مشاهدة النسخة كاملة : محمد جبريل: سيرة ودراسات (ملف خاص)
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:19 PM
بيبليوجرافيا محمد جبريل
* ولد في حي بحري بالإسكندرية في 17/2/1938
* كان أبوه مترجماً ومحاسباً. وقد أفاد من مكتبة أبيه في قراءاته الباكرة, ويعدها سبباً أساسياً في حبه للأدب..
* غالبية أعماله تتناول مظاهر الحياة في حي بحري بالإسكندرية, وحياة الصيادين والبحارة وغازلي الشباك وصانعي المراكب بصفة خاصة..
* أثرت نشأته في حي تغلب عليه النواحي الدينية في اتجاهه إلى القصة والرواية التي توظف التراث. وتناول موضوعات يغلب عليها الدين والفانتازيا والأسطورة..
* عمل بالصحافة منذ 1960. بدأ محرراً في القسم الأدبي بجريدة "الجمهورية" مع الراحل رشدي صالح. ثم انتقل إلى جريدة "المساء"..
* عمل في الفترة من يناير 1967 إلى يوليو 1968 مديراً لتحرير مجلة "الإصلاح الاجتماعي" الشهرية, وكانت تعنى بالقضايا الثقافية..
* عمل ـ لفترة ـ خبيراً بالمركز العربي للدراسات الإعلامية للسكان والتنمية والتعمير. وقد تولى مع زملائه تدريب الكوادر والإعداد لإصدار أول عدد من جريدة "الشعب" الموريتانية (1975).
* عضو اتحاد الكتاب المصريين
* عضو جمعية الأدباء
* عضو نادي القصة
* عضو نقابة الصحفيين المصريين
* حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الأدب عام 1975 عن كتابه "مصر في قصص كتابها المعاصرين"..
* نال وسام العلوم والفنون والآداب من الطبقة الأولى عام 1976
* عمل مديراً لتحرير جريدة "الوطن" العمانية في الفترة من يناير 1976 إلى يونيو 1984
* عمل رئيساً لتحرير "كتاب الحرية" في الفترة من إبريل 1985 إلى يناير 1989.
*رواياته: الأسوار ـ إمام آخر الزمان. من أوراق أبي الطيب المتنبي, قاضي البهار ينزل البحر. الصهبة. قلعة الجبل. النظر إلى أسفل. الخليج. اعترافات سيد القرية. زهرة الصباح. الشاطىء الآخر. رباعية بحري: أبو العباس. ياقوت العرش. البوصيري. على تمراز. الحياة ثانية. بوح الأسرار. المينا الشرقية. مد الموج. نجم وحيد في الأفق, زمان الوصل. ما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله. حكايات الفصول الأربعة. زوينة. صيد العصارى. غواية الإسكندر. الجودرية. رجال الظل.
* مجموعاته القصصية: تلك اللحظة. انعكاسات الأيام العصيبة. هل. حكايات وهوامش من حياة المبتلى. سوق العيد. انفراجة الباب. حارة اليهود. رسالة السهم الذي لا يخطئ. موت قارع الأجراس.
* كتبه الأخرى: مصر في قصص كتابها المعاصرين. مصر... من يريدها بسوء؟.. نجيب محفوظ.. صداقة جيلين. السحار.. رحلة إلى السيرة النبوية. آباء الستينيات. قراءة في شخصيات مصرية. حكايات عن جزيرة فاروس. مصر المكان. البطل في الوجدان الشعبي..
* درّس الدكتور شارل فيال كتابه "مصر في قصص كتابها المعاصرين" على طلاّبه في جامعة السوربون. ويدرس د. عبد المجيد زراقط أعماله على طلابه بالجامعة اللبنانية, كما يدرس د. عبد الرحمن تبرامايسين على طلابه بجامعة بسكرة بالجزائر.
* ترجمت روايته "الشاطئ الآخر" إلى الإنجليزية. كما ترجم العديد من قصصه القصيرة إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والماليزية. وكان الأب الدكتور جاك جومييه هو أول من قدمه إلى القارئ الفرنسي بدراسة في مجلة "ميديوى"..
* صدر عنه: "محمد جبريل وعالمه القصصي" و"دراسات في أدب محمد جبريل" بأقلام مجموعة من الأدباء والنقاد... و"البطل المطارد في روايات محمد جبريل للدكتور حسين علي محمد... "فسيفساء نقدية ـ تأملات في العالم الروائي لمحمد جبريل "للدكتور ماهر شفيق فريد..." محمد جبريل... موال سكندري "لفريد معوض وآخرين. استلهام التراث في روايات محمد جبريل للدكتور سعيد الطواب. محمد جبريل روائي من بحري لحسني سيد لبيب, محمد جبريل,مصر التي في خاطره لحسن حامد. التراث والبناء الفني في روايات محمد جبريل للدكتورة سمية الشوابكة.
* حصلت الباحثة الأردنية سمية الشوابكة على درجة الدكتوراه من الجامعة الأردنية عن رسالتها "التراث والبناء الفني في أعمال محمد جبريل الروائية".
* نوقشت أعماله في العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه, ومنها: شخصية المتنبي في الأعمال الروائية والمسرحية لفهمي عبد الحميد, العناصر التراثية في الرواية المصرية لمراد عبد الرحمن مبروك, السجن في الرواية المصرية لأحمد الحسيني, العناصر السردية في الرواية عند محمد جبريل لأحمد عوض, موازنة بين الأعمال التاريخية عند كل من نجيب محفوظ ومحمد جبريل لمديحة يوسف عامر (الإمارات). السرد الفني في روايات محمد جبريل (رسالة ماجستير) لمحمد محمود فرج.
* كتب مقدمات لأعمال كل من: مصطفى صادق الرافعي (تحت راية القرآن) (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية). نجيب محفوظ (صدى النسيان) (فتوة العطوف). أحمد زكي مخلوف (نفوس مضطربة). حسين علي محمد (عشان مهر الصبية). محمود الخصيبي (سلطنة عمان). عبد الله هادي سبيت (اليمن). فتحي عزت (الإغراء). محمد كمال محمد (دماء في الوادي الأخضر). سمير فوزي (من ديوان العشق). شحاتة عزيز (كفر الهلالي). عبد الفتاح مرسي (المسخوط من سيرة علي بلوط). أبو المجد شعبان (الطفل الذي يعدو). مهدي بندق (حتشبسوت بدرجة الصفر). أمجد صابر (عندما تبيض الديوك) علاء أبو زيد (فم النهر). فاطمة يوسف العلي (تاء مربوطة). محمود البدوي (قصص قصيرة) وغيرهم.
* وضع عن فترة إقامته بسلطنة عمان كتاباً بعنوان "تقرير عن إصدار جريدة يومية" نشر حلقاته الثلاث الأولى في مجلة "الدراسات الإعلامية". ثم أوقف نشر بقية الحلقات بعد تدخل مباشر من الحكومة العمانية بدعوى أن الكتاب يتناول سلبيات التجربة العمانية!
* له ندوة باسمه, قدمت الكثير من الأدباء الشباب, تعد من أهم الندوات في القاهرة..
* كتبت في أعماله قصائد للشعراء: محمد يوسف. حسين علي محمد, جميل محمود عبد الرحمن. يسري حسان. شفيق أحمد علي. فواز عبد الله الأنور. مؤمن أحمد..
* أقيمت له مهرجانات تكريم في المنيا. سوهاج. القاهرة. الإسكندرية..
* شارك في مؤتمر الرواية الذي أقامته جامعة القاهرة ـ قسم اللغة العربية, في 1995.
* شارك في مهرجان آفاق القصة والرواية في الثمانينات والتسعينيات بكلية دار العلوم في إبريل 1997.
*شارك في مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم ـ الدورة الثانية عشرة بالإسكندرية 1997.
* شارك في مؤتمر القاهرة للإبداع الروائي (شهادة ومشاركة بحثية) فبراير 1998.
* شارك في مؤتمر التنمية في شمال الصعيد ـ كلية الآداب بالمنيا 1998.
* انتخب في مارس 1999 نائباً لرئيس اتحاد كتاب مصر..
* ترأس المؤتمر الإقليمي لأدباء غرب ووسط الدلتا في إبريل 1999.
* مثل اتحاد كتاب مصر في ندوة الرواية العربية وقضايا الأمة التي أقيمت بطرابلس ليبيا في الفترة من 7 إلى 9 أغسطس 1999. كما مثل الاتحاد في اجتماعات المكتب الدائم لاتحاد الكتاب العرب...
* ألقى محاضرة عن تجربته الأدبية في مقر اتحاد كتاب سوريا بدمشق 10/8/1999.
* اختير عضواً في لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة من أول أكتوبر 1999.
* ترأس في سبتمبر 2000 وفد اتحاد كتاب مصر إلى تونس, ووقع اتفاقية للتعاون الثقافي. كما شارك في العديد من الندوات في المدن التونسية..
* شارك في مؤتمر عن الكاتب الراحل محمود البدوي في المجلس الأعلى للثقافة (1999)
* شارك في المؤتمر الدولي عن الترجمة الذي أقامه المجلس الأعلى للثقافة في عام 2000.
* شارك في الملتقى الثاني للفنون الشعبية الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة في الفترة من 14 إلى 18 يناير 2001.
* شارك في مؤتمري القاهرة للرواية الأول والثاني اللذين أقامهما المجلس الأعلى للثقافة. قدم شهادة, وبحثاً عن الرواية التاريخية, وقدمت في أعماله أبحاث.
* ألقى محاضرة عن تجربته الأدبية في المكتبة الوطنية بالجزائر في يناير 2006.
* أقامت الفنانة التشكيلية مها رشدي معرضاً عن شخصياته في نادى الهلال الأحمر بسوهاج..
* زار معظم العواصم والمدن العربية, والكثير من دول العالم..
* متزوج من الناقدة زينب العسال. وله ابنان: أمل ووليد...
* يسكن في 18 شارع الدكتور سليمان عزمي شقة 4 مصر الجديدة ـ ت 6218500 ـ 2618399 ـ 103805251.
..........................
*جريدة الأسبوع الأدبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006م.
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:21 PM
محمد جبريل: نبذة عن حياته
إعداد: شوقي بدر يوسف
................................
* ولد بحى بحرى بمدينة الإسكندرية فى 17 فبراير عام 1938
* كان أبوه محاسبا ومترجما فى نفس الوقت وله مكتبته الخاصة وقد أفاد جبريل من مكتبة أبيه فى قراءاته الأولى ويعتبرها سببا أساسيا فى حبه للأدب .
* بدأ حياته العملية عام 1959 محررا بجريدة الجمهورية مع الراحل رشدى صالح ثم عمل بعد ذلك بجريدة المساء .
* عمل فى الفترة من يناير 1967 إلى يوليو 1968 مديرا لتحرير مجلة " الأصلاح الأجتماعى " الشهرية وكانت تعنى بالقضايا الثقافية
* عمل خبيرا بالمركز العربى للدراسات الإعلامية للسكان والتنمية والتعمير .
* عمل رئيسا لتحرير جريدة الوطن بسلطنة عمان ( تسع سنوات ) .
* يعمل الآن رئيسا للقسم الثقافى بجريدة المساء .
* حصل على جائزة الدولة التشجيعية فى الأدب عن كتابه "مصر فى قصص كتابها المعاصرين".
* حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1976 .
* درست أعماله فى جامعات السربون ولبنان والجزائر
* متزوج من الكاتبة والناقدة زينب العسال وله ابنان أمل ووليد
مؤلفاته
* الأسوار ( رواية ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1973
* أمام آخر الزمان ( رواية ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 1984
* من أوراق ابى الطيب المتنبى ( رواية ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1988
* قاضى البهار ينزل إلى البحر ( رواية ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1989
* تلك اللحظة من حياة العالم ( قصص ) ،
* الصهبة ( رواية ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1990
* قلعة الجبل ( رواية ) ، روايات الهلال .. دار الهلال ، القاهرة ، 1991
* النظر إلى أسفل ( رواية ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1991
* أعترافات سيد القرية ( رواية ) ، روايات الهلال .. دار الهلال ، القاهرة ،
* الصباح ( رواية ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1995
* الشاطئ الآخر ( رواية ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 1996 وقد ترجمت هذه الرواية إلى الأنجليزية .
* حكايات وهوامش من حياة المبتلى ( مجموعة قصصية ) ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 1996
* سوق العيد ( مجموعة قصصية ) ، الهيئة العامة للكتاب ، القاهرة ، 1997
* إنفراجة الباب ( مجموعة قصصية ) ، الهيئة العامة للكتاب ، القاهرة ، 1997
* أبو العباس ( رواية .. الجزء الأول من رباعية بحرى ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 1997
* ياقوت العرش ( الجزء الثانى من رباعية بحرى ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 1997
* البوصيرى ( الجزء الثالث من رباعية بحرى ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 1998
* على تمراز ( الجزء الرابع من رباعية بحرى ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 1998
* مصر المكان ( دراسة فى القصة والرواية ) ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 1998
* زهرة الصباح ( رواية ) ،
* حكايات عن جزيرة فاروس ( سيرة ذاتية ) ، دار الوفاء لدنيا الطباعة ، الإسكندرية ، 1998
* الحياة ثانية ( رواية تسجيلية ) ، دار الوفاء لدنيا الطباعة ، الإسكندرية ، 1999
* حارة اليهود ( مجموعة قصصية ) ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 1999
* المينا الشرقية ( رواية ) ، مركز الحضارة العربية ، القاهرة ، 2000
* رسالة السهم الذى لا يخطئ ( مجموعة قصصية ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 2000
* بوح الأسرار ( رواية ) ، روايات الهلال ، القاهرة ، 2000
* مد الموج ( تبقيعات نثرية مستمدة من سيرة ذاتية ) ، مركز الحضارة العربية ، القاهرة ، 2000
* نجم وحيد فى الأفق ( رواية ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 2001
* زمان الوصل ( رواية ) ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 2002
* ما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بآمر الله ( رواية ) ، روايات الهلال .. دار الهلال ، القاهرة ، 2003
**حكايات الفصول الأربعة (رواية)، دار البستانى للنشر والتوزيع 2004
***
عنوان القصة مكان النشر العدد تاريخ النشر
الرائحة الهلال يناير 1983
الطوفان إبداع 2 س 4 فبراير1986
حكايات وهوامش إبداع 6 س 4 يونيو 1986
المستحيل إبداع 8 س 4 أغسطس 1986
انتظار الموقف العربى 77 سبتمبر 1986
فلما صحونا إبداع 6 س 5 يونيو 1987
الرفاعى والثعبان إبداع 5/6 س 7 مايو/يونيو1989
مكان من الزمن القديم إبداع 11 س 7 نوفمبر 1989
فى الشتاء نصف الدنيا 8 8/4/1990
حالة أدب ونقد 58 يونيو 1990
النبؤة الشاهد 59/60 يوليو/أغسطس 1990
تشابكات نصف الدنيا 83 15/9/1991
النبى عمران أدب ونقد 85 سبتمبر 1992
الفندق الهلال مارس 1993
الوقف القصة 85 يوليو/اغسطس/سبتمبر95
الشجرة الأهرام العربى 74 22/8/1998
مدينة الأسرار الأهرام 27/11/1998
مد الموج الرافد 40 ديسمبر 2000
البيرق الرافد 66 فبراير 2003
الكتب التى صدرت عنه
* الفن القصصي عند محمد جبريل ، مجموعة من الباحثين ، مكتبة منيرفا ، الزقازيق ، 1984
* دراسات فى أدب محمد جبريل ، مجموعة من الباحثين ، مكتبة منيرفا ، الزقازيق ، 1986
* صورة البطل المطارد في روايات محمد جبريل، د . حسين على محمد ، دار الوفاء لدنيا الطباعة ، الأسكندرية ، 1999
* فسيفساء نقدية : تأملات فى العالم الروائى لمحمد جبريل ، د . ماهر شفيق فريد ، دار الوفاء لدنيا الطباعة ، الإسكندرية ، 1999
* محمد جبريل .. موال سكندرى ، فريد معوض وآخرون ، كتاب سمول ، 1999
* استلهام التراث فى روايات محمد جبريل ، د . سعيد الطواب ، دار السندباد للنشر ، 1999
* تجربة القصة القصيرة فى أدب محمد جبريل، د. حسين على محمد، كلية اللغة العربية، المنصورة ، 2001
* فلسفة الحياة والموت فى رواية الحياة ثانية ، نعيمة فرطاس ، أصوات معاصرة ، 2001
* روائى من بحرى ، حسنى سيد لبيب ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 2001
الدراسات التى نشرت عن ابداعه فى فصول من الكتب
* ( محمد جبريل ) ، أحاديث حول الأدب والفن والثقافة ، عبد العال الحمامصى ، دار المعارف ، القاهرة ، 1978
* ( قراءة فى قصص محمد جبريل ) ، قراءة فى القصة القصيرة ، محمد قطب ، المكتبة الثقافية .. الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1981
* ( ملامح البيئة المصرية فى " إنعكاسات الأيام العصيبة " ) ، مقالات وبحوث فى الأدب العربى المعاصر ، د . صابر عبد الدايم ، دار المعارف ، القاهرة ، 1983
* ( البناء الفنى فى رواية " آخر الزمان " ) ، در اسات نقدية فى الأدبين العربى والأسبانى ، د . حامد يوسف أبو أحمد ، الفكر العربى ، القاهرة ، 1987
* ( قاضى البهار ينزل إلى البحر وأسلوب التقرير البوليسى فى بناء الرواية ) ، رواية قاضى البهار ينزل إلى البحر ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1989
* ( استلهام الأحداث والشخصيات التاريخية فى قصص محمد جبريل ) ، الظواهر الفنية فى القصة القصيرة المعاصرة فى مصر 1967 – 1984 ، د . مراد عبد الرحمن مبروك ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1989
* ( الأسوار .. لحظات مصرية ) ، إنطباعات غير نقدية ، عبد العال الحمامصى ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، د . ت
* ( تعدد مستويات الخطاب الروائى : د . ماهر شفيق فريد ) ، رواية قلعة الجبل ، روايات الهلال .. دار الهلال ، القاهرة ، 1991
* ( رواية محمد جبريل " من أوراق أبى الطيب المتنبى .. العلاقة الجدلية بين الأدب والتاريخ ) ، دراسات نقدية فى الأدب المعاصر ، د . أحمد زلط ، دار المعارف ، القاهرة ، القاهرة ، 1991
* ( " إمام آخر الزمان " و " الأسوار " و " من أوراق أبى الطيب المتنبى " ) ، العناصر التراثية فى الرواية العربية فى مصر .. دراسة نقدية 1914 – 1986 ، د . مراد عبد الرحمن مبروك ، دار المعارف ، القاهرة ، 1991
* ( محمد جبريل والبحث عن الحلم الضائع ) ، الرواية التاريخية فى أدبنا الحديث ، د . حلمى محمد قاعود ، دار الإعتصام ، القاهرة ، 1990
* ( محمد جبريل قصاصا ) ، فى القصة العربية ، د . يوسف نوفل ، كتابات نقدية .. الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 1992
* ( تأملات فى روايتى " هنرى الرابع " لهانريش مان و " قلعة الجبل " لمحمد جبريل : د . عبد الله محمد أبو هشة ) ، المؤتمر الدولى للدراسات الجرمانية ج 6 ، القاهرة ، 1991
* ( العنف السياسى فى رواية " الأسوار " ) ، الرؤية السياسية فى الرواية الواقعية فى مصر 1965 – 1975 ، د . حمدى حسين ، مكتبة الآداب بالجماميز ، القاهرة، 1994
* ( " الأسوار " و " النظر إلى أسفل " ) ، الرؤى والأحلام .. قراءة فى نصوص روائية ، محمد قطب ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1995م
(يتبع)
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:23 PM
* ( محمد جبريل روائيا .. أزمة جيل من الوعى الأيديولوجى والوعى الفنى ) ، الرواية السياسية ، د . طه وادى ، دار النشر للجامعات المصرية ، القاهرة ، 1996 ص 165
* ( محاور التجربة القصصية فى مجموعة " هل " لمحمد جبريل ) ، جماليات القصة القصيرة .. دراسة نصية ، د . حسين على محمد ، الشركة العربية للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 1996
* ( " زهرة الصباح " البحث عن الأمل والحلم بالنجاة ) ، حوار الرواية المعاصرة فى مصر وسورية ، د . حلمى محمد القاعود ، دار إشبيلية ، دمشق ، 1998
* ( المقاومة أو الوطن إلى الجنون " حول قصص محمد جبريل " ) ، اجيال من الإبداع ، زينب العسال ، جماعة التأصيل الأدبى والفكرى ، القاهرة ، 1998 ص 78
* ( محمد جبريل .. " قاضى البهار ينزل إلى البحر " إستخدام اسلوب التقرير البوليسى فى بناء الرواية : النظر إلى أسفل والبطل المأزوم والتعبير عن أزمة المجتمع ) ، مسيرة الرواية فى مصر .. قراءة لنماذج مختارة ، د . حامد أبو احمد ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2000 ص 55 ص 73
* ( غرباء على الخليج .. الخليج ) ، تقاسيم نقدية ، زينب العسال ، مركز الحضارة العربية ، القاهرة ، 2001 ص 49
* ( قصدية المقاومة فى مجموعة حارة اليهود ) ، المقاومة والأدب ، د . السيد نجم ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 2001 ص 62
* ( رباعية بحرى ) ، الحياة فى الرواية .. قراءة فى الرواية العربية والمترجمة ، أحمد فضل شبلول ، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ، الإسكندرية ، 2001 ص 30
* ( فضاء " المكان الحلم " فى مجموعة " حكايات وهوامش من حياة المبتلى " لمحمد جبريل ، بناء " فضاء المكان " فى القصة العربية القصيرة .. نقد ، محمد السيد اسماعيل ، دائرة الثقافة والأعلام ، الشارقة ، 2002 ص 151
* ( كل إلى بيته يعود .. أو إلى " الشاطئ الآخر " ) ، اللغة والتراث فى القصة والرواية ، ربيع الصبروت ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2003
الدراسات التي نشرت عن إبداعه فى الدوريات
* قراءة فى أدب كاتب شاب .. حول محمد جبريل ، محمد قطب ، المجلة ، القاهرة ، ع 178 ، أكتوبر 1971 صص 84
* أى فن يبتعد عن الإنسان يجعل الحياة تفقد قيمتها ( حوار ) ، يوسف مظلوم ، الميساجية ، القاهرة ، 17/10/1971
* مصر فى قصص كتابها المعاصرين ، محمد صدقى ، الجمهورية ، القاهرة ، 13/4/1972
* دراسة أكاديمية أم رواية أدبية .. حول رواية " الأسوار " ، فتحى الإبيارى ، الأخبار ، القاهرة ، 14/4/1972
* لقاء مع محمد جبريل ( حوار ) ، يوسف مظلوم ، الميساجية ، القاهرة ، 30/4/1972
* الشعب والحرب والحياة ، كمال النجمى ، المصور ، القاهرة ، 23/6/1972
* مصر فى قصص كتابها المعاصرين ، د . نبيل راغب ، المساء ، القاهرة ، 9/8/1973
* مصر بين جمود المؤرخ وتسطيح الأديب ، د . رفعت السعيد ، الطليعة ، القاهرة ، اكتوبر 1973
* عرض لرواية " الأسوار " ، عبد العال الحمامصى ، الزهور ، القاهرة ، أبريل 1974
* الأسوار ( رواية ) ، د . نبيل راغب ، الثقافة ، القاهرة ، أبريل 1974
* محمد جبريل فى الأسوار .. الفنان من خلال عمله، محمد الراوي، الثقافة ، القاهرة ، ع 45 ، 30/8/1974
* الناس فوق الأزمنة الممتدة .. قراءة فى رواية الأسوار ، الداخلى طه ، الزهور ، القاهرة ، ديسمبر 1974
* محمد جبريل الزمان والمكان ( حوار ) ، د . نبيل راغب ، ج الجزيرة ، الرياض ، ع 1937 ، جمادى الآخر 1394
* مصر فى قصص كتابها المعاصرين ، طه محمد كسبه ، الثقافة ، القاهرة ، 15/3/1974
* قطر الندى .. عن كتاب مصر فى قصص كتابها المعاصرين ، عبد المنعم الصاوى ، الجمهورية ، القاهرة ، 29/12/1975
* الإنسان وإيقاع العصر الراكض .. حول مجموع " تلك اللحظة من حياة العالم " ، حسن الجوخ ، الثقافة العربية ، طرابلس ، ع 1 س 4 ، يناير 1977 ص 40
* مصر فى قصص كتابها المعاصرين ( تأليف محمد جبريل ) ، نبيل راغب ، الجديد ، القاهرة ، ع 135 ، 1/1/1978 ص 35
* رواية " الأسوار " محاولة ناضجة للتعامل مع التراث ، محمد السيد عيد ، ج الراية ، الدوحة ، 25/2/1981
* رواية " الأسوار " محاولة ناضجة للتعامل مع التراث ، محمد السيد عيد ، ج الوطن ، عمان ، 30/3/1981
* الفارس فوق ساحة الأزمنة .. قراءة فى رواية " الأسوار"، الداخلي طه، ج الوطن ، مسقط ، 1/6/1981
* جبريل يواصل العطاء ، عبد العال الحمامصى ، م أكتوبر ، القاهرة ، ع 254 ، 6/9/1981
* الأسوار ( رواية محمد جبريل ) محاولة ناضجة للتعامل مع التراث ، محمد السيد عيد ، القصة ، القاهرة ، أكتوبر 1981
* النظر إلى اسفل ، د . حسن فتح الباب ، الأهرام المسائى ، القاهرة ، 5/1/1983
* مصر فى قصص كتابها المعاصرين ، د . نبيل راغب ، المساء ، القاهرة ، 9/8/1983
* محمد جبريل والعودة إلى النصف الآخر ، العقد ، 14/6/1984
* من هو " إمام آخر الزمان " ؟ ، شفيق أحمد على ، روز اليوسف ، القاهرة ، 12/11/1984
* إمام آخر الزمان .. جبرة الأنسان بين الدونية الممقوتة والكمال المطلق ، الداخلى طه ، إبداع ، القاهرة ، ع 3 س 3 ، مارس 1985
* محمد جبريل يتحدث إلى صوت الشرقية، زينب العسال، صوت الشرقية، الزقازيق، مارس 1985
* الروائى المصرى محمد جبريل ، المحرر ، مرآة الأمة ، الكويت ، 27/7/1985
* انعكاسات الأيام العصيبة .. مجموعة قصصية ، عبد الوهاب الأسوانى ، الأذاعة والتليفزيون ، القاهرة ، ع 2639 ، 12/10/1985 ص 37
* إمام آخر الزمان ( رواية محمد جبريل ) ، المحرر ، الحياة ، لندن ، 20/10/1985
* إمام آخر الزمان ، المحرر ، إبداع ، القاهرة ، يناير 1986
* مصر فى قصص كتابها المعاصرين، حسن محسب، الإذاعة والتليفزيون، القاهرة، 10/1/1986
* البناء الفنى فى رواية " إمام آخر الزمان " ، د . حامد أبو احمد ، مرآة الأمة ، الكويت ، ع 782 / 784 ،
* قراءة نقدية فى رواية " الأسوار " ، على عبد الفتاح ، مرآة الأمة ، الكويت ، 30/4/1986
* مغامرة الشكل الروائى .. المزج بين الحوار المسرحى والفلاش باك ، على عبد الفتاح ، مرآة الأمة ، الكويت ، ع 743 ، 7/5/1986
* الكاتب الروائى محمد جبريل ( حوار ) ، محمد يوسف ، مرآة الأمة ، الكويت ، ع 745 ، 21/5/1986
* هل عادت الرواية إلى الرومانسية .. " حول روايات محمد جبريل " ، فتحى سلامة ، الأهرام ، القاهرة ، 29/6/1986
* هوامش محمد جبريل .. حول رواية " إمام آخر الزمان " ، جمال نجيب التلاوى ، الإذاعة والتليفزيون ، القاهرة ، ع 2685 ، 30/8/1986
* جبريل : تجربة الغربة انعكست على كثير من كتاباتى .. " إمام آخر الزمان " تناقش هما عربيا موحدا ، على عبد الفتاح ، 7/9/1986
* هل يعترف ادباؤنا بالزممن مقارنة بين " يوم قتل الزعيم " و " النظر إلى أسفل " محمود المنسى ، م النصر ، القاهرة ، فبراير 1987
* رواية " إمام آخر الزمان"، د . حلمى محمد القاعود ، عالم الكتاب ، القاهرة ، ع 13 ، يناير/فبراير/مارس 1987
* من اوراق أبى المتنبى ، أحمد هريدى ، الإذاعة والتليفزيون ، القاهرة ، 5/3/1987
* السؤال الحائر فى مجموعة " هل " لمحمد جبريل ، جمال بركات ، القاهرة ، القاهرة ، ع 97 ، 15/7/1989 ص 104
* الأديب محمد جبريل وعالمه الإبداعى ( حوار ) ، على عبد الفتاح ، البيان ، الكويت ، أغسطس 1987
* من أوراق ابى الطيب ، أحمد زكى عبد الحليم ، حواء ، القاهرة ، 5/2/1988
* محمد جبريل و " من أوراق أبى الطيب المتنبى " ، عبد العال الحمامصى ، م أكتوبر ، القاهرة ، 21/2/1988
* محمد جبريل والتعبير ، أيمن حسن محمد ، الرافعى ، طنطا ، ع 8 ، 1988
* من أوراق أبى الطيب المتنبى ، أحمد زكى عبد الحليم ، حواء ، القاهرة ، 5/3/1988
* من أوراق أبى الطيب المتنبى ، أحمد هريدى ، الإذاعة والتليفزيون ، القاهرة ، 5/3/1988
* الروائى محمد جبريل ( حوار ) ، شرف الدين عبد الحميد ، صوت سوهاج ، سوهاج ، يوليو 1988
* الرغبة والتحقيق فى أوراق أبى الطيب المتنبى ، د . محمد نجيب التلاوى ، الجنوبى ، المنيا ، اكتوبر 1988
* الرغبة والتحقيق فى " أوراق أبى الطيب المتنبى " ، جمال نجيب التلاوى ، الجمهورية ، القاهرة ، 4/10/1988
* من أوراق أبى الطيب المتنبى ، الدخلى طه ، القاهرة ، القاهرة ، ع 88 ، 15/10/1988
* النقاد يناقشون رواية " أوراق أبى الطيب المتنبى " ، المحرر ، الصناعة والأقتصاد ، القاهرة ، 1/1/1989
* ندوة حول محمد جبريل وروايته " اوراق أبى الطيب المتنبى " ، على عبد الفتاح ، الرأى العام ، الكويت ، 16/1/1989
* محمد جبريل صاحب " أوراق المتنبى " ( حوار ) ، شادى صلاح الدين ، ج الوطن ، عمان ، 26/1/1989
* الروائى المصرى محمد جبريل: أهاجر إلى التاريخ لأكتب من الواقع ، المحرر ، الشرق الأوسط ، لندن ، 27/1/1989
* البناء الفنى فى رواية "إمام آخر الزمان"، د . حامد ابو احمد ، إبداع ، القاهرة ، فبراير 1989
* هذه الرواية " قاضى البهار ينزل البحر " ، المحرر ، م أكتوبر ، القاهرة ، 26/3/1989
* الواقعية الرمزية فى رواية محمد جبريل الجديدة " قاضى البهار ينزل البحر " ، المحرر ، ج الرياض ، الرياض ، 6/4/1989
* محمد جبريل لكى نتساجل لا بد من إثارة قضية أولا ، المحرر ، ج الشرق الأوسط ، لندن ، 23/4/1989
* قاضى البهار ينزل البحر ، فتحى الأبيارى ، م أكتوبر ، القاهرة ، 2/7/1989
* محمد جبريل بين شد الصحافة وجذب الأدب ( حوار ) ، هبة الله يوسف ، م العرب ، 10/7/1989
* رواية " قاضى البهار ينزل إلى البحر " ، د . حامد أبو أحمد ، ج الرأى العام ، الكويت ، 17/8/1989
* محمد جبريل : لجنة نوبل لا تقرأ الأعمال واتجاهاتها سياسية (حوار)، د . محمد نجيب التلاوى ، صوت المنيا ، المنيا ، 14/9/1989
* العناصر التراثية فى الرواية المصرية .. حول روايات محمد نجيب ، د . جمال التلاوى ، القاهرة ، القاهرة ، نوفمبر 1989
* حوار مع الأديب محمد جبريل ، الفيروز ، يناير 1990
* قاضى البهار ينزل إلى البحار ، فتحى هاشم ، الكواكب ، القاهرة ، 20/2/1990
* صهبة محمد جبريل ، د . ماهر شفيق فريد ، م أكتوبر ، القاهرة ، 11/4/1990
* محمد جبريل ينزل إلى البحر، د. محمد زكريا عنانى ، الأيام ، القاهرة ، 8 – 15/4/1990
* صهبة محمد جبريل ، المحرر ، م أكتوبر ، القاهرة ، ع 703 ، 15/4/1990
* نقطة فوق حرف ساخن .. حول رواية " الصهبة " ، رأفت الخياط ، المساء ، القاهرة ، 11/5/1990
* بنيات السرد الموضوعى .. حول رواية " قاضى البهار ينزل البحر " ، د . جمال نجيب التلاوى ، إبداع ، القاهرة ، مايو/يونيو 1990
* حوار مع الروائي محمد جبريل ، د. حسين على محمد ، القصة ، القاهرة ، يوليو 1990
* الأيام تحاور الأديب محمد جبريل ، مجدى عبد النبى ، الأيام ، القاهرة ، 22/7/1990
* رواية " الصهبة " لمحمد جبريل وصورة الإنسان متمردا مقدسا وهائما محسوسا ، شمس الدين موسى ، القدس العربى ، لندن ، 31/7/1990
* حالة الصهبة التى يغشى فيها ، د. مصطفى عبد الغنى ، الأهرام ، القاهرة ، 12/8/1990
* محمد جبريل الأسطورة والأنسان ، خير سليم ، م قنا الأدبية ، قنا ، ع 1 .
* الشخصيات الروائية فى " قاضى البهار ينزل البحر " ، جمال بركات ، القاهرة ، القاهرة ، ع 107 ، 15/8/1990
* حركة النص التراثى فى القصة المصرية .. حول محمد جبريل ، د . مراد مبروك ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، مارس 1991
* عائشة فى مواجهة سلطان القلعة، عبد الفتاح رزق، روز اليوسف ، القاهرة ، 11/3/1991
* قلعة الجبل بين القناع التاريخ والرواية السياسية ، د . طه وادى ، الحياة ، لندن ، 16/8/1991
* البطل المأزوم بين عجز الذات والخلاص المرير .. قراءة فى رواية " الصهبة " ، سمير الفيل ، إبداع ، القاهرة ، سبتمبر/اكتوبر 1990
* الصهبة لمحمد جبريل .. قصة طويلة يسعى البطل بنفسه إلى أن يكون ضحية الأستبداد ، محسن خضر ، الحياة ، لندن ، 22/10/1990
* عندما اختلف النقاد الأربعة حول رواية " الصهبة " ، المحرر ، نصف الدنيا ، القاهرة ، ع 42 س 1 ، 2/12/1990 ص 50
* الروائى محمد جبريل ، محمد الفقى ، الأنباء ، الكويت ، 23/1/1991
* مدن النسيان .. حول رواية " قلعة الجبل " ، محمد على فرحات ، الحياة ، لندن ، 5/3/1991
* قلعة الجبل بالفرنسية ، ثناء أبو الحمد ، الأخبار ، القاهرة ، 22/5/1991
* الإطار والصورة فى " الصهبة " ، د . عبد البديع عبد الله ، الأهرام المسائى ، القاهرة ، 27/2/1991
* محمد جبريل وقلعة الجبل ، عبد العال الحمامصى ، م أكتوبر ، القاهرة ، 7/4/1991
* صهبة محمد جبريل لحظة صدق شفافة ومتجردة ، سعيد سالم ، الشاهد ، نيقوسيا ، ع 69 ، مايو 1991
* " قلعة الجبل " استلهام التايخ .. إسقاط على الحاضر ، سعد القرش ، الأنباء ، الكويت ، 17/5/1991
* تجليات المكان وتطور الوعى .. دراسة فى رواية " قلعة الجبل " لمحمد جبريل ، محمد أحمد الحمامصى ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، يونيو 1991
* قلعة الجبل ( رواية ) ، عماد الغزالى ، الوفد ، القاهرة ، 6/6/1991
* قلعة الجبل الضلع الرابع فى الرواية التاريخية ، د . ماهر شفيق فريد ، حريتى ، القاهرة ، 7/7/1991
* إبداع الدلالة عند محمد جبريل .. قراءة فى رواية " الصهبة " ، عبد الله السمطى ، ج الرياض ، الرياض ، 30/7/1991
* قلعة الجبل لمحمد جبريل .. الرواية بين القناع التاريخ والرؤيا السياسية ، د . طه وادى ، الحياة ، لندن ، اغسطس 1991
* إبداع للدلالة فى رواية " الصهبة " ، المحرر ، الشرق الأوسط ، لندن ، 19/9/1991
* الإبداع هو الأصل والفنان يولد ولا يصنع ( حوار ) ، المحرر ، الأهرام المسائى ، القاهرة ، 25/9/1991
* ندوة حول " الصهبة " لمحمد جبريل ، نبيل خالد ، الرأى العام ، عمّان ، 12/11/1991
* الإخوة المواطنون والنظر إلى أسفل، د . ماهر شفيق فريد ، حريتى ، القاهرة ، 12/1/1992
* النظر إلى اسفل والصعود إلى الهاوية ، جمال بركات ، الشرق الأوسط ، لندن ، 22/1/1992
* ندوة نقدية حول رواية " النظر إلى اسفل " لمحمد جبريل ، المحرر ، الرأى العام ، عمّان ، 23/2/1992
* محمد جبريل والنظر إلى اسفل ، شمس الدين موسى ، الحياة ، لندن ، مارس 1992
* أربعة وجوه فى الرواية التاريخية فى مصر ، د . ماهر شفيق فريد ، صوت الكويت الدولى ، الكويت ، 9/3/1992
* روائى يؤرخ لحياتنا المعاصرة ، يسرى حسان ، الدولية ، باريس ، 27/4/1992 ص 40
* الروائى محمد جبريل يتحدث (حوار)، د . حسين على محمد ، المسائية ، الرياض ، 11/5/1992
* الأديب محمد جبريل ليس هناك أزمة إبداع بل صعوبة فى النشر ، المحرر ، ج الرأى العام ، الكويت ، 2/6/1992
* النظر إلى أسفل ، محمد قطب ، الأهرام ، القاهرة ، 14/6/1992
* التاريخ ملهى الإمام ومدينته الفاضلة، سعد القرش، الأهرام المسائى، القاهرة، 23/6/1992
* قراءة نقدية فى رواية " النظر إلى اسفل " لمحمد جبريل ، د . حامد أبو احمد ، العربى ، الكويت ، ع 405 ، أغسطس 1992
* المعنى فى بطن الشاعر .. حول أدب محمد جبريل ، عبد الله باجبير ، الشرق الأوسط ، لندن ، 2/8/1992
* ( ملف خاص عن محمد جبريل ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، ع 49 ، أكتوبر 1992 )
* محمد جبريل روائيا .. قضية جيل بين الوعى الأيديولوجى والوعى الفنى ، د .طه وادى
* انشطار الذات فى رواية " النظر إلى اسفل " ، محمد قطب .
* رواية .. " إمام آخر الزمان " عبد الله محمد أبو هشة .
* قاضى البهار ينزل إلى البحر ، مصطفى كامل .
* قضيرة المصير العربى شاغلى الأساسى ( حوار ) ، محمد أحمد الحمامصى .
* التداعى والنظام فى رواية " النظر إلى اسفل " ، مجدى أحمد توفيق .
