مريم خليل الضاني
11-26-2011, 08:46 PM
قراءة لمجموعة (غسيل المنتقبات)
بقلم : مريم خليل الضاني
يطلّ القاص المصري محمود توفيق على المشهد الأدبي بمجموعته القصصية الأولى ( غسيل المنتقبات ) التي صدرت عن دار( اكتب) في 2010، ولعلَّ أوَّلَ ما سيتبادر إلى ذهن القارئ الذي لم يقرأ لمحمود توفيق سابقا ، عندما يقع بصره على عنوان المجموعة ؛ تساؤلٌ عن الاتّجاه الأيديولوجي للقاص محمود : أهو مؤيِّدٌ لتطبيق الشريعة الإسلامية كدين ودولة ،أم معارض له؟، ذلك أنّ النقاب لم يعد مسألة تعبّدية خاصّة بالمرأة المسلمة فحسب ، بل غدا رمزاً للصحوة الإسلامية بكل مضامينها الفكريّة ، والسياسيَّة ، والاجتماعيّة التي يتبنّاها تيار الصحوة وينادي بتطبيقها على أرض الواقع ، بينما تستهجنها وترفضها تيارات العلمانيين والليبراليين وغيرهم ، إلاّ أنَّ القارئ المتابع لإبداع القاص محمود ، الذي دأب على نشره في المنتديات الأدبية منذ 2005 ؛ سيدرك عندما يقرأ عنوان المجموعة أنَّها تُعتبَر تجسيداً لرؤية القاص المتديّن محمود توفيق للإنسان والحياة وِفْقَ منظوره الإسلامي الخالص والواضح ، وإنَّني أرى أنَّ هذه المجموعة تنتمي إلى الأدب الإسلامي بنسبة مئة بالمئة ، وإن كنت أتحفَّظ على تصنيف الأدب بحسب الديانات ، لأسباب لا أجد هذا الموضوع ملائماً لطرحها فيه .
في قصة (غسيل المنتقبات) يبحث بطل القصة ( سارق الغسيل من أسطح البيوت ) بواسطة قروده المدرّبة ، يبحث عن فئة مكسورة الجناح في المجتمع بحيث يضمن أن تلك الفئة ـ لشدة ضعفها ـ لن تتقدم ببلاغ إلى الشرطة بخصوص سرقة غسيلها ، فيقرِّر سرقة غسيل راقصة ، إذ أنَّ الراقصات غالباً ما يكنَّ في موضع اشتباه ، لذا فإنّهنَّ يتجنّبن الاحتكاك بالشرطة والقانون ، ولكنَّه يفاجأ بها تُبْلغُ عنه بكل جرأة ، وتُظهِر قُوَّتها في الدفاع عن حقها ، عندها يفكّر بأنّه لن يجد فئة أضعف من المنتقبات ليسرق نقابهنّ وملابسهنّ، حيث أن النِّقاب أصبح موضعاً للهجوم والاستهجان عند شريحة عريضة من المجتمع ، بل إنَّ مفتي البلاد الأكبر ظهر على الملأ مستهزئًا بفتاة منتقبة ، و يستقوي السارق بذلك الموقف ويوقن أن النساء المنتقبات لن يشتكينه للشرطة لكيلا يثرن ضدهنّ الرأي العام ، وهنا ثمّة مفارقة ساخرة تدلُّ على واقع مؤسف ، فالراقصة بما تمثله من انحلال أخلاقي ،أضحت في موقعٍ قويّ يسهل منه استعادة الحقوق المُستلَبة ، مقارنةً بموقع المنتقبات. وتنتهي القصة بعبارة تؤكِّد ذلك " لكن الأمر لا يتوقَّف على قرودك الثلاثة " ص 18 ، فهياج قروده عندما ترى المنتقبات في الطريق وتسرق نقابهنّ ، ما هو إلا جزءٌ من هياجٍ عالميٍّ ضد النَّقاب .
مواطن القوَّة والجمال في مجموعة ( غسيل المنتقبات ):
1 ـ تنوّع وتباين الشخصيات والبيئات في المجموعة :
إنَّ ذلك التنوّع يدلُّ على ثراء مخزون المؤلف الإنساني والبيئي ، فالمجموعة تحفل بنماذج إنسانيّة متباينة عُمْرياً وثقافيا وأيديولوجياً : فهناك طفل قصة (الخبء) الذي تشرَّب التربية الإيمانية من أسرته المتديّنة ، و بطل ( واجب السبت ) المقاوم الفلسطيني الصامد، الذي لا تُكسر شوكته ولا يزيده الظلم إلا قوةً وعنفواناً وإصراراً ، ونرى في ( إبهام أبيه )الأخ الأكبر الأناني الذي يجرفه الطمع في ميراث أبيه إلى إخراج إبهام أبيه من القبر ليضع بصمته على عقد مزوّر ينصّ على تنازل الأب لابنه البكر عن كل ممتلكاته ، وحرمان بقية الأبناء منها ، وغيرها من الشخصيات . أما بالنسبة لتنوّع البيئات فأرى أن عدداً لا بأس به من القصص ارتبط بالريف المصري الوادع وأفيائه ، مثل : ( الخبء) ، (إبهام أبيه ) ، (ترعة الزمر ) ، ( خلفات الجند ) و ( خط العنقز ) ، وبعضها ارتبط بالمدينة ذات التناقض الصارخ بين الأحياء الراقية الباذخة حيث الأثرياء ، والأزقة الخلفية المتهالكة للفقراء والبائسين ،كما في (ليلة القدر) ، وفي ( قرد الماء ) تجري القصة على متن سفينة في عرض البحر، بينما تفرَّدت ( مسيخ البخور) ببيئة مزدوجة :عالَم سفلي غامض ورحم الأم ، وقد كان لاغتراب الكاتب ـ كونه يقيم في العاصمة السعودية ـ أثرٌ بيِّنٌ في إثراء تجربته الإبداعية ، ولا عجب في ذلك ، فلطالما كان الاغتراب مصدر إلهام لا ينضب عند المبدعين المغتربين ، وقد لمستُ ذلك في قصة ( زئبق أحمر ) التي تدور أحداثها في (حَراج بن قاسم) في الرياض ، وفي قصة (جدار عائشة )التي تحكي صمود عائلة سنيّة في جنوب المملكة أثناء الحرب مع الحوثييّن في اليمن .
