن نجيب محفوظ استطاع أن يأخذ النقاد من أنوفهم ويسحبهم في طرق أعدها لهم سلفا في رواياته بحيث تجد امتدادا لكثـير من الأفكار المبثوثة في قصصه الواقعية، وقـد قـامت وانتصبت في قصصه الفلسفية كموضوعات أساسية.
والكتاب وهو يسعى لتأكيد هذه الحقيقة يقدم تحليلا عميقا وشاملا لأعمال محفوظ - حتى عام 1989 - للقارئ الغربي، وهو بالتأكيد سيكـون قاعدة مهمة لدراسات تالية لباحثين آخرين وسيأخذ مكانه كمرجع مهم يقول عنه صاحبه:
"في العشرين سنة الأخيرة، وبالتحـديـد منذ نهاية الستينيات، حيث أخذت حياة نجيب محفوظ منحنيات جديدة، وأبدع كتبا جديدة، ظلت الحاجـة إلى كتاب يدرس هذه المرحلة، ويردم الفجوة بينها وبين ما قبلها.. وبعد جائزة نوبل صارت الحاجة إلى تقييم جـديد وطازج سواء للقارئ المتخصص أو القارئ العادي. وهذا الكتاب، كـما يأمل مـؤلفه، يمكن النظر إليـه كمجهود في هذا الاتجاه.
هذا وقد اعتاد النقاد تقسيم أعمال محفوظ إلى ثلاث مراحل هي:
1 - المرحلة التاريخية/ الرومانسية
2 - المرحلة الواقعية/ الطبيعية
3 - المرحلة الحديثة/ التجريبية
ثم أضافوا إليها مرحلة رابعة هي مرحلة الشكل التراثي، وهي المرحلة التي سيشير إليها هذا الكتاب باسـم الروايات الأبسـودية Episodi ( الرواية الاستطرادية) هذا التقسيم السابق كلـه غير معتمد في هـذا الكتـاب. إن الـذين اعتبروا الكتـابـات التاريخية/ الرومانسية مرحلة لا شك قد أخـذتهم المفاجأة بكتابات محفوظ التاريخية الأخيرة، ولـو أنها ليست رومانسية. هذه الكتابات التي تفصلها أربعون سنة عن الكتابات السابقة.
والكتاب بعد المقدمة التي أوجـزناها يشتمل على ثمانية فصول هي على الترتيب: الكاتب وعالمه، البحث في الماضي عن الحاضر، آلام الميلاد الجديد والصراع بين الماضي والحاضر، الـزمن والإنسـان: أربـع مـلاحم مصريـة، الحلم المجهض على الأرض كـما في السماء، وتهشيم الزمان: الروايات الأبسودية، وقضايا الشكل: دراسـة في حضرة المحترم، ثم أخيرا صـورة اللـه، والموت، والمجتمع في القصص القصيرة والمسرحيات.
وحين ينتهي المؤلف من هذه الفصول الثمانية يكون قد قام بتحليل ودراسة جميع روايات محفوظ من عبث الأقدار حتى قشتمر، وجميع مجموعاته القصصية من "همس الجنون" حتى "الفجر الكاذب".
عن الكاتب وعالمه
الحارة هي عالم نجيب محفوظ الجميل سواء حملت هذه الحارة اسما كـما هو في أعماله الأولى أو جاءت بلا اسم كما هي في أعماله الأخيرة.
لقد ولد نجيب محفوظ عام 1911 بحي الجمالية الشهير بالقاهرة، وغادر الجمالية مع أسرته عام 1924 إلى حي العباسية. لكن هذه السنوات الثلاث عشرة التي قضاها في الجمالية هي التي تركت أثرها الكبير عليه، وهي ما شكلت وجـدانه، وهي منبع إلهامه الكبير. لا يبتعد محفوظ عنها في أعمالـه إلا ويعود إليها، وكلما تقـدم به العمر عاد إليها بشدة. وبحسب قول محفوظ نفسه فإن تقدم العمر يؤكد للإنسان أن أصله هو الحقيقة الباقية في هذا العالم الغريب. إن العودة إلى الطفولة، مع تقدم سني العمر، هي عودة إلى الأمان المفقود. الحارة هي نوستالجيا محفوظ الدائمة. والحارة قديما كـانت نموذجا للمجتمع المصري، بما فيها من اختلاف في الطبقات، وكانت كالمجتمع نفسه بالنسبة إلى الفرد، والإنسانية الكبيرة أيضا كما تبدو في "أولاد حارتنا" و "الحرافيش"..
غير الحارة مما أثر في تكوين محفوظ الروحي، ثورة 1919 ومشاهدها التي كان يراها من النافـذة وفي طريقـه إلى المدرسة المواجهة لضريح الحسين. مشاهد المظاهرات وجنازات الشهداء والقتلى. والمنزل والحياة الأسرية أيضا كان لهما بـالغ الأثر، فلقد كـان بيت الأسرة يردد أسماء الأبطال الوطنين سعد زغلـول ومصطفى كامل ومحمد فريد وغيرهم، كذلك كانت تشيع فيه الروح الدينية، حتى أن أحـدا لم يكن يتوقع أن يخرج من بين الأسرة واحد يشتغل بالفن والأدب. هذا وقد كان لأم نجيب محفوظ نفسها بالغ الأثر فهي التي كـانت تأخـذه إلى رحلات خلوية إلى الأهرام والمتاحف الأثرية وغرف المومياوات فغرست فيه الميل إلى دراسة الحقبة الفرعونية مما ظهر بعد ذلك في رواياته الأولى.
العباسية أيضا شغلت جانبا من روح الكـاتب، وحين كـان يكتب عن الإسكندرية مثلا (الشحاذ - الطريق - السمان والخريف - ميرامار) فقد كـان يعود دائما إلى الجمالية أو العباسية، ففيهما يبدو محفوظ وكأنما هو في منزله، بل في وطنه.
يتقصى المؤلف، رشيد العناني، عوامل التكـوين البيئية، ثم يتقصى عوامل التكوين الفكري لمحفوظ. قـراءاته الأول المترجمة (سير والتر سكـوت وسير هنري رايدر هيجارد) وكيف كـان يعيد كتابة القصة التي يقرؤها مع إضافـة بعض التفاصيل من حياته الخاصة. ثم اكتشاف محفوظ للمنفلوطي وهو يتجه إلى العشرين من عمره، ثم اكتشافه الأكبر للمجددين في حيـاتنا الأدبية والفكـرية. طه حسين والعقاد وحسين هيكل وسلامة مـوسى الذي كان لـه أبلغ الأثر، حيث كتب محفوظ مقالاته الأولى في "المجلة الجديدة" التي كـان يصدرهـا سلامة موسى في الثلاثينيات، كـما نشر له سلامة موسى أول روايـاته (عبث الأقدار). وأهم من ذلك اكتشاف محفـوظ للأفكار العلميـة والاشتراكية والمتطورة عند سلامة موسى، وفي كتاباته. (في الفصل الثالث عشر من السكـرية تظهر هذه العلاقة بقوة في علاقة كمال عبدالجواد بأحمد شوكت صـاحب مجلـة الإنسان الجديد).
بعد ذلك اكتشف محفوظ الأدب العربي القديم: الكامل والبيان والتبيين والأمالي وغيرها، ثم اكتشف برجسون في الفلسفة. لقد كان لبرجسون أثر كبير على سلامة موسى، لكنه كـان ذا أثر بالغ على نجيب محفوظ . إن فكـرة الديمومة Duration في الزمان تكمن خلف الثلاثيـة كلها. وكذلك فكـرة التطـور الخالق التي تلمح أثرها البالغ في الحرافيش وأولاد حارتنا من قبلها، ثم ليالي ألف ليلة وغيرها من أعمال محفوظ. كـذلك هنـاك أثر لا يخفى لفكرة الحدس أساس التجربة الصوفية.
لقد قرأ محفوظ تولستوي وبروست وتوماس مان (صاحب الأثر الكبير على الثلاثية) وجيمس جويس والسيرياليين (الذين سيظهر أثرهم في قصصه القصيرة بعد هزيمة 1967). وعرف أيضا قصص يحيي حقي والحكيم وجورجي زيدان من قبلهما. يقول محفوظ إنه لم يهتم كثيرا بعـودة الروح رواية الحكيم التي رآها أقرب إلى الدراما منها إلى الرواية، بينما اهتم أكثر بجورجي زيدان وقصصه التاريخي، وبرواية شجرة البؤس لطه حسين التي نبهته إلى كتابة الرواية الملحمة. بعدهـا قـرأ "ملحمـة أسرة فـورسايت" "والحرب والسلام" ثم "عائلة بودنبروك" ثم كتب الثلاثيـة. وهكذا يتوقف بنا المؤلف رشيد العناني طويلا لتحليل وإبراز المؤثرات المختلفة في شخصية محفوظ وأدبه مما يسـاعد القارئ الأجنبي كثيرا في فهم هذا الكـاتب العملاق الذي أصبحت أعماله معروفة الآن في كل لغات العالم الحية والمهمة تقريبا بعد فوزه بجائزة نوبل. ويتوقف أيضا عند منابع السياسة التي تظهر دائما في أعمال محفوظ سواء ما جاء منها من أثر ثورة 1919 أو حـزب الوفـد ودوره في الحياة الوطنية المصرية أو الحركة الاشتراكيـة في الأربعينيات أو ثورة يوليو فيما بعد. وحن يبدأ الفصل الثاني، أول الفصول التحليلية لأعمال محفوظ، يكـون القـارئ الأجنبي قد حظي بجهد علمي كبير يسر لـه سبل فهم كـاتبنـا بعمق وبساطة معا.
الماضي والحاضر.. الزمان والإنسان
يرى رشيـد العناني، مؤلف الكتـاب أن روايات محفوظ الفرعونية التي بدأ بها حياته الأدبية (عبث الأقـدار - رادوبيس - كفاح طيبة) لم تكن إلا محاولة لارتياد الماضي من أجل الحاضر. كـانت إطلالة على الحاضر، من خلال الماضي البعيد. فـالروايات تتحدث عن الظلم القائم والعدل المنشود، والمستعمر الذي يجب طرده من البلاد، في كفاح طيبة مثلا، إن نجيب محفوظ لا يتوانى عن وضـع كلمات عن العدل وتوزيع الثروة بالعدل بين الرعية ومساواة الناس أمام القانون على لسان أحمس بطل كفاح طيبة.
يضيف المؤلف إلى هذا الفصل تحليلا لرواية "إمام العرش" رغم صدورها بعـد الروايات الثلاث بحوالي أربعين سنة. كـذلك يضيف إليها رواية "العائش في الحقيقة" التي تدور في الحقبة التالية لسقوط أخناتون ومحاولـة بطلهـا المعذب بمعرفـة الحقيقـة عن ذلك الحاكم. يشير المؤلف إلى حقيقة مهمة جـدا، وهي أن هذه الرواية مكتوبة عام 1985 في وقت صعـود الأصوليين وحركة الجهـاد من الإسلاميين الذين يرون في المجتمع مروقا وكفرا. وهكذا مرة أخرى يستعين محفوظ بالماضي للتعليق على الحاضر. لكن شتان في الحيل والطرق الجمالية التي توجـد في الروايات الثلاث الأولى ثم في الرواية الأخيرة. في الروايات الفرعونية الأولى يستخـدم المؤلف السرد المبـاشر المتـدفق من الكاتب نفسه عبر الرواية كلها، كـما لا تجد فروقا. بين حوار الشخصيات فالحوار كله مكتوب بلغة واحدة، بينما هنا يستفيد محفوظ من إنجازاته التقنية واكتشافاته ونضجه وعميق خبرته. وعندما انتقل محفوظ من التاريخ الفرعوني إلى رواياته الـواقعيـة الشهيرة الأولى التي بدأت ب "خان الخليلي" نجد هنا الصراع يشتجـر بين الماضي والحاضر. صـورة أخـرى للعلاقة بين الزمنين. هنا في هذه الروايات الجديدة (خان الخليلي - زقـاق المدق - القاهرة الجديدة....) صراع بين الفرد وآليات المجتمع القـديـم. يحاول دائما محفوظ تأكيد هذا الصراع بدرجات مختلفة ومن زوايا عديـدة. في خـان الخليلي صراع بين نوعن من الأخلاق، اللذة والواجب، اللذة يمثلها رشدي الأخ الأصغر والواجب يمثله أحمد عاكف الأخ الأكبر الذي ينتصر له نجيب محفوظ رغم خواء حياته. في القاهرة الجديدة يتوسع محفوظ في رسم العلاقة بين الأخلاق الفردية والتقدم الاجتماعي، وهو ما سيزدهر في أعمال قادمة. وفي زقاق المدق عليك أن تقفز إلى المعاصرة بكل إرادتك مثل "حميدة" أو تتردد وتنظر خلفك فيكون مصيرك مثل عباس الحلو. وفي "السراب" التي يـراها كثير من النقاد رواية فلسفيـة نفسية عن مركب أوديب، هناك مستوى أعمق لها أيضا هو الصراع بين الروحانية والمادية. أما "بداية ونهاية" المكتوبة عام 1949 فيتمثل فيها الصراع مع الماضي كأحسن ما يكـون في شخص حسنين. وسوف يظل ظهور هذا المنزع في روايات أخرى قادمة.
والحديث عن الماضي والحاضر يسلمنـا إلى الحديث عن الزمن. فـالزمن يشكل الأساس الذي تتعاقب فيه أجيال الثـلاثيـة في بناء كـلاسيكـي صـارم يتفكك وتتسارع فيـه الأحداث في رواية لاحقة مثل قشتمر، والزمن هو أيضا أساس رواية "باقي من الزمن ساعة" ورواية "يـوم قتل الزعيم لما. ومن ثـم فهي روايات ملحمية.
إن هذه الروايات علامات على التعقد في رؤية الكاتب للزمن وتجسيده من خلال، أو عبر، عـلاقـة الفـرد بالمجتمع.. لقد حدث بعد اكتشاف محفوظ للجوانب الطبيعيـة والاجتماعيـة لمجتمع القاهـرة عبر خمسة عشر عاما (1930 - 1945) هي زمن الروايات الواقعية الأولى، وبعد اختبار المعارك المأساوية للفرد ضـد المجتمع، حدث أن نجيـب محفوظ أراد أن يجمع الشظايا معا. يتبع التوتر الاجتماعـي بين الماضي والحاضر عائدا إلى نقطة مضيئة توصلنا لرؤية أبطاله في مواجهة لضرورة الاختيار بين نظامين من القيم، ومن ثم شرع نجيب محفوظ في كتـابة الثلاثية بادئا بعـام 1917 عابرا فيها ثورة 1919 حتى عام 1944 عبر ثلاثة أجيال. إن سنة 1944 هي السنة التي لم تعبرها أي رواية من رواياته السابقة على الثلاثية. وللتاريخ هنا دلالته، فالرواية يبدأ زمنهـا في منتصف الحرب الأولى وينتهي مع نهايـة الحرب الثانية.
الحلم المجهض وتهشيم الزمان
يستمر المؤلف، رشيد العناني، في تحليل أعمال نجيب محفوظ وتحت عنوان الحلم المجهض على الأرض وفي السماء يقوم بتحليل روايات اللص والكلاب، السمان والخريف، الطـريق، الشحـاذ، ثـرثرة فـوق النيل، ميرامار، حب تحت المطر، الكرنك، قلب الليل، عصر الحب، ثم أفراح القبة. فهذه الروايات، سواء ما كتب منها قبل هزيمـة 1967 أو بعدها هي تناول متعدد الوجـوه للحلم المجهض للفرد والمجتمع. ويتوقف المؤلف بعض الـوقت للحـديث عن تـوقف نجيب محفوظ عن الكتـابة بعد ثورة يوليو 1952، وكيف أنه تخلى عن مشروعات الروايات التي كان ينوي كتـابتها عن المجتمع السابق. لقد جـاءت ثورة يوليـو لتصل بالمجتمع إلى الاكتمال، لتنفيذ أحلام الثوريين والكتاب والذي "حـدث أن نجيب محفوظ حين عاد للكتابة عاد برواية "أولاد حارتنا" وهي رواية تاريخية علمية دينية. ولقد كانت هذه الرواية بـداية تعامل الكاتب، محفوظ، مع المجتمع الجديد. لكنها رواية مجازية في بنائها. وسنلاحظ أن المجاز سيسـود أعمال محفوظ طوال الستينيات. لقد اختفت أساليب السرد النمطية، والتأني الواقعي الطبيعي والحبكـة التقليـدية، وسـاد الشعر واللغة المجنحـة والتقنيات الحديثة. هكذا حتى هزيمة 1967 حيث عاد محفوظ ليتوقف عن كتابة الرواية مرة أخـرى، ولكن لكتابة القصص القصيرة والحواريات المسرحية حتى عام 1972 الذي شهد صدور "المرايا" ثم "الحب تحت المطر" عام 73 وبعدها "الكرنك" عام 1974.
لقـد شملت "ثرثرة فوق النيل" فيما شملت نبوءة الحكيم الفرعوني بخيانة الأصدقاء والحرب القـادمة والأيام الصعبة لبلاد النيل، وكـذلك كانت ميرامار ومنذ "اللص والكـلاب" وقد بدا أن محفوظ يحذر من شيء ثقيل، ومن الفصام القادم بين الفرد وشعارات المجتمع، بعـد ذلك كـانت المرايـا بانوراما لعصرهـا ومقدمة لروايات عن قضايا بعينها، مثل التعذيب في المعتقـلات "الكـرنك" وانهيـار القيـم وانحطـاط الأخلاق، ويأس عدد كبير من الشباب في البلاد بعد الهزيمة الثقيلة "الحب تحت المطر". لقد كان محفوظ في حـاجة إلى رواية يقدم فيها تعليقه الشخصي على ما حدث حتى لو جاء ضعيفا فنيا.
وبعد تطواف كبير وطويل في القاهرة والإسكندرية عبر فترة الستينيـات كلهـا والنصـف الأول من السبعينيات يعود محفوظ إلى عالمه الأثير، إلى الجـماليـة بحكايات حارتنا وقلب الليل- نشرا معا عام 1975. إن العـذاب الميتافيـزيقي المقمـوع بالضغـوط الاجتماعيـة والسياسية الضخمة في ثـرثرة فوق النيل ينطلق هنـا من قلب الليل، قلب الليل أمثـولـة عن التطور الروحي للجنس البشري إنها تنتمي إلى أولاد حـارتنا وتستعير بعض رمـوزها، أمـا عصر الحب المنشورة عام1980 فتبدو هي أيضا تكـرارا لقلب الليل لكنها بدورها أمثولة بسيطة- عن التمرد على الالهة المصحـوب بـالعـودة المعـذبة، إنها تستخـدم نفس الأدوات: المنـزل الموسر والحديقـة المسكـرة ذات الأسوار العالية، الفردوس.
(يتبع)
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:28 AM
وينتقل المؤلف للحديث عن تهشيم الزمان وعن الرواية الأبسودية يمهد لذلك بحديث عن ظواهر النثر العربي منـذ أيام العرب حتى المقامات وكليلة ودمنة ثم ألف ليلة وغيرها، ينتهى إلى أنه لم يكن هناك تراث قصصي خلـف نجيب محفوظ غير المقامات التي قرر محفوظ ألا يكتب مثلها أبدا وقد فعل، لكن كان هناك الشكل الموجود في ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، الشكل الأبسودي، الحكايات الاستطرادية التي تأخذ برقاب بعضها وهو الشكل الذي سيظهر في الحرافيش وليالي ألف ليلة، حقا تغلب النزعة الأبسوديـة على أولاد حارتنا أيضا المنشورة قبل الحرافيش وألف ليلة وليلة، لكن كـونها أبسـوديـة فـذلك بسبب طبيعتهـا كأمثولة تـاريخية دينية تعنى بموازاة ملاحم محددة في التاريخ الإنساني، لذلك نحن على صـواب في عدم اعتبارها بداية للوجه الأبسودي للكـاتب، الكلام هنا لرشيد العناني طبعا.
وتحت العنوان السـابق "تهشيم الزمان" يتنـاول المؤلف بالتحليل روايات المرايا وحكـايات حـارتنا، حديث الصباح والمساء، صباح الورد، أولاد حـارتنا، ملحمة الحرافيش، ليـالي ألف ليلـة، ثـم رحلات ابن فطومـة. فالمرايا كتاب مـن الصور المنفصلة في تدفـق الزمن وكل قطعـة منها محمولة إلى الأمام بالتيار الداخلي، وربما في هذا التهشيم تكمن وحدة الرواية، ويمكـن أن تكـون الحكـايـة الأخيرة في المرايـا أولى حكايات حارتنا فهناك وحدة في الأسلوب والمحتوى معا، وفي حكـايات حـارتنا وحـدات عامـة ووحدات جزئية آخذة برقاب بعضها، أما حديث الصباح والمساء فتعود إلى التكنيك الأبجدي لتقديم الشخـوص الذي سبق استخدامه في المرايا. وتأتي صباح الـورد المنشورة عام 1987 أي نفس عام نشر حـديث الصباح والمساء تأتي كمجموعة قصصية، هكذا كتب على غلافها لكنها في الحقيقة ثلاث مقطـوعات متصلة رغم انفصالها، هناك شيء فيها يجعلها متجانسة فكلها استرجاع وتأمل في أثر الزمان على الناس والحياة، أما الحرافيش التي جـاءت بعد ثمانية عشر عاما من أولاد حـارتنا فهي تستدعيها إلى الذهن بسرعة، فالمكـان واحد- الحارة- وبناء القوة متماثل- الصراع بين الفتوات لإقرار الحق بين أبناء الجبلاوي أو الحرافيش- ومحاولة خرق بناء القوة متماثلة فالأشخاص القادرون الطيبون يقيمون العـدل لوقـت قصير قبل أن يظهر الشر مرة أخـرى وهكذا، هناك تماثل بين العملين إلا أن الحرافيش هي أسطـورة المؤلـف يصنعها بنفسه ولا يعتمد هنا على أساطير أو حكايات دينية، الحرافيش عمل أكثر نضجا ويتوقـف المؤلف طـويلا عند تحليله قبل أن ينتقل لتحليل ليالي ألف ليلة التي صدرت عام 2 198 والتي قد تكون آخر الأعمال الكـبرى لنجيب محفوظ وهي مع الحرافيش يمثلان قمة الروايات الأبسودية، إن سؤال الحرافيـش عن وجود الشر في العالم وكيـف يمكن مقاومته يعود في ليالي ألف ليلة لكن مع إضافـة مدى مسئولية الفرد بالقياس لمسئولية البيئة، إن السؤال هنا هل الشر قوة فوق طبيعية- تعـود إلى الشيطان مثـلا والغواية للفرد- أم هو ظاهرة بشرية مرتبطـة ببحث الإنسان عن القوة والثروة؟.
بعد تحليل "ليالي ألف ليلـة" و"رحلات ابن فطومة" ينتهي أهم وأطول فصول الكتاب، ثم يفرد المؤلف بعد ذلك فصلا كاملا لأدوات التشكيل ومكونات الشكل الفني، من خلال دراسة لشكل رواية حضرة المحترم، وهـي رواية بسيطـة تتمحـور حول شخصية رئيسيـة وشخصيات ثانوية تأتي أهميتها ممـا تنيره من جوانب الشخصية الرئيسية ويدرس المؤلف حبكة الرواية التي يشي بنـاؤها بـإبراز السخـرية الأخـلاقية للرواية ثـم يدرس آليات السرد وبنـاء الشخوص واللغة والحوار، وهكذا يقـدم نموذجا تطبيقيا بالـغ العمق لواحـد من أعمال محفوظ.
الله. الموت. المجتمع. الكتاب!!
يفرد المؤلف الفصل الأخير لتحليل قصصه القصيرة وحوارياته، ويقول إن محفوظ لو لم يكن روائيا لكانت القصص القصيرة تكفيه ليدخـل تاريخ الأدب العربي، لنجيب محفوظ "200" قصة قصيرة موزعة على "14" مجموعة قصصية في الوقت الذي كتب فيه "33" رواية معظمها أعمال عظمى في الشكل والرؤية.
كان نشر مجموعة "همس الجنون" بمثـابة البدايـة الثانية لنجيب محفوظ، لقد نشرها بعـد أن كان قد نشر ست روايات كاملة وانتقل من الفرعونية إلى الروايات الواقعية، ثم كانت المجموعة الثانية "دنيا الله" مجالا لتأمل عميق في الموت وفي الله وفي الوجود الإنساني، وبعد نكسة 1967 طار محفوظ إلى "العبث" والنزعة السريالية، كـما أشرنا من قبل، لقد نشر "خمارة القـط الأسود" و"تحت المظلة" عام 1969، الأولى تشارك المجموعتين السابقتين الاهتمام بالله والموت والزمان وسخرية القدر والثانية هروب من الواقع الخارجي إلى التجربة التعبيرية والسيرياليـة معا، صحيـح أنه فعل ذلـك من قبل في روايات مثل الشحاذ وثرثرة فـوق النيل لكن ذلك كان يتم من خلال واقع خارجي، الآن لا علاقة للنص بالواقع الخارجي.
ويستمر المؤلف في منـاقشـة المجموعات القصصيـة التالية حتى آخـر مجموعات الكـاتب "الفجر الكاذب" المنشـورة عام 9 لما ا، وينتهي الكتـاب الثمين وأتخيل الجهد التحليلي الجبـار الذي بذله مؤلفه، وأتخيل المائدة العامرة التي قدمها للقارىء في الغرب وأدرك قيمة الجهد العلمي الذي يستحق كل تحية وتقدير. إن كتاب رشدي العناني عن نجيب محفوظ بالغ العمق والجمال معا.
ـــــــــــ
*المصدر: مجلة «العربي».
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:30 AM
نجيب محفوظ..عمر من الإبداع الجميل
حوار: د. زينب العسال
.............................
د. ماهر شفيق: أول من أدخل "الفّر" في القصة
صافي ناز كاظم: ابتعد في ّتاباته عن الهوس الجنسي
طه وادي: انتزع للرواية العربية مكانتها العالمية
حسن فتح الباب: خرج من معطفه أهم كتاب عصرنا
حسين عيد: جعل من الحارة عالماً شديد الخصوبة
...........................................
اليوم. عيد الميلاد الثالث والتسعين لأديب العرب العالمي نجيب محفوظ. الرحلة الإبداعية التي بدأت منذ أوائل الثلاثينيات. ماذا أعطت من ثمار؟ ما الإضافة التي قدمها الأديب الكبير إلي فن الرواية. وتوجت بالحصول علي نوبل. أرفع جائزة عالمية؟
يري الناقد الدكتور ماهر شفيق فريد أن إضافات نجيب محفوظ علي صعيد التقنية الروائية كثيرة. منها كتابته رواية الأجيال التي تتتبع مصائر أسرة من الأجداد إلي الأحفاد مروراً بالآباء. وذلك في الثلاثية. وإن كان طه حسين قد سبق إلي ذلك في روايته "شجرة البؤس". ورواية القصة من عدة منظورات. أو علي ألسنة رواة مختلفين كما في رواية "ميرامار". وكتابة القصة السيكولوجية التي تتناول عقدة أوديب وهي "السراب". فضلاً عن البانوراما الاجتماعية والسياسية الواسعة لرواياته في المرحلة الواقعية. واستخدام تقنيات القصة البوليسية بعد تعميقها ووضعها في خدمة بحث سيكولوجي واجتماعي كما في "اللص والكلاب". ورواياته التاريخية التي تظل محتفظة بصلاته بالحاضر. كما في "كفاح طيبة" لكن لنجيب محفوظ في هذا كله أقراناً لا تقل منجزاتهم عن منجزاته مثل يحيي حقي وفتحي غانم ويوسف إدريس ومحمود البدوي.
والإضافة الكبرى التي ينفرد بها في رأيي هي أنه أول من أدخل البعد الفكري في الرواية والقصة المصرية القصيرة. فليست رواياته مجرد لوحات من الحياة الاجتماعية. أو لقطات نفسية. وإنما هي تثير أسئلة وجودية كبري عن قضية الألوهية والصراع بين العلم والدين ومعني العدالة والحرية. وهذا واضح بصفة خاصة في أزمة كمال عبد الجواد الفكرية في الثلاثية. وحيرة بطل الشحاذ. وتأرجح بطل الطريق بين الجريمة والتوبة. والبحث عن زعبلاوي وبذلك انتقلت القصة العربية من مرحلة الحدوتة المسلية إلي مرحلة التأمل الفلسفي العميق في مصير الإنسان. ووحدته في الكون. وسعيه إلي التواصل مع الآخرين. وبحثه عن الهوية والانتماء. ومواجهته لتجربة الموت. وكلها قضايا كبري نجدها لدي كبار كتاب القرن العشرين مثل كافكا وسارتر وكامي.
والإضافة الثانية له في تقديري هي أنه تمكن من أن يجعل من الحارة المصرية وهي بطبيعتها محلية محدودة زماناً ومكاناً رمزاً إنسانياً واسعاً تنطوي تحته نماذج بشرية بالغة التنوع. وتعالج قضايا الدين والسياسة والجنس. وهذا واضح بصورة خاصة في ملحمة "الحرافيش" مما يضعه في صف واحد من روائيين عالميين كبار. مثل مورافيا وفوكنر وتوماس هاردي.
أمر ثالث يحسب لنجيب محفوظ هو أنه من القلائل الذين مارسوا كتابة الرواية والقصة القصيرة بنفس القدر من النجاح. وإذا كان البعض يتحفظون علي إنجازه في القصة القصيرة. فإني أخالفهم الرأي. وأري أن مجموعاته دنيا الله. وخمارة القط الأسود. والجريمة تضم بعضاً من أبدع القصص المصرية التي تمثل إلي جانب أقاصيص حقي والبدوي والشاروني والخراط وجبريل وبهاء طاهر وفياض منجزات فكرية وإبداعية ستظل جزءاً أصيلاً من إبداع المخيلة الأدبية العربية في القرن العشرين.
وتشير الناقدة صافي ناز كاظم إلي أن نجيب محفوظ موجود في حياتنا منذ نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات. وكانت بداية تألقه ثلاثية بين القصرين التي بدأ نشرها في مجلة الرسالة الجديدة عام 1954. فلفتت الأنظار بشدة ليس بكونها اجتماعية فقط. وإنما بأسلوبها البعيد عن أية لفظة عامية. والمتميز بالطلاوة والدعابة الوقور واللفظة المحتشمة. كتب في كل الأمور الحسية. وحتى الشذوذ الجنسي. بتعبيرات وأوصاف لا تخدش الحياء. ولا تعطي الإحساس بالهوس الجنسي كما نراه حالياً في رواية مثل "عمارة يعقوبيان" ففي رواية محفوظ "زقاق المدق" يكفي عبارة تقولها زوجة المعلم كرشة للتدليل علي شذوذ الزوج الجنسي. لقد قرأتها في الثانوي. وكنت خارجة من روايات محمد فريد أبو حديد. لم أشعر بأن روايات "أبو حديد" في مكانة أقل. وإن اختلف الخطان تماماً. إن الاثنين ينتميان إلي العبقرية المصرية. مع أن تاريخ محمد فريد أبو حديد بدأ في سنة 1920. وآخر رواياته "أنا الشعب" صدرت في 1954 أما نجيب محفوظ فقد بدأ في منتصف الأربعينيات. وكانت انطلاقته في عام 1954.
أقبلت علي قراءة نجيب محفوظ لأنه يختلف عن يوسف السباعي الذي قرأته في مراهقتي. نجيب محفوظ كتب بتقنية عالية وتدقيق وإحساس. ورسم دقيق جداً للحياة التي عاش في وسطها. والعلاقات المحيطة بالبيئة التي كان يتآلف معها وعرفها مثل راحة يده. مثل سجادة ماكينة وسجادة يدوية مغزولة بدقة. لم يكن نجيب مشهوراً مثل إحسان أو السباعي أو غراب. ثم نزل بمدفعيته الثقيلة. يكفي روايته "ثرثرة فوق النيل" التي تعد أول عمل روائي ينقد المرحلة الناصرية. عملها بشطارة. واستطاع أن يفر من السكاكين مخلصاً لعمله الروائي ووقته وولائه للهدف الذي أخلص له.
ويري د. طه وادي أن نجيب محفوظ هو الذي أعطي الرواية العربية مولدها العالمي إن جيل الرواد مثل هيكل وطه حسين والحكيم. ومن تلاهم من الكتاب قد حققوا الميلاد الشرعي للرواية داخل حدود الوطن العربي الكبير. هذه هي الإضافة الحقيقية لجيل الرواد. أما إضافة محفوظ فتتمثل في أنه انتزع للرواية العربية عن جدارة مشروعية التواجد العالمي. بحيث أصبحت لا تقل شأناً عن الرواية في أمريكا اللاتينية أو أفريقيا أو شرقي آسيا. وبلا شك فإن نجيب محفوظ من خلال أعماله التي تقترب من ستين عملاً قد رسم مشهداً بانورامياً للمجتمع المصري خلال القرن العشرين. وليست إضافة محفوظ الوحيدة المتابعة المتأنية لقضايا المجتمع المصري السياسية والاجتماعية والإنسانية. وإنما تكمن إضافته أيضاً في القدرة الفائقة علي تطوير التكنيك وتقنيات السرد. وفي اللغة. ورغم كثرة ما كتب عنه. إلا أن مشروعه الأدبي مازال في حاجة إلي الدرس. التحليل. حتى نعطي هذه القامة الشامخة ما تستحق من تقدير وإشادة.
وفي تقدير الناقد حسين عيد أن نجيب محفوظ قدم الحارة المصرية بكل ما لها وما عليها. بحيث نستطيع أن نجد فيها ابن الحارة علي المستوي الواقعي كما لم يسبق لأحد من الكتاب أن صوره من قبل. كما استطاع محفوظ أن يخلق من الحارة عالماً خيالياً كاملاً علي مستوي الرمز. أي أنه أفاد من تجربة محدودة ليجعل منها عالماً ثرياً شديد الخصوبة. ومن ناحية أخري. فقد قدم عالم الوظيفة. والسعي المحموم فيها وراء سراب كما في رواية "حضرة المحترم". ومن جانب آخر كانت عينه لاقطة مستوعبة لما يحدث في ساحة المجتمع المصري من متغيرات. وأزعم أن نجيب محفوظ يكاد ينفرد بأنه الكاتب الوحيد الذي قدم نقداً للمجتمع خلال فترة ما قبل الثورة. وما بعد الثورة. بشكل شديد الجرأة والعمق في الوقت نفسه.
ينفرد نجيب محفوظ بأنه يقدم نموذجاً باهراً للكاتب من ناحية إخلاصه لعمله. وتنظيم وقته. بحيث لم تجرفه أي إغراءات كالصحافة أو غيرها. وأعتقد أن "أحلام فترة النقاهة" إضافة لعالم محفوظ الإبداعي. وهو ما يجعله عالماً نامياً متطوراً مع ما يجري في حياتنا..
ويكتفي الروائي حسني سيد لبيب بكلمات تعبر عما يجيش بوجدان كل المبدعين. فمحفوظ قامة ثقافية سامقة. وعطاء يتدفق كنهر النيل. أخلص لفنه الروائي. وعبر عن هموم الإنسان وطموحاته. نال جائزة نوبل عن جدارة واستحقاق. وإن كانت الجائزة نفسها شرفت بحصوله عليها. تمتد رحلتي مع أدب وفن نجيب محفوظ عبر أكثر من أربعين عاماً مضت. عشت فيها مع عطائه القصصي والروائي. وتأثر موروثي الحكائي العربي في القرون الماضية. وفي عيد ميلاده لا يسعني إلا تقديم كلماتي هذه باقة حب له. عرفاناً بالجميل. وتقديراً لأستاذيته. كل سنة وأنت طيب يا أستاذ الأجيال وعميدها.
ويشبه الشاعر حسن فتح الباب نجيب محفوظ بالفلاح الذي يشق الأرض اليابسة. ويرويها بماء النيل. ويعرضها للشمس. لتنبت أينع الثمار. وتجعل الطعام لكل فم. لقد أعاد حرث الحقل الروائي. وأزال عنه الأعشاب. وسوف يظل غرسه مثمراً لمائة عام في الأقل منذ الآن. رغم التغيرات التي ستحدث في المستقبل لتأثيره العميق. لا في وعي المثقفين فقط. بل في وعي معظم الفئات التي قرأته أو شاهدت الأفلام المستمدة من رواياته. وأثر محفوظ في الرواية يشبه أثر شكسبير في المسرحية. فقد تخطي كلاهما الأفق المحلي إلي آفاق عالمية. وإذا جاز لي أن أوجه عتاباً ملاعباً إلي كاتبنا العظيم. فإني أقول له: لقد بلغت ذروة في الإبداع الروائي انتشرت في ضوئها مقولة الرواية ديوان العرب وليس الشعر. أنا شاعر غيور علي فن العربية الأول الذي تأثر به محفوظ. فتسللت الشاعرية إلي رواياته. وأصبح نموذجاً فذاً خرج من معطفه أهم كتاب الرواية في عصرنا. لا في مصر وحدها. بل في العالم العربي كله.
..........................................
[المصدر: صفحة قضايا أدبية، إشراف: محمد جبريل، في 11/12/2003م]
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:32 AM
السياسة في طفولة نجيب محفوظ ..
زعيم التلاميذ والمظاهرة الأولى
بقلم: حسين عيد
...................
في 11 ديسمبر عام 1911 كان ميلاد أديبنا العربي الكبير. لقد بلغ هذا الشهر - بعد نجاته من حادث الاعتداء الأثيم - عامة الثالث والثمانين ولا يزال يمثل قمة أدبية شامخة تثري حياتنا الأدبية إن "العربي" تهنئ الكاتب الكبير تقدم جزءا من تجربته العريضة وتغـوص به في ذكـريات الطفولة وسنـوات تكون الوعي.
"وأذكـر الآن يـوم أن اشتركت في أول مظـاهرة.. كـان ذلك في مدرسـة الحسينيـة الابتـدائية.. حين وقف بيننـا زعيم الطلبة وكـان أكبر مني سنا.. وبلغنا أن هناك خـلافا بين الملك فؤاد وبين سعد زغلـول.. وسبب الخلاف هو من يكـون مصدر السلطات: الأمة أم الملك؟.