* قلعة الجبل رواية محمد جبريل ، محمد عبد الله عبد الهادى ، القصة ، القاهرة ، يوليو/أكتوبر 1992
* تاريخنا السياسى والنظر إلى اسفل ، أحمد حسين الطماوى ، الجمهورية ، القاهرة ، 1/10/1992
* لغز عائشة فى " قلعة الجبل " ، محمد عبد الحافظ ناصف ، الحياة ، القاهرة ، 11/10/1992
* محمد جبريل : مبدعو الستينيات أكثر الأجيال تحملا لهموم المجتمع ( حوار ) ، المحرر ، صوت الكويت ، الكويت ، ع 14/10/1992
* السراب المنشود فى " إمام آخر الزمان " ، ناصر سلطان ، الصناعة والأقتصاد ، القاهرة ، 8/12/1992
* هل يشهد عقد التسعينيات ازدهار الفن الروائى فى مصر ، د . حامد أبو احمد ، ج الرياض ، الرياض ، 10/12/1992
* نجيب محفوظ وأحدث جيلين ، أحمد الحوتى ، ج الأنباء ، الكويت ، 12/5/1993
* المقاومة أو الطريق إلى الوطن .. حول قصص محمد جبريل ، زينب العسال ، القاهرة ، القاهرة ، مارس 1994
* " اعترافات سيد القرية " ، أحمد حسين الطماوى ، الجمهورية ، القاهرة ، 3/6/1994
* محمد جبريل الزمان والمكان ، د . نبيل راغب ، ج الجزيرة ، الرياض ، ع 937 ، 1/6/1994
* كلام عن الحرية ( شهادة ) ، فصول ، القاهرة ، ع 4 م 12 ، شتاء 1994 ص 335
* سردية الرواية بين حواف الذاكرة وحواف المخيلة .. ( تحقيق ) ، عبد الله السمطى ، الحرس الوطنى ، الرياض ، ع 161 س 17 ، يناير 1996
* من تجاربهم .. ماذا يريد الكاتب ( شهادة ) ، الفيصل ، الرياض ، ع 233 س 20 ، مارس/إبريل 1996 ص 76
* القاهرة .. الأيام الأولى ( شهادة ) ، الإذاعة والتليفزيون ، القاهرة ، ع 3192 ، 18/5/1996
* الشاطئ الآخر بين جبريل وكفافيس .. حول رواية الشاطئ الآخر ، د . جمال عبد الناصر ، الأهرام ، القاهرة ، 25/8/1996
* الهروب نحو الشاطئ الآخر ، المحرر ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، أكتوبر 1996 ص 12
* محمد جبريل فى " الشاطئ الآخر " رواية الاتزان الجميل ، المحرر ، الأهرام ، القاهرة ، 1/12/1996 ص 22
* قراءة فى رواية " الشاطئ الآخر " للروائى محمد جبريل ، صلاح عطية ، أخبار الأدب ، القاهرة ، ع 192 ، 16/3/1997 ص 15
* قراءة نقدية فى رواية " زهرة الصباح " ، يوسف الشارونى ، العربى ، الكويت ، ع 462 ، مايو 1997 ص 51
* زهرة الصباح وعبيرها السياسى ، د. عبد الحميد القط، القاهرة، القاهرة ، ع 173/174/175 ، ابريل/مايو/يونيو 1997 ص 147
* حكايات وهوامش من حياة المبتلى .. عفاف عبد المعطى ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، ع 109 ، أكتوبر 1997 ص 18
* الشاطئ الآخر .. رواية محمد جبريل ، نجلاء علام ، القصة ، القاهرة ، ع 92 ، ابريل/مايو/يونيو 1998 ص 62
* كتبت ما تريده الرواية ( شهادة ) ، فصول ، القاهرة ، ع 1 م 17 ، صيف 1998 ص 330
* عن رباعية بحرى لمحمد جبريل ، محمد رجب ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، ع 129 ، يونيو 1999 ص 32
* رباعية بحرى ، د . ماهر شفيق فريد ، القصة ، القاهرة ، ع 96 ، أبريل/مايو/يونيو 1999 ص 36
* ماهر شفيق فريد يتأمل العالم الروائى لمحمد جبريل .. فسيفساء نقدية ، المحرر ، نصف الدنيا ، القاهرة ، ع 512 ، 5/12/1999 ص 73
* حارة اليهود ( مجموعة محمد جبريل ) ، مديحة أبو زيد ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، ع 143 ، أغسطس 2000 ص 107
* المينا الشرقية ( رواية محمد جبريل ) ، أحمد حسين الطماوى ، القصة ، القاهرة ، ع 102 ، أكتوبر/نوفمبر/ديسمبر 2000 ص 71
* آلية التعبير فى أدب محمد جبريل .. حول مجموعة " رسالة السهم الذى لا يخطئ " ، د . حسن البندارى ، الأهرام ، القاهرة ، 2/2/2001 ص 36
* البحث عن المكان المراوغ فى " رباعية بحرى " ، مهدى بندق ، الكلمة المعاصرة ، الإسكندرية ، ع 19 ، مايو 2001
* " نجم وحيد فى الأفق " رواية جديدة لمحمد جبريل ، المحرر ، الحياة ، لندن ، ع 14174 ، 8/1/2002 ص 16
* الرمز فى " حارة اليهود " لمحمد جبريل، د . حسين على محمد، الرافد ، الشارقة ، ع 57 ، مايو 2002 ص 67
* القراءة الراهنية للتاريخ .. " قلعة الجبل نموذجا " ، د . عبد الله أبو هيف ، الرافد ، الشارقة ، ع 66 ، فبراير 2003 ص 45
* نجم وحيد فى الأفق .. رواية محمد جبريل ، حسنى لبيب ، الهلال ، القاهرة ، مارس 2003 ص 169
* سيرة الموت فى " ما ذكره رواة الأخبار"، محمد عبد الحافظ ناصف ، أخبار الأدب ، القاهرة ، ع 542 ، 30/11/2003 ص 32
* الدلالات السردية فى رواية " الحياة ثانية"، د . صبيحة عودة ، الثقافة الجديدة ، القاهرة ، ع 163 ، ديسمبر 2003 ص 33
* ( محمد جبريل .. ملامح شخصية " ملف خاص " ، الرافد ، الشارقة ، ع 76 ، ديسمبر 2003 )
* محمد جبريل ملامح شخصية وسيرة إبداعية ، حسنى سيد لبيب ص 34
* محمد جبريل: نهر الجنون لتوفيق الحكيم يستطيع أن يكتبها طالب ثانوي ( حوار ) ، عبد الفتاح صبري ص 36
* الرؤية والتشكيل فى حارة اليهود، د . خليل أبو ذياب ص 42
* أسئلة الرواية فى " زمان الوصل" ، شوقي بدر يوسف ص 49
* قراءة فى رواية " نجم فى أفق جديد " ، حسنى سيد لبيب ص 55
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:26 PM
محمد جبريل.. ومعنى الحرية
بقلم: زينب العسال
..........................
فى شهادته المنشورة فى مجلة "فصول" يقول محمد جبريل: "أنا مبدع مهموم سياسيا.. إنها سدى اهتماماتى الشخصية والإبداعية فى الوقت نفسه."
جبريل المهموم سياسيا والمعنى بتحقيق الحرية السياسية التى هى حق المواطنين فى المساهمة فى حكم الدولة.. يوسع من مفهوم الحرية، فالأهم عنده من الكتابة عن الحرية.. هو "أن أكتب فى حرية، وأن يغيب ذلك الرقيب الخارجى الذى يحذف ويصادر ويعتقل، إن لاحظ أن الكاتب قد شط فى رأيه، أو أعلن المعاداة، أو أن يغيب ذلك الرقيب الداخلى الكامن فى أعماقى..
هذا الهم السياسى يبين عن نفسه فى غالبية كتابات جبريل الإبداعية منذ كتابه الأول "الملاك" والذى نشره ولم يتجاوز سن الكاتب آنذاك خمسة عشر عاما بعبارة.. "أشياء ثلاثة كرست حياتى للدفاع عنها: الحق والخير والحرية.. وأرى أن التمتع بالحرية كفيل بأن يحقق الخير والحق.. هل يمكن للإنسان أن يشعر بإنسانيته إلا إذا كان حرا!.. وهل يمكن للإنسان أن يتمتع بالحرية إذا لم يتمتع بها الآخرون؟! إن مبدأ الحرية يلازمه بالضرورة علاقة الفرد الإنسان بالسلطة أيا كانت هذه السلطة.. سواء أكانت سلطة الحاكم أو سلطة الجماعة/المجتمع أو السلطة الأبوية.. البعض لا يرى وجود تعريف محدد للسلطة فإعطاء مفهوم للسلطة سيكون الأمر أكثر سلطوية.. فالسلطة متعددة الوجوه خافية وظاهرة.. من الممكن أن تكون سلطة مركبة.. متعددة.. ومتغيرة الوجوه.. "يمكن أن تعرف نفسها بكونها ذات أسماء عديدة، وتوجد فى كل الأمكنة والخطابات من الأسرة إلى الدولة، من التابو إلى الليبيدو، من العلم إلى الإيديولوجيا، من المستشفى إلى السجن، من العقل إلى الجنون، ومن المدرسة إلى الكنيسة.(1)
السلطة إجمالا قائمة فى كل خطاب نقوم به حتى ولو كان يصدر من موقع خارج السلطة وهى لها آلياتها المتعددة.
كان الحديث عن السلطة فى عصور ماضية لا يتم إلا عن طريق الرمز.. فيكون الخطاب على لسان الطير أو الحيوان أو يلجأ الكاتب إلى استخدام البلاغة. إن السلطة هنا تتعلق بالسياسة، لا تتعلق بمن يحكم بقدر تعلقها بكيف يحكم؟ (2)0
هذا المفهوم تشير إليه روايات "الأسوار" و"إمام آخر الزمان" و"من أوراق أبى الطيب المتنبى" و"قاضى البهار ينزل البحر" و"الصهبة" و"قلعة الجبل" و"الخليج" و"المينا الشرقية".
من الخطأ البالغ أن نقول إن العلاقة بين المصرى والسلطة سارت دائما فى خط واحد ثابت.. القهر من جانب السلطة والخنوع المطلق من جانب المصرى.. فقد حدثت على مدار التاريخ عدة ثورات شعبية فى مواجهة السلطة الغاشمة..
أعلن الإمام فى "إمام آخر الزمان" أن الإمامة منصب إلهى كالنبوة، فالأئمة عليهم نفس مسئوليات الأنبياء، وإن كان لا يوحى إليهم.. محمد جبريل يرصد بذكاء فكر الإمام الطاغية، فهو يصادر كل صوت سيعلو بالرفض لسياسته بأن هذه السياسة هى إلهام من عند الله فلا يحق للمسلم رفضه أو حتى مناقشته!.. تطلع الشعب إلى ظهور الإمام الحق "المهدى المنتظر" فكان أول ما فعله هو القضاء على المباذل "أغلقت دور السينما والملاهى الليلية أبوابها.. اقتصرت مواد الإذاعة والتليفزيون على البرامج الدينية والجادة وتلاوات القرآن الكريم.. أوقفت البنوك معاملاتها بالفائدة، ألغيت المدارس المختلطة، شجع على إنشاء الأسبلة والكتاتيب والمساجد.. خصص للعده يومين كل أسبوع فى مجلس عام.." هكذا كانت البداية وهى فى الغالب هكذا.. فإذا أمعنا النظر وجدنا أن بذور السلطة والتفرد بالحكم بادية لكل لبيب.. فهو الذي يقرر بالإغلاق وتحويل مسار البرامج.. التوجه للدعاية الدينية للنظام.. أى اصطباغ النظام بصيغة دينية واضحة. إعادة نظام قديم للتعليم أمام غلق المدارس المختلطة إيذانا بأن على المرأة أن تختفى ويتراجع دورها فى صنع المجتمع، ومن ثم لم نفاجأ بأنه يعيد النساء إلى بيوتهن وإلزامهن بالتزيى بالزى الإسلامى.. وفى خطوة أخرى للتفرد بالسلطة وإحكام قبضة النظام على مقاليد الأمور "اتخذ رجال أمن الإمام أماكنهم بين المصلين، فلا يصلون ولا يغادرون المسجد إلا وهو يغلق أبوابه.." فقد صار الوطن سجنا كبيرا للجميع. سلطة كهذه نجدها تهمل شئون الناس وأمور حياتهم.. يتفاقم الوضع على قسوة الحاكم الذى يهدد شعبه بالتنكيل والقتل لكل من يفكر فى المقاومة.. ورغم ذلك ترددت الألسنة وتساءل الناس: لماذا لا نقاوم؟!
يدين محمد جبريل أصحاب الرأى الذين يكتفون بالمناقشة ومتابعة أفعال الإمام بالاستهجان والاستنكار.. ولكن لا يتحول الموقف إلى فعل إيجابى ممثلا فى الثورة.. فهم ينتظرون أن يأتى إمام جديد بالحل.. ثم ترجع ريما لعادتها القديمة.. فيعم الفساد والمظالم.
ظهرت فكرة جماعية القيادة التى طالب بها صفوة العلماء والفقهاء المفكرين.. لم تحظ بقبول..
-أية جماعية وأية قيادة؟ النبوة ليست بالشورى.. فلماذا نطلب ذلك فى الإمامة، لقد أعطونى طاعتهم حين أعطونى إيمانهم بى.
انتقل الإمام من خلوته إلى قهوة السيالة.. مكانا شعبيا يلتقى فيه بعامة الناس.. لا يتحدث عن الدين والآخرة –فقط- بل يتحدث عن حياة الناس ومعاشهم.
ولكن هذا الرجل الذى أمل الناس فى إمامته يقتل ذات يوم.. ليظل السؤال قائما. هل لابد من الفرد الذى يقود الجماعة؟! ولماذا لا يحكم الناس أنفسهم؟!
يظل الشعب يعانى وتبدأ الثورة بالهمس.. ثم تعلو النبرة، ليعلو صوت الثورة هادرا فى كافة العواصم العربية والإسلامية، لقد دفع الحفناوى حياته ثمنا لتحرك الناس نحو حريتهم، كان موته هو المحرك الأول لتأخذ الجماعة المبادرة وتتحرك لاختيار من يقودها بينهم.
فى رواية قلعة الجبل تأخذ الجماعة دورها فى الوقوف ضد بطش وقهر السلطان خليل الحاج أحمد.. فالسلطان الذى اختلف النص فى الحديث عنه.. وتعددت الأصوات، وإن ظل الكاتب متعاطفا مع عائشة القفاص، متحدثا عن قضيتها بنوع من التعاطف الذى جمع أهل حدرة الحنة والمناطق المحيطة بها لتقف فى ثورة عارمة أمام بطش السلطان.. ما الحكاية إذن؟
-تعجب السلطان من امرأة مصرية من عامة الشعب.. يشرد زوجها أو يتخلص منه ومن والدها وخالها وكل من يتعاطف مع عائشة.. تبدو المسألة أنها خلافات بين الرواة فيما ذكروه فى شأن السلطان وحكايته مع عائشة.
"فاعلم أن السلطان خليل بن الحاج أحمد كان متدينا وعالما وفاضلا، عنى برفع التهارج، ورد الثوابت، وقمع المظالم ونصرة المظلوم وقطع الخصومات والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.. وكان له فى عقاب المفسدين اختراعات مهلكات وإن استمد أحكامه من مصادر التشريع الإسلامى..
هل يختلف السلطان خليل عن أى إمام ورع صالح.. غير أن حقيقة الأمر تضعنا أمام صورة أخرى رسمها الكاتب لهذا الرجل.. فقهره لم يعلن عنه مباشرة.. فقد استخدم سلطته فى اجتذاب عائشة للصعود إلى القلعة.. ثم التأثير على زوجها خالد عمار.. ووالدها.. فشلت المحاولة.. فكان البطش.. والتخلص من الخصوم بتلفيق التهم.. والتفنن فى العقاب الرادع!
لم يقف الأمر عند أهل عائشة بل امتد إلى كل شخص حاول أن يقف بجوارها أو لجأت إليه.. بدأ القمع بأناس عاديين واتجه إلى رموز فى السلطة ذاتها.. الخليفة لفقت له تهمة الخيانة، تحدث السلطان عن رسائل بعث بها الخليفة إلى أمراء البلاد يدعوهم فيها إلى مخالفة السلطان.. ثم تخلص من زوجته الأولى.. خرج الناس فى الأسواق والشوارع والعطوف ومضوا إلى قلعة الجبل، تجمعوا حول القلعة يدعون ويطالبون بعودة عائشة ونزولها من القلعة..
استجاب السلطان لثورة الشعب، عادت عائشة إلى منزلها فى حدرة الحنة، وفتح التجار حوانيتهم، وفتحت أبواب جامع الأزهر.. سكنت الفتنة..
إن المهادنة هى الطريق الذى سلكه السلطان خليل أمام ثورة الشعب.. لقد أوهم الرعية بأنه يستجيب لطلبهم.. تقرب إليهم.. خرج إليهم حيث كانوا.. يسأل عن أحوالهم ومعاشهم.. يتفقد المساجد ودور العلم ويتأمل بعناية تسوية الشوارع ونظافتها.
أختلف مع د.ماهر شفيق فريد فيما وصل إليه من أن هناك صوتين متجاورين فى رسم شخصية السلطان.. وقد أدى هذا إلى التباس القارئ.. والحقيقة أن القارئ مع مضيه فى قراءة الرواية سوف يكتشف بل يرسم صورة صادقة للسلطان خليل، وهى الصورة التى أرادها محمد جبريل وبث ملامحها، وهى صورة الحاكم الطاغية، فما صوت الراوى أو المؤرخ الرسمى إلا تأكيدا على تلك الملامح التى رسمها جبريل لهذا الحاكم الطاغية. فيقول الراوى "أشفقت على سيرته من تشويه الموتورين لها، ومؤاخذتهم المعيبة عليها، وإلباسها ثوب الفجاجة.. فبدا الكذب حقيقة" فسيرة الرجل بداية مليئة بالمظالم والأخطاء، وما كان على الراوى أو المؤرخ الرسمى إلا أن ينفى هذه الصورة. إن وظيفته تشير إلى وظيفة وسائل الإعلام التى تقوم بتجميل صور الحكام الطغاة.. فتقدمهم فى صورة مخالفة لما يعرفه الناس عنهم.
يصف إريك نبتلى الكاتب –أى كاتب- بأنه "متسائل، منشق، خارجى،متحرر، صانع للمشكلات فى حرب على زمنه، مأخوذ بذلك دائما، يقف إلى جانب الأفضل فى عصره، مساعدا إياه على فهم ذاته.
ويقول جبريل: "إن لى موقفا –أتصوره واضحا- من القضايا الإنسانية والاجتماعية، وهذا الموقف يبين ن نفسه فى أكثر من عمل قصصى وروائى، ثمة وشيجة تربط روايتى "الأسوار" مثلا بقضية التحقيق برواية "قاضى البهار ينزل البحر"، ربما تناولت الفكرة نفسها، الموضوع ذاته فى أكثر من عمل."
يحمل إبداع محمد جبريل ملامح المفكر القلق الذى يبحث دوما عن كل ما هو حقيقى وإنسانى فى هذا العالم، وهذه التيمة التى تفرض نفسها فرضا، فالأدب مهما اختلف النقاد فى تعريفه، هو إفراز فنى للأفكار التى تعتمل داخل أحشاء المجتمع المعاصر"! (3)
فى روايته "الأسوار".. يفتدى البطل الملقب بالأستاذ هؤلاء المعتقلين والذين نسيتهم السلطة، أو تناستهم التعبير الأدق. فالأسوار من بعيد –مدينة أسطورية.. كل ما بداخلها معزول عن العالم الخارجى، أبراج الحراسة من الأركان الأربعة، الممنوعات –ما عدا التقاط الأنفاس، تشمل كل شئ: الأفلام، والأوراق والصحف والراديو والمناقشات. فهى بقعة فى جزيرة رملية يحدها.. الأفق.. لا خطوط تليفون ولا قضبان قطارات ولا طرق رملية.
الأستاذ هو رجل انغمس بالتطورات السياسية فى بلده.. وهو يتمتع بذات مناضلة تحيا واقع الجماعة وتخلص لقضاياها.. أحبه الجميع على اختلاف مشاربهم السياسية فمنهم الوفدى والسعدى والإخوانى والشيوعى، والنشال والقواد وطالب الثأر والقاتل وبائع المخدرات".(4)
فى المعتقل ثمة مواجهة مباشرة للسلطة وآليات قهرها يتعرض لها كل المعتقلين.. قامت الثورة وأسفرت عن إرسال تلغرافين للحكومة لم يرض الأستاذ ولا الجماعة بتحسن الأوضاع، فالحرية لا تتجزأ (5)
شعرت إدارة المعتقل/ السلطة بأن هناك عقلا مدبراً يقود المعتقلين، عملت على التخلص منه، جندت العملاء من ذوى النفوس الضعيفة.. وجدوا فى حلمى عزت ضالتهم المنشودة، هددوه بافتضاح أمره.. نقل حلمى عزت الفكرة إلى الجماعة "بدت الفكرة اقتراحا مجنونا فى بادئ الأمر، لكن الليل البارد والأسوار والصحراء التى لا يحدها الأفق ولدغات العقارب والعذاب والغربة والحراس والوحشة والشوق والملل، ذلك كله جعل من الاقتراح المجنون –فى أقل من يوم- حلا مقبولا".(6)
إن القائد هنا هو واحد من الجماعة.. قدم نفسه فداء لأفكاره ومعتقداته، إنه يعلم بالمؤامرة منذ البداية، فقد دبر أمر الأوراق التى طويت على اسم واحد هو اسمه.. كان على الأستاذ منذ البداية أن يبث الوعى فى نفوس المعتقلين بأهمية الثورة.. والإعلان عن رفض واقعهم المهين داخل المعتقل.. ضحى الأستاذ بنفسه فى سبيل تحقيق مبادئه بالدفاع عن المظلومين حتى لو كانوا من القتلة والقوادين وتجار المخدرات.
إن المواجهة مع السلطة كانت شرسة وعنيدة دفع ثمنها المعتقلون، فإحرق الأستاذ المحرك الفعلى لهم فى مناهضة الظلم والقهر، وكان دافعا لهم لمواصلة النضال ورفضهم الاستسلام لإدارة المعتقل.. سمع صوتهم لأول مرة فكان انتصارهم وهزيمة السلطة أمام عزمهم.. إن الإشارات الدالة التى بثها محمد جبريل فى نسيج روايته وعلى لسان أبطاله، وعبر اقتباسات متعددة تؤكد على قيمة الفداء والتضحية وهى صلب علاقة المثقف بجماعته ومجتمعه.. "ألا تعلمون أنه خير لكم أن يموت رجل واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها" (يوحنا 11/50).
كانت العلاقة بين السلطة والمثقف علاقة يشوبها –دائما- التوتر، بدأت السلطة تعى مع العقد الثالث من القرن العشرين دور المثقف فى المجتمع، يكفى أن نشير إلى ترسانة هائلة من التشريعات المقيدة للحريات مثل قوانين المطبوعات، التشريعات المقيدة لحقوق الاجتماع والتجمهر والتظاهر، بل وتقييد التقاضى أحيانا واستحداث أنواع من القضاء الاستثنائى، بالإضافة إلى اللجوء –بصفة شبه مستمرة- إلى قوانين الطوارئ والأحكام العرفية".(7)
إذا كان الحال هكذا مع المثقف، هل ينتمى محمد إبراهيم مصطفى العطار إلى "قافلة المثقفين الذين عانوا من صلف السلطة، أمثال: على عبد الرازق وبيرم التونسى وسيد قطب وشهدى عطية.. ومجموعة المثقفين التى تم اعتقالها فى خريف1980.. بالطبع لا.. "فقاضى البهار" إنسان بسيط يعمل فى إدارة التخليص الجمركى لا يتعاطى السياسة وليس له أى نشاطات سياسية من أى نوع!.. فلماذا تطارده السلطة؟ وتوجه إليه التهم وحين تفشل فى إثبات تلك التهم تدس عليه "بقلوظة" الراقصة لتلفق له التهم وتراقب جيرانه وأصدقاءه وتسأل عن جميع من يحيطون به فى هجمة شرسة لتبحث عما يشينه ويدينه".(
تتكدس التقارير ونتائج الملاحقات، وتقوم أجهزة الشرطة بمطاردة كل من له صلة بقاضى البهار سواء فى الماضى أم الحاضر، فهل وجدت السلطة فى صمت أو لنقل تجاهل الإنسان المصرى العادى حيال آليات قهرها وملاحقتها للفرد فى صور شتى من العنف والاضطهاد نوعا من المقاومة؟ هل انتهت السلطة من ملاحقة كل من له نشاط سياسى وقهره بزجه داخل السجون والمعتقلات فلم تجد أمامها إلا الإنسان البسيط المهموم بلقمة عيشه تكيل له كل الاتهامات وتوقع به فى حبائلها..
كان لقاضى البهار سمعة طيبة بين جيرانه وأهله، هل حنق أجهزة الأمن ضده جاء من حرصه على اقتناء الكتب السياسية والدينية والتاريخية، فقد تحسبت أن يقوم بدور ما.. أليس فى نظرها مثقفاً؟!
الحقيقة أن سيرة محمد قاضى البهار لا تشى بالمرة بوجود ما يعكر صفو العلاقة بينه وبين السلطة التى بطشت به وبأسرته ومعارفه وجيرانه.. تحولت حياة قاضى البهار بسبب ملاحقة أجهزة الأمن له إلى جحيم لا يطاق!
تنتهى الرواية بلغز اختفاء قاضى البهار.. لا يعنى الاختفاء الموت.. هل اختفاء محمد قاضى البهار يساوى اختفاء الإمام المنتظر إلى حين ظهوره؟ هل كان اختفاء قاضى البهار احتجاجا على كل هذا العنت ممثلا فى المطاردات وإدانة أجهزة الأمن للأبرياء أو المعارضين لها؟
إذا كان قاضى البهار لم يشعر بالدهشة لما يعانيه من مضايقات أجهزة الأمن له ولكل المقربين إليه.. فإن عادل مهدى يفاجأ باعتراف مساعد فى مباحث أمن الدولة أنه راقب الندوة لمدة ثلاث سنوات.. هذا ما حدث الضبط فى رواية "المينا الشرقية" التى تتناول خفايا الحياة الثقافية عبر الحديث عن ندوة أدبية يعانى من يتردد عليها من مشكلات متعددة، حيث تتشابك العلاقات وتتعقد فيما بينهم وبين أفراد المجتمع.
كان السؤال الهاجس الذى ظل يردده عادل مهدى.. ما دخل الندوة بالمباحث؟ وماذا فيها لتراقب؟ عانى عادل مهدى من الإحساس بالخوف، ظل يبحث عن هوية هذا المجهول الذى ظل سنوات ينقل التقارير عما يدور فى الندوة، وهل كانت التقارير صادقة، أم أضاف إليها.. من هذا "الشبح الذى ظل يرصد الكلمات والأفعال والإيماءات، لقد زرع الشك داخل نفس الرجل، فشرع فى تمزيق أوراقه وصوره.. وأجندة التليفونات!
لم تبطش السلطة/المباحث بالندوة، وإن ظل الهاجس قائما، من يكون المدسوس عليها؟
-إن ما قاله الرجل عمل روتينى.. فهذه مهمة المباحث أنها تراقب الكلمة والنص، فعلاقة السلطة بالكلام وثيقة جدا، ولذلك كانت السلطة تسعى دوما إلى حماية الكلمة بشتى الطرق، وفرض السكوت إما بالقمع المادى الذى يكشف عن عجز هذا الخطاب على التلاؤم مع النص.. ومن ثم تأتى المراقبة والعرقلة والمصادرة، والحبس وترديد مفهومات مضادة لخطاب النص تقوم بعملية التشويش والتضليل!(9)
هل كان ما تعرض له محمد الأبيض من معاناة سببا فى تعاونه مع أجهزة الأمن؟
-"تقدم الرجلان، ثنيا ذراعيه وراء ظهره، وسدد الثالث الواقف أمامه لكمات متوالية فى بطنه.. علق قدميه فى حبل مبروم متدل من السقف ورأسه فى أسفل.. توالت الضربات على القدمين المعلقتين. لم يشعر محمد الأبيض باليأس ولم يعن بتلك الممارسات وألوان التعذيب كى يعترف على جريمة لم يرتكبها..
-أعترف محمد الأبيض لعادل بأن القراءة وراء عدم شعوره باليأس حتى عندما منعوه من القراءة.. "كنت أستعيد ما أحفظه من قصائد وكنت أغنى أحيانا"!
ظل محمد الأبيض مطاردا.. يشعر بهذه المطاردة.. فكل تصرف مرصود.. هل يرصد تحركات كل من يعرفه.. هل كان محمد الأبيض الشخص الذى جاءوا بسببه إلى الندوة؟
اعترف محمد الأبيض أن الحادثة القديمة تشكل جثة هامدة يجرها.. "عاد محمد الأبيض إلى المينا الشرقية، والندوة والعمل والبيت، لكنه لم يعد إلى الحياة، حياته"!(10)
تظل للسلطة هيمنتها على حياة من اصطدم بها.. وعانى من آلياتها المتفننة فى الاستجواب والتحقيق والتعذيب.. فالإنسان قبل الملاحقة ومواجهة السلطة وقهرها يختلف حتى بعد مواجهتها.. يظل هناك شئ ما انكسر فى نفس هذا الإنسان الذى يحاول جاهدا لملمة شتات نفسه وخاصة إذا كان بريئا لا يعرف ما ارتكب من تهم أو جرائم.. لكن السلطة أبدا لا تعترف بخطئها وعجزها.. تظل تلاحقه إلى أن يعترف بما تريد له أن يعترف به.
فى نهاية رواية "المينا الشرقية" يوصى عادل مهدى أمه بنفسها.. ثم ينزل إلى هؤلاء الذين سألوا عنه منذ ساعتين! عادل هو واحد ممن تعرضوا لاضطهاد السلطة أيا كانت هذه السلطة، فهو يقف بجوار الأستاذ وبكر رضوان فى "الأسوار" ومحمد الأبيض فى "المينا الشرقية" وعائشة القفاص وخالد عمار زوجها فى "قلعة الجبل"، وقاضى البهار فى "قاضى البهار ينزل البحر".
...............
هوامش:
1- راجع بارت
2- راجع عمر أوكان.. مدخل لدراسة النص والسلطة.. الناشر أفريقيا الشرق
3- د.نبيل راغب، مصر فى قصص كتابها المعاصرين، كتاب أصوات العدد24 إعداد د.حسين على محمد
4- رواية الأسوار
5- من حديث إذاعى أجرى مع الكاتب 15/1/1974
6- رواية الأسوار
7- راجع على فهمى، المصرى والسلطة، مجلة فكر فبراير 1985
8- د.حسين على محمد، صورة البطل المطارد فى روايات محمد جبريل، دار الوفاء ـ 1999.
9- راجع جولد شيلفر، نحو سيمياء الخطاب السلطوى، ترجمة مصطفى كمال، العدد الخامس، السنة الثانية، دار البيضاء 1987
10- رواية المينا الشرقية.
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:29 PM
حوار مع روائي الإسكندرية محمد جبريل
حاوره: د. احمد زياد محبك - سورية
...............................................
نقلاً عن موقع «عمَّـان» الإليكتروني
محمد جبريل روائي وقاص إسكندراني, عاشق للإسكندرية, منها يستمد معظم مواد رواياته, وعنها يكتب, كأنه نذر لها قلمه وحياته. هي في رواياته بريئة شفافة جميلة, أبطالها فيها يتحركون, وعبق بحرها ينتشر في كل الأنحاء. وهو كاتب صحفي, يشرف على القسم الأدبي في جريدة المساء, وله فيها زاوية يحررها كل يوم. وهو أخ كبير يلتقي مساء كل خميس مع ثلة من الأدباء الشباب في ركن جميل من مبنى نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروة في قلب القاهرة, يستمع إليهم ويرعاهم ويشجعهم, وفي بيته العامر يستقبل الصحب والأصدقاء. وهو في كل آن وفي كل مكان سمح وكريم وطيب وبريء, يمزح كطفل, ويتكلم عن خبرة وثقافة وسعة اطلاع, ويتحدث بذكاء وبحس نقدي حصيف, تحس وأنت معه أنك أمام إنسان تعرفه منذ ألف عام, وأنه يعرفك ويحبك.
كنت التقيت الروائي محمد جبريل في ندوة عن الرواية عقدت في طرابلس بليبيا قبل ستة أعوام, ولم يكن لقاء عابراً, وأول قدومي إلى القاهرة صيف عام 2002 اتصلت به فأسرع إلى زيارتي في شقتي المستأجرة بالقاهرة هو وزوجته الأديبة الناقدة السيدة زينب العسال.
وفي صيف القاهرة الجميل كان هذا اللقاء...
* في السؤال الأول صدمة وإدهاش, وسيتقبله مني الأستاذ محمد جبريل بحب, والسؤال: أنت متهم بغزارة الإنتاج, فهل هذا صحيح, وما معنى الغزارة عندك? وكيف تحققت? وهل فيها تنوع في المواقف والرؤى والأساليب والأنواع?
- الغريب أن الذين يوجهون هذا الاتهام هم من أبناء جيلي. وجه الغرابة أن ما أصدرته المطابع لهم يفوق - من حيث الكم - كل ما أصدرته لي. والحق أني اعتبر القيمة الفنية والموضوعية هي المقياس الوحيد للعمل الإبداعي, بصرف النظر عن غزارته أم قلته. فقد صدر للصديق صنع الله إبراهيم من الروايات - على سبيل المثال - ما لا يجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. بينما صدر لأستاذنا نجيب محفوظ ما يزيد على الأربعين رواية.. لكن إبداع كل من صنع الله ومحفوظ يلتقي في القيمة الفنية المؤكدة. ولا أريد أن اضرب أمثلة أخرى حتى لا اتهم بالمجاملة أو بالتجني, وان سهل علينا التعرف على عشرات الأمثلة.
إن محاسبة أي مبدع يجب أن تتجه لقيمة ما يكتبه وليس لكم ما يكتبه. وأصارحك بأن ما يشغلني من إبداعات أتوق لكتابتها يفوق كل ما صدر لي حتى الآن, فضلاً عن أن جهاز الحاسوب عندي - وليواصل أصحاب الاتهام عجبهم! - يضم تسع روايات أنهيتها وتنتظر الموعد المناسب لنشرها, إلى جانب الكثير من القصص القصيرة والمقالات التي يسميها البعض نقداً, واسميها قراءة إيجابية.
وبالنسبة لبقية السؤال فإني أكتفي بالإشارة إلى بعض ملامح مشروعي الإبداعي مثل عفوية الكتابة الإبداعية, ووجوب أن يعبر مجموع المبدع عن رؤية شاملة, أو فلسفة حياتية, تتضمن مواقفه في المجتمع والسياسة والميتافيزيقا وعلم الجمال, وكل ما يستند إلى موهبة الأديب, وثقافته وخبراته وتجاربه.
ولعله يجدر بي أن أشير إلى عامل مهم, لا يفطن إليه رواد مقاهي وسط البلد وهواة الثرثرة ودعاة قتل الوقت, في حين أن الوقت هو الذي يقتلنا...
إني أؤمن بجدوى النظام. انه يكفل مضاعفة الوقت, وإنجاز ما يصعب إنجازه في الفوضى والتكاسل, وإرجاء ما ينبغي التوفر على إتمامه.
*أنت صحفي, عملت في الصحافة طوال عمرك, وقد أخذت منك ثماني سنوات ونصف من التفرغ لها في عُمان, حيث أشرفت على صحيفة «الوطن», فكيف وفقت بين الصحافة والإبداع? وما أثر الصحافة في كتابتك وحياتك?
- سئل ارسكين كالدويل: هل العمل في الصحافة يساعد أو يعوق كتابة القصة القصيرة?... أجاب: لا أعرف شخصاً واحداً اضرّ به التمرين على الكتابة من أي نوع. إن الصحافة, فضلاً على أنها تفيد في التمرين الدائب على الكتابة, فإنها تساعد أيضاً على تكوين عادة الكتابة كل يوم. إن انتظار الوحي عذر قلّما تجده لدى المؤلفين الذين تمرسوا بالصحافة. وحتى الآن, فإن جارثيا ماركيث يحرص على العمل في الصحافة, ذلك لأن الصحافة - في تقديره - تحميه, وتحرسه, وتجعله متصلاً بالعالم الحقيقي. كانت الخبرات الصحفية - باعتراف ماركيث - وراء العديد من أعماله الروائية, مثل قصة غريق, حكاية موت معلن, نبأ اختطاف. بل إن رائعته «خريف البطريرك» استلهمها من تغطيته لوقائع محاكمة شعبية لجنرال أمريكي لاتيني اتهم في جرائم حرب...
لقد تبلورت خططي القريبة في ضرورة أن أظل في عملي بالصحافة, باعتبارها المهنة الأقرب إلى الكتابة الأدبية, وان احصل منها على مورد يتيح لي تلبية احتياجات العيش, فلا أنشغل بأعمال أخرى تنتسب إلى الكتابة, لكنها قد تصرفني عن القراءة والكتابة, وأن ألزم نفسي بنظام - مثلي فيه أستاذنا نجيب محفوظ - يحرص على الجهد والوقت. وأخيراً, أن يكون لي بيت زوجية, فلا تواجه مشاعري العاطفية ولا الحسية ما يمكن أن اسميه بالتسيب.
أذكر أني مارست في العمل الصحفي جميع أنواع الكتابة, كتبت الخبر والتحقيق والمقال والدراسة. أهب كل نوع ما يحتاجه من مفردات لغوية وصياغة وتقنية, باعتبار القارئ الذي أتجه إليه في ما أكتب. وبالتأكيد, فإن كاتب التحقيق الصحفي يختلف عن كاتب المقال الأدبي, واللغة القصصية تختلف عن لغة الصحافة. يسرت لي الصحافة سبل اقتناء الكتب التي تعجز مواردي عن شرائها جميعاً. فأنا اكتب في صفحة أدبية. في هذه الصفحة باب للكتب, فأنا اكتب عن كل كتاب يهديه صاحبه - أو ناشره - للجريدة, ثم أحتفظ به لنفسي, وأتاحت لي الصحافة مجالات ربما لم اكن أستطيع أن اقترب منها في الوظيفة العادية. سافرت إلى مدن وقرى داخل مصر وخارجها, والتقيت بشخصيات تمتد من قاعدة الهرم الاجتماعي إلى قمته, وبثقافات متباينة, وان لم يتح لي عملي في الصحافة امتيازاً من أي نوع. كانت جيرتي للشيخ بيصار شيخ الأزهر الأسبق, ولوزير سابق لا اذكر اسمه, مبعث اعتزازي بأني أجاور ناساً مهمين في غياب أصدقاء من السلطة. وحتى لا أبدو في موضع سيئ الحظ, فإني اعترف بحرصي على الوقوف في الطابور, فضلاً عن عدم ميلي إلى مصادقة السلطة, حتى لو تمثلت في اكتفائي باجترار صداقات أتيح لطرفها المقابل بلوغ مراكز متفوقة في السلطة. وكان عملي الصحفي, الحياة في الصحافة, الأحداث والشخصيات التي تعرفت - بواسطتها - إليها, وراء العديد من أعمالي الروائية, بداية من الأسوار - روايتي الأولى - وانتهاء بأحدث ما كتبت شمس مسقط الباردة, مروراً بالنظر إلى أسفل، وبوح الأسرار، والخليج ... وغيرها. بل إن الصحفي هو الشخصية الرئيسة في هذه الأعمال.
ولكن من المهم أن أشير إلى أن الصحافة قد ترضى بالكاتب قاصاً أو روائياً أو شاعراً في بعض الأحيان, لكنها تريده صحفياً في كل الأحيان. إنها تريده كاتب مقال أو تحقيق أو خبر الخ.. مما يتفق وطبيعة العمل الصحفي الذي يعد الأدب - في تقدير القيادات الصحفية - جزءاً هامشياً فيه. أُصارحك بأني نشرت روايتي "قلعة الجبل" في الجريدة التي أعمل بها. نقلت المسودات على الآلة الكاتبة, وصورتها, ونشرتها في جريدتي, فلم أتقاض في ذلك كله مليماً واحداً, في حين أن الزميل الذي يسبق الآخرين بخبر في بضعة اسطر, يتقاضى مكافأة تبلغ عشرات الجنيهات!.. وهذا كله يعد انعكاساً واضحاً, ومفزعاً, للنظرة إلى العمل الأدبي, وقيمته ضمن مواد العمل الصحفي.
الفن - الرواية والقصة على وجه التحديد - عالمي الذي أوثره بكل الود. أتمنى أن اخلص لهما - تجربة وقراءة ومحاولات للإبداع - دون أن تشغلني اهتمامات مغايرة. لكن الإبداع في بلادنا لا يؤكل عيشاً. ربما أتاحت رواية وحيدة في الغرب لكاتبها أن يقضي بقية حياته "مستوراً", أن يسافر ويعايش ويتأمل ويقرأ ويخلو إلى قلمه وأوراقه دون خشية من الغد, وما يضمره من احتمالات, لكن المقابل المحدد والمحدود الذي يتقاضاه المبدع في بلادنا ثمنا لعمله الأدبي يجعل التفرغ فنياً أمنية مستحيلة!!.. من هنا كان اختياري - الأدق: لجوئي - إلى الصحافة, فهي الأقرب إلى قدرات الأديب واهتماماته, وهمومه أيضاً.
ولعلي اذكر قول المازني لأحد الأدباء الذين عابوا عليه وفرة كتاباته: "ستقول إن المازني كان بالأمس خيراً منه اليوم, وانه ترك زمرة الأدباء, وانضم إلى زمرة الصحفيين, وانه يكتب في كل مكان, ويكتب في كل شيء, حتى اصبح تاجر مقالات, تهمّه ملاحقة السوق اكثر مما تهمّه جودة البضاعة.. أليس كذلك? ولكن لا تنس أن الأديب في بلدكم جبر على أن يسلك هذا السبيل ليكسب عيشه وعيش أولاده, وليستطيع أن يحيا حياة كريمة تشعره بأنه إنسان".
لذلك منيت النفس وأنا ارحب - متحسراً - بالسفر إلى سلطنة عُمان للإشراف على إصدار جريدة أسبوعية - تحولت إلى يومية فيما بعد - بأن أدّخر في الغربة ما يعينني على الإخلاص للفن وحده, لكن الأمنية ظلت في إطارها, لا تجاوزه. وكان لا بد أن اكتب في موضوعات تقترب من الفن أو تبعد عنه. وحتى لا افقد ذاتي في سراديب مجهولة النهاية, فقد فضلت أن تكون محاولاتي أقرب إلى ما يشغلني في الفن, وفي الحياة عموماً. وبصوت هامس ما أمكن فإن مصر - الموطن واللحظة والماضي والمستقبل - هي الشخصية الأهم في كل محاولاتي الإبداعية. ذلك ما احرص عليه, وما لاحظه حتى القارئ العادي. تعمدت أن تكون مصر: تاريخها, وطبيعتها, وناسها, ومعاناتها, وطموحاتها, نبض كتاباتي جميعاً. ما اتصل منها بالصحافة, وما لم يتصل, ما اقترب من الأدب وما لم يقترب. وكانت حصيلة ذلك كله - كما تعرف - عشرات الدراسات والمقالات التي تتناول شؤوناً وشجوناً مصرية بدءاً من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين" مروراً بـ"مصر من يريدها بسوء" و"قراءة في شخصيات مصرية" و"مصر المكان" إلخ... وانتهاء بما قد يسعفني العمر بإنجازه.
* أنت مثقف واسع الاطلاع, تشهد على ذلك مؤلفاتك النقدية, فقد كتبت عن مصر في قصص كتابها المعاصرين, ونلت عن هذا المؤلف جائزة الدولة التشجيعية عام 1975 كما وضعت كتاباً عن نجيب محفوظ, فما دافعك إلى الكتابة النقدية? وما جدواها بالنسبة إليك وأنت الكاتب الروائي? وما أثرها في إبداعك الروائي?
- ثمة حقيقة يجب أن نتفق عليها, هي أن النقد الذي يقيس الزوايا والأبعاد, ثم يصدر أحكاماً, ويدلل عليها, ليس محتوى كتاباتي التي تختلف عن إبداعاتي في الرواية والقصة القصيرة ولا غايتها. أنا لا اتخذ موقف الناقد الذي وصفه تشيكوف بأنه أشبه بذباب الخيل الذي يعرقلها في أثناء حرثها للأرض. إن الآراء التي أتوصل إليها, هي من قبيل الاجتهادات الشخصية التي ربما كانت أخطاء محضة.
القراءة حرفتي وهوايتي. وأنا اعتمد في قراءتي للكتاب أن أثبت أهم المعلومات التي يشتمل عليها, وآرائي في موضوعاته, وأضيف إليها حصيلة مناقشات مع صاحب الكتاب نفسه, سواء في موضوع الكتاب, أم في موضوعات يطرحها النقاش, ويتكون من ذلك بطاقات تكفي لإعداد كتاب, أقبل على تأليفه بروح المبدع وليس الناقد. ومنذ سنوات بعيدة, تحدد عالمي في جدران مكتبي. افرغ للقراءة بامتداد ساعات الصحو, والكتابة الإبداعية يصعب - إن لم يكن من المستحيل - أن تكون نبض عمل أيام متتالية. إنها تهد الحيل, تجعلك في لحظات الإبداع, وربما قبلها أو بعدها, كأنك لست أنت, كأنك أثقلت بما لا تقوى على حمله.
* ما رؤيتك للرواية? وما مشروعك الروائي? هل ثمة تصور لديك عن العالم? أو فلسفة ما تدافع عنها أو تدعو إليها? وما صلة ذلك بحياتك الشخصية?
- ما يغيب عن معظم إبداعنا العربي, وأتصور أنه لا بد أن يكون بعداً أساسياً في أي عمل روائي أو قصصي, هو فلسفة الحياة. والفلسفة التي أعنيها هي الرؤية الشاملة وليست الميتافيزيقيا وحدها. الميتافيزيقا بعد مهم, لكنها جزء من أبعاد الحياة الإنسانية جميعاً. تقول سيمون دي بوفوار "إن الرواية الفلسفية إذا ما قرئت بشرف, وكتبت بشرف, أتت بكشف للوجود لا يمكن لأي نمط آخر في التعبير أن يكون معادلاً له. إنها هي وحدها التي تنجح في إحياء ذلك المصير الذي هو مصيرنا والمدون في الزمن والأبدية في آن واحد, بكل ما فيه من وحدة حية وتناقض جوهري" ومع ذلك فإن الرواية التي أعنيها هي التي تعبر عن فلسفة الحياة, وليست الفلسفة بالمعنى الميتافيزيقي.