2 ـ قدرة الكاتب المدهشة على تجسيد الشخصيات بأبعادها النفسية والاجتماعية ، بصدق وإتقان قلَّ نظيره ،خصوصاً شخصية الطفل في عدد من القصص ، مثل :(لست نحساً) ،( الخبء) ،(الخبيئة) ،(إبهام أبيه) و( خلفات الجند ) ، فالقاص يرسم بسلاسة معالم شخصية الطفل : كالبراءة ، والتلقائية ، والتطرُّف في انفعالات الفرح ، والحزن ، والخوف ، والتعلُّق الشديد بمن يمنحه الحنان والدفء في عائلته ، كبطل (الخبء) حين يصف حزنه وكمده يوم عرس شقيقته الكبرى الحانية ، عندما رحلت من القرية إلى المدينة ( أخذت أبكي يومها بعد أن تحركت السيارة وأنا أكاد انفطر؛ من أجل أختي التي ذهبت بعيدا،وأنكرت البيت والنخل والجدران العتيقة ، ولم أتوقف يومها عن الاحتجاج وعن طلب الذهاب إليها حتى أضجرتهم، وذقت مرارة الليلة الأولى للفراق .) ص 22 ، ثم نراه شديد الفرح والشغف بها عندما زارها في بيت زوجها ( فقط عندي رغبة في احتضانها، والجلوس في حجرها، واللعب بين يديها ، ورؤية غمّازتيها اللتين تنيران وجهها.)( وجعلت أتشممها وأبكي ) ص 23 ، وفي (جبل الذراق) يسلِّط القاص أضواءً تحليليّةً عميقةً على شخصية المرأة أو الفتاة الشاذَّة ، إلاّ أنه لا يكتفي بعرض الصورة النَّمطية التي ترسّبت في وعْيِنا لشخصية الفتاة المسترجلة التي تَغْلب عليها الصفات الذّكورية ، بل يكشف لنا عن نوعيِّة شاذَّة أخرى في مقابل تلك القوية المسترجلة ، وهي الفتاة الوادعة الضعيفة التي تَغْلب عليها الأنوثة ، ولكنها تتفاعل مع المسترجلة في علاقة تشبه علاقة الذّكر بالأنثى . فإن كان مكمن الشّذوذ عند المسترجلة يتجلّى في إحساسها الذّكوري تجاه الفتيات ، فإن مكمنه عند الفتاة الضعيفة يتجلّى في نظرتها للمسترجلة كرجلٍ يُشبِع حاجاتها . لقد توقّفتُ ملياً عند هذه الشخصية الغريبة التي بدت في مقدمة القصة متوجِّسةً وخائفةً من نظرات الفتاة المسترجلة لها ، ولكن شيئًا فشيئًا اكتشفتُ أنَّ هناك خيطاً ناعماً ومكيناً من التناغم والتفاهم يربط بين الفتاتين ، وهنا أعجبتني طريقة القاص في تجلية تلك الشخصيات المريضة بطريقة رمزيّة سأتناولها بإسهابٍ في المقطع الخاص بالرمزيّة في مقالي هذا .
3 ـ اللغة ودورها :
لا إخال اللغة إلا أداة طيّعة في يد القاص محمود توفيق، وهي تمارس دوراً رئيسياً في المجموعة ، ففي قصة (واجب السبت ) ـ القصة التي فازت في مسابقة كاتب الألوكة ـ تتحوَّل الكلمات إلى بنادق ، والأحرف إلى رصاص ، في لغة رصينةٍ وممشوقةٍ ، وغاضبة ،تفوح منها رائحة البارود ، وتراب الأنفاق ، وعرق ودم المجاهدين المرابطين ( هنا نفق من أنفاق غزة أوشك على الانتهاء بعد مسارٍ مضنٍ وهذا الممدّد المُجهد الذي يملأ منخريه من هواء النفق الرَّطب وقد علا وجهه العفر، هو أحد الحفَّارين الرجال ؛ يروغ ليلا ... ) ص 193( نفخ في يديه وأخرج رَفْشَه وبدأ يغرسه في خاصرة الأرض) ( كلما اشتدت عليه الفكر المخيفة اشتَّد في الحفر ، أو هوى بالقدوم على صخرة أمامه، حتى يتطاير منها الشرر) 194 ، ( طوبى لمن مرُّوا تارةً حبواً في الشقوق الواطئة الصاعدة) (طوبى لمن تنفسوا هنا أنفاساً قصيرةً حرجةً وكحّوا من صدورهم التراب الذي استنشقوه) 195 ، بينما اللغة في قصة (الخبء) ملائكيّة حالمة ،حوّلَّت القصة إلى غيمة تحمل القارئ على متنها إلى عالم نورانيٍّ بعيد و آسر، وخصوصاً في مقدمتها التي وجدتُّها المقدمة الأجمل لغوياً في المجموعة ( عقد قران أختي في الشتاء القديم ، أوَّل شتاء أعيه، هناك خلف سور البيت العتيق . هذا خفيت درداب الدُّفوف يأتي من داخل ، أقترب ، أدلف مع الذكرى ، في البيت فرح ونساء كثير يباركن، ينشدن الأناشيد المتوارثة في الحوش الفسيح ) 21 ، ولئن كانت لغة القاص محمود جميلة في مجمل القصص ، إلا أنها برأيي قد بلغت ذروة الجمال في قصتي ( الخبء ) و(جدار عائشة ) . في قصة جدار عائشة يصف ليلة رحيل الأسرة من القرية الجنوبيّة أثناء احتدام الحرب مع الحوثييّن ( كلما تقدم الليل ، ازدادت نشاطا، وازداد الأمر سوءاً، واقترب القصف ، حتى صار على بعد ميل واحد فقط أو أقل ، وهي كما هي، وذئبٌ على تلَّة كان يعوي في وجه الليل، ولهيبُ يومض وينطفئ من هاهنا ومن هاهنا كالنجوم ، وصياحٌ وأصوات فزعٍ ونداءٍ تصلها ضعيفةً ومخيفةً جداًّ، وأنفاسٌ ، وأنفاثٌ وأوجاسٌ ، وأهجاسٌ ،ووسوسةٌ، وعزيفٌ كأنّها لأمّةٍ من السَّعالي الحقودة هاجتْ في ليل هذه الصحراء التي تحيط بالقرية الصغيرة ) 209