والحق أن حماسـة "عبدالمنعم" - وهذا هو اسمه - كـانت تدعو إلى الإعجـاب.. الأمر الذي جعلني لا أخشى شيئا- بالرغم من أن عمري في هذه الفترة كان بين العاشرة والحادية عشرة - عندما طلب منا أن نتبعه للتوجه إلى ميدان عابدين.. حيث قصر الملك".
من حـوار نجيب محفوظ مع سامح كريم - كتـاب " الرجل والقمة " ص 34.
"كان بطلا من الأبطال في حياتنا الصغيرة بالمدرسة الابتدائية ما بين عـامي 1921 ، 1925، كان يكـبرنا بأعوام وكـان قويا طويل القامة، ومنذ أول يوم لنا في المدرسة قيل لنا إنه زعيم التلاميذ بالمدرسة. وكنا نلتف حوله في فناء المدرسة ونتـابع كلامه باهتمام "، "وتحت زعامته اشتركت في أول مظـاهرة في حيـاتي عام 1924".
فصل "نادر برهان" رواية "المرايا"
هي واقعـة الاشتراك في أول مظاهرة، قادها "عبدالمنعم" في الواقع، كـما أوردها نجيب محفوظ في حواره، كملمح من أيام طفولته، ثـم الوجه الفني المقابل لها، حين تناول ذات الواقعة في رواية "المرايا" (1972) مكنيا إياه "نادر برهان" وموسعا من حكايته.
ما هي الثوابـت والمتغيرات في هذه المعالجة؟ وهل امتدت ظلال تلك الواقعـة إلى أعمال أخرى له؟ وما هي تلك الأعمال؟ وما أوجه الاختلاف في المعالجة؟.
وأخيرا ما هو منظور (الإبداع) الذي يجمع بين دفتيه تلك التنويهات المختلفة؟!.
نحن هنـا في مواجهـة المادة الخام، النبع الأصلي، الحدث الواقعي الذي عايشه نجيب محفوظ طفلا في مدرسته الابتدائية. وظل حيا في (ذاكرته)، مشكـلا المادة الأساسية لإحدى شخصيات "المرايا". ثم امتدت أصداؤها إلى عدد من أعماله الأدبية الأخرى.
ولنتوقف أولا أمام عـدد من العـوامل التي ثبتت تلك الـواقعـة في (ذاكرة) نجيب محفـوظ ، أول تلك العوامل أنها أول مظاهرة اشترك فيها وهو طفل صغير في المدرسة الابتدائية، والتجربة الأولى في أي مجال يظل لها ألقها وبريقها الذي يبقيها حية مؤثرة في خيالنا.
وهي أول تجربة له في اقتحام (العمل السياسي) مجال (الكبار) المحفوف بالمخـاطر، إنها نقطـة تحول فاصلة على طريق الطفولة والنضج، وخروج من عالم الطفولة (المدرسـة الابتدائيـة) إلى عالم الكبـار (المجتمع)، في محاولة لإبداء الرأي وتحقيق الذات. كيف عالج نجيب محفوظ تلك الواقعة وصاحبها في رواية "المرايا"؟.
اتسمت معـالجة نجيب محفـوظ الفنيـة بعـدد من الثـواب والمتغيرات. أما الثوابت فقد أبقى على أهم صفـة في زعيم المدرسـة الابتـدائية - كما أوضحها في حواره - وهي أنه "كـان أكـبر مني سنا" فإذا به يحولها في "المرايا" من المقارنـة الذاتية المحدودة إلى مقارنة عامة، مع تدعيم ملامح الزعامة فيه "كـان يكبرنا بأعوام، وكان قويا طويل القامة، ومنذ أول يوم لنا في المدرسة قيل لنا إنه زعيم التلاميذ".
أما أول المتغيرات فامتدت إلى الاسم فبدلا من "عبدالمنعم" إذا هو "نادر برهان"، واختيار اسم الشخصية عادة عند نجيب محفوظ له دلالة فنية. وهو هنا يعكس (ندرة) وجود مثل هذا النموذج في المدارس الابتدائية، وهـو (برهان) على مشاركة نجيب محفوظ في العمل السياسي منذ يفاعته الأولى!.
ثاني المتغيرات هـو لقب هذا الزعيم، ففي حـين كان في الحوار "زعيم الطلبة" وهو تعبير يميل إلى التعميم، ربما لبعد الفترة الزمني، كـما أن معنى (الطلبة) ينصرف إلى الدارسين في المراحل التعليمية الثانوية والعاليـة، نجد أن نجيب محفوظ عند الكتابة الأدبيـة في "المرايا" يتحرى الدقة، فإذا هو "زعيم التلاميـذ" أولئك الذين يدرسون في المدرسة الابتدائية.
توظيف التفاصيل الصغيرة
انظر إلى توظيف التفـاصيل الصغيرة، حتى تتراكم ملامح الشخصية، ويكتمل رسمها فنيا، ويصبح الجو مهيئا للدخـول إلى خضم الواقعة الأصلية: "تحت زعامته اشتركت في أول مظاهرة في حياتي عام 1924. دعانا إلى الإضراب وخطب فينا قائلا: إن الملك يريد أن يتلاعب بالدستور وأن سعد زغلول رئيس الوزراء - تلك المرة - يقف في صـلابة للدفـاع عن حقوق الشعب، وأن علينا أن نذهب إلى ميدان عـابدين لتأييد الزعيم ".
كان نجيب محفوظ يهتم بتتبع أعمال الفنانين الشبان خاصة تلك التي يستوحون رسومها من روايته ولنتوقف هنا أمام فرق جوهري في الحافـز على الاشتراك في المظاهرة، فبينما كـان الحافز في الحوار هو حماسة زعيم التلاميذ التي تدعو إلى الإعجاب، "الأمر الـذي جعلني لا أخشى شيئـا" هنـا تصرف نجيب محفوظ بـوحي من تأثره الذاتي، (ربما تحمسا أيضـا) منفصلا أو متناسيا الواقع الخارجي للمدرسة. الذي يمنع خروج الأطفال الصغار. لذلك كان منطقيا، حين تصدى للكتابة، أن يستكمل إقامة بنائه الفني موفقا بين قنـاعته (الذاتية) وقواعد المدرسة، بأن يضع تبريرا لخرقها "ولما كـانت حكـومته - الزعيم - شعبية لأول مرة، ولما كان رئيسها هو وزير الداخلية، فقد سمح لنا بالاشتراك في المظاهرة باعتبارها مظاهرة سلمية".
نقطة أخرى لابد من إثارتها هنا، وهي عمر نجيب محفوظ عندما اشترك في تلك المظاهرة. ولعل الفيصل هنا هـو تحديد الواقعـة التاريخيـة (زمنها الحقيقي) التي استدعت خـروج تلك المظاهرة مع مظاهرات أخرى إلى ميدان عابدين. وهو يتطلب بـالتالي تحديدا لأهم ملمح في تلك المظاهرات، يساعدنا في الاستدلال على موقعها وزمن حـدوثهـا تاريخيـا. لقـد أوضح نجيب محفوظ في حـواره السابق "فقط كنت أعرف أنه ينبغي الـوقـوف إلى جـانب سعد وترديد كلمات (سعد أو الثورة)" كـما ورد في رواية "المرايا" : "رحنـا ندق باب القصر بأيدينا ونهتف (سعد أو الثورة) "، ثم امتـدت أصداؤها إلى روايته الأخـيرة " قشتمر" (1988) - التي يسرد فيها الراوي ( نجيب محفوظ ) تاريخا لعدد من أصدقائه في العباسية - "وفي ذلك الوقت اشتركنا لأول مرة في مظاهـرة وطنية. لم نعـد أطفـالا من ناحيـة والمظاهرة مأمونة العـواقب من ناحية أخرى، فوزارة الداخلية هذه المرة بيـد زعيم الأمة ورئيس الوزراء. في أثناء طابور الصباح خـرج رئيس الطلبة وصاح بصوته الجهوري: "إضراب". واندفعـت الصفوف نحـوه في عجلة ولهوجة فخطبهم مركزا على أزمة بين الزعيم والملك وأن على الشعب أن يتجمع في ميـدان عابدين لتأييد الزعيم دون قيد أو شرط. وماج الميـدان بالخلق من كل صنف، كيوم الاستقبال، ولكنـه يفور هذه المرة بالغضب، ويهتف من أعماقه (سعد أو الثورة) ". أما في رواية "حكايات حـارتنا" (1975) في الحكاية رقم (19) نجـده قـد ركـز على اشتراك الـراوي ( نجيب محفـوظ ) في المظـاهـرة (الكـبرى) محاولا كشف أهم أبعادها من خلال حوار مع الأب، حين يوضح الابن (نجيب) بعد اشتراكه في المظاهرة:
" - رئيس الطلبة، قال إن سعـد زغلول قدم استقالته احتجاجا على موقف الملك من الدستور، وإننا ذاهبون لتأييد الزعيم ".
وحين يتساءل أبوه: "عظيم، وماذا كـان هتافكم في عابدين؟.
- سعد أو الثورة".
إذن لقد اتضح السبب أخيرا، حين قدم سعد زغلول استقالته احتجاجا على موقف الملك، فتعالت هتافات الجماهير المؤيدة: (سعد أو الثورة). فإذا رجعنا إلى كتاب "في أعقاب الثورة المصرية للمؤرخ عبدالرحمن الرافعي لوجدنا أن تاريخ استقالة سعد هو 15 نوفمبر 1924، التي قدمها الزعيم للعمل "على تدعيم الحياة الدستورية" وعلق استردادها على قبول الملك لعـدد من المطالب، فقبلها الملك وانفرجت الأزمة.
إذن جرت المظاهرة في عام 1924، وهو نفس التاريخ الذي أورده نجيـب محفوظ في "المرايا"، لأنه حين يكتب يلتزم بتواريخ الوقائع الخارجية كأي فنان. وكان عمره عندئذ ثلاثة عشر عاما، على عكس ما أورده في حواره مع سامح كـريم من أن عمره كـان بين العـاشرة والحادية عشرة. وكـان فعلا في المرحلـة الابتـدائية كما بـين في "المرايا" ما بين عامي 1921، 1925 ".
إلى هنا كان انعكاس الواقع في لا المرايا" و"حكايات حارتنا" متعاد لا، بمعنى الالتزام بزمنه الخاص وعمره لحظة تزامنه مع المظاهرة وتاريخ استقالة الزعيم. لكنه في رواية "قشتمر"- التي كتبهـا تمجيدا للصداقة في "كـمالها وأبـديتها" حول أربعـة من أصـدقاء عمره في العباسـية- لم يلتـزم بالـوقائع التاريخية الخاصة به (المدرسة الابتدائية وزمن مرحلتها، وإن التزم بطبيعة الحال بتـاريخ استقالـة النحاس) حين أوضح أنـه وأصدقـاءه "التحقنا بمـدرسـة فؤاد الأول الثانـوية لنمضي بها خمسة أعوام لـا بين 1923، 1928، وأنهم بعد أن عرفوا مقهى "قشتمر" في أواخر عام 1923 أو أوائل 1924 لما، "في ذلك الوقت اشتركنا ولأول مرة في مظاهرة وطنية."
تحوير مفردات الواقع
هنا حـور نجيب محفوظ في بعض مفردات واقعه الخاص، وللفنان الحق والحرية في تعديل معطيات عالمه الخاص، الـذاتي وفقـا لمنطق ومتطلبـات الفن. ولعل ا نجيب محفوظ عند كتابته "قشتمر" (1987) كان قـد تحرر من آثار رغبته القديمة في تأكيـد مشاركته السياسية في العمل الوطني طفلا صغيرا، بعد أن أثبتها في أكثر من عمل. ولعله اعتبر أن المهم هو الاشتراك ذاته إضافة إلى أن تلك المشاركة تعتبر حلقة (ثانوية) في سلسلة طويلة من الأحـداث في "قشتمر". لكنه - في ذات الوقت - حافظ على إبراز الحافز الحقيقي للاشتراك في المظاهرة، وهو الانسياق وراء حركة المجموع، الذي أعلنه سافرا واضحـا في حواره مع سامح كـريم: "الرجل والقمة" ص 34 حين قال: "لقد كنت منساقا وراء هذه الجموع.. المتوجهـة إلى عابدين لتـدعيم موقف زعيمها سعـد زغلول.. فلم أكن أميز ما أقوله.. فقط كنت أعرف أنه ينبغي الوقوف إلى جانب سعد وترديد كلمات "سعد أو الثورة" وأعتقـد أن آلافا من الناس صغـارا مثلي وكبارا أيضا كانوا مندفعين نفس الاندفاع".
(يتبع)
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:34 AM
أما في أعماله الفنية المتعاقبة حـين عرض تلك الواقعة، جنح إلى اللا مباشرة التي هي جوهر الفن، فتوالت تلك الأصداء غير المباشرة، عبر تنويعات مختلفة تعزف ذات النغمة، فبينما لم يرد لها ذكر في "المرايا"، نجد الأب في الحكاية رقم (19) من "حكايات حارتنا" يحاصر الابن ( نجيب محفوظ ) حـين يسأله:
"هل عرفت وجه الخلاف بين سعد والملك؟.
وأتوقـف عن الاسترسال مرتبكـا فيضحك أي ولكني أبادره:
- نحن مع سعد وضد الملك!".
لقد انساق الطفل مع المجموع دون أن يدري، لأن وعيه كطفل كان قاصرا عن أن يستوعب تلك الحقيقة، ولعل الانسياق إلى حركة المجموع هو ما جعل نجيب محفوظ ينقل هذا الفعل من المدرسة الابتـدائية إلى المدرسة الثانوية في رواية "قشتمر"، تدليلا (بشكل عام) على أن العمر لا يؤثر على انقياد الفرد إلى حركة المجموع. وأن أضاف فيها تنويعة أخرى لذات المغزى. وانظر لهذا المقطع من "قشتمر":
ولدى عودتنا سأل صادق صفوان: - ولكن ما أسباب الأزمة؟.
ووضح لنا أننا لا ندري عنها شيئا ولكن إسماعيل قدري قال بحزم:
- نحن على أي حـال مع سعـد لسبب ولغير سبب وضد الملك بسبب وبغير ما سبب..
واتفقت قلوبنا على ذلك. ومما يذكـر أننا لم نعرف أسبـاب الأزمة أو لم نهتم بمعـرفتها إلا بعـد انقضـاء أعوام طويلة ونحن نسترجع الأحداث بعد أن صارت تاريخا".
انظر لتعبير "واتفقت قلوبنـا على ذلك"، فـالقلب تحفزه العاطفـة، بينما الوعي محلـه العقل. هنـا انقيـاد عاطفي جامح حاول نجيب محفوظ أن يؤصل جذوره، حين أضـاف في روايـة "قشتمر" في أعقـاب المقطع السابق: "في ذلك الزمان صهرنا الوفـد في أتون وطنيته فبعثنا على يديه خلقا جديدا" ثم يستطرد "علمنا الوفد ماذا نحب ومـاذا نكـره، وبأي قـوة نحب وبأي قـوة نكـره، واجتاحتنا القضية الـوطنية وملكت قلـوبنا وغطـت على الأسرة والمستقبـل والأمـل الشخصي. واندفعنا مع طوفان الحزبية بنفس القوة والعنف".
هنا تصعيد محسوب صنعه الفنان نجيب محفوظ على عدة مستويات، فبعد التعميم في الاندفاع وسط سباق حركة المجموع دون وعي (كـما ورد في الحوار)، إذا بنجيب محفوظ يحاول أن يتفحـص أسباب هذا الاندفاع وأن يلم بأبعاده وذلك في معمل فنه فإذا به يكتشف ان الانقياد إلى حركة المجموع لا يخضع لمعطيات العمر، فالطفل الصغير في الابتدائي ينقاد كـما يحدث مع الصبي أو الشاب في الثـانوي، كـما ينجـذب أيضا بقية الناس. وإذا ما حـاول (البعض) تفهم الأسباب الكـامنة وراء هذه الظاهرة، فإنهم يرجعونها إلى اتفاق (القلوب) على التوحـد مع الزعيم ضد الملك بشكل مطلق. وان كان نجيب محفوظ قـد بين مبررات التحـزب للزعيم، في حواره السابق مع سامح كـريم، بشكل صريح مباشر حين قال "إن الذي أكد حب سعد في نفوسنا.. البيت والشارع والمدرسة.. في البيت لا حـديث إلا عن سعد ومواقفه. في الشارع ليس هناك من أخبار وتعليقات إلا عن سعد، في المدرسة لا ينتهي اليوم الـدراسي إلا ونكون قـد ازددنا علما بـما يحدث بين سعد الذي يمثل الأمة في ذلك الوقت. والإنجليز المحتلين."
إذن، لقد اتضحت أبعـاد الموقف.. إنه حب الـوطن والانتماء له، ضد القصر والإنجليز، تفجـرت إيـمانـا بحزب الأغلبية (الوفد)، وحبا متعصبا كاملا لزعيمه، كـان يحتم مناصرة مواقفـه دون قيـد أو شرط، بحيث "ملكت القضية الوطنية "قلوبنا". وانظر إلى تكرار كلمة (قلوبنا) موطن المشـاعر والأهواء، فبعد أن تتفق (القلوب) على القضية الوطنية، فإنها تسلس قيـادها لها حتى تملكتهـا تمامـا، عنـدئذ يلغى العقل والمنطق، وتسقط حسـابـات الأسرة والمستقبل والآمـال الشخصيـة، حيث يتحول الأفـراد (تلاميذ، طلبة، مواطنون) إلى أجزاء ضئيلـة من (طوفـان) الحزبية الجارف، لتندفع الأجزاء بنفس قوة الطوفان وعنفه!! وإذا كان نجيب محفوظ قد تحدث في حواره عن أول مظاهرة اشترك فيها في ميدان عابدين، فإنه كشف فيه عن رغبته في مشاهدة الزعيم "ويشـد انتباهي مشهـد هذه السيارة التي تشق طريقها بصعوبة بين هذه الكتل البشرية.. وسمعت من بجواري يقولون "غربية سعد" وهنا لم أفكـر في شيء.. قـدر تفكيري في رؤيـة هذا الرجل الذي جـاء ليقابل الملك.. ولكن كيف ذلك وسط هذا الزحام المنقطع النظير..
وأذكر أنني بذلت محاولات لتقريب المسـافـة بيني ؟ وبين ركب سعد. وذلك بالتقدم إليه.. علي أصبح على مدى النظر إلا أن المتظاهرين التفوا حول السيارة، وحجبوا عني رؤيتها.. وكم تأثرت يومها.. لأنني لم أر سعد.. ويبدو أنني كنت لحظتها على حق.. فقد عاش بعد ذلك ومات ولم يتحقق لي أمل رؤياه.. ".
وقد حافظ نجيب محفوظ حين قـدم معالجته الفنية - في فصل "نادر برهانها " في "المرايا" - على جوهر هاتين الواقعتين، مازجا بينهما، وإن مهد لبروز رغبته في رؤية الزعيم، طبقا لاحتياجات الفن، من خلال حوار بينه وهو طفل صغير وبين زعيم التلاميذ: "أما إذا حدث عن زياراته لبيت الأمة ومحاوراته مع الزعيم فكـان يبهرنا لحد الجنون، ونفد مني الصبر فاقتربت منه ذات يوم وقلت:
- أريد رؤية سعد بالعين فهلا أخذتنا إلى بيت الأمة؟ فنظر إلي بعطف وقال:
- مازلت صغيرا تسير في بنطلون قصير، وزيارة بيت الأمة مغامرة خطيرة لا رحلة آمنة.. "
هذا الحوار كان أداة ربط بين الواقعتين، وإضاءة لحب الزعيم المسيطر على خيال أجيال، وجسرا موصلا لمحاولة مشاهدته فعلا. وانظر لتصويره - بعد ذلك - لاقـتراب تحقق الحلم أو الأمل: "وترامى من بعيد هدير هتاف إيذانا بمقدم الزعيم لمقابلة الملك، واشتـد الضغط حول ممر ضيق شقه رجال الشرطة بصفين منهم لتسير فيـه سيارة الـزعيم، وقلت لرضا حمادة بسرور غامر:
- سترى أعيننا سعد زغلول
فقال بحماس:
- نعم ولو لبضع ثوان..
وتسللنا بخفة وعناد حتى بلغنا حافة الممر، ورأينا السيـارة قـادمـة ببطء شـديد والخلق يحيطـون بها ويتعلقون بأركانها ويقفون فـوق غطائها. وتطلعنا بأعين ملهوفة نهمة ولكننا لم نر إلا أجساد البشر ولم يتجل من الزعيم ملمح واحد، وبؤنـا بحسرة لازمتنا طويلا". هنا تبدى نجيب محفوظ وفيا، مخلصا لتجربته، فلم يعبر إلا عما شاهده، وإن أضـاف بعض مقاطع تتطلبها ضرورات الفن...
والآن، لابد أن يراود القارئ سؤال مهم: ماذا كان مآل زعيم التلاميذ؟!. قدم نجيب محفوظ إجابته - فنيا- في فصل "نادر برهان" في رواية "المرايا" ولننظر إلى تقلبات الدهر فيها، حيث زعيم التلاميذ، الأكثر وفدية، يقف انتماؤه السيـاسي حجر عثرة أمام مستقبله، حين رفت أكثر من مرة في عهود الوزارات غير الوفـدية، حتى اضطر إلى عدم إكـمال تعليمه الثانوي، فعينـه الـوفـد وكيلا لجريدة الجهاد في الإسكندرية. كما اضطر إلى اعتزال السياسة عام 1937، نتيجة وجود خلاف بين النحـاس (زعيمه) والنقراشي (أبيه الروحي)، وصادف ذلك وفاة أبيه، فـورث مبلغـا من المال لا بأس بـه، وفتح مطعما للسمك في سيدي جـابر، وفتـح الله عليـه فتزوج وأنجب ابنة وثلاثة صبيان. تزوجت ابنته في القاهرة. أما أبناؤه فانظر وتعجب لحركـة مصائرهم، حـين أصبح أكبرهم سماكـا (ورث مهنة الأب)، والأوسط مهندسا هاجر إلى كندا (النمـوذج المقابل للأب، الهارب من الانتماء للوطن)، والأصغر ضابطه طيارا (نمـوذج عملي للانتماء) دفع حيـاته ثمنـا، حـين استشهد في سبيل الوطن عام 1969.
لقد عاشت واقعة اشتراك نجيب محفوظ وهو في الثالثة عشرة من عمر، في أول مظاهرة له تحت قيادة زعيم التلاميذ، في (ذاكرته)، حتى إذا ما جاوز الستين من عمـره، فكـر في كتـابـة سيرة (موضـوعيـة) للشخصيات التي مـرت في حياته في رواية "المرايا" (1972)، فكـان لا بد أن يفرد فصلا فيها لزعيم التلاميذ بعد أن كناه "نـادر برهان" راسما أبعاد شخصيته كزعيم بين التلاميذ، ومتتبعا أطوار حياته حتى النهـاية، وإن ركـز الأضـواء على واقعـة المظاهرة والانطلاق إلى ميدان عابـدين، وفشل رؤية الزعيم، وعدم الوعي بأسباب المظاهرة رغم انقياده لحركـة المجموع، والتي عاد إلى تقصي أبعادها في عدد من أعماله بعد ذلك.
إذن، تلخص واقعة الاشتراك في المظاهرات لأول مرة منظورا متكاملا للإبداع، فالفنان يبدأ من الواقع، من مواد أولية (شخصيـة قابلها، أو حـدث معين) تعيش في (ذاكرته)، يؤرقه حملها سنوات طويلة. فإذا ما نضجـت تلك المواد بعد انصهارها في أتون مخيلته الإبداعية، فإنه يطرحها خلال أعماله، كي يتحرر منها، فقد تسيطر (واقعة) أو (شخصية) على عمل بذاته، وقد تبرز جزئية محدودة في عمل آخر، وقد تظهر مجرد أصداء أو تنويعات في أعمال أخرى، حتى يتكـامل تناول تلك (الواقعـة) أو (الشخصيـة) من مختلف الزوايا، عبر العديد من الأعمال، على مدار فترات زمنية طويلة.
وليس حتما أن يكون التناول الفني منتظما - كـما رأينا - فقـد عـالج نجيب محفـوظ مخاطـر الاشتراك في المظاهرات في عمل مبكـر (بين القصرين)، بينما سلط الأضواء على الواقعة وقائدها بعـدها بثلاثين عاما في (المرايـا)، ثم بدأ تحليل أبعـاد ظاهـرة الاشتراك في المظاهرات والتعرف على أسبابها بعد ذلك بثلاث سنوات في (حكـايات حارتنا)، حتى اكتملت رؤاه في آخر أعماله الروائية (قشتمر)، ليتحرر أخيرا منها.
ـــــــــــ
*المصدر: مجلة «العربي».
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:35 AM
نوبل نجيب محفوظ .. هل يستعيدها العرب؟
حوار: د. زينب العسال
...............................
د. ماهر شفيق: لست متفائلاً.. والفرصة ضعيفة!
د. حسين علي محمد: الترجمات الهزيلة تشوه إبداعنا!
خيري شلبي: لا صلة للجائزة بالسياسة.. وسنفوز بها!
منذ فاز عميد الرواية العربية نجيب محفوظ في 1988 بجائزة نوبل. والترشيحات تظهر وتختفي حول مستقبل الجائزة بالنسبة للعالم العربي.. هل تعود إلينا الجائزة؟ هل يحصل عليها أحد كبار مبدعينا؟ أم أنها- كما يذهب البعض- كانت مجرد مداعبة سياسية. ظلت الجائزة- بعدها- وقفا علي الأدباء الذين يرشحون للجائزة لاعتبارات قد لا تكون وثيقة الصلة بالأدب..
ومع تأكيدنا علي أن حصول نجيب محفوظ علي جائزة نوبل كان فوزاً للجائزة بأكثر من أن يكون فوزاً لمحفوظ. فإن السؤال الذي يتكرر طرحه منذ 1988 وحتي الآن. وقبل أن يعلن اسم الفائز القادم قبل شهرين: هل يحصل علي نوبل أديب عربي؟
يلاحظ د.ماهر شفيق فريد أن المرشح العربي الوحيد للجائزة الذي يظهر اسمه علي قوائم المرشحين. هو الشاعر أدونيس. وقد مضت عدة سنوات منذ رشح لأول مرة. ومع ذلك فإنه لم يفز بها حتي الآن. وعموماً فلست من المتفائلين. خاصة في ظل الأوضاع الدولية الحالية التي تلقي بظلالها. ولو عن طريق غير مباشر علي الأدب. فهناك شعور متنام بالعداء للعالم العربي. وهناك ميل متزايد لدي الغربيين- وجائزة نوبل جائزة غربية أساساً- إلي الاكتفاء بثقافاتهم الغربية. أو في الأقل الآداب المكتوبة بلغة أوروبية. مثل آداب أمريكا اللاتنية التي تكتب بالأسبانية والبرتغالية. وكان فوز نجيب محفوظ سنة 1988 راجعا- في تقديري- إلي بضعة عوامل. منها قيمته الأدبية التي لا تنكر. ومنها توافر عدد كبير من أعماله المترجمة إلي الإنجليزية والفرنسية والسويدية وغيرها من اللغات. وهناك اهتمام عدد من النقاد الغربيين والمستشرقين بأدبه في المحافل الجامعية ومعاهد الاستشراق. وهناك أيضا موقفه المؤيد للسلام مع إسرائيل. وآراؤه الأقرب إلي الليبرالية. أمور تجعله محبباً لدي العقل الغربي. وأعتقد أن المعيار الذي سيحكم اختيار الفائزين في السنوات القادمة. سيكون أساساً: هل الأدب المرشح من دعاة التسامح الفكري. والانفتاح علي الثقافات المغايرة. ومن المناصرين للاتجاه العام نحو العولمة. أو أنه أميل إلي الانغلاق علي ثقافته القومية؟. وبهذا المعيار لا أري عدداً كبيراً من الأدباء العرب يفي بهذه الشروط. وإن توافرت بدرجات متفاوتة في عدد من الشعراء والروائيين مثل أدونيس الذي أراه جديراً بالجائزة. لكن فرصته في الفوز بها لاتبدو كبيرة. كلا. لا أعتقد أن الجائزة ستذهب لأديب عربي في المستقبل المنظور علي الأقل.
ترجمات هزيلة
ومن العجيب- في تقدير د. حسين علي محمد- أن يفوز أديب مجهول إسرائلي هو يوسف عجنون قبل أكثر من عشر سنوات من فوز نجيب محفوظ بالجائزة نفسها. وأري أن تقصيرنا العربي هو المسئول عن عدم فوز خمسة أدباء راحلين بالجائزة وهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وعبد الرحمن منيف. علي كل أجهزتنا الثقافية أن تتعاقد مع كبري دور النشر العالمية. في إنجلترا وفرنسا وأمريكا وغيرها. علي نشر الأعمال المتفوقة للأدباء العرب في الرواية والشعر. لا تلك الترجمات الهزيلة التي يقوم بها الطلاب في أقسام اللغة العربية في الخارج. أو نقوم نحن بترجمتها كما هو الحال مع الهيئة العامة للكتاب أو الجامعة الأمريكية. وعلي المراكز الثقافية المصرية في العالم أن تستشير كبار النقاد في نشر إنتاج ادبائنا المتفوقين إلي اللغات العالمية. حتي يقرأنا العالم. وهذه هي الخطوة الأولي للفوز بنوبل.
أما الروائي خيري شلبي في رأيه أن نجيب محفوظ لن يكون آخر الأدباء العرب الذين يفوزون بجائزة نوبل. فهناك أحمد زويل ومحمد البرادعي. وهناك الكثير من المبدعين والعلماء العرب الذين تتردد أسماؤهم في القائمة الصغري مثل أدونيس ومحمود درويش.
المفاجآت هي الفيصل. فلم يكن متوقعاً أن يكون نجيب محفوظ حصوله علي الجائزة. كان الأقرب إلي الجائزة- كما قال محفوظ نفسه- طه حسين ويحيي حقي وتوفيق الحكيم. والجائزة لا علاقة لها بالسياسة. وإنما هي لجنة متخصصة في أعمالها. وتعمل بمثابرة. ولديها ما يشبه الجواسيس الذين يدرسون الآداب العالمية. وسيتوقفون عند كل من يلجأ إلي أنشطة دعائية فجة. ويبتعدون عمن يحيطون أنفسهم بدعايات كبيرة. إنهم يبحثون عن الطاقات الإبداعية. والدليل علي ذلك فوز نجيب محفوظ الذي لم يكن وراءه أية دعاية او علاقات عامة. إنما كان وراءه فيض عظيم من الإنتاج الأدبي. وبالتأكيد فأنا أتوقع أن يفوز بنوبل أحد المبدعين المصريين أو العرب. خصوصاً وأن لدينا من يستحقها. سواء في العلوم أو الأدب. أو النشاط الإنساني بشكل عام.
ويقول الروائي حسني سيد لبيب: نجيب محفوظ هو أول كاتب عربي يفوز بجائزة نوبل في الأدب. وقد شرفت الجائزة بحصوله عليها. ذلك لأن الجائزة تعتبر تقريراً بما هو قائم. نجيب محفوظ قمة شامخة في القصة والرواية. وتأتي الجائزة تتويجاً لرحلة الإبداع طويلة. نحن لانستطيع الجزم بإمكانية حصول كاتب آخر عليها. ذلك أنها ليست شهادة يحصل عليها كل مجتهد. لذا يمكن أن تتجاوز الجائزة آخرين يستحقونها عن جدارة. فالجائزة قد تمنح لشخصية ما. وتتخطي آخرين. وغني عن البيان ما يتردد في الأوساط الثقافية من أن الجائزة تمنح لاعتبارات سياسية أو أيديولوجية. حيث انها تأتي تتويجاً لمشوار المبدع ورحلة عطائه. لكن الدراسات النقدية لاتواكب حركة الإبداع بالقدر الكافي. وهي حركة مهمة في مجال تقييم ورصد الاتجاهات الفنية المختلفة. ويأتي الفوز بجائزة ما كأنه إشارة ضوء أخضر للنقاد كي يلتفتوا إلي ما يكتبه هذا المبدع أو ذلك. لذلك علينا ألا ننتظر حتي يفوز بالجائزة أديب آخر. حتي يشحذ النقاد أقلامهم. حركة النقد ينبغي أن تستيقظ من سباتها وتواكب الحركة الإبداعية. وخاصة في مجال الرواية. بصرف النظر عن حصول المبدع علي الجائزة العالمية او عدم حصوله عليها.
خوف غير مبرر
ويذهب القاص رستم كيلاني إلي أنه بعد اتهام نجيب محفوظ ومحاولة اغتياله. أصبح العرب يشكون في ذمة جائزة نوبل. باعتبارها جائزة صهيونية. وبعد اتهامه بأنه عميل أصبح الأدباء العرب يتخوفون من ترشيحهم للجائزة. والحقيقة أن الجائزة أدبية وليست سياسية. وقد ترشح أنيس منصور ويوسف إدريس للجائزة. لكن بعد تعرض نجيب محفوظ للحادثة الشهيرة. حدث خوف غير مبرر من الترشح لها!
وتشير الإذاعية هدي العجيمي إلي أن لدينا العديد من الأدباء العرب الكبار لم ينالوا حظهم من الإعلام أو "التلميع" الذي استأثر به غيرهم. وعبر برنامجي "مع الأدباء الشبان" أجد أن مصر ولادة. ولديها مواهب كبيرة مدفونة. تحتاج لنوع من الدعاية كي يحصلوا علي الجوائز العالمية. وهو ماحدث بالنسبة لنجيب محفوظ. فعندما قرأنا نجيب محفوظ وجدنا أن عالمه مختلف تماماً. وأن أدبه كان أدباً عظيماً. لكن علينا أن ندرك أن الجو السياسي في العالم اليوم. لن يعطي فرصة لأديب عربي مسلم أو مسيحي أن يأخذ الجائزة. ووضع العرب في العالم الآن لن يتيح أية فرصة للحصول علي الجائزة. فالجائزة سياسية.
ثمة أنشطة إبداعية عربية. وعلماء يستحقون الجائزة.. ولكن هل في ظل هذه الأوضاع يأخذ أديب عربي الجائزة. أشك في ذلك.
...................................
المساء الأسبوعية ـ في 19/7/2006م.
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:36 AM
الرؤية السياسية عند نجيب محفوظ
بقلم: محمد عبد الله الهادي *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" العبقرية صبر طويل " .. تلك هي المقولة التي تصدرت الكتاب الذي أ صدرته وزارة الثقافة المصرية بمناسبة حصول " نجيب محفوظ " علي جائزة نوبل ، وهي مقولة تنطبق بحق برهاناً ودليلاً علي كاتبنا الكبير ورحلته الإبداعية الثريَّة ، الممتدة بمحصلة مشواره الأدبي والفـني لأكـثر من نصـف قـرن .
عوالم نجيب محفوظ متعددة وتنطوي علي أبعاد كثيرة ومثيرة للدهشة والتأمل والحيرة ، ولذا كان واجباً علي كل من يتصدى لها أن يحتشد بقـدر من الجرأة والدقة والتمحيص ، لأن هذه العوالم الزاخرة بالفن الصادق و البديع ، قادرة علي البوح بالكثير من الأسرار والمعاني ، ولأن هذا المقال معني بالرؤية السياسية عند " نجيب محفوظ " يكون السؤال المشروع بداية هو : هل كان " نجيب محفوظ " سياسياً مهمُوماً في إبداعه ؟ ، ومحاولة الإجابة المشروعة أيضاً علي هذا السؤال ، تستلزم الدخول لعوالمه وإبداعه الأدبي الذي يتميز بكونه مرتبطاً بالعلاقات الاجتماعية بين الناس خاصة ، وقضايا الوطن عامة ، بل ويتعدى ارتباطها ذلك بالقضايا الإنسانية التي تهم البشر علي سطح الأرض ، وأعماله التي تبلغ درجة عالية من الحِس المتوهج والوعي المرهف بكافة هذه القضايا في الواقع المعاش . لقد كانت الرؤية السياسية للقرارات الثقافية تدعو الجماهير بالضرورة الملحَّة للمشاركة في صنع هذه القرارات ومن ثم استهلاكها ، وتدعو أيضاً للتقارب بين المبدع والمتلقي ، بتصور أن الأدب الجاد يستطيع أن يكون مؤثراً بفنه الخالص ، وبدرجة كبيرة تعجز عنها كثير من وسائل الاتصال الأخرى ، هذا برغم الثورة الهائلة التي صاحبت وسائل الاتصال مؤخراً ، وبالرغم أيضاً من الدعوة المتكررة للفصل بين الحلم والواقع ، وبين الروائي والسياسي ، وبين الواقع المعاش وخيال المبدع . علي ذلك فإن السياسة التي تصل بوسائلها لكافة مناحي الحياة ، تجعلنا ننظر لأي عمل أدبي ، مهما تعددت أشكاله ومضامينه ، بأنه سياسي بدرجة ما ، أو بمعنى آخر تلك العلاقة المعقدة بين الإبداع الأدبي من ناحية وهموم المجتمع من ناحية أخرى ، ومما هو معروف عن " محفوظ " أنه طوال رحلته الإبداعية لم يوظف إبداعه في خدمة شعار سياسي سلطوي ، أو أنه قد أطَّر إبداعه بالحجم الذي يخدم غرضاً سياسياً لأجل مطمع أو مطمح شخصي ضيق الأفق ، كما لم يعرف عنه أيضاً أنه قد تبنَّى دعوة عنصرية أو متطرفة ، بالرغم من وقوع الكثيرين من أبناء جيله في هذا الشرك ، خاصة أدباء المنظومة الاشتراكية التي تفككت وانهارت بانهيار الاتحاد السوفيتي ، لقد ظل " محفوظ " مؤمناً بأهمية الـدور الذي يجب أن يلعـبه الأدب في المجتمعات الناميـة .
وعن تطور العلاقة بين السياسة والأدب العربي ، يحضرني الآن موقف الرائد " محمد حسين هيكل " ، الذي رفض وضع اسمه وهو السياسي البارز علي روايته الشهيرة " زينب " ، مخافة الانتقاص من قدره في هذه المرحلة المبكرة من تاريخ الرواية العربية ، التي كان لمحفوظ فيما بعـد ، دوراً رائداً في تطورها ووصولها للعالمية ، بعـد جيل الروَّاد : عباس العـقاد وطه حسين وإبراهيم المازني والحكيم وغيرهـم .