إن الأدب غير الفلسفة, لكنه - في الوقت نفسه - تصور للعالم, يرتكز إلى درجة من الوعي وإن صدر عن العقل والخيال والعاطفة والحواس.. طريقة الفيلسوف هي التنظير والتحليل والإقناع والصدور عن العقل, والاتجاه كذلك إلى العقل. أما طريقة الأديب فهي العاطفة والخيال والحواس, والصدور عن ذلك كله إلى المقابل في الآخرين من خلال أدوات يمتلكها الأديب, وتتعدد مسمياتها, كالتكنيك والتنامي الدرامي والحوار واللغة الموحية وإثارة الخيال, إلخ...
والحق انه ما من إبداع حقيقي يمكن أن يخلو - بدرجة ما - من فلسفة ما, وإن عاد الأمر - في الدرجة الأولى - إلى مدى قدرة المبدع في بث الحياة عبر شرايين الفكرة الفلسفية المجردة. وكما يقول شكسبير فليس المهم هو الأشياء, المهم وجهة نظرنا عن الأشياء. وأذكر بقول تين في كتابة الأشهر "تاريخ الأدب الإنجليزي": «إن وراء كل أدب فلسفة».
وطبيعي أن نظرة الكاتب إلى الهموم التي تشغله, موقفه الكامل منها, يصعب أن تعبر عنه قصة واحدة أو قصتان, لكننا نستطيع أن نجد بانورامية نظرة الفنان في مجموع أعماله, وفي كتاباته وحواراته التي تناقش تلك الأعمال. أعمال كاتب ما يجب أن تشكل وحدة عضوية ترتبط جزئياتها بأكثر من وشيجة, لأن رؤية الفنان لقضايا الإنسان الأساسية تبين عن ملامحها في ثنايا أعماله. التجربة الإبداعية - على تنوعها - تخضع لوجهة نظر شاملة, لفلسفة حياة تحاول التكامل, وإن استخدمت في كل عمل ما يناسبه من تقنية, والقارئ المتأمل يستطيع أن يتعرف إلى المبدع, في مجموع ما كتب.
إن الأدب هو الأسبق دائماً في النظرة, في محاولة استشراف آفاق المستقبل. إنه يسبق في ذلك حتى العلم نفسه. وكما يقول كافكا: "فإن رسالة الكاتب هي أن يحول كل ما هو معزول ومحكوم عليه بالموت إلى حياة لا نهائية. ان يحول ما هو مجرد مصادفة إلى ما هو متفق مع القانون العام. إن رسالة الكاتب نبوية". كانت القيمة الأهم لإبداعات تولستوي هي الترديد المستمر للأفكار العامة, للنظرة الشاملة, لفلسفة الحياة, في مجموع تلك الأعمال. وكان ذلك هو الذي أعطى أعمال تولستوي - كما يقول ادينكوف - تكاملاً وتماسكاً داخلياً. وكما يقول تولستوي, فإن الكاتب الذي لا يمتلك نظرة واضحة, محددة وجديدة للعالم, ويعتقد أن ذلك بلا ضرورة, لن يستطيع تقديم عمل فني حقيقي. أما همنجواي فقد تمحورت رؤيته الحياتية في أن العالم قادر على تحطيم أي إنسان, لكن كثيرين يستعيدون قواهم, وينهضون. والإنسان - في فلسفة كامي الحياتية - يكتشف عبثية الحياة, لا معقوليتها, وليس بوسعه إلا أن يتحدى كل شيء في هذا العالم. وباختصار, فإنه لكي يحيا الإنسان يجب عليه أن يبقي على شعور العبث في داخله كي يستمد منه طاقة التحدي اللازمة. والأمثلة كثيرة.
* للإسكندرية مكانة في نفسك وفي رواياتك, فما سر هذا العشق للمكان والإنسان في الإسكندرية? ما رأيك بالإسكندرية نفسها ماضياً وحاضراً? هل هي لديك ماض أو حاضر أو مستقبل.
- حي بحري بالإسكندرية - السيالة والانفوشي ورأس التين - هو الموطن الذي شهد طفولتي ونشأتي, وهو المكان الذي تمنيت أن اكتب عنه, بكل ما يشتمل عليه من تمايز في خصائص الحياة وسلوكياتها.
إن صورة الحياة في الأحياء الشعبية في الإسكندرية لا تختلف كثيراً عن صورة الحياة في الأحياء الشعبية في القاهرة والمدن المصرية الأخرى .. لكن السمة الأهم لصورة الحياة في بحري هي الصلة بين اليابسة والبحر.. البحر بكل ما يمثله من حكايات البحر والصيادين والنوات والسفر إلى الموانئ القريبة والبعيدة.. واليابسة بكل ما تمثله من اعتماد على الحياة في البحر, بداية من حلقة السمك, وتواصلاً مع غلبة الروحانية, والإيمان ببركات الأولياء, والحياة من رزق البحر سواء ببيع السمك, أو العمل على السفن الصغيرة والبواخر الضخمة.
على اليابسة مجتمع بحر بكل ما تعنيه الكلمة. ثمة صيادون وعمال في الميناء وبحارة وموظفون وشركات للملاحة والتصدير والاستيراد.
حي بحري هو اصل الإسكندرية. هو راقودة, وفاروس, والمساحة من الأرض التي تشكلت منها - قبل التاريخ المكتوب - مدينة الإسكندرية الحالية.
وإذا كان الاسكندر المقدوني قد أطلق اسمه على المدينة القديمة, فإن ذلك لا يعني غياب الحياة عن المدينة قبل أن يصل إليها, ويأمر مهندسه دينوقراطيس بالقول: أريد أن ابني عاصمة ملكي هنا! أراد أن يبني عاصمة ملكه في موقع مدينة كانت قائمة بالفعل, وإن أتاح لها التخطيط أن تتسع, وتتطور, وتصبح عاصمة العالم القديم.
أزور بحري بين كل فترة قصيرة وأخرى: المرسي أبو العباس وياقوت العرش والبوصيري وحلقة السمك وورش المراكب ومرسى الميناء الشرقية وقلعة قايتباي والميادين والشوارع والأزقة التي تصنع جواً يفيض بالروحانية, من خلال الجوامع الكثيرة, ومظاهر الحياة الدينية بعامة.. ويفيض كذلك بالحس الشعبي الذي ظل على تماسكه, وعلى معتقداته وتقاليده, وبالذات في العقود التي دانت فيها المدينة لسطوة الأجانب, فتحولت إلى مدينة كوزموبوليتية بمئات الألوف من الأجانب, بينما افتقد العنصر الوطني انتماءه إلى مدينته.
* لك موقعك المتميز في خريطة الرواية العربية, وأنت تعرفه من غير شك, فما رؤيتك للواقع الروائي في مصر وفي الوطن العربي? وما تصورك لمستقبل الرواية? وكيف يمكن أن تتجه وإلى أين يمكن أن تسير? ولا سيما في ضوء الروايات الجديدة كالرواية التاريخية ورواية الحداثة وما بعد الحداثة?
-أشكرك على رأيك في شخصي الضعيف, ورأيي أن الرواية تشهد الآن ازدهاراً ملحوظاً على مستوى العالم العربي. ولا أكون مغالياً لو قلت إن المكانة التي تحتلها الآن رواية أمريكا اللاتينية تستحقها الرواية العربية كذلك. إنها إبداع متفوق بكل المقاييس. وحين نال نجيب محفوظ جائزة نوبل فهو لم يكن - كما ادعت مستشرقة إسبانية - واحة في صحراء مجدبة, إنما هو مبدع كبير ضمن حركة إبداعية خصبة ومثمرة, متصلة الحلقات والأجيال, تجد بدايتها في قصة الأخوين الفرعونية - أول قصة في التاريخ - تتواصل مع عشرات المعطيات في التراث العربي, وحتى زمننا الحالي الذي يطلق عليه البعض تسمية زمن الرواية. وظني أن هذا الازدهار الذي تحياه الرواية سيظل صورة المستقبل. دليلي أن الرواية هي الجنس الأوفر حظاً في إبداعات الأجيال الحالية المختلفة. وقد طالعتنا - في الأعوام الأخيرة - أعمال روائية كتبها شعراء ونقاد وفنانون تشكيليون.
أكرر: إن إبداعنا الحديث يتوازى في القيمة مع إبداعات أمريكا اللاتينية, وهي الإبداعات التي تحتل الآن موضع الصدارة في الأدب العالمي. المشكلة ليست في القيمة, لكنها في الثقة بالذات, وفي الاستراتيجية التي تحرص على تصدير - ومعذرة لرداءة التعبير - الأفضل والأصلح, وليس إبداع التربيطات والمجاملات والشللية.
* لقد حققت الرواية العربية حضوراً واضحاً, في معظم أقطار الوطن العربي, وقدمت تقنيات فنية متطورة, كما واكبت تطور الواقع العربي, فهل يمكن أن تصل الرواية العربية إلى مستوى العالمية? وأين يمكن أن تضع الرواية العربية في خريطة الرواية العالمية?
- بالمناسبة: متى, وكيف, يكون للإنتاج الثقافي العربي موقعه المتميز على خريطة الإنتاج الثقافي العالمي? للأسف, نحن نقصر الإبداع العالمي على ما تنتجه أوروبا والولايات المتحدة. والصورة الحقيقية تختلف عن ذلك تماماً. إن الإبداع العالمي في أعلى مستوياته نتابعه في إبداعات أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا, وفي شرقنا العربي.. لكننا - كما أشرت - ندين بأحادية النظرة. ما يأتي من الغرب وحده هو الذي يسر القلب. وقد استطاعت أمريكا اللاتينية أن تتخلص من طغيان المنتج الثقافي الأمريكي, ليس في الرواية والقصة القصيرة فحسب, وإنما في السينما والمسرح والفن التشكيلي وغيرها من الأجناس الأدبية.
البعض يؤثر الاتكال على منجزات الثقافة الغربية باعتبارها التعبير الصحيح عن الثقافة العالمية بعامة. في إهمال - عفوي أو متعمد - لثقافات أكثر تفوقاً, وأكثر تعبيراً عن الهم الإنساني في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا, فضلاً عن ثقافة المنطقة العربية بل ما يميزها من خصائص, وهي تؤثر في الثقافات الأخرى وتتأثر بها, ليشكل مجموع الثقافات ما يمكن تسميته بالثقافة العالمية. واعتبار الثقافة الغربية هي الثقافة العالمية خطأ معيب, نملك تصويبه بالترجمة عن آداب العالم دون لغة وسيطة, والتعرف على فنون العالم وفكره وإبداعاته, فلا يقتصر ذلك على لغة بالذات, ولا مناطق في العالم بعينها. وفي المقابل, فإن منتجنا الثقافي يجب أن يتجه إلى كل العالم باعتباره تعبيراً عن ثقافة مميزة, هي جزء من الثقافة العالمية ككل.
الثقة بالذات, والإبداع الذي يصدر عن الذات والذي يستند إلى التراث, ويفيد من تيارات العصر, هو تجربتنا المطلوبة, الوحيدة.
وان يكون للإنتاج الثقافي العربي موقع متميز على خريطة الإنتاج الثقافي العالمي, فهذا هو ما يطمح إليه كل المبدعين والمثقفين العرب. وهو طموح ينطلق من مشروعية مؤكدة.
والحق أن موضع الإبداعات العربية على خريطة الثقافة العالمية لا يجاوز بالنسبة للمبدعين العرب - حتى الآن - الطموح أو الأمنية. أما الموضع الفعلي, المكانة التي يستحقها بالفعل, فذلك ما يخضع لاعتبارات عديدة, في مقدمتها الاعتبارات السياسية, بحيث يمكن القول - ببساطة - أن الخريطة الإبداعية العالمية تحتاج إلى مراجعة شديدة, تحرص على التأمل والمناقشة, ومحاولة التوصل إلى الصورة الصادقة.
* الرواية العربية هي بشكل ما تعبير عن الواقع العربي, وهو واقع مؤلم, يعاني من إحباطات كبيرة وكثيرة, ومن توقعات إجهاض حضاري ومعرفي, فما رؤيتك للواقع العربي وللمستقبل العربي, وأنت من مثقفي العصر وشاهد عليه? هل تحلم مثلاً بكتابة رواية تعبر عن هذه الرؤية المستقبلية?
- من الأعمال التي أتممت كتابتها رواية عن أعوام الوحدة بين مصر وسورية من خلال بنسيون يسكن فيه طلبة من أقطار عربية مختلفة. لقد حاولت فيها أن أُعبِّـر عن رؤيتي لأحوال امتنا العربية, من خلال رؤية لا تنظر إلى الكوب نصف الممتلئ, ولا الكوب نصف الفارغ, إنما هي رؤية تستند إلى معايشة حقيقية ومتابعة. والمقولة التي ربما تعبر عنها هذه الرواية أن مشكلة الوطن العربي هي عدم المشاركة السياسية من مواطنيه, ومثقفيه بخاصة, مما يفضي إلى غياب الانتماء والمثل الأعلى والمشاركة, وغلبة الإحساس الفردي أو الإحساس القبلي الذي لا يطمئن إلى القومية, وتحول الديمقراطية إلى أمنية نتحدث عن تطلعنا إليها, لكن الطريق الحقيقية إليها مسدودة بالعديد من العوائق, وجميعها من صنع الحكام, ولا أزيد حتى لا يدفع السائل ثمن صراحتي.
إن مشاركة المواطن في صياغة واقع وطنه ومستقبله, سيبدل الصورة تماماً, بحيث يصبح المواطن مواطناً وليس رعية!
* ما رأيك في المعوقات التي يواجهها الكتاب العربي, ووسائل انتقاله بين أقطار الوطن العربي المختلفة?
- المعوقات كثيرة, أهمها غياب الديمقراطية والحرية وغيرها من الأبعاد التي تعد ضرورة للإبداع. ثم الخلط بين الثقافة والإعلام, وربما الإعلان, والنظرة المتدنية إلى الكلمة قياساً إلى الوسائل الأدائية الأخرى. ولعلي أشير إلى اللا مقابل الذي يتقاضاه المثقف المتحدث في وسائل الإعلام, يتقاضى هو هذا المقابل. فضلاً عن وجوب تحرير قوانين النشر والاستيراد والتصدير من كل المعوقات التي تواجهها صناعة الثقافة, بينما يتقاضى معلق كرة القدم في مباراة واحدة بضعة آلاف من الجنيهات. كذلك فإن النظرة إلى الكتّاب يجب أن تتبدل تماماً, بحيث تنعكس تلك النظرة على قوانين النشر والتصدير, فلا يدفع المبدع مقابلاً لنشر كتبه, بدلاً من أن يتقاضى ثمن الكتاب.
* للمرأة مكانة متميزة في رواياتك, وفي حياتك, ونخص بالذكر الزوجة الوفية السيدة زينب العسال, وهي أديبة وناقدة وباحثة, لها حضورها في الساحة الأدبية, فما دور السيدة زينب العسال في حياتك وفي أدبك? وما دورك أيضاً في أدبها وحياتها?
- لزينب العسال في حياتي أدوار متعددة, فهي صديقة وزوجة وناقدة لأعمالي قبل أن ادفع بها إلى المطبعة, ولأنها أخذت نفسها بصرامة من حيث الدراسة والممارسة, فنالت العديد من الدبلومات, كما حصلت على درجة الماجستير, وتعد الآن رسالة الدكتوراه, ونشرت العديد من الدراسات في الصحف والدوريات. لذلك كله فإني لم أعد أتابع زينب في المؤتمرات والندوات التي تشارك فيها. غاب قلق الأعوام الأولى, وتحريضي لها على أن تصبح واحدة من أهم ناقداتنا, فذلك ما حدث بالفعل.
إن دوري في حياة زينب العسال الآن يقتصر على قراءة ما تكتبه, وإبداء الملاحظات التي لا ألح في أن تعمل بها, فمن المهم أن تكون لها وجهة نظر, وأن تعبر عنها, وأن تحتمل - في الوقت نفسه - نتائج ما تكتب!
* في نهاية هذا الحوار أود أن أسألك: وماذا تقول للشباب? جل المستقبل وحاملي الأمانة, والأمل?
- ماذا أقول للشباب? أترك لك الرد على هذا السؤال, فقد رأيت ندوتي الأسبوعية في مقر نقابة الصحفيين, وشاركت فيها, ولك فيها رأي.
(يسعدني أن أقدم شهادتي في ندوتك, فقد رأيتك ترعى الأدباء الشباب وتشجعهم وتصغي إليهم باهتمام كبير, وتترك لهم حرية التعبير والنقد, ضمن معايير الاحترام والتهذيب والتقدير, ورأيت لديهم حساً نقدياً متطوراً فهم يدركون مسؤولية الأديب عن التجديد ومواكبة العصر في التقنية والبناء وفي الهموم والمشكلات, ويرفضون الاجترار والتقليد, وأنت تشجعهم وتؤديهم, ولا تصادر آراءهم, ولمست لديهم عطاء إبداعياً يرقى في كثير من الحالات إلى مستوى رفيع جدير بالاهتمام, ومما لا شك فيه أن أسماء لامعة لأدباء سوف تظهر من خلال ندوتك, إن لم يكن بعضها قد ظهر فعلاً وحقق حضوره الأدبي المتميز, ولا شك في أنك تقول للشباب أهلاً بكم وأنا معكم والمستقبل لكم, ولكنك أذهلتني, فقد حولتني في النهاية من سائل إلى مجيب, ومن محاور إلى متحدث).
عناوين فرعية
القيمة الفنية والموضوعية هي المقياس الوحيد للعمل الإبداعي بصرف النظر عن غزارته أو قلته
لقد تبلورت خططي القريبة في ضرورة أن أظل في عملي بالصحافة باعتبارها المهنة الأقرب إلى الكتابة الأدبية
أنا لا اتخذ موقف الناقد الذي وصفه تشيكوف بأنه أشبه بذباب الخيل الذي يعرقلها أثناء حرثها للأرض
الرواية العربية تشهد الآن ازدهاراً ملحوظاً على مستوى العالم العربي.. إنها إبداع متفوق بكل المقاييس
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:32 PM
أرفض الخيال المحض في مضامين أعمالي:
حاوره: د. حسين علي محمد
....................................
غاب محمد جبريل عن الوطن ثماني سنوات (1976-1984) في سلطنة عمان، حيث كان في مهمة جادة لإصدار جريدة "الوطن" التي جعل منها واحدة من الجرائد القوية في منطقة الخليج، كما أصدر ملحقها الأدبي المتميز الذي يجعلنا نتمنى أن تُصدر الصحف الأدبية المصرية مُلحقا مثله.
وبعد عودته من عمان كان هذا اللقاء معه:
*ثماني سنوات من التجربة وأنت بعيد عن وطنك مصر الأثير إلى نفسك، ماذا قدمت لك التجربة؟ وكيف تنظر إليها الآن؟
-حين اتصل بي المرحوم الشيخ سليمان الطائي وألحَّ في أن أُنقذ جريدة "الوطن" من مأزق حقيقي تبدّى في عدم انتظام صدورها، وانقطاعها ـ أحياناً ـ لفترات تمتد إلى الأشهر، وافتقادها للمقومات الأساسية للعمل الصحفي، إلى حد مُصارحة الزميل حسين أحمد مرسي ـ الذي كان يتولى مسؤولية الإعلان والتوزيع ـ إليَّ أن محررها الأوحد ـ قبلي ـ كان العمل الذي يُجيده هو الطباعة على الآلة الكاتبة! يكتفي بتسجيل الأنباء المحلية من إذاعة عمان، ويبعث بها إلى المطبعة التي تتولى طباعة الوطن في بيروت أو القاهرة أو الكويت، فتستكملها بمواد أخرى منقولة بتصوير الأوفست من الصحف المختلفة. وهكذا كانت تصدر "الوطن"، بل وهكذا كانت تصدر كل الصحف العمانية، فيما عدا "عُمان" بالطبع، التي حاولت أن تعتمد على جهود العاملين فيها، وإن لجأت آنذاك ـ كثيراً كثيراُ ـ إلى أسلوب القص واللصق الذي يُعد الوجه الآخر ـ السلبي ـ لطريقة الطباعة بالأوفست.
أقول: حين عرض عليَّ الشيخ سليمان الطائي مسؤولية إنقاذ "الوطن" من مصير واضح كان يتهددها ترددتُ كثيراً، وألحّ دون يأس. فلم أوافق إلا بضغط مباشر من أستاذي عبد المنعم الصاوي الذي وسّطه الشيخ الطائي حتى يُحاول إقناعي .. ذلك لأن عام 1975 الذي قدّم فيه الشيخ الطائي عرضه كان هو عام فوزي بجائزة الدولة في الأدب، وكذلك كان عام سفري إلى العديد من الأقطار العربية لإلقاء محاضرات في فنية العمل الصحفي بتكليف من المركز العربي للدراسات الإعلامية في السكان والتعمير، بالإضافة إلى أني كنت مشغولاً في كتابة روايتي "حكايات عن جزيرة فاروس"، وكتابي "ملامح مصرية" والجزءين الثاني والثالث من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين". وكان التخلي عن ذلك كله صعباً وقاسياً. لكنني ـ في النهاية ـ لملمت أوراقي، واحتفظت بها في الأدراج ثماني سنوات كاملة، كنت خلالها مشغولاً بتحقيق المعجزة ـ وليس في التعبير أدنى مبالغة ـ أن تُصدر جريدة أسبوعية بمجهود فردي .. ثم أن أُصدر هذه الجريدة ـ فيما بعد ـ يومية بمجهود شبه فردي.
لكن الجانب الإيجابي المقابل في هذه التجربة، تمثل في استفادتي المؤكدة من الممارسة التطبيقية في كل مجالات العمل الصحفي بدءاً من إدارة التحرير وانتهاءً بالسكرتارية التنفيذية، مروراً بالكتابة الصحفية: كتابة العمود السياسي، والخاطرة اليومية، والتحقيق، والدراسة، والخبر. حتى التصحيح كان من بين مهام المحرر الوحيد الذي كنته! وثمة تعرفي إلى اهتمامات، وأسماء ومناطق أخرى ربما لم أكن أتعرف عليها لولا سفري إلى السلطنة .. بالإضافة إلى أن إقامتي في السلطنة كانت هي الباعث لأن أكتب روايتي "إمام آخر الزمان".
*هل كنت تُواكب أدباء جيلك وأنت بعيد عنهم؟
-لم أكن بعيداً على الإطلاق عن أدباء كل الأجيال السابقة؛ فالسلطنة تأذن بدخول كل المطبوعات، بل لقد أُتيح لي في السلطنة أن أتعرّف إلى أدباء في الوطن العربي لم يُسمع صوتهم في القاهرة بعد. ومن بين كتاباتي الحالية دراسة مطولة عن الأديب عز الدين المدني ـ الغائب تماماً عن اهتمامات المثقفين المصريين ـ ومحاولاته التجريبية التي أجد أنها تتفق تماماً مع نظرتي إلى معنى التجريب.
أما بالنسبة لغيابي الجسدي عن القاهرة، فلم يكن حقيقيا، ذلك لأني كنتُ حريصاً على العودة إلى مصر بين فترة قصيرة وأخرى، وجواز سفري مزدحم بعشرات الأختام التي تبين عن أسفاري المتواصلة بين مسقط والقاهرة.
لم أكن بعيداً عن أدباء جيلي إذن، بل ولم أكن بعيداً عن الحياة الثقافية إطلاقاً! ولعل "الملحق الثقافي" لجريدة "الوطن" ـ وهو خير الإسهامات التي أعتز بها في تجربتي الصحفية بالسلطنة ـ يكشف عن مدى علاقاتي المتصلة بالمثقفين المصريين من كافة الأجيال. ولقد تعرّف القارئ العماني ـ من خلاله ـ إلى نبض الواقع في الحياة الثقافية المصرية، وإلى معظم الأسماء التي تُشكِّل هوية الثقافة المصرية، وإني إعتز بأن الوطن حظيت بكتابات نخبة ممتازة من الأقلام المصرية، كان بوسعهم أن ينشروا ما يكتبونه في صحف عربية أخرى بمقابل مادي حقيقي، وليس بالمقابل الرمزي الذي كانت تدفعه "الوطن" لهم.
*نعود إلى عالمك الفني الأثير لديك: كيف ترى إبداعاتك بين أبناء جيلك؟
-يصعب على أي كاتب أن يتصوّر موضع مؤلفاته بين الإسهامات الأخرى التي قدّمها أبناء جيله. مع ذلك فإن تأملي لقائمة مؤلفاتي التي تضمنتها الصفحة الأخيرة من آخر رواياتي يُبيِّن عن اهتمام ملح بقضايا بلدي (مصر)، سواء بالإبداع أو بالدراسة الأدبية.
أما أولى مجموعاتي "تلك اللحظة من حياة العالم" فإني أعترف بالخطأ لعدم قبول نصيحة أستاذنا نجيب محفوظ بالاكتفاء بعبارة "تلك اللحظة" دون بقية الكلمات، فضلاً عن أنها تبدو لي ـ بعد أعوام طويلة من إصدارها ـ أشبه باسكتشات قصصية تُعبِّر عن الرغبة في التجريب أكثر من تعبيرها عن اكتمال مقوِّمات هذا التجريب. بعكس روايتي "الأسوار" التي تبدو لي خطوة أكثر تفوقاً في تحقيق ما أراه من وجوب استفادة القصة بالأدوات الفنية الأخرى مثلما تستفيد تلك الأدوات من فن القصة. فثمة الفلاش باك، والهارموني، والتبقيع، والحوار الدرامي … إلخ. ولقد سعدت ـ في الحقيقة ـ بحفاوة النفاد بهذه الرواية، وحرصهم على مناقشتها وإبراز دلالتها الفنية والمضمونية في آن معاً.
أما كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين" فهو ـ كما أشرت في المقدمة ـ محاولة فنان لقراءة تاريخ بلاده، وتسجيل هذه المحاولة فيما يمكن تسميته بالقراءة الإيجابية. ولقد أسعدني ـ بالطبع ـ أن يفوز هذا الكتاب بجائزة الدولة في النقد الأدبي، وإن كانت سعادتي ستتضاعف لو أني نلت الجائزة في المجال الذي أوثره وهو القصة.
*بدأت محاولاتك مع الفن من خلال القصة القصيرة، هل تحدثنا عن تجربتها معك؟ وهل أثَّرت قراءاتك وتجاربك الشخصية في بداياتك؟ أم أنك بدأت مُغامراً من خلال ما يُمكن أن نسميه قصص الخيال المحض؟
-لعلي أزعم أني لم أبدأ في كتابة قصتي القصيرة الأولى، إلا بعد أن كان في حوزتي حصيلة لا بأس بها من القراءات والتجارب الشخصية وتلك التي عاشها الآخرون. وأضيف: أني رفضت الخيال المحض في مضامين أعمالي الفنية. لقد عملت في مهن متعددة، وقرأت في ثقافات مرتفعة وهابطة، وعايشت أجواء متناقضة، وقضيت أعواماً مقيماً وزائراً في بلاد شتى.
لقد حاولت ـ ولعل ذلك ما أحرص عليه حتى الآن ـ أن أستفيد من كل لحظة قراءة، وكل لحظة تجربة، وكل لحظة تعرُّف ومشاهدة، بحيث يتناثر ذلك كله في محاولاتي دون أن يبين عن مصدره.
*هذا يدفعنا إلى السؤال عن موقفك من "نقل الواقع أو النسخ الحرفي للحياة" من خلال الفن، وهل هذا أمر ممكن؟
-لعلي أوافق أرنولد بينيت على أن النسخ الحرفي أمر مستحيل"، فالرواية ـ بدرجة ما قد تتفوق أو تتأخر ـ لوحة فنية تنبض بالتفصيلات ، وتداخلات الألوان والظلال ، والفكرة والشكل والتلوين .. تلك هي الأشياء التي لابد أن تتوافر في العمل الروائي حتى يستحق هذه التسمية. وكما قلت فإن التصوير في حد ذاته يُعدُّ فنا من حيث اختيار الزوايا والإضاءة والمساحات. ولكن حين يُصبح هو الاختيار الوحيد في رواية ما، فإنها بالقطع لن تكون كذلك.
*إذن ما رأيك في التفسيرات التي يطرحها النقاد على الأعمال الفنية خاصة القصة من منظور الرمز أو المعادلات؟
-المعادلات في معالجة الأعمال الفنية قضية غاية في الخطورة. ذلك لأن القصة ـ كعمل فني ـ يجب أن تحقق المتعة بذاتها. وقد صارحني نجيب محفوظ ـ يوماً ـ أنه يعتبر القصة الفلسفية غاية الفن، ولكنه رفض البحث عن الرمز المقابل لكل شيء، فسيحتاج الأمر إلى لوغاريتمات، وليس إلى فن حقيقي. ساعتها ربما يحتاج القارئ إلى جدول يُطابق من خلاله الواقع على ما يُقابله من رمز. الفنان عندما يبدأ كتابة عمل ما، فإنه لا يعرف كيف أو ماذا يكتب. الفكرة العامة تحيا في ذهنه، لكنها تخضع عند الكتابة لاعتبارات أخرى عديدة، الفنان يكتشف نفسه أثناء الكتابة.
*كخطوة نحو القصة الفلسفية التي يريدها نجيب محفوظ: هل ترى أن الرواية المعاصرة تُقدِّم "فلسفة" للحياة من خلال نظرة مبدعيها؟
-إن الرواية المعاصرة يجب أن تقدِّم فلسفة الحياة الواضحة المتكاملة التي تُعبِّر عن نظرة الأديب الخاصة ومواقفه، لا أعني أن تُقحَم الأفكار الفلسفية المجرّدة داخل إطار العمل الفني. إنها في هذه الحالة تُشكِّل نتوءاً واضحاً في العمل الفني، يقلل من قيمته، إن لم يُبدِّد تلك القيمة تماماً. إن الفنان الذي يصدر عن رؤية فلسفية متكاملة هو الذي يتمكّن من تذويب أفكاره في أحداث عمله الفني، بحيث لا تبدو نشازاً ولا مُقحمة.
وكما يقول "ميرلو بونتي" فإن الفلسفة ليست انعكاساً لبعض الحقائق الجاهزة الموجودة من قبل، ولكنها مثل الفن تمثل التجسيم المباشر للحقيقة. إن الفلسفة الصادقة هي التي تُعلِّمُنا من جديد كيف ننظر إلى العالم. وإن رواية ما ممتازة، يُمكن أن تُصوِّر لنا "بانوراما" العالم، ربما بأدق وأشمل مما تصوّرها الرسالة الفلسفية.
*شاعت في العقد الأخير بعض موجات الحداثة التي تُغفل دور الحدث أو "الحدوتة"، فهل تتعاطف مع هذه الموجات؟
-بالعكس، فإني أرى "الحدوتة" هي النطفة التي يتخلّق منها العمل الفني، وبرغم اختلافي مع "أرنولد بينيت" بأن أساس الرواية الجيدة هو "خلق الشخصيات ولا شيء سوى ذلك"، فلعلي أتفق تماماً على أن خلق الشخصيات دعامة أساسية في بناء الرواية الذي يستند ـ بالضرورة ـ إلى دعامات أخرى، أقواها ـ أو هذا هو المفروض ـ الحدوتة، وإن تصور بعض الذين اقتحموا عالم الرواية الجديدة ـ نقاداً أو أدباء ـ أن الرواية ليست في حاجة إليها، وأن ما يستعين به الفنان من أدوات تضع الحدوتة في مرتبة تالية، أو أنه يمكن الاستغناء عنها إطلاقاً. ولقد كانت الحدوتة (الحكاية، الفكرة، سمِّها ما شئت) هي الباعث الحقيقي لأن تتحوّل روايتي "الأسوار" في ذهني ـ قبل كتابتها بأعوام ـ إلى أحداث ومواقف وشخصيات، ثم تخلّقت في أشكال هلامية عدة، قبل أن تأخذ ـ في طريقها إلى المطبعة ـ سماتها النهائية.
*هل يعني هذا عندك أن الحدوتة هي الدعامة الأولى في الفن الروائي؟
-نعم، الحدوتة هي الدعامة الأولى في بناء أي عمل فني. ثم تأتي بقية الدعامات الأخرى، وهي ـ في الرواية الجديدة ـ محاولاتها للاستفادة من العناصر والمقومات في وسائل الفنون الأخرى، كالفلاش باك في السينما، والتقطيع في السينما أيضا، والتبقيع في الفن التشكيلي، والهارموني في الموسيقا، والحوار في المسرحية .. إلخ.
*المتابع لإبداعاتك القصصية والروائية يجدك تُلح فنيا على ضرورة استفادتهما من معطيات وتكنيكات الوسائل الفنية الأخرى التي أشرت إليها الآن مثل القصيدة والمسرحية واللوحة التشكيلية والمقطوعة الموسيقية ـ فما هي بواعث هذه الرؤية؟
-لماذا لا يُثري الفنان قصته أو روايته بإسهامات الفنون الأخرى وبما تملكه تلك الفنون من خصائص جمالية وتكنيكية، فتتحقق للفن الروائي أبعاد جديدة، وتتحقق أبعاد جديدة للفنون الأخرى، مما يجعل رأي "أدوين موير" بأن بعض الفنون ـ مثل النحت والرسم والموسيقا ـ تتحقق في بُعد واحد فقط، أقرب إلى تسمية الشمس بأنها تقوم كل يوم بدورة من الشرق إلى الغرب، وإغفال "أبعادها" الهامة الأخرى! ولعلي بذلك أُناقض دعوى بعض الروائيين الجدد ـ ناتالي ساروت مثلا ـ بأن المقولة في الفن خطأ يجب تجنبه، وأن الالتزام الوحيد في الفن هو الفن نفسه. برغم أن إبداعات هؤلاء الروائيين ـ وأيديولوجياتهم أيضا ـ ترفض تلك الدعوى، فمهمة الروائي ـ في تقديرهم ـ هي إعادة العلاقة بين الإنسان والعالم.
*في قصصك زخم الواقع والحياة ـ وإن كانت مُغايرة للواقع ـ كيف ترى إمكانية تحقق التغايُر والتماثل في آن مع رفضك للنسخ الحرفي للحياة من خلال الفن؟
-الواقعية ليست هي الواقع، والفن ليس هو الحياة بحذافيرها، الواقع مُصادفة وفوضى والفن اختيار. الفنان يُضيف إلى العمل الفني مهما بلغت درجة اقترابه من الحياة، من قراءاته وخبراته ورؤاه .. إلخ، ومن هنا فإن "ابن نفيسة" (بطل روايتي "متتابعات لا تعرف الانسجام") في الحياة ليس هو "ابن نفيسة" في الرواية، برغم أن الرواية تستند إلى الواقع، وأيضاً شخصيات رواياتي وقصص قصيرة كثيرة مما كتبت.
*ألا ترى أن الصحافة تؤثر تأثيراً سلبيا على الأديب المبدع؟
-لقد أدرك أرنست همنجواي أنه من الصعب أن يكون صحفيا وأديباً في آن معاً، وبالتالي فقد رفض كل العروض الصحفية التي كان يمكن أن تُجنبه المآزق المادية التي واجهها في بداية حياته الأدبية. وفضلاً عن القيمة السامقة لإبداعات همنجواي بالقياس إلى مُحاولاتي، فإن الحقيقة التي تذهب في بلادنا مذهب المثل: أن الأدب لا يُؤكِّل صاحبه عيشاً، ومن ثم فإن الوظيفة مطلب حتمي، ولأن الصحافة هي الأقرب إلى الأدب، فقد كان من البديهي أن أتجه إليها. وحتى ذلك لم يكن مُتاحاً في البداية. واجهتُ صِعاباً قاسية حتى أُتيح لي أن أجلس وراء مكتب في صحيفة "المساء" وألتقي بالآخرين بصفتي مُحرراً، وإن كان الأدب هو شاغلي الأول.
*بعد غيبة ثماني سنوات ونيف بعيداً عن مصر، مُتابعاً لما يدور في تربتها من تخلُّق وتحولات، كيف ترى مصر ـ حبك المقيم وهاجسك الدائم ـ؟ وما هي طموحاتك الأدبية؟
-مع أن "روبرت فروس" يقول في قصيدة له: "إن الوطن هو المكان الذي يكون مستعدا لاستقبالك عندما تذهب إليه" فإن مصر كانت هي وطني الوحيد والدائم برغم الضغوط الاقتصادية والنفسية التي ألجأتني إلى قبول المنفى الاختياري. ثم إن ثماني سنوات من العمل في "الوطن" وتحويلها من صحيفة مُتعثرة تصدر بين الحين والآخر إلى صحيفة يومية جادة أشعرني ببعض الراحة وجعلني أتخذ قرار العودة.
وما فعلته ببساطة ليلة عودتي إلى القاهرة ـ نعم، ليلة العودة تحديداً ـ أني فتحت الأدراج، وبدأت في مواجهة ما كنت قد أرجأته قبل ثماني سنوات.
والحق أن إصراري على تقديم استقالتي من «الوطن» بعد أن حققت أحد أهم أحلامي بإصدارها يومية، كان العودة إلى عالمي الذي أوثره عن كل ما عداه وهو الأدب.
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:36 PM
الموروث الشعبى فى كتاباتى الروائية
بقلم: محمد جبريل
.......................
نشأت فى بيئة تحض على عشق الموروث الشعبى . حى بحرى شبه جزيرة فى شبه جزيرة الإسكندرية . إلى اليمين الميناء الشرقى ، أو المينا الشرقية فى تسمية السكندريين . وإلى اليسار الميناء الغربى ، أو المينا الغربية ، وفى المواجهة خليج الأنفوشى ، ما بين انحناءة الطريق من نقطة الأنفوشى إلى سراى رأس التين ..
هذه البيئة تتميز بخصوصية مؤكدة ، فالبنية السكانية تتألف من العاملين فى مهنة الصيد وما يتصل بها ، ومن العاملين فى الميناء وصغار الموظفين وأعداد من الحرفيين والمترددين على الجوامع والزوايا والأضرحة ، فضلاً عن الآلاف من طلبة المعهد الدينى بالمسافرخانة ..
وإذا كان لبيئة البحر وما يتصل بها ، انعكاسها فى العديد من أعمالى الإبداعية ، فإن البيئة الروحية لها انعكاسها كذلك فى تلك الأعمال ..
ثمة جوامع أبو العباس وياقوت العرش والبوصيرى ونصر الدين وعبد الرحمن بن هرمز وعلى تمراز ، وثمة أضرحة كظمان والسيدة رقية وكشك وعشرات غيرها من جوامع أولياء الله الصالحين ومساجدهم وزواياهم وأضرحتهم . وثمة الموالد وليالى الذكر والأهازيج والأسحار والتواشيح ، وليالى رمضان وتياترو فوزى منيب وسرادق أحمد المسيرى وتلاوة القرآن عقب صلاة التراويح فى سراى رأس التين والتواحيش ، واحتفالات الأعياد : سوق العيد وما يشتمل عليه من المراجيح وصندوق الدنيا والأراجوز والساحر والمرأة الكهربائية وألعاب النشان والقوة وركوب البنز والحنطور من ميدان المنشية إلى مدرسة إبراهيم الأول ، وتلاقى الأذان من المآذن المتقاربة ، والبخور والمجاذيب والمساليب ، والباحثين عن النصفة والبرء من العلل والمدد ، بالإضافة إلى المعتقدات والعادات والتقاليد التى تمثل ـ فى مجموعها ـ موروثاً يحفل بالخصوصية والتميز ..
حين أراجع أعمالى الإبداعية بدءاً من قصتى القصيرة الأولى [ إلى الآن حوالى 90 قصة قصيرة و18 رواية ] فإن تأثير ذلك كله يبين فى العديد من المواقف والشخصيات ، وفى تنامى الأحداث ..
***
رباعية بحرى ، عمل روائى من أربعة أجزاء : أبو العباس ، ياقوت العرش ، البوصيرى ، على تمراز . تعرض للحياة فى بحرى ، منذ أواخر الحرب العالمية الثانية إلى مطالع ثورة يوليو 1952 . لوحات منفصلة من حيث تكامل اللحظة القصصية ، ومتصلة من حيث اتصال الأحداث ، وتناغم المواقف ، وتكرار الشخصيات ..
أنسية التى طالعتنا فى بداية الجزء الأول من الرباعية ، هى أنسية التى انتهت بها أحداث الجزء الرابع والأخير . وما بين البداية والنهاية نتعرف إلى دورة الحياة من ميلاد وطفولة وختان وخطبة وزواج وإنجاب وشيخوخة ووفاة ، فضلاَ عن الحياة فى المعهد الدينى بالمسافرخانة ، وحلقة السمك ، وحياة الفتوات ، والعوالم ، وما يتسم به ذلك كله من اختلاف وتميز ، بقدر اختلاف البيئة وتميزها ..
على سبيل المثال ، فإن الحياة فى البحر ، وصلة البحر واليابسة ، والمؤمنين بطهارة الماء ، وقدرة البحر على أعمال السحر ، والحكايات والمعتقدات عن عرائس البحر والعوالم الغريبة وكنوز الأعماق ، والخرافة ، والأسطورة ، والزى التقليدى ، والمواويل ، والأغنيات ، والأمثال ، والحكايات ، وخاتم سليمان ، والمهن المتصلة بمهنة الصيد كالصيد بالسنارة والطراحة والجرافة ، وأسرار الغوص فى أعماق البحر ، وغزل الشباك ، وصناعة البلانسات والفلايك والدناجل وغيرها ، وركوب البحر ، وبيع الجملة فى حلقة السمك ، وبائعى الشروات .. ذلك كله يتوضح فى الشخصيات التى كانت الحياة فى البحر مورد الرزق الأهم ـ أو الوحيد ـ لها ..
أما الروحية التى تمثل بعداً مهما فى حى بحرى ، فهى تبين عن ملامحها فى كثرة الجوامع والمساجد والزوايا والأضرحة ، ورفع أولياء الله عن الغلابة والمنكسرين ما يحيق بهم من ظلم ، وكرامات الأولياء من اطلاع على الكائنات ، وطى الأرض ، والسير على الماء ، والطيران فى الهواء ، وإتيان بالثمار فى غير أوانها ، وتحويل ماء البحر إلى ماء عذب ، وتواصل الكرامات حتى بعد أن يرحل الولى ، والمكاشفة التى تحققت على يد أبى الدرداء حين أنقذ الإسكندرية من طوربيد ألمانى فى غارات الحرب العالمية الثانية ، والخضر الذى يظهر للمراكب حين يهددها خطر النوات ، فينقذها ، وتجليات الصوفية فى الإشارات والأسرار والرموز ، وارتقاء الدرجات من المريد إلى المقدم فالنقيب فالخليفة خاتمة الدرجات الروحية ، ودروس المغرب ، وتصورات مشاهد الجنة والنار ، والخوف من الجن والمردة والعفاريت ، وإيقاد الشموع على أضرحة الأولياء ، وتقديم النذور ، وكنس النساء للأرض بالملاءات ، أو التمرغ عليها ، يطلبن الخلفة والمصلحة والشفاعة والمدد ، والوصفات الشعبية ، وأعمال السحر ، والتربيط ، والأعمال السفلية ، والوسائل التى بلا حصر لعلاج الإجهاض ، أى سقوط الجنين قبل أن يكتمل نموه : وَصْفات غريبة ، وقاسية ، وتجارب لابد أن تخوضها المرأة الحامل لتحتفظ بالجنين ، ودلالات ظواهر الطبيعة من شمس وقمر ونجوم وكواكب ورياح وعواصف ونوات ومناطق وفرة ـ وجدب ـ السمك . الشمس تجاوز صفتها الظاهرة ، فتتحول إلى صديق للجد السخاوى ، يعرض عليها مشكلاته ، ويأخذ منها ويعطى ، وحين يحس بدنو الأجل فإنه يتطلع إليها ويخاطبها بما لم يتبينه أحد ..