4 ـ الرّمزيّة في المجموعة :
رغم أن الواقعيَّة احتلَّت مساحةً شاسعةً من المجموعة ، إلاّ أنَّ طريقة استخدام القاص للرمزيّة جعلت القصص الرمزيّة في المجموعة متفرِّدة ومتميّزة عن باقي القصص ، ففي منتصف قصة ( جبل الذراق) تتوقّف كاميرا السارد عن ملاحقة الفتاتين الشّاذتين اللّتين غادرتا زميلات الرحلة البحرية على الشاطئ ؛ لتدخلا إلى النُّزل بمفردهما لممارسة شذوذهما ، ثم تتوجّه تلك الكاميرا إلى الطائرتين الورقيّتين اللّتين تلعب بهما الزميلات ، لتقوم الطائرتان بعد ذلك بإكمال القصة والإيحاء بموقف الشّذوذ وتفاصيله بطريقة مدهشة وعالية الحرفية ( دارتا حول بعضهما دوراتٍ عنيفة كأنّهما في قلب إعصار، تتخبطان، تتشنَّجان ؛رعشَتُهما والتًّخبط ينزعان من زوائد الذّيلين والأجنحة الورقيَّة ، هذه قصاصةٌ سقطت وراء أخرى، أخذت القصاصات الملوّنة تتهاوى ببطء على رؤوس الحاضرات، كريش طائرين تشاجرا في الجوِّ . والطائرتان تهويان من علوّهما شائهتين مترنِّحتَين، بعد أن فقدتا الزينة والميزان، وتناقرتا ، حتى مزّقت كلٌّ منهما من ورق الأخرى ..... حتى ارتطمتا بنتوء صخريٍّ مخيفٍ ) 51 ، في ذلك الموقف لعبت الرمزيّة دوراً دلاليَّاً قوياًّ ، فالشبه قويٌ جداً بين تخبّط الطائرتين اللّتين يعصف بهما الهواء حدَّ التمزُّق والسقوط ، وبين غواية الفتاتين ، وما يؤول إليه مصيرهما في الدنيا والآخرة ، كما أن الرمزيّة منحت القصة بعداً خياليّاً جماليّاً ، بحيث بدت القصة أكثر إمتاعاً للقارئ ممّا لو سُرِدَت الأحداث بطريقة تقليديّةٍ واقعيّة .و أحدسُ أنَّ الكاتب استخدم الرمزيّة هنا كوسيلة ذكيّة للكتابة عن موضوع حسّاس ، يمنع الحياءُ الكاتبَ من أن يخوض فيه بطريقة حسيّة فجّة ومبتذلة ، كما يفعل بعض الكتّاب .
وفي ( مسيخ البخور) تتضافر الرمزيّة مع الخيال الجامح إلى حدٍ بعيد ، حتى إنَّني أجزم أن القارئ سيعجز عن معرفة ماهيّة بطل القصة ، وذلك من بداية القصة إلى ما قبل المقطع الختامي بقليل: أهو جنيٌّ من الجنّ الذين يُسخَّرون لخدمة السحرة والمشعوذين ، أم إنسان تعيس سجنته امرأة بسحرها في حفرة ملاصقة لمكانها، وهي لا تفتأُ تعذّبه بدخان حارق ( هذا هو بخور الشياطين بين يديها والمجمرة، هي السيِّدة ولا غير هاهي الأدخنة قد جاءت من الدنيا الواسعة تقتحم عليّ.. ( يسعل بشدة ) آه .. آه .. آه جاءت على الذكر!) 58 ، ( عذاب ما بعده عذاب . أُشوى على نار هادئة ،هاهي الأحداث المخيفة قد بدأت . يا ويلي !) 59 . وتربط البطل بتلك المرأة علاقة غريبة مُلتبسة ،تتأرجح بين الحبّ والبغض (أنت يا التي هناك حيَّرتِني معكِ . دعيني أحبكِ ،أو دعيني أكرهكِ . علِّميني كيف أتوقَّف عن حبكِ ) ، ( بخورك الشيطاني شوّهني ، فأيّ شيء أعظم كيداً من السحر يربطني إليك وأنا الذي أقسم أن ينشب أظافره في وجهك لو يطالك ؟) 63 ،وبغتةً تتزلزل الحفرة المعتمة الرّطبة التي يسكنها البطل ليخرج منها إلى العالم الصّاخب السّعيد الذي كان يتوق للحياة فيه ، ولكنه سيخرج معاقاً مشوَّهاً ، وعند هذه النقطة بالتحديد يُزاح ستار الرمزيّة السّميك لتظهر حقيقة المسيخ ، والبخور، والمرأة في المقطع الختامي من القصة (الآن تطردُه، ترفسُه ، ينفلتُ ، ينقلبُ ، وخيوط تتمزَّقُ حوله ؛ ينفجرُ الماء ، كأنَّه في مغطس ؛ ينفذُ من مثل غشاءٍ يتمزَّقُ، يلتَّفُ ،يُحشرجُ ، يشرقُ ،؛ تلفظُه الحفرة ، فاستهلَّ باكياً شاكياً ، بصوت واهنٍ يمزّق القلوب، هزيلاً محمولاً من كاحلين ، مولوداً مشوَّهاً، لأم مُدَخِّنة ، أدارت وجهها فزعاً وخِزياً ؛ وتمنَّت موته، وسرعان ما مات كما تمنَّت ) 65 ، أمّا في قصة (جدار عائشة) فتقوم البطلة بتطريز علم التوحيد ثمَّ تتسلَّق إلى أعلى جدار بيتها وبيت أمِّها عائشة ، لتفرده على امتداده ، قبل أن تغادر القرية خوفاً من هجوم الحوثيّين ، في إشارة إلى أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وعَرْضها المصون الذي برّأه الله عز وجل في كتابه الكريم من الدنس ، وقيّض له من المسلمين من ينافح عنه حكوماتٍ وشعوباً ، إلى يوم القيامة ، وهذا الدفاع الربانيُّ عن مقامها الشريف ، هو بمثابة حصنٍ منيعٍ تتهافت دونه أذرع الأفّاكين وتتهاوى سهام الحاقدين ، مهما حشدوا في سبيل ذلك .