أعمال " محفـوظ " فيما سمّي بالمرحلة الفرعونية كانت : " عبث الأقدار " 1939 ـ رادوبيس 1943 ـ كفاح طيبة 1944 ، وفيها يدعو إلي معاني الحرية والتطلع لأمجاد الماضي من أجل الحاضر ، والنضال ضد المحتل ، وإدانة سياسات المستعمر التي تؤمن بالقوة والبطش والاستبداد ، لذا كان الغرض الرئيسي للطرح التاريخي الروائي هو مصر وتحررها ، والحقيقة أنها لم تكن رؤيته فقط وهو الذي نشأ في كنف ثورة 1919 ، بل كانت رؤية أبنـاء جيـله من الروَّاد أيضـاً .
ثم جاءت مراحل إبداعه التالية : الواقعية ( 1945 ـ 1967 ) بمرحلتيها الأولى والثانية ، الأولى التي يتناول فيها مصر قبل ثورة يوليو 1952 والتي بدأت بروايته " القاهرة الجديدة " 1946 ، والثانية التي تتناول مصر بعد الثورة والتي بدأها بـ " اللص والكلاب " 1961 ، ثم المرحلة الأخيرة من مراحل إبداعه التي بدأت بالمرايا 1971 . ولقد اُتِّهم " محفوظ " ظلماً بالتناقض بين موقفه السياسي في رواياته وموقفه السياسي المعلن ، وهذا ما كان ينفيه دوماً داعياً القارئ الذكي للفهم الصحيح . روايات قبل الثورة ( الثلاثية ـ بداية ونهاية .. وغيرها ) لم تكن مؤيدة للحكـم القائم ، وبعد الثورة ( ميرامار ـ اللص والكلاب ـ ثرثرة فوق النيل .. وغيرها ) يمكن أن تضع " محفوظ " في خانة المعارضة لـ " عبد الناصر " ، وهكذا استمر الحال في عهد " السادات " الذي لم تنشر بعض أعمال " محفوظ " في عهده بصحيفة الأهرام لأول مرَّة ، ويؤكِّد " محفوظ " أنه كان دائماً ما يحمل علي السلبيات ويؤيد الإيجابيات ، الثلاثية ( بين القصرين ـ قصر الشوق ـ السكرية ) تتناول الأحداث السياسية من 1917 حتى 1944 ، والحركة الوطنية بقيادة " سعد زغلول " ، وأقرب الشخصيات ميلاً لشخصية " نجيب محفوظ " في الثلاثية هي شخصية " كمال عبد الجواد " وابن شقيقه " أحمد " ، أما " السيد أحمد عبد الجواد " : ( سي السيد ) كان رجلاً وطنياً يجيش قلبه بحب الوطن ، والثلاثية كعمل ضخم يؤكـِّد علي البعـد الوطني للوفـد و " سعد زغلول " والشعب بالمظاهرات والعمل السري والتضحيات من أجل الاستقـلال .
في " ثرثرة فوق النيل " تتطاير الكلمات من الأفواه ساخرةً وناقدةً الواقع ، المخدر مبرر وطريق للسياسة وعالمها والأزمة الناشئة عن اصطدام الحلم بالواقع . وفي " السمان والخريف " تتجلى أزمة الوعي السياسي في فترة الثورة . وفي " يوم مقتل الزعيم " يأتي التناقض أيضاً بين الأحلام والشعارات والفساد والتراوح بين الجانب السياسي والاجتماعي من خلال النقـد اللاذع للأوضـاع القائمـة .
ليس هذا علي المستوى الروائي فقط ، بل يتجلّى أيضاً في إسهاماته في القصة القصيرة :
همس الجنون ـ دنيا الله ـ بيت سئ السمعة ـ خمارة القط الأسود ـ تحت المظلة .. وغيرها . في هذه المحطات القصصية القصيرة التي توقف فيها قطار إبداعه بين أعماله الروائية ، أدان فيها قوى الشر والبطش والقهر ووحدانية السلطة ، وأشار لحركة الجماهير الرافضـة لتجـاوز الأجهـزة القمعـية ، يقـول " نجيب محفوظ " :
" أنا أعيش دائماً في الخـانة التي تلتقي فيها الديمقراطية بالعـدالة الاجتماعية ، وأنا أدافـع دائمـاً عن هـذا الرأي " .
وأشار إلي أنه في بداية ثورة يوليو 1952 تعرف علي الديمقراطية من أهدافها وليس بذاتها ، لكنه كان أكثر الناس الذين أسفـوا لتأجيل تطبيقها ، وأكد أن رواياته وقصصه القصيرة خير دليل علي ذلك ، فهي تدور حول عزلة المثقفين بسب عدم المشاركة السياسية ضد عيوب النظام الشمولي ، كما في القصتين : " الخوف " و " الانتظار " ، ولقد ظل واعياً لما حرم منه الشعب طوال تاريخه ، فالثورة حققت إنجازات رائعة في صالح الفقراء : التعليم والصحة والتصنيع وارتفاع مستوى المعيشة ، هذا لم يحدث في مصر طوال تاريخها السابق علي الثورة ، هذا كلّه جعله يقبل تأجيل الديمقراطية نظير هذه الإنجازات ، فهذه المكاسب كبيرة جداً ، لم تشهدها مصر في عصور الديمقراطية الحقيقية التي مرت عليها ، بسبب ظروف الاستعمار وفساد الحكم وضغط الحركة الوطنية ، لكن " عبد الناصر " الذي اكتوى بنار الأجهزة فيما بعـد ، جعـل " محفوظ " يدرك أن الديمقراطية ليست مفيدة كنظام في حد ذاتها ، بل هي القيمة التي تحفظ جميع القيم الأخرى ، سواء في السياسة أو التنمية أو الإنتاج ، هذا كله تعرض للخطر بسبب انتهازية الأجهزة الفاسدة ، وعندما حدثت نكسة 1967 أدرك بجلاء أنه لا نهضة ولا حياة حقيقية بلا ديمقراطية ، بل إن " عبد الناصر " نفسه كادت إنجازاته أن تذهب ضحية للحكم الفردي ، لكل هذا رحّب " محفوظ " باتجاه " السادات " نحو فتح النوافذ لبناء الديمقراطية . وعن الديمقراطية يقول " نجيب محفوظ " :
" الديمقراطية عملية تاريخية طويلة المدى بمؤسسات ترسخ باستمرار ، وتمتد للثقـافة والتربية والأسرة حتى تصل للفـرد في سلوكه اليومي مع الآخرين ومع نفسـه ، إنها عملية تحـتاج لتربية طـويلة " .
وقال أيضـاً :
" أنا احتفظ باستقلالي السياسي من أجل أدبي حتى أستطيع أن أرى السلبيات والإيجابيات بوضـوح " .
وعود للسـؤال : هل كان نجيب محفوظ مهموماً سياسياً في إبداعه ؟ ..
إن هذه الإطلالة علي رؤيته السياسية مجـرد محاولة للإجـابة والفهـم .
ــــــــــــــــــــــــ
* قاص وروائي مصري ـ عضو اتحاد الكتاب .
مصادر ومراجع :
1 ـ أعمال الكاتب الكبير الروائية والقصصية .
2 ـ أعداد من مجلة إبداع ـ الهلال ـ أدب ونقد ـ القاهرة .
3 ـ أعداد من الصحف اليومية والأسبوعية .
4 ـ ثلاثية نجيب محفوظ ـ الأب جاك جوميه ـ مكتبة مصر 1958.
5 ـ نجيب محفوظ يتذكر ـ جمال الغيطاني ـ أخبار اليوم 1987 .
6 ـ الرؤية والأداة " نجيب محفوظ " ـ د . عبد المحسن بدر ـ دار المعارف 1978 .
7 ـ تأملات في عالم نجيب محفوظ ـ محمود أمين العالم ـ الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر 1958
8 ـ نجيب محفوظ " نوبا 1988 " ـ وزارة الثقافة المصرية ـ 1988 .
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:37 AM
"زقاق المدق" لنجيب محفوظ من منظور النقد المرحلي
بقلم: د.فاروق مغربي
........................
هذه الرواية واحدة من الروايات التي صنفها النقاد ضمن المرحلة الاجتماعية الواقعية, وقد رأى النقاد جميعاً في هذه الرواية عملاً فيه الكثير من النضج الفني.
لقد ارتبطت أحداث هذه الرواية, بأحداث الحرب العالمية الثانية, وعكست الآثار الكبيرة لتلك الحرب على المصريين بل إنّ السبب في "عبقرية" هذه الرواية يرجع إلى التصادم بين الزقاق والحرب, فمن خلال هذا التصادم برز المعنى اللا أخلاقي للحرب, والقيمة السامية للسلام(1).
من المعروف, والمجمع عليه, أنّ الزقاق نفسه يشغل دور البطولة الحقيقية لهذه الرواية, ولكن شخصية "حميدة" لها مكانة خاصة عن باقي الشخصيات في الرواية كلها, وقد اختلف النقّاد حول هذه الشخصية بشكل لافت للنظر, وهذا دليل غنى هذه الشخصية, فالناقد "رجاء النقاش" يرى أنها رمز لمصر كلّها(2). ولكن هذا التأويل قد رفض من أكثر من ناقد, فهذا "الزعم لا يمثّل خطأ في تفسير الرواية وتحليلها فقط, ولكن يسيء إلى مصر أيضاً, خاصة والمؤلف يذكر في الرواية أنّ حميدة "عاهرة بالسليقة(3)". والدكتور طه الوادي يرى أنّه "قد تكون حميدة رمزاً لمصر المحتلة, فهي مصدر عطاء وسعادة للمحتل الغاصب بينما حرم منها أصحابها الشرعيون....(4)". ومع هذا فإنّ الناقد لا يحبّذ هذا الرأي لأنّه لا يجد ما يقوّيه في الرواية(5), وبالتالي فإن مجموع الضياع الحاصل في الرواية رمز لضياع أكبر هو ضياع وطن بأسره(6).
إذا كانت هذه حال الشخصية الرئيسية في الرواية, فما حال بقية شخصيات الرواية؟ يرى الناقد "بدر" أنّ هذه "الشخصيات تكتسب صفاتها منذ مولدها وكأنها تكتسبها بما يسميه المؤلف بالفطرة, وهي ترث هذه الصفات عن أبويها بصورة شبه آلية, أو ميكانيكية, جسدياً, ونفسياً, وتسيطر عليها صفة وحيدة تصلح تفسيراً وتبريراً لكل أعمالها, وضياع الأب بموته أو غيبته أو تعطله عن العمل يرشح الشخصية آلياً إلى الضياع, وإذا أدرك الباحث هذه الثوابت الآلية في تصور نجيب محفوظ للشخصية الإنسانية بصورة عامة, مضافاً إلى ذلك مفاجآت القدر وضرباته الخفية, والقسمة الثنائية بين الجسد والروح, إذا أدرك الباحث هذه الثوابت أصبحت شخصيات نجيب أشبه بكتاب مفتوح من الصفحات الأولى من الرواية, بحيث يصبح الباحث غير معرّض إطلاقاً للإحساس بالدهشة أو الخصوبة في مواجهته لأفعال هذه الشخصيات وأقوالها(7)". وعلى الرغم من أنّ بعض النقّاد قد أثنوا على الشخصيات الثانوية في هذه الرواية وبخاصة شخصية "زيطة", و"المعلم كرشة" إلا أنّ الناقد نبيل راغب يرى أنّ هذه الشخصيات "قدّمها الكاتب لكي يخدم الإطار الاجتماعي الذي رسمه للزقاق, لا لكي تسير طبقاً للحتمية الفنية التي يفرضها الشكل الفني(". وكان الناقد قد أشار قبلاً إلى مثل هذا الأمر عندما قال: (إنّ الباحث ليصاب "بخيبة أمل عندما يتقمّص المؤلف دور الباحث الاجتماعي, فيصف تفاصيل الزقاق لا لكي يخدم البناء الدرامي العام, ولكي يمنح القارئ صورة فوتوغرافية صادقة لما يدور في الزقاق, كأنّ الصورة هي هدف في حدّ ذاته(9)". ونحن لا يسعنا إلا مخالفة الناقد فيما ذهب, فالشخصيات الثانوية في هذه الرواية تحديداً, من أخصب الشخصيات وأكثرها شهرة في روايات نجيب محفوظ كلّها, وكانت تمنح الزقاق حركته التي أورد الروائي أن نعرفها, لقد كانت لبنات رئيسية في البناء العام للرواية, ولا يمكن الاستغناء عن واحدة بل يهيأ إلينا أننا لا نستطيع حتى تغيير اسم واحدة منها, ذلك أنّها رسخت في ذهن القارىء, واحتلت مساحة من تفكيره.
في ختام كلامنا على هذه الرواية, نريد أن نقف عند بعض الأحكّام التي أدلى بها الناقد "بدر" باعتبار أن دراسته من أكبر الدراسات, وأكثرها جدية فالناقد يلوم الكاتب على أنّه يستطيع أن يأتي بالحوار حياً ساخناً من قبل القواد وهو جانب شرير يكرهه نجيب محفوظ نفسه, بينما يأتي حوار عباس الحلو مملاً رتيباً, فيقول: "فرق بين وصف هذا الحب الذي يتجه فيه المؤلف إلى المبالغة والتعميم والخطابية, وبين وصفه البارع للمناورات التي تمت بين حميدة والقواد جسدياً ونفسياً والتي تجعلنا نشعر برغم محاولات المؤلف أنّ القواد أذكى, وأخف دماً عشرات المرات, وأقدر على التعامل مع المرأة من عباس الحلو(10)"؟!! ونحن في الواقع نستغرب هذا القول!! فهل يريد الناقد من الروائي أن يجعل القواد "المحترف" ساذجاً في تعامله مع المرأة, بينما يكون عباس الحلو الرجل الذي ليس له تجارب "زير نساء", إنّ الروائي, في رأينا, قد وفق جداً في هذه القضية, بل إننا نستغرب من عباس الحلو كيف ودّع حميدة "بقبلة" بعد اتفاقهما على الزواج, وهو في طريق ذهابه للتطوع بالجيش الإنكليزي. أمر آخر نأخذه على الناقد عندما يقول لائماً الروائي في أثناء حديثه عن حميدة" "ويتدخّل مرة رابعة بصورة تجعل الأمور تختلط عليها بقوله: "كانت تعتمد ألا تلوي على شيء". أن يسير الإنسان بغير هدف فهذا أمر مقبول, أما أن يعتمد أن يسير بغير هدف فأمر يبعث على الدهشة, وإذا تعمّد أن يسير بغير هدف, ثم اتّضح أنه يسير كل مرة حسب خطة مرسومة منحدراً من الصنادقية إلى الغورية ثم إلى السكة الجديدة فالموسكي, فهذا أمر يبعث على الحيرة حقاً(11)".
وواضح اللبس هنا, فالمقصود بهذه العبارة أنّها تسير إلى هذه الأماكن دائماً دون غاية محدّدة, وإنما لمجرّد التنزه حتى أصبح هذا الأمر عادة لا شعورية. كذلك نأخذ على الناقد دراسته اللغوية التي كان يعتمد فيها على فقرة أو اثنتين, فتخرج هذه الدراسة أقرب إلى الإسقاط منها إلى التحليل, فقد كان يأتي بها ليقرّر شيئاً معيناً مثل: كلاسيكية التعبير, سيطرة البلاغة الشكلية, الخلط بين الأسلوبين: القديم والحديث... الخ(12).
من خلال ما مرّ معنا من آراء نقدية حول هذه الرواية, نستطيع أن نبيّن أنّ الخط البياني العام لنجيب محفوظ, ما زال في تصاعد, فكل رواية كانت تحقق صعوداً فنياً إضافياً على ما سبقها, وهذا ما نلاحظه في الروايات الأخرى.
...............
هوامش المقال:
(1) انظر: تأملات في عالم نجيب محفوظ, 41.
(2) انظر: أدباء معاصرون, ص12, ويؤكد هذا ص70.
(3) الرؤية والأداة, 363.
(4) صورة المرأة, 265.
(5) انظر: المصدر نفسه, 265.
(6) انظر: المصدر نفسه, 264.
(7) الرؤية والأداة, 373.
( قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ, 106.
(9) المصدر نفسه, 104.
(10) الرؤية والأداة, 378.
(11) المصدر نفسه, 385.
(12) انظر: المصدر نفسه, 384, وذلك في تحليله للفقرة الخامسة.
...........................................
*المصدر: جريدة الاسبوع الادبي العدد 1004 تاريخ 29/4/2006م.
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:38 AM
رأي في رواية (حب تحت المطر) لنجيب محفوظ
بقلم: ضياء قصبجي
........................
اعتدتُ أن أقرأ كلّ الكتب التي يولِّفها الأديب الكبير نجيب محفوظ، لإعجابي الكبير بأدبه الرفيع، ولإبداعه النادر في كتابة رواياته.. وقصصه القصيرة أيضاً.. قبل أن أقرأ رواية (حب تحت المطر) قيل لي إنها تتحدث عن (حرب 5 حزيران) قرأتها، وبعد انتهائي من قراءتها كنتُ في حالة استغراب ودهشة من مستوى هذه الرواية للأديب الذي رصد تاريخ مصر بقصص شيّقة وخيال بديع.. هو الذي ألّف ثمانية وعشرين كتاباً فيها من القوّة والصدق والمعاناة ما لا يتوفَّر لدى أيِّ أديب آخر.. هو الذي يصوِّر لنا الواقع صوراً أكثر واقعيّة من الواقع ذاته.
تساءلتُ، أيةُ شحنات وطنيّة تثيرها كلماته المنثورة هنا وهناك في هذه الرواية..؟
فرواية (حب تحت المطر) تصف مجموعة من النساء المستهترات، والشباب النفعي... لم أعثر إلا على تشويه خلقي، انحلال سياسي، بيوت وممارسات مشبوهة، يحبكها المؤلف من خلال أحداثٍ شائكة ومعقّدة، ليحلّها ببراعته القصصية، وسلامة قلمه، وغزارة أفكاره، ولو حاولت التوغّل لأصل إلى العمق الذي ألِفته في رواياته، فأيُّ عمق أصل إليه هنا..؟
تُرى هل (حرب 5 حزيران) قلبت المجتمع المصري بسرعة مفاجئة من مجتمع عربي عادي إلى مجتمع أوربي لا يحلِّل ولا يحرم..؟ لا قيم لديه ولا أخلاق، هذا غير معقول.. فأخلاق المجتمع وليدة عهود وأزمان لا وليدة حروب وضغوط... والسؤال... ما علاقة الحب الضائعة في هذا الانحلال الموصوف في روايته هذه..؟
بيد أنَّ إعجابي بنجيب محفوظ الكاتب المبدع والإنسان المتواضع، الذي التقيت به مرّة في مقهى (ريش) في القاهرة، ونعمت برقته وكرمه وتواضعه، والذي أفتخر برسالة منه بخطِّ يده لي في السبعينات... لا يمكن أن يخطئ أو يكتب أدباً أقلَّ من مستوى كتاباته.. فلابدَّ أنني مخطئة برأيي هذا... وحبَّذا لو يقرؤها ناقد موضوعيٌّ ليقولَ لي ماذا أراد نجيب أن يقول بهذه الرواية..؟
...............................
*المصدر: جريدة الاسبوع الادبي العدد 997 تاريخ 11/3/2006م.
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:40 AM
مع الروائي نجيب محفوظ
بقلم: نزار نجار
..................
نجيب محفوظ نال تقدير القراء قبل أن ينال تقدير النقّاد والدارسين، أي إنَّ أول من اكتشف محفوظ هم قراؤه الذين أحبّوه وتعلّقوا بما فيه من صدق وعمق وأصالة فنّية عالية..
فمنذ سنة 1932 بدأ الكتابة، وما يزال يعيش من أجل أدبه، كما يعيش القديّس من أجل رسالته. إنّه مثل تشارلز ديكنز بالنسبة إلى الإنجليز، وتولستوي بالنسبة إلى الروس، وبلزاك بالنسبة إلى الفرنسيين، وكالدويل أو ميلفل بالنسبة إلى الأمريكيين.. إنّه الأب الحقيقي للقصّة العربية المعاصرة..
وأهمّ ما يميّز الكاتب نجيب محفوظ كفنّان؛ هو جدّيته وإيمانه القوي الرائع بأثر الفنّ، ودور الفنّ في خدمة الحياة، هو كاتب ملتزم، لم يتخلّ لحظة واحدة عن التزامه بالتعبير عن هموم النّاس، والتزامه ينبع من صدق الرؤية والجرأة في التعبير.. الصدق عنده هو كلمة السرّ التي توصل الكاتب إلى الناس...
كلّ سطر من رواياته يشي بهذه الحقيقة الجلية، والتي أعدّها المصدر الحقيقي لكلّ هذا الاهتمام الذي يمنحه النقاد والفنانون لأدبه..
إنّه لا يقل مكانة في منزلته الأدبية عن أي أديب عالمي وربّما يفوق الكثيرين منهم...
*عالم نجيب محفوظ ورواياته...
أدب نجيب محفوظ يتحرّك داخل إطار عالم واحد.. لكنه يتحرك وينمو ويتجدّد في اتّصال مبدع.. إنّه عالم واحد من الرموز والكنايات والتصوّرات والقيم والشخوص والأجواء والعناصر والأحداث. في أدبه ثوابت عديدة تحدّد التضاريس النفسية و الاجتماعية والفكرية والأساسية لعالم أرحب..
وما أكثر هذه الثوابت التعبيرية المكرورة التي نتعرّف بها إلىعالم نجيب محفوظ..
-الحارة، المقهى، الكازينو، طريق الجبل، الخلاء، الخرائب، المقابر، الجوزة، النافذة، السطح، السكارى، الفتوات، الأشقياء، الأفندية، مثقفو الطبقة الوسطى، موظّفو الأرشيف، المسطول، العاهرة، الأعمى، الشحاذ، العملاق ضخم الجثة، الشيخ المتدين، رجل الطريق، صاحب الزاوية، الشرطي، السلطة، الساعة الواحدة، اللحظة الواحدة التي لا عمر لها، الماضي، الحاضر، الذهول، الحلم، الانتظار، الشوق، الطمأنينة، الضياع، الانتقام، المعارك، القدر..
ولقد كانت بدايات نجيب محفوظ على صفحات مجلّتي الرواية والرسالة (تخرج من قسم الفلسفة عام 1934)، وعلى حدّ قوله في آخر حوار له في مجلة العربي الكويتية العدد 479-1998، أنه كانت عنده رغبة في محاولة لكتابة تاريخ مصر، من العصر الفرعوني حتى العصر الحاضر على شكل نصوص روائية وسيكون ذلك شاغله الوحيد على مدى حياته كلها.. كانت خطة العمر كلّه!...
إلا أنّه توقّف بعد الرواية الثالثة واتجه إلى الواقعية.. كتب نجيب محفوظ أقاصيص متنوعة جمعها في كتاب "همس الجفون" لكنّ أول رواية طويلة كتبها هي رادوبيس، وقد ترجم قبلها عبث الأقدار، وهي قصّة فرعونية، كأنّما –كما أسلفنا- كان ينوي أن يكتب التاريخ الفرعوني كلّه قصصاً وروايات كما فعل في رادوبيس وكفاح طيبة، وأحمس بطل الاستقلال، ولم يكن يفكر في ذلك الوقت في كتابة أية قصّة واقعية معاصرة!...
في رادوبيس تتجلّى واقعية المؤلّف ومنطقه وتسلسل أفكاره وبراعته في الوصف، على الرغم من أنه كان يروي ما يشبه الأسطورة.. (الناشرون رفضوا طبعها لأنه ليس من مشاهير الكتّاب، وكذلك فعلوا مع قصّة كفاح طيبة، لكنّه تغلب على ذلك واستطاع نشرهما عن طريق لجنة النشر للجامعيين دون أجر).
وقد أهمل النقاد الحديث عن هذين العملين إهمالاً تاماً، ولم ينتبه إليهما أحد من الدارسين!...
في عام 1945 ترك نجيب محفوظ القصص الفرعوني، جرى ذلك دون تخطيط أو أنه وجد نفسه مطالباً بتقديم عالم مجهول بالنسبة له وبالنسبة للقارئ الذي يجهل هذا العالم أكثر منه، فكان لابدّ من الكتابة الواقعية التي أصبحت مناسبة جداً في هذه المرحلة الجديدة...
في الوقت الذي كان الجميع ينعي الكتابة الواقعية، تحوّل إليها، لأنه وجدها هي المناسبة كشكل فنّي ومنهج فنّي للتناول.. إن الداخل هو الذي كان يوجّه عملية الانتقال من مرحلة إلى أخرى..
كتب "القاهرة الجديدة"، وتقع حوادثها في دواوين الحكومة وتصوّر الانحلال الخلقي الذي سيطر على بعض العقول التي أفسدتها فلسفات أسيء فهمها، وظهرت سخرية الكاتب بالأوضاع في ذلك الوقت لاذعة، وبدت في هذه الرواية موهبته القصصية التحليلية في هذا اللون الجديد، كان هناك احتكاك مباشر بالحياة العملية في الوظيفة الحكومية، زوّدته بكثير من الخبرات السياسية والاجتماعية، وأطلعته على خفايا الدواوين الحكومية، وعلاقات الموظفين بكبار المسؤولين، وهي أول رواية اجتماعية بعد (عبث الأقدار، ورادوبيس وكفاح طيبة)، لوحة للمجتمع المصري في الثلاثينات، فيها أصداء كثيرة من خبرات الكاتب في الجامعة وفي الوظيفة الحكومية، لوحة حافلة بالأحداث والشخصيات والألوان (عالج فيها الفقر والفساد)، بطلاها: محجوب عبد الدائم، وإحسان شحاته، يسقطان حين يقبلان الارتباط بزواج زائف يملك مصيريهما الوزير قاسم...
الرواية كلّها نموذج للفساد السياسي والخلقي المتفشي بين كبار الموظفين وصور محسوبية ورشوة ونفاق وانتهازية، ورذائل وعهر... وهذان اللونان (الفقر والفساد سيظلان هما الغالبان على لوحات الكاتب أو رواياته لفترة طويلة..)..
وأنا أعتبر أنَّ هذه الرواية هي المسودة الأولى التي سيعدل فيها الكاتب وينقّح مرات عديدة ليقدّمها بعد ذلك في (زقاق المدق، حميدة وعباس)، وفي (السمّان والخريف، ريري) وفي (ميرامار، زهرة)...
كانت نقطة التحوّل في أدب نجيب محفوظ ثلاث روايات (بعد القاهرة الجديدة) هي خان الخليلي، وزقاق المدق و بداية ونهاية.. عكست هذه الروايات الثلاث بصور مختلفة الآثار المدمّرة التي أحدثتها الحرب العالمية الثانية في حياة مصر..
ونجيب نفسه يعتبر قصّة "خان الخليلي" نقطة التحوّل الحقيقية في أدبه لأنها القصّة التي جذبته إلى الجوّ الذي يحبّه وإلى الناس الذين يكشفون له كنوز نفوسهم (عرض فيلم خان الخليلي في بعض العواصم الأوربية، استنكر المشاهدون مشاهد الرقص والسمر في المخبأ أثناء الغارة، لكنّ الجمهور لم يفهم أنّ الحرب فرضت على مصر، دون أن يكون لها رأي أو مصلحة في هذه الحرب), صورت خان الخليلي السلبية والضياع في مصر أثناء الحرب العالمية الثانية..
أمّا زقاق المدق فتعرضت إلى مأساة مصر أثناء الحرب. إذ انتهكت قوات الاحتلال شرفها وكرامتها وخيراتها. فدفعت بفريق من أبنائها إلى عمليات انتحارية بقصد الانتقام في حين اكتفى الباقون بالفرجة كأنّ الأمر لا يعنيهم في شيء.. (عباس الحلو دافع عن حميدة فقُتِل.. وحسين كرشه أعزّ أصدقائه وشقيق حميدة من الرضاع متفرّج)، و(فرج قاد حميدة إلى السقوط)..
ويجيء عام 1949 فيكتب نجيب محفوظ بداية ونهاية.. مجتمع مهترئ (تنتحر نفيسة وينتحر حسنين، حسن ينتهي إلى الانحراف والاتجار بالمخدرات، حسين شاهد أمين على المجتمع المهترئ والسقوط المريع، حزين على نفسه وعلى الملايين.. ليس فرداً لكنه أمّة مظلومة).
مرّر الكاتب بعدئذٍ رواية فريدة في هذه الفترة هي رواية (السراب) 1948، لقد ابتعد نجيب محفوظ عن الحيّ الذي تعلّقت به روحه، شاب مصاب بعقدة أوديب، سبّبت له عجزاً جنسياً، وعلى الرغم من أنّ كثيرين كرهوا بطل هذه القصة لأنه أثار اشمئزازهم لكنّ آخرين تحدّثوا عنه بعطف ورثاء..
ثم تجيء الثلاثية (1956-1957)، بعد سبع سنوات، وقد تطلّب هذا العمل من الكاتب كلّ خبراته الفنية والاجتماعية والنفسية.. تطلّب منه فهماً لتاريخ مصر.. وأهدافها القومية، ويمكن القول إنّه وضع فيه كلّ حياته بما فيها من فكر وعاطفة وطموح..
في ألف ومائتي صفحة، أو يزيد، ومن سنة 1917 إلى سنة 1944 رصد حياة ثلاثة أجيال من أسرة السيّد أحمد عبد الجواد (بين القصرين ثم قصر الشوق ثم السكريّة) جيل أحمد عبدالجواد ثم جيل ياسين وفهمي وكمال، ثمّ جيل الأحفاد أحمد شوكت وعبد المنعم ورضوان..
عاد نجيب محفوظ في هذه الثلاثية إلى الجوّ الذي يحبّه، عاد إلى جوّ الحسين، عرض فيه شخوصاً متباينة كل التباين. أحبّهم جميعاً، لم يتحيّز لأحد منهم، كلّهم قريبون إلى قلبه، الطيبون والشريرون سواء، إنّ غاية ما يريده من شخوص رواياته أن يعبّروا عن نماذجهم البشرية بإخلاص..
يقول نجيب محفوظ :
-أعتقد أنّ فيها وجهة نظر مؤكّدة تجدها في خطّ سير معيّن للأحداث يمكن تلخيصه في كلمتين بأنّه الصّراع بين تقاليد ضخمة ثقيلة وبين الحرية في مختلف ألوانها السياسية والفكرية، وتنتهي الثلاثية بعطف معيّن لا يخفى على أيّ قارئ، ولن يصعب على أيّ ناقد تبيّنه، ووجهة النظر في العمل الفنّي تعرف بالإحساس إذا ما أسهل التعبير المباشر عنها ولا أعتقد أنّ أحداً قرأ الثلاثية دون أن تتمركز عواطفه في شيء معيّن واضح..
الثلاثية عمل ضخم ليس من السهل الإحاطة به في دراسة واحدة، عمل مناهض للتخلّف والرجعية، مؤيّد للعلم والاشتراكية (وإن كان صوت الراوي فيها خافتاً)!..
بعد الثلاثية مباشرة كتب نجيب محفوظ أولاد حارتنا (1959)، رواية كاملة، تسجّل رحلة المجتمع البشري مع الدّين والإيمان منذ بدء الخليقة حتى سيادة روح العلم، ويمكن القول:
-إنها ملحمة شعبية يتجادل فيها الناس بالعصي والأيدي والألسنة والأغاني.. أدهم، جبل، رفاعة، قاسم...
ملحمة متخيّلة تمزج الأسطورة بالواقع، وهؤلاء الأبناء قاموا بثوراتهم وهم على صلة ما بالجبلاوي الجدّ المختبئ وراء جدران البيت القديم قدم الحارة، الأبناء والأحفاد كلّهم سلالة الجبلاوي، الجدّ العتيد، الذي هو أصل الحياة وهم ورثة الوقف القديم يعاونون الإذلال، يعانون من تسلّط ناظر الوقف وعصيّ الفتوات، ويتلمّسون عبر أشجع أبناء الحارة حلاًّ أو حلولاً لهذا الظلم القائم...
قراءات متعددة لنص مفتوح، المقصود هنا بالحارة تاريخ البشرية وصراعها مع التخلّف والقهر، وهي تبشّر برمزية مسطّحة بانتصار العلم، تكتشف في العلم الخلاص، هي مقدّمة في تكثيف شاعري، وفكر يتنفّس كالجسم، ويدور حول نفسه كما تدور الأرض وربّما تصبح هذه الرواية مدخلاً للرحلة الفكرية والإبداعية الجديدة التي قدّم خلالها الكاتب، (اللص والكلاب)، السمان والخريف، الطريق، الشحاذ، ثرثرة فوق النيل، ميرامار)، خمس روايات يمكن أن نسميها المرحلة الفلسفية.. أثمرت هذه الروايات، خرج بها عن دائرة الواقع المحلي الاجتماعي إلى مسائل إنسانية تتعلّق بالوجود وبالإنسان،
-(ثرثرة فوق النيل) رواية أفكار لا أشخاص، أو رواية فكرية تتحرك فيها الأفكار لا الأشخاص أو هي بحث داخلي في الإنسان (أنيس زكي: عيناي تنظران إلى الداخل لا إلى الخارج كبقية عباد الله...).
-رواية السمان والخريف 1962، ختام المرحلة الواقعية الاجتماعية، ثم مجموعة دنيا الله القصصية 1963، كبداية للمرحلة الفلسفية الجديدة في أدب نجيب محفوظ، مرحلة التطلّع إلى الواقع المأساوي للإنسان بالنسبة إلى الوجود، مرحلة يختلط فيها الواقع بالرمز..
بالمقارنة مع أبطال "همس الجنون" الذين يسعون سعياً مرّاً إلى الوظيفة، تلك كانت كلّ أحلامهم ومصدر زيفهم الاجتماعي وانتهازيتهم... أبطال دنيا الله لا تعاني مثل هذه المرارة من أجل الحصول على وظيفة، كلّهم لديه الحد الأدنى من الحياة لكنهم يتمرّدون على حياتهم، إنهم يتساءلون:
-أهذه الحياة التي سعينا من أجلها؟!..
-ما جدوى الحياة؟.. لماذا كانت بهذه الرتابة والمحدودية؟..
... روايات نجيب محفوظ لها عوالم متميّزة تموج بالحياة الصاخبة بالآمال والأحلام والتوق الإنساني الذي ليس له حدود..
.........................................
*المصدر: جريدة الاسبوع الادبي العدد 986 تاريخ 17/12/2005م.
صالح سعيد الهنيدي
08-30-2006, 11:41 AM
رحمه الله وغفر ذنبه
شكرًا دكتور حسين
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 11:41 AM
إشكالية النقد الروائي حول روايات نجيب محفوظ
بقلم: د. فاروق إبراهيم مغربي*
.....................................
آ ـ ضبط المصطلح:
إنّ مفهوم النقد بشكل عام، لا يصل مداه إلا عندما يمثلّ الناقد لغته النقدية بشكل دقيق.
وهذا يعني أن ضبط المصطلحات. وتحديد المفهومات، يعدّان من أهمّ ما يقوم به دارس النقد. وخاصة إذا رأى أن ثمّة تخبّطاً في تلك المصطلحات والمفهومات،
من هنا، نجد لزاماً علينا أن نتناول بادئ ذي بدء. مصطلحي "التفسير (Exegesis) و"التأويل" (Interpretation)، بشيء من التفصيل، لأنّ جلّ آليات النقد التي يمكن أن تمرّ معنا ستكون منضوية تحت أحد هذين المصطلحين، ولذلك فإننا سنعرض هذين المصطلحين عبر تطورهما
التاريخي، حتى نصل إلى هذا العصر، وغايتنا في النهاية، تحديد هذين المصطلحين بشكل يجنّبنا الكثير من المزالق التي سنراها واضحة عند أغلب النقّاد.
التفسير لغة: الإبانة وكشف المغطى(1)، ويرى صاحب القاموس المحيط أن التفسير والتأويل واحد(2)، ولذلك قال في مادته "آل" أوَّلَ الكلام تأويلاً، دبّره وقدّره وفسّره(3). وقد اتفقت أغلب المعجمات على أن "التفسير" هو كشف المراد عن اللفظ المشكّل، و"التأويل" هو ردّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر(4). وقد أضاف صاحب تاج العروس في سياق مادة "فسر": ((وقيل: التفسير شرح ما جاء مجملاً من القصص في الكتاب الكريم، وتعريف ما تدّل عليه الألفاظ الغربية، وتبيين الأمور التي أنزلت بسببها الآية؛ والتأويل: هو تبيين معنى المتشابه هو ما لم يقطع بفحواه من غير تردّد فيه، وهو النص(5))).
إنّ "التفسير" و"التأويل" مصطلحان ارتبطا بظهور القرآن، حتى إن الأول صار عنواناً وعلماً للعلم الخاص بفهم الكتاب المنزل، وبيانه، وهو "علم التفسير"، ولذل صار المصطلح الشرعي يعني ((توضيح معنى الآية، وشأنها، وقصتها، والسبب الذي نزلت فيه بلفظ يدّل عليه دلالة ظاهرة(6))). أما "التأويل" شرعاً فهو ((صرف اللفظ عن معناه الظاهري إلى معنى يحتمله، إذا كان المحتمل الذي يراه موافقاً للكتاب والسنة مثل قوله تعالى "يخرج الحي من الميت" (الأنبياء 95) إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيراً، وإن أراد به إخراج المؤمن من الكافر، أو العالم من الجاهل كان تأويلاً(7))).
ولعلّنا هنا، نستطيع أن نلاحظ أن المعنى الشرعي قد اشترط في التأويل وجوب موافقة المعنى للكتاب والسنّة، وهذا يعني ببساطة أنه يمكن أن يكون هناك تأويل لا يوافق الكتاب والسنّة، وتأويل كهذا، مرفوض من الناحية الشرعية فقط. وعلى الصعيد الأدبي الذي نحن بصدده، يمكننا أن نرى عدداً من التأويلات المتباينة وفقاً لاجتهاد المؤوِّل.