***
روايتى القصيرة الصهبة تتناول طقساً شعبياً ، تغلب عليه الأسطورة . المرأة المنقبة التى تخضع لمزاد وهمى ، من يرسو عليه ، يرفع عن وجهها النقاب ، فيتجدد أملها فى الإنجاب . ويختلط الواقع بالحلم فى أحداث الرواية ، فتغيب الملامح . لا يدرى إن زارته فى الصحو أو فى المنام ، ولا يبين ناس الصهبة عن هويتهم حتى يهمس صوت الأم وهى ترى ابنها ينزل درجات البيت إلى حيث يتجمعون : هل انجذب ؟!
***
أما روايتى زهرة الصباح فهى محاولة لتوظيف حكايات ألف ليلة وليلة فى عمل أدبى حديث . زهرة الصباح هى الفتاة التى تلى شهرزاد فى قائمة الفتيات اللائى ينتظرهن سيف " مسرور " . كانت تحيا فى ظل الخوف من أن يمل شهريار ، أو تخفق شهرزاد فى الحكى ، فيحل دورها . وحاول أبوها ـ وهو من المقربين إلى شهريار ـ أن يفيد من تلك الفترة فى رواية الكثير من الحكايات والطرائف والنوادر والأخبار والعبر والنوادر والسير والمواويل ، تنصت إليها زهرة الصباح ، وتحفظها . تحيلها مخزوناً حكائياً ليعينها على مواصلة الحكى ..
كانت قدرة شهرزاد على استدعاء الحكايات ، أو اختراعها ، وروايتها ، هى وسيلتها للإبقاء على حياتها ، فهى إما أن تصل الحكايات ، كل حكاية بأخرى ، أو تموت . فإذا نفد ما بحوزتها من الحكايات ، أو فقدت القدرة على الإدهاش ، وفقد شهريار بالتالى فعل المتابعة والدهشة ، واصل السياف مسرور حلقات سلسلة الإعدام .. ذلك كله كان يعلمه عبد النبى المتبولى ، فشغل معظم وقته بتحويل ذاكرة زهرة الصباح إلى خزانة تستوعب كل ما استطاع حفظه فيها من الحكايات والحواديت والعظات والعبر ..
تضمن السرد الروائى الكثير من جوانب الموروث الإبداعى العربى . ضُفّر فى نسيج العمل الروائى ، لا لانتساب الرواية إلى عالم ألف ليلة وليلة باعتبارها تراثاً إبداعياً فحسب ، وإنما لأن أحداث الرواية تدور فى أجواء شعبية ، ففيما عدا الشخصيات الرئيسة القليلة ، فإن غالبية الشخصيات من الطبقات الأدنى والمهمشين ..
***
ونحن نستطيع التعرف إلى البدايات الأولى للموروث الشعبى فى حياتنا الآنية ، من خلال توالى الإجابة عن الأسئلة الاثنين والأربعين التى أعادت تقديم سيرة حياة المواطن زاو مخو فى صورتها الصحيحة ، فى روايتى اعترافات سيد القرية . الإيمان بالخلود ، تقديم النذور والقرابين ، الأدعية والرقى والتعاويذ ، العلاقات الأسرية ، السيرة ، الأسطورة ، الخرافة ، الحكاية الشعبية ، الخطابة ، الطرفة ، الطب التقليدى ، التيقن من القدرات العلاجية لشجرة الجميز ، الصفات الشعبية التى تشعل الشبق فى جسد الرجل ، وتسرى بالخصوبة فى جسد المرأة ، الموسيقا الوطنية ، إلخ ..
***
روايتى بوح الأسرار تحاول ـ من خلال معالجة فنية ـ أن تجيب عن السؤال : لماذا اختار الوجدان الشعبى هذه الشخصية أو تلك ، ليضفى عليها من هالات القداسة والعظمة ما يجعل منها أحد أبطاله الشعبيين ؟
حاولت أن أجيب عن هذا السؤال ـ بصورة مطولة ، تقترب من العلمية ما أمكن ـ فى كتاب لى صدر مؤخراً بعنوان " البطل فى الوجدان الشعبى المصرى ، ناقشت فيه جوانب البطولة فى عدد من الشخصيات التى وضعها الوجدان الشعبى فى ذلك الإطار : لماذا اختار عنترة من بين مئات الشعراء فى الجاهلية ؟ ولماذا اختار الظاهر بيبرس من بين حكام المماليك ؟ ولماذا اختار السيد البدوى من بين الكثير من أولياء الصوفية الذين نسبت إليهم مساجد وأضرحة ؟ ولماذا اختار على الزيبق وابن عروس وياسين ومتولى وأدهم الشرقاوى وغيرهم ؟..
التقيت بالمجرم محمد أبو عبده ، أو ابن بمبة فى قرية السمارة الواقعة على حدود الشرقية والدقهلية . بدا فى أحاديث الجميع شخصية أسطورية . كان أبناء القرية يتحدثون عنه بتوقير وحب ، فى حين حذرنى مأمور مركز السنبلاوين وعمدة القرية من محاولة التعرف إلى الرجل ، وأظهروا خشيتهم من أن يرفض لقائى ، أو لا يحسن استقبالى . لكن الرجل استقبلنى بحميمية مصرية ، ودعانى إلى تناول الغداء . وتأملت توسطه لحل مشكلات أبناء القرية ، ومساعدته لهم فى كل ما يطرأ على حياتهم . حتى الحريق الذى أشعلته شرارة حطب ظهر يوم الصيف الذى تصادف أنى زرته فيه ، أذهلنى تصدّيه لإطفائه رغم أعوام عمره المتقدمة ..
بدا لى الرجل وأنا أغادر القرية ، تجسيداً للبطل فى الوجدان الشعبى ـ فى بالى الكثير مما استمعت إليه من الحكايات فى أعوام النشأة ـ : كيف يكتسب صفاته ، فيصبح ـ فى توالى الروايات والحكايات والمواويل والسير ـ ذلك البطل الذى تنسب إليه الأفعال الخارقة والمعجزات [ روى الصديق رفعت السعيد فى ذكرياته ـ فيما بعد ـ عن تعرفه إلى ابن بمبة فى رحلة الاعتقال والسجن . بدا معجباً بالرجل ، وأشار إلى أنه ـ الرجل ـ قتل تسعة أشخاص ، لكن الرجل أكد لى أنه لم يجاوز التخويف ، ولم يقتل أحداً ] . تصورت ابن بمبة ذلك البطل فى عملية التحول داخل الوجدان الشعبى . ولجأت إلى تقنية تعدد الأصوات التى اختلفت رواياتها فى تصاعد درامى ، تتحول فيه شخصية فرج عبده زهران ، أو ابن شفيقة ، من شاب يحترف الإجرام إلى ولى له بركاته وكراماته ومكاشفاته ، وضريحه الذى يقصده الناس لالتماس المدد ، والمولد السنوى ، وحفلات الذكر .. ما بواعث التحول ؟ وكيف ؟ وما نتائجه ؟..
تباينت الروايات فى طفولة ابن شفيقة ، ونشأته ، والظروف التى أفضت إلى تحوله إلى بطل شعبى . بالتحديد إلى ولى صوفى . لكن الروايات لم تختلف فى أن فرج خليل قد أصبح له ضريح ومقام وخليفة وتلامذة ومريدون ، يؤمنون بكراماته ، ويذكرون الله تعالى ..
وكما يقول الصديق الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجى فى دراسته لبوح الأسرار ، إنه إذا كانت أسطورة فرج قد مرت بمراحل ثلاث : مرحلة المظلوم ، ومرحلة الدافع للظلم الواقع على الناس ، إلى مرحلة المقدس ، فإنه ـ فى المراحل الثلاث ـ كان مطارداً . مطارداً من عمدة ظالم ، ثم من قوة الإدارة المتحكمة فى الجماعة ، ثم محاولة هذه القوة مطاردة أسطورته ، وحتى بعد موته ، فإن استخدام تعدد الأصوات جعل الأصوات المطاردة خافتة ، لترتفع الأصوات الواقفة مع فرج ساعة تكوّن أسطورته . إن الأسطورة هنا تمثل الواقع الاجتماعى للجماعة " .
***
وفى قصصى القصار ، تتناثر لمحات من الموروث الشعبى ، متمثلة فى العديد من سلوكيات الحياة ، والمفردات ، والتعبيرات ، وغيرها مما يعبّر عن التميز الذى تتسم به منطقة بحرى فى حدودها الجغرافية ، المحددة ، والمحدودة : الزى الوطنى ، الطب الشعبى ، ألعاب الأطفال وأغنياتهم ، نداءات الباعة ، الكناية ، النكتة ، المعايرة ، القَسَم ، الطرفة ، المثل ، الحلم ، وغيرها ..
***
والحق أنى حين أراجع إبداعاتى التى وظفت ـ أو استلهمت ـ الموروث الشعبى ، أجد أنها وليدة العفوية ومحاولة التعبير عن الواقع . هذا هو ما أفرزته تجربة الحياة والمشاهدة والقراءة والتعرف إلى الخبرات . لم أتعمد الإفادة من الموروث الشعبى ، بل هو الذى فرض معطياته فى مجموع ما كتبت .
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:38 PM
دلالات الكتابة
بقلم: محمد جبريل
........................
الكلمات تدوم أكثر من الأحجار كثيراً
كاميلو خوسيه ثيلا
لعلي أتفق مع تشيخوف في قوله "إن الفنان يكتب قصة عندما يريد التعبير عن فكرة" ولعلي اختلف ـ في المقابل ـ مع ألان روب جرييه في أن الحدوتة لم يعد لها قيمة في رواية اليوم, وألح في رفض الرأي بأن رواية القرن العشرين قد انعدم فيها المغزى. إن أهم المشكلات التي تعنى بها البنيوية ـ مع تحفظي المعلن على إمكانية تعبيرها عن مشروعنا الإبداعي أو النقدي ـ هي معنى النص, أو قدرته على الدلالة. المعنى, أو الدلالة, هي كذلك المشكلة الأهم للمشروعات النقدية التي ظهرت عن الحداثة. وإذا كان رامان سلدن يذهب إلى أن مهمة الفن هي أن يعيد إلينا الوعي بالأشياء التي أصبحت موضوعات مألوفة لوعينا اليومي المعتاد (ت. جابر عصفور) فإن الحدوتة, الحكاية, الفكرة ـ المسميات كثيرة ـ تظل هي نواة العمل الروائي, بعداً رئيساً لها. إذا حاول المبدع أن يستغني عنها, فإنه يستغني عن عمود مهم في أساسات عمارته الروائية. أرفض قول فورد مادوكس بأنه على الفنان أن يحتفظ برأسه, فلا يمنح تعاطفه لأحد من البشر, ولا لقضية من القضايا, وإنما عليه أن يظل ملاحظاً بلا مشاعر فياضة ولا شفقة (لطيفة الزيات: فورد مادوكس والحداثة ـ هيئة الكتاب 91). الفنان ينتهي ـ كما يقول مادوكس ـ إذا تحول إلى داعية. وهو قول صحيح تماماً. فللداعية وسيلته, ولعالم الاجتماع وسيلته, وللفنان وسيلته كذلك, وهي ـ ببساطة ـ وسيلة الفن. وإذا كان تشيكوف يرفض أن يكون الكاتب قاضياً يحكم على شخصيات عمله الإبداعي, ويطالب الكاتب بأن يكون شاهداً غير متحيز, فإني أجد انحياز الكاتب لقضية ما, لوجهة نظر معينة, لموقف أو مجموعة مواقف, مسألة مهمة ومطلوبة, ولعلي أتصورها ـ للفنان الحقيقي ـ بديهية. الفنان لا يجدف في الفراغ, ولكن يجب أن تكون له وجهة نظر, رؤية معينة, أو ما يسمى ـ بالنسبة للفنان المتكامل الثقافة والموهبة والخبرة ـ "فلسفة حياة"
ثمة رأي أنه يجب أن تقدم القصة القصيرة فكرة في الدرجة الأولى, ثم وجهة نظر مخلصة في الطبيعة الإنسانية, ثم يأتي الأسلوب في النهاية. بل إن وت بيرنت الذي يرى أن قصة بلا وجهة نظر مع فنية متفوقة لا تساوي شيئاً, يفضل أن يكون للمبدع مقولة دون بناء فني, على أن يكون لديه بناء فني دون مقولة. النص المغلق ودعناه في قصص أمين يوسف غراب, النهاية الباترة الحاسمة التي تحرص أن تهب المتلقي دلالة واحدة, وحيدة. والحق أنه لا يشغلني شخصياً إن كان تعدد الدلالة مما يذهب إليه النقاد الجدد أم لا, لكنني أومن بتعدد دلالة العمل الإبداعي. كلما تفوقت فنية العمل الإبداعي تعددت دلالاته, والعكس ـ بالطبع ـ صحيح. الاختلاف بين النص العلمي والنص الأدبي أن النص العلمي يعنى بتحقيق معنى محدد, دلالة واضحة لا مجال فيها للمجاز أو البلاغة. أما النص الأدبي فهو يرفض ـ في دلالته أو دلالاته ـ المعنى المحدد. إن قيمته في تقديري ـ في تعدد معانيه, في تعدد دلالاته, وبتعبير آخر: في تعدد مستويات القراءة. ولعلي أضيف إن النص الإبداعي ليس نصاً واحداً, ولكنه نصوص متعددة بتعدد القراءات والتأويلات. لا أقصد التفكيكية, وإنما أقصد ما يجب أن تكون عليه النهاية الجيدة للنص الجيد. إساءة القراءة كما يذهب التفكيك, معنى لا أفهمه, ولا يهمني, بل أعني القراءة الواعية الفاهمة التي تتعدد بها مستويات التلقي.. ولعل الاختلافات النقدية حول روايتي "الصهبة" ما يبين عن تعدد الدلالات. ثمة من اعتبرها تصويراً للعلاقات الأسرية في تشابكاتها المحيرة, ومن وجد فيها تناولاً لضغوط الواقع الاقتصادي وتأثيراتها, وثمة من اعتبرها رواية واقعية, ومن اعتبرها فانتازيا يختلط فيها الواقع بالحلم... واجتهادات أخرى كثيرة, تنتهي إلى دلالات عابرة تصل ـ في تباينها ـ إلى حد التضاد!
***
الرواية ـ في رأي روجر ب. هينكلي يمكن أن تكون وسيلة إدراك معرفي, بمقدورها أن تزودنا برؤية صحيحة عن عالم الحياة والأحياء والعلاقات الإنسانية تفوق في قدرتها على التأثير فينا ما يمكن أن نحصّله من علم الاجتماع والتاريخ والنفس والإنسان (قراءة الرواية ـ 19). أما كازنتزاكس فربما كانت الكتابة ـ كما يقول ـ ممتعة في وقت التوازن واعتدال الأمزجة. أما الآن, فالكتابة واجب حزين لتحفيز الآخرين على أن يتخطوا الوحش الكامن في داخل الإنسان" ويقول ميشيل بوتور: "أنا لا أكتب الروايات لأبيعها, بل لأحصل على وحدة في حياتي. إن الكتابة بالنسبة لي هي العمود الفقري".
***
تقول سيمون دي بوفوار: "إن الرواية الفلسفية إذا ما قرئت بشرف, وكتبت بشرف, أتت بكشف للوجود لا يمكن لأي نمط آخر في التعبير أن يكون معادلاً له. إنها وحدها التي تنجح في إحياء ذلك المصير الذي هو مصيرنا, والمدون في الزمن والأبدية في آن واحد, بكل ما فيه من وحدة حية وتناقض جوهري".. ومع ذلك فإن الرواية التي أعنيها هي التي تعبر عن فلسفة الحياة, وليست الفلسفة بالمعنى الميتافيزيقي. أرفض تحول الروائي إلى مفكر جدلي, كما أرفض أن يتحول المفكر الجدلي إلى روائي. ذلك نوع من الخلط يسيء إلى الفلسفة وإلى الرواية في آن. أعرف أن تولستوي يواجه اللوم ـ حتى الآن ـ للفقرات الفلسفية المقحمة على رواياته. إن أعمال كاتب ما يجب أن تشكل وحدة عضوية ترتبط جزئياتها بأكثر من وشيجة, لأن رؤية الفنان لقضايا الإنسان الأساسية تتردد كالنغم عبر أعماله جميعاً, وتربطها كلها في وحدة عضوية متماسكة" (صبري حافظ: دنيا الله ـ المجلة ـ مارس 1964) على الرغم من ـ أو مع الإشارة إلى ـ تحفظ فورد مادوكس أن تعقد الحياة المعاصرة, قد يتيح لنا تأمل الحياة طويلاً, ولكن من المستحيل أن نراها في صورتها الكلية. ولعلي أشير كذلك إلى قول آلان روب جرييه "الفن ليس فيه شيء معروف قبلاً, فقبل العمل الأدبي لا يوجد شيء ما, لا يقين ولا دعوى ولا رسالة. والزعم بأن الروائي لديه شيء يقوله, وأنه يبحث بعد ذلك عن كيفية قوله زعم فاحش الخطأ, فإن هذه الكيفية, أو طريقة القول, هي ـ بالتحديد ـ التي تكون مشروعه بوصفه كاتباً (ت. شكري عباد).
***
إن الأدب هو الأسبق دائماً في النظرة, في محاولة استشراف آفاق المستقبل. إنه يسبق في ذلك حتى العلم نفسه. وكما يقول كافكا: "فإن رسالة الكاتب هي أن يحول كل ما هو معزول ومحكوم عليه بالموت إلى حياة لا نهائية. أن يحول ما هو مجرد مصادفة إلى ما هو متفق مع القانون العام. إن رسالة الكاتب نبوية". كانت القيمة الأهم لإبداعات تولستوي هي الترديد المستمر للأفكار العامة. للنظرة الشاملة لفلسفة الحياة, في مجموع تلك الأعمال.
وكان ذلك هو الذي أعطى أعمال تولستوي ـ كما يقول أدينكوف ـ "تكاملاً وتماسكاً داخلياً". وكما يقول تولستوي, فإن الكاتب الذي لا يمتلك نظرة واضحة, محددة وجديدة للعالم, ويعتقد أن ذلك بلا ضرورة, لن يستطيع تقديم عمل فني حقيقي. وقد حاول كل من تولستوي وديستويفسكي أن يجيب عن السؤال: هل الحياة جديرة بأن تحيا؟. وكان تقديرهما أن الحياة التي نحياها ليست مجرد جسر إلى حياة أخرى, أو أنها تنتهي بالعدم. ثمة ما ينبغي أن نتطلع إليه, وأن نحاول صنعه حتى ننتزع للإنسانية أملاً من ظلمة المستقبل.
ولعل القيمة الأهم في روايات الروسي إيفان جونتشاروف هي "الدعوة الموضوعية إلى العمل الذي تمليه الأفكار الأخلاقية الكبرى: التحرر من العبودية الروحية والاجتماعية عن طريق كل ما هو إنساني وروحي" (أشرف الصباغ: جوانب أخرى من حياتهم: المجلس الأعلى للثقافة ـ 59). وإذا كان الموت هو المصير الإنساني, فإن العمل هو سلاح الإنسان ضد الموت "بالعمل وحده سيبزغ الفجر, ولو في القبر". كان الإيمان بالعمل هو البعد الأهم في الفلسفة الحياتية لأنطون تشيخوف, كان الطب مهنة تشيخوف, وكان الأدب هوايته, لكنه أخلص في العناية بحديقته الصغيرة, كأنه يحترف الزراعة, وكان رأيه أنه لو أن كل إنسان في العالم فعل كل ما بوسعه في الرقعة التي تخصه, فسيكون العالم جميلاً. يقول: "إن ما يحتاجه الإنسان هو العمل المستمر ليل نهار, والقراءة الدؤوبة, والدراسة, والسيطرة على الإرادة, فكل ساعة من الحياة ثمينة". ويذهب إيتالو كالفيو أننا كلما تقدمنا في قراءة تشيخوف, التقينا بشخصيات تقرر ـ في نهاية الأمر ـ أن تعمل بجدية, أو تتكلم عن تلك الحياة الرائعة التي ستقوم على الأرض بعد مائة عام, أو بعد مائتين, أو عن تلك الزوبعة التي سوف تجتاح كل شيء". ويقول الدكتور أستروف بطل مسرحية "الخال فانيا": "كل ما في الإنسان يجب أن يكون جميلاً, وجهه, ملابسه, روحه, أفكاره, ما أمتع لذة احترام الإنسان وتقديره". أما رؤية د. هـ. لورنس المتكاملة, فتعنى بعزلة الإنسان في العالم الحديث, والانفصام الحاد بينه وبين الطبيعة, في مقابل تشوه الثورة الصناعية, وتأثيرها بالسلب على المدينة والقرية في آن. والحرية هي النبع الذي تنهل منه أفكار سارتر وكتاباته الفلسفية وإبداعاته. إنها المحور في فلسفة حياته. حرية الفرد والجماعة والوطن.
أما همنجواي فقد تمحورت رؤيته الحياتية في أن العالم قادر على تحطيم أي إنسان, لكن كثيرين يستعيدون قواهم, وينهضون. الحياة ـ في نظر شخصيات همنجواي ـ معركة خاسرة, لكن الهزيمة تصبح نصراً إذا واجهها المرء بنفس شجاعة, ومقاومة. وبتعبير آخر, فإن الإنسان ـ في فلسفة همنجواي الحياتية ـ قد يتحطم, لكنه لا ينهزم, أبطال همنجواي يدركون أن الموت هو الواقع الذي لا مفر منه. إنه اليقين الوحيد في حياة الإنسان. ولعل ممارسة الجنس في أتون المعارك الحربية, والتلذذ بمصارعة الثيران, وبالصيد.. لعل ذلك يمثل تحدياً ـ ولو عبثياً ـ لحتمية الموت. وكما يقول جارثيا ماركيث فإن شخصيات همنجواي لم يكن لها الحق في الموت قبل أن يعانوا ـ لبعض الوقت ـ مرارة الانتصار.
والإنسان ـ عند كامى ـ يكتشف عبثية الحياة, لا معقوليتها, وليس بوسعه إلاّ أن يتحدى كل شيء في هذا العالم. شجاعة الإنسان ـ في تقدير كامي, ليست في غياب اليأس, وإنما في القدرة على التحرك ضد اليأس, ضد عبثية الحياة. إن العادلين في مسرحية كامي يحملون رسالة تعطي لحياتهم معنى, فهم يحيون من أجل أدائها, يجعلونها قضيتهم. وباختصار, فإنه لكي يحيا الإنسان يجب عليه أن يبقي على شعور العبث في داخله كي يستمد منه طاقة التحدي اللازمة للبقاء.
***
إن ما يغيب عن إبداعاتنا هو الفلسفة المتكاملة, فلسفة الحياة التي تستطيع أن تربط الأفكار بالانطباعات. فمعظم روائيينا يرون أن العمل الإبداعي يجب أن يقتصر على المتعة, على تحقيقها, واستثارة اهتمام القارئ ومتابعته, ومشاعره. أذكر قول أستاذنا زكي نجيب محمود: "إن الكاتب في مصر, إنما يكتب في غير قضية أساسية تكون في حياتنا الفكرية والأدبية بمثابة القطب من الرحى" (الأهرام 25/2/1985).
حيادية الإبداع مسألة يصعب تقبّلها. بعض الأصدقاء المبدعين يعتز بحياديه إبداعاته، وهو قول ينطوي على قدر من المبالغة. أو من النية الحسنة. المبدع ـ في تقديري ـ يجب أن يكون منحازاً لقيمة, أو لقضية, أو لقيم, أو لجماعة. وهذا الانحياز يبين عن نفسه على نحو ما في مجموع أعمال المبدع, وهو ما سميته بفلسفة الحياة, تلك الفلسفة التي تطالعنا ـ بصورة مؤكدة ـ في أعمال نجيب محفوظ, بينما تغيب ـ أو تكاد ـ في أعمال غالبية مبدعينا.
يوماً, سألت يوسف السباعي عن فلسفته في أعماله. وتطرقت المناقشة إلى توفيق الحكيم. قلت: عبّر الحكيم عن فلسفته نظرياً في كتابه "التعادلية" وعبر عنها تطبيقياً في الإبداعات التي أصدرها, ونحن نجد فارقاً كبيراً بين النظرية والتطبيق عندما نفتقد التعادلية فيما قرأناه للحكيم. إنه يتحدث عن فلسفة أخرى يمكن تسميتها "الزمنية". الزمن في حياة الإنسان المصري, وانعكاسه على قيمه ومعاملاته ونظرته إلى الأمور. قال السباعي في تحيّر: الواقع أنني لم أفكر في الزمنية هذه في أعمال الحكيم, ولم أبحث عنها (المساء 18/11/1962).
ولعلي أذكرك بقول أحمد بهاء الدين أننا إذا جمعنا أعمال الحكيم الفكرية والآراء التي عبر عنها، فسنجد أنه عبر عن كل رأي، ودعا إلى الشيء ونقيضه (الأهرام) 30/4/1978).
واللافت أن الزمن هو نبض العديد من الأعمال الإبداعية العالمية, مثل "عوليس" لجيمس جويس, و"البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست. و"الجبل السحري" لتوماس مان الخ..
وبالطبع, فإن الفكرة الفلسفية تصبح ـ في اللحظة التي تدخل فيها إلى العمل الفني ـ خاضعة لقوانين العمل الفني, وليس قوانين العمل الفلسفي.
***
بالنسبة لي فإني أكاد أتصور أن الكتابة خلقت من أجلي, قبل أن أخلق أنا للكتابة, لا أتصور نفسي في غير الكتابة, وفي غير القراءة والتأمل وتسجيل الملاحظات والإبداع.
الكتابة عندي جزء من حياتي اليومية. جزء من تكويني الجسدي والنفسي, وهي مثل احتياجات الإنسان الضرورية مثل الطعام والجنس والنوم والحرية. أذكر قول رايوموني Rayaumoni لقد أصبحت روائياً بالضرورة, وما استطعت تجنب ذلك".
لقد بدأت في المعايشة والملاحظة والاختزان من سن باكرة للغاية, ربما لأني كنت مهموماً بكتابة القصة في تلك السن. لم أتعمد أي شيء, لكن ما أختزنه ـ دون تعمد ـ من قراءات, وتجارب لي, وتجارب للآخرين, ورؤى, وخبرات, وملاحظات, يظهر في لحظة لا أتوقعها أثناء فعل الكتابة..
ثمة مشكلة, أو مشكلات, تلح على وجدان الكاتب, وتبين عن ملامحها في مجموع أعماله.. هذه المشكلة, أو المشكلات, هي محصلة خبرات شخصية, وتعرف إلى خبرات الآخرين, وقراءات, وتأملات, يحاول التعبير عنها من خلال قدرة إبداعية حقيقية. وحتى الآن, فإني أستعير من توماس هاردي قوله, في إجابتي عن السؤال عن فلسفة الحياة في أعمالي, بأنه ليس لي فلسفة بعد, إنما هي كومة مختلطة من الانطباعات, مثل انطباعات طفل حائر أمام عرض سحري. أنا أحاول أن أفيد من قراءاتي وخبراتي وخبرات الآخرين صوغ وجهة نظر متكاملة. ولعلي أزعم أن عالمي الإبداعي يتألف من تيمات أساسية, يدور حولها ما أكتبه من رواية وقصة. من يريد تناول أعمالي, أو حتى يكتفي بقراءتها, أن يقرأ كل هذه الأعمال, مجموع ما كتبت. ثمة وجهات نظر, نظرة شمولية, إطار عام أحاول أن أعبر ـ من خلاله ـ عن فلسفة حياة مكتملة, بالإضافة إلى محاولات التجريب تقنياً, وربما أعدت تناول "التيمة" الواحدة في أكثر من عمل. لا يشغلني التكرار بقدر ما يشغلني التعبير عما أتصوره من أبعاد فلسفية حياتية.
وطبيعي أن نظرة الكاتب إلى الهموم التي تشغله, موقفه الكامل منها, يصعب أن تعبر عنه قصة واحدة أو قصتان, لكننا نستطيع أن نجد بانورامية نظرة الفنان في مجموع أعماله, وفي كتاباته وحواراته التي تناقش تلك الأعمال. لذلك فإن الكثير من أعمالي تنويع على لحن سبق لي عزفه في أعمال سابقة, وربما مهدت لعمل ما بعملين أو ثلاثة, أعتبرها إرهاصاً لذلك العمل, أو إنها استكمال له. إني أفضل ـ مثلما كان يفضل كافكا ـ أن أُقْرأ كعمل كلي, وليس كأعمال منفصلة. أن يقرأ الناقد مجموع أعمالي, ويتأمل دلالاتها المنفصلة, ودلالاتها الكلية, يحاول أن يتعرف فيها إلى فلسفة حياتي, إلى نظرتي الشاملة..
للمبدع وجهات نظر في الدين والفلسفة وما وراء الطبيعة والتاريخ والسياسة والعلم والفن. وهو يضمن إبداعاته ذلك كله, أو جوانب منه.
وقد حاولت ـ في مجموع كتاباتي ـ أن أعبّر عن القضايا الأساسية التي تلح على ذهني, وأعتبرها قضية حياة..
لست الكاتب البريطاني أنتوني باول الذي يؤكد أن هدفه من الكتابة هو إعادة تشكيل العالم, أو تحقيق النظام فيه.. ولا أريد ـ مثل الألماني ستيفن هيرمان ـ أن أترك أثراً, بل ولا أريد ـ بقصد ـ تغيير العالم اليومي للمتلقي, الذي هو واحد ممن تتجه إليهم إبداعاتي.
ما أريده أن أتخطى حواجز المكان, بل وحواجز الزمان, فأتخذ من الإنسان موضوعاً, ومن العالم موضعاً, وأجعل وقتي هو العصر الآني. أتفهم قول أندريه موروا أنه ليس على الرواية أن تبرهن على شيء ما, فالعمل الفني ليس جدلاً, ولا برهاناً, وخصيصته ـ بالعكس ـ هي أن يبعث على الإقناع, بمجرد التأمل. "إنه هناك, هذا كل شيء".
إن تجربتي الإبداعية ـ على تعدد أبعادها وتنوعها ـ تخضع لوجهة نظر شاملة, لفلسفة حياة تحاول التكامل, وإن استخدمت في كل عمل ـ الأدق: يستخدم كل عمل ـ ما يناسبه من تقنية. إن القارئ المتأمل يستطيع أن يتعرف إلى المبدع, في مجموع ما كتبت...
من المؤكد أني لا أميل ـ التعبير الأدق: أني أرفض ـ دعائية الفن وجهارته وتقريريته ومباشرته, لكنني لا أنفي القيمة, لا أرفضها. أجد فيها بعداً مهماً في العمل الإبداعي, وإلاّ تحول إلى ثرثرة لا معنى لها, لا قيمة فيها ولها. وكما يقول بودلير فإن الإنسان يحتاج دائماً إلى المبدعين الذين يعيدون ترتيب الأشياء, ويوضحون له الطريق إلى الأفضل. ربما أكون محمّلاً بفكرة, أو مقتنعاً بها, وربما حاولت أن أعبّر عن ذلك في كتاباتي, لكني أفضّل أن يتم على نحو فني, فلا تقريرية, ولا جهارة, ولا مباشرة, وإنما حرص مؤكد على فنية العمل الإبداعي من حيث هو كذلك..
كانت "الأسوار" هي روايتي الأولى. كتبتها بعد إنهاء الأجزاء الثلاثة من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين". ثم شغلتني "إمام آخر الزمان". حاورت فيها أصدقاء, أذكر منهم سامي خشبة الذي سألني وهو يودعني في رحلة عمل إلى منطقة الخليج: لماذا تشغلك دائماً فكرة المخلص؟..
يقول مالرو: "إننا نعلم أننا لم نختر أن نولد, وإننا لن نموت باختيارنا, وأننا لم نختر أبوينا, وأننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً ضد الزمان". الموت هو الحقيقة التي تواجهنا, تصدمنا, منذ بواكير حياتنا. يموت الأب أو الأم, فنبدأ بالقول الكاذب: لقد سافر. ثم نعلم الابن السائل بالحقيقة ـ فيما بعد ـ فيبدأ في إلقاء الأسئلة: ما الموت؟ ما الآخرة؟ ما الجنة والنار؟ الخ. نحن نمضي في الطريق إلى الموت دون أن تكون لنا إرادة. إنه ـ كما يقول مالرو ـ يحيل الحياة إلى مصير. من الأصوب ـ على حد تعبير مالرو ـ أن نواجه الموت باسم غاية نحيا من أجلها. يتساءل: ما قيمة حياة لا يقبل المرء أن يموت في سبيلها؟. إن الإنسان يقامر بحياته في سبيل ما يؤمن به من قيم, ويتحدى الموت بوصفه التأكيد النهائي لشخصيته الحقة. سيكون للبذل, للتضحية, معنى: لو أنه اكتفى بما قدمه دون أن ينتظر جزاءً إيجابياً, ولا يفاجأ لو أن الجزاء سلبي. وقد فضّل الحسين ـ كما تعلم ـ أن يستشهد, على أن يتنازل عن الفكرة التي يؤمن بها.
المثقف الحقيقي مطالب ـ دوماً ـ بأن يغلب الموضوعي على الذاتي. إنه يرضى بالمنطق الذي ترفضه العلاقة بين حبيبين, فهو يحب من طرف واحد, لا ينتظر من المحبوب اعترافاً بالجميل ولا مساندة, وربما انتظر جزاءً سلبياً. إنه قد يموت وهو يهتف باسم من دفع حياته ثمناً لخذلانه, لخذلان المثقف!
***
القهر في الداخل...
أتذكر كلمات خوان جويتيسولو ـ بعد وفاة فرانكو ـ "لقد عشنا احتلالاً طويل الأمد وغير ملحوظ من الخارج, احتلالاً بلا خوذ ولا بنادق ودبابات, وليس احتلالاً للأراضي, بل احتلال للعقول".
الإنسان مطارد منذ الميلاد إلى الموت. إنه ـ كما يقول سارتر ـ مخلوق يطارده الزمن, لكن المطارد في رواياتي ليس الزمن وحده. إنه قد يكون السلطة, أو قيم الجماعة, أو غيرها مما قد يضيع حياته في محاولة الفرار منه. قد يكون البطل مطارِداً, وقد يكون ـ في الوقت نفسه ـ مطارَداً. ذلك ما يسهل تبينه في شخصية منصور سطوحي في "الصهبة", أو شخصية السلطان خليل بن الحاج أحمد في "قلعة الجبل", أو أبي الطيب المتنبي في أوراقه, أو "زهرة الصباح", أو رؤوف العشري في "الخليج", أو "الحاكم بأمر الله في سيرته الروائية, الخ...
وإذا كان المصريون القدماء يسمّون الموت "النزول من البحر", فإن محمد قاضي البهار نزل إلى البحر, ولم ينزل منه, فهو إذن قد نزل إلى الحياة. وبالإضافة إلى محاولة قاضي البهار الفرار من القهر, فإني أتصور حياته قد أظهرت الهوة التي تفصل بين عالم المثالية الذي كان يحيا فيه, والواقع القاسي الذي يريد أن يفرض عليه طقوسه وقوانينه وأحكامه, وهو واقع لا يستند إلى قيم نبيلة, ويلجأ إلى الزيف والخداع ونكران الحقيقة..
***
الآن, فإن التيمة الأساسية التي تلح في غالبية أعمالي, هي مواجهة الآخر, سواء بالمقاومة الجسدية, أو بتفعيل التحدي الحضاري..
إن الصراع العربي الإسرائيلي ليس مجرد مواجهات سياسية وعسكرية, إنما هو صراع ذو أبعاد تاريخية وحضارية وثقافية. إنه تواصل واستمرارية حياة, وتناول الإبداع لجوانب من ذلك الصراع لا يعني السقوط في هوة المباشرة أو الجهارة, بل إن الأعمال الكبيرة هي التي تناولت قضايا كبيرة. المثل "خريف البطريرك" لجارثيا ماركيث, و"الحرب والسلام" لتولستوي" و"الطاعون" لكامي و"الحرافيش" لمحفوظ و"الحرام" لإدريس, و"سمرقند" لمعلوف, وغيرها. وبالنسبة للصراع العربي الصهيوني ـ تحديداً ـ فمن الصعب إغفال أعمال غسان كنفاني المهمة, مثل رجال في الشمس, وعائد إلى حيفا, وغيرها. وفي المقابل, فقد ذوى إعجابي القديم بعبقرية زفايج, وروايات كافاكا, واجتهادات فرويد, ونظرية إينشتين, ولوحات شاجال, شحبت الملامح الجميلة في مرآة الصهيونية. فرض التوجس نفسه حتى فيما لم يعد يحتمل ذلك.
***
ماذا يبقى من ذلك كله..
بالطبع فإن المتلقي قد ينشد الدلالة في العمل الإبداعي. وقد يكتفي فحسب بمتعة التلقي, بمتعة القراءة أو السماع أو المشاهدة. لكن الإنسان ـ إذا تعلم أن ينظر إلى الفن على أنه شيء لا ينتمي إلى الجمال والحق, بل إلى الرأي وحده ـ فإنه سيفقد بصيرته, ويصبح كما يريده رجال العصابات, حيواناً ينتمي إلى قطعان.
وإذا كان رامان سلدن يرى أن العمل الإبداعي الجيد هو الذي يخبرنا بالحقيقة عن الحياة الإنسانية, بالكيفية التي تكون عليها الأشياء, فإني أستعير قول بورخيس: "المهم أن يبقى أربع أو خمس صفحات من كل ما يكتبه الكاتب".
....................................
*جريدة الأسبوع الأدبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006م.
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:40 PM
صورة البطل في الوجدان الشعبي
بقلم: د.فاخر صالح ميا
.............................
قطع التاريخ, منذئذ رحلة وعرة, تطورت خلالها مفاهيم الإنسان حتى غدا البطل في الوجدان الشعبي حاملاً للقيم الإنسانية من مغامرة إلى أخرى, طموحاً, مجابهاً, متحدياً, وغدت الحياة بعد هذه العصور, أكداساً بالغة التعقيد من النقائض والمتضادات والحيوات المتصارعة عاشتها أجيال من الناس. وأنا أريد هنا أن أكتب ببساطة, بلا تقعر ولا تصنع عن البطل في الوجدان الشعبي للكاتب المصري "محمد جبريل", واصفاً تلك اللقطات المهمة التي يأخذها "جبريل" على عاتقه, وهي مسؤولية الكتابة في معمعان المراحل المتخالفة, وبكل ما اختلط فيها الحلو بالمر, وهنا لابد لي وأن أرى بأم عيني تلك القيم الأصيلة التي غرسها الأبطال الشعبيون الذين يبتغون أن يزيحوا عن الآخرين غشاوة ما كابدوه, وما اختلطت عليهم سبل الحياة ومفارق طرقها. إن كل ما أردته لدراستي عن هذا الكتاب هو أن تكون نموذجاً للانكشاف وللتفتح على الحياة وللصراع والعراك مع الطبيعة بل ومع القدر نفسه, فضلاً عن التقاليد والأعراف المألوفة والموروثة والمتخلفة, ولكن ثمة شيئاً يجب أن نلتفت إليه مع مؤلف الكتاب "جبريل" تلك الصور التي تتفتح عن وعي كبير لتعطي الحياة للإنسانية ولدحض آراء عبد الحميد يونس, من أن الهلالين لم يكونوا سوى أهل شغب... ص 7 ـ 8, بل إن ثمة من يرى في ملحمة هوميروس مفتاحاً لفهم بعض عناصر أدبنا الشعبي الذي عكسته السير, وقد توقف بعض الباحثين أمام التشابه الواضح بين أوديسيوس وأبي زيد الهلالي وبين أغاممنون والسلطان حسن, وهيلين والجازية وبريام والزناتي خليفة وآخيل ودياب بن غانم... ومن موقع اهتمام الكاتب "جبريل" بالسير الشعبية, فإننا نجد توصيفاً ضاراً للسير الشعبية بشكل عام وللسيرة الهلالية بشكل خاص, لما قدمه "عبد الحميد يونس" ص63 ومحمد فهمي عبد اللطيف ص65 وكذلك ابن الأثير ص67 من آراء لا تحسن فهم السير الشعبية وقوانينها, فعلى الرغم من توالي الأزمنة ودورة العصور, فإنها لا تزال تتوهج بالمعاني الإنسانية العميقة بفضل وفائها للجوهر الإنساني الأصيل وحضها الدائم على الالتزام بالخير ومحاربتها لكل ضروب الشر والنقائص ـ ومن هذه الزاوية تكتسب صورة البطل في الوجدان الشعبي قيمة تربوية, لأنه تأكيد على الانجذابية الإنسانية نحو اقتحام المجهول وتجاوز حدود الواقع وتحقيق الأحلام. تلك الأخبار التي شغلت مجلدات كثيرة لنتأمل فيها طفولة المجتمع وتفاسيره من خلال حكايات وأقاصيص وسير تذاوب فيها سحر البناء وجاذبية التشويق بكثير من الأبعاد والمعاني التي تدفع بالإنسان إلى التأمل والتفكير.
وثمة شيء مهم يراه الباحث "محمد جبريل", من أن غزو الهلالين للشمال الإفريقي هو الذي أفضى إلى تعريب المنطقة وانحسار الجنس البربري الذي كان مسيطراً بحكمه ولغته وعاداته وتقاليده. بل إن البعض يجد في دخول العرب الهلالية إلى تلك البلاد امتداداً للروح البدوية التي ترفض الظلم والقهر. وهو ما تبدى بعد مئات السنين في مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري للاحتلال الفرنسي للجزائر, ومقاومة عمر المختار للرحالة الإيطالي لليبيا ص67, وهنا لابد لي من الوقوف على الحالة التي تعكس تطور المجتمع الإنساني وعلاقة الإنسان بالطبيعة والمحيط كقوة تترك لمساتها الواضحة على التراث الفكري والإنساني.