5 ـ الهمّ الإنسانيّ :
لقد ألقى الهمُّ الإنسانيّ بظلال وارفة على قصص المجموعة ، مثلا : في قصة ( ليلة القدر ) يصرّ البطل الثريُّ المريض بالكلى على مقابلة الشخص الفقير الذي سيبيعه كليته بمبلغ ماديّ كبير، ويفاجأ البطل حين يصل إلى الأزقة المفضية إلى بيت ذلك الرجل ( هنا قاع مدينة مترب ورطب وحزين ينسلُّ منه يومياً باعة جائلون ومتسوِّلون ومسَّاحو أحذية .... وهائمون على وجوههم لا ينتظرون شيئا ولا ينتظرهم شيء ، كلُّهم ينادونك بأفخم الألقاب )(هناك حيث تشعر أنَّ ثراءك تهمةٌ ،وخيانةٌ للجماعة ، واستفزازٌ قد يؤدِّي لتحرُّش من فاض بهم الكيل بك ) 136 ( أنا الآن أمام باب بيت ( الكُليَة )... أقصد بيت الرجل الذي سيُقْطَعُ منه جزءٌ لأجلي) 140 ، وبعد أن يتناول معه الطعام يستغرب البطل من إحساسه بمحبة الرجل الفقير، وتلاشي الفوارق الطبقيّة بينهما ، وبرابط إنسانيٍّ وثيق يجمعهما في صلاة التراويح (ثم صليت بين تلك الزمرة من المضطرين ....وصاحبي عن يميني يرتجف في الدعاء ، فبكيت له ،ثم بكيت لنفسي ، ثم إنّي شعرت بنور يغسلني وسط المساكين ) 146 ، ثم يقرِّر أن يعطي له المبلغ الذي اتفقا عليه دون أن يأخذ كليته ، وأترك للقارئ مهمة معرفة الخاتمة المدهشة للقصة .
6 ـ شعر التفعيلة :
عُرف القاص محمود توفيق كأديب قاص ، ولكنه في مجموعته هذه كشف لنا عن محمود الشاعر في قصتين امتزج فيهما شعر التفعيلة بالسّرد ( خلفات الجند ) و ( يعرج وحده ) :
(وقف الوالدُ يُعْلِمُ حمدان ابْنَهُ ذاك الطفلْ :
أنّي ذاهبٌ في سفرةٍ للبندرْ
فاحذرْ
من تلك العصافير الجوعانة أن تهجم حقل الفول ْ.
قد ردَّ الطفل :
لكن يا أبتاه،
ينقصنا بعض الفزّاعات هنا وهناك
وشراك وشباك ) 67
التقريريّة والوعظيّة :
إنَّ الجانب السلبيّ الوحيد الذي لمسته في المجموعة هو تدخُّل الكاتب بطريقة مباشرة وتقريريّة في بعض المواضع من القصص ، ليُعلّق أو يُحذّر أو يستنكر ، مثلا في قصة (جبل الذراق) وبينما تصطحب الفتاة المسترجلة رفيقتها إلى النُّزُل ، نرى الكاتب يحذّرها قائلا " ويلك اهربي .. يا حسرة على ظبية شاردة " 49، وقد تكاثف هذا الأمر في قصة ( طوفان مهند ) التي هي برأيي لا ترتقى بمستواها العام إلى مستوى بقيَّة قصص المجموعة : فالعنوان ( طوفان مهند ) فضح مغزى القصة وأخبرنا أننا سنقرأ قصة عن ضحايا الإعلام الفاسد المتمثل بالمسلسلات المدبلجة وتأثيرها السلبيّ على الجيل ، ولم يترك للقارئ فرصة للتفكير أو لاستنتاج المغزى من بين السطور، ثم يعلّق الكاتب على الأغنية التي ترقص الفتاة على إيقاعها بأنَّها أغنية ( تافهة ) ، وفي نهاية القصة يُعيد تقديم المغزى ( احتملها طوفان مهند ووالديها مع الذي احتمله ) 41.
على الرغم من ذلك ، فقد وجدتُ في مجموعة (غسيل المنتقبات) مقوِّمات نجاح عديدة تجعل المجموعة عملاً أدبياً ناضجاً ، وراقياً ، وبديعاً ، لم يبدُ لي كإصدارٍ أوَّل .
