ياسر الدوسري
08-17-2005, 11:00 PM
كنت أمني نفسي وأنا في بدايات دراستي الجامعية أن ننظر إلى البلاغة والنحو بعقلية تذوقية أكثر مما نحن فيه من السرد الغير مقنع للتعليلات اللغوية بل والمنطقية أحيانا ، و أن ننظر نظرة تذوقية تمكننا من ربط التعليلات بالفن ، وتمكننا من الغوص في النصوص والامتزاج معها واكتشاف أسرارها ولم يتسن لي في ذلك الوقت أن أنظر إلى الدراسات المهتمة في هذا المجال والتي من أبرزها: دراسات عبد القاهر الجرجاني وبالتحديد نظرية النظم.
ونما بي هذا الاهتمام حتى كونت مكتبة صغيرة تحوي ما قيل عنها وحرصي بها دفعني أيضاً إلى أن انقل القارئ الكريم إلى شئ من أسرارها ولم تكن دراستي لها حصرية لعلمي أن الموضوع متشعب وطويل ولكن ماكتبته يمثل مقالاً تطبيقياً ونقاط حاولت أن أنقل ما يريد الجرجاني بها ولأنها تمثل حاجة في نفسي وحبي للتعليل الفني فلقد حاولت أن استحضر أمثلة من الواقع ومبسطة لغير المتخصص .
ما أريد هو النظم بذاته عند عبقري البلاغة الجرجاني فقط، ونظريته التي ملأت الدنيا وشغلت الناس وسبقت عصرها، وأحببت أن أوسع مداركي أولاً لأني أهوى الغوص في الدلالات النحوية وهي صلب هذه النظرية .
ومما زاد الطين بله أنني لم أجد دراسات متخصصة ضافية لما أردت بل القوائم التي استطعت أن أجمعها خليط مقالات سابقة، وما علق في الذهن دراستي في كلية اللغة العربية ولا أنسى كتابي الجرجاني الدلائل والأسرار .
أولاً / النظم: تعليق الكلم بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب بعض(1) قال شوقي ضيف _رحمه الله_ أنها توخي المعاني النحوية في الكلام وربط العربية بعضها ببعض(2)
ثانياً / أول من تكلم بها ربما يكون أرسطو في كتابه فن الشعر(3) كما تحدث عنها الجاحظ وابن المقفع بعد ذلك ولم يتفطن إليها بأبعادها وأسرارها الواسعة آن ذاك سوى الجرجاني.
ثالثاً / منشؤها :جاءت لمتطلبات إعجاز القران العظيم حتى أن بعض العلماء ربط إعجاز القرآن بالنظم كما فعل الجرجاني .
رابعاً / أنها تتصل اتصالاً وثيقاً بالتقديم والتأخير ودلالاته وهذا سر تميزها فمثلاً إن جاء زيد من الناس لا يهمك مجيئه فتقول :جاء زيد وإن كان يهمك كالقادم من السفرمثلاً فتبدأ به وتقول زيد قادم هذا من حيث الأهمية، وربما يقدم لأغراض أخرى المهم أنه لايجعل التقديم والتأخير اعتباطياً بل له دلالاته.
خامساًً /أنها تهتم بالتصريف فكل تصريف له دلالته فـ ( انطلق ) غير (منطلق) فالأولى تفيد الاستمرار والثانية تفيد الثبات.
سادساًً / لا ينتهي الجرجاني عند هذه النقطة، بل يبحث في المفهوم الدلالي الذي تقتضيه فصاحة المخاطب سابقه أو لاحقه رفعاً ونصباً وجراً فالرفع بعد الفعل يدل على الفاعل والفاعل يدل على من عمل الفعل ومن ذلك تستطيع أن تقرب هذه القواعد إلى أذهاننا(4).
ولتعرف أيضاً أن عبد القاهر بنظريته البديعة بذاتها ،لم يضف جديداً ، وإنما الجديد فيها تطبيقه الرائع على الأمثلة وتقليبها حيث شاء ، حتى يدرك المعنى من جميع الزوايا.
ومتداداً لهذه النظرية جاءت الأسلوبية والتي هي صدى _ بشكل أو بآخر _ لهذه النظرية وهذا الشيء جعل بعض الباحثين يجعل عبد القاهر في نظريته الرائعة رائد الأسلوبية في البيان العربي .