يقدم لنا الكاتب "جبريل" لوحة للوعي الإنساني نحو تلك الأحقاب الزمنية التي لا تزال معلوماتنا عنها محدودة إلى حد ما عندما كانت حياة الإنسان شديدة الخضوع للتراب والأرض ملتصقاً بالقيم يدرك جواهر الأشياء, ولهذا كانت الأرض بالنسبة للبطل في الوجدان الشعبي بمثابة الأم الولود التي ينطلق فيها كل شيء ص119 ـ 120 وما "شجرة الدر" سوى القوة الحية التي تضفي على الوجدان الشعبي استقلالية الذات الإنسانية واحترامها, وعلى هذه الخلفية الواسعة من الأبطال نجد تصدي "شجرة الدر" باقتدار للعدوان الصليبي ص120 ـ 121, ومما يلفت النظر أن مفردات الفضيلة والخير لم تتغير عبر التاريخ فالشجاعة والكرم والعفة والإيثار والمروءة كل هذه الخصال كرمتها السير الشعبية وحضت عليها مثلما أدانت الشرور بكل مفرداتها, بل إن الأغنية الشعبية تسهم في إغناء مضامين جديدة لتغدو أكثر تعبيراً عن عصرها وأدق تصويراً للمجتمع الذي أوجدها, فهاهو ياسين يتوسل إلى الشمس أن تترفق بهم فلا تلسعهم حرارتها:
قولوا لعين الشمس ما تحماش أحسن حبيب القلب صابح ماشي ص220
وبهذا المنظور تعكس الأغنية الشعبية الواقع الاجتماعي مع تلاشي الأنا الإنسانية أو الأنا الروحية (Ego), فبدت تلك الصور الكئيبة لتحل محلها أساطير لمرحلة جديدة, حيث كان البطل في الوجدان الشعبي, محورها الرئيس لمواجهة ظلم الحاكم لا بمجرد الحلول السلبية التي برع فيها المصريون مثل النكتة والشائعة واللغز الخ, وإنما بالثورة وبالمقاومة المسلحة ص262, التي تدفع الظلم والهزائم والأعراف المتخلفة عن الشعبي والوطن.
الهوامش
.......
محمد جبريل, البطل في الوجدان الشعبي مكتبة الدراسات الشعبية القاهرة 2000.
...................................
*جريدة الأسبوع الأدبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006م.
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:44 PM
"الجودرية" النص التاريخي ورهانات التحويل الروائي
"ملاحظات عامة"
بقلم: د.وفيق سليطين
...........................
تثير رواية "الجودرية لمحمد جبريل أسئلة الاشتباك الروائي بالتاريخ, وتفرض علينا إعادة تأمل العلاقة بين الجانبين من داخل الحدود الخاصة بهذا العمل, الذي يستوي بكيفيات محددة تنهض بها المعالجة الروائية للتاريخ, بحيث يمكن النفاذ من خلالها إلى استخلاص التصورات النظرية والتجريدات الفكرية القانونية المتصلة بهذا المسعى.
أولى الملاحظات تطالعنا بها عبارة الغلاف المثبتة تحت العنوان الأساسي, وهي: "عن تاريخ الجبرتي بتصرف". مما يشير إلى ارتهان الرواية للمرجع, وخضوعها لمادته في إنشاء نفسها عليه. وتأتي كلمة "بتصرف" لتقيّد من حجم ذلك الارتهان, وتخرق منحى المطابقة, في إشارة إلى الجهد الذي ينحو بالعمل ليحقق صفته الروائية. لكنّ "التصرّف" المشار إليه يبقى ضمن الحدود العامة للوثيقة, مراعياً التسلسل الكرنولوجي, وناصّاً على الوقائع الأساسية والمفاصل التاريخية الكبرى لانبثاق الأحداث وتواليها, بما من شأنه أن يشدّ, على نحو لافت, إلى الزمن المرجعي. فالرواية تبدأ بنزول الفرنجة على الشواطىء الشمالية للبلاد في يوم الاثنين الثامن عشر من المحرّم سنة /1213/ من الهجرة النبوية الشريفة الموافق للثالث عشر من يوليو /1798/ من الميلاد, وهم من رجال الإنكليز الذين يترصدون الفرنسيين لقطع الطريق عليهم وإحباط مسعاهم. وانطلاقاً من هذا التحديد الزمني يتوالى السرد الإخباري في تقديم رحلة الجيش الفرنسي, التي بدأت من طولون, وفي طريقها إلى الإسكندرية تمّ الاستيلاء الفرنسي على جزيرة مالطة في الثاني عشر من يونيو /1798/, ثمّ ظهر الجيش الفرنسي أمام سواحل الإسكندرية في أول يوليو من العام نفسه.
وثاني هذه الملاحظات يتصل بشكل الرواية ونهجها في تشييد مبناها, وهو ما يجري اعتماداً على تقسيمها إلى أبواب وفصول, إذ تتم معالجة المادة وفق هذا التقطيع, الذي يوزّع المتن على أحد عشر باباً, يشتمل كلّ منها على عدة فصول, يتفاوت عددها بين باب وآخر, مستجيباً لكتلة الوقائع والأحداث التي تتفاعل وتتنامى وتصل إلى ذروة ما, بحيث تغدو مؤطرة في باب واجد يشتمل على عدد من الفصول. ويبدو الباب, في تقنية التقسيم هذه, علامة على الفصل والوصل في حدوده الزمنية والحديثة التي يُسيِّج بها المادة, ويؤذن بتحولها النوعي في الباب التالي, الذي يُمكن أن ينعطف بها جيئة وذهاباً على النحو الذي يؤمّن قدراً من الاستقلال, في الوقت الذي يؤدي به وظائف التنامي والحبك والتصعيد.
وفي ذلك ما يحيل على عمل المؤرخ في تعمله مع مادته تنظيماً وتقطعياً, وربطاً وتسلسلاً. وعلى هذا المستوى الهيكلي تتبدّى استجابة الرواية لتقنية المصادر القديمة في التأريخ, وللنهج الذي اختطّه المؤرخون القدماء في مدوّناتهم. وهذا الأثر الذي ينسرب إلى هنا, ويلقي بطابعه على جسم الرواية, لا يخلو من دلالة على ترشيح عناصر القوة المهيمنة في المعادلة التي نحن بصددها, وهي التي تأتي حصيلة للتفاعل, وخلاصة للتفاضل في النسب والكيفيات والمقادير من كلا الجانبين, على النحو الذي تترجّح معه الفاعلية النصيّة, التي تترجم حصيلة الاشتباك, وتكشف عن قوى الشدّ أو الاستجابة, وعن مدى المتابعة وإسلاس القياد, أو عن شدّة الأثر وقوة المخض وعمق التحويل.
وحسب هذا التوجّه تكون الملاحظة الثالثة متولّدة عما سبقت الإشارة إليه, ومعها نلمح قدراً من التمايز بين شطري الرواية. ففي القسم الأول منها تحضر المادة التاريخية, وتطفو القرائن المرجعية في نظام تأسيسي يتكفّل بإظهار الوقائع والأجواء والتواريخ والشرائح الطبقية ومظاهر الفسيفساء الاجتماعية في بنيتها المتراتبة وانقساماتها العميقة الحادّة في تلك المرحلة الخاصة من التاريخ الذي تنصبُّ عليه الرواية, وتتخذ منه موضوعاً لها, وهو القسم الذي يهيّئ لما بعده, ويشكّل المهاد الضروري لانطلاقة الفعل الروائي وتضافر عناصره وتفعيل أثره.
وعلى الرغم من أساليب المزاوجة التي تضخ أحد الجانبين في الآخر, وتسهم في تعديل مجراه وكسر حدَّة برزوه, يبقى القسم الأول مجلَّلاً بقوة حضور "التاريخي" وسيطرة مؤشرات المرجع, التي ستتراجع نسبياً في القسم الثاني, تحت الضغط المتصاعد لعناصر البنية الروائية, بخيوطها المتشابكة وحكاياتها الفرعية, التي تشكّل انفراجات سردية, تتنوّع, وتتباعد, وتعود لتندغم في مجرى السرد وإطاره العام. وهنا تتبدّى مقدرة الكاتب على النمذجة, والتمثيل الروائي, وضخّ مظاهر الحيوية في بناء متقن, يزخر بألوان الحياة, ويدفع بنا إلى خضّم المجتمع المصري في ظل الوجود العثماني المتردي, لمعايشة نبضه واحتداماته, ومواجهة صوره وتنوعاته وأجوائه المتوترة وتركيبته الآيلة إلى التحلل, وإلى تفسّخ بنيتها الرثة في ظلّ الحملة الفرنسية التي تنتهي عام /1801/.
وعلى الرغم من ذلك تبقى المساءلة واجبة, روائياً, عن مدى بروز الوثيقة في جوانب العمل على النحو الذي تعيق به إمكانات التحويل الروائي.
..............
*جريدة الأسبوع الأدبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006م.
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:50 PM
وهذا حوار أجرته الأستاذة فاطمة يوسف العلي في مجلة "العربي" الكويتية، العدد (542)، يونيو 2004م:
النظرة للإبداع يجب أن تتغير لأن مبدعينا ينحدرون للهاوية
حوار: فاطمة يوسف العلي
..................................
لم يكن بمقدوري الكتابة إلا عن البحر
حتى نجيب محفوظ توزيع رواياته انخفض إلى حد كبير
يضطر الكاتب لدفع مايزيد على القيمة الفعلية لطباعة كتابه
***
رغم أن الكاتب محمد جبريل متنوع في كتاباته, يوزع قلمه بين الصحافة والتأليف والنقد الأدبي, فإن الشهادة الحقيقية على ما قام به من جهد تكمن في إبداعه الروائي. ولا يعني التركيز على هذا الجانب ترك بقية ملامح الصورة. ولكن هذا الجانب, الذي يعتز به كثيرا,ً يبقى الجانب الأكبر والأكثر حميمية من ذاته. إنه كاتب غزير الإنتاج. فله أكثر من عشرين رواية أشهرها (رباعية بحرى) التي تتألف من أربع روايات متصلة منفصلة هي (أبو العباس) و(ياقوت العرش) و(البوصيري) (وعلي تمراز). وهي الرباعية التي يحلو للنقاد عقد مقارنة بينها وبين رباعية داريل الشهيرة عن الإسكندرية. كما أن إسهام محمد جبريل في القصة القصيرة كبير أيضا فله حوالي عشر مجموعات قصصية, أولها (تلك اللحظة) وآخرها (رسالة السهم الذي لا يخطئ) وله في مجال النقد أكثر من كتاب. وقد نال جائزة الدولة التشجيعية عن كتاب (مصر في عيون كتابها المعاصرين) عام 1975.
ولد محمد جبريل في مدينة الإسكندرية عام 1938, وتقلد أكثر من منصب صحفي مهم في مصر والعالم العربي.
وقد أجرى الحوار معه القاصة الكويتية فاطمة يوسف العلي وهي من الأديبات النشيطات على مستوى العمل العام ولها ثمانية كتب تتوزع بين القصة القصيرة والرواية والبحث الأدبي وأشهرها: (وجوه في الزحام) 1971, (وجهها وطن) 1995, و(تاء مربوطة) 2001 وهي مجموعة قصصية صدرت من القاهرة.
يبدو البحر شخصية رئيسة في معظم إبداعاتك, وهو أشد ما يكون تجسيداً في روايتك الضخمة (رباعية بحري)... ما تفسير ذلك?
- بداية, أنا لم أكتب عن البحر, ولا عن الصلة بين البحر واليابسة, وهو ما يبين في الكثير من إبداعاتي الروائية والقصصية, لم أكتب لطرافة الموضوع, وإنما لأنه لم يكن بمقدوري سوى الكتابة عن البحر. البحر يحضن الإسكندرية من معظم جوانبها, ويحيط بحى بحري من ثلاث جهات, كان هو المكان الذي تطل عليه شرفة بيتنا, ويطل السطح على امتداد آفاقه. كنت أسير على شاطئه, وأتابع التعامل اليومي معه في صيد الصنارة والطراحة والجرافة, وعمليات الشحن في الميناء الغربية, وركوب البحر نفسه في قوارب صغيرة تعبر المسافة من باب واحد إلى باب رقم ستة, أو في لانشات تمضي إلى قرب البوغاز, حتى في الظلام, كنت أستمع إلى البحر, وإن كنت لا أراه. أتذكر قول رامبو: (إنه البحر وقد رحل مع الشمس). البحر ليس موضعاً طارئاً في حياتي. إنه الحياة نفسها. وعلى الرغم من انقضاء عشرات الأعوام على ابتعادي - بصورة عملية - عن الإسكندرية, فإني أفضل - حتى الآن - أن تدور أحداث أعمالي في بحري, لأني أشعر أن الحي تحت تصرفي, أعرف تاريخه وأسواقه وشوارعه ومساجده وبناياته وسلوكيات حياته اليومية, أعرف المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد, حتى مسميات الأشياء واللهجة هي وسيلة التعبير عندي, حتى مستطيلات البازلت التي تتفق فيها مع المدن الساحلية الأخرى.
حي بحري بالإسكندرية هو الأرضية لمعظم ما كتبت من إبداعات. وقد أردت في رباعية بحري بأجزائها: أبو العباس - ياقوت العرش - البوصيري - على تمراز, أن أكتب فصولاً مستقلة, تتكامل في تصوير حي بحري الذي أحببته, وامتداده الطبيعي إلى المكس, أو إلى الرمل.
صورة الإسكندرية
ما أوجه الاتفاق - والاختلاف - بين رباعية الإسكندرية ورباعية بحري?
- ليست هذه هي المرة الأولى التي يوجه لي فيها هذا السؤال. وقد صدمني السؤال في البداية, وربما تضايقت منه, ثم ألفته بالمعاودة. أصارحك أني تعمدت ألاّ أقرأ رباعية الإسكندرية حتى لا أقع في شبهة تأثر, قراري بكتابة رباعية بحري يعود إلى مطالع حياتي الأدبية, وبالذات في ضوء الحفاوة النقدية الواضحة, والتي اعتبرت رباعية داريل من أعظم إبداعات القرن العشرين.
ثم حاولت - بعد أن صدرت رباعية بحري - أن أفتش عن جوانب الاتفاق والاختلاف, لا كناقد, فقد مللت تأكيد أنه حتى فوزي بجائزة الدولة في النقد لا يلغي تفهّمي لقدراتي النقدية, وأني سأظل دوماً خارج أسوار النقد!
رأيي أنه إذا كانت صلة شخصيات ميرامار نجيب محفوظ بالإسكندرية هي صلة هامشية, حيث اختاروا الإقامة في الإسكندرية كمنفى, لا تشغلهم حياة ناسها اليومية, ولا مشكلاتهم, فإنه من الصعب إهمال التأثيرات الأجنبية في حياة الإسكندرية. وعلى سبيل المثال, فإن يوم الأحد في الإسكندرية يختلف عن اليوم نفسه في بقية المدن المصرية. الشوارع خالية نسبياً, والكثير من المتاجر يغلق أبوابه, ذلك لأن التأثيرات الأجنبية التي تحققت من خلال (مواطنة) أعداد هائلة من الجاليات الأوربية لم تندثر من المدينة بصورة كاملة بعد. لكن الصورة التي رسمها داريل في رباعية الإسكندرية - على حد تعبير صلاح عبدالصبور - تنتمي إلى داريل أكثر مما تنتمي إلى الإسكندرية.
والحق أنه من الصعب أن أجري شخصيا مقارنة بين ما كتبته وما كتبه مبدعون آخرون, لكن الذي أستطيع تأكيده أن الكتابة عن الإسكندرية - وبحري تحديداً - حلمي القديم, الجميل, الذي يرافق محاولاتي الإبداعية منذ بداياتها. السؤال: لماذا, لم أناقشه - بيني وبين نفسي - على الإطلاق? فقد كانت الكتابة عن حي الطفولة والنشأة والسمات المميزة والبيئة التي تختلف عن مثيلاتها في أحياء الإسكندرية الأخرى, كانت شيئا أشبه بالقدر... لكنني أملك - فيما أقدّر - طرح بعض الآراء التي تناولت رباعية داريل, ثم أترك للقارئ - قارئ أجزاء الرباعية وقارئ هذه المواجهة - أن يتعرف إلى ما ينشده من أوجه الاتفاق والاختلاف.
الذاكرة أفضل
هل تختلف صورة بحري الذي عبرت عنه في أعمالك عن صورته الحالية?
- أصارحك بأن الحزن يلفني عندما أزور الإسكندرية, حي بحري بالذات, هذه الأيام, لقد تغيرت الصورة تماما, فأنا أفضل أن أعتمد على صور الذاكرة.
حي الجمالية بعمارته الإسلامية وشوارعه الضيقة وأقبيته ومساجده وزواياه وحرفييه, هو التعبير عن القاهرة المعزية بكل زخمها التاريخي والمعماري والإنساني. ذلك ما يصدق - إلى حد كبير - على حي بحري, وإن انتسب الكثير من أبنائه إلى المهن المتصلة بركوب البحر.
أفلح الانفتاح في أن ينفذ - بمظاهره السيئة - إلى الموطن الذي نشأت فيه, وأحببته. بحري الذي عشت فيه يختلف عن ذلك المبنى الخرساني الهائل الذي احتل ميدان أبي العباس, فذوت الروحانية وحميمية البشر. افتقد الحديقة الهائلة أمام سراي رأس التين تتاح خضرتها للجميع, ويتلى فيها القرآن في ليالي رمضان. شاطئ الأنفوشي احتلته الكبائن وورش المراكب, فضاعت فرص أبناء الحي الشعبي في الإفادة من البحر الذي ولدوا على شاطئه.
غياب المرأة
بعض الآراء تجد في رحيل الأم في سن باكرة سبباً في غياب المرأة عن معظم إبداعاتك... ما رأيك?
- أوافقك على أن المرأة كانت غائبة, أو أنها عانت شحوباً في أعمالي الأولى, لكن الملامح تغيرت تماماً في الأعمال التالية. ثمة نادية حمدي في (النظر إلى أسفل) التي تمثل شرياناً رئيساً في جسد الرواية, والزوجة في (اعترافات سيد القرية) تهبنا مواقف إيجابية مناقضة لما كان يمثله الرجل, وأنسية في (رباعية بحري) تحملت ما لا يحتمله بشر في محاولة تخطى ظروفها القاسية. وثمة ياسمين في (الشاطئ الآخر), وعائشة عبدالرحمن القفاص في (قلعة الجبل), وزهرة الصباح في الرواية المسماة بالاسم نفسه, وبهية الحلواني في (بوح الأسرار) وغيرها من الشخصيات التي تقدم المرأة في أبعاد مختلفة. قد تواجه ما يدفعها إلى اتخاذ مواقف سلبية, لكنها واصلت السعي في اتجاه رفض الظروف المعاكسة, والإصرار على تخطيها.كان لغياب أمي عن حياتي في سن باكرة تأثيره بالنسبة لي على المستويين الشخصي والإبداعي, وقد اتسعت مساحة ذلك التأثير - فيما بعد - في مجموع أعمالي, بحيث تبين المرأة - كما أتصور - عن ملامح يصعب إهمالها.
ما رأيك في مقولة إننا نحيا زمن الرواية?
- مع افتتاننا بالتعبيرات التي تختزل ظاهرة أدبية, فإن أحد النقاد أعلن - ذات يوم - وفاة القصة القصيرة, وأعلن نقاد آخرون أن الزمن ليس زمن الشعر, وأكد البعض أن المستقبل للكتابة الدرامية, وأنها هي رواية المستقبل. ويصدم أسماعنا وأعيننا - بين فترة قصيرة وأخرى - تعبير ينعى وفاة جنس أدبي, أو يؤكد سيادته على بقية الأجناس.
وإذا كان تعبير زمن الرواية هو ما تلوكه أفواهنا وأقلامنا في الأعوام الأخيرة, فإن المأزق الذي يواجهه هذا التعبير, وربما أفقده مصداقيته, ما يحرص الناشرون - على تأكيده بأن زمن النشر الروائي انتهى!... بمعنى حفاوة الناشرين بالروايات, والإقدام على نشرها, دخل - منذ سنوات - في دائرة المستحيل.
قراء الرواية يتناقصون, مقابلاً لزيادة قراء السياسة والمذكرات والدين والمشكلات العاطفية والحسية, بالإضافة إلى الأزمة التي يعانيها الكتاب الورقي بتأثير الوسائل الطباعية المستحدثة, وأهمها - بالطبع - الكتاب الإلكتروني.ثمة وسيلتان لنشر الأعمال الروائية, أولاهما هيئات وزارة الثقافة: هيئة قصور الثقافة, وهيئة الكتاب, والمجلس الأعلى للثقافة. أما الوسيلة الثانية فهي اللجوء لدور النشر الخاصة التي تحصل من مؤلف الرواية على أكثر مما تتكلفه طباعة العمل, فتضمن الربح مسبقا, بينما يحصل المؤلف على نسخ قليلة... هدايا للأصدقاء!
أما الناشرون الذين يعرفون لعملية النشر قدرها واحترامها, فإنهم يرفضون الكتابات الروائية باعتبارها بضاعة كاسدة. وتقتصر اختياراتهم على البضاعة المضمونة الرواج, وبالذات الكتاب الجامعي الذي يمثل - كما نعلم - بضاعة مفروضة من الأساتذة على الطلاب!...
الحديث عن زمن الرواية يبدو بلا معنى أو مستغربا أمام إحجام الناشرين عن قبول الأعمال الروائية.
وإذا كان الزمن هو بالفعل زمن الرواية, فلماذا لا يزدهر سوق الرواية? لماذا يرفض الناشرون قبولها? ولماذا تتدنى أرقام التوزيع?
المثل الأشد غرابة أن نجيب محفوظ بكل ما حققه من مكانة في حياتنا الثقافية, وفي الثقافة العالمية بعامة, هبطت أرقام توزيع رواياته من عشرة آلاف نسخة في العام, إلى ثلاثة آلاف نسخة كل بضعة أعوام.
مَن يعيننا على حل اللغز?!
سوق النشر
كنت نائباً لرئيس اتحاد كتاب مصر, كيف تنظر إلى مشكلة النشر التي تحولت إلى ظاهرة سلبية لم تفلح في علاجها كل المحاولات سواء على المستويات الإقليمية أو القومية?
- المتأمل لأحوال النشر في بلادنا, يستطيع أن يقسم الناشرين إلى ثلاثة أنواع: ناشر يعطى المؤلف مكافأة على ما يكتبه بضع مئات من الجنيهات. وناشر يكتفي بتقديم نسخ قليلة للأديب مقابلا لنشر إبداعه, من قبيل التشجيع, أو المجاملة! أما النوع الثالث فهو يحصّل من المؤلف ما يزيد على تكاليف طباعة كتابه, أي أن الأديب يعطي ولا يأخذ, كل ما يأخذه بضعة آحاد أو عشرات من النسخ!
والحق أن المقابل المتواضع الذي يتلقاه بعض الكتاب, والاكتفاء بمجرد النشر لكتّاب آخرين, واضطرار كتاب لدفع ما يزيد على التكاليف الفعلية لطباعة كتبهم, ذلك كله يعكس نظرة دور النشر بعامة إلى مهنة الكتابة, وأن الهدف في كل الأحوال هو مجرد تشجيع الأديب على توثيق إبداعه, وليس تسويقه, فبعض الكتب لا يصدر منها أكثر من مائتي نسخة أو ثلاثمائة على, وبالذات إصدارات دور النشر التي تقوم بعملية احتيال معلنة حين تحصل على ما يتراوح بين ألف وثلاثة آلاف جنيه مقابلاً لطباعة بضع عشرات من النسخ, مجرد توثيق فلا يجد الكتاب سبيله إلى أرفف المكتبات, ولا عند باعة الصحف.
إن النظرة إلى قيمة الإبداع يجب أن تتغير. ما يكتبه الأديب في معظم بلاد العالم يدر عليه دخلا يتيح له التفرغ لإبداعه. أما النظرة إلى مبدعينا فهي تتحدد في دائرة الهواية. حتى المقابل الذي ربما تقاضاه لا يصل - بالقطع - إلى قيمة الكتب التي قرأها, ولا الوقت الذي أنفقه, ولا أجر الكمبيوتر, وبالمناسبة, فإن دور النشر تشترط الآن أن يسلم الأديب أصول كتابه مطبوعة على الكمبيوتر!
إن تخلفنا - في كل المجالات - سيظل حقيقة يصعب إغفالها, ما لم تحصل الكلمة ومبدعها على المكانة اللائقة, والقيمة المستحقة!
ثقافة العناوين
في تقديرك, ما أخطر السلبيات التي تعانيها الثقافة العربية?
- سأحدثك عن ثقافة العناوين, أو السندوتش, أو التيك أواي. سمها ما شئت, لكنها تحولت في حياتنا إلى ما يشبه الظاهرة.
ثمة من يجلسون إلى المثقفين, يستمعون إلى آرائهم فيما قرأوا, ويلتقطون عناوين كتب, وأسماء أعلام, وملخصات أفلام ومسرحيات ونظريات فلسفية, ثم ينقلون ذلك كله - أو بعضه - إلى مجالس أخرى. يتحدث أحدهم عن ديستويفسكي بما ينقل إلى محدثيه شعورا أنه قد قرأ كل أعماله, ويتحدث آخر عن المذاهب الفلسفية والفنية بلهجة الدارس الذي أجهد نفسه في المتابعة والمناقشة والتحليل, وتتناثر في كلمات آخرين أسماء أعلام وكتب واتجاهات, بما يعكس ثقافة واسعة.
ظني أنه قد ساعد هذه الظاهرة أسلوب الملخصات الذي تصدر من خلاله بعض دور النشر أعمالاً عالمية مهمة. ولعلي أشير إلى سلاسل تقدم عشرة كتب عالمية في كتيب محدود الصفحات, أو تختصر التراث الإنساني بكامله في بضعة مجلدات... والهدف المرجو - أو المعلن - أن تكون مؤشرا للأعمال الأصلية, لكن القارئ يكتفي بما قرأ, ويعتبره غاية المراد من رب العباد, ويتحدث عما قرأ من ملخصات وكأنه قرأ الأعمال الكاملة!
وقد أخذت الظاهرة بعداً آخر, غريباً, في اعتبار البعض ما شاهده من أفلام أو مسرحيات مأخوذة من أعمال أدبية, نقلا جيدا عن تلك الأعمال يغني عن قراءتها, ويسمح بالتحدث فيها, توهما أنهم قد عرفوا عنها بما يكفي!.... وكم أذهلني تناول كاتب كبير لرواية أستاذنا نجيب محفوظ (خان الخليلي). ناقش الرجل فنية الرواية, وحلل الأحداث والشخصيات, ثم أنهى ما كتبه بالإشارة إلى أنه لم يقرأ الرواية, وإنما اكتفى بمشاهدة المسرحية المأخوذة منها!
وتبلغ الظاهرة حد المأساة عندما يلجأ ناقد إلى تلخيص للعمل الأدبي كتبه ناقد آخر, فيبني عليه مناقشته للعمل, وهو ما نطالعه - مع الأسف - في العديد من الكتب النقدية المعاصرة. يفلح ناقد في إخفاء سطوه على جهد الآخرين, بينما لا يجد ناقد آخر ما يدعو إلى إخفاء ما فعل. ولعل المثل الذي يحضرني, ذلك الكتاب الضخم عن توفيق الحكيم. ناقش مؤلفه - فيما ناقش - رواية (زينب) لمحمد حسين هيكل, ثم ذكر في الهامش أنه قد اعتمد في كل ما كتب على كتاب علي الراعي (دراسات في الرواية المصرية), أي أنه - ببساطة - لم يقرأ الرواية التي قتلها نقداً!
المبدع قائد ثقافي
ثمة مؤاخذات على أن الكثير من المبدعين لا يعنون في إبداعاتهم بأخطر قضايا عالمنا العربي, وهي قضية الصراع العربي - الصهيوني, فما رأيك?
- نظرة بعض المثقفين إلى الأديب أو الشاعر أنه لا يعنى بغير الإبداع. فلا شأن له بقضايا المجتمع ولا السياسة. حتى الرياضة لا يتصورون أنها تعنيه في شيء.إنه يؤثر الحياة في جزيرة صنعها لنفسه, يكتفي فيها بقراءة ما يتصل بإبداعه, أو ينصرف إلى تأملات في فضاء هذا الإبداع, أو ينشغل بالكتابة الإبداعية.. هذا هو عالمه المحدد والمحدود, أشبه بسياج البيت في أيام طه حسين الذي كان الصبي يتصوره نهاية العالم.
تلك - بالتأكيد - نظرة خاطئة.. فالأديب له اهتمامات كل المثقفين, فضلاً عن هؤلاء الذين قد لا تعنيهم قضايا الثقافة, وإنما انشغالهم بواقع حياتهم وظروفهم المعيشية. ربما يجاوزونها إلى اهتمامات ثقافية أو ترويحية مثل التردد على المسارح ودور السينما, أو متابعة برامج التلفزيون, أو مجرد الجلوس على المقاهي.
يتابع المبدع - على سبيل المثال - مناقشة حول مباراة في كرة القدم. يحاول المشاركة برأي.. لكن الدهشة المستغربة تواجهه: مالك وكرة القدم!
الأقسى عندما يبدي المبدع رأيه في بعض قضايا السياسة. تعلو الملاحظة المشفقة: السياسة بحر قد لا تحسن السباحة فيه!
والحق أن المبدع هو أشد الناس التصاقاً بقضايا مجتمعه, وقضايا الإنسانية بعامة. إنه يملك من المعرفة والوعي ما يتيح له النظرة الشاملة, الرؤية التي تناقش وتحلل وتتفق وتختلف.أثق أن النضال المقاوم الذي يخوضه الشعب الفلسطيني ضد العنصرية الصهيونية هو الشاغل الأهم لكل المبدعين, انطلاقاً من الوعي بالقضية, بواعثها وظروفها وواقعها ونتائجها المحتملة.
الصراع العربي - الصهيوني في فلسطين يعني المواجهة بين الحضارة العربية والهمجية الصهيونية, بين إرادة الحياة على هذه الأرض مقابلاً لإرادة الغزو والاحتلال والاستيطان, التعامل مع تطورات الأحداث بمنطق نكون أو يكونون, والقيام بدور المحفز والمحضر, ومحاولة التوصل إلى آراء إيجابية ربما أسهمت في توضيح ما يفيد منه أصحاب القرار. والحق أن المبدع هو أشد الناس التصاقاً بقضايا مجتمعه, وقضايا الإنسانية بعامة. إنه يملك من المعرفة والوعي ما يتيح له النظرة الشاملة, الرؤية التي تناقش وتحلل وتتفق وتختلف.
ذلك هو موقف كل المبدعين. المبدع قائد ثقافي في مجتمعه, وهذه القيادة لا تبين في التغزل بالقمر, ولا التغني بقطر الندى. لا قيمة لأي إبداع يغيب عنه الوعي في مواجهة الخطر. والخطر الذي نحياه - كما قلت - لا يقتصر على قطر بذاته, لكنه يشمل كل المنطقة العربية. إنهم يصرون على اجتثاث الوجود العربي من أرض فلسطين, بداية لتحقيق استراتيجية دامية, تمتد إلى بقية الأقطار العربية.
إعلام الذات
ما ملاحظاتك على الاستراتيجية التي يعمل الإعلام العربي في ضوئها?
- تتنقل متابعتي بين أكثر من قناة فضائية عربية. القضية الأهم ما يجري الآن في فلسطين المحتلة, صور تعكس بشاعة الممارسات الصهيونية وإدانات معلنة وبرامج ومناقشات وتحليلات موضوعية ومتحمسة, وإن التقت جميعها في وجوب استعادة الشعب الفلسطيني أرضه وإرادته وحريته, مقابلاً لإدانة جرائم عصابة شارون وشركائه!
أنتقل إلى قناة أوربية, نشرتها الإخبارية تقدم فقرات عن أحداث الأرض المحتلة.. لكن الصور والتعليقات تختلف تماماً عن تلك التي أجمعت القنوات العربية على تقديمها, ثمة العشرات من اليهود يشاركون في دفن جندي إسرائيلي قتله الفلسطينيون رداً على الاعتداءات الصهيونية المتكررة.
انتظرت بقية الفقرات, ربما تقدم الجانب الآخر من الصورة, وهو الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني.. لكن الأيدي الصهيونية بدت واضحة من وراء تتابع الصور والتعليقات.
المشكلة - باختصار وبساطة - أننا نتوجه بإعلامنا إلى أنفسنا, إلى نحن. نعرّف أصحاب القضية بعدالة قضيتهم! أما الإعلام الصهيوني فهو ينطلق بالأكاذيب والدعاوى الأسطورية إلى الرأي العام العالمي من خلال سيطرة إعلامية مؤكدة, تشمل الكتاب والصحيفة والفيلم والمسرحية والبرنامج الإذاعي والتلفزيوني. يضع نفسه دوماً في موضع البريء, الجزيرة المسالمة المحاطة بالأعداء.. ولأنه بلا تاريخ حقيقي ولا تراث ولا هوية, فهو يسطو على تاريخ شعب المنطقة وينسبه إلى نفسه. فإن لم يفلح نسب ما عجز عن سرقته إلى غير حضارته, فزعم أنه تراث شرق أوسطي!
والأمثلة كثيرة, تطالعنا بها - صباح مساء - وسائل الإعلام الأجنبية, والعربية أحياناً..
الرأي العام العالمي بعد مهم في أي قضية دولية, ومخاطبته تحتاج إلى استراتيجية تحسن العرض والمناقشة والتحليل, وتدحض الأكاذيب بالحقائق الموضوعية. لا يكفي شعورنا بأننا على حق وعدونا على باطل. المهم أن نؤكد حقنا - أمام الرأي العالمي - ونعري محاولات العدو.
حكومة المافيا الإسرائيلية جعلت قتل الفلسطيني روتيناً يومياً, لكنها تخاطب العالم عن العنف الفلسطيني.. والصورة في الغرب - باعتراف البعثات الدبلوماسية العربية - ليست هي الحقيقة, بل إنها النقيض تماماً.المسألة ليست في مجرد إجادة مخاطبة الرأي العام العالمي, لكن ما يتمخض عن ذلك من تأثيرات إيجابية بالنسبة للحق العربي, وسلبية بالنسبة للأكاذيب الصهيونية. أذكّر بإقدام العشرات من دول العالم - من بينها دول أوربية - على إدانة إسرائيل وقطع العلاقات معها عقب عدوان 1967. لم يفلح الإعلام الصهيوني - رغم هزيمة العرب حينذاك - في تغيير الحقائق.
ماذا عن المستقبل?
- أتمى أن أظل أكتب, وأكتب, بينما نظراتي تتجه إلى البحر.
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:51 PM
لحظــــــــة
قصة قصيرة جدا، بقلم: محمد جبريل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
أعادت تأمل الشعرة البيضاء . لم تكن رأتها من قبل . تنظر إلى المرآة إذا وضعت المساحيق ، أو مشطت شعرها ، أو وهى ترتدى الملابس . ربما تأملت وجهها ، أو جسمها كله ، بلا مناسبة . هذه هى المرة الأولى التى تكتشف فيها الشعرة قافزة فى الغابة السوداء خلف الأذن ..
غالبت مشاعر متباينة ، وإن غاب معناها الحقيقي . دارت بإصبعين كدوامة ، حتى اطمأنت إلى اختفاء الشعرة تماماً . تأكدت من البسمة التى لم تكن تغادر شفتيها ..
غادرت الشقة بخطوات بطيئة ..
ثم بخطوات أسرع ..
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:53 PM
الغربة فى الوطن والوطن فى الغربة
بقلم: د.عبد المجيد زراقط
................................
يثير عنوان رواية "زمان الوصل" فى ذهن القارئ ثنائية الحضور/ الغياب، ففى حضور "زمان الوصل" يستدعى الذهن غيابا تمثله موشحة "جادك الغيث.." و"زمان الوصل" فى الأندلس الذى تغنى هذه الموشحة حكايته يمثل تجربة فى التاريخ الإنسانى، ففيها تم الاتصال بالآخر لآونة من عمر التاريخ الإنسانى بدت كأنها حلم مر فى البال، أو أيام وصل اختلست ولم تعد، ولذا فكل من عاشها، كما لسان الدين بن الخطيب، أو عرفها، يرجو أن يسقيها الغيث لتتجدد.. وبخاصة فى هذا الزمن الذى تحكمه "أباتشى" الديمقراطية و"تيماهوكها"!
وإذ يستحضر الغياب، ويمثل، يسأل القارئ: هل من زمان وصل متجدد؟ هل نقرأ فى هذه الرواية قصته؟ أين تجدد؟ وكيف؟ ومتى؟ وفى هذا المناخ من الرغبة فى المعرفة تقلب الصفحات الأولى من هذه الرواية، وتبدأ القراءة..
تصدر الرواية بدعاء للفرعونى "سنوحى" تبرز فيه ثنائية طرفها الأول مكان الهرب –الغربة، وطرفها الثانى المكان الذى يسكن فيه القلب.. وإن يكن المكان الأول قد وفر الحماية، فقد بقى مكان الغربة، وإن يكن المكان الثانى قد دفع إلى الخروج منه هربا، فإن يبقى لاحيما ويعيده ثانية إليه ليدفن جثته فى الأرض التى ولد فيها وبقرب من أحب.
وإذ تبدو ثنائية هذين المكانين يطرح السؤال: فى أيهما كان زمان الوصل؟ فى مكان تم الخروج إليه هربا، فوفر الحماية، لكنه بقى غربة؟ أم فى مكان فقدت فيه الحماية، فتم الخروج منه هربا، لكنه بقى الوطن الذى يسكنه القلب، والذى ترجى العودة إليه ليكون أرض الموت كما كان أرض الولادة؟
يثير هذا السؤال إشكالية الغربة/الوطن التى يعيشها الإنسان العربى فى هذا الزمن، فهو يخرج هربا من مكان لا يتيح له فرص التحقق إلى مكان تتوافر فيه هذه الفرص، وفى هذا المكان يحيا تجربة اللقاء بالآخر والاتصال به والعيش وإياه.. ويحاول إقامة جسور بين مكانيه: شرق وغرب، شمال وجنوب، وتواجهه أسئلة كثيرة: إلى أيهما ينتمى؟ وفى أيهما يريد أن يبقى؟ وهل كانت نتيجة تجربته الوصل أو القطع؟
فى دعاء سنوحى إجابة تتحدث عن غربة حتمية فى المكان الآخر، وإن وفر الحماية، واختيار نص فرعونى دال على تاريخية الإجابة وليس على جغرافيتها فحسب.
وإن تكن هذه هى إجابة التصدير/القول التاريخى-الجغرافى، فماذا تقول الرواية التى نقرأ؟
تقول الرواية إن هاشم عاد من غربته فى اليونان بعد أن أمضى هناك ثمانية عشر عاما، فأمضى عشرة أيام فى مدينته الإسكندرية التى خرج منها هاربا من قسوة أبيه ومن عدم توافر مكان له يحقق فيه وجوده الفاعل.
فى هذه الأيام العشرة تدور أحداث الرواية، لكن مسار هذه الأحداث لا يمضى خطيا، بل يتخذ منحى متكسرا متقطعا يبطئه الاسترجاع من الماضيين القريب والبعيد، والاستباق، والتعرف إلى المكان من جديد بلغة مركزة دالة تخلق المعنى، فنعرف من هذا المعنى الذى توحيه، وعلى سبيل المثال، ما فقده هاشم، وسعى إلى تحقيقه.
يقول هاشم فى بداية الرواية:"الشارع أتذكره، أميل إليه من صفر باشا، أمضى فى الأرض الترابية، على اليمين دكانان، أحدهما مغلق، والثانى ترزى، عرض بذلة وحيدة فى الفاترينة الزجاجية.." فهذا السرد التصويرى المؤدى بجمل قصيرة يدل على فقر هذا المكان، وعلى عدم وجود فرص عمل، علاوة على دلالات أخرى تتبدى إن أكملنا القراءة، منها علامات تشكل خصوصية الفضاء الروائى، فالأرض ترابية فيها دكانان أحدهما مغلق والثانى ترزى علق بذلة واحدة فى "فاترينته"، ويضيف هاشم فى وصف البيت مستخدما السرد التصويرى الناطق بالمعنى:"..الجدران أكلها ملح البحر، والجدران المشققة تنز بالرطوبة، وقضبان النوافذ الحديدية علاها الصدأ.." نلمس فى هذه الجمل الفقر والبؤس والإهمال، ونلمس فى جمل أخرى التقاطا لتفاصيل ناطقة بالدلالة عندما نقرأ:"..على المكتب الصغير أوراق جريدة قديمة، حال لونها، وتقصفت حوافها: الحاكم العسكرى يفرض حظر التجول.. جنود الأمن المركزى دمروا المنشآت فى شارع الهرم.." والدلالة هنا واضحة، ففى الوطن قمع وقهر وسلطان ظالم مدمر.
وهكذا يتبين لنا من قراءة السرد التصويرى، ومن دون قول مباشر "الفقد" الذى أدركه وعاشه هاشم، ووهو الفقر وعدم وجود فرص عمل والتسيب والإهمال والقمع، والذى خرج ليعوضه فى مكان آخر من هذا العالم، لكن اللافت أن هاشم نفسه يعود إلى هذا المكان ليبقى فيه، وإن كان قد ازداد ترديا.
يعود هاشم إلى بيت الأسرة القديمة، وإلى شقة غاب عنها آخر ساكنيها منذ أربع سنوات أو خمس، بعد أن مات الأبوان والأخ المعوق، وذهب الأخوة الآخرون كل فى دربه. تطالعه رائحة التراب، يشمها ويسأل: هل هى رائحة الزمن؟
فى مناخ تسهم هذه الرائحة فى تشكيله، يمضى القص، ويلاحظ فيه، أولاً، تداخل الأزمنة: الحاضر، الماضى القريب، الماضى البعيد، المستقبل، فتمضى الأحداث فى الحاضر، وتسترجع أحداث من الماضيين، ويستشرف المستقبل، فيشعر القارئ كأن ديمومة زمنية تمضى أمام عينيه. وثانياً، أن هاشم يتعرف، وهو يحيا هذه الديمومة، إلى المكان الذى غادره ثم عاد إليه، بعينين جديدتين، كأنه يرى الأمكنة والأشياء للمرة الأولى، ويدرك أن الغربة فصلته عن زمن مختلف. وثالثاً، تغير زتوية الرؤية ووجهة النظر الرئيسية فى الرواية: هاشم بضمير المتكلم، ثم لا يلبث أن يخلى موقعه إلى الراوى بضمير الغائب، وهذا التبدل واضح الدلالة، وفى ما يأتى نقدم أنموذجا يوضح ذلك.
تروى الشخصية المشاركة الوحدات: العودة، البيت: تذكره، ما هو عليه الآن، ما كان عليه، الشقة.. وتقدمها من منظورها، بوصفها العنصر الروائى الأكثر قدرة على أداء هذا الدور: أداء السرد التصويرى الدال على إدراك الفقد المفضى إلى اتخاذ قرار الخروج من نحو أول، والتعرف إلى ما أحدثه الزمن من تغير إبان غيابه، واتخاذ قرار البقاء على الرغم من أن الواقع غدا أكثر ترديا من نحو ثان، وتشكل هذه الثنائية يطرح سؤالا عن أسباب العودة والبقاء، وهذا ما يوكل أداؤه إلى راو أكثر معرفة، وهو الراوى العليم، بوصفه العنصر الروائى الأكثر قدرة على القيام بهذا الدور، لأنه يعرف كل شئ، ويؤديه بموضوعية، من نحو أول وقادر على استخدام التقنيات ووسائط المعرفة من نحو ثان، لذا فهو يدير حوارا بين هاشم وأخيه محمود، فنتبين منه وجهة نظر كل منهما وعنف الأب، ثم يقص ويصف ويسترجع، وبقدم معلومات فى نهاية اليوم الأول، فى صيغة استفهامية تثير رغبة القارئ فى متابعة القراءة وشدته إلى معرفة ما حدث لهاشم الذى غادر راكبا البحر إلى دنيا جديدة يحبها، يسأل الراوى فى نهاية اليوم الأول: وهل انتهت حياة البحر بالعمل فى دكان ميخاليدس والزواج من كريستينا؟ فيسأل القارئ وهو يقلب الصفحة بعجل: من هو ميخاليدس؟ من هى كريستينا؟ أين وكيف ومتى عرفهما؟
وهكذا يمضى القص فى تناوب بين تتبع لاكتشاف الحاضر واسترجاع الماضى واستشراف المستقبل، وفى تناوب بين راويين، زاويتى رؤيا، يؤدى كل منهما دوره.
