صالح سعيد الهنيدي
08-20-2005, 10:59 AM
كنز تحت الأنقاض
عندما أمسك بالقلم لأكتب عن ذكريات الصِّبا في القرية القديمة , ترتجف يدي , ويكاد القلم يسقط من بين أصابعي , إذْ كيف أكتب عن هذه المرحلة من مراحل حياتي , وكيف أفتح كتاب الماضي لأقرأ فيه ذكريات تلك الفترة , وأكثرها سقط من ثقوب الذاكرة إلى قعر النسيان ؟!
لقد كانت أيامي في بيتنا القديم جميلة ورائعة , وصور طفولتي فيه متعددة ومنوعة ,من الفرح السعيد , إلى اللعب المفيد , ومن البكاء الأليم , إلى الطموح العظيم ...
تمر أمام مخيلتي عدة أطياف عابرة لتشكل صورًا أكاد أنتزعها من عقلي انتزاعًا , ومن تلك الصور صورة أمي - حفظها الله – وهي تدخل داخل ( الصندقة ) (1) وتحمل على ذراعها حزمة حطب لتشعلها , ثم تخرج بعد أن أشعلت النار .... وأنا أرقب المشهد !!
هاهي تعود تحمل شيئًا وتطرحه على ( الصلاة )(2) ثم تخفيه تحت ( الصير )
(3) , وتكوِّم عليه الأعواد المشتعلة والجمرات الملتهبة , ثم تغادر المكان وتتركني داخل الصندقة .. وأنا أنظر إلى هذا المشهد بعين الدهشة والاستغراب !!
وأريد أن أعرف ما هذا الذي دفنته أمي تحت حفنات الرماد ؟!
وتتركني أمي وسط حيرتي , ووسط الدخان الذي بدأ يغمر الصندقة من الداخل , وأخذ يتسلَّلُ إلى أعلاها متجهًا صوب فتحة علوية لينطلق إلى الفضاء الخارجي , ولكن بعد أن خنق أنفاسي , واستنفد بقية الأكسجين التي كانت في صدري , وأنا لا أزال مصرًّا على معرفة مصير ذلك الشيء الذي دفنته أمي تحت أنقاض الحطب والأعواد ...
وتَقفُل أمي راجعةً إلى الصندقة وإذا بي مترنحٌ وسط ضباب الدخان الكثيف , ثم تحتضنني بعد أن حدَّدت مكان جلوسي بصعوبة , وتخرجني خارج الصندقة .... وتعود !!
وما هي إلا لحظات بسيطة حتى تخرج وهي تحمل في يدها ذلك السرَّ الذي كاد يقضي على حياتي !!
إنها ( الـخُبزة ) (4) .. الأكلة التي لا يخلو منها بيت من بيوت قريتنا الحبيبة قديمًا وحديثًا ...
ولم أُفِقْ مما أنا فيه إلا على رائحتها الشهية ......
30 / ذو القعدة / 1424هـ
من كتاب ( من وحي القرية )
صالح بن سعيد الهنيدي
ــــــــــــ
(1) الصندقة : هي غرفة تبنى من الخشب والزنك لتعمل فيها الخبزة وأحيانًا تستخدم لأغراض أخرى . وهي مأخوذة من الصندوق .
(2) الصـلاة : هي مادة حجرية غالبًا مسطحة الشكل , توضع على الجمر الملتهب وتوضع عليها العجينة لإنضاجها . مأخوذة من الاصطلاء بالنار . (3) الصـير : هو مادة على شكل القبة توضع على العجينة أثناء نضجها (4) الخبـزة : هي أكلة شعبية في منطقة الباحة تعدُّ من البر , ويقدّم معها المرق .
عندما أمسك بالقلم لأكتب عن ذكريات الصِّبا في القرية القديمة , ترتجف يدي , ويكاد القلم يسقط من بين أصابعي , إذْ كيف أكتب عن هذه المرحلة من مراحل حياتي , وكيف أفتح كتاب الماضي لأقرأ فيه ذكريات تلك الفترة , وأكثرها سقط من ثقوب الذاكرة إلى قعر النسيان ؟!
لقد كانت أيامي في بيتنا القديم جميلة ورائعة , وصور طفولتي فيه متعددة ومنوعة ,من الفرح السعيد , إلى اللعب المفيد , ومن البكاء الأليم , إلى الطموح العظيم ...
تمر أمام مخيلتي عدة أطياف عابرة لتشكل صورًا أكاد أنتزعها من عقلي انتزاعًا , ومن تلك الصور صورة أمي - حفظها الله – وهي تدخل داخل ( الصندقة ) (1) وتحمل على ذراعها حزمة حطب لتشعلها , ثم تخرج بعد أن أشعلت النار .... وأنا أرقب المشهد !!
هاهي تعود تحمل شيئًا وتطرحه على ( الصلاة )(2) ثم تخفيه تحت ( الصير )
(3) , وتكوِّم عليه الأعواد المشتعلة والجمرات الملتهبة , ثم تغادر المكان وتتركني داخل الصندقة .. وأنا أنظر إلى هذا المشهد بعين الدهشة والاستغراب !!
وأريد أن أعرف ما هذا الذي دفنته أمي تحت حفنات الرماد ؟!
وتتركني أمي وسط حيرتي , ووسط الدخان الذي بدأ يغمر الصندقة من الداخل , وأخذ يتسلَّلُ إلى أعلاها متجهًا صوب فتحة علوية لينطلق إلى الفضاء الخارجي , ولكن بعد أن خنق أنفاسي , واستنفد بقية الأكسجين التي كانت في صدري , وأنا لا أزال مصرًّا على معرفة مصير ذلك الشيء الذي دفنته أمي تحت أنقاض الحطب والأعواد ...
وتَقفُل أمي راجعةً إلى الصندقة وإذا بي مترنحٌ وسط ضباب الدخان الكثيف , ثم تحتضنني بعد أن حدَّدت مكان جلوسي بصعوبة , وتخرجني خارج الصندقة .... وتعود !!
وما هي إلا لحظات بسيطة حتى تخرج وهي تحمل في يدها ذلك السرَّ الذي كاد يقضي على حياتي !!
إنها ( الـخُبزة ) (4) .. الأكلة التي لا يخلو منها بيت من بيوت قريتنا الحبيبة قديمًا وحديثًا ...
ولم أُفِقْ مما أنا فيه إلا على رائحتها الشهية ......
30 / ذو القعدة / 1424هـ
من كتاب ( من وحي القرية )
صالح بن سعيد الهنيدي
ــــــــــــ
(1) الصندقة : هي غرفة تبنى من الخشب والزنك لتعمل فيها الخبزة وأحيانًا تستخدم لأغراض أخرى . وهي مأخوذة من الصندوق .
(2) الصـلاة : هي مادة حجرية غالبًا مسطحة الشكل , توضع على الجمر الملتهب وتوضع عليها العجينة لإنضاجها . مأخوذة من الاصطلاء بالنار . (3) الصـير : هو مادة على شكل القبة توضع على العجينة أثناء نضجها (4) الخبـزة : هي أكلة شعبية في منطقة الباحة تعدُّ من البر , ويقدّم معها المرق .