إن المفسرين القدامى قد اختلفوا فيما يحمله هذان المصطلحان من معان، ويمكننا أن نلاحظ في ذلك فريقين: الأول رأى أنهما بمعنى واحد، ومن هؤلاء "أبو عبيدة، وثعلب(". كذلك نجد أن "القرطبي" لا يختلف عنهما عندما يجعل التأويل من معاني التفسير عندما يقول: "والتأويل يكون بمعنى التفسير... وقد حدده بعض الفقهاء فقالوا: هو إبداء احتمال في اللفظ مقصور بدليل خارج عنه، فالتفسير بيات اللفظ كقوله: "لا ريب فيه" (البقرة /2) أي لا شك... والتأويل بيان المعنى كقوله: لا شك فيه عند المؤمنين(9)".
الفريق الثاني رأى بينهما فرقاً، ومن هؤلاء: "الزركشي" صاحب البرهان في علوم القرآن، فقد لاحظ أن أكثر استعمال التفسير في الألفاظ، وأكثر استعمال التأويل في المعاني، وكذلك لاحظ أن التأويل يستعمل بكثرة في الكتب الإلهية، أما التفسير ففي غيرها(10). وذكر الإمام "أبو القاسم محمد بن حبيب النيسابوري" أن بعض العلماء في زمانه "ممن لا يحسنون تلاوة القرآن أو معنى السورة والآية، لا يحسنون التفريق بين التفسير والتأويل(11)". والتفسير عند "الماتريدي" هو القطع بأن مراد الله تعالى كذا، والتأويل ترجيح أحد الاحتمالات من دون قطع حيث إن التفسير ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق بالدراية(12). وجعل "الزركشي" التأويل من باب الاجتهاد يقول: "والرابع ما يرجع إلى اجتهاد العلماء، وهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل: وهو صرف اللفظ إلى ما يؤول إليه، فالمفسر ناقل والمؤوِّل مستنبط(13)". وذكر "أبو طالب التغلبي(14)" أن التفسير هو بيان وضع اللفظ إما حقيقة إما مجازاً كتفسير الصراط بالطريق، والتأويل تفسير باطن اللفظ فالتأويل عنده إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير إخبار عن دليل المراد(1).
لو انتقلنا إلى العصر الحديث، لرأينا أن التخبط في هذين المصطلحين يزداد بشكل مضطرد، وازدياده ناتج عن عدم التحديد؛ فكل ناقد لـه وجهة نظره، وخاصة أنه تم استحضار مصطلح آخر هو "التحليل" ((Analysis)) فأخذ هذا المصطلح يتوسط بين التفسير والتأويل مرة، ويتساوى مع التفسير مرة، ومع التأويل مرة أخرى ناهيك أن مصطلحاً آخر بدأ يستعمل بقوة هو "الشرح" ((Paraphrasing)) وكثيرة هي الدراسات التي ساوت بين الشرح والتفسير.
ولو انطلقنا الآن إلى حيّز الكلام المدعوم بشواهد علمية على ما نقول لرأينا أن الذين ينحون نحو البنيوية يساوون بين التفسير والتحليل، هاهو ذا الدكتور "عبد الله الغذامي" يقول: "والدلالة الضمنية فعالية فنية توجد في النص كإمكانية غرسها الكاتب، وتنتظر القارئ المدرّب لكي يكتشفها في النص، فالقارئ لا يعطي النص معنى أو دلالة غريبة عليه، وإنما يكتشف ما فيه فقط. وهذا مفهوم "تفسير الأدب"... ذلك أن تفسير الأدب هو وصف لفهمنا للنص، بينما الشرح هو إعادة كتابة النص بكلمات تبدو لصاحبها أنها أوضح من الأصلية، والتفسير بهذا المفهوم هو ما قد عناه "رولان بارت" بصفة "علم حالات المضمون" مما يختلف عن "علم المضمون" أنه ليس شرحاً، ولكنه تفسير، أو علم للنماذج، أي أنه ((الدلالة الضمنية
للنص، وليس الدلالة الصريحة(15))). ولأنه يستعمل التفسير بمعنى التحليل يقول: ((وسيظل النص يقبل تفسيرات مختلفة، ومتعددة بعدد مرات قراءاته(16)). وكذلك يفعل الدكتور "عز الدين إسماعيل" فهو برغم تخبطه(2) يستعمل التفسير بمعنى التحليل، ولعلّ عنوان كتابه "التفسير النفسي للأدب" هو خير دليل على ذلك، فهو يرى أن عملية التفسير (التحليل) ((ليست عملية آلية يستطيع كلّ إنسان أن يزاولها(17))). والدكتور "جابر عصفور" يجعل التفسير بمعنى التحليل عندما يقول ((ونواجه ـ باختصار ـ هذا الوضع المعقّد من التفسير والشروح والتأويلات(1)، وواضح أن التفسير يشكل مختلفاً عن التحليل، ومساوياً للشرح، عندما يعطف التحليل على التفسير بقوله: "وأن تعمّق قدرته على التفسير والتحليل(19)". والدكتور "نعيم اليافي "يفرّق بين كلّ من الشرح والتفسير والتحليل بقوله: ((سواء أكان شرحاً أم تفسيراً أم تحليلاً(20))). أو قوله: ((تحليلها وتفسيرها(21))).
لو انتقلنا إلى الناقد "غراهام هو" لرأيناه يخلط بين التفسير والإيضاح والشرح والتأويل عندما يقول: ((التفسير أكثر وظائف النقد إلحاحاً وتكراراً، فقبل أن نستطيع الحكم على الأدب، أو التروّي في صلته بالفعاليات الإنسانية الأخرى، يجب فهمه فهماً صائباً. وقد كان التفسير أو الإيضاح أو الشرح (بحسب أي تعبير دارج) يشكّل في كلّ العصور قسماً كبيراً من الفعالية النقدية(22))). وربّما كان هذا الفهم هو لذي جعله يرى أن لتفسير الأدب مفهومين شائعين هما:
((آـ إنه لكشف قصد الكاتب عن طريق إزالة العقبات التي تقف في وجه الفهم؛ أي أنه لشرح الألفاظ والمصطلحات والتراكيب للتعقيب على التوريات الغامضة، وتوضيح المناظرات، فقد كان يظنّ أن المعنى المقصود سيبرز بعد ذلك جليّاً، فينتهي بذلك عمل الشارح أو المفسّر.
ب ـ إن للعمل الأدبي معنى خفيّاً، أو مستتراً لا ينكشف ضرورةً بمجرد إزالة العقبات، وإن من مهمات النقاد أن يؤوّل هذا المعنى المستتر الذي قصد إليه الكاتب عامداً أو لم يقصد، (23))). وكما نلاحظ، فإنّ الناقد هنا يجعل النقد كلّه منحصراً في التفسير، وهذا ما سنبيّن بطلانه ـ من وجهة نظرنا ـ لاحقاً لأنه يحمِّل التفسير ما لا طاقة لـه به.
ومن الملاحظ، بعد هذا كلّه، أننا لم نصل إلى مفهوم واضح لأي من المصطلحات التي مرّت بنا، وكان من المفيد والجيد، لو أن معاجم المصطلحات الأدبية (المختصة) كانت الفيصل المعين على اجتياز هذا اللبس، ولكن معاجم مثل: المعجم الأدبي لجورج عبد النور، ومعجم المصطلحات الأدبية المعاصرة لسعيد علوش، ومعجم المصطلحات الأدبية لإبراهيم فتحي، لا تقدم شيئاً، بل إنها ـ في اعتقادنا ـ تزيد هذا اللبس، هذا أحدها يقول عن التفسير إنّه ((محاولة لإدراك الشيء بتفكيك جزئياته، وتعرّف مكنوناته.
1 ـ والتفسير تخلص من الفهم المسبق، واستعانة لإدراك الجديد.
2 ـ والتفسير تبسيط لمعطيات العمل(24))).
ولعلّنا نلاحظ الفرق الشاسع بين المعاني، فتارة يجعله ذا عمق تحليلي يعنى بالغوص إلى أعماق النص، وتارة يعطيه معنى سطحياً يتناقض كلية مع المعنى الأول.
بعد هذا التحديد ينتقل المؤلف إلى ما أسماه بالتفسير النصي ليقول:
((1 ـ يدرك التفسير كبنية، تحتوي وتتجاوز البنية المدروسة.
2 ـ اتجاه في تفكيكك العمل الأدبي واستبعاد كل ما هو خارج عن النص ذاته من مؤثرات خارجية، أو اعتبارات تمتّ إلى المؤلف.
3 ـ فحص أجزاء العمل الأدبي، لمعرفة العلاقة التي تربط بينهما، والحكم عليها استناداً إلى المعايير التالية:
آ ـ الاكتفاء الذاتي من الوجهة الدلالية.
ب ـ وحدة النص الأدبي.
ج ـ التكامل العضوي للأجزاء(25))).
بعد أن استفضنا في كيفية تناول النقّاد لمصطلح التفسير، وبعد أن رأينا أن هناك شيئاً من عدم الدقة في تناول هذا المصطلح، فهو مرة
يقابل الشرح، ومرة التحليل، ومرة التأويل، ماذا يمكننا أن نقول؟ وما هو رأينا في هذه المصطلحات جميعاً؟
إننا، وبشكل عام، نرى أنه يمكننا تقسيم الفعالية النقدية إلى محورين رئيسيين هما: التفسير والتحليل: فتحت لواء التفسير يمكننا أن نضع الشرح، وتحت لواء التحليل يمكننا أن نضع التأويل مع اختلاف في تحديد المسارب؛ فقراءة الشرح لا تتعدى أن تكون فعالية مدرسية لا تضيف إلى النص شيئاً، ولا تبيّن ما فيه(26)، بل إنها تقزّمه وتسطّحه، وتقتل الإيحاء فيه، أضف إلى أنها بعيدة كلّ البعد عن الإبداع، وهي إن التزمت بالنص، فإنه ((تأخذ منه ظاهره معناه فقط، وتعطي المعنى الظاهري حصانة يرتفع بها فوق الكلمات، ولذا فإن شرح النص فيها يكون بوضع كلمات بديلة لنفس المعاني، أو يكون تكريراً ساذجاً يجتّر نفس الكلمات(27))). وعماد
الشرح التلخيص، واللغة الإنشائية، وجرّ النص من حيّز الإبداع الفني إلى حيّز النثر العادي الذي يقترب من لغة الكلام
اليومية، وحقيقة، إننا نستغرب وجوده ضمن نطاق النقد الأدبي، ولكن الذي نستغربه أكثر أننا، وإلى يومنا هذا، مازلنا نرى أكثر الدراسات النقدية، وخاصة تلك التي تنشر في الصحف الأدبية، دراسات سريعة تعتمد الشرح الذي لا يحتاج إلى تخصص، وربّما يعود السبب في ذلك إلى المؤسسات التعليمية التي ما زالت حتى الآن، تتعامل مع النصوص الأدبية بهذه الطريقة.
أما التفسير فهو الشكل الأرقى للشرح، لن نحمّله الولوج إلى أعمق أعماق النص كما فعل بعض النقّاد، ولن نجعله شرحاً عقيماً ساذجاً، إنهاستبدال نص آخر بالنص الذي نقرؤه، وهذا النص الجديد فيه، من دون شك، سمات إبداعية تتجاوز البنية المدروسة، فتعرّفنا بعض مكنوناتها، بغية الإعانة على تمثّلها. والذي نراه، أن التفسير لا يستبعد كلّ ما هو خارج النص من مؤثرات خارجية، أو اعتبارات تمتّ إلى المؤلف بصلة، على نحو ما ورد في معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، بل إن أمراً كهذا هو من صلب عمل التفسير، فهو بهذه المعلومات الجانبية، يحاول أن يقدّم ومضة تعين على استكناهنا للنص، وبهذا الأمر، يختلف عن التحليل: الفعالية النقدية الأكثر دقة، وصعوبة. نختلف في الوقت نفسه، مع الناقد "سامي سويدان" الذي جعل التعامل الخارجي مع النص، أي (المقاربة التحليلية التي تعالج النصوص، على أساس مرجع خاص منفصل عنه، وقائم خارجها بغض النظر عن طبيعة هذا المرجع(2)). ضمن تيارات التحليل.
إن تناولنا لمصطلح "التحليل" لن يكون بحجم الإسهاب الذي تناولنا فيه مصطلح "التفسير" لأننا سنتبنّى مباشرة، وجهة نظر الناقد، "سويدان" بشكل كامل تقريباً، على الرغم من خلافنا الذي أثبتناه. يقول الناقد: إن "التحليل" ((هو معاينة الإنتاج الأدبي، وتفحّص مميزات بنائه، وتقصّي مختلف دلالاته في أي دراسة أدبية، وعلى هذا النحو يتميّز التحليل عن النقد أو التعليق بعنصرين أساسيين: الأول اعتباره النص الأدبي أساس اشتغاله ومحوره(*)... والثاني ابتعاده عن الأحكام، وانصرافه عن التقييم مقتصراً على إبراز السمات الخاصة للعمل الأدبي الذي يدرسه(29))). لهذا رأينا فيه خطوة متقدّمة عن الشرح والتفسير، فأن نحلّل يعني أن ندرس بتفصيل، ونجهد لحصر مستويات النص، وسبر أغواره، فتحليل النص هو إتقان الإصاخة إلى قوله،
وهذا يفترض ((ثقافة منهجية عميقة، وانفتاحاً ذهنياً احترافياً، إنّ التحليل عملية اختلاء بالنص أو خلوِّ لـه، بقدر ما هو عملية انصراف إليه... إنّه عملية جدلية لا تستقيم إلا بتفاعل حدّيا: الاكتشاف والمعرفة، الإقبال على النص لاكتشاف أقواله وأسراره، وتهيّؤ للقائه بالمعرفة (بالثقافة المنهجية) التي لابدّ منها كي يكون هذا اللقاء ناجحاً(30))).
شيء آخر نريد أن نحمِّله هذا المصطلح، وهو أن "قول" النص الأدبي يتعدّد، وممّا لا شك فيه أن هذا التعدّد أكثر غنىً وإبداعاً. ولذلك فإن ((وجهة تحليل ما، لا تنفي سواها، بل ربّما أشارت إليها، وحرّضت عليها، وأثارتها. هكذا يكون التحليل مغامرة في النص قد لا تنتهي. إنّه دخول فيه واستغراق في معطياته، وبلوغ لأعماق تراكيبه المتنوعة. ولكن أيضاً، وربّما بالقدر نفسه، خروج منه وبه وسعي وراء إيماءاته المختلفة، وتتبع لإيحاءاته المتعدّدة، إنّه دخول يحدّد بنية النص وتراكيبه وأساليبه وألفاظه، وخروج يلملم أبعاده ودلالاته ومغازيه(31))). وهنا ينبثق التأويل الذي يشكّل نتيجة طبيعية لعملية التحليل ووجهاً لازماً من وجوهها، فالتحليل المتعمّق الذي يتغلغل في باطن النص، لابدّ لـه من أن يدلي بدلوه الأخير في تأويله وعلينا أن نلاحظ أن قدرة النص ذاته هي التي تجعل من تأويله أمراً وارداً، لأن التأويل ((مجرد احتمال صَلُح لعصره مع إتاحة الفرصة لاحتمالات عديدة تصلح لأزمانها(32))).
ب ـ نجيب محفوظ والمناهج النقدية المتعدّدة:
لا مناص للنقد الروائي عادة من أن
يكون غير مكتمل، ذلك أنّه عمل يفعل فيه الاختيار فعله، وهو ـ في الغالب ـ شيء مكثّف جداً إذا ما قيس بحجم الرواية، وهذا ما يجعل أية قراءة نقدية تتطلب
قراءات أخرى، فيها التصحيح، وفيها إعادة التفسير وإعادة التحليل، فكم من مرّة قرأ "شكسبير" أو "ت.س.إليوت" أو "امرؤ القيس"... وهم شعراء، فما بالنا بالروائيين الذين تتجاوز رواياتهم أحياناً مئات الصفحات؟ إنّ كلّ هذا يجعل النص دريئة لعدد من المدارس المختلفة، تحاول كلّ منها النفاذ منه لتصل إلى خفاياه عبر طرائقها المختلفة.
ولكن! أليس من حقنا أن نتساءل ما الرائز الذي بموجبه يختار المنهج؟
ثمة رأي جدير بإنعام النظر للدكتور "نعيم اليافي" مفاده أن طبيعة الرواية هي التي تفرض علينا المنهج الذي سنطبّقه عليها، ويضرب مثلاً برواية "زقاق المدّق" لنجيب محفوظ، فهذه الرواية تعدّ نسبياً من بدايات نجيب محفوظ التي تنتمي إلى المرحلة الواقعية التسجيلية، ولأنه كذلك، فإنّه يقترح أن تدرس وفقاً للمنهج التفسيري على عكس رواياته المتأخرة التي تنتمي إلى ما أسماه بالواقعية الرمزية أو التجريدية، والتي تفرض علينا استعمال "المنهج التأويلي"(33). وكان قد أدلى بمثل هذا الرأي عندما قال: ((من غير الجائز أن تكون وسيلة تلقي الأعمال الأولى ذات الطبيعة الحكائية السردية هي ذاتها وسيلة تلقي الأعمال الأخيرة ذات الطبيعة التركيبية، ومن غير المعقول أن يكون المنهج النقدي المستعمل في دراسة النصوص هو ذاته المنهج المستعمل في دراسة النصوص التاريخية والواقعية القائمة على التسطيح والبعد الواحد، وهو ذاته المنهج المستعمل في دراسة النصوص الرمزية والتجريدية والملحمية القائمة على تعدّد مستويات الطرح والافتراض والمعالجة، وإذا صلحت المناهج الوصفية والتاريخية والتفسيرية على تلك النصوص، فإنه لا يصلح مع هذه النصوص إلا مناهج السبر والتأويل والتحليل(34))). ومثل هذا الرأي السليم من الناحية النظرية، لا نجد لـه تطبيقاً على بساط الواقع، ذلك أن أمثال هذه الرواية قد درس عبر أكثر من منهج.
ما القانون الذي يحكم هذه الفعالية النقدية إذن؟ في تصوّرنا أنه لا يوجد قانون محدّد لهذا، والأمر يتعلّق أولاً وأخيراً بالناقد، وثقافته، ومنهجه الذي يسلك، وهذا ما يفسّر الفوضى النقدية التي نجدها حول روايات نجيب محفوظ بشكل خاص، ولعلّ السبب يعود أيضاً إلى طبيعة هذا الرجل الذي أرضى جلّ شرائح الشعب "يميناً ووسطاً ويساراً"، "فقراء وأغنياء". وهذا أيضاً ساعد على انبثاق القلقة النقدية، وصرنا نرى أنّ النقد أصغر من النص حيناً، وأكبر منه حيناً آخر. وحتى لا يكون كلامنا عامّاً، فإننا نستثني من ذلك بعض النقّاد الموضوعيين الذين سنتعرّض لهم بالتفصيل في دراسات لاحقة إن شاء الله.
المهم علينا أن ندرك أنّ ((استجابات النقّاد لعالم نجيب محفوظ استجابات بالغة التنافر، وأقرب وصف إلى تشخيصها الأولي، هو "الفوضى" التي يجتمع فيها كلّ شيء، ويجوز فيها أي شيء. ويزيد من حدّة هذه الفوضى أنّ استجابة الناقد الواحد تتراوح ـ غير مرّة ـ بين نقيضين لا يجتمعان(35))). ذلك أنّ عالم هذا الرجل، ينطوي على "توليفة" فكرية تنجذب إليها كلّ طوائف الكفر المتصارعة في الوطن العربي، فتأخذ منه كلّ طائفة بعض ما تهوى، علّها توجّهه شيئاً فشيئاً إلى مواقعها، على أنّ مثل هذه التسويغ لو صحّ ((يضع مهاداً للدوافع المتعارضة والمتضادّة وراء مداخل النقّاد إلى نجيب محفوظ، ويسوغ محاولة بعضهم ـ المتكررة ـ في السيطرة على هذا العالم، أو اقتناصه في "أنظومة" أو "أنظومات فكرية محددة(36)".
في ضوء ما مرّ معنا، تبيّن أن لخصوصية شخصية نجيب محفوظ شأناً كبيراً في تضارب النقّاد حول رواياته، ولعلّ لخصوصية النقد الروائي العربي، وعدم وجود قانون واضح شأناً آخر. وهذا ما أدّى إلى تشعّب المسارب النقدية حوله، ممّا سمح بوجود الكثير من الفوضى، والسطحية، والتكرار، والتناقض، إلى جانب النظرات العلمية الصائبة، التي نضجت من فكر منظّم. وهذا بالتحديد ما سنحاول أخذه على عاتقنا، بمشيئة الله، في محاولة لتقديم رؤية علّها تكون مفيدة، للمساعدة على تأسيس رؤية عربية في النقد الروائي.
الهوامش:
(1) تاج العروس، "فسر".
(2) القاموس المحيط، "فسر".
(3) المرجع نفسه، "آل".
(4) تاج العروس، "فسر".
(5) المرجع نفسه، "فسر".
(6) كتاب التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأنباري، ط ـ بيروت: دار الكتاب العربي، 1985، 86.
(7) المرجع نفسه، 72.
( مفتاح السعادة، أحمد بن مصطفى، ط1، ـ بيروت: دار الكتب العلمية، 1985، 2/ 530، وانظر تاج العروس، مادة "فسر".
(9) تفسير القرطبي، (الجامع لأحكام القرآن)، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، بيروت: أعادت طبعه بالأوفست دار إحياء التراث العربي، د ـ ت، 4/ 15 ـ 16.
(10) انظر: البرهان في علوم القرآن، بدر الدين محمد بن الله الزركشي، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر، د ـ ت، 2/ 149.
(11) المرجع نفسه، 2/ 152.
(12) انظر تأويلات أهل السنة، أبو منصور بن محمد الماتريدي السمرقندي، ت: إبراهيم عوضين والسيد عوضين، القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1971، 1/ 24.
(13) البرهان في علوم القرآن، 2/ 166.
(14) انظر: مفتاح السعادة، 2/ 530.
(15) الخطيئة والتفكير، عبد الله الغدامي، ط1 ـ المملكة العربية السعودية: النادي الأدبي الثقافي، 1985، 125 ـ 126.
(16) المرجع نفسه، 83.
(17) المرجع نفسه 375.
(1 نقاد نجيب محفوظ، جابر عصفور، مجلة فصول، م1، ع4، 1981 ، 164.
(19) الرؤية والأداة، عبد المحسن بدر، ط2 ـ بيروت: دار التنوير: 1985، 17.
(20) المغامرة النقدية، نعيم اليافي، المعرفة، 1992، العدد 347، 69.
(21) المرجع نفسه، 85.
(22) مقالة في النقد، غراهام هو، ترجمة: محي الدين صبحي، ط1 ـ دمشق المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، 1973، 83.
(23) المرجع نفسه، 83.
(24) معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، سعيد علوش، ط1 ـ بيروت: دار الكتاب اللبناني/ 1985، "تفسير".
(25) المرجع نفسه، "تفسير".
(26) انظر اتجاهات الشعر في الثمانينيات، الأسبوع الأدبي، العدد 265، 6/ 6/ 1991.
(27) الخطيئة والتفكير، 76.
(2 أبحاث في النص الروائي العربي، سامي سويدان، ط1 ـ بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1986 ، 16، وانظر: ص 17.
(29) المرجع نفسه: 13.
(30) المرجع نفسه، 20 ـ 21.
(31) المرجع نفسه، 21.
(32) المغامرة النقدية، المعرفة، العدد 347 ، 94.
(33) من محاضرة ألقيت على طلاب الدراسات العليا بجامعة دمشق، تاريخ 27/ 4/ 1991.
(34) نجيب محفوظ وانعطاف الرواية العربية، نعيم اليافي، المنتدى، العدد 66، يناير، 1989، 55.
(35) نقاد نجيب محفوظ، فصول، المجلد الأول، العدد الثالث، 1981، 162.
(36) المصدر نفسه، 163.
(1) لمزيد من المعلومات انظر: التأويل النحوي في القرآن الكريم. عبد الحاج أحمد الحموز، ط1 ـ الرياض ـ مكتبة الرشد، 1948، 9 ـ 20.
(2) انظر: التفسير للأدب، عز الدين إسماعيل، ط4، بيروت، دار العودة، 1981، فقد استعمل عبارة "الشرح والتفسير"، ص 250 ـ 259، وعبارة "الدراسة والتفسير"، ص 251، وعبارة "التحليل والتفسير"، ص 252.
..................................
* أستاذ الأدب الحديث في جامعة تشرين (اللاذقية). له مؤلفات مطبوعة
* المصدر: مجلة "الموقف الأدبي"- العددان 415 تشرين الثاني 2005م.
د. حسين علي محمد
08-30-2006, 02:13 PM
علاقة نجيب محفوظ الشاب بأبي... سلامة موسى
بقلم: د. رؤوف سلامة موسى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدأت علاقة نجيب محفوظ بسلامة موسى عندما اصدر الاخير مجلته "الجديدة" في 1929، بعد تركه تحرير "الهلال". فقد أرسل نجيب محفوظ اشتراكاً في "الجديدة" وكتب لصاحبها يُبدي اعجابه بها، ورغبته في الكتابة فيها. فكتب له سلامة موسى يشكره، ويدعوه الى زيارته. وبدأ نجيب محفوظ يتردد على منزل سلامة موسى، حيث إدارة مجلته، وينشر فيها مقالاته التي اطلق عليها اسم "الفلسفية". (نشرت إحدى دور النشر المصرية أخيراً، كتاباً جمعت فيه 21 مقالاً من مقالات نجيب محفوظ الاولى مما نشره في "الجديدة" وغيرها من المجلات. ولكن الكتاب لم يضم مقالاته كافة في "الجديدة"، مثل مقاله "الله" وغيره. وننصح المهتم بالأمر الرجوع الى مجلدات "المجلة الجديدة" التي تعيد "سلامة موسى للنشر والتوزيع" نشرها بمعونة صندوق التنمية الثقافية في وزارة الثقافة المصرية، وكذلك كتابها أخيراً "مقالات نجيب محفوظ الفلسفية في مجلة سلامة موسى الجديدة").
كان نجيب محفوظ وقتها طالباً بالثانوية، ثم بقسم الفلسفة في كلية آداب الجامعة "المصرية". وكان سلامة قد ظن عندما تسلم رسالة نجيب محفوظ أنه اكبر سناً. ولكنه لم يكن تجاوز التاسعة عشر. ويقول نجيب محفوظ إن صورة سلامة موسى في ذهنه في ذلك الوقت "كانت ترتبط بالعدالة الاجتماعية، والديموقراطية، والتصنيع، وحرية المرأة، وأهمية العلم. هذه المفردات كانت شاغل سلامة موسى الأساسي. وكنت كلما كتبت مقالاً، قدمته إليه، وجلسنا نتناول الحديث".
كان نجيب محفوظ قد نشر حتى ذلك الوقت عدداً قليلاً من المقالات المختلفة في بعض المجلات الأخرى. ولكنه بعد تعرفه على سلامة موسى، وتأثره به، بدأ يقصر كتاباته على مجلته، ويتأثر به في أهدافه واتجاهاته. وأخذ سلامة موسى "يوجهه، ويسدد خطاه" وأصبح، وهو الذي كان يكبره بحوالى عشرين عاماً "بمثابة الوالد او المربي لنجيب محفوظ. وتأثر نجيب محفوظ بشدة بشخصية سلامة موسى وتوجهاته، وأفكاره ولغته. وأصبحت ثقته فيه مطلقة، بل عمياء".
ولم يكن سلامة موسى بالكاتب العادي. فإنه كان نشر منذ كان في سن نجيب محفوظ كتيباته الثلاثة الاولى "مقدمة السبرمان" و"الاشتراكية" و"نشوء فكرة الله". واشتهر بعد ذلك بكتبه "حرية الفكر وأبطالها في التاريخ" و"نظرية التطور وأصل الإنسان" وغيرها.
ومجلته "الجديدة" كانت طليعة الحركة التقدمية والتنويرية في ثلاثينات القرن الماضي. كتب في أعدادها الشهرية طه حسين، ومحمود عزمي، ومحمود تيمور، وزكي أبو شادي، وإبراهيم ناجي، ومنصور فهمي، وحسين مؤنس، ومحمود العرابي، وزكي نجيب محمود، وعبد الحميد يونس، وفريد أبو حديد، ويحيى حقي، وسليمان حزين، وإسماعيل مظهر، وزكي مبارك، وإبراهيم المازني، وإسماعيل أدهم، وأحمد رامي، وصدقي الزهاوي. وتحدثت المجلة عن العلوم والتصنيع، وعن الاشتراكية وعن السيريالية، وغيرها.
وتصدت لمحاربتها منذ صدورها جهات سلفية مصرية وعربية مختلفة. ويكفي أن الأزهر كتب وقتها لوزارة المعارف العمومية، يطلب منها ألا تشترك لمدارسها في "الجديدة". ولم يمض على صدورها سنتين، حتى اغلقها الطاغية إسماعيل صدقي أربعة عشر شهراً. ثم سمح لها عدلي يكن في 1933 بمعاودة الصدور. فاستمرت تصدر حتى 1942.
نشر سلامة موسى لنجيب محفوظ في مجلته "الجديدة" اول مقال له "احتضار معتقدات وتولد معتقدات" في تشرين الاول (اكتوبر) 1930. ولما عُطلت المجلة شهوراً، اتجه نجيب محفوظ إلى صحف أخرى. ثم عاد فنشر في "الجديدة" في 1934 مقاله الثاني "ثلاثة من أدبائنا". وتوالت بعد ذلك مقالاته في "الجديدة"، خصوصاً خلال السنوات 1935 وما بعدها.
وكان سلامة موسى نشر لنجيب محفوظ في 1932، اول كتاب مترجم له هو "مصر القديمة". وفي بعض أحاديث نجيب محفوظ عن كتابة الرواية، اشار الى ان سلامة ذكر له "ان الرواية حس ادبي لا يصلح في اللغة العربية. وذلك لأن للمرأة دائماً دوراً رئيسياً في اي رواية، في حين انها لا دور لها في الحياة المصرية". وعقب نجيب محفوظ على ذلك بقوله إن سلامة موسى ظن لهذا السبب أن الرواية "فن يناسب الغرب، ولا يناسبنا نحن. ولكن الحياة تغيرت بعد ذلك" كما يقول نجيب محفوظ "وأصبح للمرأة المصرية دور في مجتمعنا وفي حياتنا. فتغير رأي سلامة موسى".
ويذكر نجيب محفوظ انه في بعض أحاديثه مع سلامة موسى، بين 1932 و1934، قد ذكر له انه يكتب الرواية. وان سلامة موسى طلب منه أن يطلعه على ما يكتب. فعرض عليه نجيب محفوظ ثلاث روايات، لم يرض عنها سلامة موسى، فأعدمها نجيب محفوظ. وكان منها رواية عن الريف المصري.
ويسأل يوسف القعيد نجيب محفوظ عن السبب في إعدامه لها. فيقول نجيب محفوظ: لأنها فقدت قيمتها في نظري. وسلامة موسى كنت أراه رجلاً صادقاً، وكلامه لا يُناقش. وكان يعاملني بكل الحب. وقد قال لي: عندك موهبة، ولكن هذه الروايات الثلاثة لا تصلح للنشر. كان عظيماً وصريحاً.
هذه الثقة المطلقة لا تتأتى إلا عن حب وتقدير شديدين، وعن رغبة كاملة في التعلم والاحتذاء. وما قرأت "أنا" فكرة، او سطراً، في مقال او رواية لنجيب محفوظ، حتى قفزت الى خاطري فكرة اخرى، وسطوراً اخرى لسلامة موسى. فالتوجهات واحدة: علمانية واشتراكية وديموقراطية. ومناداة بالعمل والتصنيع. ووطنية لا تتناسى الفرعونية. وولاء لحزب الأكثرية الوفد، ولليسار، وللثورة. وبُعد عن الملكية الفاسدة وأحزاب الأقلية.
ويقول الأديب اللبناني حنا عبود: كان نجيب محفوظ على وعي مذهل بشخصية مصر. وهو يقول انه قد تشرب هذا الوعي عن سلامة موسى.
ويذكر نجيب محفوظ ان ابراهيم المازني حذره في بداية حياته من شيئين: الواقعية والالتزام. ومع ذلك لا نستطيع أن نقول إلا انه كان - كسلامة موسى - واقعياً وملتزماً.
ويذكر نجيب محفوظ ايضاً أن محمود تيمور قضى فترة من الوقت، يشجعه على كتابة رواياته - على ما فعل هو في بعضها - بالعامية المصرية. ولكن نجيب محفوظ لم يكتب أبداً - مثل سلامة موسى - إلا بالفصحى المبسطة، التي كان سلامة موسى يطلق عليها اسم "التلغرافية".
وفي 1934، نشر سلامة موسى لنجيب محفوظ أول قصة قصيرة في مجلته "الجديدة الأسبوعية" ثمن الضعف. وفي 1939، نشر له أول رواية مؤلفة "عبث الأقدار". وكان سلامة موسى يعمل في هذا الوقت في كتابه "مصر أصل الحضارة". وقد أنجبت له زوجته ابناً ذكراً سماه خوفو. فاقترح نجيب محفوظ على سلامة موسى أن يكون اسم روايته هو "خوفو". ولكن سلامة موسى ظن الاسم لا يصلح لرواية. واختار لها بنفسه اسم "عبث الأقدار".
ويقول إبراهيم عبد العزيز في كتابه عن نجيب محفوظ "أساتذتي" على لسان نجيب محفوظ: اذكر الآن أول رواية نُشرت لي، فتتعالى دقات قلبي. لو أنني املك قوة البعث، لبعــثت حياً ذلك الرجل العظيم الذي نشرها لي، وأثر عليّ، وعلى جيل بأكمله.
ويضيف نجيب محفوظ:
"عشر سنوات كاملة، كان سلامة موسى هو الراعي والمربي، والناقد الأدبي لي. نشر لي مقالاتي وأنا في الثانوية، ثم وأنا في الجامعة. عشرات المقالات، وكتاباً مترجماً، وأولى قصصي، وأولى رواياتي.
"إنه أستاذي العظيم. من النادر في الماضي أو الحاضر، أن نجد رجلاً مثله، يكتشف الموهبة، ويواكب نموها بالرعاية الكاملة، حتى تُعطي ثمارها. ومن النادر كذلك أن تجد مثل هذه الأخلاق الرفيعة، التي كان عليها".
ويقول محمد دكروب في مجلة "أخبار الأدب" القاهرية: ان احمد شوكت في ثلاثية نجيب محفوظ، متأثر بالمفكر التقدمي اليساري عدلي كريم. وعدلي كريم هو المعادل الفني لشخصية المنور اليساري سلامة موسى. وفي شخصية أحمد شوكت جانب من الواقع من حياة محفوظ نفسه. فمحفوظ هو الذي تقدم للتعرف على سلامة موسى. قصده في أوائل الثلاثينات في إدارة مجلته "الجديدة"، وتوطدت بينهما علاقة انسانية وفكرية، كما بين استاذ وتلميذه. ونشر له سلامة موسى مقالاته الفلسفية، وأولى قصصه ورواياته. ومن سلامة موسى، تعرف نجيب محفوظ على أسماء برنارد شو، وماركس، وأنجلز، وغيرهم.
وكان نجيب محفوظ قد تخرج من كلية آداب الجامعة المصرية في 1934، وعين موظفاً بها. ثم ترك الجامعة المصرية الى وزارة الأوقاف في 1939. وأصبح سكرتيراً لوزيرها مصطفى عبد الرازق. ويلوح أن شخصية هذا الوزير الفاضل كانت من أحب الشخصيات وأقواها تأثيراً في الآخرين. فإن مي زيادة كانت تميل إليه كثيراً عندما كان يزورها مع غيره من المعجبين. كما أن زوجة طه حسين الفرنسية سوزان كانت ترتاح إليه. ولكن مصطفى عبد الرازق - أو شقيقه علي صاحب كتاب الخلافة في الإسلام - لم يكونا قريبين من سلامة موسى، ولم يكتبا قط في "الجديدة".
ويلوح إلي أن نجيب محفوظ أخذ يراجع نفسه في هذا الوقت في موضوعين. وربما كان لوظيفته الجديدة بوزارة الأوقاف تأثير في ذلك. الأول هو موضوع كتابة المقالات "الفلسفية" التي تفصح كثيراً أو بوضوح عن أسرار وخلجات نفسه، بينما القصة والرواية تخفيان ذلك خلال حديث شخصياتها. والثاني هو موضوع الكتابة لـ"الجديدة". فنجده يتحول عنها منذ أواخر الثلاثينات، ويكتب في 1943 في "الأيام" عن زكريا أحمد وأم كلثوم. وفي 1945 في "الرسالة" (النقيض المباشر للجديدة) عن كتاب سيد قطب "التصوير الفني للقرآن". ثم يتحول بكامله إلى القصة والرواية. فينشر في 1943 رواية "رادوبيس". وفي 1944 رواية "كفاح طيبة". ومنذ 1946 "الثلاثية". ثم يعود إلى شيء من هواه القديم في "أولاد حارتنا" في 1959، فتثير عليه ثورة لا يزال يتردد صداها.
انقطعت علاقة نجيب محفوظ منذ أواخر الثلاثينات بسلامة موسى ومجلته "الجديدة". وأصبحت للأول ندوته الأسبوعية في أماكن مختلفة من القاهرة والإسكندرية. وللثاني ندوته الأسبوعية بجمعية الشبان المسيحية بالقاهرة. ولم يعودا يلتقيان إلا مصادفة.
وقبيل وفاة سلامة موسى في آب (أغسطس) 1958، قرظ سلامة موسى ثلاثية نجيب محفوظ في يومياته بجريدة الأخبار القاهرية تقريظاً حسناً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
*المصدر: الحياة 17/9/2003م.
زرياب
08-30-2006, 04:28 PM
إختصار لجميع طرائق البحث في ما يخص مشوار الروائي ... جميل صنعكم يا سعادة الدكتور
ياسر الدوسري
08-30-2006, 05:48 PM
رحم الله نجيبا
واسكنه فسيح جناته
بحث تفصيلي سعادة الدكتور
يوتوبيا
08-30-2006, 09:29 PM
ملف جامع لماقيل عن الراحل غفرالله
جهد رفيع
شكرا د. حسين
فاتن محمود
08-31-2006, 04:50 AM
رحم الله نجيب محفوظ واسكنه فسيح جناته
الرائع د . حسين
سلمت يمناك التى وضعت بين أيادينا
هذا الملف الشامل لفقيدنا الكريم
تحيتى
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 12:09 PM
شكراً للأديبة الأستاذة فاتن محمود على تعقيبها
مع تحياتي وموداتي.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 12:12 PM
هيكل ومحفوظ معا!