القراءة بقلم : مريم خليل الضاني ـ المدينة المنورة
بقلم : مريم خليل الضاني
يطلّ القاص المصري محمود توفيق على المشهد الأدبي بمجموعته القصصية الأولى ( غسيل المنتقبات ) التي صدرت عن دار( اكتب) في 2010، ولعلَّ أوَّلَ ما سيتبادر إلى ذهن القارئ الذي لم يقرأ لمحمود توفيق سابقا ، عندما يقع بصره على عنوان المجموعة ؛ تساؤلٌ عن الاتّجاه الأيديولوجي للقاص محمود : أهو مؤيِّدٌ لتطبيق الشريعة الإسلامية كدين ودولة ،أم معارض له؟، ذلك أنّ النقاب لم يعد مسألة تعبّدية خاصّة بالمرأة المسلمة فحسب ، بل غدا رمزاً للصحوة الإسلامية بكل مضامينها الفكريّة ، والسياسيَّة ، والاجتماعيّة التي يتبنّاها تيار الصحوة وينادي بتطبيقها على أرض الواقع ، بينما تستهجنها وترفضها تيارات العلمانيين والليبراليين وغيرهم ، إلاّ أنَّ القارئ المتابع لإبداع القاص محمود ، الذي دأب على نشره في المنتديات الأدبية منذ 2005 ؛ سيدرك عندما يقرأ عنوان المجموعة أنَّها تُعتبَر تجسيداً لرؤية القاص المتديّن محمود توفيق للإنسان والحياة وِفْقَ منظوره الإسلامي الخالص والواضح ، وإنَّني أرى أنَّ هذه المجموعة تنتمي إلى الأدب الإسلامي بنسبة مئة بالمئة ، وإن كنت أتحفَّظ على تصنيف الأدب بحسب الديانات ، لأسباب لا أجد هذا الموضوع ملائماً لطرحها فيه .
في قصة (غسيل المنتقبات) يبحث بطل القصة ( سارق الغسيل من أسطح البيوت ) بواسطة قروده المدرّبة ، يبحث عن فئة مكسورة الجناح في المجتمع بحيث يضمن أن تلك الفئة ـ لشدة ضعفها ـ لن تتقدم ببلاغ إلى الشرطة بخصوص سرقة غسيلها ، فيقرِّر سرقة غسيل راقصة ، إذ أنَّ الراقصات غالباً ما يكنَّ في موضع اشتباه ، لذا فإنّهنَّ يتجنّبن الاحتكاك بالشرطة والقانون ، ولكنَّه يفاجأ بها تُبْلغُ عنه بكل جرأة ، وتُظهِر قُوَّتها في الدفاع عن حقها ، عندها يفكّر بأنّه لن يجد فئة أضعف من المنتقبات ليسرق نقابهنّ وملابسهنّ، حيث أن النِّقاب أصبح موضعاً للهجوم والاستهجان عند شريحة عريضة من المجتمع ، بل إنَّ مفتي البلاد الأكبر ظهر على الملأ مستهزئًا بفتاة منتقبة ، و يستقوي السارق بذلك الموقف ويوقن أن النساء المنتقبات لن يشتكينه للشرطة لكيلا يثرن ضدهنّ الرأي العام ، وهنا ثمّة مفارقة ساخرة تدلُّ على واقع مؤسف ، فالراقصة بما تمثله من انحلال أخلاقي ،أضحت في موقعٍ قويّ يسهل منه استعادة الحقوق المُستلَبة ، مقارنةً بموقع المنتقبات. وتنتهي القصة بعبارة تؤكِّد ذلك " لكن الأمر لا يتوقَّف على قرودك الثلاثة " ص 18 ، فهياج قروده عندما ترى المنتقبات في الطريق وتسرق نقابهنّ ، ما هو إلا جزءٌ من هياجٍ عالميٍّ ضد النَّقاب .
مواطن القوَّة والجمال في مجموعة ( غسيل المنتقبات ):
1 ـ تنوّع وتباين الشخصيات والبيئات في المجموعة :
إنَّ ذلك التنوّع يدلُّ على ثراء مخزون المؤلف الإنساني والبيئي ، فالمجموعة تحفل بنماذج إنسانيّة متباينة عُمْرياً وثقافيا وأيديولوجياً : فهناك طفل قصة (الخبء) الذي تشرَّب التربية الإيمانية من أسرته المتديّنة ، و بطل ( واجب السبت ) المقاوم الفلسطيني الصامد، الذي لا تُكسر شوكته ولا يزيده الظلم إلا قوةً وعنفواناً وإصراراً ، ونرى في ( إبهام أبيه )الأخ الأكبر الأناني الذي يجرفه الطمع في ميراث أبيه إلى إخراج إبهام أبيه من القبر ليضع بصمته على عقد مزوّر ينصّ على تنازل الأب لابنه البكر عن كل ممتلكاته ، وحرمان بقية الأبناء منها ، وغيرها من الشخصيات . أما بالنسبة لتنوّع البيئات فأرى أن عدداً لا بأس به من القصص ارتبط بالريف المصري الوادع وأفيائه ، مثل : ( الخبء) ، (إبهام أبيه ) ، (ترعة الزمر ) ، ( خلفات الجند ) و ( خط العنقز ) ، وبعضها ارتبط بالمدينة ذات التناقض الصارخ بين الأحياء الراقية الباذخة حيث الأثرياء ، والأزقة الخلفية المتهالكة للفقراء والبائسين ،كما في (ليلة القدر) ، وفي ( قرد الماء ) تجري القصة على متن سفينة في عرض البحر، بينما تفرَّدت ( مسيخ البخور) ببيئة مزدوجة :عالَم سفلي غامض ورحم الأم ، وقد كان لاغتراب الكاتب ـ كونه يقيم في العاصمة السعودية ـ أثرٌ بيِّنٌ في إثراء تجربته الإبداعية ، ولا عجب في ذلك ، فلطالما كان الاغتراب مصدر إلهام لا ينضب عند المبدعين المغتربين ، وقد لمستُ ذلك في قصة ( زئبق أحمر ) التي تدور أحداثها في (حَراج بن قاسم) في الرياض ، وفي قصة (جدار عائشة )التي تحكي صمود عائلة سنيّة في جنوب المملكة أثناء الحرب مع الحوثييّن في اليمن .