تنطق لغة القص التى يؤديها هاشم بخياره من دون أن يقول ذلك مباشرة، نقرأ على سبيل المثال قوله:"أعانى لحظات اختلاط الإحساس بالحياة فى بيريه والعودة إلى البيت" فالمكان الذى خرج إليه وعاد منه هو "بيريه" فحسب، أما المكان الذى خرج منه وعاد إليه فهو "البيت"، وهذه الثنائية: بيريه/البيت تدل على أن الطرف الأول مكان عام، أما الطرف الثانى فهو مكانه هو الذى يأوى إليه، ويحميه، إلى ما هنالك، مما يرمز إليه البيت.
والسؤال الذى يطرح هنا هو: لم اتخذ هاشم هذا الخيار؟ ماذا جرى فى الدنيا الجديدة التى رغب فى الخروج إليها والعيش فيها؟
رحل هاشم، وغدت الباخرة بيته إلى أن حط الرحال فى الميناء اليونانى بيريه، فعمل فى مقهى ميخاليدس، وهو يونانى ولد فى حى العطارين فى الإسكندرية فى ايام سعد باشا، وتركها فى أيام عبد الناصر، ثم تزوج حفيدته كريستينا التى يحبها وتحبه.
وتمضى الأيام "زمان وصل" لكن عوامل القطع تظل حاضرة فيه، فثنائية أنا/أنت أو هو تبقى قائمة بوصفها ثنائية اختلاف، تقول كريستينا عن حى العطارين فى الإسكندرية: أتصور من وصف جدى أنه أجمل أحياء الدنيا، لكن الجد تركه وعاد إلى بيريه، وتسأل زوجها: وأنت هل تحب بحرى؟ وهو الحى الذى عاش فيه فى الإسكندرية، فيجيب: طبعا، فتقول: وأنا أحب بيريه..
فى هذه النماذج نلمس ثنائية: أنا/ أنت، أحب/ تحب.. لكن الخصوصية تبقى داخل النفس، أما فى خارجها فيطمس حبه لكريستينا ذكريات كثيرة، ويهبه الزواج منها الحق فى أن يقيم بلا خوف، ويقرب له إمكانية الحصول على الجنسية اليونانية، ويغيب إحساسه بالغربة، فيقول لزوجته فى اليوم الثالث لانتقاله إلى بيت ميخاليدس: "مصر وطن عنيت فيه الغربة، واليونان غربة وجدت فيها الوطن" تقول: "هذا شعر" يقول:"ما أقوله هو الحقيقة.. بيريه الآن وطنى وسكنى.. وهى بك حبى أيضا" ويعمل ويطمئن ويخالط الناس، ويجلس على المقاهى، ويقنعه توالى الأعوام بأن بيريه هى الحاضر والمستقبل.
لكن عندما ذهبت كريستينا للصلاة فى الكنيسة غلبه الضيق، ولما طلبت منه أن يرافقها توتر، وترك البيت إلى قلب المدينة، ولم يدر كيف يتصرف عندما اكتفى أبواها منه بنظرة محايدة، وأعفياه من الجلوس إليهما، ما يعنى قطعا معه إن لم يكن رفضا..
وإن كان لم يعد يعانى تأثيرات الغربة: اللغة، سحب الإقامة، مداهمات الشرطة، النظرات الرافضة أو المستريبة، علاوة على التشابه الجغرافى الذى يكاد يكون تاما بين ميناءى بيريه والإسكندرية، فإن حواراته مع اليونانيين كانت تنتهى ب"القطع" وليس ب"الوصل"، ومنها حوار مع رجل يونانى جعله يكتشف أن اختلاطه بالمجتمع الذى وفد إليه هو اختلاط الزيت بالماء، ويتبين أن هجرته التى طالت لم تزحزحه عن موضعه فى الهامش، قال الرجل: مصيبة لو أن القرعة ألزمتنا باللعب مع تركيا، قال هو:أرى أن نبتعد بالرياضة عن القضايا السياسية. قال الرجل: هذه مسألة نعرفها نحن أبناء اليونان. أجاب: أنا الآن يونانى. قال الرجل: نحن يونانيون، وأنت تستوطن اليونان.
واقتحمه شعور بأن كل ما حوله يعاديه، وأن عليه أن يبادله العداء نفسه، وبدأ يؤرقه السؤال: هل يظل أجنبيا إلى الممات؟ ولعل هذا السؤال نفسه هو الذى أرق ميخاليدس من قبل فى الإسكندرية. قال العجوز: كانت الإسكندرية مدينتى لولا أن الظروف تغيرت. والظروف تغيرت فى أيام عبد الناصر، أى فى أيام نهوض الشعور/المشروع القومى الذى واجه الآخر/المستعمر الغربى، فادار صراعا حادا على مختلف المستويات، هدفه القضاء عليه، ما جعل ميخاليدس، وهو غربى، يشعر بتغير أدى إلى اتخاذه قرار العودة إلى بيريه.
وإذ يقرر هاشم العودة إلى الإسكندرية يقول لكريستينا عندما تسأله عن السبب: "الطير يتجه نحو الجنوب وراء علامات لا يراها غيره" فقالت: "لا أتصور أنى أبتعد عن بيريه.. سأنتظرك حتى تعود. قال: قد لا أعود. وفى بساطة حاسمة قالت: وأنا لن أغادر بيريه".
وهكذا حسم الخيار، وعاد هاشم ليفتح باب شقة تجاور مقام سيدى منصور، أغلق منذ خمس سنوات، ذهب الأهل، وبقى هو يحاول أن يرتب الكلمات المتشابكة، المتقاطعة.. وتتصاعد من المقام زغرودة طويلة يحدس أنها لامرأة أوفت نذرها، فهل هذه العلامة هى إحدى العلامات التى لا يعرفها سوى الطير العائد إلى الجنوب؟ وهل حدسه هذا يجعله يشعر بأنه ينتمى إلى المكان وليس أجنبيا؟
وإذ تنتهى من قراءة الرواية يخطر لك غير سؤال، فهل من الحتمى أن يكون اختلاط أنا وأنت أو هو اختلاط الزيت بالماء؟ وهل أن شعور الأنا الممض بأنه أجنبى فى بلاد الأنت يدفعه إلى الخروج منه والعودة إلى حيث يشعر بالانتماء؟
فى الرواية ما يشير إلى أن الإجابة عن هذه الأسئلة هى نعم، لكن فى الرواية ما يقول: إن الأنا حين يعانى الغربة فى الوطن، أى عندما يشعر بالفقد، يخرج ليعوضه، ويسعى ليبحث عن الوطن فى الغربة، وقد يجده، وعندما يجده يشعر بفقد آخر، فيعود ليعوضه، وهكذا فى حلقة تدور، وليس فيها من زمان وصل دائم، ما يطرح سؤالا حضاريا كبيرا: لم لا يكون فى هذا العالم مكان يدوم فيه زمان الوصل؟ أى لم لا يكون فى هذه الدنيا وطن لا يشعر فيه الإنسان أيا يكن بالغربة؟ وان استحضرنا الغياب الذى بدأنا الكلام به نسأل: هل جاد التاريخ، ذات عصر، بهذا المكان فى أندلس، حيث أزهر زمان غنى الشاعر حكايته التى مرت كما حلم فى كرى أو خلسة المختلس، فطلب للغيث أن يجود ويسقى.. فلعل هذا الزمان يعود يوما؟ ولكن أليس هذا حلم آخر فى زمن "زيوس" العالم الجديد؟
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:54 PM
«الشاطئ الآخر»
بقلم الدكتور: أحمد زياد محبك
أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة حلب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
_ 1 _
رواية رقيقة رشيقة ، لطيفة ناعمة ، شديدة التكثيف ، مثل مروحة صينية صغيرة ، مطوية في يد سيدة رشيقة ، تبدو صغيرة ذات بعد واحد ، تفتحها ، فإذا هي ذات أبعاد ، تحمل رسوماً وألواناً جميلة للحب والشباب والتاريخ والسياسة ، تلك هي رواية الشاطئ الآخر للكاتب الروائي والقاص محمد جبريل ، وقد صدرت عام 1995 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ، في القاهرة ، وتقع في 126 صفحة من القطع المتوسط ، ولا تزيد عدد كلماتها على 24 ألف كلمة ، تنثال في ليونة من غير أن تقسم إلى مقاطع أو فقرات أو وحدات .
والرواية تقدم خبرة شاب يطرده أخوه من البيت بعد وفاة الأب ، فيلجأ إلى الأجنبي ، ليتفتح وعيه في "الشاطئ الآخر" ، ويعرف الحب ، ويمتلك المعرفة ، ثم يعود إلى بيت الأب ولقاء الأخ ، بعد أن عرف العالم ، ويرتبط ذلك كله بالواقع الخارجى ، بما فيه من متغيرات ، بخيوط حريرية ناعمة ، فيمكن عندئذ قراءة الرواية قراءة أخرى ، لتغدو بشكل ما تعبيراً عن حياة أمة ، لا مجرد حياة فرد .
والرواية تحكي عن شاب جامعي ، يدعى حاتم ، يعمل نادلاً في مطعم ، يموت أبوه رضوان ، وقبل ثلاث سنوات كانت أمه قد ماتت ، ويفجؤه أخوه طارق ، وهو ضابط في الجيش ، بطرده من شقة الوالد ، ليستأثر بها ، بدعوى الزواج ، حتى إنه ليستأثر بالأثاث ، ولا يعطيه شيئاً منه ، ويلجأ حاتم إلى سمسار ، فيؤجره غرفة في شقة لدى سيدة يونانية ، ترحب به ، في الوقت الذي لا يرحب به بيروس زوج ابنتها فيرجينيا ، وكان حاتم من قبل قد تعرف إلى شاب يوناني ، يدعى ديمتريوس ، ويعرفه هذا الشاب إلى عالم واسع من الثقافة الغربية ، كما يعرفه إلى أخته لأبيه ياسمين ، وسرعان ما يقع حاتم في حبها .
ويرافق ذلك كله كما تذكر الرواية إقالة محمد نجيب في نوفمبر 1954 وميل عبد الناصر في سياسته الخارجية إلى الكتلة الشرقية بشرائه السلاح من تشيكوسلوفاكيا, ثم امتناع الولايات المتحدة عن تمويل بناء السد العالي وتمويل الاتحاد السوفيتي له, وما تلا من تأميم عبد الناصر لشركة قناة السويس, وما أعقبها من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956وزيادة التقارب بين مصر و الاتحاد السوفيتي.
_ 2 _
ويبدو الحب في الرواية العنصر الأكثر بروزاً, فهو حاجه أساسية, ولا سيما بالنسبة إلى حاتم بطل الرواية, ويظهر الحب متأثراً بقوى الواقع وظروفه, ولا يظهر قوة فاعلة مؤثرة, ويرجع ذلك إلى شخصية حاتم, فهو بحاجة إلى الحب, ولكنه لا يعرف المنفذ إليه أو السبيل, أو لعله يعرف ولكنه لا يستطيع أن يبادر- بحكم تكوينه- فهو شاب مثقف, يميل إلى المطالعة والقراءة (ص23) ولعله يشبه هاملت الذي يطيل التأمل والتفكير, بخلاف روميو الذي يميل إلى المبادرة والفعل.
وللحب في حياة حاتم جانبان اثنان, الأول ذهني ثقافي مجرد, والثاني عملي واقعي تجريبي, وفي الجانب الأول, وهو الطاغي يتعرف حاتم إلى الحب من خلال كتب التراث, من كتابات ابن الجوزي (ص61) والمفضل بن سلمة (ص64) وابن حزم (ص68) و(ص73) والماوردي (ص 70) وابن قيم الجوزية (103) وداود الأنطاكي (ص112), فهو يقرأ فيها, ويختار مقبوسات منها, تتعلق بأوصاف الحب والحبيب, وحالات الحب وأشكاله ودرجاته, وهي مقبوسات كثيرة, تدل على ثقافة حاتم وتمسكه بالتراث ولجوئه إليه بعد موت أمه وأبيه وطرد أخيه له من الشقة كما تدل على شعوره بالخلاص من الغربة التي يعانيها في حياته مع ديمتريوس وفي شقة السيدة اليونانية, كما تدل تلك المقبوسات على شخصية مثالية ذهنية تتعلق بما هو كلي مجرد, وبما هو نظري, وهي شخصية تنطلق من الأخلاق والفكر والثقافة إلى الواقع لتتعرف إليه, وتبدو المقبوسات على كثرتها رشيقة, لا تخلو من ذكاء, وحسن انتقاء, وهي تسد فراغاً كبيراً في حياة حاتم, وتدل على شخصيته دلالة قوية, ولا غنى عنها, كما تبدو ملتحمة بالبناء الكلي للرواية, وقد جاء كل منها في موقعه من الرواية وفي الجانب الثاني, وهو الواقع, تبدو تجربة الحب لدى حاتم محدودة جداً, قوامها الحياء والخجل, لذلك كانت عفيفة, بعيدة كلياً عن الممارسة الجسدية, ولم تتجاوز في أقصى أبعادها قبلة واحدة, جاءت عفواً على سبيل المصادفة, وإن كانت تجربة الحب قد مرت لدى حاتم بمراحل وحالات قاربت فيها المحظور, ولكنها ابتعدت عنه بقدرة غريبة كأنما كتب لحاتم أن يحافظ على عفته وبراءته, وهذا ينسجم في الواقع مع شخصيته, فهو مثقف مهذب, تلقى تربية صارمة, ونشأ في أسرة محافظة متماسكة.
وتبدأ تجربة الحب لدى حاتم في الواقع بعشقه الطفولي البريء لابنه الجيران مديحة, وكتابة قصة عنها ثم تمزيقها وهو في الثانية عشرة (ص53-54) وتنمو معرفته عن الحب بما يسمعه من زميل له في الصف عن علاقاته بالبنات ويحاول أن يرسم صورة لها في ذهنه فلا يفلح (ص54) وقد حاول مرة ممارسة الجنس مع باغية ولكنه اضطرب وعف وخرج من غير أن يفعل شيئاً، مما يدل على حشمة فيه وحياء (ص56-57).
لقد احتفظت الرواية لحاتم ببراءته وطهره ونقائه ليكون تفتح الحب لديه في أرض طهور لا يعرف فيها قبل الحب شيئاً, وليكون استقباله له عذباً بريئاً (ص57).
ويعلل حاتم عدم معرفته الحب في الواقع بعدم مصادفته له, أو انتظاره أن تبادر الفتاة (ص55) ولكن ذلك وحده غير كاف, فقد أتيحت له أكثر من فرصة, ولكنه عف, وتردد, ومرجع ذلك في الواقع إلى تكوينه, فهو شاب مثقف متأمل يميل إلى المطالعة والبعد عن الواقع, لقد كانت صفاء ابنة عمه تغلق عليه باب الحجرة, وتحدثه عن الحديقة والأشجار ولقاء الشباب والصبايا, وتقعد قبالته في وسط السرير, وتزيح روبها الوردي عن جسدها, وتسأله إن كانت له صديقة, وهو لا يستجيب لها, فتمل منه (ص85-88)ويحدث أن تنطلق صفارة الإنذار معلنة عن غارة, وتفزع إليه السيدة اليونانية, فتلجأ إليه, وتتمسك بيديه, وتثور في نفسه رغبة غامضة, وينتظر أن تبادر هي, ولكن سرعان ما تنطفئ تلك الرغبة, عندما تنطلق الصفارة الثانية معلنة عن الأمان (ص107-108), ولا ينظر حاتم إلى فرجينيا نظرة اشتهاء البتة, على الرغم من أنه يلتقيها كثيراً في منزل السيدة اليونانية, بل إنه لا ينظر إليها إلا على أنها زوجة لبيروس وأم لوليدها الذي تعني به كثيراً, ولا يفكر في التعرف إلى جسد المرأة من خلالها.
هذه العفة لدى حاتم هي التي جعلت مشاعره تتجه نحو ياسمين أخت ديمتريوس, وهي من أم يونانية وأب مصري, وقد تفتح حبه لها وفق إضاءات مشرقة من قراءاته في كتب التراث عن الحب, مما يؤكد سمو مشاعره ورقيها ، ومما يدل على استناد هذا الحب إلى جذر معرفي تراثي ، ليؤكد البعد الحضاري والإنساني للحب . إن حب حاتم لياسمين هو حب عذري بريء يستند إلى العفة والطهر والنقاء ، ويقوم على الخجل والحياء ، ويرجع إلى ثقافة حاتم وتفكيره وسمو روحه ، وذات يوم تعرض عليه ياسمين ألبوم صورها ، وتغطي بيدها صورة لها وهي بالمايوه ، ويفكر في أن يدفع يدها ليرى الصورة (ص 69 ) ولكنه يكتفي بالتفكير ولا يفعل شيئاً ، ولعل هذه العفة هي التي جعلت مشاعره تنمو وتنضج ، وتسير بهدوء مع حركة الواقع ووفق إرادة الحياة ، لا إرادته هو ، إلى أن كان يوم زار فيه حاتم صديقه ديمتريوس ، فاستقبلته ياسمين وأخوها غائب ، وحدث أن أطلقت صفارة الإنذار معلنة عن غارة على الإسكندرية ، فتفزع إليه ياسمين ، ويضمها إلى صدره ويقبلها ( ص 101 ) وهي القبلة الوحيدة ، وقد جاءت تتويجاً لنضج المشاعر، كما جاءت نتاج المصادفة ، وبدافع من الواقع .
إن هم حاتم هو البراءة والنقاء والطهر ، وبما أن قبلته لها هي أول قبلة في حياته ، دليل طهره وبراءته ، لذلك يسأل نفسه : " هل كان ما حدث أول قبلة لرجل في حياتها ؟ مثلما هي أول قبلة في حياتي ؟ " ( ص 101 ) بل إنه لا يتردد في سؤالها : " هل أحببت إنساناً آخر قبلي ؟ " ( ص 110 ) والسؤال فيه من السذاجة والعفوية بقدر ما فيه من دليل على البراءة والطهر ، ويؤكد ذلك تصوره لياسمين زوجة له في المستقبل ( ص 111 _ 112 ) دليل صدقه أيضاً وبراءته .
ولكن ، إلام سينتهي هذا الحب العذري الصادق الجميل ؟ إن الأسباب التي قادت إلى هذا الحب ، هي التي نفسها ستقود إلى نهايته ، وهذا هو الطبيعي ، إن حاتم لم يملك في الواقع حرية الحب ، ولم يملك في يوم إرادة الفعل، أو القدرة على المبادرة ، هو لطيف ، رقيق ناعم وهو مثقف وقارئ جيد ، وهو نبيل وصادق ، وهو عاطفي وسريع الاستجابة وقوي التأثر ، ولعله يعي ذلك كله ( ص 120 ) ، ولكنه لا يملك القدرة على المبادرة .
إن طرد أخيه له من الشقة ، وتعرفه إلى ديمتريوس ، وزيارته له في منزله ، وحرب السويس ، والغارات على الإسكندرية ، وفزع ياسمين ، ومعانقتها له ، هي جميعاً الظروف التي كونت حبه وصاغته ، وعندما تتغير هذه الظروف سينتهي حبه ، فلقد انتهت الحرب ، وطرد عبد الناصر الإنكليز والفرنسيين ، وتحمس اليونانيون لمغادرة مصر ، بمن فيهم ديمتريوس وأمه ، وطارق الذي طرد أخاه من شقة أبيه يدعوه إلى العودة إليها .
وهكذا تغيرت الظروف التي قادت إلى الحب ، فينتهي الحب ، لذلك يظن حاتم أن العالم كله متآمر عليه، وقد نسي أن هذا العالم هو نفسه الذي وضع ياسمين بين يديه ، يقول حاتم : " لماذا يتآمر العالم على سعادتي؟ ما صلة ياسمين وصلتي بالسد العالي وتأميم القناة والحرب وخروج الأجانب ؟ " ( ص 123 ) .
_ 3 _
وبمقابل حب حاتم لياسمين ، يظهر حب آخر ، شاذ ، غير سليم ، هو حب ديمتريوس لحاتم . لقد ظهر ديمتريوس الملاذ لحاتم ، فهو الصديق الذي استضافه في منزله ، واتخذ منه صديقاً ، ومنحه شعور الصداقة، وعرفه إلى أخته ياسمين ، كما عرفه إلى الثقافة الغربية ، فكان يقرأ له عيون الأدب العالمي ، من هوميروس إلى كافافيس ، مروراً باسخيلوس ودانتي وشكسبير وكازنتزاكي وغيرهم كثير ، وكان حاتم بأشد الحاجة إليه ، في الوقت الذي خذله فيه أخوه وطرده من شقة الوالد ، وحرمه من الأثاث والتراث .
ولكن ، ذات يوم اقتحم ديمتريوس عالم حاتم ، وقبله في فمه ، فصفعه حاتم عدة صفعات ، ووضع حداً لاندفاعاته ( ص 83 ) فأكد له ديمتريوس أنه لا يزوره إلا لغاية في نفسه ، فزجره وكاد يلكمه ، فاعترف بأن الخياط الأرمني في أسفل البناء المقابل قد نال منه ( ص 84 ) . وكان حرياً بديمتريوس أن ينقاد إلى الحب كالحب الذي انقاد إليه حاتم ، فهو مثقف مثله ، فما الذي قاده إلى هذا الشذوذ ؟ لقد دخل ديمتريوس ذات يوم على حاتم ، ليقرأ له صفحات من رواية لكافافيس عن صديقين تقودهما الصداقة إلى ممارسة علاقة شاذة ( ص 81 ) ثم يسأله إن كان قد قرأ " صورة دوريان غراي " لأوسكار وايلد ، فيرد عليه حاتم :
" لا أحب الأصدقاء غير الأسوياء " ( ص 81 ) ويرد عليه ديمتريوس : " أن يكون المرء قاتلاً فذلك لا يدعو لإدانة ما يكتبه ، كما أن الفضائل العائلية ليست أساساً حقيقياً للفن " ( ص 81 ) وهذا الكلام لأوسكار وايلد نفسه ، وهكذا تقف الثقافة الغربية بما فيها من شذوذ وراء شذوذ ديمتريوس ، كما تقف الثقافة العربية بما فيها من حب عذري عفيف وراء عفة حاتم وطهره .
ولكن ، مما لا شك فيه ، أن الثقافة وحدها ليست العامل الوحيد المؤثر في كل من حاتم وديمتريوس ، ولابد من وجود أسباب أخرى . ويمكن أن نرى ذلك واضحاً في أسرة كل منهما، فحاتم نشأ في أسرة متماسكة ، والده رصين متوازن ، له حياة هادئة مستقرة ، لا يغادر المنزل إلا إلى المقهى المجاور ، وهو يحافظ على الصلاة في المسجد ، وعندما ماتت زوجته حزن عليها أشد الحزن ، ولزم بيته ، وطرد عدة خادمات ترددن على المنزل وفاء منه لزوجته ، ثم " دخل في شرنقة من الهدوء السادر " ( ص 13 ) وفقد ذاكرته ، ولم ينطق بعد ذلك بغير كلمة واحدة : " البكاء لن يعيدها " ( ص 13 ) مما يدل على وفائه لزوجته وحبه لها حباً قوياً صادقاً ، وقد توفي بعدها بثلاث سنوات ، وكان قارئاً نهماً ، وقد حول النملية إلى مكتبة كدست فيها الكتب والمجلات وعلى الجدار سبحة كبيرة الحبات ( ص 23 ) ، وكانت الأم حريصة على تأمين حياة هادئة آمنة لولديها حاتم وطارق ، وكانت تريدهما أن ينصرفا إلى الدراسة ولا يشغلا عنها بشيء.
وبالمقابل نشأ ديمتريوس في أسرة تحوي كل التناقضات ، فهو يحيا مع أمه اليونانية وزوجها المصري ، ومعهما ياسمين أخته من أمه ( ص 20 ) وهو يعد نفسه أوروبياً يحيا في مصر ، فهو يعيش في أوربة من خلال الأفلام والكتب والإذاعات والأغاني ( ص 27 ) ويرى الإسكندرية أحد شواطئ البحر الأبيض مثل أثينا ومرسيليا ونابولي ( ص 27 ) ، وهو يعيش مع أمه المسيحية وزوجها المسلم ويدرك أن الدين لا وجود له في البيت ( ص 59 ) .
وتنتهي الصداقة بين حاتم وديمتريوس بانتهاء حرب السويس ، وعودة ديمتريوس مع أمه إلى اليونان ، وينتهي الحب أيضاً بين حاتم وياسمين ، كما تنتهي إقامة حاتم في منزل السيدة اليونانية ، إذ تقرر هذه الرحيل أيضاً إلى اليونان ، ويرجع حاتم إلى بيت والده بدعوة صادقة من أخيه طارق .
_ 4 _
ولقد عنيت الرواية بتقديم صور دقيقة وواضحة للشخصيات ، ولاسيما للوجوه والملامح والقامات سواء في ذلك الشخصيات الرئيسية أم الثانوية , وهي مرسومة من زاوية حاتم , الراوي والبطل , ومنها صورة لوجه ديمتريوس ( ص 17 ) وصاحب الوكالة ( ص 18 ) والعم شقيق رضوان ( ص29 ) وسمسار العقارات (ص31 ) والسيدة اليونانية ( ص34 ) وابنتها فيرجينيا ( ص 38 ) وزوجها بيروس ( ص 38 ) وياسمين (ص 48 ) .
يقول حاتم في تصوير ياسمين : " كانت في حوالي الخامسة عشرة , امتزجت في وجهها الملامح الأوربية والعربية , بما لا تخطئه العين , الشعر أسود ينسدل إلى الظهر ، و الوجه مستدير ، تعلوه عينان واسعتان بنيتان ،تسكن إليهما ، تحيا فيهما ، تتوق لأن تظلا تنظران إليك ، ولا تخفض عينيك عنهما ، تظللها أهداب طويلة ، والأنف صغير ، والشفتان ممتلئتان ، والبشرة بيضاء مشربة بحمرة خفيفة ، ارتدت جلابية من " الفوال " المنقط ، تحتها قميص أبيض ، وانتعلت حذاء مفتوحاً ، تطل منه أصابع مطلية بالمانيكير " (ص48).
والوصف يشمل الوجه والقوام ، والحركة والسكون ، ولا يخلو من تدقيق في بعض التفاصيل الدالة والمعبرة ، ولعل أجمل ما فيه الجمل الأربع الدالة على أثر نظرتها في النفس.
وربما بدا وصف سمسار العقارات أكثر تميّزاً ، وحاتم يصفه على النحو التالي " كان الرجل وراء المكتب الخشبي الصغير مشغولاً بشد أنفاس شيشته ، في حوالي الخمسين ، له أنف ضخم ، وشارب رفيع كالخط المتداخل البياض والسواد ، فوق شفتين زاد من امتلائهما بروز في السنتين الأماميتين ، يركز نظرته على عيني محدثه ، كمن يريد أن ينفذ إلى داخله ويحرص على تحريك يده ، وهو يتكلم ، ليرى محدثه الساعة الذهبية في يده ، وكان يرتدي جلباباً صوفياً ، ويضع على رأسه طاقية من الصوف ، ويغطي عنقه بتلفيعة تدلت حتى الصدر " ( ص 31 ) .
والوصف لا يخلو من بطء وهدوء ، وهو يستغرق في تفاصيل دقيقة ، ولكنها ذات دلالات نفسية واجتماعية واضحة ، ومثل هذا الوصف للوجوه والملامح والقامات أضفى على الرواية تميزاً وخصوصية ، ومنحها قدراً غير قليل من ملامح البيئة .
_ 5 _
وتدور حوادث الرواية كلها في الإسكندرية ، ولا تكاد تستغرق أكثر من عامين ، وغالباً ما تدور في ثلاثة أماكن رئيسية ، هي بيت الأب رضوان ، وبيت السيدة اليونانية ، وبيت ديمتريوس ، والرواية تصور البيوت الثلاثة وهي تمور بالحياة والحركة ، وتصور الحياة من حولها ، وما تطل عليه من بيوت وأزقة ، وحارات وأسواق ، ومساجد وكنائس .
والرواية تصف كل بيت من البيوت الثلاثة من الداخل والخارج ومن ذلك وصف بيت ديمتريوس من الخارج كما يراه حاتم حيث يقول : " البيت في شارع الكنيسة الأمريكانية ، ملاصق للكنيسة الإنجيلية ، وبالقرب من نقطة شريف ، من ثلاثة طوابق ، يطل في الجانبين على شارع سيدي المتولي وشارع توفيق، الوجوه التي تطل من النوافذ والشرفات معظمها لأجانب ، يتطلعون إلى الطريق ويقرؤون الصحف ، ويتبادلون الأحاديث ، وكانت البالوعات على جانبي الشارع قد ابتلعت مياه الأمطار ، لم يعد إلا التماعات متناثرة " ( ص 19 ) .
وتصف الرواية غرفة ديمتريوس كما يراها حاتم . حيث يقول : "في مواجهة الباب بوفيه ذو مرآة بيضاوية مطوية في بعض جوانبها ، وعليه قطعة رخام تكسرت حوافها ، تتوسطها فازة زرقاء يتصاعد منها ثلاث ريشات طاووس ، إلى اليمين فوتيل بامتداد معظم الحائط ، يقابله كرسيان ، تغطت جميعها بكرتيون أبيض ، فصل عليها ، وفي المنتصف ترابيزة خشبية مستطيلة ، عليها مفرش من الدانتيل الأبيض، وتدلت من السقف نجفة عنقودية الشكل ، انطفأ معظم لمباتها ، وعلقت على الجدار _ أعلى الفوتيل _ لوحة زيتية لبنات بملابس شفافة " ( ص 20 )
والوصف لبيت ديمتريوس من الداخل والخارج لا يخلو من التتبع للجزئيات والتفاصيل ، والغاية من أكثرها الدلالة على نمط من الحياة فيه قليل من الغنى وكثير من الاختلاف عن البيت المصري ، أي أن الغاية من هذا الوصف هي القول إنه بيت أجنبي من الداخل والخارج ، وفي نمط الحياة ، ويبدو الوصف هادئاً فيه قدر غير قليل من البطء ، بسبب تتبع التفاصيل ، وربما كان أكثر منه إغراقاً في التفاصيل وصف منزل السيدة اليونانية كما يراه حاتم ، حيث يقول : " على يسار المدخل كونصول قديم ، مشغول بالأرابسك ، تعلوه مرآة بيضاوية الشكل ، ومن أعلى الطرقة تتدلى نجفة ذات أربعة أذرع ، يفضي المدخل إلى صالة واسعة ، يشغلها أنتريه أسيوطي ، وترابيزة سفرة مستطيلة ، عليها منفضة خالية من أعقاب السجاير ، وحولها ستة كراسي ، وتتوسطها علبة من الصدف مغلقة ، وعلى الجدران صور عائلية ، ولوحات مقلدة لأعمال فنانين عالميين ، ومشاهد خمنت أنها لمدن يونانية تطل على الساحل ، وأعلى باب الشقة من الداخل علق صليب خشبي ، عليه نحت للمسيح وهو يضع إكليل الشوك ، وعلى يمين الباب ممر ضيق نسبياً ، توقعت أنه يفضي إلى المطبخ والحمام وغرفة النوم " ( ص 34 ) .
والتدقيق في الوصف واضح ، والغاية منه تأكيد بعض الصفات منها هدوء الحياة في البيت وسكونها ، وقدم الأثاث ، وطابعه الأجنبي ، مما يؤكد محافظة أهله على حياتهم الأجنبية بالإضافة إلى دلالته على ديانة سكانه ، وهي المسيحية .
وعلى الرغم من غنى الدلالات وأهميتها ، يظل الوصف هادئاً ساكناً ، لا يخلو من بطء ، يضعف من إيقاع السرد ، بسبب الاعتماد على الوصف المحض ، بعيداً عن ربطه بحياة الناس وحركتهم داخل المكان وعيشهم فيه .
وتصور الرواية الحياة الموارة داخل بيت الأب رضوان ، من غير أن تصف أي ركن فيه أو جزء أو مكوّن من مكوناته ، ويأتي التصوير دالاً موحياً ، وحافلاً بالحياة ، على نحو ما يروي حاتم حيث يقول : "أبي يعود عقب صلاة العشاء ، يجلس في الصالة أو الشرفة المطلة على شارع الميدان ، يستمع إلى الأغنيات في فونوغراف القهوة ، أسفل البيت ، إلى موعد نشرة الأخبار ، يدير الراديو حتى يسمع السلام الوطني ، فيغلق الراديو ويدخل حجرة نومه المطلة على الشارع الخلفي " ( ص 9 ) .
وواضح أن قيمة المكان لا تكمن في وصف جزئياته وتتبع تفصيلاته ، إنما تكمن في تصوير الناس وهم يملئون المكان بالحياة .
وبصورة عامة تبدو الإسكندرية في الرواية جميلة متألقة ، تمور بحياة الناس البسطاء العاديين ، حيث تنتشر فيها المساجد والمآذن والمقاهي والمطاعم ، وتتخللها بيوت اليونانيين ، لتزيد من بهائها وجمالها . ولكن حاتم يراها في النهاية وقد فقد حبه ، سوداء معتمة ، ملوثة كريهة ، وقد أسقط عليها كل خيبته ومرارته حيث يقول : " فسدت الحياة ، أفرغت ناقلات البترول ما بجوفها ، فتحول سطح البحر الذي أحبه إلى بحيرة واسعة من السواد الميت المتعفن ، تلاحقت سنوات واكتسح المد الضاري كل الأماني والأحلام والتصورات المنطلقة, علت الأمواج السوداء, فابتلعت ما بداخل البحر, وما على الشاطئ, انتزعت الصخور الأسمنتية, قذفت بها إلى آخر المدى, حتى ناس الطريق, كانوا شائهي الملامح, تطفح أعينهم توجساً وكراهية وحقداً" (ص125).
-6-
ويبدو الناس على "الشاطئ الآخر" على قدر غير قليل من العدائية والنفور والشذوذ, فكلهم يقررون مغادرة أرض مصر, لدى ظهور بوادر التغيير, إذ تقرر فجأة السيدة اليونانية مغادرة القاهرة, بعد انتهاء العدوان الثلاثي, من غير وجود أي مبرر لذلك, فقد أمر عبد الناصر الفرنسيين والإنكليز بالمغادرة, لأن إنكلترة وفرنسا شاركتا في العدوان الثلاثي على مصر, ولم يمس أحد اليونانين بسوء, وكذلك تقرر ابنتها المغادرة مع زوجها, كما يغادر ديمتريوس مع أمه.
وقرار المغادرة ليس غريباً, لأنهم كانوا يعيشون على أرض مصر بأجسادهم, في حين كانوا يعيشون في أوربة بأرواحهم, فهم يعيشون في الغرب بثقافتهم وقراءاتهم ومشاعرهم وأفكارهم وعاداتهم وأغانيهم ونمط حياتهم, ولا يرون في الإسكندرية إلا واحدة من موانئ المتوسط يقول ديمتريوس لحاتم: " الإسكندرية أحد شواطئ البحر الأبيض مثل أثينا ومارسليا ونابولي " (ص27), بل إنه يقول لحاتم: " هل تعرف أن اليونانين هم الذين أنشئوا الإسكندرية " (ص24) ثم يصرخ قائلاً: " أنا أوربي يحيا في مصر " (ص25).
وكانت فرجينيا وزوجها بيروس أكثر عدائية لحاتم, إذ لم يقرّا السيدة اليونانية على تأجيرها غرفة له في شقتها, وكانا طوال إقامته عندها صامتين تجاهه, لا يبادلانه الفكر ولا الشعور ولا الحوار, بل ينظران إليه بنفور شديد, وكانا على عداء واضح لعبد الناصر وثورة يوليو 1952 وكانا أول المتحمسين لمغادرة مصر.
إن نظرة الناس على الشاطئ الآخر إلى مصر والمصريين هي على الأقل نظرة نفور, ولا تكاد تخلو من نظرة عرقية, إذ ينكر ديمتريوس على حاتم أن يكون أشقر الشعر فهو يتصور أن كل المصريين سود الشعر (ص51) .
-7-
ومن هنا تبدو الصداقة بين حاتم وديمتريوس اليوناني صداقة عابرة كما يبدو لجوء حاتم إلى منزل السيدة اليونانية مجرد لجوء مؤقت, لم يوفر لحاتم الاستقرار، حتى حب حاتم لياسمين يبدو أشبه بمرح الأطفال، هو تفتح القلب على أول حب, اكتسب منه حاتم بعض الخبرة, ونضجت مشاعره, واكتوى ببعض الألم، ولكن الأجمل من ذلك كله أنه ظل محافظاً على نقائه وطهره وصفائه وبراءته, مستنداً إلى تراث عريق وأسرة متماسكة, ربته فأحسنت تربيته.
إن غربة حاتم خارج منزل أبيه لمدة عامين تقريباً من أواخر 1954 تاريخ إقالة محمد نجيب إلى انتهاء حرب السويس أواخر عام 1956, غربة أنضجت شخصية حاتم, وأفادته خبرة, ولكنها لم تلغ شخصيته, ولم تشوهها, بدليل حفظه على طهره وبراءته ونقائه, ولقد عاد إلى منزل الأب ولقاء الأخ.
إن غربة البطل, ولاسيما الشاب القليل الخبرة و خارج وطنه, ثم عودته إليه بعد كثير من المغامرات, فكرة رئيسية عالجتها كثير من الحكايات الشعبية و الروايات .
ومن هنا يبدو العنوان : " الشاطئ الآخر" واضحاً و شفافاً و دالاً ، وقد جاء معرفاً بأل وموصوفاً، فهو ليس الشاطئ الذي يقف عليه المرء ، إنما هو الشاطئ الآخر، وغالباً ما يبدو الشاطئ الآخر أجمل و أكثر إغراء، وهذا ما ينطق به المثل القائل: "الضفة الأخرى من النهر أجمل"، وهذا بعض ما يوحي به العنوان، وبعض ما تحققه الرواية أيضاً، فقد وجد حاتم فى الشاطئ الآخر المأوى و الصداقة والحب، في حين طرده أخوه من الشاطئ الذي هو واقف عليه .
ولكن بقدر ما يبدو الشاطئ الآخر سوياً وجميلاً ودافئاً بقدر ما يتبين أنه غريب وعابر ومؤقت , مما يترك في النفس شجناً وحزناً و أسى ، وهو حقيقة شاطئ غريب ولكن ما يطمئن النفس ويريحها ، هو العودة إلى البيت ، وهي عودة سليمة ، سلم فيها الجسد وسلمت فيها الروح .
ولذلك كله يبدو العنوان أليفاً ولطيفاً وشفيفاً ، لا غموض فيه ولا إبهام ، كذلك لا ابتذال فيه ولا مجانية ، وقد أبت الرواية ألا أن تشير إلى دلالة العنوان قبل النهاية, حيث يقول حاتم:" نقلني ديمتريوس إلى الشاطئ الآخر, أسماء لم أكن أعرف غالبيتها, ولا قرأت لها, وإن ظللت أجذف بقاربي في بحر الكتب العربية " (ص122), ويبدو توضيح حاتم أقل مما توحي به الرواية في بنائها الكلي, ولذلك تبدو الرواية بغنى عن توضيح حاتم.
ولحاتم نفسه من اسمه نصيب كبير من الدلالات والإيحاءات فهو بثقافته وشهامته وعفة نفسه وطهره وحبه, يذكر بحاتم الطائي بما امتاز به من كرم وجود وشهامة، وربما كان لأخيه طارق نصيب من اسمه أيضاً, فهو ضابط عسكري, وهو على قدر غير قليل من الغموض, والتفرد بالرأي والتسلط, وهو يذكر بطارق بن زياد القائد العسكري الذي لا يعرف المرء سوى الخطبة المنسوبة إليه, مع إنه كان بربرياً لا يجيد العربية, وربما في كون طارق ضابطاً عسكرياً ما يوحي بالمرحلة التاريخية التي تشير إليها الرواية إشارات متناثرة هنا وهناك, ولعلها توحي بما شهدته مصر بعد ثورة يوليو من معاناة المثقفين من سلطة رجال الثورة العسكريين.
- 8 -
وتتجاور الحوادث داخل الرواية وتتوازى مع الحوادث خارجها ، وفى بعض الحالات تتعانق ، بقدر كبير من إغراء المقارنة والبحث عن رمز ما أو كناية أو إشارة ، فالضابط طارق يطرد أخاه حاتم من المنزل بعد وفاة الأب، في الوقت نفسه الذي يقيل فيه رجال الثورة الرئيس محمد نجيب في 14 نوفمبر 1954، ويلجأ عبد الناصر إلى الكتلة الشرقية فيشترى السلاح من تشيكوسلوفاكيا ، ويأخذ قرضا من الاتحاد السوفيتي لبناء السد العالي، في الوقت الذي يلجأ حاتم إلي منزل السيدة اليونانية ليستأجر غرفة لديها ، وفي الوقت نفسه يقيم صداقه مع ديمتريوس و يحب أخته ياسمين، ومثلما قادت الغارات الجوية على الإسكندرية إلي العناق بين حاتم وياسمين ، كذلك قاد العدوان الثلاثي الذي شنته انكلترة وفرنسا وإسرائيل على مصر إلى تقارب شديد مع الاتحاد السوفيتي الذي أرسل إنذاراً إلى الدول الثلاث يطلب فيه إنهاء العدوان ، وإذا كانت علاقة الحب بين ياسمين وحاتم قد انتهت ، مثلما انتهت علاقة الصداقة بين حاتم و ديمتريوس مع انتهاء الحرب ، فإن علاقة الود بين عبد الناصر والاتحاد السوفياتى قد ضعفت كثيرا بعد انتهاء الحرب ، ومال عبد الناصر إلى أمريكا .
حوادث ومواقف كثيرة ،متوازية ومتجاورة ، داخل الرواية وخارجها ، بإشارات ذكية من الرواية نفسها ، ولكن ربما كان من الأجمل قراءة الرواية بمستوييها الداخلي والخارجي ، ومنح كل من الزمنين حريته، وشخصيته الاعتبارية ،وقد حققت الرواية لهما ذلك ، بعيداً عن القول بالرمز أو التأويل .
-9-
والرواية مسرودة بضمير المتكلم على لسان البطل حاتم ، وضمير المتكلم لا يتيح بصورة عامة للرواية من الحرية ما يتيحها له ضمير الغائب إذ يضطر الراوي إلى السرد من زاوية واحدة ، ولكن هذا يجنبه مزالق الراوي العالم بكل شيء ، ويمنحه بالمقابل بدائل منها وعى الذات ، وصدق الخبر ، ومعاينته الشخصية والتأمل ، وتحليل المواقف ، وحرارة اللغة وشاعريتها .