بقلم : عادل حمودة
......................
قلت لمحمد حسنين هيكل: تقابل نجيب محفوظ بعد كل هذه السنوات الطويلة من البعاد؟
.. فقال: ياريت.. وكرر ابراهيم عيسي السؤال نفسه علي نجيب محفوظ.. وتلقي الاجابة نفسها: ياريت.
كان ذلك منذ نحو سبع سنوات.. في تجربة صحفية مثيرة سجلنا فيها حوارا غير مسبوق بين رجلين صاغا نصف تاريخ مصر الحديث... ويكفي كلا منهما ان يتكلم بمفرده حتي نسمع له دون ان ننبس بكلمة أو همسة.
جري اللقاء في فندق شبرد.. حيث يجلس نجيب محفوظ في كافتيريا شرقية تقع في الدور المسحور.. وهي مكان من أربعة أماكن يقابل فيها أصدقاءه كل اسبوع.. وكالعادة كان هيكل بكامل أناقته.. وارتدي محفوظ جاكيت غير تقليدي تحته بلوفر من الصوف الخفيف غطي رقبته.. وعلي كنبة واحدة جلسا يتحدثان في دفء عن ماض جميل.. شعرا بأنه لن يتكرر.. أو يعود.
كان محفوظ قد زار هيكل في بيته اخر مرة بعد أن ترك الأهرام في فبراير1974.. وأغلب الظن انهما لم يلتقيا منذ تلك الزيارة.. وقبل ان توضع فناجين الشاي أمامنا.. بدأت المشاغبة.. أستاذ نجيب.. كنت تقدر تدخل مكتب هيكل في الأهرام بسهولة؟.. ضحك هيكل قائلا: حرام عليكم.. بلاش كده.. وتدخل محفوظ مرطبا: علي فكرة.. لما كان فيه مسألة أدبية لم يكن هيكل يستدعي توفيق الحكيم أو يستدعيني وإنما كان يأتي بنفسه لنا ويقعد معنا.. هذه حقيقة.. هو كان مدلع الدور السادس.
الدور السادس في الأهرام كان دور الكتاب الكبار من كل الاتجاهات.. يوسف ادريس.. توفيق الحكيم.. نجيب محفوظ.. ثروت اباظة.. لويس عوض.. لطفي الخولي.. عائشة عبد الرحمن( بنت الشاطئ).. حسين فوزي.. تلاقي كمية تنوع في الاراء.. ما يجمع بينهما الحوار.. مش الحيطان.. نوع من الجبهة الوطنية.. علي حد تعليق هيكل الذي أضاف: موضوع حرية التعبير الأدبي موضوع مهم جدا وأنا مثلا باعتبر الدور السادس وقتها مكانا له خاصية معينه.
يختلف نجيب محفوظ ويوسف إدريس وثروت أباظة بعنف في مقالاتهم... لكنهم لايكفون عن شرب القهوة معا.. يطلب توفيق الحكيم لزواره القهوة.. لكنها لاتأتي.. فقد اوصي عامل البوفيه ان يسمع الأمر ولا ينفذه... وينشغل لويس عوض وبنت الشاطئ في حوار فلسفي حول الأديان ثم يتناولان طعاما خفيفا قبل ان يغادرا المكان.. انه قانون الدور السادس الذي جرت في كواليسه وقائع وأحداث تكشف الوجه الاخر لمبدعي مصر.
قال هيكل: لطفي الخولي كان عنده مشروع يكتب عن الدور السادس وجالي وطلب مني أن أنفذ ذلك المشروع بكتابته لكني قلت له: ما أنفعش.. أكتب انت.. قال لي: طيب نقعد نتكلم.. وفعلا قعدنا واتكلمنا شوية.. لكن.. محصلش.
ولاجدال ان أشهر حكايات الدور السادس تنسب الي توفيق الحكيم.. خاصة حكاياته مع ابنه اسماعيل.. لقد تمرد اسماعيل عليه... واحترف عزف الموسيقي الغربية... وكان يعطي لأبيه عشرين جنيها يوميا كي يحوشها له.. وعرف الحكيم ان العشرين جنيه هي أجره عن العزف يوميا.. وتعجب من تلك الثروة التي لايحصل عليها هو نفسه من حرفة الأدب.. وما ضاعف من تمرده ان ابنه قال له: إنه يستطيع ان يحصل علي اضعاف هذا المبلغ لو انه امتلك الالات الموسيقية التي تعزف عليها فرقته.. لو سلفتني خمسة الاف جنيه اقدر اجيب كل يوم خمسمائة جنيه.. لكن.. الحكيم استلف المبلغ من الأهرام وكتب علي نفسه كمبيالات.. إلا ان العلاقة سرعان ما ساءت بينه وبين ابنه.. واصبح عليه ان يسدد ما استلفه من الأهرام.. وهي كارثة كادت تصيبه بسكتة قلبية.. لولا تدخل هيكل.
اقترح هيكل علي الحكيم ان يكتب تجربته مع ابنه وتجربة ابنه مع الموسيقي مقابل الخمسة الاف جنيه للمقالة الواحدة.. ووقع الدكتور فؤاد ابراهيم( العضو المنتدب للأهرام) شيكا بالمبلغ.. ووضع هيكل الشيك أمام الحكيم وقال له: أهو أول واحد.. فقال الحكيم له: شيلوا شيلوه من قدامي.. ثم خطفه بسرعة من يده.
سألنا هيكل: امتي عرضت علي الاستاذ نجيب الكتابة في الأهرام؟.. فقال: عرضت عليه من بدري.. قصدي اترجيته من بدري.. ووسطت الاستاذ توفيق الحكيم مش كده يانجيب واللا ايه؟.. فقال نجيب: هو أنا كنت محتاج واسطة.. دا أنا مصدقت.. فاستطرد هيكل: توفيق الحكيم رجع لي ليقول ان نجيب محفوظ لن يتفرغ للاهرام الا بعد ان يسوي معاشه في الحكومة... تدخل محفوظ في الحوار متسائلا: توفيق قال كده؟.. فقال هيكل: أيوه.. ده اللي حصل.. فقلت له حاضر ياسيدي وجلسنا ننتظر معاشك.
كانت الرواية الأولي التي سلمها للأهرام.. أولاد حارتنا.. قال نجيب: حصل.. واديتها لعلي حمدي الجمال في بيت احسان عبد القدوس.. فأكمل هيكل: والظاهر علي حمدي الجمال لم يقرأها فأخذتها البيت وقرأتها في ليلة واحدة.. وفي الصباح قررت نشرها يوميا لاني كنت متأكدا انها ستسبب مشاكل.. وبالفعل بدأت المشاكل بعد عشرين يوما.. ودخلنا في جدل الي ان انتهينا من نشرها.
كانت أولاد حارتنا هي الرواية الوحيدة التي نشرت يوميا في صحيفة.. وحسب ماقال محفوظ فان لا أحد كان سينتبه الي ما وراء الرواية الي ان أشار اليها كاتب يساري في جريدة الجمهورية( ربما أحمد عباس صالح أو سعد الدين وهبة) قائلا: يااخونا خذوا بالكم من الرواية التي تنشر في الأهرام.. انها ليست مجرد رواية عادية.. هذه رواية عن الانبياء.. وبعدها لم أر النوم.
أضاف هيكل: كلمني جمال عبد الناصر بالتليفون في الحلقة العشرين تقريبا وسألني عنها بعد ان أرسل له بعض علماء الأزهر احتجاجا عليها.. ولم يتذكر هيكل رده علي عبد الناصر... لكن محفوظ تدخل معلقا: يظهر ان المرحوم عبد الناصر كانت له سياسة نحو الأدب.. كان يسمح له بقدر كبير من النقد الذاتي.. وهو يعرف انه كلام مثقفين بيكتبوا لمثقفين.. فقاطعه هيكل قائلا: لا.. لا.. أكثر من ناس مثقفين.. انت فاكر رواية بنك القلق.. عندما كتبها توفيق الحكيم طلب مني ان أقرأها كتجربة كتابة ليست للنشر.. لكن بعدما قرأتها قلت له: انت بتكتب تجارب علشان تخليها في الشنطة واللا في الدولاب؟.. اسمع انا سأنشرها.. اذا كان عندك الشجاعة تكتبها أنا عندي الشجاعة أنشرها.. ونشرناها.. لكن بعد أول حلقة اتصل بي جمال عبد الناصر وقال ان عبد الحكيم عامر زعلان منها لان فيها نقدا صريحا للمخابرات.. وذهبت اليهما وأعطيت الرواية له فقرأها ولم يجد فيها ما يمنع نشرها وساعتها وصف عبد الحكيم بانه عاطفي.. يسهل استفزازه.. وقال له: اسمع ياعبد الحكيم إذا كان توفيق الحكيم قدر يكتب وينشر بحرية في العصر الملكي وينتقده.. تبقي مصيبة لو ماقدرش ينتقد العصر الجمهوري.. وإذا كان كده يبقي نروح بيوتنا ومافيش داعي لحاجة.
وتدخل نجيب محفوظ ليروي واقعة أخري أكبر من ان تستوعبها المساحة ويمكن ان تحتمل الانتظار(7) ايام بعد ان انتظرت أكثر(35) سنة.
......................................
*الأهرام ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 12:13 PM
حزن وأمل
بقلم : د. أحمد زويل
......................
الأسرة الكريمة.. عائلة الأديب الكبير
الأسرة الكبيرة.. شعب مصر العظيم
تلقيت ببالغ الأسي والحزن نبأ وفاة أديب مصر الكبير الأستاذ نجيب محفوظ, بعد حياة حافلة بالابداع الرفيع والعطاء الفياض.
كان نجيب محفوظ بالغ الموهبة.. عميق الادراك.. متواضعا رقيقا خلوقا, كان علي قدر مصر تماما, مواطنا بوزن الوطن.
ولكم سعدت به فكرا وشخصا في لقاءات جمعتني به في السنوات الأخيرة, وإني إذ استذكر هذه اللقاءات التي جرت علي ضفاف نيلنا الخالد, فإني لأستذكر معها سعة معرفته وآفاق فلسفته ودفء حديثه.
لقد وجدت الأستاذ نجيب محفوظ, وقد أخذ من النيل ـ الذي يجمعنا عشقه ـ ذلك التدفق والهدوء والثبات, كأنه كان يجمع في تلك اللحظات مدد التاريخ وثقة الجغرافيا, وثقل الانسان. كانت حياة نجيب محفوظ حياة موازية لحياة بلادنا في قرن عصيب, شهد أزمنة الانتصار والانكسار.. آفاق الفكرة وحواجز الحركة.
وفي كل ذلك لم يفقد نجيب محفوظ بوصلة الضمير ولا خريطة الطريق.. لم يفقد القدرة علي وصف الواقع والوقائع.. الزمان والمكان.. الأحداث والأشخاص. لم يفقد نجيب محفوظ الأمل في طريق لأفكارنا نحو الأعمق, وطريق لأحلامنا نحو الأجمل, وطريق لبلادنا نحو الأفضل.
إنني إذ أنعي لنفسي ولكم فقدان أديب العربية الأكبر الأستاذ نجيب محفوظ, فإنني أدعو الله أن يشمله بالمغفرة ويتغمده بالرحمة, وأن يلهم نفوسنا الصبر وبلادنا الأمل.. في نجباء جدد أوفياء للسيرة مكملين للمسيرة.
......................................
*الأهرام ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 12:14 PM
اكتمال عصر نجيب محفوظ
بقلم : د. صلاح فضل
........................
برحيل نجيب محفوظ اكتمل عصره الذي امتد ظله الوريف علي الثقافة المصرية والعربية قرابة قرن من الزمان, بحيث أصبح ما كان قبله مجرد بشارة له, ومسار أمته صار من هوامش متنه, وما نبت في بستانه من مواهب جاءت بعده ارتوي بمائه حتي أصغر كاتب مبتدئ. أسس محفوظ الرواية العربية فأصبحت ديوان العرب الجديد الذي لا يلغي القديم بل يزيده عمقا وأصالة, امتص بجذره الممتد رحيق شعرية الكتابة منذ الجاحظ حتي طه حسين. والتمس غذاءه في أغوار الآثار الفرعونية والفلسفة الإنسانية المعاصرة معا.
جرب الرواية التاريخية لينقد الحياة المعاصرة في ضوئها, ثم انتقل بعنفوان إبداعي غير مسبوق لتوثيق الواقع المصري في النصف الأول من القرن العشرين مبتكرا واقعيته الأصيلة, ولغته السردية الشفافة ونماذجه الإنسانية الخالدة. أقام للإنسان المصري مرآة يري فيها صورته الوطنية والوجدانية بجلالها وابتذالها ليؤسس وعيا جديدا يبلور ضميرا إنسانيا حيا شغوفا بحب الوطن والسعي لتحريره, واشتهاء الحياة والعمل علي ترقيتها, في ظل منظومة ليبرالية تستوعب توهجات الروح وتعقيدات المجتمع.
لم يلبث أن صمت حينا من الزمن يتأمل طريقه الابداعي بعد الثورة قبل أن يقفز إلي مرحلة جديدة يوظف فيها وقائع الحياة لاستبصار رموز الكون ومصير الوجود, ويطرح أسئلة الإنسان والمعرفة والمستقبل. ثم أسعفه حصاد تراثه الروحي المشرقي الغزير ليصوغ ملاحمه الكبري عن صراع القوي المحركة لتاريخ البشرية والصانعة لحضاراتها. وما اكتنفها من أبعاد أسطورية ودينية وعلمية دون أن يغفل من تحولات الواقع الكبري وتجليات التجريب الفني المبدع.
أقام نجيب محفوظ صرح الرواية العربية حتي خرجت الأجيال التالية من عباءته, وبني للأدب والفن واللغة هياكل شامخة امتدت عظمتها إلي الأفق الإنساني. فجاءت نوبل اعترافا بعالميته وإقرارا بنضج الأدب العربي وتفوقه.
وظل يجسد عبقرية الدأب البناء وهو يحيل تجارب الأحلام وهذيانها والاستغراق المكثف في تنمية شعرية السرد وتطوير تقنيات اللغة إلي نماذج إبداعية خارقة تضيء دروبا جديدة في طريق الحرية وتجاوز ضرورات الحياة.
أصبح محفوظ رمز العصر, وشاهدا صادقا علي تاريخ حافل, وصانعا لأدب عظيم ظفر باحترام العالم واعجابه, أهدي إلي ضمير أمته مجموعة من الروائع الخالدة التي لا يمكن أن تموت.
......................................
*الأهرام ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 12:15 PM
رحيل نجيب محفوظ (1911 – 2006)
شيخ الحدوتة المصرية يستريح من الحكاية
بقلم: جمانة حداد
..................
هكذا قدر الكبار، بعضهم في الأقل: أن يغادروا قبل أن يغادروا. أن يطالب الموت برؤوسهم غنائم يتباهى بها وهم بعد احياء بيننا. فموت الكبار ظاهر وفاضح وكشّاف. موتهم أكبر "دعاية" للموت.
تدين مصر لنجيب محفوظ، الذي استسلم قلبه في الأمس بعد طول عناء، بالكثير. تصريح بديهي نعم، لكنه يستحق أن نردده ونصرّ عليه غداة رحيله، وفي كل أوان. فكم وكم من بديهيات جوهرية لامرئية نغفل عنها، لفرط بداهتها بالذات، في حياتنا وثقافتنا ومجتمعنا وفكرنا وعيشنا. لا أتحدث فقط عن المساهمة الفذّة التي ضخّها هذا الكاتب الكبير في ثقافة مصر ودنيا العرب، ولا عن مفاعيل جائزة نوبل للآداب على صورة بلاده وعالمنا في العالم الأرحب، وهو الكاتب العربي الأول (الوحيد حتى الآن) الذي نالها عام 1988. لا، بل إني أتوخى مستوى من التأثير أبسط من هذا، وأقصد فضلاً، أو دوراً، أشد "بدائية" من ذاك. فكثر هم الذين مثلي عرفوا أرض الأهرام بالحدس والخيال قبل أن يعرفوها باللمس والنظر والشمّ والذوق والسمع. كثر على غراري زاروا القاهرة زاوية زاوية وعشقوها حجرا حجرا وخبروا مناخها وتحولاتها وتاريخها وديناميتها الانسانية والمجتمعية والجغرافية والسياسية، حتى قبل أن تطأها أقدامهم ويتنفسوا أهلها وغبارها وضوضاءها وعجقتها وسحرها ونيلها الأزرق. فمثلما صاغ الفراعنة أيقونة مصر القديمة، صاغ محفوظ أيقونتها الحديثة والمعاصرة. هو لم يكتف بأن يأتي بالعالم الى عاصمته، بل أخذ خصوصا عاصمته الى العالم أجمع، على بساط رواياته وقصصه وسيناريواته. كم من الأجيال غير المصرية، العربية والغربية على السواء، تربّت على حكاياته، واعتادت صحبة شخصياته، وتوغلت في ضجيج شوارع مدينته الضيقة والمكتظة بالناس، وفي أندر غراوند الطبقة الوسطى ومشكلاتها و"حدوتاتها" وتعقيداتها التي لا أول لها ولا آخر ظاهراً، ولا خيط ممسوكاً يدل عليها سوى خيطه الروائي المدهش والمتعدد الحبال؟
من "خان الخليلي" الى "زقاق المدق"، من "قصر الشوق" الى "خمارة القط الأسود"، من الـ"ثرثرة فوق النيل" الى "الحب فوق هضبة الهرم"، أخذنا نجيب محفوظ في ألف رحلة ورحلة، وعلّمنا كيف يمكن الكتابة أن تكون "مهنة" ومراساً، لا ترفاً أو نزقاً أو حاجة أو هتكاً أو تقديساً أو شغفاً فحسب. علّمنا معنى الجلوس والتعب والكدّ فوق الأوراق البيضاء حتى تبوح بمكنوناتها، ومعنى حنكة الحكاية التي تأخذ بالتلابيب رغماً عن قارئها. كأني به لا يكتب بالقلم بل بماكينة خياطة: يدرز من هنا، يقطّب من هناك، يرتق ويحوك ويطرّز ويصنع الفتنة. كأني بنا اذ نفتح أحد كتبه ذات العناوين الغامضة والغلافات المثيرة، يطلع لنا منه عالم بكامله، عالم زوبعة "يشفطنا" شفطاً إليه. كل قارىء رواية من روايات نجيب محفوظ هو "أليس في بلاد العجائب". كل قارىء هو مخطوف، تائه في بحر بلا مرساة. لكنه ليس التيه بالضياع والهلاك، بل بالانسحار والهلوسة. لا تخدعنّكم الصيغ المتاهية بين سطوره، فهو يمسك بيد قارئه جيدا من أول الكتاب الى آخره، وإذا شعرنا أحيانا بأنه أرخى قبضته قليلاً، فإنما يفعل ذلك فقط لكي يمنحنا بعضا من متعة الكشف والغزو والتعرية والاختراع، ولكي يشعرنا، نحن المتورّطين فيه، بفضلنا على كلماته.
لا نخطىء عندما نقول إن نجيب محفوظ روائي بالمعنى الأوّلي، "الكلاسيكي"، للكلمة، أي أنه يكتب لـ"يروي" القصص ويحكيها. قصصه تعني الكائن البشري أينما كان ولأيّ مجتمع وثقافة انتمى، لأنها بقدر ما تشتغل على حماية "محليتها" وعلى تفاصيل "الخارج"، كالمكان والزمان والطبقة الاجتماعية والحيّ والظرف...الخ، تشتغل كذلك على شخصية الانسان، على مشاعره، طباعه، تناقضاته وعذاباته، اي على كل ما يؤلف النواة التي يتقاسمها بنو البشر، أكانوا من "أولاد حارتنا" أم من المقلب الآخر من الكرة الأرضية.
كان نجيب محفوظ كاتباً بالغريزة أيضا. الغزارة عنده (نشر أكثر من سبعين مؤلفا في الرواية والقصة) إن هي الا انعكاس لتلك الغريزة في ذاتها. فقد كان يكتب كمن يتنفّس، بمخيّلة لا تنضب وصبر لا ينفد. وهل يتعب قلبٌ من الخفقان؟ بالغريزة الباطنية نفسها كانت الصور تتوالد لديه، وليس غريبا ان يتحول عدد من رواياته أفلاماً، اذ كانت تلك الروايات أفلاماً جاهزة لا ينقصها سوى بُعد الحركة والصوت.
رغم "عالمية" الكائن الذي جسّده شيخ الحدوتة هذا في كتاباته، إلا أنه كان بامتياز، وفي الدرجة الأولى، صوت بلده وزمنه وشعبه وسياسته ومجتمعه. كان مسكوناً بهمّ الحاضر وحياة المواطن العادي في هذا الحاضر: تاجر الخضر وبائع الحلوى والحلاّق والمكوجي وفتى المقهى والعالمة و"الفتوّات" و"الصيّاع"...الخ. كتب معاناة هؤلاء، مشكلاتهم وتمزقهم بين الحب والكره والزواج والطلاق والدين والحكم والثأر والعار والحسد والجشع والظلم والهوان. رواياته روايات "مدينية" بامتياز، أي انها ابنة القاهرة وربيبتها. ركّز فيها على مصير الانسان "الصغير"، المسحوق تحت ثقل واقعه وتحولات بلده وتطورات زمنه. هكذا، وعلى طول القرن العشرين، كان ناطقا بإسم فئات عريضة من الشعب المصري، ناقلا، بإخلاص المؤرخ وخيانة الكاتب، الصراعات المحتدمة بين الناس والسلطة، بين الخير والشر. لهذا السبب نجد في كتبه الكثير من الثنائيات المبسّطة، حدّ أن بعضها محض كليشيهات: لكن، أليس الكليشيه القماشة الأساسية للحياة "النمطية" أو العادية؟
أظهر محفوظ قدرة فهم وسبر واستنباش بسيكولوجية حقيقية من دون فذلكة، هي أداة كل روائي متمكّن، فعرف كيف يعبّر عن غنى الشخصيات وتنوّعها وتشابكاتها بلغة بسيطة في متناول الكلّ. جمع في أعماله، بُنىً ومضامين ومحاور وأسئلة، بين التأثيرات الثقافية الغربية والعربية، علما أنه كان قارئا نهما للروايات البوليسية الأجنبية في شبابه. شبّهوه ببلزاك وديكنز وتولستوي، وقد تُرجم الى عدد كبير من اللغات، ما كان ليترجم إليها لولا الـ"نوبل" طبعا، ليس لأنه لا يستحق أن يترجم، بل لأن ماكينة الترجمة الغربية نادراً ما تلتفت الى عمل ما، بناء على "استحقاقيته"، بل هي تلهث أكثر ما تلهث وراء معايير الشهرة والرواج والقابلية لـ"التسويق".
عاتبْنا نجيب محفوظ بشدة، في "النهار"، في اوائل هذه السنة، عندما فاجأ الجميع بطلب موافقة الأزهر على إعادة نشر تحفته "أولاد حارتنا". لم نفهم موقفه يومذاك، هو المشاكس وصاحب المواقف الاجتماعية الجريئة التي لطالما كانت محط انتقاد، ولربما طُعِن بسببها، فجعلته يتأرجح في بعض محطات حياته بين التكريس والتجريح. بل ما زلنا لا نفهم موقفه العجيب ذاك، رغم تفسيرات وتأويلات لا حصر لها أعطيت له، وسيظل محفوظ حاملا هذا السرّ معه الى القبر.
كلام كثير كُتب عنكَ يا عمّ نجيب قبل موتك، وكلام كثير سيُكتب بعده، فماذا في وسعي أن ازيد، أنا التي لا يمكن ان تدّعي لقاء بك ولا معرفة شخصية، وجلّ ما يمكن أن تزعمه هو أنها قارئتك "النجيبة" وإحدى الحالمات بمحاورتك؟ لستُ هنا إلا لأرفع كأسك وأشرب نخبك فحسب.
تُراكَ ماذا تكتب الآن وأين؟ في أيّ أزقة تدور لتقطف القصص والحكايات، وفي أيّ مقهى تشرب الشاي وتقرأ جريدة الصباح؟ بأيّ صخب تتلذذ، وفي أيّ صمت يطوف ذهنك الريّان ليحصد الأفكار والأحاسيس والحقائق الانسانية من غمامات هذا العالم القليل؟
"شساعة الأحلام لي"، جملة هي آخر ما قرأته لكَ في "لو فيغارو ماغازين" (عدد 12 آب). حقاً، شساعة الأحلام لك، والحكمة لك، والخصوبة لك، والفتوّة والخيال والهاجس والحماسة. ولك خصوصا، سر الحكاية.
هكذا قدر الكبار، بعضهم في الأقل: أن يغادروا قبل أن يغادروا. أن يرحلوا ويظلوا. هو انتقامهم من الموت، وانتقام الكلمة لهم من الحياة.
..................................
*النهار ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 12:16 PM
نجيب محفوظ.. موت آخر العمالقة الكبار
بقلم: هاشم صالح
.....................
أتذكر أني عندما سمعت بحصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل عام 1988 تملكني شعور بالفرح العارم وقلت بيني وبين نفسي: إذن فإن اللغة العربية بخير وتستحق جائزة نوبل والاعتراف الكوني بآدابها وليست لغة ميتة أو محنطة كما يحاول أن يوهمنا بعض المستشرقين هنا.. كان هذا أول شعور ينتابني، وكان من القوة بحيث أني تركت القلم والورقة وكنت جالسا وراء الطاولة فاستلقيت على السرير لكي «أبلع» النبأ وأستمتع به الى أقصى حد ممكن. نعم لقد طرحني الخبر أرضا كما يقال لأني كنت فعلا في حيرة من أمري تجاه مشكلة الفصحى والعامية والازدواجية اللغوية الصارخة، وكنت خائفا على لغتنا العربية. ومعلوم ان محمد حسين هيكل باشا مؤسس الرواية العربية من خلال «زينب» كان يدعو الى استخدام العامية، ولكن فقط في الحوار. وأما عميد الأدب العربي طه حسين فكان لا يبيح ذلك شرعا وإنما يطالب بالفصحى في كل أجزاء الرواية وأنواع الكتابة أيا تكن.
ثم جاء نجيب محفوظ بعدهما مباشرة لكي يعطينا ثقة بأنفسنا وبلغتنا ومقدرتها على التطور، فاستخدم لغة كلاسيكية مبسطة أو حديثة. لأني اطلعت مؤخرا على مقالة لإدوارد سعيد عنه وكان قد نشرها قبل سنوات قليلة من موته تحت عنوان: «نجيب محفوظ: قسوة الذاكرة» (مجلة نيويورك لعرض الكتب 30 نوفمبر 2000). وفيها يقول بأنه عرض عام 1980 على ناشر من نيويورك أن يترجم روايات نجيب محفوظ الى الإنكليزية لكي يتعرف عليه الجمهور الأميركي. وكان هذا الناشر يبحث آنذاك عن أدب العالم الثالث لكي يضمه الى لائحة منشوراته. ورحب الناشر بالفكرة وتحمس لها. ثم فجأة تراجع عنها. وعندما سألهم ادوارد سعيد عن السبب قالوا له: العربية لغة إشكالية وأدبها بالتالي لا يستحق النشر في اللغات العالمية..!
لقد انتقم لنا نجيب محفوظ من هؤلاء الذين يستسخفون بلغتنا وأدبنا شر انتقام ـ أو خير انتقام ـ عندما نال جائزة نوبل للآداب. واثبت للعالم كله ان اللغة العربية هي لغة آداب حية.
فبفضل نجيب محفوظ وأمثاله من المبدعين العرب الكبار جددت لغتنا شبابها ونفضت غبار الزمن عن نفسها ولم تعد متقعرة لا يفهمها الا شيوخ الأزهر. هذه اللغة الوسطى التي هي لا عامية ولا فصحى متشدقة هي التي أنقذت لغتنا العربية من خطر الانقطاع عن نسغ الحياة، وبالتالي من خطر التحنط فالموت.
من يشعر بأنه يقرأ لغة منقطعة عن نبض الحياة عندما يغطس في روايات نجيب محفوظ؟ ألا يفهمها طالب الثانوي، وأنا شخصيا قرأت الثلاثية في الثانوي، من أقصى بلاد المغرب الى أقصى بلاد المشرق وما بينهما؟ من يستطيع ان يمسك بالثلاثية من دون أن ينهيها على الرغم من صفحاتها الألف وخمسمائة؟
لكن عظمة نجيب محفوظ لا تعود فقط الى الاسلوب بالطبع، وانما تعود الى المضمون ايضا. وهنا نلاحظ انه جسّد على مدار تاريخه كل قيم التقدم، والعقلانية، والليبرالية، والعدالة الاجتماعية، والتسامح الديني، والنزعة الإنسانية. لقد عابوا عليه انه انتقد نظام عبد الناصر ورحب بالسادات، بل وافق على كامب دافيد ومعاهدة السلام. ولكن ماذا تريدونه أن يفعل؟ لقد شعر بحدسه العبقري ان التاريخ العربي أصبح مسدودا ويدور في حلقة مفرغة. وبالتالي فلا بد من فتحة بشكل أو بآخر، وشعر أيضا ان تقدم الشعوب العربية وفي طليعتها الشعب الفلسطيني لا يمكن ان يتحقق إلا إذا وضعنا حدا لهذا الصراع الذي استنفد كل الطاقات وأصبح عالة على حركة التاريخ في العالم العربي. ولذا فان نجيب محفوظ كان يعتقد بضرورة تغيير آلية الصراع أو أشكاله مع هذا العدو الجهنمي الذي يسيطر على التكنولوجيا الحديثة بما لا يقاس. كان يعتقد ان الشعب الجاهل الأمي الفاقد الحرية والكرامة لا يمكن ان ينتصر على شعب متعلم، مثقف، يستطيع ان يفتح فمه ويحاسب قادته متى شاء. وبالتالي فلنبتدئ بتعليم الشعوب العربية وإدخالها في جنة الحداثة والتقدم وبعدئذ نستطيع ان نطالب بالانتصار. بعدئذ تصبح مشكلة إسرائيل تحصيل حاصل: أي تنحل من تلقاء ذاتها. فالفضاء العربي الواسع بملايينه الثلاثمائة يستطيع ان يدحر أي عدو إذا ما ارتفع الى مستوى الشعوب المتحضرة وحل مشكلته مع نفسه ومع التكنولوجيا. لهذا السبب فإن إشكالية التخلف والتقدم كانت تشغل معظم روايات نجيب محفوظ وكتاباته.
بهذا المعنى يمكن القول بأنه آخر الليبراليين الكبار في العالم العربي. انه آخر جيل العمالقة المتمثل بأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، وعباس محمود العقاد وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وعشرات غيرهم. انه ينتمي الى ذلك الجيل الذي لم يكن مشوها من الناحية الآيديولوجية: أي لم يكن مصابا بمرض الديماغوجية السياسية على طريقة القومجيين أو الماركسيين أو الأصوليين. وهو الجيل الذي انقرض من الساحة العربية بعد إغلاق العصر الليبرالي العربي والتعددية الحزبية على يد جمال عبد الناصر. وإذ أقول هذا الكلام فإني لا أريد إن أنفي كل ميزة ايجابية عن زعيم القومية العربية. فالرجل له مكانته التي لا تنكر في تاريخنا. ولكننا مضطرون للاعتراف بأن قيم الليبرالية، والتعددية الفكرية، وحق الاختلاف، والإبداع الحر خارج نطاق كل القوالب الآيديولوجية والشعارات ماتت بعد الخمسينات أو تقلصت الى حد كبير. لهذا السبب نشعر بأننا أصبحنا يتامى بعد موت نجيب محفوظ حتى ولو بعد عمر طويل.. ولكن هل يموت من كتب «الثلاثية»، و«أولاد حارتنا»، و«اللص والكلاب»، و«ثرثرة فوق النيل»؟ هل يمكن أن يموت بلزاك الرواية العربية ومؤسس مجدها وعبقريتها الكونية؟!
....................................
*الشرق الأوسط ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 12:17 PM
محفوظ .. الذي عاش يداري غضبه بابتسامات الدماثة!
بقلم: صافي ناز كاظم
........................
قرأت نجيب محفوظ منذ بدايته حتى آخر حلقة من أحلامه الأدبية، قرأت نجيب محفوظ بإمعان، وتقدير، واحترام، وإعجاب، وتعجب، لكنني لم أحبه جدا إلا في ثلاث «ثرثرة فوق النيل»، و«من أصداء السيرة الذاتية»، و«أحلام فترة النقاهة»: يعطي كل حلم رقما، ولا تزيد القطعة عن 300 كلمة، وقد تنقص إلى مئة كلمة أو أقل.
مبكرا قرأت روايته الطويلة «بين القصرين» مسلسلة في مجلة الرسالة الجديدة «عام 1954، وكان يرسمها الفنان الحسين فوزي لوحات ملونة حسنة الطباعة، ولم تكن «بين القصرين» هي أول ما قرأت، أذكر أنني قرأت قبلها «زقاق المدق» في دار الكتب، فرع الظاهر، التي كانت بالقرب من منزلنا بالعباسية، وأذهلتني إشارته الواضحة إلى آفة الشذوذ الجنسي، حين قالت زوجة إحدى الشخصيات: «كل النساء لهن ضرة امرأة، وأنا التي ضرتي رجل»، تعجبت وجفلت ولم اخبر أحدا بالبيت أنني قرأت كتابا به مثل هذه التلميحات.
في مدينة نيويورك، كنت أعمل موظفة محلية، بمكتبنا الصحفي الملحق بالبعثة الدائمة لمصر في الأمم المتحدة، لتدبير مصروفات دراستي ومعيشتي كلها، وكانت تصلنا جريدة الأهرام بانتظام، فقرأت بها «ثرثرة فوق النيل»، حلقات مسلسلة كنت في غمار قراءاتي للأدب والمسرح والثقافة العالمية، من أول الصين واليابان واليونان حتى بيكيت وايونسكو واليوت وستريندبرج وخلافه، ومع كل هذا الزخم أطربتني حلقات «ثرثرة فوق النيل» وخلبت لبي. كان أدب نجيب محفوظ في ثلاثيته أدب تفاصيل وحشد، وأنا بطبعي أميل إلى المختصر والمختزل والمكثف، الذي أجده صعبا على كثير من الكتاب. صحيح أن لنجيب محفوظ مطولاته الشيقة، التي لا تزهق الروح ولا تكبس على النفس، لكنها بعد أن تحول معظمها ـ للأسف ـ الى أفلام سينمائية، قد فقدت القراء، وأصبح كل مجعوص على كرسي يفتي في «أدب» نجيب محفوظ من أول الفنانة يسرا إلى الناقد عسرا، يستمد مادته مما شاهده في الأفلام، وليس مما قرأه حقا من فن الرواية الرفيع عند نجيب محفوظ، وأشهد أنني لم أحتمل أبدا مشاهدة أفلام الثلاثية: «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية» بسبب زعيقها ومجونها وخلاعتها النابية عند قراءتي لـ«ثرثرة فوق النيل» قلت لنفسي بفرح: هذا منحني جديد في فن نجيب محفوظ، فن الوعي الثاقب، والقول السديد من خلال الغمام والدخان، وما يبدو اللاوعي، اذ لم تكن المخدرات هى الحشيش بالفعل، بل كان الحشيش رمزا لمخدرات أعتى وأخطر منه في ذلك الزمن الناصري، الذي عبرت عنه الرواية عبر عن الاقتراب المتفجر بالابتعاد عن ملامسة الواقع المادي المحيط. الشعر والوجد والحلم أرضية، وجدران، وسقف، وحديقة، وماء نهر، وفضاء ممتد للرواية، يمد بطلها يده ليلتقط الأفكار الفسفورية التي تلمع ومضات ثم تغيب، ذلك البطل الذي قدم نجيب محفوظ من خلاله نقده الدقيق العميق الأمين للحقبة الناصرية أبان سطوتها عام 1964، 1965، قبل هزيمة 5/6/1967 كانت «ثرثرة فوق النيل» مؤشرا يقول «سوف يحدث ما قد حدث». غضبت من نجيب محفوظ في سنوات حكم السادات، لكنني لم أتوقف عن قراءته، فالرجل يخبئ مواقفه في أدبه ويداريها بابتسامات التهذيب والدماثة، وقد فهمت ذلك وانبت نفسي على ظلمي له.
أحببت «أحلامه»، رقيقة مثل هفهفة الحرير الناعم على الخد، وجميلة مثل الزنابق البيضاء التى تشيع فيما حولها عطرا خفيفا، يروح ويجيء، وتأتي إليه فيراوغك ويدفعك إلى الابتسام برومانسية مثل تشكيلات الدانتيل التي تزين الشباك، اكثر مما تحجب عنه أو منه، أكون حزينة، منقبضة، ثقيلة، وأقرؤها فتأخذني بيدها لترفعني وقد تمت مواساتي. هو فيها طفل مذعور، تطارده المخاوف، وعاشق مهجور يؤرقه الهجران، ومواطن قلق لا يكف عن التلفت تحسبا لمداهمة، أو ملاحقة أو طرد، أو ضياع، لكن هذه الهواجس كلها لا تبدو في الحلم كوابيس، وان كانت هي كوابيس عمر طويل عاني على مشوار الحياة والأدب والتعبير، وهو يخفي غضبه واحتجاجه وراء ابتسامات المجاملة والتهذيب والدماثة، كوابيس دوَنها، حلوة عذبة، كأن واقعها المر قد تبخر وذهبت مرارته، وحين عاد وتكثف ليتساقط، في الحلم، قطرة، قطرة، صار «قطر العسل»! البقاء لله، والى اللقاء معك يا سيدي في عيد ميلادك القادم 11/12/2006، حين تبلغ 95 سنة التي لم تبلغها بعد، ويكذبون قائلين انك تجاوزتها!
....................................
*الشرق الأوسط ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 12:24 PM
حوارات نجيب محفوظ:
الله هو الذي يعطي للوجود معناه!
يكتبها ـ محمد سلماوي
..........................