2 ـ قدرة الكاتب المدهشة على تجسيد الشخصيات بأبعادها النفسية والاجتماعية ، بصدق وإتقان قلَّ نظيره ،خصوصاً شخصية الطفل في عدد من القصص ، مثل :(لست نحساً) ،( الخبء) ،(الخبيئة) ،(إبهام أبيه) و( خلفات الجند ) ، فالقاص يرسم بسلاسة معالم شخصية الطفل : كالبراءة ، والتلقائية ، والتطرُّف في انفعالات الفرح ، والحزن ، والخوف ، والتعلُّق الشديد بمن يمنحه الحنان والدفء في عائلته ، كبطل (الخبء) حين يصف حزنه وكمده يوم عرس شقيقته الكبرى الحانية ، عندما رحلت من القرية إلى المدينة ( أخذت أبكي يومها بعد أن تحركت السيارة وأنا أكاد انفطر؛ من أجل أختي التي ذهبت بعيدا،وأنكرت البيت والنخل والجدران العتيقة ، ولم أتوقف يومها عن الاحتجاج وعن طلب الذهاب إليها حتى أضجرتهم، وذقت مرارة الليلة الأولى للفراق .) ص 22 ، ثم نراه شديد الفرح والشغف بها عندما زارها في بيت زوجها ( فقط عندي رغبة في احتضانها، والجلوس في حجرها، واللعب بين يديها ، ورؤية غمّازتيها اللتين تنيران وجهها.)( وجعلت أتشممها وأبكي ) ص 23 ، وفي (جبل الذراق) يسلِّط القاص أضواءً تحليليّةً عميقةً على شخصية المرأة أو الفتاة الشاذَّة ، إلاّ أنه لا يكتفي بعرض الصورة النَّمطية التي ترسّبت في وعْيِنا لشخصية الفتاة المسترجلة التي تَغْلب عليها الصفات الذّكورية ، بل يكشف لنا عن نوعيِّة شاذَّة أخرى في مقابل تلك القوية المسترجلة ، وهي الفتاة الوادعة الضعيفة التي تَغْلب عليها الأنوثة ، ولكنها تتفاعل مع المسترجلة في علاقة تشبه علاقة الذّكر بالأنثى . فإن كان مكمن الشّذوذ عند المسترجلة يتجلّى في إحساسها الذّكوري تجاه الفتيات ، فإن مكمنه عند الفتاة الضعيفة يتجلّى في نظرتها للمسترجلة كرجلٍ يُشبِع حاجاتها . لقد توقّفتُ ملياً عند هذه الشخصية الغريبة التي بدت في مقدمة القصة متوجِّسةً وخائفةً من نظرات الفتاة المسترجلة لها ، ولكن شيئًا فشيئًا اكتشفتُ أنَّ هناك خيطاً ناعماً ومكيناً من التناغم والتفاهم يربط بين الفتاتين ، وهنا أعجبتني طريقة القاص في تجلية تلك الشخصيات المريضة بطريقة رمزيّة سأتناولها بإسهابٍ في المقطع الخاص بالرمزيّة في مقالي هذا .
3 ـ اللغة ودورها :
لا إخال اللغة إلا أداة طيّعة في يد القاص محمود توفيق، وهي تمارس دوراً رئيسياً في المجموعة ، ففي قصة (واجب السبت ) ـ القصة التي فازت في مسابقة كاتب الألوكة ـ تتحوَّل الكلمات إلى بنادق ، والأحرف إلى رصاص ، في لغة رصينةٍ وممشوقةٍ ، وغاضبة ،تفوح منها رائحة البارود ، وتراب الأنفاق ، وعرق ودم المجاهدين المرابطين ( هنا نفق من أنفاق غزة أوشك على الانتهاء بعد مسارٍ مضنٍ وهذا الممدّد المُجهد الذي يملأ منخريه من هواء النفق الرَّطب وقد علا وجهه العفر، هو أحد الحفَّارين الرجال ؛ يروغ ليلا ... ) ص 193( نفخ في يديه وأخرج رَفْشَه وبدأ يغرسه في خاصرة الأرض) ( كلما اشتدت عليه الفكر المخيفة اشتَّد في الحفر ، أو هوى بالقدوم على صخرة أمامه، حتى يتطاير منها الشرر) 194 ، ( طوبى لمن مرُّوا تارةً حبواً في الشقوق الواطئة الصاعدة) (طوبى لمن تنفسوا هنا أنفاساً قصيرةً حرجةً وكحّوا من صدورهم التراب الذي استنشقوه) 195 ، بينما اللغة في قصة (الخبء) ملائكيّة حالمة ،حوّلَّت القصة إلى غيمة تحمل القارئ على متنها إلى عالم نورانيٍّ بعيد و آسر، وخصوصاً في مقدمتها التي وجدتُّها المقدمة الأجمل لغوياً في المجموعة ( عقد قران أختي في الشتاء القديم ، أوَّل شتاء أعيه، هناك خلف سور البيت العتيق . هذا خفيت درداب الدُّفوف يأتي من داخل ، أقترب ، أدلف مع الذكرى ، في البيت فرح ونساء كثير يباركن، ينشدن الأناشيد المتوارثة في الحوش الفسيح ) 21 ، ولئن كانت لغة القاص محمود جميلة في مجمل القصص ، إلا أنها برأيي قد بلغت ذروة الجمال في قصتي ( الخبء ) و(جدار عائشة ) . في قصة جدار عائشة يصف ليلة رحيل الأسرة من القرية الجنوبيّة أثناء احتدام الحرب مع الحوثييّن ( كلما تقدم الليل ، ازدادت نشاطا، وازداد الأمر سوءاً، واقترب القصف ، حتى صار على بعد ميل واحد فقط أو أقل ، وهي كما هي، وذئبٌ على تلَّة كان يعوي في وجه الليل، ولهيبُ يومض وينطفئ من هاهنا ومن هاهنا كالنجوم ، وصياحٌ وأصوات فزعٍ ونداءٍ تصلها ضعيفةً ومخيفةً جداًّ، وأنفاسٌ ، وأنفاثٌ وأوجاسٌ ، وأهجاسٌ ،ووسوسةٌ، وعزيفٌ كأنّها لأمّةٍ من السَّعالي الحقودة هاجتْ في ليل هذه الصحراء التي تحيط بالقرية الصغيرة ) 209