ومع أن الراوي واحد هو حاتم ، فقد جاءت لغته ذات مستويات متعددة ، فيها الوصف الهادئ المدقق ، وفيها التصوير الحي ، وتمتاز دائماً بالإيجاز والتكثيف، وقصر الجملة ، كما تظهر فيها حرارة الانفعال، والقدرة على التعبير عن أدق الخلجات والمشاعر .
ففي كثير من الحالات يعي حاتم ذاته ، ويعلل مواقفه ، ويفسر نفسيته ، ويتحدث عن نفسه عن ماضيه ، وعن أحلام المستقبل. يذكر حاتم غياب خبرته في عالم المرأة ، ويرد هذا الغياب إلى سبب خارجي يحدده بقوله : " كنت أنتظر وأتوقع البنت التي توارب أمامي الباب فتساعدني الجرأة على اقتحامه ، وأبوح بمشاعري " ( ص 55 ).
وهذا السبب الذي يعيه هو سبب واضح مباشر، يخفى في الحقيقة وراءه أسباباً أخرى قد لا يعيها حاتم ، منها تربيته وثقافته .
ويصف حاتم نفسيته، فيصور ما هو عليه من عاطفية وقوة تخيل واستحضار ، فيقول: "عاطفتي قوية ، أتابع مواكب الجنازات في طريقها إلى جامع الشيخ ، فتدمع عيناي لصوات النساء ، أبكى للمشاهد المؤثرة في الأفلام ...أهتز لبكاء طفل.. حتى التسابيح التي تسبق أذان الفجر من جامع الشوربجي تحرك في داخلي مشاعر حزينة " (ص 120 ) .
ويعبر حاتم عن حبه لياسمين وشوقه إلى لقائها ، فتأتى اللغة حارة رشيقة، حيث يقول:
" ياسمين ! الصورة تملأ خيالي ،لا تفارقني ، وأنا أصحو ، وأنا أنام ، وأنا أقعد ، وأنا أفكر وأنا أعمل ، وأنا أجالس الآخرين، تطايرت السدادة من القمقم في وقت لم أكن أعددت نفسي له ، انبعثت الحمم من البركان ، فاكتسحت حتى التصورات " ( ص 89 ).
ويعبر حاتم عن أدق الخلجات والمشاعر والحالات ، حيث يقول: " أدركت أن حياتي قد ارتبطت بهذه الفتاه الجالسة أمامي ، لا أتصور عالماً يخلو منها ، كان حبي لها يختلف عن حبي لأبى ولأمي، من قبل كنت أحب أبي دون أن أتدبر بواعث ذلك الحب ولا حالاته, لا يشغلني حبي لأبي فهو قائم ومستقر وملتصق بلحمي ويخالط ترددات أنفاسي, أنا لا أعنى بمتابعة دقات قلبي, ولا قياس ضغطي, ولا التأكد من قوة إبصاري, فهي حالات قديمة وممتدة, حالات من صميم حياتي, نشأت معها وترافقني, أما حبي لياسمين فهو حالة استثنائية, تبدل من حياتي, ينتشر نورها فيغمر نفسي " (ص69).
ويظهر التصوير في صنع معادل موضوعي خارجي لعالم داخلي, فلقد أدرك حاتم أن حبه انتهى, فعبر عن هذا الشعور بمقطع قوامه صورة شعرية متكاملة يقول فيها: " جاءت بلا توقع لحظة الفراق, كنت أسير في النهار المتألق بالضياء, عندما أظلمت الدنيا فجأة, ظلمة كثيفة متراكمة, لا تريك حتى داخلك, لا ترى شيئاً على الإطلاق, بدا لي الكون ضيقاً وموحشاً وقاسياً انزاحت في داخلي موجات متتالية من القهر والإحباط والعجز, تحسست لزوجة الدم في أنفي, والسن المكسورة في فمي, والشج في أوسط رأسي, وتخاذلت للضربات الموجعة, تاه قاربي, ولم يكن معي ما أطمئن به إلى الطريق الصحيحة, لا خريطة, ولا بوصلة, ولا مرئيات في الأفق, والسماء من فوقي ملبدة بالغيوم, فلا نجم أهتدي به, أعاني الظلام والغربة والضياء, اختلط طريقي, وفقدت الاتجاه" (ص124-125) .
إن السرد بضمير المتكلم من زاوية حاتم ساعد على إغناء الرواية بمقاطع من التحليل والتصوير بلغة لا تخلو من شاعرية, تناسب الحالة والموقف والانفعال , وتنقل ذلك كله بحرارة , من غير أن تفسد متعة السرد أو بناء الرواية .
-10-
ولم يكن حاتم بطل الرواية والراوي فيها فحسب , بل كان العنصر الأساسي المكون لها , والمحور الذي تنشد إليه عناصرها كافة , تتحد به , ويتحد بها وهذا ما يمنح الرواية وحدتها وتماسكها .
ولعل أبرز ما يميز حاتم هو طابع الثنائية , فحاتم يعيش الحب على مستويين , الثقافة والواقع , وحاتم يعاني من الغربة وهو في الوطن , فلديه بيت الأب ولكنه مطرود منه ولذلك يلجأ الي بيت السيدة اليونانية , وحاتم يصادق ديمتريوس ويحب أخته ياسمين , وحاتم يهرب من الواقع , والواقع يؤثر فيه .
ويظهر طابع الثنائية في عناصر الرواية كافة , فطارق يطرد أخاه من منزل الأب ثم يدعوه إلى العودة إليه , والأول ضابط عسكرية والثاني جامعي مثقف , وديمتريوس مسيحي وأخته ياسمين مسلمة , وهما يعيشان معاً في منزل واحد , الأب فيه مسلم والأم مسيحية , والسيدة اليونانية تعطف على حاتم , وينفر منه بيروس وزوجته فيرجينيا , وعلى أرض مصر في الإسكندرية يعيش ديمتريوس والسيدة اليونانية وابنتها وزوجها ولكن أرواحهم جميعا معلقة بأوربة , ولا ينسى المرء ثنائية الثقافة العربية التراثية والثقافة الغربية الأوربية من هوميروس إلى كافافيس ومن ابن حزم إلى داود الأنطاكي , وكذلك ثنائية الشاطىء والشاطىء الآخر .
والثنائية المشتركة بين عناصر الرواية هي ثنائية اختلاف ولقاء واتفاق , لا ثنائية صراع وصدام وخصام , والحركة تسير وسط هذه الثنائيات هادئة لينة رخيّة , من خروج حاتم من منزل الأب مطرودا مفارقا لأخيه , ليجري مع ديمتريوس وياسمين والسيدة اليونانية وليسير هؤلاء معه جميعاً في وفاق , ثم لينفضوا عنه , ويرجع ثانية إلى منزل الأب بدعوة من الأخ , وليس في هذه المسيرة صدام أو صراع أو خصام , إنما ثمة الوفاق والوئام .
وتبدو الحركة سائرة من اليمين حيث الأخ إلى الشمال حيث ديمتريوس اليوناني وأخته ياسمين والسيدة اليونانية , وفي هذا الاتجاه الذي هو نحو الغرب في الحقيقة يسير حاتم بصحبة ديمتريوس وأخته , ثم تنقلب الحركة في آخر الرواية , حيث يتخلى ديمتريوس والسيدة اليونانية عن حاتم بسفرهم إلى اليونان ويرجع حاتم وحده إلى منزل الأب بدعوة من أخيه فينقلب اتجاه الحركة ليصبح من الشمال إلى اليمين .
يقول حاتم في نهاية الرواية : "مسحت الميدان بعينين قلقتين ..مبنى الاتحاد القومي , وتمثال محمد علي, والكنيسة الإنجيلية وبقايا عصر إسماعيل في البنايات ذات الطراز الأوربي ..غالبت الحيرة والتردد , ثم لزمت الرصيف الأيمن , في طريقي إلي شارع الميدان " . ( ص 126 ).
وبمثل هذه الحركة داخل الرواية كانت الحركة تسير خارجها , إذ مال عبد الناصر إلى المعسكر الاشتراكي فاشترى منه السلاح وأخذ القرض لبناء السد العالي , وبعد العدوان الثلاثي علي مصر عاد فمال إلى الغرب الأمريكي .
وهنا تظهر ثنائية الذهاب والإياب, وثنائية الداخل والخارج, وثنائية اليمين والشمال , وهذا ما يؤكد طبيعة الثنائية التي تحكم بناء الرواية , وتمنحها التماسك والوحدة .
*
وتظل رواية " الشاطئ الآخر " لمحمد جبريل قابلة لقدر كبير من المقارنة والدرس والبحث ، وليس من الغريب تشبيهها بمروحة صينية صغيرة، مطوية في يد سيدة أنيقة ، تبدو المروحة في البدء صغيرة ناعمة ذات بعد واحد ، وهي مغلقة ، ولكن تفتحها ، فإذا هي ذات أبعاد وطبقات تمتد وتمتد لترسم ألواناً وصوراً كثيرة .
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 03:58 PM
رواية "النظر إلى أسفل"
لمحمد جبريل
بقلم: أ.د. حامد أبو أحمد
..............................
"النظر إلى أسفل "، ليس مجرد اسم لرواية بل هو هنا ملمح في شخصية، ومع ثبات الملمح يتجاوز هذا السلوك دوره كمجرد تعريف بالشخصية ليصبح رمزاً لمعنى متجدد في الواقع كما في الأدب وهذا ما يتطرق إليه هذا المقال.
هذه ثاني رواية يصدرها الكاتب الروائي محمد جبريل خلال عام 1991، حيث صدرت له رواية "قلعة الجبل" عن دار الهلال بالقاهرة في بداية العام المذكور. وبذلك تضاف هاتان الروايتان إلى أعماله الروائية الأخرى التي نشرت خلال عقد الثمانينيات ومن أهمها "إمام آخر الزمان" و "من أوراق أبي الطيب المتنبي" و "قاضي البهار ينزل البحر". ويحاول محمد جبريل في بعض رواياته أن يستلهم التراث، لكنه في بعضها الآخر يركز على الهموم الخاصة والعامة للإنسان المعاصر بكل ما تحمل من آمال وآلام وإحباطات.
وهذه الرواية الأخيرة محاولة للكشف عن مسيرة الإنسان في مصر في فترة زمنية تبدأ من قيام ثورة يوليو 1952 تقريبيا وتنتهي بمقتل الرئيس السابق أنور السادات. ومن ثم تبدو هذه الرواية وكأنها سيرة ذاتية لبطلها شاكر المغربي. ولذلك تمضي هذه السيرة الروائية في خطين متوازيين: أولهما خط أحداث الحياة العادية لشاكر المغربي، وهي شخصية مأزومة كما سوف نرى فيما بعد، وثانيهما خط التعليق على الأحداث الجارية من قيام ثورة يوليو إلى الوحدة مع سوريا إلى نكسة 1967، إلى حرب 1973.. إلخ، فضلاء عن التحولات والأحداث التي تمت على امتداد ثلاثين عاما من عمر الثورة المصرية. وهذا الخط الثاني يلتزم فيه الكاتب عادة بالوقائع التاريخية على نحو ما نقرأ- مثلا- عن المؤتمر الذي عقده الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر قبل حرب 1967، يقول شاكر المغربي (ص 72): "عقد عبد الناصر مؤتمرا قال فيه: لدينا أعظم قوة ضاربة في الشرق، وفي قدرتنا محاربة إسرائيل ومن هم وراء إسرائيل. أعجبني رده على سؤال: صحتي جيدة، ولست "خرعا" كزعيمكم... ".
شاكر المغربي البطل المأزوم
هذه هي الشخصية المحورية في الرواية، وهي في الواقع الشخصية التي ركز عليها الكاتب تركيزا شديدا، حتى غدت كل الشخصيات الأخرى مجرد استكمال للأبعاد الدلالية لهذه الشخصية المحورية نفسها. فعماد عبدالحميد، وحسونه النقراشي، وعبدالباقي خليل، ومنصور السخيلي، وكلهم من أصدقاء شاكر المغربي، ماهم إلا شخصيات تدور في فلك الشخصية المحورية، حيث ترد للمناقشة أو للتعليق على الأحداث أو لتوضيح بعد من أبعاد شخصية شاكر المغربي، لكنها لا تدخل في بؤرة الصراع، ومن ثم فإنها تعد شخصيات هامشية. وينطبق هذا الكلام نفسه على الشخصيات النسائية. ولهذا سوف ينصب تحليلنا بالأساس على شخصية شاكر المغربي.
والحق أن محمد جبريل استطاع في هذه الرواية أن يبدع الشخصية المحورية التي تنطوي على الكثير من الأبعاد والدلالات، التي يمكن أن نوجز بعضها الآن في كلمات ثم نتوقف بعد ذلك عند عدد منها: فشاكر المغربي بطل مأزوم نفسيا وجنسيا، وهو شخص معزول ومحروم، وقد عانى من الفقر الشديد في بداية حياته ثم تحول إلى الثراء الفاحش، لكنه صعد ماليا ولم يصعد إنسانيا، وهذا بعد من أهم الأبعاد في شخصية شاكر المغربي لأنه ينطوي على مفارقة حادة، ثم إنه شخص منغمس في ذاته إلى أقصى حد، وفضلا عن ذلك فإن كل مواقفه تدل على السلبية واللامبالاة التي تميز بها قطاع عريض من المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة.
وتعود أزمة شاكر المغربي النفسية إلى نشأته في محيط أسري قلق ومتوتر وصل بأبويه إلى نهاية مأساوية يصفها لنا في بداية الرواية على النحو التالي: "غاب الاثنان عن حياتي في ظهر لا أنساه. كان الجو شديد الحرارة، وأمي تعتب على أبي أشياء لم أتبينها. علا صوتها فعلا صوته، وانهال عليها بفتاحة كتب في يده، حتى هدأت، وهدأ". وبالطبع كان مصير الوالد السجن، فعاش شاكر المغربي طفولته وحيدا ومعزولأ ليس له من الأقارب إلا خالته، التي رأت أن تنقله ليقيم مع أسرتها، لكنه قرر أن يظل بمفرده في شقة والديه في الإسكندرية.
ومن هذه اللحظة تبدأ حياة طفل يصارع أمواج الحياة العاتية بمفرده. ساعدته خالته ماليا حتى شب عن الطوق ثم قالت له: "لقد كبرت ياشاكر.. فحاول أن تعتمد على نفسك" (ص 7). فكان أول شيء فكر في بيعه هو مكتبة أبيه بعد أن كان قد قرأ معظم ما ضمته من كتب. ثم بدأت معرفته بصديقه عماد عبدالحميد الذي كان يأتي إليه من شقتهم في الطابق الأعلى بوجبة الغداء. وتمضي الحياة بشاكر المغربي حتى التحق بمعهد ليلي يطل على ميدان سانت كاترين، وفي الوقت نفسه أخذ يعمل في ثلاثة أماكن: مخازن البنداري في السكة الجديدة، المعلم سيد الزنكلوني تاجر المانيفاتورة، مركز الشباب بمدرسة ابراهيم الأول الثانوية (ص 12). وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه أ يكن شخصا خاملا، وأنه استطاع أن يتغلب على الكثير من الصعوبات والمعوقات حتى صار من كبار الأثرياء، لكنه بالرغم من كل ذلك ظل في أزمة نفسية أوصلته كذلك إلى أزمة جنسية جعلته يدمن الاستمناء. وهذا أيضا شيء مفارق ويتناقض مع شخصيته: ذلك لأنه لم يكن عاجزا عن إقامة أية علاقة مع المرأة، ونلحظ ذلك من سرعة تعرفه على سوزان النجار في المعهد الليلي، ثم علاقاته النسائية الكثيرة فيما بعد.
النظر إلى أسفل وعنصر المفارقة
في رأى أن هذا الجانب يعد من أكثر جوانب الرواية تعبيرا عما يريد الكاتب أن ينقله إلينا. فشاكر المغربي على الرغم من نشأته المعدمة يحلم بالثراء، ويجتهد من أجل الوصول إلى هذا الهدف، وحين يتحقق له الثراء فعلا يظل ينظر إلى أسفل. وهذا النظر إلى أسفل (وهو عنوان الرواية) له مستويات متعددة منها المستوى الواقعي حيث تظل أفعاله وتصرفاته كما هي لم تتغير قيد أنملة: يندفع في الحوار والمناوشة مع زوجته نادية حمدي لأقل إثارة على النحو الذي كان يفعله أبوه مع أمه، يمارس عادته القبيحة "الاستمناء"، تظل علاقاته وصداقاته القديمة كما هي، على الرغم من أن تحولات الثروة تحدث في العادة تحولات في العلاقات البشرية، أما على المستوى الرمزي فإن شاكر المغربي يظل على عادته القديمة في النظر إلى قدمي المرأة وهي عادة تأصلت عنده لأسباب واقعية يذكرها على النحو التالي: "حرص أمي على نظافة قدمي. تطالبني- عقب كل مشوار- بضرورة غسلهما. أم جابر الغسالة، يلذ لها أن تداعب بطني وأنا نائم بقدمها. مدرسي في العطارين الإبتدائية كان يأمر التلاميذ أن يخلعوا أحذيتهم وجواربهم ويضعوا أقدامهم على الأدراج. وبقطعة خشب منتزعة من أرضية الحجرة ينهال على أقدامنا. يتعالى الصراخ والبكاء وعبارات الاسترحام. وكان شعوري يختلف تماما. الضرب على قدمي يؤلمني. مع ذلك يشوب الألم لذة، يرتجف لها جسدي وأحبسها" (ص 23). وعلى الرغم من هذا الأصل الواقعي هذه العادة إلا أنها ظلت تتنامى حتى أخذت في الرواية بعدا رمزيا له أيضا دلالاته النفسية المفارقة، كذلك فإن هذه اللذة التي كان يحس بها في طفولته عمد ضرب قدميه سوف تصبح واقعا نفسيا يعيشه باستمرار تجاه المرأة. من هنا تتلاقى الأبعاد الواقعية والرمزية والنفسية كي تشكل في النهاية مجموعة من الدلالات الغنية المليئة بالإيحاءات: فالنظر إلى أسفل هو رمز السقوط المتواصل، وهو رمز الإحباط النفسي على الرغم من النجاح المادي، وهذا الرمز يمكن أن ينتقل كذلك من الخاص إلى العام ليشكل رمزا لإحباط المسيرة بشكل عام منذ بداية الثورة في يوليه 1952 حتى الآن. ثم هناك في هذا الجانب ما يمكن أن نسميه بالأمثولة Alegoria وهو لجوء الكاتب إلى عنصر تمثيلي لإبراز فكرته: فالقدمان والنظر إليهما تمثيل واقعي لفكرة الهبوط أو النظر إلى أسفل بصورة مستمرة. والتوازي بين الشخصية والأحداث العامة يصنع أيضا توازيا على مستوى الدلالة: فلا يحدث للشخصية يتوازى مع ما يحدث في الحياة العامة. ومن ثم نقرأ في الرواية تعليقات محددة على أوضاع بعينها جرت خلال المرحلة التي تعلق عليها الرواية أولها امتدادات حالية. يقول شاكر المغربي عن طبيعة العمل في شركات القطاع العام: "شركة القطاع العام تتنازل عن عملياتها لشركات الأفراد، الهدايا والعمولات الشخصية تضاف إلى العمولات الرسمية التي تتقاضاها الشركة، متعهد الأنفار يأخذ الفارق دون عناء، واستخدام مقدم المقاولة في مشروعات أخرى، في مناطق غير التي تعاقدت على التنفيذ فيها" (ص 41).
مواجهة.. أم هروب دموي؟
وتصل درجة المفارقة إلى ذروتها في المشهد الأخير من الرواية وهو إقدام شاكر المغربي على قتل زوجته نادية حمدي في لحظة تشبه إلى حد كبير اللحظة التي قتل فيها أبوه أمه. وهي لحظة ذكرتني بمشاهد القتل المجانية التي نجدها في رواية "عائلة باسكوال دوارتي" للكاتب الإسباني كاميلو خوسيه ثيلا (نوبل في الآداب 1989) حيث كان يبدو القتل في كثير من الأحيان وكأنه غير مبرر أو كأنه نوع من التحقق الموضوعي للأزمات النفسية والإحباطات على مستوى الواقع. وهذا ما أميل إليه أكثر خاصة في هذا المشهد الأخير بين شاكر المغربي ونادية حمدي: فالحوار بينهما الذي أنتهى بقتل الأخيرة لم يزد على كلمات ندت عنها بدت فيها تعيره بعجزه الجنسي (بسبب عاداته التي لم يكف عنها حتى بعد الزواج) وقلة أصله فما كان منه إلا أن تناول المسدس وأطلق عليها رصاصة ثم أغمض عينيه وتنهد مرتاحا، ثم كانت نهايته في السجن مثل نهاية والده. إن هذا المشهد يذكرني أيضا بالتراجيديا اليونانية التي يكون فيها الموت قتلا بمثابة قدر محتوم يمتد من الآباء إلى الأبناء. وأرى أننا لكي نفهم هذا المشهد جيدا لابد أن نعود إلى السطور الأولى في الرواية؟ لأنها تقدم لنا المبرر الصريح لما حدث. تقول: "وقف كلانا في نقطة الصفر، وطرح القرار نفسه: أن يغيب أحدنا من مواجهة صاحبه.. لم تكن نادية حمدي ممن يتنحون عن الطريق بسهولة. البراءة الظاهرة تضمر عنادا، بوسعك أن تتعرف إليه إذا حدقت في وحشية عينيها. كان الجنون نهاية أتوقعها، وأخشاها، إذا لم تصل الأمور إلى ما انتهت إليه. لم أكن بلا أصل- الصفة التي أطلقتها نادية حمدي- فحدث ما حدث".
كان مقتل نادية حمدي إذن بسبب جملتين: جملة تعيره فيها بعجزه الجنسي، وجملة أخرى تعد. فيها بأصله. وكما هو واضح فإن الدلالات المبثوثة على امتداد الرواية تتركز وتتكثف في هذا المشهد وكلها تقوم على المفارقة الشديدة: فالمفروض أن شاكر المغربي الآن في حالة استقرار مادي يحسد عليه، الكن بداياته مازالت تطارده وأزماته النفسية والجنسية والحياة القاسية التي مرت به، كل هذه الأشياء تقف حجر عثرة أمام تحقيق سعادتها. إنه لم يصعد إلا في الجانب المادي فقط أما الجوانب الأخرى فقد ظلت على حالها بلى تحولت إلى أشباح تطارده وتقض مضجعه. وقد نجح محمد جبريل نجاحا كبيراً في تجسيد كل هذه الجوانب وقدم لنا نموذجا للشخصية المتأزمة المحبطة الناظرة دائما إلى أسفل على الرغم من مظهرها الخارجي الذي ينم عن العافية والثراء والفتوة. فهل يريد محمد جبريل أن يقول إن كل مظاهر الثراء غير العادي التي نشهدها الآن مجرد مظاهر خادعة لا تدل على تقدم ولا تصنع تقدما؟ ربما، فالرواية في الواقع تحتمل الكثير من القراءات والتأويلات.
شخصيات ودلالات فنية
وإذا كانت شخصية شاكر المغربي تمثل الشخصية المحورية- كما ذكرنا- فإن الشخصيات الأخرى بالرغم من هامشيتها تأخذ حيزا معقولا فنادية حمدي، على نحو ما رأينا، هي الشاهد الذي يذكره دائما بعجزه وتدنيه وإحباطه، وعماد عبدالحميد، وحسونة النقراشي، ومنصور السخيلي وآخرون يعيشون في عالمه، ويشاركونه أتراحه وأفراحه ويقدمون رؤاهم للأحداث المحيطة بهم جميعا. ولكني أرى أن شخصة عبدالباقي خليل هي أكثر هذه الشخصيات جميعا خصوصية وتميزاً فإذا كانت كل الشخصيات، بمن فيها شاكر المغربي، غارقة في همومها الخاصة، وبعضها، على نحو ما رأينا في الشخصية المحورية، يعاني من أمراض نفسية وجنسية، فإن عبدالباقي خليل هو الشخصية الوحيدة ذات الملامح الواضحة، التي تسعى إلى هدف واضح. فقد تعرف عليه شاكر المغربي في مسجد العطارين ووحد منه تشجيعا له على أداء الصلوات ومذاكرة آيات القرآن الكريم والأحاديث وتعاليم الدين. وهو- أي عبدالباقي- يرتدي جلابية بيضاء، ويغطي رأسه بطاقية، ويدس قدميه في بلغة. ويعجب بحسن البنا، والهضيبي، وعودة، وسيد سابق . . إلخ (ص 91). إنه نموذج للشخصية الأصولية التي عرفتها مصر والمنطقة العربية طوال العقدين الماضيين ومازالت أحلام أفرادهم وطموحاتهم تتجاوز الواقع الخاص وتنزع إلى إقامة الدولة الإسلامية على طول المناطق العربية والإسلامية. ويلاحظ كذلك أن هذه الشخصية، بالرغم من أهميتها، لا تدخل في حياة شاكر المغربي إلا بمقدار ما تكون توضيحا لجانب من جوانبه، وإلقاء للضوء على بعد من أبعاد شخصيته الغنية بالدلالات.
جوانب تقنية
إن محمد جبريل روائي متمرس، وهو يعلم أن الفن الروائي الآن لم يعد يعتمد على السرد الزمني المتلاحق للأحداث، بل يميل إلى ضرب من التعقيد والتشابك وتوظيف مجموعة من الوسائل التي تساعد في إبراز الحدث وتطويره بصورة تتواءم مع ما شهده هذا الفن من تطور منذ نهايات القرن التاسع عشر (في أوربا) حتى الآن. ومن ثم نجد محمد جبريل يلجأ إلى تقطيع الزمن وتفتيته ونقله نقلات سريعة. وليس أدل على ذلك مما ذكرناه من أنك لكي تفهم المشهد الأخير حق الفهم لابد أن تعود إلى قراءة الصفحة الأولى من الرواية. لقد لجأ الكاتب إلى بناء دائري، وربما زمن دائري للرواية، يبدأ من نقطة الذروة أو الخاتمة ثم يمضيى في خطين متعاكسين يعود كل منهما من جديد إلى النقطة الأولى.
كذلك فإن الكاتب استخدم تقنية الاسترجاع بشكل موسع، ووضعها في غالب الأحيان، في خط أكبر من الخط (أو البنط) الذي كتبت به الرواية. وإن كان هذا الجانب الشكلي لم يضبط بالصورة المطلوبة ومن ثم حدث فيه بعض الخلل.
ولعل أهم نجاح أصابه المؤلف في هذا الجانب هو أنه استطاع أن يحافظ على هذا الخط الشكلي في تقطيع الزمن ونقله نقلات سريعة والعودة مرة أخرى إلى الوراء على الرغم من أن الرواية تمضي أيضا في خط تاريخي، يبدأ- كما أسلفنا- من ثورة 23 يوليو وينتهي بموت الرئيس السادات. فهذا الخط التاريخي ربما كان يفرض على المؤلف أن يلتزم تسلسلا زمنيا صاعدا يبدأ من نقطة معينة وينتهي عند نقطة معينة، لكنه، والحق يقال، استطاع أن يتغلب على هذه المشكلة، وقدم رواية تتحدد نقاط السرد فيها بحدود وظيفية تتجاوز أهداف السرد التقليدي للأحداث.
وفي النهاية ينبغي أن نتوقف وقفة قصيرة عند لغة محمد جبريل التي لا تختلف كثيرا عما ألفناه في رواياته السابقة: فهي لغة موجزة، مكثفة، تحاول أن تصل إلى المعنى من أقرب الطرق، تتجنب التفاصيل والهوامش المخلة، توحي بأكثر مما تعين. وكان من نتيجة ذلك أننا لم نعثر على مشهد جنسي واحد يمكن أن يوصف بالإثارة أو المباشرة على الرغم من كثرة المشاهد الجنسية في الرواية. وكما أسلفنا فإن البطل مأزوم جنسيا، وربما يكون الجنس هو الدافع الأول في قتله لزوجته، لكن محمد جبريل عرف كيف يجعلنا نلمس الأثر ولا نلمس المؤثر. إنه يضع أيدينا بلغة مرهفة إيحائية على الآثار التي أحدثتها الأزمة الجنسية في شخصية البطل حتى جعلته ينظر إلى أسفل بصورة مستمرة. وربما يكون هذا الجانب أيضا من أهم الجوانب في عدم استمتاعه بحياته الثرية المترفة.
إن شخصية شاكر المغربي غنية بالإيحاءات والدلالات، وهي وإن كانت تعد تعبيراً عن أزمة خاصة فإنها كذلك تعبر عن الأزمة العامة التي تترصد المجتمع كله. ونحن نعتقد أن الكاتب مطالب الآن، أكثر من أي وقت مضى، بأن يتتبع مسار هذه الشخصية في حقبة الثمانينيات وحتى الآن، ومن المؤكد أنه سوف يقف عند أبعاد ودلالات أخرى كثيرة.
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 04:00 PM
هذه اللحظات العادية
بقلم: محمد جبريل
ــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا كانت القصة القصيرة الجيدة -فى تقدير يحيى حقى- هى ذات البداية المحذوفة، فإن القصة القصيرة -فى تقدير تشيكوف- هى التى تحذف منها البداية والنهاية، فلا يبقى إلا الوسط، الذى ينبغى تركه باعتباره قصة قصيرة..
ولعل السمة الأهم فى هذه المجموعة القصصية -الثالثة- لوائل وجدى، هى الإيجاز والتكثيف، فصفحاتها تتراوح بين أقل من صفحة إلى ثلاث صفحات، وتبين عن العديد من الملامح والقسمات التى تشكل -فى مجموعها- عاملاً إبداعياً يشغله التخلّق فى صورته الصحيحة. الفنان يلتقط اللحظة العادية جداً، البسيطة جداً، يعبرها القارئ فلا تستوقفه. هى لحظات من حياتنا اليومية، لكنه يجيد التقاطها، فتصبح فى قلمه كالمقتطع فى ريشة الفنان التشكيلى، أو الزوم فى عدسة المصور الفوتوغرافى، يهب لنا كل ما تشتمل عليه من ملامح وتفصيلات دقيقة، فتسرى فيها حياة جديدة، متجددة.
صورة نراها، فنعبرها، لا تستوقفنا، ولا تثير فينا التأمل، لكنها تختلف -فى تناول الفنان- عن تلك الصورة التى اعتدناها فى حياتنا العادية. إنها ليست مجرد لحظة استاتيكية، لحظة متكررة، لكنها تختلف -من خلال التناول- عن بقية اللحظات فى حياة ضخصياتها، وفى حياتنا بعامة.
***
لعلى أوافق جوته على أن كل كاتب يصور بعضاً من سيرته الذاتية فى أعماله، حتى ولو لم يكن يقصد ذلك. وغالبية قصـص هـذه المجموعـة تبدو كأنها تجربة شخصية للفنان -وربما لا تكون كذلك- فهى تتناول تلك المرحلة من العمر التى تتحدد فيها النظرة إلى الأمور بين الطموح والتطلع والتجاوز، ثم يفرض الإحباط نفسه عندما يبين الواقع عن ملامحه القاسية. الظروف المادية والاجتماعية التى تئد ما تحمله النفس من آمال. عناء الوظيفة يبين عن نفسه فى بحث المحامى عن المحكمة التأديبية، ليفاجأ بعد دخوله أن موعد قضيته فى "الرول" المسائى. ويتجول المحامى/ الراوى حول المكان، ويمتد الوقت دون أن يحل موعد نظر القضية..
ولعلنا ننسب إلى حياة الوظيفة قصة "الدوائر المستحيلة".. الدوامات المتلاحقة، المتمثلة فى طلبات الزوجة والأولاد وأعباء الحياة، وقيود الوظيفة، دوائر مستحيلة لا تنتهى.
وثمة مشكلة البطالة التى تتناولها قصة "بصيص" من خلال معاناة شاب حديث التخرج، أعد مسوغات تعيينه، وحشر جسده فى زحام ركاب الأتوبيس، حتى وصل إلى موقع الشركة التى طلبت موظفين. وراعه مئات الشباب يقفون أمام الباب، وعلى السلم. ثم فاجأه قول الرجل: أخذنا طلبات كثيرة، تزيد على الثلاثمائة، سنختار منها أربعة فقط !.. وبعفوية أخرج مسوغات التعيين من الحقيبة ومزقها. ورغم النهاية الاحتجاجية للقصة، فإنه مما يحسب للكاتب أنه اكتفى بتصوير الفعل دون أن يقرنه بتعليق، أو بفرض صوت الكاتب.
***
وإذا كان الانشغال بقضايانا السياسية ملمح واضح فى إبداعات الشباب، فإن وائل وجدى يعبر عن هذا الانشغال فى مجموعته. قصة "تباشير" التى يهديها الفنان إلى الانتفاضة الفلسطينية، تبين عن وعى سياسى، يبشر بصرخة الوليد فى لحظة الشهادة، وأصابعه قابضة على الجمر، فالانتفاضة هى الرد على العدوان، والأمل، وصياغة المستقبل. والانتفاضة هى محور قصة "طفل". الطفل الذى ظل يضرب جنود الصهاينة بالحجارة، فلا يهدأ إلا بعد أن يسكن جسده بتأثير رصاصة قاتلة. الرصاصة مقابلاً لقطعة الحجر. وقصة "فداء" عن الفتاة الصغيرة التى أرادت أن تنتقم لاستشهاد أعزائها، فتعلمت فنون القتال حتى أتقنتها، ثم أقدمت على عملية انتحارية صدمت فيها بسيارة محملة بالمتفجرات سيارة عسكرية للعدو، وتناثرت أشلاء الجسد الصغير على أرض الوطن إعلاناً للثأر، وللشهادة.
والحق أن الوعى بالقضية الفلسطينية، بالصراع العربى الصهيونى، سمة تلف الكثير من إبداعات الشباب. وهى ظاهرة لافتة ومهمة، فالإبداع -فى المحصلة النهائية- تعبير عن بشر ومجتمع وقضية، ليس الإبداع تجديفاً فى المطلق، لكنه يلتحم ببيئته بصدق، بالقضايا التى تحاصره ويعانيها، ويعبر عن ذلك بالصدق نفسه، شريطة أن يدرك الفنان مقومات الإبداع الفنى إطلاقاً، وأن تكون الهموم التى يتناولها -على نحو أو آخر- هى هموم الإنسان فى كل مكان. وكما يقول تشومسكى فإن الأدب سيظل قادراً إلى النهاية على تقديم معطيات تهبنا -بعمق- ما نسميه الشخصية الإنسانية بكل تناقضاتها، ربما بصورة أفضل مما يسمح العلم المجرد بتقديمه..
***
الحلم بالمجاوزة، والتخلص من قسوة الواقع، وملامسة الدفء الإنسانى، أبعاد واضحة فى العديد من قصص المجموعة..
قصة "انفجار" تذكرنا بقصة نجيب محفوظ "المسطول والقنبلة" -الأمر نفسه طالعنا فى قصة لكاتب آخر سبق لى تقديمها فى هذه السلسلة-. الراوى الذى يستغرقه الإحساس بأنه قد ثأر لكرامته ممن يحاول أذيته. ثم يكتشف -عند الصحو- أن ما عاشه لم يكن سوى حلم، هو الحلم نفسه -وإن اختلفت الظروف- مع رجل نجيب محفوظ الذى فوجئ بأن الشرطة بدّلت معاملتها له. ثم افاق على صفعة تنبه بها إلى أن الأمر لم يكن سوى حلم يقظة، أو لحظات استغراق فى غيبوبة المخدرات..
أما قصة "الهدية" فتنبض بلحظات إنسانية، تبين فيها المشاعر عن الود والحميمية.
وأما "النجم المسافر" فهى مرثية سردية للشاعر عبد الله السيد شرف الذى كان وائل وجدى من أخلص تلاميذه وأصدقائه.. وهو ما ينبض به كذلك ما كتبه الفنان باسم "رحيل"..
ونحن نتعرف فى قصة "دبيب الروح مرة أخرى" إلى معاناة من نوع آخر: رحلة الأديب الشاب بين وسائل النشر المختلفة، بحثاً عن كوة ينفذ منها إبداعه. وحين يحاصره اليأس يطبع ما كتب على نفقته، ويجد العزاء فى تصرف طفولى، لكنه يدين المأساة التى تحياها أجيال المبدعين الشباب، وربما الكبار أيضاً، فهى أزمة يعانى تأثيراتها الجميع..
وقصة "لقاء" تدين بعض الكبار فى حياتنا الثقافية حين يكتفون بإبداء النصيحة دون أن يعنوا بالقراءة. يتحدثون عن خصائص فن القصة، وصعوبة كتابتها، دون أن تشى آراؤهم أنها صدرت عن قراءة متأملة، بل إن الأديب الكبير يقرر فى بساطة: لم أستطع أن أقرأ أعمالك القصصية !..
***
والحنين سمة واضحة فى العديد من قصص المجموعة، حنين إلى الزمان والمكان والطفولة ومواطن النشأة..
الطفولة فى "رائحة الأيام" استرجاعية، بمعنى أنها تعتمد على الحنين والتذكر. ترفض الظلال والمناطق الداكنة، وتحرص على ألوان الطيف. فى لحظات مكثفة كضربات الفرشاة، يصور الفنان الحنين إلى الموطن والطفولة والنشأة. يبحث عن الأمس، عن الزمان الذى مهما كان مراً -على حد تعبير يحيى حقى- فهو حلو. الخضرة المفروشة فى امتداد الأفق، والترعة، وجنى القطن، ولعب السيجا، والكوخ الصغير، والكوبرى الخشبى الواصل بين المركز والقرية.. ذلك كله تغيّر، أو تغيّر الإحساس به، غابت عنه بكارة -أو طزاجة- الزمن الجميل. ولعلنى أجد نهاية القصة فى قول الراوى:"أحرك رأسى يمنة ويسرة، لعلى أجد المفقود". السطر التالية زيادة لا مبرر لها..
وفى قصة "تحد" نتعرف إلى لاعب الكرة الذى يحن إلى اللعبة التى أجادها، وحقق فيها مكانته. فلما أصيب فى ساقيه اكتفى بالجلوس على الكرسى المتحرك، واستعادة الذكريات..
ويعلو إيقاع الحنين فى وقفة الراوى أمام مدرسته الابتدائية: البوابة الخضراء، والفناء الذى امتلأ بالبنايات الخرسانية، والنخلة السامقة، والبواب ذى البسمة الودود (قصة: ساعات).
أما قصة "النجم المسافر"، فيهديها الكاتب إلى روح الشاعر الراحل عبد الله السيد شرف. تحكى عن مراسلات الأيام الأخيرة بينه وبين عبد الله شرف. كان ينتظر آخر قصائده، لكن الجريدة طالعته بنبأ رحيله، وعاد من سرادق العزاء إلى بيته ليجد الرسالة التى ينتظرها وبها القصيدة. ولعل الكلمات المسماة "رحيل" تتمة رثائية لذلك الحدث، فهى أقرب إلى الرثاء السردى للشاعر الذى رحل..
***
أما الجزء الثالث من قصص هذه المجموعة، فهو ومضات فلاشية، أو تبقيعات نثرية، كما فى لوحات الفن التشكيلى، أو مد الموج، كما اخترت التسمية عنواناً لرواية لى..
ثمة -على سبيل المثال- لحظات الطفولة. لا يحول المدى دون رؤية العصافير فوق الجميزة الهائلة، لا ينشغل الولد بالطين الذى يغرق ثيابه فى نزوله إلى الترعة بحثاً عن السمكة. وثمة لحظات الخطر التى تتخلق فيها اللحظات الإيمانية التى تحمل الخلاص لكل ما قد يواجهه المرء من أخطار. بضعة أسطر تومئ، وتثير التأمل. ربما يكتفى القارئ بالدفقة الشعورية التى لا تهب معنى محدداً، وربما أجهده البحث عن دلالة، مع ملاحظة أن البحث عن تفسير للعمل الإبداعى يختلف عن البحث عن دلالة. الفن إضمار، لكنه أبعد ما يكون عن المعادلات التى تطلب تفسيراً رياضياً يغيب فى أفقه إضمار الفن، ودلالاته بالتالى..
***
اللافت أن الفنان قد أفاد فى قصصه من الوسائط الأدبية المختلفة، مثل التداعى والاسترجاع والتقطيع والكولاج والمونولوج إلخ..
قصة "رؤى" تثير قضية الفرق بين الإضمار الذى ينبغى أن يكون سمة للفن وبين الغموض الذى ربما حوّل العمل الفنى إلى لغز، معادلة تطلب الحل: ما يفكر فيها الرجل، تعمر بها البلد. وهو يسأل زوجه: ألم تشاهدينها ؟.. تجيب بالسؤال: أمازلت تذكرها ؟.. ويصحو من نوم القيلولة على جلبة، ويطل من خصاص النافذة. يرى الناس يشاهدونها، والجنود يمنعونهم من الاقتراب منها. وينهى الفنان قصته فى الصبح حين يمد الرجل رأسه، يرقبها -ما هى ؟!- فيراها تتسع وتتسع. وأكرر السؤال: ما هى؟.. وأكرر طرح قضية الإضمار فى العمل الفنى. إن المواربة هى الفن. ينبغى ألا يتسلم القارئ بضاعته جاهزة تماماً، إنما عليه أن يشارك فى تصور ماذا ستكون عليه النهاية. كذلك فإنه لابد من هامش يفصل بين الحقيقة والرمز. الوضوح الحاسم يسم العمل الفنى بالتقريرية والمباشرة. الفن ليس هو الواقع، لكنه الإيهام بالواقع. إذا وضع الفنان قارئه فى اعتباره مطلقاً، واجتهد فى التفسير والشرح، فهو يلغى ذكاءه. قيل إن الرمز هو "كل ما يحل محل شئ آخر فى الدلالة عليه، لا بطريق المطابقة التامة، وإنمابالإيحاء، أو بوجود علاقة عرضية أو متعارف عليها". والرمز يستمد قيمته أو معناه من الناس الذين يستخدمونه، أى أن المجتمع هو الذى يضفى على الرمز معناه. بل إن الرمز يختلف عن التجريد فى أنه يحتفظ للإنسان بإنسانيته. يظل جسداً من لحم ودم وأعصاب، فضلاً عما يمور داخل ذلك الجسد من مشاعر متباينة وذكريات وتطلعات وأمانى وأحلام، وإن كان من البدهى ألا نذهب بعيداً فى الرمز. فالرمز -كما يقول كاتب ياسين بحق- سريع العطب، ويجب ألا نجعله حقيقة نهائية مطلقة، لأنه عند ذلك ينتفى وجود الرمز..
وكنت أرجو أن يحذف وائل وجدى السطر الأخير فى قصته "تحد" فهو أقرب إلى سيناريو فيلم عربى تغلف بالميلودرامية. أذكرك بما نقلته عن حقى وتشيكوف فى بداية هذه الكلمات. التراث القصصى العربى -والعالمى- يفرض على الكاتب أن يحترم ذكاء المتلقى، فلا يضيف من عندياته ما يتصور أنه يضع نهاية -مطلوبة- للعمل الإبداعى.