بعد ذلك أتعجب كلما قرأت له وهو يغوص في الآية القرآنية أو البيت من الشعر ثم تحس أنك أمام شخص يدرك لغته ويدرك ما يقرأ وأبعاد ما يقرأ ولعلي أقف على مثال واحد وهو قراءته لبيت أبي تمام(5)
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه وأرى(6) الجنى اشتارته(7) أيد عواسل
يقول رحمه الله :( أن لعاب الأفاعي مبتدأ ولعابه خبر كما يوهمه الظاهر ، أفسدت عليه كلامه وأبطلت الصورة التي أرادها فيه، وذلك أن الغرض أن يشبه مداده بأرى الجنى على معنى أنه إذا كتب في العطايا والصلات أوصل به إلى النفوس ما تحلو مذاقه عندها ، وادخل السرور واللذة عليها ، وهذا المعنى إنما يكون إذا كان لعابه مبتدأ ولعاب الأفاعي خبراً)(8)
هذه الدقة المتناهية في التدقيق الدلالي في القراءة السابقة يوضح عمقاً، وتقصياً عجيباً ، يجعلنا نحترم هذه اللغة من جهة، وهذا العالم من جهة أخرى .
ينتج من كلامي السابق أن النظرية تتعلق تعلقاً وثيقاً بالنحو، بل هي النحو ببعده الأعمق، فعندما يحدد النحوي الفعل والفاعل يأتي دور البليغ ليحدد الرتبة ودورها في المعاني والسفر وراء الدلالات النحوية والأغراض
وفي الوقت الحالي كان علم المعاني بتطبيقاته الكثيرة والعميقة هو امتداد لهذه النظرية الرائعة
أخيراً لم أكن لأضيف شيئاً في مقالي هذا بل أردت أن أنقل هذا العمق الدلالي بأسلوب مبسط وأمثلة قريبة من الواقع الحي ثم لتدرك أخي أن الجرجاني أراد في (النظم ) أن ندقق في البنية اللغوية وأن ندرك أسرارها ونعي كل حركاتها لندرك سر إعجاز القرآن و سر عربيتنا وهذا الكلام ثري لأنه سينقلنا إلى لغتنا بأسلوب مبسط نتفهمه ونفهمه أجيالنا وهذا الكلام أيضاً كما قلت قد سبق عصره لدقته وشموله وثراءه .
ونما بي هذا الاهتمام حتى كونت مكتبة صغيرة تحوي ما قيل عنها وحرصي بها دفعني أيضاً إلى أن انقل القارئ الكريم إلى شئ من أسرارها ولم تكن دراستي لها حصرية لعلمي أن الموضوع متشعب وطويل ولكن ماكتبته يمثل مقالاً تطبيقياً ونقاط حاولت أن أنقل ما يريد الجرجاني بها ولأنها تمثل حاجة في نفسي وحبي للتعليل الفني فلقد حاولت أن استحضر أمثلة من الواقع ومبسطة لغير المتخصص .
ما أريد هو النظم بذاته عند عبقري البلاغة الجرجاني فقط، ونظريته التي ملأت الدنيا وشغلت الناس وسبقت عصرها، وأحببت أن أوسع مداركي أولاً لأني أهوى الغوص في الدلالات النحوية وهي صلب هذه النظرية .
ومما زاد الطين بله أنني لم أجد دراسات متخصصة ضافية لما أردت بل القوائم التي استطعت أن أجمعها خليط مقالات سابقة، وما علق في الذهن دراستي في كلية اللغة العربية ولا أنسى كتابي الجرجاني الدلائل والأسرار .
أولاً / النظم: تعليق الكلم بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب بعض(1) قال شوقي ضيف _رحمه الله_ أنها توخي المعاني النحوية في الكلام وربط العربية بعضها ببعض(2)
ثانياً / أول من تكلم بها ربما يكون أرسطو في كتابه فن الشعر(3) كما تحدث عنها الجاحظ وابن المقفع بعد ذلك ولم يتفطن إليها بأبعادها وأسرارها الواسعة آن ذاك سوى الجرجاني.