نظرت الي الأستاذ نجيب محفوظ علي فراش المرض وهو يبتهل الي الله مرددا كلمة واحدة مرتين هي: يارب يارب! وتذكرت حوارا أجريته معه بطلب من اليونسكو منذ أكثر من عشر سنوات, حيث كانت اليونسكو تعد ملفا لأبرز كتاب العالم حول موضوع واحد هو المعرفة في حياتهم وقد تطرق حديثنا من المعرفة الي اليقين فحدثني نجيب محفوظ عن أهمية الدين في حياة الانسان فسألته: بعد كل ماحققته البشرية من تقدم علمي وتكنولوجي هل مازال هناك مكان في عالمنا المادي هذا للدين؟
فقال علي الفور: لقد أصبحت ضرورة الدين في عالمنا الحالي أشد وذلك بسبب التقدم الهائل الذي تحقق والذي سخر للانسان قوة جبارة لم تكن له من قبل ولم يكن حتي يتصورها في الخيال, فهذه القوة اما أن يراعي في استخدامها توخي المباديء الانسانية والأخلاقية أو ستخضع للمصلحة وحدها والمصلحة مجردة من أية مباديء قد تنشأ عنها الكثير من الكوارث مثل ماحدث في الحربين العالميتين واللاتي كان الدافع وراء كل منهما المصلحة.. ان مانراه الآن حولنا من جرائم وأعمال عنف انما هو نتاج لانفصال المصلحة عن المباديء أما حين تخضع قوة الانسان للمباديء والتي يجسدها الدين فانها تصبح لخير الانسان.
فقلت: أوليس الدين بهذا المفهوم أي كمنظومة من المباديء, يمكن الاستعاضة عنه ببعض الفلسفات الوضعية الحديثة التي تقوم هي الأخري علي المباديء الانسانية والأخلاقية؟
فقال أديبنا الأكبر الذي كانت دراسته الجامعية في الفلسفة: هناك من الفلسفات مايدعو الي المباديء العامة هذا صحيح, لكنك اذا بحثت في هذه المباديء تجدها في معظمها متأثرة بالأصل الديني, فجان جاك روسو مثلا لم يكن بعيدا عن المسيحية, ولاكان فرانسيس بيكون, ومن ناحية أخري فان مايقدمه الانسان كاجتهاد فلسفي ليس مثل مايتلقاه وهو مؤمن بأنه آت من رب هذا الكون, هناك فرق كبير بين الاثنين, لذلك فقد تجد مباديء بعض الناس أحسن ماتكون, لكن اصحاب الايمان وحدهم هم الذين يموتون في سبيل المثل والمباديء النبيلة, لأن وراء التضحية والفداء يكون دائما الايمان وليس مجرد الاقتناع العقلي, ان هذا هو ماجعل بعض الفلاسفة أنفسهم يطالبون بالدين مثل الفرنسي فيكتور كوزان الذي قال في القرن الـ19 أننا بحاجة الي الدين من أجل الدين.
ثم يضيف: كذلك فان العقيدة تقترن بالروح,و بالقلب أكثر مما تقترن بالعقل, والصوفيون مثلا لايفكرون في عقيدتهم وانما هم يعيشون تجربتها والتجربة الصوفية قد تبدأ بالشك, مثلما كان الحال مع الامام الغزالي الذي كتب أكثر من200 مؤلف طاف فيها بجميع مجالات المعرفة وانتهي به الأمر الي الشك الفلسفي الذي أسلمه في النهاية الي التصوف فوجد فيه اليقين.
قلت: وهل مرت عليك أنت مثل لحظات الشك هذه؟
قال: نعم في سن المراهقة حين أردت أن اخضع عقيدتي للعقل والمنطق والعلم, كانت تلك فترة اليمة دامت4 أو5 سنوات, لكني خرجت منها كما خرج الغزالي أي خرجت بقلبي فوصلت الي اليقين الذي لايدركه الانسان الا بقلبه, وبروحه.
قلت: ألا يأتي الايمان الا بالقلب؟
قال: ان الذي وصل إلي خلق المباديء بعقله قد يتشكك فيها أو ينصرف عنها, قد يقول لنفسه: ماالذي يلزمني بهذا, ولماذا أضحي بلذتي وبسعادتي السريعة وكافة الفوائد الأخري من أجل بضعة أفكار ؟ لكن حين تكون المباديء مستوحاه من الاله صاحب الكون وخالق البشر يكون لها معني آخر فالله هو الذي يعطي للقيم معناها, الله هو الذي يعطي الوجود معناه, بدونه لامعني للوجود لامعني للقيم, وبديله هو العبث هو اللامعني.
......................................
*الأهرام ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 12:26 PM
من مصر الثائرة إلى مصر الحائرة
نجيب محفوظ .. مائة عام من الثورة
بقلم: أنور الهواري
......................
لست أجرؤ علي الكتابة، أَمام جلال الموت وهيبة الانتقال من دنيا الفناءِ إلي عالم الخلود. دائماً، نرتجف أمام جبروت الموت، ونحني أمامه الرأس، ونشعر أن كل دواعي الغرور والزهو والفخر تتلاشي وتتبخر، فلا يبقي لها وجود، ولا يبقي لها أثر. الموت هو الموت، هو المصيبة التي ينكسر لها القلب وينفطر. هو الحقيقة التي يستسلم أمامها العقل فيعرف حدوده ويلجم جموحه. هو الكأس التي لا مفر منها ولا محيص عنها، يتجرعها العظماء والبسطاء، وتدور علي الأغنياء والفقراء.
ونرتجف أكثر، وينكسر القلب أكثر، ويستسلم العقل أكثر، حين تمتد أصابع الموت إلي أحبابنا الذين وجدنا عندهم الأنس والدفء، وإلي حكمائنا الذين التمسنا عندهم الجمال والفن، وإلي أبطالنا الذين أشعلوا فينا روح الحياة، وألهمونا أسرار النجاة.
أغلب الظن عندي، أن نجيب محفوظ لم يكن يكتب لهذه الدنيا التي رحل عنها صباح أمس، وإنما كان يكتب أوراق الالتحاق بهذا العالم الجليل العلوي المهيب الذي اختارت له العناية الإلهية أن تصعد إليه روحه أيضاً بالأمس.
رحلة نجيب في عالم الكتابة، لم تكن رحلة قلم يجري علي ورق تدور عليه المطابع والأحبار... إنما كانت رحلة روحية تستجيب لنداءات هائمة في جو السماء، سماء الروح والعقل، تماماً مثل سماء الدنيا: نجوماً وكواكب وشهباً وأسراراً وألغازاً وحكايات تتدافع في السماء وتتزاحم فوق السحاب وبين الغمام.
لم تكن مصادفة أن تبدأ مسيرة الكتابة عند محفوظ من عبق التاريخ بكل ما ينطوي عليه من غموض، وأن تنتهي هذه المسيرة بأحلام النقاهة بما تنطوي عليه من سحر. وبينهما كانت الكتابة الواقعية تأكيداً علي إنسانيته كمواطن، وتأكيداً علي نضاليته كمقاتل واثق هادئ صبور، وتأكيداً علي انحيازاته السياسية والاجتماعية مؤمناً باستقلال الوطن وكرامة المواطن، منتمياً إلي كل ذرة تراب، رافعاً قامته إلي مآذن المساجد وأبراج الكنائس.
لقد وسعت روحه الشفافة تفاصيل الحياة ووقائعها الخطير منها والحقير، وأحاط بوجدانه الطاهر حقائق الحياة ومظاهرها، وتحرر منها جميعاً، لم يرهن نفسه لمنصب، ولا لزعيم، ولا لجاه، ولا لمال قليل أو كثير.
فثبت علي طبيعته، وحافظ علي جوهره، وصان نقاءه وعذريته وبكارته الفطرية كإنسان، فلم يتقلب في كل مرحلة، ولم يتلون في كل عهد، ولم يركب لكل مقام قناعاً، ولم يظهر في كل منتدي بوجه، ولم يكن عالة علي مائدة أحد، ولا متطفلاً علي باب أحد.
لقد حافظ نجيب علي طفولته. ولد طفلاً، ولبث فينا مائة عام إلا قليلاً وهو طفل يمرح بين الأحقاب والعصور. منذ تفتح وعيه علي »مصر الثائرة« ضد الإمبراطورية البريطانية العظمي، وهو يشارك في مظاهرات الوفد ضد طغيان الاحتلال وفساد الملك... وتستقبله ملائكة الرحمن طفلاً وقد غاب وعيه عن »مصر الحائرة« بين تدخل الأجانب وفساد الحكام.. دون مظاهرات يشارك فيها، بل دون أي أثر للحياة يلفت انتباهه ويشد موهبته، فآثر السفر إلي ربه، إلي حبيبه، إلي داره، إلي بيت المستقر، إلي حيث لا فساد ولا استبداد.
لقد اختار الحياة هناك، في الفردوس الأعلي.
ورفض الموت هنا، حيث يرقد 75 مليون مصري في مدفن كبير اسمه الوطن.
.......................................
*الوفد ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 12:29 PM
شكراً للأساتذة الأدباء المحترمين:
ـ صالح سعيد الهنيدي
ـ زرياب.
ـ ياسر الدوسري.
ـ يوتوبيا.
على تعليقاتهم المشجعة.
مع تحياتي وموداتي.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 12:38 PM
العالَم من دون نجيب محفوظ
بقلم: بول شاوول
...................
انتصر نجيب محفوظ على الموت مرات وانتصر عليه الموتُ مرة واحدة، وأخيرة. وهكذا كانت حياته انتصاراً على الواقع: الاجتماعي في بدايات القرن وأربعيناته وخمسيناته، بما حمل من تناقضات وجمود وتقاليد على النظام السياسي الناصري، بما حمل، في تضاعيفه، الكثير من الأخطاء والشعارات والعسكرة والقمع والأحادية والشمولية. فمحفوظ إبن حزب الوفد الليبرالي، ابن التعددية السياسية والثقافية وابن الأحلام الديموقراطية، التي كان يرى أنها تُؤسس ببطء ومن داخل إرادة الناس، ومن داخل صياغة التاريخ.
انتصر حتى عندما وجد نفسه في خانة "المهزومين" المفجوعين في أحلامهم، وفي النكسات التي عرفتها مصر والأمة العربية. كأنه، ومن باب المعايشة ومن الداخل كان في قلب الأحداث والتداعيات والظواهر، وعلى هامشها. عايشها، بصيرة تُسائل، وبعقلانية تنتقد، وبشفافية تنفذ إلى عمق المعضلات والأسئلة الكبرى والوقائع المتعاقبة. كل هذا رآه في رواياته وقصصه وكتاباته. رآه في الزقاق، وفي "الحتة" وفي المدينة وفي الحارة وفي الأمكنة. رآه واختزنه لأنه عايشه وجربه وخبره وعلمه واستوعبه في تاريخ طويل من التحولات والتبدلات. ارتد في بداياته الى التاريخ القديم فرواه كحكواتي مشوق وحيّ، وكمتدارك فذ. ثم ومن التاريخ الفرعوني وسواه إلى الخلفية غير المنظورة، وراء النوافذ والستر والعائلات والأحداث والشخصيات السائدة والهامشية. هذا ما وجدناه بكل عنفه ورغباته، في معماريته الروائية، التي اخترق بها مجاهل المجتمع المصري، (الأبوي آنئذٍ) ثم، و"بمكر" الكبار و(الرواية فن المكر الإبداعي)، تأمل، وتأمل وانتهك المحرمات والأسئلة المحظورة في "أولاد حارتنا" ثم توجه إلى ما قبل النكسة وما بعدها، بتداعياتها ومسبباتها وظواهرها "في حب تحت المطر" و"اللص والكلاب" و"ثرثرة فوق النيل" وبين هذه وما قبلها تفرع الى حكايات الأمكنة والناس "خان الخليلي" و"زقاق المدق" وهواجسهم وتلاوينهم وشخصياتهم وفجائعهم..
كل ذلك بحنو ما بعده حنو، وبإلفة الناظر أحياناً إلى غير المألوف. وبحدة الناظر بجوارحه وبعقله وبمبضعه وانقشاعه من دون الوقوع في ثنائية الشعارات أو الموروثات الميتافيزيقية والأيديولوجية التي تقسم العالم إلى أبيض وأسود.
رعى شخصياته، حتى الأقسى منها، برحابة رابطاً شروطها بشروط المجتمع، وآلياته وإلزاماته. وتخطى بذلك الزمن "المحافظ" التقليدي المتردد بين مفاهيمه الثنائية، وكذلك الزمن الأيديولوجي (ثورة يوليو) بشعاراته الثنائية الموزعة بين المخلص والخائن، بين الوطني والعميل، كذرائع لإلغاء الصوت الآخر. ومحفوظ كان الصوت الآخر بكل تشعباته. كان على الضفة الأخرى ينظر ويرى ويتكهن، ولا مباشرة ولا وعظ ولا إملاءات. فليتكلم الواقع كله في رواياته وقصصه، فليصعد هذا الواقع السفلي بكل جذوره، ومآلاته وبواطنه وتشعباته وغضاضاته وفجاجاته وتناكراته إلى السطح. فالرواية هي الجذر الذي يستمر في الضوء. روائي المرايا والنوافذ نجيب محفوظ. روائي الواقع وما بعده وما إليه. روائي الزمن بكل أضلاعه وزواياه، روائي الأمكنة بكل أزقتها، ومقاهيها، وحواريها، وأحيائها، وهامشيتها. هكذا، كان محفوظ، شاعر الرواية العربية في خلفية كتاباته. شاعر المكان، شاعر التحولات، مواظب، وبذلك "الهدوء العاصف"، وبذلك الصمت المكتنز، على مقارعة الواقع بأدواته، بجدرانه، وببلاطه، وشوارعه، وتقاليده، وأمراضه، واظب، وكأنه يعيش دائماً على حافة الأشياء، على حافة الأحداث، لذا فهو روائي على حد اللحظات الحاسمة. رواها، واستنبط منها ما استنبط، بلغة مفخخة، "ماكرة" تبدو كسطح البحيرات، وهي تعصف من الداخل، تعصف بقوة معطياتها. وبقوة هدوئها، وبقوة نفادها. كأن النفاد الى الواقع، وروايته بأدواته، يُعوّض كل أشكال الغموض، وكل الفصاحات، والبلاغيات، بل كأنه رَفَضَ أن تحل اللغة (باجتراحاتها الشكلانية) محل الواقع، وأن تحل الكتابة محل الشخصيات، والأسلوب محل الأمكنة، مع هذا كان عليه أن ينقل الواقع بروائحه، وبعبقه، الواقع الذي يتضمن لغته. وبها، يطل على ما فوقه، أو على ما تحته، بلا زخرفة، ولا سهولة، ولا ادعاء لا "طليعية" ولا "تقدمية". وهكذا بقي محفوظ خارج كل التصنيفات، والمدارس، والنظريات، إذ أن "نظرياته" في نصوصه، لا قبلها، وفي سياق لغته، لا بعدها، من دون أن يقع لا في التبسيط، ولا في التيسير، ولهذا، بدا محفوظ، روائي "المجاز" المخفي؛ ذلك المجاز الذي به، يواجه العالم بعقل نافذ، وببصيرة تنويرية "لاذعة"، وبحرية شاسعة. فلينظِّروا للرواية ما شاؤوا، فالنظرية قيد. وليقننوا ما شاؤوا، فالتقنين قتل لطزاجة المقاربة. وليجربوا بحسب الأفكار الجاهزة، فالتجريب يأتي من داخل الحالة والظرف والتاريخ، من داخل التجربة.
ذلك أن محفوظ، وبهذا الحس الروائي المفتوح، والحر، رصف معمارية روائية، ما بعدها معمارية في أدبنا. ويكاد يكون الوحيد الذي عرف كيف تطلع الرواية من الرواية، والقصة من القصة، والحكاية من الحكاية، لتشكل هرماً معمارياً، متماسكاً، وحياً، وراسخاً.
رحل محفوظ. ترك أمكنته. ومقاهيه. ومشواره اليومي، وسيجارته، وحرافيشه، وصعاليكه، وناسه، و"حتته"، ولقاءاته.. غادر ذلك الحضور اليومي الذي كان يشع على امتداد ما يقارب القرن على كل مكان ألفه... وعلى القاهرة التي عشقها، وعلى مصر التي لم يغادرها سوى مرة واحدة... وعلى كل العالم العربي والعالم.
كم هو غريب، وقاسٍ، أن تكون مصر، اليوم، من دون نجيب محفوظ.
أن نكون كلنا من دون نجيب محفوظ.
أن يكون العالم كله من دون نجيب محفوظ.
....................................
*المستقبل ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 04:07 PM
نجيب محفوظ يتحدث إليكم:
بقلم: محمد جبريل
.....................
*الحياة مأساة.. تنتهي بالعجز أو الموت
*لم أكتب عن العمال والفلاحين لأنني لا أعرفهم
*أخفيت خبر زواجي..حتي لا يصبح موضوعاً سخيفاً في الصحافة والإذاعة نعم لا أتردد في إزعاج القراء!
كيف كان نجيب محفوظ يكتب أعماله. ولماذا لم يهتم بالعمال والفلاحين الذين لا نكاد نلمح لهم أثراً في كتاباته. وهل تردد يوماً في كتابة شيء قد يزعج القراء.. ولماذا أخفي خبر زواجه. وما أوجه التشابه بينه وبين كمال عبدالجواد أحد أبطال الثلاثية.
كل هذه الأسئلة وغيرها أجاب عنها نجيب محفوظ في مئات الحوارات التي أجراها معه صحفيون مصريون وعرب وأجانب.. وهذه بعض المقتطفات منها:
* في أي مناخ فكري نشأت؟ وما هي العوامل التي ساعدت علي تحولك إلي الابداع الفني في مجالي الرواية والقصة القصيرة؟.
كانت عنايتي الأساسية بالمقالة الفلسفية. فقد كنت دارساً للفلسفة. وكان المناخ الفكري يغلب عليه النقد وليس الابداع. وفي الإجازات وفي بعض الأوقات كنت أكتب بعض القصص دون اهتمام جدي. وتغلب الفن علي الفكر عن طريق التسلل غير الواعي حتي وصل إلي درجة قوية من الصراع الحاد الذي كان يجب أن يحسم. وحسم لصالح الفن والأدب.
* عندما تكتب هل تضع في ذهنك فكرة أساسية أيديولوجية لتعبر عنها تعبيراً فنياً؟
الأيديولوجية ليست في عقلي. ولكنها في قلبي. وأنا لا أصفها ولا أحركها قبل كتابة قصة أو رواية لأنها تعيش معي حتي في نومي. وأنا قد أكون مهتماً بموقف أو إنسان أو مكان ثم تأتي الأيديولوجية لتلون الموضوع كله بدون وعي مني. فلا أملك أن أكون غير أيديولوجي ولكن لا أفكر فيها. فلا أكتب عن الأيديولوجية. ويصح أن أكتب عن قصة حب ولكن الأيديولوجية تعمل في الداخل وفي الخفاء.
هل شاركت في تنظيمات سياسية؟ وكيف تفسر افتقار البطل الثوري في إنتاجك إلي العمق والحيوية؟.
لم أشترك في تنظيمات سياسية إنما شاركت فقط في النشاط الشعبي العام كالاضرابات والمظاهرات كفرد من جمهور وليس كعضو في تنظيم. فمنذ تفتح وعيي لم يحدث إضراب أو مظاهرة دون أن أشترك فيهما مهما اشتد الإرهاب كضرب الرصاص أو العصي.
* إلي أي مدي يصح القول إنك كاتب الطبقة المتوسطة؟
أنا كاتب الطبقة المتوسطة لأني من الطبقة المتوسطة. ولكن يوجد كتاب لهذه الطبقة يعبرون عن شخصيتها وهناك كتاب يعتبرون من نقادها. وأنا من الطائفة الثانية علي التعيين. وأنا لم أكتب عن شخصيات العمال والفلاحين لأني لم أعرفها بل أكتب عن شخصيات شعبية.
أدب الموظفين
ذكرت مرة أنك تكتب أدب موظفين. فما الذي قصدته من قولك؟ ألا يؤثر انطواؤك في الوظيفة الحكومية والحياة القاهرية علي إنتاجك؟
الذي قصدته بكلمة أدب موظفين هو الأدب الذي يتاح لموظف ما يرتبط عمره بحكم الوظيفة بمكان معين ومدينة معينة. فمثلاً من الصعب علي الموظف حتي أن يشاهد وطنه إن لم تكن وظيفته نفسها تقتضي السفر فهو لن يري العالم أو حتي وطنه لأن إجازته الوحيدة لا تسمح إلا بالسفر للمصيف.
وطول عمري نفسي أسافر أسوان وحتي الآن لم أحقق هذه الأمنية. وهذا علي خلاف الأديب الصحفي الذي تتيح له ظروف مهنته التنقل في أرجاء العالم.
ما مدي التطابق بين طفولة وشباب "كمال عبدالجواد" بطل ثلاثيتك وبين طفولتك وشبابك شخصياً؟
* الأزمة الفكرية الخاصة بكمال هي أزمتي ما عدا ذلك لا تعتمد علي الشخصية كترجمة ذاتية لأن أساسها كان الخيال للوصول إلي حقيقة فنية وفكرية. فأنا لم أعش في جو إرهاب عائلي وكانت أسرتي لطيفة ورقيقة بي لأني كنت "آخر العنقود" وكنت شغالاً ومجتهداً ومحل عطفهم. وكنت أقرب إلي الناس المرفه والمدللين. حتي شخصية كمال لم تكن عيني علي الترجمة الذاتية بل علي الرواية. وكان ما يهمني هو أزمة كمال الفكرية في الرواية. فالتطور العقلي لكمال أذكر أنني مررت به تماماً خطوة خطوة.
يسار ويمين
* منذ أن كتبت "القاهرة الجديدة" إلي الثلاثية والنقاد يلاحظون أنك تسجل بالتعبير الفني تيارين فكريين عرفهما تاريخنا الحديث. هما اليسار واليمين. فهل تعتقد أن الأرض الفكرية في مصر خلت من تيارات فكرية أخري أو من تيار لا منتم؟
الأقرب إلي الصواب أن تقول إني سجلت التيارات الثلاثة. وإلا فما معني محجوب عبدالدائم وياسين وكمال؟
عقيدة فكرية
* هل تعتقد إذن أن كمال عبدالجواد يمثل شخصية اللامنتمي كما يذهب بعض النقاد. أم أنه ينتمي إلي عقيدة فكرية حددتها اهتماماته التي ذكرتها في الرواية. وإن تم ذلك في إطار من السلبية؟ وبمعني آخر. ما هي مأساة كمال في نظرك: الانتماء. أم اللانتماء. أم شيء آخر.
ربما كان كمال "لا منتمياً" ولكنه "لا منتمي" من نوع خاص إذ أنه نزع إلي الانتماء بشكل واضح وإنساني وأن يكن غير محدد المعالم.
* هل ثمة اختلاف بين صياغتك للشخصية التاريخية وصياغتك للشخصية المعاصرة. من حيث الحرية التي تعطيها لك الأولي؟ أم أن تحويلها إلي رمز للواقع المعاصر يجعل صياغتها أشق؟
لم أواجه هذه المشكلة حقاً لأني لم أقدم شخصية تاريخية بالمعني المفهوم. أنا لم أكتب قصة تاريخية بالمعني الدقيق لهذا التعبير. أي لم يكن همي قط أن أنقل القاريء إلي حياة ماضية. ولكني كنت باستمرار أصور الحاضر.
* بعض الأدباء يعيدون كتابة العمل الأدبي أكثر من مرة. والبعض الآخر يكتبه مرة واحدة.. أين أنت من الفريقين ولماذا؟
أنا أكتب الموضوع كتابة أولي غير متمهلة وشبه عفوية. ولكني لا أبدأ الكتابة إلا بعد اختمار الفكرة في نفسي. وكذلك الشخوص. ثم أعيد كتابتها بتأن من أولها إلي آخرها. وفي الكتابة الثانية تتغير تغيراً كبيراً. ولكن الفكرة لا يصيبها التغيير إلا في أضيق الحدود.
صندوق مغلق
* تكاد تكون حياتك الخاصة صندوقاً مغلقاً. بحيث يتعذر علي أي باحث أو ناقد أن يقيم أعمالك وفي ذهنه نجيب محفوظ الإنسان. لا الفنان فحسب. فكيف تفسر هذا الستار الحديدي الذي تغلق به وجودك في حياتنا. حتي انك لم تعلن عن زواجك وهو أمر عادي ومشروع كما نعلم: إلا منذ شهرين؟
ليس في حياتي الخاصة شيء مغلق. وقد نشرت وأعيد نشرها إلي حد الملل. ولم يكن زواجي سراً. فمنذ اليوم الأول والأهل والأصدقاء الخصوصيون "لا الزملاء والأصدقاء" يعلمون به. أما إخفاؤه عن الزملاء فقد تجنبت به منذ البداية أن يصبح موضوعاً سخيفاً في الصحافة أو الإذاعة.
* تذكر دائماً فضل الناقدين سيد قطب وأنور المعداوي علي أدبك. فهل يمكنك أن تذكر بالتحديد تفاصيل العلاقة التي تحسها بينك وبين هذين الناقدين بصفة خاصة. وبقية النقاد بصفة عامة. في حدود الآثار المباشرة التي يتركها النقد في تكوينك الفني والفكري.. مع إيضاح أي الاتجاهات النقدية في الفكر الأدبي عندنا أو في الخارج كان لها الأثر الأكبر في هذا التكوين؟
النقد سبق التعارف بيني وبين الأستاذين قطب والمعداوي. ومن الصعب أن أحدد لك أثر النقد في توجيه إنتاجي فقد كتبت أكثر كتبي من "عبث الأقدار" إلي "الثلاثية" دون توجيه من النقد. أو انني كنت أكتب ثم في فترة متأخرة أتعرض لنوعين من النقد: الأول يثني علي عملي. والآخر يهاجمه. وأدركت بطبيعة الحال ما يطالبني به المهاجمون. ولكنه كان أسلوباً لا يتوافق مع إحساسي وذوقي بحال. ثم انقلب النقد علي نفسه علي طول المدي. فسلم بأن الأسلوب الذي اتبعته هو ما يطالب به حقاً في حدود المذهبية إن التزم بعض النقاد رأيهم الأول. وعلي العموم. النقد ضوء ضروري. وقد زادني فهماً لنفسي ولعملي. وأحياناً ارتفع للدرجة التي جعلتني اكتشف جوانب من نفسي كشفاً. ولكن رأيي الأخير أن الفنان يجب أن يستوعب النقد دون أن يخافه أو يسمح له بأن يؤثر تأثيراً مخالفاً في صدق إحساسه وتناوله.
جمهور الكتاب
* هل تحس بالقارئ أو الناقد أثناء صياغتك العمل الأدبي؟
موقفي ككاتب يتلخص في أمرين: أولاً عندي تجربة أود أن أعطيها في شكلها الفني المناسب. ثانياً: أمامي جمهور معين سيتلقي عني هذه التجربة. وأنا أحافظ قبل كل شيء علي الصدق. ولكني لا أتجاهل الجمهور في طريقة الأداء. فأنا لا أتردد في كتابة ما قد يزعج جمهوري من الناحية الموضوعية. ولكني يجب في الوقت نفسه أن أحترمه. بمعني أن أكتب له لا لنفسي. فيجب أن تكون عملية الإيصال أمينة واضحة. ولا يبرر الغموض في نظري إلا أن يكون الوسيلة الوحيدة الممكنة دون افتعال. ولم تواجهني في هذا السبيل مشكلة حقيقية بسبب أن جمهور الكتاب محدود نسبياً. وغالبيته من المثقفين الواعين في الحدود المعقولة. وعندما نشرت قصصاً في "الأهرام" أي عندما واجهت لأول مرة جمهوراً أكبر كثيراً من المعتاد. لم أغير من طريقتي. وآمنت بأن التذوق عادة. وأن أسلوباً ما قد يقابل أول الأمر بشيء من الحيرة أو النفور ثم لا يلبث أن يسود. ومن ناحية أخري. فمادام الكاتب صادقاً فغالباً ما تجمع بينه وبين قرائه ظروف متجانسة تحقق الاستجابة.
* مأساتان رئيسيتان أعتقد أنهما يظللان الإنسان في هذه الدنيا. هما مأساته الاجتماعية. ومأساته الوجودية. مأساة مصيره. ولقد كان أدبك إلحاحاً متصلاً واضحاً علي المأساة الاجتماعية. وإن لم يخل في بعض المواضع من الإشارة إلي المأساة الثانية. فهل تعتقد أن حياة الإنسان عموماً ترادف المأساة. أم أن لك رأياً آخر؟
مادامت الحياة تنتهي بالعجز والموت فهي مأساة. بل إن تعريف المأساة لا ينطبق علي شيء كما ينطبق علي الحياة. وقد نري هذه المأساة مبكية. وقد نراها مضحكة. وقد نراها مبكية مضحكة. ولكنها علي أي حال مأساة.
وحتي الذين يرون الحياة معبراً للآخرة. فتعريف المأساة ينطبق علي جزئها الأول وإن انقلبت إلي غير ذلك عند شمولها ككل. ولكن مأساة الحياة مركبة وليست بسيطة. أجل. إن تفكيرها في الحياة كوجود يجردها من كل شيء إلا من الوجود والعدم. ولكن تفكيرنا فيها كمجتمع يرينا مآسي كثيرة مفتعلة من صنع الإنسان. كالجهل والفقر والاستعباد والعنف والوحشية إلي آخره. وهذا يبرر تأكيدنا علي مآسي المجتمع. إذ انها مآس يمكن معالجتها. ولأننا في معالجتها نخلق الحضارة والتقدم. بل إن التقدم قد يخفف من بلوي المأساة الأصلية وقد يتغلب عليها. وقد قلت ذلك في "أولاد حارتنا". قلت إن معالجة الشرور الاجتماعية بالاشتراكية يفرغ الإنسان لمعالجة مأساته الأولي وهي الموت. فإذا انقلب أهل الحارة حارة الجبلاوي بفضل توزيع الوقف بالمساواة والعدل والإنسانية. أتيحت لهم الفرصة ليكونوا جميعاً سحرة "علماء" ليعكفوا علي حل مشكلة الموت!
وإذن فحل مأساة المجتمع قد يحل في النهاية مأساة الوجود. أو يخففها. وهي علي أي حال تعطي للحياة معني يستحق أن نعيش من أجله. أما التركيز علي مأساة الوجود مع تجاهل مآسي المجتمع فلن يحل مأساة الوجود من جهة ويحول العالم إلي عبث وبكاء أو ضحك كالبكاء.
غير أني لم أنقل أبداً مأساة الوجود. ولعلي ازداد لها انتباهاً.
...................................
*المساء ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 04:08 PM
دنيا.. نجيب محفوظ
بقلم: محمد جبريل
....................
*عاش راهباً في محراب الفن ورفع راية الإصرار
*أعماله.. عربة اسمها العدالة الاجتماعية يجرها جوادان.. الدين والعلم
*اتهامه بأنه أديب السلطة الحاكمة.. باطل
*تواصل مع التراث التاريخي والإبداعي وأفاد من تقنيات الرواية الأوروبية
كان لقائي الأول بنجيب محفوظ في مكتبة المنيرة. كنت مشغولا في قراءات متباينة. وكانت قراءتي في الرواية لطه حسين والحكيم والمازني وتيمور والسباعي وعبدالحليم عبدالله وغيرهم من أدباء جيل الرواد وجيل الوسط. بالإضافة إلي ما أتيح لي قراءته من الرواية العالمية في مكتبة أبي. وفي مكتبة بلدية الإسكندرية. والمكتبة الأمريكية بشارع جمال عبدالناصر. وغيرها وذات يوم لمحت كتابا مفتوح الصفحات عند أحمد أفندي عاكف الموظف الأربعيني المكدود وهو يغادر مبني الديوان الحكومي في طريقه إلي حي الحسين بدلا من حي السكاكيني الذي كانت أسرته قد انتقلت منه فرارا من الغارات الجوية لطائرات الألمان. في أثناء الحرب العالمية الثانية..
كان ذلك بداية تعرفي إلي نجيب محفوظ قرأت في الأيام التالية كل ما أتيح لي قراءته من أعمال محفوظ. اعتبرته الروائي المصري الأهم. وحرصت علي متابعة ما يكتب. وما يكتب عنه ثم سافرت إلي القاهرة. وتحولت صداقة القراءة بين كتابات محفوظ وبيني. إلي صداقة شخصية أفدت فيها منه ليس علي المستوي الفني فحسب. وإنما علي المستوي الإنساني أيضا: التنظيم واحترام الوقت والحياة في الفن بما يشبه الرهبنة. وكما يقول أستاذنا يحيي حقي فمنذ اليوم الذي قصد فيه أن يكون مؤلفا روائيا أخلص وجهه للفن. تاركا كل مطلب آخر دبر أذنه ووراء ظهره. إنما جعل همه الأوحد أن يجمع في يده كل الوسائل التي تعينه علي الإجادة من أجل فنه دخل كلية الآداب ودرس الموسيقي. من أجل فنه ألزم نفسه أن يلم إلماما كاملا. مستندا إلي دراسة شاملة مستفيضة للإنتاج الأوروبي. سواء في الفلسفة أو الأدب أو النقد. واشتغل موظفا في الحكومة. فقنع بكل منصب ولو ضئيلا شغله.
حتي حياته الوظيفية أفاد منها في الكثير من أعماله. يقول في حوار مع عبدالرحمن أبوعوف: الوظيفة كانت في حياتي ضرورة. لأن الأدب في ذاته فقير. وكلما تفتحت الأبواب أمام الأديب كان الغلاء يزيد فوجدت أن الوظيفة برغم قيودها تعطيني من الحرية ما لا يعطيه أي عمل آخر. ووضعي هذا مكنني أن أري وبشيء من الوضوح جميع الأنظمة التي تتابعت علي مصر. دون تأثر بأي ضغط خارجي.
لقد أغري عبدالحميد السحار قول صديقه محمد فرج: عندي موضوع شائق لك وكتب السحار "الشارع الجديد" ثم كتب "الحصاد" بإغراء عرض مماثل. أما نجيب محفوظ فقد كان يعتمد علي عينيه وذاكرته ووجدانه وكانت نوتته الصغيرة التي يسجل فيها كل ما يراه. هي ذلك الصديق الذي يحرضه علي كتابة عمل بالذات. كنت ألحظ النوتة الصغيرة وهو يسحبها من جيبه. ويعيدها. بعد أن يسجل فيها بعض مشاهداته وأفكاره. وأذكر أني سألته في حوار بقصر عائشة فهمي المطل علي نيل الزمالك:
هذه الصرامة في تقسيم الوقت بين العمل الوظيفي والحياة الأسرية والقراءة والكتابة الإبداعية والجلوس إلي الأصدقاء.. هل تضطر إلي إهمالها لو فوجئت بما يشغلك؟
قال نجيب محفوظ:
مثل ماذا؟
قلت:
زيارة عائلية؟
قال:
ماداموا من العائلة فإنهم يجلسون مع أسرتي!
وفاجأني بالسؤال:
وأنت؟
لا أسمح لأحد أن يعطلني..
والحق أني حرصت ومازلت علي أن يكون للصحافة وقتها. وللإبداع وقته. فضلا عن التزامي بحياة خاصة. تؤثر البعد عن المجتمعات. والحرص علي كل دقيقة وقت..
عناد الثيران
الإصرار. وهو ما سماه نجيب محفوظ عناد الثيران. وإن كنت أفضل ربما لأني سكندري تعبير عناد أمواج البحر والمؤكد أن أعمال محفوظ لم تلق ما كانت تستحقه من اهتمام. قبل أن تصدر "زقاق المدق" في طبعتها الشعبية. ويتحول محفوظ في مدي أعوام قليلة علي حد تعبير لويس عوض إلي مؤسسة قومية كان يكتب وينشر. ويحدث تأثيرا كميا قليلا. وتأثيرا كيفيا غاية في العمق لم يكن يشغله التفات النقد أو تجاهله. بقدر ما يشغله الإبداع. والتعبير عن قضايا المجتمع ولعلي أذكر قول محفوظ لي: إني أكتب لأن الكتابة تحقق لي حياتي علي نحو ما!
مع ذلك فإن كنت أشارك محفوظ دهشته من التفات النقاد العرب إلي أعماله. وحفاوتهم بها. بعكس الصدي الشاحب الذي كانت تلقاه في معظم الكتابات النقدية المصرية ثم شاركت محفوظ دهشته من عدم ترجمة أي من أعماله إلي أواسط الستينيات تقريبا ثم لقيت كتاباته ما تستحقه من حفاوة بلغت ذروتها بحصوله علي جائزة نوبل.
وإذا كان نجيب محفوظ قد أعلن تقديره لأنور المعداوي وسيد قطب باعتبارهما بداية العملية النقدية التي تناولت أعماله. وقدمته كأهم روائي عربي. فإني أتصور الدور نفسه في كتاب نجيب سرور المهم "رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ" الذي سبق كل الكتب التي صدرت عن مبدعنا الكبير. وقدمه فيه باعتبار عبقرية راسخة تقف في مستوي واحد وفي ندية إلي جانب أعتي عتاة الرواية في العالم أجمع. وأكد أنه يوم يترجم محفوظ إلي اللغات الأجنبية. فستعرف مصر بالفعل "أن لها هرما روائيا شامخا أدعي للفخر من هرم خوفو الحجري".
فلسفة حياة
الإفادة من الثقافة الموسوعية. في محاولة تقديم رؤية شاملة. أو فلسفة حياة متكاملة. صورة العالم لدي الفنان. وقد أشرت بعد دراسة مطولة لأعمال محفوظ في كتاب "نجيب محفوظ.. صداقة جيلين" لي أن مجموع هذه الأعمال يتمثل في عربة اسمها العدالة الاجتماعية يجرها جوادان هما الدين والعلم. كل الأبعاد المتقابلة والمتعارضة في رؤي محفوظ تلتقي في تلك الرؤية الشاملة أو فلسفة الحياة المتكاملة. يقول: الحقيقة أنني جربت كتابة القصص بوسائل مختلفة. مثل أن أقدم علي الكتابة وأنا كامل التخطيط. أو علي قدر لا بأس به من هذا التخطيط وجربتها كذلك بلا أي تخطيط.. ولكني أحب أن أضيف كلمة بالنسبة للنوع الأخير. إنه لا يخلو من تخطيط خفي كامن في العقل الباطن. ولذلك يخرج العمل معبرا عنك كالعمل المخطط سواء بسواء.