4 ـ الرّمزيّة في المجموعة :
رغم أن الواقعيَّة احتلَّت مساحةً شاسعةً من المجموعة ، إلاّ أنَّ طريقة استخدام القاص للرمزيّة جعلت القصص الرمزيّة في المجموعة متفرِّدة ومتميّزة عن باقي القصص ، ففي منتصف قصة ( جبل الذراق) تتوقّف كاميرا السارد عن ملاحقة الفتاتين الشّاذتين اللّتين غادرتا زميلات الرحلة البحرية على الشاطئ ؛ لتدخلا إلى النُّزل بمفردهما لممارسة شذوذهما ، ثم تتوجّه تلك الكاميرا إلى الطائرتين الورقيّتين اللّتين تلعب بهما الزميلات ، لتقوم الطائرتان بعد ذلك بإكمال القصة والإيحاء بموقف الشّذوذ وتفاصيله بطريقة مدهشة وعالية الحرفية ( دارتا حول بعضهما دوراتٍ عنيفة كأنّهما في قلب إعصار، تتخبطان، تتشنَّجان ؛رعشَتُهما والتًّخبط ينزعان من زوائد الذّيلين والأجنحة الورقيَّة ، هذه قصاصةٌ سقطت وراء أخرى، أخذت القصاصات الملوّنة تتهاوى ببطء على رؤوس الحاضرات، كريش طائرين تشاجرا في الجوِّ . والطائرتان تهويان من علوّهما شائهتين مترنِّحتَين، بعد أن فقدتا الزينة والميزان، وتناقرتا ، حتى مزّقت كلٌّ منهما من ورق الأخرى ..... حتى ارتطمتا بنتوء صخريٍّ مخيفٍ ) 51 ، في ذلك الموقف لعبت الرمزيّة دوراً دلاليَّاً قوياًّ ، فالشبه قويٌ جداً بين تخبّط الطائرتين اللّتين يعصف بهما الهواء حدَّ التمزُّق والسقوط ، وبين غواية الفتاتين ، وما يؤول إليه مصيرهما في الدنيا والآخرة ، كما أن الرمزيّة منحت القصة بعداً خياليّاً جماليّاً ، بحيث بدت القصة أكثر إمتاعاً للقارئ ممّا لو سُرِدَت الأحداث بطريقة تقليديّةٍ واقعيّة .و أحدسُ أنَّ الكاتب استخدم الرمزيّة هنا كوسيلة ذكيّة للكتابة عن موضوع حسّاس ، يمنع الحياءُ الكاتبَ من أن يخوض فيه بطريقة حسيّة فجّة ومبتذلة ، كما يفعل بعض الكتّاب .
وفي ( مسيخ البخور) تتضافر الرمزيّة مع الخيال الجامح إلى حدٍ بعيد ، حتى إنَّني أجزم أن القارئ سيعجز عن معرفة ماهيّة بطل القصة ، وذلك من بداية القصة إلى ما قبل المقطع الختامي بقليل: أهو جنيٌّ من الجنّ الذين يُسخَّرون لخدمة السحرة والمشعوذين ، أم إنسان تعيس سجنته امرأة بسحرها في حفرة ملاصقة لمكانها، وهي لا تفتأُ تعذّبه بدخان حارق ( هذا هو بخور الشياطين بين يديها والمجمرة، هي السيِّدة ولا غير هاهي الأدخنة قد جاءت من الدنيا الواسعة تقتحم عليّ.. ( يسعل بشدة ) آه .. آه .. آه جاءت على الذكر!) 58 ، ( عذاب ما بعده عذاب . أُشوى على نار هادئة ،هاهي الأحداث المخيفة قد بدأت . يا ويلي !) 59 . وتربط البطل بتلك المرأة علاقة غريبة مُلتبسة ،تتأرجح بين الحبّ والبغض (أنت يا التي هناك حيَّرتِني معكِ . دعيني أحبكِ ،أو دعيني أكرهكِ . علِّميني كيف أتوقَّف عن حبكِ ) ، ( بخورك الشيطاني شوّهني ، فأيّ شيء أعظم كيداً من السحر يربطني إليك وأنا الذي أقسم أن ينشب أظافره في وجهك لو يطالك ؟) 63 ،وبغتةً تتزلزل الحفرة المعتمة الرّطبة التي يسكنها البطل ليخرج منها إلى العالم الصّاخب السّعيد الذي كان يتوق للحياة فيه ، ولكنه سيخرج معاقاً مشوَّهاً ، وعند هذه النقطة بالتحديد يُزاح ستار الرمزيّة السّميك لتظهر حقيقة المسيخ ، والبخور، والمرأة في المقطع الختامي من القصة (الآن تطردُه، ترفسُه ، ينفلتُ ، ينقلبُ ، وخيوط تتمزَّقُ حوله ؛ ينفجرُ الماء ، كأنَّه في مغطس ؛ ينفذُ من مثل غشاءٍ يتمزَّقُ، يلتَّفُ ،يُحشرجُ ، يشرقُ ،؛ تلفظُه الحفرة ، فاستهلَّ باكياً شاكياً ، بصوت واهنٍ يمزّق القلوب، هزيلاً محمولاً من كاحلين ، مولوداً مشوَّهاً، لأم مُدَخِّنة ، أدارت وجهها فزعاً وخِزياً ؛ وتمنَّت موته، وسرعان ما مات كما تمنَّت ) 65 ، أمّا في قصة (جدار عائشة) فتقوم البطلة بتطريز علم التوحيد ثمَّ تتسلَّق إلى أعلى جدار بيتها وبيت أمِّها عائشة ، لتفرده على امتداده ، قبل أن تغادر القرية خوفاً من هجوم الحوثيّين ، في إشارة إلى أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وعَرْضها المصون الذي برّأه الله عز وجل في كتابه الكريم من الدنس ، وقيّض له من المسلمين من ينافح عنه حكوماتٍ وشعوباً ، إلى يوم القيامة ، وهذا الدفاع الربانيُّ عن مقامها الشريف ، هو بمثابة حصنٍ منيعٍ تتهافت دونه أذرع الأفّاكين وتتهاوى سهام الحاقدين ، مهما حشدوا في سبيل ذلك .