ثالثاً / منشؤها :جاءت لمتطلبات إعجاز القران العظيم حتى أن بعض العلماء ربط إعجاز القرآن بالنظم كما فعل الجرجاني .
رابعاً / أنها تتصل اتصالاً وثيقاً بالتقديم والتأخير ودلالاته وهذا سر تميزها فمثلاً إن جاء زيد من الناس لا يهمك مجيئه فتقول :جاء زيد وإن كان يهمك كالقادم من السفرمثلاً فتبدأ به وتقول زيد قادم هذا من حيث الأهمية، وربما يقدم لأغراض أخرى المهم أنه لايجعل التقديم والتأخير اعتباطياً بل له دلالاته.
خامساًً /أنها تهتم بالتصريف فكل تصريف له دلالته فـ ( انطلق ) غير (منطلق) فالأولى تفيد الاستمرار والثانية تفيد الثبات.
سادساًً / لا ينتهي الجرجاني عند هذه النقطة، بل يبحث في المفهوم الدلالي الذي تقتضيه فصاحة المخاطب سابقه أو لاحقه رفعاً ونصباً وجراً فالرفع بعد الفعل يدل على الفاعل والفاعل يدل على من عمل الفعل ومن ذلك تستطيع أن تقرب هذه القواعد إلى أذهاننا(4).
ولتعرف أيضاً أن عبد القاهر بنظريته البديعة بذاتها ،لم يضف جديداً ، وإنما الجديد فيها تطبيقه الرائع على الأمثلة وتقليبها حيث شاء ، حتى يدرك المعنى من جميع الزوايا.
ومتداداً لهذه النظرية جاءت الأسلوبية والتي هي صدى _ بشكل أو بآخر _ لهذه النظرية وهذا الشيء جعل بعض الباحثين يجعل عبد القاهر في نظريته الرائعة رائد الأسلوبية في البيان العربي .
بعد ذلك أتعجب كلما قرأت له وهو يغوص في الآية القرآنية أو البيت من الشعر ثم تحس أنك أمام شخص يدرك لغته ويدرك ما يقرأ وأبعاد ما يقرأ ولعلي أقف على مثال واحد وهو قراءته لبيت أبي تمام(5)
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه وأرى(6) الجنى اشتارته(7) أيد عواسل
يقول رحمه الله :( أن لعاب الأفاعي مبتدأ ولعابه خبر كما يوهمه الظاهر ، أفسدت عليه كلامه وأبطلت الصورة التي أرادها فيه، وذلك أن الغرض أن يشبه مداده بأرى الجنى على معنى أنه إذا كتب في العطايا والصلات أوصل به إلى النفوس ما تحلو مذاقه عندها ، وادخل السرور واللذة عليها ، وهذا المعنى إنما يكون إذا كان لعابه مبتدأ ولعاب الأفاعي خبراً)(8)
هذه الدقة المتناهية في التدقيق الدلالي في القراءة السابقة يوضح عمقاً، وتقصياً عجيباً ، يجعلنا نحترم هذه اللغة من جهة، وهذا العالم من جهة أخرى .
ينتج من كلامي السابق أن النظرية تتعلق تعلقاً وثيقاً بالنحو، بل هي النحو ببعده الأعمق، فعندما يحدد النحوي الفعل والفاعل يأتي دور البليغ ليحدد الرتبة ودورها في المعاني والسفر وراء الدلالات النحوية والأغراض
وفي الوقت الحالي كان علم المعاني بتطبيقاته الكثيرة والعميقة هو امتداد لهذه النظرية الرائعة
أخيراً لم أكن لأضيف شيئاً في مقالي هذا بل أردت أن أنقل هذا العمق الدلالي بأسلوب مبسط وأمثلة قريبة من الواقع الحي ثم لتدرك أخي أن الجرجاني أراد في (النظم ) أن ندقق في البنية اللغوية وأن ندرك أسرارها ونعي كل حركاتها لندرك سر إعجاز القرآن و سر عربيتنا وهذا الكلام ثري لأنه سينقلنا إلى لغتنا بأسلوب مبسط نتفهمه ونفهمه أجيالنا وهذا الكلام أيضاً كما قلت قد سبق عصره لدقته وشموله وثراءه .