القول بأن الإنسان في يد الأقدار كما في العديد من أعمال نجيب محفوظ. هذا القول هو رؤية دينية سلفية منذ الإغريق والحق أن النظرة إلي القدر في أعمال محفوظ تتسم بسلبية واضحة. فهو يعتبر أن القدر لا راد له. وأن كل من يحاول التصدي له لابد أن يواجه الصدمة والخذلان. فلا سبيل إذن إلي مقاومته. إنه "قدرنا" المكتوب. والذي لا سبيل إلي الفرار منه. راجع: عبث الأقدار. بداية ونهاية. الطريق. اللص والكلاب. مجموعة دنيا الله.. وغيرها.
وفي الأغلب فإن أبطال نجيب محفوظ ينتهون إلي البداية التي بدءوا بها. وربما أسوأ ذلك ما حدث لسعيد مهران في "اللص والكلاب" وحسنين كامل علي في "بداية ونهاية" وسرحان البحيري في "ميرامار" وأحمد عاكف في "خان الخليلي" وحميدة وعباس الحلو في "زقاق المدق" حتي محجوب عبدالدايم في "القاهرة الجديدة" لم تؤثر فيه كثيرا فضيحة كشف زوجة الوزير للعلاقة بين زوجته زوجة محجوب وزوجها. ونقله بالتالي إلي أسوان. فهو قد أفاد من وجهة نظره الأخلاقية أو اللا أخلاقية وتحول من متبطل إلي مدير عام! محجوب عبدالدايم تقطعت كل علاقاته بأسرته. وبزوجته وبالوزير الذي كان في المقابل وراء رحلة صعوده!
فهل يعبر أبطال محفوظ عن البطل الإغريقي سيزيف؟ هل يعبرون بدرجة وبأخري عن الفلسفة الوجودية؟
كان كمال عبدالجواد كما وصفه نفسه من شدة الحيرة مترددا أبدا بين وهج الغريزة ونسمة التصوف وقد واجه نجيب محفوظ في الحقيقة الأزمات نفسها التي واجهها كمال عبدالجواد. حين اتجه إلي دراسة الفلسفة رغم معارضة الأهل والأصدقاء. وحين صادف أزمة دينية حادة بتأثير قراءته لنظرية النشوء والارتقاء. وقد تأخر زواج نجيب محفوظ لاعتبارات حددها بانشغاله في القراءة والإبداع. في حين تأخر زواج كمال عبدالجواد نتيجة لانغماسه في أزمته الفكرية التي امتدت إلي نهاية "السكرية".
التواصل
تحقيق التواصل مع التراث التاريخي والإبداعي. كما في روايات المرحلة الفرعونية. وكما في ألف ليلة وليلة. وغيرها.. والإفادة في الوقت نفسه من تقنيات الرواية الأوروبية. والحرص كذلك علي متابعة إيقاع العصر من حيث الحبكة واللغة والأسلوب.. ولاشك أن "اللص والكلاب" و"الشحاذ" و"الطريق" تختلف في ذلك كله عن روايات مرحلة الواقعية الطبيعية.. واللافت أن نجيب محفوظ في رواياته التي وظفت التراث الفرعوني لم يكن يشغله التاريخ بقدر ما شغله الواقع. كان المصريون أسري والاحتلال وفساد القصر وانتهازية أحزاب الأقلية. وهو ما يسهل للتعرف علي ملامح مشابهة له في الروايات الفرعونية يقول: هناك أدباء الفعل الماضي. وأدباء الفعل المضارع. وأدباء المستقبل وأنا من أدباء الفعل المضارع. أكتب عن الحاضر. ولا أحب الكتابة عن الماضي. ولا يستهويني التنبؤ بالمستقبل.
نجيب محفوظ دنيا من الصدق الفني والصدق الإنساني الجميل. مثلت لي ريادة وأستاذية علي مدي ما يقرب من الأربعين عاما.
قال نجيب محفوظ: أنا منذ البداية ارتبط بمشكلات الطبقة المتوسطة إنه أحد أبناء الطبقة الوسطي. وبالتالي فليس ثمة ما يعيبه لو أنه اقتصر في أعماله علي حياة هذه الطبقة.. لكن: هل كان ذلك كذلك؟
لاشك أنه من الصعب أن نحكم علي أعمال الفنان من واقع انتمائه البيئي. فقد أفلح تشيخوف في التعبير عن آلام البسطاء والكادحين. مع أنه كان يعمل طبيبا.. نجيب محفوظ رغم انتمائه البورجوازي فإن تلك الطبقة بالذت تعرضت في أعمال لتعرية كاملة. باعتبارها الكتلة الأساسية التي يتكون منها مجتمع المدنية. وإن شمل الفنان في أعماله فئات تمثل معظم إن لم يكن كل الفئات التي يتشكل منها المجتمع. ثمة الوزراء وكبار الموظفين والتجار والموظفون العاديون والحرفيون والمتسولون والمجاذيب وعلماء الدين والقوادون والمومسات والطلبة والفتوات والنساء قعيدات البيوت والنساء العاملات.. الخ.
وعلي الرغم من الخلفية الفكرية الواضحة التي تطالعنا في أعمال نجيب محفوظ. فإن عزوف الفنان عن المساجلات الأدبية. كان دافعا لملاحظات متباينة تأخذ علي الفنان إهماله للطبقة الوسطي. وتعيب عليه في المقابل أنه كاتب البورجوازية الصغيرة. أو تبدي دهشتها من أنه لا يبدو مسئولا عن الأفكار التي تدعو إليها شخصيات أعماله.
لقد أخذ عبدالقادر القط علي كتاب القصة ونجيب محفوظ في مقدمتهم أنهم يهملون شئون الطبقة الوسطي بل وينظرون إليها في شيء غير قليل من الشك. معتقدين أنها لا تلعب في المجتمع المصري دورا حاسما يشبه الدور الذي تقوم به المجتمعات العاملة.
أما عبدالعظيم أنيس فهو يطلب من قارئه أن يتفق معه بداية علي أن نجيب محفوظ هو كاتب البورجوازية الصغيرة. يثم يقول عبدالعظيم أنيس: والحقيقة أنه أي نجيب محفوظ حين يعبر عن مأساة البورجوازية الصغيرة فإنه يعبر في الدرجة الأولي عن مأساته هو. وحدود فهمه هو. وهو موقف عام لكل كاتب ويأخذ أنيس علي نجيب محفوظ نتيجة لذلك أنه لم يعكس في "القاهرة الجديدة" علي سبيل المثال إلا جانبا من الأحداث السياسية والاجتماعية. بينما أغفل الجوانب الأخري. مثل مظاهرات الطلبة السياسية. واضرابات العمال النقابية. وبصرف النظر عن ذلك الرأي. الأخير الذي يمكن رفضه ببساطة باعتبار أن الفنان غير مطالب بأن يجري مسحا شاملا لكل الأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية. في الفترة التي يعرض لها العمل الفني. وإلا تحول العمل إلي وثيقة سياسية أو اجتماعية أذكرك بقول ارنست فيشر في كتابه "الاشتراكية والفن" فإن الفنان أو الكاتب الاشتراكي يتبني وجهة النظر التاريخية للطبقات العاملة. لكن ليس معني ذلك أنه ملزم بالدفاع في إنتاجه الأدبي عن أي عمل أو قرار يتخذه أي حزب أو شخصية تمثل هذه الطبقات العاملة. إنه يري في الطبقة العاملة القوة الحاسمة لكنها ليست القوة الوحيدة.
أما عباس خضر. فإنه يبدي اعتراضا علي الأفكار التي يسندها نجيب محفوظ إلي شخصيات أعماله.
غاية ما نرجوه من العمل الفني أن يوفق في تسليط الضوء علي القطاع. أو الشريحة. من المجتمع التي يعرض لها. بصرف النظر عن ذلك. فالحقيقة المؤكدة هي ما أثبته صبري حافظ في 1964 لم يعد ثمة شك في أن نجيب محفوظ خير روائيينا علي الإطلاق.
تغيير العالم
يقول ماركس: لقد شرح الفلاسفة العالم فقط. لكن المهم هو تغييره. وقد شرح نجيب محفوظ المجتمع المصري بكل ما يحفل به من تناقضات دون أن يقحم ذاتيته بصورة مباشرة. وترك القاريء يفكر في حتمية التغيير.
ولعل مناقشات أحمد شوكت مع خطيبته عن الصراع الطبقي. وما تبديه من عدم تصديق من أنه مع تنشئته في أسرة تتمي إلي الطبقة الوسطي. يمكن أن يكون ماركسيا مخلصا.. لعل في تلك المناقشات ردودا حاسمة علي اتهامات نجيب محفوظ بالانتماء لطبقته. وحين ثار أحمد شوكت لاستعداد البوليس لطرد ساكن من بيتهم تأخر عن دفع الأجرة. فقد كانت ثورته علي طبقته. وعلي أسرته بالذات. التي تقوم حياتها علي إيراد الأملاك.
أذكر قول نجيب محفوظ في حوار أجريته معه في منتصف الستينيات إن البورجوازية لا مستقبل لها. بعد أن أصبح مستقبلها حاضرا بانتصار الثورة وفسر الفنان توقفه خمس سنوات بعد كتابة الثلاثية. بأن سلسلة كتبه كانت محاولات لتحليل المجتمع القديم ونقده. فلما انهار ذلك المجتمع. وجد الفنان نفسه في موقف من يبحث عن قيم جديدة يستلهمها في عمله. فالفن بعد الثورة أي ثورة يجب أن يتغير عما كان قبلها. ولو أني واصلت نقد المجتمع القديم كما فعل بعض الأدباء لكررت نفسي. ولكررتها بلا داع ثم تحول عن اتجاهه الواقعي. وكتب روايته "أولاد حارتنا".
اتهام نجيب محفوظ بأنه أديب السلطة الحاكمة. مهما كانت نوعية هذه السلطة. هذا الاتهام تنفيه إبداعات محفوظ. سواء في العهد الملكي القاهرة الجديدة مثلا أم في عهد الثورة. وهو ما نجده في حب تحت المطر وميرامار والكثير من القصص القصيرة. نجيب محفوظ في كل أعماله مع التقدم والثورة لا أدري الأساس الذي بني عليه لويس عوض رأيه في "أيام العمر" بأنه إحساسه بنبض ثورة 1919 كان أوضح من إحساس نجيب محفوظ. لقد شارك محفوظ في أحداث الثورة. ولم يكتف بتلقي أنبائها في قريته القريبة من المنيا. ومن طريف ما يتذكره حين قفز من سور بيت الأمة ليحيي صفية زغلول. فجذبه جندي من حذائه. واضطر إلي دخول بيت الأمة حافيا!.. ويقول محفوظ عن موقفه من ثورة يوليو: لم تصدر مني كلمة واحدة في السر أو العلانية ضد انجازات ثورة يوليو. كالإصلاح الزراعي أو التأميمات أو تمصير الاقتصاد الوطني أو مجانية التعليم. أو مكاسب العمال والفلاحين. أو احتضانها للقومية العربية ولتحرير الشعوب. بل لعلي كنت أراها معقولة أكثر من اللازم. أما ما أسفت عليه حقا. فهو تأجيلها لمبدأ الديمقراطية. لأن هذا التأجيل أصاب البناء كله. بما هدده في النهاية بالخراب الكاملة.
ويضيف: أما الحقيقة التي لاشك فيها. فهي أنني أساسا أنتمي لثورة يوليو. ولمباديء ثورة يوليو. أنا منتم للإصلاح الزراعي. للعدالة الاجتماعية. وكل منجزات ثورة يوليو البناءة قريبة إلي قلبي. ومازلت كذلك إلي الآن. وإلي الغد. ولكني في الوقت نفسه بجانب انتمائي لها. كنت أتناقض معها في أمرين: سلبيات الذين أفسدوها عند التطبيق من جهة. وعدم استكمال ذاتها بالديمقراطية من جهة أخري. ولذلك كنت أنقدها من موضع الانتماء. لا من موضع الرفض.
...................................
*المساء ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 04:09 PM
سيرة حياة..سي السيد
بقلم: محمد جبريل
.....................
*ولد في بيت القاضي.. وجده كان صاحب سبيل
*ورث عن أمه غرامها بسماع سيد درويش رغم أن والدها كان شيخا أزهريا..
*مدرسته الأولي كُتاب الشيخ بحيري في حارة الكبابجي
ولد نجيب محفوظ عبدالعزيز أحمد إبراهيم الباشا يوم الاثنين الموافق 11 سبتمبر عام 1911 بميدان بيت القاضي في حي الجمالية بالقاهرة وله أربعة أخوة هو أصغرهم.
وتنحدر أسرة نجيب محفوظ من مدينة رشيد وكان جده قد نزح إلي القاهرة ولقب "بالسبيلجي" لأنه يملك سبيلا يشرب منه عابرو السبيل.حصل علي ليسانس آداب قسم الفلسفة من جامعة القاهرة "فؤاد الأول" عام 1934 وعمل في بداية حياته العملية كاتبا بإدارة الجامعة 1934 ثم سكرتيرا برلمانيا لوزير الأوقاف عام 1939 ثم مدير مكتب بمصلحة الفنون عام 1955 ثم مدير عام الرقابة علي المصنفات الفنية عام .1959
وتولي رئاسة مجلس إدارة مؤسسة السينما عام 1966 ثم عمل مستشارا لوزير الثقافة عام .1968
وهو عضو بالمجلس الأعلي للثقافة وبنادي القصة وجمعية الأدباء وهو أول كاتب مصري وعربي يحصل علي جائزة نوبل في الأدب نوفمبر عام .1988
جاء في حيثيات استحقاقه لجائزة نوبل أن انتاجه اعطي دفعة كبري للقصة كمذهب يتخذ من الحياة اليومية مادة له كما اسهم في تطوير اللغة العربية كلغة أدبية.
لكن ما حققه نجيب محفوظ هو أعظم من ذلك فأعماله تخاطب البشرية كلها.. فثلاثيته وتصويرها للحياة في مدينة القاهرة في الفترة ما بين الحربين تضارع أعمال الأديب البريطاني تشارلز ديكنز عن الحياة في لندن والأديب الفرنسي أميل زولا عن الحياة في باريس.
حصل نجيب محفوظ علي جائزة قوت القلوب في الرواية وجائزة وزارة التربية والتعليم وجائزة مجمع اللغة العربية عن قصة خان الخليلي وجائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1968 ووسام الجمهورية من الدرجة الأولي عام 1972 ثم قلادة النيل عام 1988 وهي أرفع الأوسمة المصرية.
قدمت عن حياته وأعماله عشرات من الرسائل الجامعية لنيل رسالتي الماجستير والدكتوراه في مصر والعالم العربي وكتب عنه العديد من الكتب وسجلت أعماله في مكتبة الكونجرس الأمريكي باعتباره أحد الكتاب البارزين في العالم وصدرت عن حياته وأعماله الأدبية مع تحليل لأدبه الروائي موسوعة باللغة الألمانية بعنوان "نجيب محفوظ حياته وأدبه" عام .1978
قدم نجيب محفوظ للسينما أكثر من "100" فيلم وسهرة و12 مسلسلا بدأها عام 1945 بكتابة السيناريو لفيلم "مغامرات عنتر وعبله" وقد أختار النقاد 17 فيلما من أعماله ضمن ال100 فيلم الأهم في تاريخ السينما وإذا كان قد حصل علي جائزة نوبل في الادب فان أهمية وجوده في السينما لا تقل عن أهمية وجوده في ادبنا المعاصر.
تاريخ مصر
اهتم نجيب محفوظ بتسجيل تاريخ مصر منذ عهد الفراعنة حتي العصر الحديث واهتم أيضا بتقديم حياة الناس البسطاء بالاحياء الشعبية الشهيرة وربطهم بالاحداث السياسية.
في مجال السينما المصرية تعاون نجيب محفوظ مع كبار المخرجين وكتاب السيناريو وقد اختيرت أفلامه ضمن أفضل مائة فيلم مصري وقد ترجمت العديد من أعماله لمعظم اللغات ومنها الانجليزية والفرنسية والاسبانية والايطالية والالمانية والهولندية ومن هذه الأعمال ثرثرة فوق النيل. قصر الشوق. السمان والخريف. المرايا. ودنيا الله.
ومن أهم أعمال نجيب محفوظ التي تحولت إلي أعمال سينمائية منذ فيلم "المنتقم" لصلاح أبوسيف عام 1947 وحتي عام 1989 فيلم "قلب الليل" للراحل عاطف الطيب. و"القاهرة الجديدة" عام 1945. "القاهرة 30". "خان الخليلي". "زقاق المداق".
ثم توالت أفلامه "بداية ونهاية". "بين القصرين". "قصر الشوق". "السكرية". "اللص والكلاب". "السمان والخريف". "الطريق". "وصمة عار". "الشحات". "ثرثرة فوق النيل" "ميرمار". "فتوات بولاق". "شهد الملكة". "المطارد". "الحرافيش". "الجوع". "التوت والنبوت". "أصدقاء الشيطان".
وقد عكست رواياته التاريخ السياسي لمصر خلال القرن العشرين وتجسدت في أفلام خان الخليلي. الحب تحت المطر. الكرنك. بين القصرين. والسكرية.
لم تترك السينما التسجيلية نجيب محفوظ حيث قام المخرج هاشم النحاس بإخراج فيلم تسجيلي عنه بعنوان "نجيب محفوظ ضمير عصر" وانتجه المركز القومي للسينما عام 1986 وتناول المخرج فيه التفاصيل اليومية لحياة محفوظ مع استعراض لقيمته الأدبية وعرض نماذج لبعض الافلام علي الشاشة المصرية المأخوذة عن أعماله الادبية.
وعن علاقته بوالدته فان نجيب محفوظ وصفها بالنافذة التي اطل منها علي العالم منذ بداية حياته. فقد تزوج عام 1954 وظل ملازما لها حتي وفاتها كما ظل يعيش معها في منزلها بالعباسية حتي يوم زفافه.
ولذلك يقول عنها أمي سيدة أمية ومع ذلك كنت أعتبرها مخزنا للثقافة المصرية كانت تعشق سيدنا الحسين وتزوره باستمرار حتي وصلت إلي حدود التسعين من عمرها وفي الفترة التي عشنا فيها في الحلمية كانت تصحبني معها في زيارتها اليومية وعندما انتقلنا إلي العباسية كانت تذهب بمفردها فقد كبرت ولم أعد ذلك الطفل المطيع وفي كل المرات التي رافقتها فيها إلي سيدنا الحسين كانت تطلب مني قراءة الفاتحة عندما ندخل المسجد.
فضل الوالدة
وكان يقول أن والدته كانت تتردد علي المتحف المصري وتحب أن تقضي أغلب الوقت في حجرة المومياوات دون أن يعرف السبب في ذلك ولا يجد تفسيرا له.
وقد ورث محفوظ عن والدته غرامها بسماع الأغاني وخاصة أغاني سيد درويش رغم أن والدها الشيخ إبراهيم مصطفي كان شيخا أزهريا وله كتاب في النحو.
كان والده موظفا بسيطا بإحدي الجهات الحكومية ثم استقال واشتغل بالتجارة وكان نجيب محفوظ له أربعة إخوة وأخوات وعندما بلغ الرابعة من عمره ذهب إلي كتاب الشيخ بحيري وكان يقع في حارة الكبابجي بالقرب من درب قرمز ثم التحق بمدرسة بين القصرين الابتدائية وبعد ان انتقلت الأسرة عام 1924 إلي العباسية حصل هناك علي شهادة البكالوريا من مدرسة فؤاد الأول الثانوية.
وتناول نجيب محفوظ المعاني الإنسانية في رواياته الأدبية ففي رواية "خان الخليلي" كانت الحارة صورة حية لمجتمع مصر في صراعاته وتطوراته المختلفة مع كل جديد في الحضارة الحديثة.
كان نجيب محفوظ محبا للضحك والنكتة والموسيقي والطرب وصديقا للناس يخاطب العامة يزور المقاهي ويلتقي بالأصحاب والأصدقاء وكان يرتاد مقهي عرابي في حي الجمالية حيث زاره أكثر من عشرين سنة وكازينو الأوبرا ومقهي ريش.
وتعد ثلاثية نجيب محفوظ كما يحلو لمحبيه وقرائه تسميتها من أعظم الأعمال التي قام بها بل وصنفت كأعظم عمل روائي عرفه الادب العربي المعاصر.
فالثلاثية التي تضم "بين القصرين. قصر الشوق والسكرية" بالإضافة إلي ثرثرة فوق النيل من الأعمال الادبية التي اتسمت بالروعة والواقعية حيث ترجمت إلي أكثر من 25 لغة وجسدت هموم ثلاثة أجيال عاشتها مصر هي جيل ثورة 1919 وجيل ثورة 1952 وجيل ما بعد الثورة والتي كانت بمثابة ملحمة صورت الواقع الاجتماعي والتجربة الإنسانية في الحياة بكل تفاصيلها الدقيقة.
...................................
*المساء ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 06:33 PM
قامة شامخة
بقلم: إدوار الخراط
......................
نجيب محفوظ قامة شامخة من قامات الادب العربي الحديث، وهو أرسى قواعد الرواية المعاصرة وطاف بأنحائها وتقصّى جوانبها المادية والمعنوية على السواء، يلهمه في ذلك شيئان، دأبه الرائع وحبه الكبير للفن والوطن.
....................................
*الحياة ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 06:34 PM
فخ البساطة المذهلة
بقلم: وليد إخلاصي
......................
ليس مستغرباً أن تتجاوز عبقرية نجيب محفوظ إمكانات الحكاية العربية في بداياتها ومروراً بتأثراتها المشروعة بالتجارب الغربية وغيرها من تجارب الأمم الأخرى، لتصبح واحدة من أخطر علامات «التأصيل» للإبداع العربي.
على سبيل المثل يمكن التأريخ للقص العربي بين نقطتين، امتدت المخيلة العربية عبر المساحة بينهما. النقطة الأولى هي «ألف ليلة وليلة» التي أظهرت عبقرية المثاقفة العربية في الاستفادة من تراث الأمم الأخرى لتشكيل شخصية عقلية محلية. والنقطة الثانية هي رواية «الحرافيش» التي أظهرت مدى النضج الفلسفي والتخييلي لنجيب محفوظ، ومدى التتويج الفني لجهود «القص» العربي عبر مسيرة طويلة تمتد لمئات السنين.
هكذا يصور نجيب محفوظ حال الإبداع العربي الذي طالما وقع الغبن عليه، إذ يبرهن على تفوقه الشخصي التاريخي. أي كلما برهن الكاتب أو الفنان على تفوقه اجتذب بنسبة أكبر حقد التعصب بكل أشكاله. والتعصب لا يقتصر على المتعصبين لكفرة ما، دينية كانت أو ايديولوجية، بل تشمل قطاعاً من الفاشلين والمتخلفين عن حركة الإبداع والإضافة. وهكذا تحول نجيب محفوظ الى رمز من رموز المقاومة ضد التخلف بكل أشكاله، كما انه بات هدفاً يسعى اليه كل من يستخدم الحرب وسيلة للتعبير عن نفسه.
يشكل نجيب محفوظ خطورة تمس أنصاف الموهوبين الذين يقعون في فخ تقليده، فبساطته المذهلة كالفخ الذي يصطاد رغبات كثيرة عند عدد من الكتاب، فيظنون أنهم قادرون على إنتاج شيء مماثل، من دون دراية منهم بأن «القص» وإن كان يحتاج الى «جرأة» و «عفوية» لا بد منهما، لكنه يمشي على سكة معرفية صنعتها الخبرة والمتابعة والاكتناز المجتهد لمنجزات الفكر والروح عبر سنوات طويلة، مما توفر لنجيب محفوظ فأكده في إبداعه الجميل عبر روايات كثيرة وقصص قصيرة أكثر.
....................................
*الحياة ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 06:34 PM
أنا ابن الثمانين أبكي أستاذي
بقلم: حنا مينه
...................
ليس غريباً، بل فاجعاً، كان وقع نبأ موت أستاذي نجيب محفوظ، الذي كافح بالقلم، وبالجسد، وبطعنة الخنجر في رقبته، من قبل المتزمتين الغادرين، الذين يخرجون من أوكارهم، كالأفاعي، فيلدغون ويخنقون.
لماذا كتب علي، أنا ابن الثانية والثمانين، أن أودع مبدعاً بعد مبدع، وأبقى شاهداً على رحيل هؤلاء الزملاء الأحبة، لأكتب عنهم، ولهم كلمات العزاء ولا عزاء، وتتحير الدموع في عيني وأنا أنظر اليهم، يرحلون في عربات الموت إلى مثواهم الأخير، وتبقى ذاكرة الأحياء وحدها، بيتهم الذي فيه يعيشون، وفيها تعتادهم الحياة، على نحو أخر، لا تغتال فيه ذكرياتهم، يد المنون، طالت أو قصرت.
أمس بكيت صديقي محمد الماغوط، وبعده بكيت الصديق عبدالسلام العجيلي، واليوم أبكي أستاذي نجيب محفوظ، ومن أبكي غداً؟ متى، يا قدر، أبكي نفسي، أو يبكي الآخرون، إذا بكوا، على هذه النفس التي كواها الالتياع، لموت مبدع، بعد مبدع، بعد مبدع؟.
إلا أن الأمنية لم تتحقق... إننا نصنع الأحلام، كيلا نسقط في العدم، إلا أن أحلامنا مصادرة أيضاً، وعلينا، في مواقف الفرح، ومواقف الترح، أن نمرق من بين الدوائر الحمر، كي نقول ما نريد أن نقول، أو ما يجب أن نقول، من دون خوف، وفي العلن تماماً، في هذه الصحيفة أو تلك، إلا أن الصحف، غالباً ما تمنع عن نشر أمانينا، لأنها وهي تبحث عن السلامة، لا تجازف، كرمى لأعيننا، في نشر كلام عن الحرية، التي هي أثمن من الخبز، وعن الديموقراطية، أم الحريات، وترد علينا بلباقة، أو حتى من دونها: «نحن آسفون!».
نعم! إنهم آسفون، ويعرفون، مثلنا، ان الحرية تحتاج إلى وسائل ممارستها، وهذه الوسائل في يد السلطات، والإبداع، في كل أجناسه، في تعارض مع هذه السلطات، إلا ما ندر، والأدب، كي يكون أدباً صادقاً، لا مندوحة له عن هذا التعارض
أستاذي الراحل نجيب محفوظ، ليس لي ما أقوله، في يوم وداعك الأخير، إلا هذه الكلمات:
«يا دارجاً في الخالدين ضميره، صلت عليك الرفقة الأبرار».
....................................
*الحياة ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 06:36 PM
العالَم من دون نجيب محفوظ
بقلم: بول شاوول
...................
انتصر نجيب محفوظ على الموت مرات وانتصر عليه الموتُ مرة واحدة، وأخيرة. وهكذا كانت حياته انتصاراً على الواقع: الاجتماعي في بدايات القرن وأربعيناته وخمسيناته، بما حمل من تناقضات وجمود وتقاليد على النظام السياسي الناصري، بما حمل، في تضاعيفه، الكثير من الأخطاء والشعارات والعسكرة والقمع والأحادية والشمولية. فمحفوظ إبن حزب الوفد الليبرالي، ابن التعددية السياسية والثقافية وابن الأحلام الديموقراطية، التي كان يرى أنها تُؤسس ببطء ومن داخل إرادة الناس، ومن داخل صياغة التاريخ.
انتصر حتى عندما وجد نفسه في خانة "المهزومين" المفجوعين في أحلامهم، وفي النكسات التي عرفتها مصر والأمة العربية. كأنه، ومن باب المعايشة ومن الداخل كان في قلب الأحداث والتداعيات والظواهر، وعلى هامشها. عايشها، بصيرة تُسائل، وبعقلانية تنتقد، وبشفافية تنفذ إلى عمق المعضلات والأسئلة الكبرى والوقائع المتعاقبة. كل هذا رآه في رواياته وقصصه وكتاباته. رآه في الزقاق، وفي "الحتة" وفي المدينة وفي الحارة وفي الأمكنة. رآه واختزنه لأنه عايشه وجربه وخبره وعلمه واستوعبه في تاريخ طويل من التحولات والتبدلات. ارتد في بداياته الى التاريخ القديم فرواه كحكواتي مشوق وحيّ، وكمتدارك فذ. ثم ومن التاريخ الفرعوني وسواه إلى الخلفية غير المنظورة، وراء النوافذ والستر والعائلات والأحداث والشخصيات السائدة والهامشية. هذا ما وجدناه بكل عنفه ورغباته، في معماريته الروائية، التي اخترق بها مجاهل المجتمع المصري، (الأبوي آنئذٍ) ثم، و"بمكر" الكبار و(الرواية فن المكر الإبداعي)، تأمل، وتأمل وانتهك المحرمات والأسئلة المحظورة في "أولاد حارتنا" ثم توجه إلى ما قبل النكسة وما بعدها، بتداعياتها ومسبباتها وظواهرها "في حب تحت المطر" و"اللص والكلاب" و"ثرثرة فوق النيل" وبين هذه وما قبلها تفرع الى حكايات الأمكنة والناس "خان الخليلي" و"زقاق المدق" وهواجسهم وتلاوينهم وشخصياتهم وفجائعهم..
كل ذلك بحنو ما بعده حنو، وبإلفة الناظر أحياناً إلى غير المألوف. وبحدة الناظر بجوارحه وبعقله وبمبضعه وانقشاعه من دون الوقوع في ثنائية الشعارات أو الموروثات الميتافيزيقية والأيديولوجية التي تقسم العالم إلى أبيض وأسود.
رعى شخصياته، حتى الأقسى منها، برحابة رابطاً شروطها بشروط المجتمع، وآلياته وإلزاماته. وتخطى بذلك الزمن "المحافظ" التقليدي المتردد بين مفاهيمه الثنائية، وكذلك الزمن الأيديولوجي (ثورة يوليو) بشعاراته الثنائية الموزعة بين المخلص والخائن، بين الوطني والعميل، كذرائع لإلغاء الصوت الآخر. ومحفوظ كان الصوت الآخر بكل تشعباته. كان على الضفة الأخرى ينظر ويرى ويتكهن، ولا مباشرة ولا وعظ ولا إملاءات. فليتكلم الواقع كله في رواياته وقصصه، فليصعد هذا الواقع السفلي بكل جذوره، ومآلاته وبواطنه وتشعباته وغضاضاته وفجاجاته وتناكراته إلى السطح. فالرواية هي الجذر الذي يستمر في الضوء. روائي المرايا والنوافذ نجيب محفوظ. روائي الواقع وما بعده وما إليه. روائي الزمن بكل أضلاعه وزواياه، روائي الأمكنة بكل أزقتها، ومقاهيها، وحواريها، وأحيائها، وهامشيتها. هكذا، كان محفوظ، شاعر الرواية العربية في خلفية كتاباته. شاعر المكان، شاعر التحولات، مواظب، وبذلك "الهدوء العاصف"، وبذلك الصمت المكتنز، على مقارعة الواقع بأدواته، بجدرانه، وببلاطه، وشوارعه، وتقاليده، وأمراضه، واظب، وكأنه يعيش دائماً على حافة الأشياء، على حافة الأحداث، لذا فهو روائي على حد اللحظات الحاسمة. رواها، واستنبط منها ما استنبط، بلغة مفخخة، "ماكرة" تبدو كسطح البحيرات، وهي تعصف من الداخل، تعصف بقوة معطياتها. وبقوة هدوئها، وبقوة نفادها. كأن النفاد الى الواقع، وروايته بأدواته، يُعوّض كل أشكال الغموض، وكل الفصاحات، والبلاغيات، بل كأنه رَفَضَ أن تحل اللغة (باجتراحاتها الشكلانية) محل الواقع، وأن تحل الكتابة محل الشخصيات، والأسلوب محل الأمكنة، مع هذا كان عليه أن ينقل الواقع بروائحه، وبعبقه، الواقع الذي يتضمن لغته. وبها، يطل على ما فوقه، أو على ما تحته، بلا زخرفة، ولا سهولة، ولا ادعاء لا "طليعية" ولا "تقدمية". وهكذا بقي محفوظ خارج كل التصنيفات، والمدارس، والنظريات، إذ أن "نظرياته" في نصوصه، لا قبلها، وفي سياق لغته، لا بعدها، من دون أن يقع لا في التبسيط، ولا في التيسير، ولهذا، بدا محفوظ، روائي "المجاز" المخفي؛ ذلك المجاز الذي به، يواجه العالم بعقل نافذ، وببصيرة تنويرية "لاذعة"، وبحرية شاسعة. فلينظِّروا للرواية ما شاؤوا، فالنظرية قيد. وليقننوا ما شاؤوا، فالتقنين قتل لطزاجة المقاربة. وليجربوا بحسب الأفكار الجاهزة، فالتجريب يأتي من داخل الحالة والظرف والتاريخ، من داخل التجربة.
ذلك أن محفوظ، وبهذا الحس الروائي المفتوح، والحر، رصف معمارية روائية، ما بعدها معمارية في أدبنا. ويكاد يكون الوحيد الذي عرف كيف تطلع الرواية من الرواية، والقصة من القصة، والحكاية من الحكاية، لتشكل هرماً معمارياً، متماسكاً، وحياً، وراسخاً.
رحل محفوظ. ترك أمكنته. ومقاهيه. ومشواره اليومي، وسيجارته، وحرافيشه، وصعاليكه، وناسه، و"حتته"، ولقاءاته.. غادر ذلك الحضور اليومي الذي كان يشع على امتداد ما يقارب القرن على كل مكان ألفه... وعلى القاهرة التي عشقها، وعلى مصر التي لم يغادرها سوى مرة واحدة... وعلى كل العالم العربي والعالم.
كم هو غريب، وقاسٍ، أن تكون مصر، اليوم، من دون نجيب محفوظ.
أن نكون كلنا من دون نجيب محفوظ.
أن يكون العالم كله من دون نجيب محفوظ.
....................................
*المستقبل ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 06:36 PM
رحيل نجيب محفوظ الهرم الإبداعي للرواية العربية
بقلم: د. جابر عصفور
..........................
تخرج مصر صباح اليوم عن بكرة أبيها، مواطنيها ومثقفيها، يودعون نجيب محفوظ (المولود العام 1911) رمزهم الأدبي الأكبر الذي تشاركهم في تقديره الأقطار العربية كلها، والمؤسسات والتجمعات الفكرية والإبداعية على امتداد العالم، وذلك منذ أن انتزع إبداع محفوظ، للمرة الأولى في تاريخ العرب المعاصر، جائزة نوبل التي كان حصوله عليها حدثاً تاريخياً نقل موقع الأدب العربي إلى صدارة المشهد الأدبي العالمي، وفتح الأبواب المغلقة أمام نقل الأعمال الأدبية، خصوصاً الرواية، إلى لغات العالم الحية. ومن يومها تشهد حركة الترجمة الأدبية، في محافلها الدولية، إقبالاً متزايداً على الترجمة من اللغة العربية للأعمال الروائية التي كتبتها أجيال متعددة، استمر حضورها الإبداعي وتواصل، بعد أن قبست النار المقدسة التي أشعلتها أعمال محفوظ على امتداد الأرض العربية...
وكان ذلك في مسيرة استثنائية رادها عقل فذ، قادر على أن يجمع الرؤى الكونية في رموز لا نهاية لثرائها، تبهر القراء بقدرتها على أن تجعل من «الحارة المصرية» تكثيفاً مصغراً للكون، بأسراره الفيزيقية والميتافيزيقية التي لم يتوقف نجيب محفوظ عن قرعها بالسؤال تلو السؤال.
وواصل نجيب محفوظ عمله الإبداعي في نزوع صوفي، يوحّد ما بينه والكتابة، ويجعله يغوص في المحلي المفرط في محليته، والخاص الذي تتجذر خصوصيته، ليصل إلى جوهر العرق الإنساني الذي يكمن في قرارة القرار من المحلي والخاص، مشيراً إلى الكون بالحارة، وإلى رحلة الإنسان لاكتشاف الحقيقة بسعي البطل الحائر الذي لا يكف عن بحثه كي يصل إلى «الأب» في الطريق أو في الحواري والأزقة، بحثاً عن «زعبلاوي» في القصة المسماة باسمه، محاولاً التوفيق بين تمرد «عرفه» (العلم) ومباركة «الجبلاوي»، في المحاولة التي سعت إلى تجاوز الثنائية الضدية بين العلم والدين، وذلك في حيز الحارة الذي يتحول إلى فضاء كوني. ومارس أبطال «الأحلام»، آخر ما كتب محفوظ، رغبتهم في التوفيق بين الأضداد، وعبور ذلك رمزياً إلى تشكيلات حلمية تجاوز الثنائيات الصارمة لحدود العقل المنطقي والواقع العملي في الوقت نفسه.
ولم يتخل محفوظ عن إيمانه العميق والقديم بأهمية الرواية في العصر الحديث، فكان مبشراً بزمنها الواعد، وصعودها الذي لا يزال متواصلاً. ولم يكن من المصادفة أن يدخل في مناظرة، خلال الأربعينات، مع العقاد، حول الشعر الذي تعصب له العقاد بوصفه فن العربية الأكبر مقاماً ورتبة، بينما رأى محفوظ أن الرواية هي شعر الدنيا الحديثة، والتعبير الأقدر عن زمنها القادم. هكذا، ظلت رواياته تتوالى مؤكدة قدرته الرائدة على تأسيس شعرية الدنيا الحديثة بكتابة الرواية التي لم يتوقف عن الإخلاص المطلق لسردياتها المتنوعة.
والنتيجة هي ما أصبحت عليه الرواية العربية، اليوم، بفضل ريادته وإصراره وقدرته على تغيير المجرى واللحمة والسداة، فأصبحت الرواية بالفعل شعرية الدنيا الحديثة التي تتنوع أشكالها إلى ما لا نهاية، ولا تترك شيئاً إلا وتناوشه بالسؤال الذي يبدأ بأن يضع الذات في مواجهة نفسها، والكون في مواجهة الأسئلة التي تسعى إلى فتح مغالقه.