5 ـ الهمّ الإنسانيّ :
لقد ألقى الهمُّ الإنسانيّ بظلال وارفة على قصص المجموعة ، مثلا : في قصة ( ليلة القدر ) يصرّ البطل الثريُّ المريض بالكلى على مقابلة الشخص الفقير الذي سيبيعه كليته بمبلغ ماديّ كبير، ويفاجأ البطل حين يصل إلى الأزقة المفضية إلى بيت ذلك الرجل ( هنا قاع مدينة مترب ورطب وحزين ينسلُّ منه يومياً باعة جائلون ومتسوِّلون ومسَّاحو أحذية .... وهائمون على وجوههم لا ينتظرون شيئا ولا ينتظرهم شيء ، كلُّهم ينادونك بأفخم الألقاب )(هناك حيث تشعر أنَّ ثراءك تهمةٌ ،وخيانةٌ للجماعة ، واستفزازٌ قد يؤدِّي لتحرُّش من فاض بهم الكيل بك ) 136 ( أنا الآن أمام باب بيت ( الكُليَة )... أقصد بيت الرجل الذي سيُقْطَعُ منه جزءٌ لأجلي) 140 ، وبعد أن يتناول معه الطعام يستغرب البطل من إحساسه بمحبة الرجل الفقير، وتلاشي الفوارق الطبقيّة بينهما ، وبرابط إنسانيٍّ وثيق يجمعهما في صلاة التراويح (ثم صليت بين تلك الزمرة من المضطرين ....وصاحبي عن يميني يرتجف في الدعاء ، فبكيت له ،ثم بكيت لنفسي ، ثم إنّي شعرت بنور يغسلني وسط المساكين ) 146 ، ثم يقرِّر أن يعطي له المبلغ الذي اتفقا عليه دون أن يأخذ كليته ، وأترك للقارئ مهمة معرفة الخاتمة المدهشة للقصة .
6 ـ شعر التفعيلة :
عُرف القاص محمود توفيق كأديب قاص ، ولكنه في مجموعته هذه كشف لنا عن محمود الشاعر في قصتين امتزج فيهما شعر التفعيلة بالسّرد ( خلفات الجند ) و ( يعرج وحده ) :
(وقف الوالدُ يُعْلِمُ حمدان ابْنَهُ ذاك الطفلْ :
أنّي ذاهبٌ في سفرةٍ للبندرْ
فاحذرْ
من تلك العصافير الجوعانة أن تهجم حقل الفول ْ.
قد ردَّ الطفل :
لكن يا أبتاه،
ينقصنا بعض الفزّاعات هنا وهناك
وشراك وشباك ) 67
التقريريّة والوعظيّة :
إنَّ الجانب السلبيّ الوحيد الذي لمسته في المجموعة هو تدخُّل الكاتب بطريقة مباشرة وتقريريّة في بعض المواضع من القصص ، ليُعلّق أو يُحذّر أو يستنكر ، مثلا في قصة (جبل الذراق) وبينما تصطحب الفتاة المسترجلة رفيقتها إلى النُّزُل ، نرى الكاتب يحذّرها قائلا " ويلك اهربي .. يا حسرة على ظبية شاردة " 49، وقد تكاثف هذا الأمر في قصة ( طوفان مهند ) التي هي برأيي لا ترتقى بمستواها العام إلى مستوى بقيَّة قصص المجموعة : فالعنوان ( طوفان مهند ) فضح مغزى القصة وأخبرنا أننا سنقرأ قصة عن ضحايا الإعلام الفاسد المتمثل بالمسلسلات المدبلجة وتأثيرها السلبيّ على الجيل ، ولم يترك للقارئ فرصة للتفكير أو لاستنتاج المغزى من بين السطور، ثم يعلّق الكاتب على الأغنية التي ترقص الفتاة على إيقاعها بأنَّها أغنية ( تافهة ) ، وفي نهاية القصة يُعيد تقديم المغزى ( احتملها طوفان مهند ووالديها مع الذي احتمله ) 41.
على الرغم من ذلك ، فقد وجدتُ في مجموعة (غسيل المنتقبات) مقوِّمات نجاح عديدة تجعل المجموعة عملاً أدبياً ناضجاً ، وراقياً ، وبديعاً ، لم يبدُ لي كإصدارٍ أوَّل .
القراءة بقلم : مريم خليل الضاني ـ المدينة المنورة