المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بلادةُ قلمٍ مُحتضَــر!


نقــاء
06-08-2006, 01:01 PM
التقطَ القلمُ المسكينُ الذي كانَ بينَ يدَي آخرَ أنفاسِه وقاومَ بجُهدٍ لا يمكنُ تجاهلهُ الفقرَ الذي يعانيه (لقدْ أصبحَ الحبرُ الذي تزودَ بهِ في الفصولِ الماضيةِ مجردَ قطرتينِ ناشفتينِ وعالقتينِ على طرفِ الأنبوبِ في داخله)… ... لم أشَأ أن أستبدلهُ بغيره لأنني أحس معهُ بانفتاحٍ في المخ وسلاسةٍ في الكتابة,فالأقلامُ الجديدةُ تشعرنيِ بالبخلِ والتهربِ الدائمِ من الورقِ والكتابة عليه.
بذلتُ محاولاتٍ لضربِ القلمِ بلُطفٍ كي لا ينكسر والنفخِ فيه قليلا(لعل وعسىَ تعودُ الروحُ إليه من جديد)… اتخذتُ كل السبُل الممكنة كي أشعُرَ بأن الشيءَ الذي بينَ يدَي لازالَ يُدعىَ قلمًا وليسَ شيئاً آخر.
في النهايةِ السعيدةِ سعادةً شاحبةً , أخذَت بعضُ الحروفِ تتجلى معالمُها على الورق . لقد انتابنيِ إحساسٌ بأنني أستطيعُ أن أكتُب ولكن بشكلٍ مًختصرٍ ووجيز كي لا يُقتلَ القلم ويُدفَنَ في حاويةِ النفايات.
كانَ التوترُ الذي بذلتُهُ وأنا أحاولُ "إحياءَ " القلمِ كفيلاً بأن يُفقدنيِ سلاسلَ أفكاري التي أصغتُها في ذهني . ولم يزِدني هذا الفقدانُ الفجئي إلا توتراً إضافيا كدتُ بعدهُ أن أرميَ القلمَ وأنسىَ "العِشرةَ" الطويلةَ بيني وبينه.
حاولتُ أن أبذلَ توترًا جديدًا كي أُحييَ بواسطتهِ تلكَ الأفكارَ الهاربة ربمَا تعودُ إلى أعشاشها في داخلي...ولكني في النهايةِ لم أحضَ سوىَ ببضعِ كُليماتٍ بسيطة ومُشتتة ألقيتُها بسرعةٍ على الورقةِ خوفًا من ضياعهاَ هي الأخرى.... ثم كتبتُ الآتي :
"من المُفترضِ أن يكونَ للوجودِ أبعادٌ أربعة حتى نستطيعَ التماسَ وجودِهِ الحقيقي وحتى نتأكدَ –بعدَ أمواجِ الشك العنيفةِ التي داهمتنا- أنناَ لا نعيشُ في كونٍ من الأوهامِ والتهيؤات. لا بُد لهذا الكونِ الذي يأويناَ أن يكونَ أرضاً واقعيةً نمشيِ عليهاَ ونتحسسَ جمادهاَ بدلَ أن يكونَ لوحةً يرسمهاَ الفلاسفةُ ,وكل واحدٍ منهم يضيفُ إليهاََ اللونَ الذي ينسجمُ معَ أفكارهِ ومبادئهِ التي يناضلُ من أجلها .ولكن لماذا اختلفتِ الألوانُ مع أنها تدورُ حولَ نفسِ الفَلَك؟...لماذا هذاَ يقولُ بأن الحياةَ قائمةٌ على الرغبات والشهوات وذاكَ يرُد ويقول بأن الحياةَ أساسُهاَ المعرفةُ والوعي ؟...
فردريك نيتشه –عظيمُ فلاسفةِ الرجةِ بالنسبةِ لي – يؤمنُ بأن الحياةَ قائمةٌ على مبدأ القوة , حتى الفضيلةُ لم تسلمْ من شر أفكاره إذ قالَ بأن الفضيلةَ التي تجعلُ القوي ينحني أمامَ الضعيفِ ليساعده ليستْ أبدًا بفضيلة ويجبُ أن تُلقىَ بعيداً لأنها بدعةٌ أخلاقيةٌ لا أكثر.
سيقموند فرويد يؤمنُ بأن الحياةَ بحرٌ منَ اللاوعي وأن الوعيَ مجردُ نقطةٍ صغيرةٍ في هذا البحر. وفي كتابهِ "خمسُ دروسٍ في التحليلَ النفسي" ذكرَ بعضَ الحالاتِ التي عالجهاَ وعاينهاَ بعينهِ الفرويديةِ الحادة والتي استعملهاَ في نهايةِ الأمر كدليلٍ يُثبتُ مصداقيةَ ما يدعو له.
بعضُ المواطنينَ العاديين -الذينَ اتخذواُ الكتابةَ عدوا لدودًا لأنها أحيانًا كثيرةً توقعُ صاحبها في شركِ التُهم- يؤمنونَ بأن الحياةَ هي لقمةُ العيش ... وبأن لقمةَ العيشِ خيرُ من ألفِ كتاب!...
آخرونَ من نفسِ الصنف (صنفِ المواطنة.. ولكنهم ذووُ حالٍ رثةٍ وهندامٍ قذر ولقمةٍ يابسة) يؤمنونَ بأن الحياةَ تعنيِ الغِنى .... ولكن تأتي كوكبةُ من المواطنينَ "الأخيار والصالحين" لتدحضَ هذه النظرةَ" الفقيرة " وتقولَ بأن الغِنىَ غَنىَ النفس!..."
وهكذا دواليكَ ....
حتى تصبحَ الحياةُ مثلَ كُرةٍ تتقاذفها الأرجل ....."
معَ أن البدايةَ كانت جيدةً إلا أن آخرَ الأسطرِ خلتْ من الوضوحِ الكُلي ... حينهاَ فقط أدركتُ أن القلمَ قد انتقلَ إلى جوارِ ربه..

صالح سعيد الهنيدي
06-08-2006, 02:33 PM
أختي قمر العشاق
أهلا بعودتك مرة أخرى مبحرة
في مرافئ الوجدان

سررت بهذا الامتزاج الكتابي مع القلم
وسررت أكثر بالعاطفة الجياشة
للكتابة

لدي موضوع شبيه بهذا الموضوع
كثيرًا بعنوان بيني وبين قلمي
ربما أنزله هنا يومًا ما


شكرًا لهذا الحضور المبهج