ولذلك يخرج قارئ نجيب محفوظ حائراً بعد أن يقرأ روائعه، خصوصاً تلك التي تطرح من الأسئلة أكثر مما تقدم من أجوبة، فتفتح وعي القارئ على آفاق جديدة، مقترنة بإعادة النظر في كل ما حوله، غير مغفلة آلام وطموحات الإنسان الفرد، أو الطبقة، أو المجموعة الاجتماعية الممزقة بين ما هو أعلى وما هو أدنى، والوطن الحائر بين الثنائيات (العدل/ الظلم، العلم/ الدين، الحرية والعبودية)، والإنسانية التي يبحث مبدعوها عن المثل الأعلى الذي يحقق الأمن والسلام والعدل والتقدم، كأنه «سيد سيد الرحيمي»، أو «الجبلاوي» الذي يظل - على رغم غيابه - موجوداً في كل الوجود، يحث - بدوره - على مواصلة السعي وراء المثل الأعلى الذي يبتعد كلما اقتربنا منه، وينأى كلما توهمنا الإمساك به.
هل كان طول عمر نجيب محفوظ (الذي تجاوز التسعين بسنوات) هو السبب في الثراء الكمي والكيفي المذهل لإبداعاته، والتنوع الموضوعي الذي لا نظير له لأعماله التي تجاوز الخمسين؟ حالة نجيب محفوظ الاستثنائية التي لا نظير لها، تجعلنا نقول: الفن يعطيك كله إذا أخلصت في إعطائه كلك، جاعلاً منه إبداع الدنيا الحديثة في تجددها الخلاّق الذي يسهم في نقل الإنسان من وهاد الضرورة إلى آفاق الحرية.
....................................
*الحياة ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 06:37 PM
نجيب محفوظ عميد الرواية العربية رحل عن 95 عاماً...
بقلم: عبده وازن
..................
أغمض نجيب محفوظ عينيه صباح امس في مستشفى «الشرطة» ولم يتمكن من العودة الى البيت ليموت هناك، كما كان يتمنى. فالموت في البيت هو استمرار في معنى ما لحياة طالما تشبّث بها منتصراً أكثر من مرة على الموت. كأن السنوات الخمس والتسعين التي عاشها لم تكن كافية لينهي خلالها مشروعاً كان يظن دوماً انه لا ينتهي. وظل يصر على الكتابة حتى عندما شح بصره وفقد السيطرة على رجفة يديه. كان يكتب لأن الحياة في نظره هي الكتابة نفسها، الكتابة التي تعيد ترميم الحياة وبناءها مرة تلو أخرى، ولعله كان يدرك ان الكتابة في الشيخوخة لا تخلو من أثر الشيخوخة نفسها، لكنه قدر كاتب كبير مثله وجد في الكتابة خشبة خلاص في عالم تتلاطم شجونه كالأمواج.
كيف نقرأ نجيب محفوظ؟ أين يبدأ عالمه الوسيع وأين ينتهي؟ أي مرحلة من مراحله المتعددة تمثل جوهر تجربته؟ أسئلة كهذه ستظل تُطرح باستمرار، جيلاً تلو جيل. فهذا الروائي الكبير يصعب ان يُستنفد مهما قُرئ وأعيدت قراءته، بعدما خلق عالماً متعدد العوالم، أو بعدما أنشأ «بيتاً بمنازل كثيرة» وحارات بحارات وأحياء بأحياء...
قد يختصر نتاج نجيب محفوظ الهائل تاريخ مصر في القرن العشرين. فهو لم يكن شاهداً على هذا التاريخ فحسب بل كان احد صانعيه وأحد الذين بنوه روائياً، ليصبح هذا التاريخ شاهداً على نفسه. عاش محفوظ القرن العشرين طولاً وعمقاً واختبر معاني التحولات التي شهدها من غير ان يغادر مصر وربما القاهرة التي أحبها حبّاً جمّاً. والمراحل التي عرفها نتاجه الروائي لم تكن إلا صورة للمراحل التي عرفتها مصر نفسها. هذا الذي فتح عينيه على الحرب الأولى عاش آثار ثورة 1919 والحرب العالمية الثانية ثم نكبة فلسطين عام 1948 وثورة الضباط الأحرار عام 1952 ثم النكسة العربية عام 1967 وثورة «التصحيح» في السبعينات التي انتهت باغتيال الرئيس أنور السادات في 1981. ناهيك بالحروب الأهلية عربياً وعالمياً. استطاع نجيب محفوظ بقدرة خارقة على ان يلم بهذه الأحداث والتواريخ والمراحل وأن يصوغها روائياً جاعلاً منها حوافز سردية ومواد حكائية، من غير ان يقع في فخ التأريخ أو التوثيق، بل من غير ان ينقطع عن همومه الماورائية والميتافيزيقية التي تجلت في شخصياته الكثيرة ومواقفها وأفعالها وفي الفسحة التأملية التي اكتنفت اعماله.
عندما سمّي نجيب محفوظ كاتباً سياسياً لم يكن المقصود في هذه الصفة ان محفوظ اشبه بالمراقب السياسي والصحافي والمعلّق. فالسياسة التي تحتل عمق ادبه لا تفهم إلا في معناها الفلسفي او الإنساني او الاجتماعي. واستطاع هو ان «يؤدّب» السياسة ويفلسفها جاعلاً منها مادة روائية بذاتها. فهو الذي نشأ في الطبقة الشعبية الوسطى كما يحلو له ان يقول، ظل أسير هذه الطبقة التي عرفها في حي «الجمالية» الشهير، الحافل بالقصص والطرائف والمآسي والمهزلات. وقد استوحى كاتبنا من هذا الحي الكثير من احداثه وأسماء أشخاصه وعناوين رواياته: خان الخليلي، زقاق المدق... وهذا الحي أمدّه ايضاً بمقولة «الحارة» التي كان سبّاقاً في ترسيخها روائياً. وقد عاش محفوظ الصراع السياسي الذي نشب بين حزب «الوفد» الذي كان يمثل القوى الوطنية والقوى الأخرى التي كانت توصف بالرجعية لارتباطها بالاستعمار البريطاني والنظام القائم حينذاك. وانطلاقاً من بيئته الشعبية «الصغيرة» راح محفوظ يكتشف العالم الصغير، ضواحي ومدناً مصرية ثم العالم الكبير او الآخر. لكن المدينة ظلت اشبه بالمحور أو المركز الذي دارت من حوله معظم أعماله.
لئن بدأ نجيب محفوظ «مهنة» الكتابة عام 1928 وكان له من العمر سبع عشرة سنة، فهو لم يصدر روايته الأولى إلا في عام 1939 وعنوانها «عبث الأقدار». وكانت هذه فاتحة مرحلته «الفرعونية» التي تواصلت عبر روايتين هما «رادوبيس» (1943) و «كفاح طيبة» (1944). بدت روايات هذه المرحلة تقليدية شكلاً ومضموناً على رغم كشفها زوايا من التاريخ المصري الفرعوني. وبدت هذه الروايات اشبه برد فعل، تاريخي وروائي ضد الاحتلال البريطاني. فالعودة الى التاريخ العريق كانت في نظر محفوظ خير طريقة لمواجهة ثقافة الاحتلال وللحفاظ على الجذور. إلا ان هذه التجربة لم ترو غليله هو الذي نشأ في كنف طه حسين والعقّاد وتوفيق الحكيم وسلامة موسى ومصطفى عبدالرازق، فسرعان ما باشر في استيحاء الواقع المصري، بهمومه وقضاياه وأسئلته. وكانت رواية «القاهرة الجديدة» التي صدرت عام 1945 مفتتح مرحلة هي الثانية في مساره الروائي، ويطلق عليها النقاد «المرحلة الاجتماعية» مقسمين إياها الى فترتين: الأولى تمتد من ثورة 1919 الى ما قبل ثورة 1952 وكتب محفوظ خلالها اعمالاً مثل: «خان الخليلي» (1946)، «زقاق المدق» (1947)، «بداية ونهاية» (1949). اما الفترة الثانية فتتمثل في مرحلة ما بعد ثورة 1952 وخلالها كتب «الثلاثية» الشهيرة («بين القصرين» 1956، «قصر الشوق» 1957، «السكرية» 1957). في هذه المرحلة تجلى الفن الروائي لدى محفوظ في ارتكازه الى قضايا الواقع المصري وارتقائه بهذه القضايا الى مصاف التحليل والنقد. اما المرحلة الثالثة في مساره التي تسمى «الواقعية الجديدة» فهي انطلقت عام 1959 مع رواية «أولاد حارتنا» التي منعها الأزهر حين نشرها متسلسلة في صحيفة «الأهرام» وما برحت شبه ممنوعة حتى الآن. إلا ان تقسيم مسار نجيب محفوظ الى مراحل محددة ونهائية لا يرسم «خريطة» صحيحة لعالمه الرحب، فأعماله التي تلت «أولاد حارتنا» لا سيما في الستينات والسبعينات نمّت عن قدراته الروائية الكبيرة وبدت سليلة مراحله كلها. ومن روايات هذين العقدين: «اللص والكلاب» (1961) و «السمان والخريف» (1962). وعندما حدثت النكسة عام 1967 انقطع محفوظ عن الكتابة الروائية وانصرف الى الكتابة القصصية. ودفعته النكسة الى ان يمعن النظر في ثورة الضباط الأحرار وموقع مصر عالمياً. وفي عهد الرئيس انور السادات أطلق بادرة سمّاها «النظر الى الوراء بغضب» وكتب على أثرها رواية «الكرنك» (1974) متناولاً فيها مرحلة عبدالناصر وأعمال التعذيب التي خضع لها الجيل الجديد في السجون. ولم يلبث محفوظ ان انقلب على مرحلة الثمانينات المصرية وعلى القيم والأفكار التي سادت المجتمع المصري وكتب روايته «يوم قتل الزعيم» (1985) انطلاقاً من معطيات اغتيال السادات.
يستحيل اختصار عالم نجيب محفوظ، بأحداثه وأمكنته وشخصياته وأبعاده وتقنياته، ويستحيل ايضاً اختصار نجيب محفوظ نفسه، هذا الكاتب الذي اسس الرواية العربية وصنع لها تراثاً عبر أعماله وحدّثها وجعلها معاصرة، من غير ان يهمل بعض الأساليب التراثية لا سيما في روايات مثل «الحرافيش» و «ليالي ألف ليلة» وسواهما. ويقول محفوظ في هذا الصدد: «لم يكن هناك تراث روائي يمكن ان أرتكز عليه. كنت أعمل في أرض شبه خالية وكان عليّ أن اكتشف نفسي وأن أمهّد ايضاً». ولم يكن مفاجئاً ان يكتب محفوظ انواعاً عدة من الروايات: التقليدية والتاريخية والتراثية والرومنطيقية... وقد اعتمد تقنيات كثيرة استقاها من الرواية الغربية ولكن من دون ان يكتب رواية على الطريقة الغربية. وقد تأثر قليلاً بأعمال ديكنز وتولستوي وبلزاك وفلوبير... فهو كان قارئاً نهماً للرواية الغربية. لكنه كان يصر على انه لا ينتمي الى هذه الرواية بل الى الفن الروائي العربي الذي اسسه متكئاً على «تراث» معاصر تمثل في العشرينات والثلاثينات من القرن الفائت في اعمال أولى مثل: «زينب» لمحمد حسين هيكل (1912) و «رجب أفندي» لمحمود تيمور (1928) و «ابراهيم الكاتب» لابراهيم المازني (1931) و «عودة الروح» لتوفيق الحكيم (1931).
عندما فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام 1988 اكتشفه الغرب مترجماً الى لغات عدة ووجد فيه صوتاً فريداً طالعاً من الواقع المصري والعربي. لكنه لم يترك أثراً في الجيل الجديد من الروائيين الغربيين. إلا أن اعماله هي دوماً في موضع ترحاب لدى الكتاب والنقاد والقراء في الغرب.
في العام 1994 تعرّض كاتبنا لاعتداء عنيف إذ طعنه احد الأصوليين المصريين بالسكين في رقبته. وإثر هذا الحادث راحت تسوء صحته، لكنه لم يتخل عن الكتابة فأبدع نصوصاً قصيرة ذات طابع تأملي وقصصي ونشرها في بضعة كتب مثل «أحلام فترة النقاهة» و «أصداء السيرة الذاتية».
رحل نجيب محفوظ عن 95 سنة. هذا عمر مديد قد لا يخلو من السأم. لكن صاحب «الثلاثية» عرف كيف يعيش هذه السنوات الطوال متشبثاً بالحياة وكأنها الوجه الآخر للكتابة، وبالكتابة وكأنها الوجه الآخر للحياة.
....................................
*الحياة ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 06:38 PM
ليته أكمل المئة
بقلم: يوسف القعيد
....................
تمنيت ان يعيش نجيب محفوظ حتى يكمل المئة، منذ ان عرفته وأنا أتصوره روائي القاهرة في القرن العشرين، ولد سنة 1911 وسيعيش، أو أتمنى ان يعيش حتى 2011، أعرف ان الأعمار بيد الله وحده، وان الأطباء البشر يمكن أن يعالجوا كل الأمراض، ولكن الشفاء قضية أخرى غير العلاج، مسألة قريبة من الأسرار والرسائل التي تخرج عن قدرات البشر وتعلوها، لكني أتصور أن الرجل رتب حياته ليعيش أكبر فترة ممكنة، فهو ينام ويصحو ويكتب ويأكل ويشرب ويقابل الناس وفق مواعيد محددة بصرامة، في الخامسة صباحاً يستيقظ، ومع أول ضوء للشمس يكون في الشارع، ويمشي على قدميه من منزله في العجوزة، عابراً كوبري قصر النيل ثم ميدان التحرير ويلمّع حذاءه عند جزماتي بعينه، ثم يصل الى ميدان سليمان باشا (طلعت حرب حالياً)، ويشتري الصحف والمجلات من الحاج مدبولي، يشتريها كلها من دون تفريق، ويتصفحها في مقهى ريش، ثم يتركها على المائدة ويقوم بجولة كاملة على قدميه في وسط البلد الخالي من الناس في ذلك الوقت، ينهيها برحلة العودة الى بيته في العجوزة ليبدأ وقت الكتابة المحدد بصرامة، وأثناء الوظيفة كان يكتب في الليل، إنه رجل يأكل ويشرب بحساب دقيق وكأن معه مقياسًا للسعرات الحرارية، لدرجة انه، في السنوات الاخيرة، توقف عن تعاطي عقاقير السكر وحتى إجراء التحليلات الدورية لأنه ضبط أموره مع نفسه، وانضباطه الصارم في الكتابة والحياة يرجع لأنه، منذ البداية حدّد مشروعه وهدفه ووقف حياته عليه، ذات يوم قال لي جملة اعتبرها مفتاحه، قال «المتلفت لا يصل».
هذا الانضباط والدقة الأسطورية أوحى إلي بأنه سيكمل المئة ليرسخ انه روائي قاهرة القرن العشرين بالعمر، بالبقاء في الحياة، كما رسخه بمشروعه الروائي الكبير والمؤسس.
....................................
*الحياة ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
08-31-2006, 06:39 PM
لا نفهم مصر إلا في رواياته
بقلم: الطاهر بن جلون
........................
أثبت الأديب محفوظ أن الواقعية في الأدب مستحيلة، لأن الواقع وبكل بساطة، وبالأخص واقع المجتمع المصري، هو واقع مليء بالعجائب والغرائب يتجاوز كل الروايات التي يمكن لخيال الإنسان ابتكارها.
لقد كان محفوظ شاهداً ملتزماً، ومسافراً مقيماً، ومتفحصاً مثيراً للواقع، فاستطاع إلقاء نظرته المتزنة على مجتمع متشابك ومتعدد الوجوه، فكان نجيب محفوظ يعرف أن وراء كل ما هو ظاهري، هاوية، تسكنها الروح الإنسانية التي ينتمي إليها المواطن العادي البسيط، أي الناس، الذين يحيون ويموتون دون أن يعلم أحد أنهم وجدوا. فنجيب محفوظ مثله مثل بلزاك وزولا وتوليستوي، كان شاهداً على عصره، وعلى شعبه الذي عايشه يومياً في الشارع والمقهى، فلم يكن بحاجة إلى القيام برحلة حول العالم، حيث كان العالم يأتي إليه من خلال أفراحه وعذاباته وآماله، عالم حي بشخصياته من الشحاتين والأمراء. كان محفوظ وطوال حياته في خدمة الكلمة، كان لا يحب الصراعات، فدعم معاهدة السلام بين بلاده وإسرائيل عام 1979، فعاقبته البلدان العربية جزاء ذلك، وهم بهذا العقاب لم يفرقوا بين الكاتب والإنسان، فمنعت كتبه وحوصرت وهي عملية في رأيي عملية غبية، لأن المنع لم يمسس الأديب ولا طاقاته المبدعة، بل في المقابل، وبكل تأكيد، أدى إلى حرمان آلاف القراء من التمتع بكتبه.
ستظل كتب محفوظ موجودة رغم السرقة ورغم تهديدات المتطرفين والرقابة المستمرة. وسيظل نتاجه الأدبي مصدر شرف ليس فقط للآداب العربية بل للآداب العالمية ككل، فلا يمكن فهم المجتمع المصري إذا لم نقرأ نجيب محفوظ.
....................................
*الحياة ـ في 31/8/2006م.
د. حسين علي محمد
09-04-2006, 02:29 PM
توديع نجيب محفوظ
بقلم : د. جابر عصفور
..........................
كنت في الإسكندرية, أستعد لبدء الاحتفالية التي تقيمها لجنة الشعر في المجلس الأعلي للثقافة بالاشتراك مع مكتبة الإسكندرية بمناسبة مرور خمس وعشرين سنة علي وفاة الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور الذي لايزال إبداعه يتألق علي جبين الشعر العربي, قيمة متجددة, وأصالة عابرة للسنوات والأجيال. وأتي إلينا نعي نجيب محفوظ, الهرم الإبداعي الأكبر للرواية العربية, وعرفنا أن جنازته تنطلق صباح الخميس الحادي والثلاثين من أغسطس شعبية من مسجد الحسين, الذي ظل يحتل مكانة عزيزة في وجدانه وأعماله. وقد أوصي بأن تخرج جنازته من الجامع الذي تحيط به الحواري والأزقة والأحياء التي أحبها وانحاز لأهلها,
وظل يكتب عنهم في أعماله الخالدة( خان الخليلي, زقاق المدق, بين القصرين, قصر الشوق, السكرية,... إلخ), وتقرر- في الوقت نفسه- أن تعقب الجنازة الشعبية الجنازة الرسمية, يتصدرها رئيس الدولة, حسب القواعد التي تقضي بأن تكون جنازات الحاصلين علي قلادة النيل جنازات عسكرية, يخرج فيها الفقيد علي عربة مدفع ملفوفا بعلم مصر. وكان طبيعيا ومنطقيا أن يتصدر رئيس الدولة الجنازة. وتحققت بهذا الترتيب الموازنة بين وصية نجيب محفوظ التي نصت علي الصلاة عليه في المسجد الذي أحبه منذ كان صبيا, وجعل مقامه ملاذا لأبطاله, ابتداء من الجزء الأول من الثلاثية, إلي أواخر رواياته. وفي الوقت نفسه, تم تكريم الدولة الرسمي له.
لكن بعد خروجه الأخير من وسط جماهير الشعب الذي ظل منحازا له وحفيا به. وذكرني هذا الترتيب بما حدث في تكريمه بعد نوبل, حين رقص الناس البسطاء والمثقفون في الطرقات والميادين, واحتفلت به الدولة احتفالا رسميا مهيبا لا ينسي, حضره كبار المثقفين والمبدعين العرب, جنبا إلي جنب المثقفين والمبدعين المصريين, وألقي الرئيس مبارك كلمة تحتفي بالإبداع المصري العربي في شخص نجيب محفوظ الذي ارتجل أوجز رد وأبلغه.
و كان لابد من إلغاء الاحتفال بذكري صلاح عبد الصبور والعودة إلي القاهرة مساء يوم الأربعاء الماضي للمشاركة في جنازة الهرم الأكبر للإبداع الروائي, والممثل الأعز للقيم الإبداعية التي ظل يجسدها حضوره الرائع الذي ظل مثالا يقتدي, ونموذجا يحتذي, ومنارا يتوجه إليه من يريد أن يفهم أعماق النفوس البشرية ودخائلها, ومن يريد أن يعرف التاريخ السياسي والاجتماعي وأسرار الحياة المصرية, بل الحياة الإنسانية علي امتداد الوجود,
مكثفة في الحارة المصرية التي تحولت من مجرد فضاء صغير ضيق إلي كون متسع رحيب لا نهاية له, تتكثف فيها وتتجسد بها قضايا الوجود وما بعد الوجود. ولا يكف صانع هذا الكون عن النقد الاجتماعي والسياسي الجسور الذي يضع كل شيء موضع المساءلة, غير خائف أو هياب, حتي من الحكام الذين وضعهم, من عصر مينا إلي عصر السادات, أمام عرش النقد والمحاسبة التي تظهر الإيجابيات كما تظهر السلبيات.
وظل نجيب محفوظ المبدع هو العقل الباهر الذي يستطيع أن يناوش بالرمز والإشارة كل المحرمات( أو التابوهات) التي تمتد من الذر( أصغر حبات التراب) إلي الذري( حيث أعالي الوجود وما بعد الوجود). وكان ذلك كله من منظور رؤية أساسية ثابتة تجمع بين العلم والدين, ولا تري تضادا بينهما, وذلك من حيث المعجزات التي يمكن أن تتحقق بإمكانات التفاعل الخلاق بينهما, وذلك ضمن سعيه الإبداعي المنحاز إلي العدل لا الظلم, الحرية لا التسلط, الفقراء المحتاجين إلي الرعاية, والمعذبين في الأرض الذين لا يجدون ما ينفقون- إذا استعرنا عبارة طه حسين- وليس الأغنياء الذين يجدون مالا ينفقون, أو لا يتوقفون عن استغلال الفقراء ومص دمائهم. ويوازي ذلك كله انحيازه إلي المحكومين من أبناء الشعب( بوصفه وفديا قديما) وليس الحكام الذين يمكن أن ينحرفوا كما انحرف الفرعون الشهير في رواية' رادوبيس', ذلك الفرعون الذي استبدل نجيب محفوظ برعونته وفساده( وكان يرمز به إلي الملك فاروق) حكمة خوفو في روايته' عبث الأقدار', وشجاعة أحمس الذي قاد عملية تحرير مصر من الاستعمار في' كفاح طيبة' ضمن رواياته التاريخية الأولي.
وظني أن هذه الروايات الثلاث ظلت بمثابة المكونات الأولي للمبادئ التي ظلت ثابتة في كل أعمال نجيب اللاحقة, ابتداء من' القاهرة الجديدة' في الأربعينيات وانتهاء بــ' الأحلام' التي كانت آخر ما كتب. وكان علي رأس هذه المبادئ الحرص علي إقامة التوازن بين الأضداد, والجمع المعتدل بينها بما يحيل علاقة التضاد العدائي الذي يقضي فيها النقيض علي نقيضه, أو يقصيه عن الوجود, إلي علاقة التفاعل والتصالح التي تجاوز التعصب إلي التسامح, والأحادية إلي التعددية, والإجماع إلي التنوع, والديكتاتورية إلي الحرية, والظلم إلي العدل.
وظل انحياز نجيب محفوظ الدائم إلي الفقراء- ملح الأرض ومعذبيها في آن- انحيازا ثابتا, خصوصا ما بين حركة الضدين: استسلام الشعب الذي يبقي هادئا, ساكنا, منتظرا, محتملا كل شيء, إلي أن تأتي اللحظة التي يصل فيها النقيض المتسلط إلي مداه( الحاكم الظالم, الفرعون اللاهي, الاستعمار الباطش), فينفجر الشعب الذي يتحول من سطح ساكن إلي بركان, ومن مجموعات خانعة إلي مجموعات ثائرة, وهو الدرس الذي كرر نجيب محفوظ الحديث عنه, رمزا وإبداعا, في رواياته الفرعونية( وخاصة رادوبيس), ورواياته التاريخية الاجتماعية( وخاصة الثلاثية), ورواياته التاريخية الأخيرة ذات الطابع الفلسفي الرمزي( مثل العائش في الحقيقة) فضلا عن روايته التي أوقف فيها الجميع' أمام العرش'.
.................................
*الأهرام ـ في 4/9/2006م.
د. حسين علي محمد
09-04-2006, 02:30 PM
آخر 3 أحلام كتبها نجيب محفوظ:
حلم 204
..........
«رأيتني مديرا لشؤون السينما وجاءتني الفنانة «ف» تطلب اعفاءها من العمل مع الممثل «ا» فانزعجت وقلت لها ان هذا سيغير الخطة كلها ولكنها اصرت على موقفها ثم جاءني الممثل «ا» وطلب مني الضغط عليها فاعتذرت. وراحت هي تقول للوسط الفني اني اضغط عليها لتعمل مع الممثل «ا» صديقي على رغم ارادتي، وراح يقول انني سهلت لها التحرر من العمل لغرض في نفسي، فلعنت اليوم الذي توليت فيه هذا المنصب».
***
حلم رقم 205
«رأيتني اشاهد دورية من الجنود الاجانب فضربتها بحجر وصعدت الى السطح وعبرت الى سطح الجيران وهبطت السلم لاهرب من باب البيت فوجدته مسدودا بجنود شاهرين السلاح».
***
حلم رقم 206
................
«رأيتني اعد المائدة والمدعوون في الحجرة المجاورة تأتيني اصواتهم، اصوات امي واخوتي. صحوت فاقدا الصبر فهرعت الى الحجرة المجاورة لادعوهم فوجدتها خالية تماما وغارقة في الصمت، واصابني الفزع دقيقة ثم استيقظت ذاكرتي فتذكرت انهم جميعا رحلوا الى جوار ربهم وانني شيعت جنازاتهم واحدا بعد الاخر».
د. حسين علي محمد
09-04-2006, 02:30 PM
نجيب محفوظ ملتبساً في نصوصه السردية الأخيرة
بقلم: محمد علي شمس الدين
................................
منذ العام 1994، وتحديداً من تاريخ يوم ما من أيام تشرين الأول 1994، حصل انعطاف كبير في حياة ونتاج الروائي الكبير نجيب محفوظ، وقد انعكس وضعه الجَسَدي على نتاجه انعكاساً ايجابياً، فكتب على امتداد السنوات التالية عملين هما من أجمل ما كتب في حياته الإبداعية، «أصداء السيرة الذاتية» و «أحلام فترة النقاهة»... ولم يكفّ عن كتابة الأحلام، إلا حين اضطرّه عارض صحي للدخول الى المستشفى في الشهر الفائت (تموز، يوليو 2006). آخر حلم كتبه، كما نشر في «لوفيارو ماغازين» – التي كان يكتب فيها بين حينٍ وآخر – هو التالي:
«رأيت ناصراً في الحلم وهو يعطيني رغيف خبز من نوع خبز مصر العليا وهو يمتاز بأنه قاسٍ ومطبوخ على ضوء الشمس، فهو قد أعطاني إياه وطلب مني أن آكله».
يضيف محفوظ في المجلة نفسها: «الحلم حدود عالمي».
وهذا الحلم هو حلم سياسي وطني بامتياز... لكنّ رقعة أحلام نجيب محفوظ هي أكثر اتساعاً وأبعد أغواراً، بعضها يطلع من النوم والرؤيا، والبعض الآخر هو أحلام يقظة.
وقد اضطرت اصابة نجيب محفوظ ببعض الإعاقة الجسديّة، من شلل جزئي في عصب اليد اليمنى، وضعف بالغ في النظر، بنتيجة ما تعرض له في تشرين الأول (أكتوبر) 1994 من طعنات غدرٍ في عنقه من قبل متشددين جاهلين من الجماعة الإسلامية، اضافة الى وضعه الصحي الناجم عن مرض السكري الذي يعاني منه من مدة طويلة... الى اللجوء للذاكرة من جهة وللأحلام من جهة ثانية، ليملي شحنته الإبداعية على من يكتبها له على الورق. هكذا جاءت شيخوخة نجيب محفوظ مصحوبة بإعاقات جسدية وصحية، لكنها خصبة ومنتجة على صعيد الكتابة. أسمح لنفسي بأن أعتبر عملية الأخيرين، وهما أبرز ما كتبه في الشيخوخة: «أصداء السيرة الذاتية» و «أحلام فترة النقاهة»، بمثابة ولادة جديدة لهذا الروائي العظيم، صاحب المراحل والمفاجآت... لقد تولدت لديه رؤيا روائيّة جديدة، لعلها تطوير خصب ومتنوّع لمرحلة كتاب «المرايا»، وتتصف بصفتين أساسيتين هما: الشعرية المستندة الى الرؤيا والأحلام من جهة، والتركيز أو التكثيف المضغوط حتى حدود الانفجار لعنصري الحَدَث واللغة... فنجيب محفوظ الثاني، هو بالعربية، شاعر الرواية الأكبر، وروائي الشعر المفاجئ، ولا يشقّ له في هاتين السِمَتين غبار.
يلجأ الكاتب في عمليه المذكورين: السيرة (وهي الأهم والأعمق) والأحلام، الى خيمياء غريبة تدور في رأسه، وتعصف في تاريخه الذاتي والعام، ووجدانه... قبل أن تستوعبها الكلمات. تتقاطع في «أصداء السيرة الذاتية» شخصيّة نجيب محفوظ السِيَريّة (سيرته الذاتية) مع ذاته الثقافيّة المتخيّلة، أي تتقاطع مجمل إبداعاته الروائية الواقعية والمتخيّلة (كتب أكثر من خمسين رواية ومجموعات قصصية كثيرة إضافةً الى النصوص المسرحيّة)، مع نتف من سيرة حياته من الصِبا حتى الشيخوخة. فنحن هنا لسنا أمام عمل روائي صرف، ولسنا أمام مذكرات وسرد لوقائع سيرة حياتية، بل أمام عمل يبدأ من أرض الذاكرة ليصعد في فضاء التأمّل والثقافة.
وأول المفارقات ما تكشفه الأصداء من حقائق للذات الإبداعية لنجيب محفوظ، هي على عكس ما اعترف به أو أشيع عنه من أنه كائن اجتماعي محافظ ومنضبط، وينطوي على نفسيّة «موظّف» وسلوك يداري السلطة الحاكمة، أو القوى العالمية المسيطرة ولا يدعو لمناطحتها... حتى لكأنه يتلافى «الثورة» بمعناها السياسي والاجتماعي المباشر.
في «الأصداء» ينكشف لنا نجيب محفوظ آخر ومغاير. يكتب في إحدى نبذ السيرة: «دعوت للثورة وأنا دون السابعة. ذهبت ذات صباح الى مدرستي الأولية محروساً بالخادمة. سرت كمن يساق الى سجن. بيدي كراسة وفي عيني كآبة وفي قلبي حنين للفوضى...» فهو منذ السابعة من عمره، مشغوف بالثورة وداعية لها وفي قلبه حنين الفوضى (فأين الانضباط الوظيفي؟). ويكتب في النبذة الثانية «... واندلعت في باطني ثورة مباغتة، متسمة بالعنف متعطشة للجنون»... وحتى لا ننساق وراء إغراء الكلمات وخداعها، علينا أن ندرك خاتمة كل نبذة من النبذتين آنفتي الذكر... فالثورة التي دعا اليها محفوظ وهو دون السابعة كانت متعلقة بتظاهرات الطلاّب وإقفال المدارس بنتيجة ذلك. لذا كتب: «ومن صميم قلبي دعوت الله أن تدوم الثورة الى الأبد». كذلك اندلاع الثورة المباغتة المتسمة بالعنف المتعطشة للجنون، في باطنه... فقد اندلعت «أمام الجميلة ذات الضفيرة الطويلة السوداء».
نحن هنا أمام مبدع ملتبس، بل متعدد... وينبغي الحفر على طبقات ذاته الإبداعية.
يقول في الأصداء: «سألت الشيخ عبد ربه التائه: متى يصلح حال البلد؟ فأجاب: عندما يؤمن أهلها بأنّ عاقبة الجبن أوخمُ من عاقبة السلامة». وسوف نعثر في شخصيّة أصداء السيرة الذاتية وهي شخصيّة «عبد ربه التائه» 0 ولعلها الكاتب نفسه – على جميع الأشخاص الذين تراكموا أو تعاقبوا على نجيب محفوظ على امتداد مراحل حياته، من لدن مغادرته الطفولة، ودورانه في البحث عنها، حتى حدود الموت ومشارف القبر. ونجد أنفسنا أمام متأمّل وروائي بعيد الأغوار، خصب، متعدّد وصاحب أقنعة.
فهو يمشي، كما يقول «تتبعه نداءات الحب والموت»، ويتقلّب بين الذاكرة والنسيان حيث «قوّة الذاكرة تتجلّى في التذكّر كما تتجلّى في النسيان». ومحفوظ صاحب مقاطع وسِيَر عذبة في العشق وتمجيد الحياة، تقرّبه من الشعر الصافي. يقول في «خطبة الفجر»: «إذا راودك خاطر اكتئاب فعالجه بالحبَ والنغم» ويقول: «كابدت من الشوق ما جعل حياتي لهفة مكنونة في حنين».
ويظهر على نجيب محفوظ، من خلال عبد ربه التائه مسّ من الانجذاب الصوفي لم يكن موجوداً أو واضحاً في أعماله الروائية والقصصية السابقة. يظهر لنا، وهو يجري وراء قطار القناطر الخيريّة، وكأنه مشدود وراء قطار آخر ونداء يقول له «اترك كل شيءٍ واتبعني»... ولؤلؤته التي يراها في المنام، تخصّه وحده دون الناس. متعته كمتعة لاعب البليارد مع نفسه من دون لاعب يواجهه أو جمهور يلتفّ حوله «المتعة أن ألعب وحدي...» كما يقول.
ولا نحسبنَّ الشيخ نجيب محفوظ مستسلماً لسكينة الإيمان، وهدوء العقل وطمأنينة الشيخوخة... إنه أشدّ تركيباً وأجمل خلطةً وجودية من ذلك. انه يرى ويقول بضرورة الفوضى... يسوق في نبذة من السيرة خبراً عن رجل له ثلاثة أبناء عقد النيّة على السفر للحجّ، فاستدعاهم وسألهم واحداً واحداً:
- ماذا تقولون بعد الذي كان؟
أجاب الأكبر: لا أمل بغير القانون
وأجاب الأوسط: لا حياة بغير الحب
وأجاب الأصغر: العدل أساس القانون والحبّ
فابتسم الأب وقال: لا بدّ من شيء من الفوضى كي يفيق الغافل من غفلته. ونجيب محفوظ، صاحب أصداء السيرة الذاتية، هو عينه تاجر الأحلام الأكبر، في «أحلام فترة النقاهة»... ولعله مهّد لهذه الأحلام حين كتب في نهاية الأصداء «حذارِ... فإنني لم أجد تجارةً هي أربحُ من بيع الأحلام».
فمادّة «أحلام فترة النقاهة» مادّة حلميّة محض... مع عدم التخلّي عن الحدث الحكائي أو الروائي والشخصيات الروائية. فثمّة إذن، في أصداء السيرة كما في الأحلام، عناصر سرد روائي بعدّته الأساسية، من خلال انخطافات الشعر وأحلامه واختزاله التعبيري.
يقدّم لنا نجيب محفوظ، على الرغم من شيخوخته وضعفه، في «الأحلام» دليلاً اضافياً على «فحولة أدبية» (كما تقول سناء البيسي في مقدمتها للأحلام). إنه يشرخ في الأرض البكر. فبين المادّة الحلمية والفوضى الخلاّقة تتشكل نصوص أحلام فترة النقاهة بآلية سريالية عجيبة. فنحن أمام شريط من الأحلام ممتع مختصر مفاجئ يقترب فيه محفوظ من ساحة القصيدة، لجهة الكثافة والغرابة والمخيّلة. والأحلام ليست مجنونة وإن كانت غرائبيّة، وهي مرتّبة بضبط روائي يغوص في اللاوعي، ولكنه لا يغادر الوعي أو يقطع معه... ما يجعل بعضها قريباً من أحلام اليقظة... مع مقدار من الشطح يقل أو يزيد بين حلمٍ وآخر... ما يضفي على هذه الكتابة المفاجئة، شيئاً من الفنتازيا. يقول في حلم 64: «من شدّة الرعب تسمّرت قدماي في الأرض، فعلى بعد ذراعٍ منّي شبّت ثلاثة كلابٍ ضخمة، متوحشة، تريد أن تنقضّ عليّ لتفتُكَ بي لولا أن قبَضَتْ على أذيالها امرأة باستماتة»... وإلى اليمين وقعت كلبة في ريعان الشباب لآية في غزارة الشعر وبياضه ونعومته، وكانت تشاهد ما يحدث في قلق تجلّى في اهتزازات ذيلها المقصوص. وارتفع نباح الكلاب الثلاثة واشتعلت في أعينها الرغبة المتأججة في الفتك بي، ولما تعذّر عليها الوصول إليّ استدارت فجأةً ووثبت على المرأة. وعند ذلك اقتلع الرعب قلبي وارتمت عليّ الكلاب... أما الكلبة الجميلة فتطلّعت لي مدّة، وترددت لحظة عابرة، ثم ألقت بنفسها في المعركة دون مبالاةٍ بالعواقب». الأماكن والأزمنة في أحلام محفوظ، والحوادث والأشخاص تسبح في سَديم غرائبي متخيّل. نكون معه في حديقة فنغدو في شارع، ونبدأ من منزل بالعباسية (الحي السكني الذي يقيم فيه الكاتب في القاهرة) فينقلب المكان الى فيلاّ في موقع آخر. ويلتقي في الأحلام، الأحياء والأموات وتتبادل الأزمنة الأدوار فلا حدود مرسومة بين الصبا والكهولة، وبين الماضي والحاضر والمستقبل، وبين الواقعي والخيالي.
وأحلام محفوظ غالباً ما تلامس شؤون حياة عاشها الرجل، انما بالرمز والإيماء. والشيخ الجليل غالباً ما يحلم بالنساء العاريات، ولكن نادراً ما يصل اليهنّ بوصلٍ مريح. هو يحلم أيضاً بالحكومة والوظيفة والمنزل والأم والأخوات وبأصدقائه من الحرافيش... وربما عثرنا أحياناً على أحلام عبقرية وأحلام ساخرة وأحلام غرائبية الى جانب الأحلام العادية... وهكذا يتابع نجيب محفوظ بالكتابة، الواقع بالحلم، كما يمكن أن يتابع أيضاً، بالكتابة الإبداعية نفسها، الحياة بالموت».
.........................
*الحياة ـ في 4/9/2006م.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2013, TranZ by Almuhajir