ومن الواضح أن وائل وجدى يعى خصائص القصة القصيرة جيداً. غنها تقدم مشهداً، أو موقفاً إنسانياً، ينقل من خلاله فكرة أو عاطفة مكثفة، تحتل حيزاً ضيقاً، وتستغرق فترة زمنية محدودة. وإذا كان من المطلوب للروائى أن يحذف الحشو والاستطراد والإطناب، فإنه يجب على كاتب القصة أن يفعل ذلك. القصة الجيدة هى التى إذا حذفت كلمة منها، فإن موضعها فى الجملة يظل شاغراً أمام المتلقى، فضلاً عن أنه من التخلف المطلق -والكلام لبريخت- "أن يزعم احد أنه ليس هناك أهمية للشكل، أو لتطور الشكل فى مجال الفن. فبغير إدخال تجديدات شكلية لا يمكن للأدب أن يقدم موضوعات جديدة، أو وجهة نظر جديدة إلى الفئات الجديدة من الجمهور. لكن الإسراف فى الاجتهاد ربما يعطى نتائج مغايرة. وقد أسرف الفنان -أحياناً- فى صياغة عباراته الحوارية، فتكلف، وتبدت الصنعة بما لا يحتمله حوار فنى. كما وضع الكاتب على ألسنة الشخصيات -أحياناً- ما لا يتصور أنه يصدر عنها، فى مرحلتها السنية، أو فى مستواها الثقافى أو الاجتماعى. إن الحوار المحمل بالصدق الفنى هو الذى يتكلم بالأصوات الداخلية للشخصيات، وليس بصوت الفنان. وهو -فى كل الأحوال صوت واحد، يعبّر عن ثقافة محددة، ومزاج نفسى خاص. وإذا كان السرد هو التعبير عن الراوى العليم، أو الراوى الشخصية، فإن الحوار هو التعبير عن اختلاف بيئات الشخصيات وثقافتها ونزعاتها..
حين نهتم بالكتابة، فلابد من وجود شئ ما نكتبه، فضلاً عن ضرورة أن نمتلك حصيلة لغوية تعيننا على التعبير. وكما يقول ميشيل بوتور فإن "الذى يحسن فن الكتابة هو من يحسن استخدام لغته، فيعطى للكلمات قيمتها الحقيقة، وهو الذى يمتلك ناصية اللغة، فيحيى بأفكاره كل كلمة من كلماته، وكل مجموعة من عباراته" (ت:فريد أنطونيوس). وعلى الرغم من المحاولة المخلصة للفنان فى أن يهب قصصه عفوية فى السرد، فإن تلك العفوية تصطدم -فى بعض المواقف- بما يشبه عازلاً غير مرئى، يفصل بينها وبين التلقى والاستجابة وتوقد الحميمية، ربما لأن الفنان يعى مقولته جيداً، يعى البداية والنهاية والتكنيك والألوان والظلال والإيماءات والمعانى. بدا -أحياناً- كمن يقبض على عنق قصته، لا يتيح له أن تغنى بصوتها. وكلما كان العمل الفنى صوت نفسه، انبثاقاً من داخله وليس وليداً قسرياً بيد كاتبه، كان أقرب إلى العفوية، والوصول -بالعفوية نفسها- إلى وجدان المتلقى. أظلم وائل وجدى لو قلت إن هذه الملاحظة تشمل قصص المجموعة، لكنها تطالعنا فى العديد من الفقرات. ولعلى أصارحك بأنى أفضل أن تبين القصة عن ذاتها فى أثناء عملية الكتابة، تتشكل ملامحها وقسماتها، وآراء شخصياتها، وموقفهم من الحياة. أما الشكل فهو يصدر عن التجربة نفسها. وكما يقول مادوكس، فإن الشكل لا يجسد التجربة، ويضفى عليها الطابع الموضوعى فحسب، بل يقوم أيضاً بوظيفة أخرى أكثر أهمية، وهى وظيفة تقييم التجربة التى يعرض لها الكاتب تقييماً صحيحاً، وإسباغ مستويات من المعنى عليها (ت:لطيفة الزيات). ومن هنا يأتى معنى القول إن المضمون والشكل أشبه بالخيط والإبرة!
***
هذه الملاحظات القليلة لا تقلل من تقديرى لهذه المجموعة. وفى الوقت نفسه، فإنه إذا كان الفهم والتفهم ومحاولة التجاوز سهلاً فى البداية، فإن "التقويم" -فى مراحل تالية- قد يكرر مأساة الشجرة التى حاول صاحبها أن يقومها، بعد ان فقدت ليونة التنشئة، ورسخت جذورها.
" محمد جبريل "
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 04:02 PM
عنترة.. حكاية قديمة!
قصة للأطفال، بقلم: محمد جبريل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
ارتدى الراوى الشعبى ثيابه ، وتهيأ للانصراف إلى المقهى .
قرر أن يحور فى سيرة عنترة ، ليجتذب انتباه رواد المقهى . لاحظ ـ فى الليلة الأخيرة ـ أن الرواد انشغلوا عنه بلعب الطاولة ، وشرب الشاى ، والمناقشات ، وتبادل الدعابات .
أدرك أنه لابد أن يضيف ويحذف إلى الحكاية التى يكررها منذ سنوات طويلة ، فلم تعد تجتذب انتباه أحد .
وهو يمد يده ليأخذ الربابة ، لحقه صوت من خارج النافذة المغلقة :
ـ أرجو أن تحسن رواية سيرتى .
أتجه الراوى بنظرة دهشة ناحية النافذة :
ـ من أنت ؟
ـ أنا عنترة .. بطل السيرة التى ترويها منذ سنوات طويلة .
تمالك الراوى نفسه ، وقال :
ـ ماذا تريد ؟
ـ أريد أن تروى حكايتى كما هى .. كما يحكيها الرواة منذ مئات السنين .
قال الراوى :
ـ لكن الدنيا تغيرت ، وما كان يتقبله الناس فى الماضى يصعب تصديقه الآن !
أضاف فى لهجة تأكيد :
ـ هذه حكاية تروى للناس . كل حكاية تحتاج إلى الإضافة والحذف ، حتى تناسب الوقت الذى تقال فيه . حتى الرواة القدامى أطالوا فى عمر عنترة ، ونسبوا إليه ما لم يحدث فى التاريخ .. لكن ذلك ما كان يحتاج الناس إلى سماعه حينذاك .
قال عنترة :
ـ إذن دعنى أختفى من ذاكرتك . سأتردد بنفسى على الأسواق والمقاهى ، أروى قصتى الحقيقية : معاركى ، وبطولاتى ، وحبى لابنة عمى عبلة .
قبل أن يرد الراوى على عنترة ، فوجئ أنه قد اختفى من ذاكرته بالفعل . لم يعد يتذكر من كان يخاطبه ، ولا السيرة التى كان يعد نفسه للخروج إلى المقهى كى يرويها .
ظهر عنترة فى هيئة فارس . حمل سيفه ، وامتطى جواده المسمى الأبجر ، واتجه ـ عبر الصحراء ـ إلى مدن قريبة ، وبعيدة ، ليروى حكاياته .
فى طريقه ، التقى عنترة برجل يحمل عصا ، فى نهايتها ماسورة من الحديد .
صوب الرجل عصاته ـ من بعيد ـ نحو أرنب برى ، فسقط الأرنب .
اقترب عنترة من الرجل . أبدى دهشته لسقوط الأرنب البرى دون أن تصيبه عصا الرجل.
قال الرجل :
ـ أنا صياد ، وهذه ليست مجرد عصا . إنها بندقية .
ـ ما هى البندقية ؟
ـ ألا تعرف البندقية ؟
وزوى ما بين حاجبيه متسائلاً :
ـ من أين أنت ؟
ـ أنا فارس الصحراء عنترة .
وأشار إلى جواده :
ـ هذا جوادى الأبجر الذى لا يخذلنى فى كل معاركى ..
ثم رفع سيفه :
ـ وهذا سيفى الذى أطرت به رءوس الأعداء .
أظهر الصياد دهشته :
ـ أنت إذن لم تسمع عن البندقية ، ولا عن الدبابة والصاروخ والطائرة . جعلت كل تلك المخترعات موضع الجواد فى النقل ، وفى السباق ، وجعلت السيف للزينة ، أو للعرض فى المتاحف!
صوب الصياد بندقيته إلى أرنب برى آخر ، فسقط ..
قال الصياد لعنترة :
ـ هل تشاركنى طعامى ؟
***
عاد عنترة من الصحراء . وقف فى هيئة التواضع أمام الراوى الشعبى ، وقال :
ـ لقد أعدت نفسى إلى ذاكرتك ، تستطيع أن تروى حكاياتى للناس بتعديلات بسيطة ، أو أن تروى لهم السيرة باعتبارها من سير التراث القديم .
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 04:09 PM
الحوار: في قصص محمد جبريل القصيرة
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
....................................
وهو جزء لا يتجزأ من نسيج القصة عند محمد جبريل، وقد عمد القاص إليه ليعرض به فكرة أو حدثاً، أو ينمي به الحدث ويطوره ، أو يرسم به شخصية ، وكان وسيلة لاستهلال بعض القصص، مثل قصة «السمّان لا يُطارد نفسه» من مجموعة «انعكاسات الأيام العصيبة»، وقصة «امتدادات» من مجموعة «انفراجة الباب»، وقصة «المحتسب» من مجموعة «حكايات وهوامش من حياة المبتلى».
وتبدأ قصة «السمّان لا يُطارد نفسه» هكذا:
«التمعت عيناها ببريق التذكر، وقالت في مودة:
ـ هذا أنت؟! ..
قال ويداه تهبطان بالحقيبتين إلى الأرض:
ـ تسعة أعوام وربما عشرة .. أليس كذلك؟ ..
سوّت ـ بلا وعي ـ خصلة الشعر المتهدِّلة على عينها:
تقريباً كانت أياماً طيبة ..
أشارت إلى الخادم، وقالت:
ـ غرفة أربعة.
حمل الخادم الحقيبتين، واتجه إلى السلم ..
اتسعت ابتسامتها حتى ضاقت عيناها:
ـ نفس الغرفة القديمة ..
أضاف في تأكيد:
ـ التي تطل على السوق ..
ـ نعم، لم يتغيَّر شيء»( ).
وتبدأ قصة «امتدادات» بداية حادة، نعرف منها أن الأسرة على وشك الانهيار، فالزوجة تريد أن تترك البيت، والزوج مريض:
«قالت أمي:
ـ أنت لن تظل تُدير البيت طول العمر ..
قال أبي:
ـ مادُمتُ أحيا فأنا سيد البيت ..
ـ لكنك تكتفي بكتم أنفاسنا ..
غلّف أخي تبيل جدّية نبراته بابتسامة:
ـ لقد كبرتُ ومن حقي أحصل على الفُرصة ..
اتجه أبي إلى أمي بنظرات متسائلة:
ـ ماذا ينقصُك؟ ..
أشارت بيدها إلى ما حولها:
ـ كل شيء .. لازلتُ صغيرة، وأحتاجُ إلى الكثير الذي لا تفهمه ..
ـ وأولادك؟ ..
ـ سأصحبهم معي ..
ـ وأظلُّ بمفردي؟ ..
ـ أكّد الطبيب استحالة شفائك .. فهل أقضي ما تبقّى من عمري في تمريضك»( ).
ومثل قصة «المحتسب» من مجموعة «حكايات وهوامش من حياة المبتلى»، حيث نجد في مطلعها:
«قال السلطان لمحتسب العاصمة:
ـ لماذا الضرائب والمكوس على حالها، منذ أعوام، دون زيادة؟
قال المحتسب:
ـ نحن نأخذ من كل الناس ما عليهم .. لا نُفلت أحداً ..
ـ فلماذا لا تزيد قيمة الضرائب؟
ـ ضجّ الناس من آخر زيادة .. فصدرت توجيهاتكم بإلغائها ..
أطل من عيني السلطان غضب:
ـ الطبيب الشاطر لا يُؤلم مريضه»( ).
وقد تشتمل القصة القصيرة عند محمد جبريل على حوار قليل، وقد لا تشتمل على أي حوار. وإذا وُجِد الحوار فإنه يكون جزءاً من بنائها العضوي، ويكون عاملاً من عوامل الكشف عن أبعاد الشخصية، أو التطور بالحدث، أو تجلية غموض يكتنف الشخصية أو الفكرة المُراد التعبير عنها.
ومن القصص التي يقوم الحوار فيها بدور محوري قصة "الرائحة" من مجموعة «هل؟!»، وهي تلك القصة التي تتناول محاولات تشويه الشخصيات الوطنية وإلقاء الشكوك على الزعماء الوطنيين على امتداد تاريخنا الحديث، وبطلها مؤرخ لا يُوافق على ما يراه يملأ الساحة من تيارات لا تلتزم الموضوعية فيما تكتب أو تقول.
يقول السّارد على لسان المؤرِّخ عن تلك الرائحة التي يعاني منها: "طبيعتها الغامضة أشبه بتداخل الظلمة والأوراق النقدية ودورات المياه والحجرات المغلقة. تسري في الهواء، تتسلل إلى الأنف، تُضفي على النفس شعوراً بالانقباض والتوتر والخوف من المجهول الذي لا يدري مبعثه"( ).
ولكي يُرينا أن البطل فحسب هو الذي يُحس بتلك الرائحة، فإنه يجري حواراً بينه وبين زوجته:
"سأل زوجته:
ـ ألا تشمين الرائحة؟
قالت:
ـ ليست جديدة .. بائع الطعمية تحت البيت من قبل أن نسكن ..
ـ لا أعني تلك الرائحة .. إنها رائحة أخرى ..
تساءلت:
ـ هنا .. داخل الشقة؟ ..
في تأكيد:
ـ طبعاً .. طبعاً
ـ لكني كما تعلم أحرص على تنظيف الأرض جيداً بالديتول، وأرش في الأركان ـ بعد ذلك ـ عطراً طيب الرائحة ..
كأنه يحدث نفسه:
ـ هل هو ذلك العطر! ..
ـ إني أستعمله منذ سنوات ..
ـ فمن أين تأتي الرائحة إذن؟!
ـ لا أشم أية رائحة!"( ).
إنه يحس برائحة نفاذة وغير عادية تُطارده، ولكن زوجته لا تشم هذه الرائحة، ويكشف التساؤل " فمن أين تأتي الرائحة إذن؟!" عن حيرته، التي يُعمِّقها الحوار في الفقرة التالية بينه وبين زوجته:
سأل زوجته، وهو يسحب الغطاء على صدره:
ـ هل تُعانين من القلق؟ ..
توقف إصبعها على زر النور:
ـ أنا؟ ..
ـ أراكِ تُسرفين في تدخين السجائر ..
زوت ما بين حاجبيها:
ـ ينبغي أن أدخن السجائر أولاً .. لتصبح المشكلة بعد ذلك هي الإسراف في تدخينها! ..
ـ كأنك لا تُدخنين؟! ..
ـ طبعاً .."( ).
وكان من الطبيعي أن يذهب لطبيب ليعالجه من تلك الرائحة "الغامضة، المثيرة، التي يشعر لقوتها ـ أحياناً ـ كأنه يوشك على الإغماء.
"سأله الطبيب:
ـ ماذا تشم الآن؟
قال:
ـ رائحة العيادة .. أدوية ومطهرات ..
ـ ألا تشم تلك الرائحة التي تتحدث عنها؟ ..
ـ لا! ..
ـ فأين تُصادفك بالتحديد؟
ـ في نافذة البيت .. في الشارع .. في المكتب .. حاولت أن أصل إلى مصدرها، قلم أوفق! ..
أمال الطبيب رأسه. وضع قطرات في منخاريه، وانتظر قليلاَ:
ـ ماذا تشم الآن؟ ..
ـ رائحة هذه القطرة ..
ـ وتلك الرائحة؟ ..
ـ لا أشمها! ..
هز الطبيب رأسه في حيرة"( ).
إنَّ الحوار يكشف عن بشاعة مُطاردة الرائحة المُقلقة للسّارد / المؤرِّخ، الذي يشمُّ تلك الرّائحة في كلِّ مكان يتجه إليه. وتنتهي القصة بينما "تلفه الرائحة اللعينة، تُعمي عينيه، وتُضايق صدره، وتسري بتثاقل في رجليه"( ).
وإذا كان من صفات الحوار الجيد ـ كما يرى حسين القباني ـ أن «يُساعد على رسم شخصيات القصة، لأن الشخصية لا يُمكن أن تبدو كاملة الوضوح والحيوية إلا إذا «سمعها» القارئ وهي تتحدث»( )، فإننا نرى الحوار عند محمد جبريل يقوم بدور بنائي هام في الكشف عن معالم شخصيات قصصه، ويـتآزر مع الوصف في القيام بهذا الدور، ونجد ذلك في قصة «القرية التي عرفت الحب» من مجموعته «تلك اللحظة من حياة العالم»، حيث يدور حوار بين عبد المولى (الخفير) وعطوة (الذي تتهمه القرية بأنه سارق دون بينة):
يقول لعبد المولى وهو يرسم على وجهه ابتسامة طيبة:
ـ خذ سيجارة ..
ـ يُطوِّح عبد المولى يده قائلاً ..
ـ لا أُحب مال السرقة! ..
ـ إذن .. تعال نلعب الطابة ..
في عصبية:
ـ لا أُريد.
ـ لأني أغلبك ..
ـ لأنك لص!
ـ هل رأيتني أسرق؟
ـ كنت قتلتك ..
ـ هل يملك أحدكم الدليل على أنني السارق؟( ) .
ويدور حوار بين عطوة وأبيه:
« ـ عطوة ..
ـ نعم يا أبي ..
ـ أريد .. أريد أن أعقد معك اتفاقاً
ـ إني ولدك يا أبي .. وخادمك ..
علا غضب الرجل على محاولته أن يهدأ:
ـ يا ابن الكلب .. من أين أتيت بهذا الأدب؟
ـ وهل عهدتني بلا أدب؟
ـ عهدتُك سارقاً ..
ـ تلك تهمة باطلة ..
ـ الواقع يؤكدها
ـ كيف؟ ..
ـ ساعة الجيب التي ورثتها من أبي، خلخال أمك التي قضت ثلاثة أيام لا تقرب الطعام حزناً على فقده، اللاسة الحريرية التي كانت مظهر وجاهتي الوحيد .. هه .. ماذا أقول؟ الساعة والخلخال واللاسة الحرير ... فماذا أقول؟
ـ إني منصت لك ..
ـ اعترافك يُسهِّل الاتفاق .. المسألة باختصار أني سأشتري منك كل ما تنوي سرقته .. والبيت أولى بأشيائه ..
ثم وهو يهتف في عصبية:
ـ ما رأيك؟
في مرارة:
ـ أوافقك يا أبي .. والآن أريد أن أبيع لك هذه الطبلية.
ـ لكننا نأكل عليها ..
ـ ألم نتفق؟ ..
ـ إذن سأُعطيك عشرة قروش.
ـ نصف جنيه لا ينقص مليما .. وإلا فسأبحث عن مشترٍ آخر »( ) .
إن الحوارين السابقين بين الخفير وعطوة، وبين الأخير وأبيه يكشفان أن القرية تتهمه بأن عطوة لص، وأنه وراء ما سُرق من أشياء في القرية. بل إن أباه يؤكد أنه سُرِقتْ أشياء من البيت. وقد نجح الكاتب في هذا الحوار أيما نجاح، فقد أقنعنا أن عطوة لص، حتى نكتشف المُفارقة في النهاية حينما يحمل عطوة بندقيته ليُطارد اللصوص والكلاب التي تتهدّد القرية، حتى يُعيد إليها الحب والأمان الذي افتقدته كثيراً.
وقد تعتمد بعض مقاطع قصصه على الحوار اعتماداً كاملاُ؛ فالمقطع الأخير من قصة "تلك اللحظة من حياة العالم" يحمل عنوان "الخطأ"، ويُشير إلى ما يُعاني منه العالم من كوارث، في حوار بين شخصيتين من شخصيات القصة، والوصف يحتل أقلَّ من سطرين، بينما يحتلُّ الحوار المقطع كاملاً، وهذا نصُّ المقطع:
"تساءل، وأصابعه تُدير مؤشِّر الرّاديو بعصبية:
ـ كم عددُ الضّحايا؟
ـ قُتِل أربعةَ عشرَ مدنيا .. وأُصيب ستة وعشرون ..
ـ ولكن .. كيف حدثَ ما حدث؟
ـ إذاعة سايجون أكّدت أنَّ القنابل أُلقيت بطريق الخطأ .. القرية ـ كما تعلم ـ تقع في أقصى الشمال من فيتنام الجنوبية ..
صادف موسيقى صاخبة .. فأدار مفتاح الصوت إلى أعلى مداه"( ).
إن البطل المُقاوم في قصة "تلك اللحظة من حياة العالم" يستمع إلى الإذاعة، ويتحاور مع صديقه حول مقاومة الفيتناميين التي تُواجه بشراسة حرب أمريكا، فنجد الموت يهبط بالمجّان ـ أو عن طريق الخطأ ـ على قرية تقع في أقصى الشمال من فيتنام الجنوبية. وكأنه يقول: إن الموت إذا كان يهبط على من لم يُقاوم أو يُحارب، فلا يجب أن يخشى منه من يُقاوم ويعيش حياته مُحارباً عمّا يعتقده.
وهكذا تآزر الحوار مع عناصر السرد الأخرى ليُثري القصة ويجعلها أكثر جمالاً واكتمالاً.
وفي آخر مجموعات محمد جبريل القصصية "رسالة السهم الذي لا يخطئ" نجده يعتمد في بناء قصصه على الحوار، بل إن بعض قصصه تكاد تكون حواراً من أولها إلى آخرها، ومنها أقصوصته "الحكايات الأخرى" وهذا نصُّها:
"فلما كانت الليلة الثانية بعد الألف ، قال شهريار :
- تركتني في الليلة الماضية ، دون أن تبدئي حكاية تعدين باستكمالها هذه الليلة ..
قالت شهرزاد :
ـ اعترفت بأبوتك لأبنائك الثلاثة ، ووهبتني الحياة .. فلم أعد بجاجة إلى الحكايات لترجئ ما كان ينتظرني ..
تلون صوته بحزن :
ـ هل انتهت حكاياتك يا شهرزاد ؟
قالت :
ـ كنت أبتعد بالخيال عن الواقع ..
أضافت وهي تتحسس الكلمات :
ـ أما الآن ، فإن الواقع هو ما يجب أن تقتصر عليه حكاياتنا ..
هتف في ضيق :
ـ ورحلات السندباد، وحسن البصري، ومريم الزنارية، والجارية تودد، وشمس النهار، والورد في الأكمام، وحاسب كريم الدين، وعلي الزيبق، وست الحسن، والملك عمر النعمان، ومدينة الأبنوس، وحكايات الخليفة هرون الرشيد .. هل انتهى ذلك كله ، بعد أن اعترفت بأبوتي لأبنائي ، ورفعت عقابي عنك ؟..
افتعلت ابتسامة في مواجهة التماع عينيه :
ـ منذ اليوم ، لا يشغلني مصير أبنائي ولا حياتي .. إنما تشغلني حكايات رعاياك التي لم أحدثك عنها ، ولا أحد حدثك عنها ..
هز رأسه بما يعني عدم الفهم :
ـ الرعية !؟.. وهل للرعية حكايات ؟!..
قالت شهرزاد :
ـ إنها تفوق في غرابتها كل ما رويته لك في الليالي الألف ..
ـ هل هي مثل حكايات طائر الرخ، وملكة الحيات، والمارد، والطير الأسود، ووادي الوحوش، وشواهي ذات الدواهي، ودليلة المحتالة، وزينب النصابة، وبحار المهلكات، والعفريت جرجريس، وملوك الجان ؟..
ـ إنهم بشر .. يظلون بشراً .. لكن حياتهم لا تفترق عما يحياه الحيوان والنبات والجماد ..
اعتدل شهريار في جلسته ، ومال بأعلى جسده :
ـ فارو لي .. "( ).
إن الحوار يكشف في هذا النص عن مسؤولية القاص الجديد في عصرنا، وأنه لا ينبغي ـ ولا يجب عليه ـ أن يحكي القصص الخيالية، وإنما عليه أن ينظر حوله ليجد الواقع أكثر غرابةً من الخيال، وإن عليه أن يقدِّم صوت البشر المقهورين في إبداعه القصصي.
وهو يقدِّم في هذه القصة "شهر زاد" في صورة جديدة في الإبداع العربي المٌعاصر، صورة المرأة المهمومة بهموم الشعب، والتي تعرف عن معاناته ما لا يعرف زوجها الحاكم "شهريار"، وتعرف عن حكايات الشعب الغريبة وغير المألوفة ما تفوق في غرابتها كل ما روته "شهر زاد" القديمة، في حكاياتها الألف لشهريارها.
وهو هنا يقدم صورة غير مألوفة لشهر زاد التي ألف القارئ أن يقرأها في استدعاء الشعراء المعاصرين لها "رمزاً للمرأة العربية التي مازالت تعيش أسيرة عصر الحريم، تنتهي آمالها عند تحقيق حياة مادية باذخة تفيض بالترف والدعة والخمول، حتى وإن لم يتجاوز دورها في هذه الحياة كونها مجرد جارية تُباع وتشترى ككل طرف هذه الحياة التي تحلم بها"( ).
وتبدو شهر زاد منحازة إلى المستقبل، وهي تصف معاناة الشعب "إنهم بشر .. يظلون بشراً .. لكن حياتهم لا تفترق عما يحياه الحيوان والنبات والجماد .."، حيث تكشف هذه الفقرة من حوارها عن رؤيتها البصيرة لما يُعانيه أفراد الشعب في حياة قاسية "لا تفترق عما يحياه الحيوان والنبات والجماد".
وكأن محمد جبريل من خلال استدعائه لشهر زاد ـ رمز الحكَّاءة في الأدب العربي ـ يطلب من الحكَّائين المعاصرين أن يلتفتوا إلى معاناة أبناء الشعب، وأن يكتبوا عن الطبقات الفقيرة التي تُعاني ، وتعيش حياة قاسية لا تليق بالبشر!
لكننا نجد الحوار في بعض القصص يتحوّل إلى مُحاورة فلسفية، قد تصير عبئاً على بنائه القصصي، ويتضح هذا في بعض قصص مجموعته الأولى "تلك اللحظة من حياة العالم" (مثل قصتي: "القرية التي عرفت الحب" و"برج بابل")( ).
ونأخذ مثالاً على هذا بعض حوار في نهاية المقطع الأول من قصة «برج بابل»:
« ـ خير لي أن أكون سقراط معذباً من أن أكون خنزيراً راضيا
ـ قالها جون ستيوارت مل.
ـ وهل هناك كلمات لم يقلها أحد؟
ـ وماذا كان يريد سقراط المعذب؟
ـ الحقيقة.
ـ وهل وجدها؟
ـ مات وعلى شفتيه سؤال: من أن؟
ـ وماذا تُريد أنت؟
ـ الحقيقة.
ـ وكيف تصل إليها؟
ـ أن أكون سقراط المعذب.
ـ ألست مؤمنا؟
ـ أنا أريد الحقيقة .. ولو تحت شجرة.
ـ أي حقيقة؟
ـ حقيقة كل شيء ..
ـ ألست مؤمنا؟
ـ الإيمان عقل وعاطفة»( ).
إلا أن مثل هذا الحوار الذي لا يُضيف شيئاً ويكون عبئاً على العمل القصصي قليل في مجموعاته القصصية، وربما ينتمي زمنيا إلى فترة البدايات، فنحن لا نجده إلا في قصتين من مجموعته الأولى «تلك اللحظة».
ويمكننا أن نقول إن الأديب في مجموعاته القصصية كان يستخدم الحوار أداة فنية بقدر ما يخدم بناء القصة، وأنه كان يُديره غالباً ببراعة ومقدرة فنية لافتة.
***
(هذا جزء من كتابي "تجربة القصة القصيرة في أدب محمد جبريل: دراسة أدبية تحليلية"، وقد نشر في: مجلة كلية اللغة العربية بالمنصورة (العدد20)، لعام 1422هـ-2001م، ثم نشر في كتاب (ط2)، المنصورة 2004م.
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 04:17 PM
رسام الضوء
شعر: د.حسن فتح الباب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(إلى الصديق الكاتب الروائي الكبير محمد جبريل)
هذا الملاح الجواب الآفاق
لا يرسو فى مرفأ
ليس يقر على جبل
أو يسبح فى فلك واحد
يمضى العمر جموحا
كجواد أسطورى
أو طير مبهور بالضوء
فوق ضفاف الكلمة
الحرف لديه ينبوع لا ينضب
نغم من يتوهج
قلب يتهدج
يبحث عن سر مكنون
فى أعماق الكون.. النفس
الزمن الدوار
مسكونا بالحب الأول
عشق الأم
أول ما فتح العينين عليها
أم الدنيا
هى عالمه المفعم بالعشق وبالثورة
بالبهجة والحزن
بالحلم وبالمأساة
يكونها وتكونه
يتكتم حينا أوجاع القلب
وحينا ينثرها
فوق الأمكنة.. الأزمنة
يوزعها بين الأوجه والأسماء
أتراه لا يدرى
منذ تلظى بلهيب الوجد
أن الإمساك بغصن الوطن متاهة
ضرب فى المجهول ؟
أم يدرى أن الغصن شعاع
مخبوء فى ظلمات الأرض..
البحر.. الآفاق
وعليه أن يطلعه
لتكون الشمس.. تكون الشجرة
(من أوراق المتنبى)
و(رباعية بحرى)
حدث فى (أيام الأنفوشى)
حيث السمان يعشش سربا سربا
كالغربان السوداء
وملايين الأعين والأنفاس تراقبه
يحتل الدور ويغشى الشرفات
وعلى حين فجاءة
ينبثق الوعى الغائب:
أن الصمت عن الطير الواغل
يحفر درب الموت
ومقاومة الشبح الجاثم فوق الأنفاس
خير طريق للإنسان الصاعد
فى معراج الغد
أن يهوذا الأفاق
يتربص بالآتين
من أطفال النيل
من أبناء العرب الأحرار
أن الصمت عن الوحش الشبح جنون
ينسج جبريل (الطوفان)
بأنامل فنان ورعه
تلمس أعماق الجرح
عبر حكايات الأجداد
لتنير دروب العتمة
و(نبوءة عراف مجهول)
يرويها قصاص ملهم
(محفوظ) الستينيات
أو (ماركيز)
فى مصر المحروسة
قيثارة شعر من منثور الروح
يعزفها فتنة
ترياقا.. بوحا مشروعا
يعلن عن حاجته
أن يولد بين يديه
وأمام العينين
كى نتأمل.. بنصر ما يخفى
مرحى يا رسام الضوء
حرفك لون الفرحة
طعم الأيام الجهمه
والسنوات الخضر
شرف الإنسان المسكون
بالحب وبالثورة.
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 04:20 PM
صورة «منصور سطوحي» في رواية «الصهبة»
لمحمد جبريل
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
...................................
(1)
«منصور سطوحي» بطل رواية «الصهبة» (1990م) طالب بكلية العلوم، لم يختر الكلية، وإنما اختارها له أبوه صاحب السلطة الأبوية القاهرة. الذي يُريد أن يكون ابنه نسخة منه.
والقارئ للرواية يُلاحظ ـ على امتداد صفحاتها ـ أن الأب تعمّقت في داخله مفاهيم «السيطرة الأبوية» عن طريق القهر والقوة، وهو يريد إلغاء الطرف الآخر وإقصاءه ـ الذي هو ابنه ـ .
ويموت الأب، ولكن الأم تحاول أن تُذكِّر «منصور سطوحي» بسطوة أبيه دائماً، وتستحضر جبروته الخفي حتى يظل حاضراً في صفحات الواقع المعيش.
لقد هجر «منصور سطوحي» كلية العلوم ـ التي اختارها أبوه، والتي لم يحبها هو في بومٍ ما ـ ويُريد أن يُدير المكتبة التي تركها أبوه، واستمر إغلاقها تسعة أشهر بعد وفاته، كما يود أن يغير اللافتة، ولكن أمه ترفض.
ويلتقي «منصور سطوحي» في المقهى ـ الذي يقضي فيه أمسياته ـ ببدر المنشاوي (الموظف بأرشيف الحقانية)، وجابر محجوب (ميكانيكي سيارت بشارع قبو الملاح)، وحسن الهُن (بقصر ثقافة الأنفوشي).
يسمع «منصور سطوحي» من صديقيه طقوس «الصهبة»: «إن المرأة التي لا تُنجب، والتي يشق عليها الإنجاب تقف في المزاد، حتى يُرفع النقاب فيزول العقم»( ).
نادت الصهبة البطل «منصور سطوحي» فاستجاب لها، ودخل المزاد، وفاز به، وكانت طقوس «الصهبة» التي نظّمت هذا الاحتفال الحاشد تفرض على «منصور سطوحي» بعد رفع النقاب أن يمضي بالمرأة خطوات، ثم يتركها. ولكنه نسي هذه الطقوس حينما رفع النقاب فرأى المرأة جميلة:
«الوجه كان كالجنة، ليست من السيالة ولا بحري، ولا من الحياة نفسها، كأنها تنتمي إلى عالم السحر الذي يجوس داخله»( ).
ويفقد «منصور» المكبوت دائماً من أبيه ـ قدرته على السيطرة على ذاته، فيقيل المرأة في ثغرها، ويطوقها بساعدي الحنين فلا تستطيع فكاكاً منه، ويخيم الوجوم ـ الممزوج بالدهشة المُباغتة ـ على المتفرجين الذين كانوا يُشاركون في طقوس «الصهبة» ، ولكنهم لا يُحاولون أن يمنعوه من فعلته الشنعاء التي ارتكبها، أو أن ينتزعوا المرأة من بين أحضانه، وحين يفوق من غاشية السحر التي أصابته يتراجع إلى الخلف، فيفسحون له الطريق، ويترك الساحة إلى شارع «حداية».
«تراجع إلى الخلف فأفسحوا لـه الطريق. عدّل من وقفته وسار إلى الأمام فانفرجت اللمة الصامتة، سار بخطوات متثاقلة كأنه يجر خوف الحياة كلها .. بدت المسافة من منتصف الساحة إلى أول شارع «حداية» بعيدة، أو أنها المستحيل. ماذا يفعلون لمن يُخالف ما توارثوه؟ ولماذا تركوه حتى أنهى ما فعل؟ ومن أين تأتي الضربة المُقبلة؟»( ) .
لقد قلب طقس «الصهبة» حياة «منصور سطوحي» رأساً على عقب «فهو يعيش ـ منذ هذه اللحظة ـ حياة المُطارَد الذي لا يدري من أين ستأتيه الضربة المنتظرة؟. إن الشك بدأ يسم حياته وحس التهديد الخفي لا يُبارحه، وفي أحلامه تزوره هذه المرأة المجهولة ، فتلاقيه في الميناء الشرقية مرتدية الملاءة وإن خلعت النقاب. وتُوافيه في منامه فيصحو وهو لا يدري إن كان ذلك حقا أم خيالاً. ويلتمس العون من الشيخ عرفة الدجيش إمام المسجد، ومن أصدقائه، ولكن لا أحد يستطيع أن يُنقذه مما يُعانيه، فيقدم بلاغاً لنقطة شرطة الأنفوشي، بناءً على اقتراح من أخته «منيرة»:
ويفاجئه الضابط:
« ـ كل التحريات أثبتت أن الصهبة التي أبلغت عنها من شغل خيالك ..
بحلقت عيناه:
ـ لكنني شاهدتها بنفسي ..
هز الضابط رأسه:
حتى روّاد المقهى نفوْا أنهم حادثوك في الأمر من أصله ..
لم يخف دهشته:
ـ بدر المنشاوي وجابر محجوب؟.
قاطعه الضابط:
ـ وحسن الهن .. وغيرهم .. أجمعوا على أنهم لم يروا شيئاً .. ولم يُحادثوك في أي شيء مما تصورته ..
أهمل ما حرص عليه من تأدب:
ـ أنا لم أتصور! .. كل ما رأيته صحيح .. وشاهدته ..
صاح الضابط:
ـ هل تتعاطى شيئاً؟ ..
قاوم انفعاله:
حتى السيجارة لا أدخنها ..
تخلل صوت الضابط رنة سخرية:
ـ إذن تغط جيداً قبل أن تنام! .. »( ) .
فارق «منصور سطوحي» صديقيه بدر المنشاوي وجابر محجوب، وقرر أن يقطع علاقته بالجميع «فلا يفتح المكتبة، ولا يتردد على المقهى، يُلازم حجرته، فلا يهجرها»( ).
ولكن طقوس الصهبة تُطارده.
فما أن اتخذ قراره، حتى طاردته في عقر داره، وهذا النص يكشف ذلك:
«لما سلّم وأولى الطريق ظهره، كان قد اتخذ قراراً بأن يلزم البيت لا يُغادره، لا يرى أحداً ولا يراه أحد. تعالت زغاريد وأصوات طبول ومزامير ونايات ودفوف ودربكات وشخاليل. تصوّر ـ لفرط اقترابها ـ أنها في داخل الشقة.
انتطر من فراشه.
جرى إلى الصالة، أمه ومنيرة وماجد غلبتهم الحيرة فاكتفوا بتبادل النظرات.
قال:
ـ هذه أصواتهم ..
تساءلت الأم:
ـ من هم؟
همس:
ـ الصهبة»( ) .
وتنتهي رواية «الصهبة» بانجذاب «منصور سطوحي» إلى «الصهبة» ثانية، وتتساءل الأم: هل انجذب؟ في حين «يهمس في أعماقه هاجس: لكي تفر مما يشغلك، اقذف بنفسك داخله»( ) .
(2)
«منصور سطوحي» مُطارد باستبداد والده، وهو ضحية لهذا الاستبداد. ويتجلى استبداد والده في عدة مواقف تختزلها الرواية. فحسبها بصفحاتها القليلة التي تقترب من المائة أن تُشير، لا أن تُفصِّل.
وفي بنية رواية «الصهبة» التي تميل إلى المُقابلة، نرى الموقف والنتيجة متجاوريْن من خلال لا وعْي البطل، وسنتوقف أمام ثلاثة مواقف:
*الأول: حينما أحب البطل قرض الشعر (من الطبعي أن ذلك كان في فترة المُراهقة، لكن القاص لا يُشير) فقد أشار عليه والده بدخول القسم العلمي ـ لا الأدبي الذي يُوافق هوايته ـ ثم أشار عليه فيما بعد بالكلية العلمية، وفي الجمل التالية لاستدعاء هذا الحوار يُقرر الروائي النتيجة بأن البطل رسب، ثم هجر الدراسة في كلية العلوم، بلا تردد، بعد وفاة أبيه.
«كان الشعر هوايته ... لكن انزعاج أبيه بدا واضحاً لمّا عرف نيته:
ـ كيف تفكر في مستقبلك؟
قالت الأم:
ـ اتركْه وما يفضله ..
قال وهو يهز قبضة يده:
ـ حتى الموت .. فأنا المسئول عن حياته ..
همس بقلق:
ـ ذلك ما أحبه ..
اقترب منه كأنه يهم بضربه:
ـ لن تعرف مصلحتك أكثر مني ..
سأل:
ـ ولماذا القسم العلمي؟ ..
قال:
ـ الكليات النظرية تُخرِّج مدرسين أو متعطلين ..
أضاف وهو يضغط على الكلمات:
ـ المستقبل للكليات العملية
رسب أول عامين في كلية العلوم .. ونجح ـ بالخوف من أبيه ـ في العامين التاليين، فلما مات أبوه هجر الدراسة بلا تردد»( ).
*الثاني: تدخل والد منصور في اختياراته لأصدقائه:
«رفض أبوه صداقته من ابن عم هلول الفكهاني:
ـ صادق من هو في ثوبك ..
وهو يُغالب ارتباكه:
ـ عبد الهادي في نهائي الطب ..
عبَّر تدلي الشفة السفلى عن استياء:
يهمني أصله لا مهنته ..
أردف كلماته بنظرة صاعقة، كوّمته في نفسه»( ).
والفقرة السابقة على هذه الفقرة تحدد للقارئ أي صداقة ارتبط بها «منصور سطوحي» بعد رحيل والده. إنها ـ كما أشرنا من قبل ـ صداقته ببدر المنشاوي (الموظف بأرشيف الحقانية، وجابر محجوب (ميكانيكي السيارات)، وحسن الهُن (الموظف بقصر ثقافة الإسكندرية، وهي كلها صداقات مع أبناء الشعب من الطبقات الكادحة والفقيرة.
*الثالث: تدخل الأب في تصرفات ابنه الذاتية، فهو الذي يُقرِّر لـه متى يحلق شعره، فتراه يُقرر ذات يوم أن يحلق رأس ابنه ويتركه دون شعر (ربما فعل ذلك ليجبره على الجلوس في البيت والمُذاكرة، حيثُ يُشير النص بأن الوظيفة المطلوبة من «منصور» هي المُذاكرة فحسب):
«كانت تُشقيه ملاحظات أبيه: هل تظن أنك تقوى على فعل ذلك؟ .. أنت تفعل ما أقرره. وظيفتك الوحيدة هي المُذاكرة. دع لي الأمر ولا تفكر فيه. سأقر الصواب فيما بعد.
وهمس يوماً في أذن الحلاق، وغادر المكان. جرى الحلاق بالماكينة على رأسه في منتصفها، قهرته المُفاجأة، فظل صامتاً، أتم الرجل ما بدأه، وإن لم يُفلح في مُغالبة الدموع التي طفرت من عينيْه»( ) .
***
ونتيجة لما مضى لا يحمل البطل «منصور سطوحي» أي ذكرى طيبة لأبيه:
«قال كمن يهمس لنفسه:
ـ كنتُ أتمنى أن أحب أبي بدلاً من أنْ أخافه»( ).
ولعل كلمته «يهمس» في الوصف، مع الإشارة للخوف في الحوار دليل على سلطة الأب، وعلى سطوته، حتى بعد رحيله!
وتُحاول أم «منصور» بعد موت أبيه ـ أن تقوم بنفس دور الأب الذي كان يقوم به «فهي تنتمي إلى ذلك العالم الآفِل، الذي يُحاول مُمارسة نفس طقوسه في القهر والتحكم والسيادة المُطلقة رغم تغير الظروف»( ).
فحينما أراد أن يفتح المكتبة التي ورثتها الأسرة عن الأب بعد الوفاة بتسعة أشهر، وقفت الأم في وجهه:
«قالت في نفاد صبر:
ـ ماذا تريد؟ ..
كأنه ينتظر السؤال:
ـ المكتبة ..
تقوّس حاجباها:
ـ مالها؟ ..
قال وهو يعدل ـ بعفوية ـ ياقة البيجامة:
ـ منيرة تزوّجت .. وماجد يستعد للوظيفة ..
أضاف بسرعة كأنه يقضي على التردد داخله:
ـ حرام أن تظل المكتبة مغلقة ..
حدّقت فيه بنظرة غير مصدقة:
ـ إنها كل ما تركه أبوك .. فهل ترثه بمفردك؟ ..
وهو يُقاوم انفعاله:
ـ ولماذا لا أُديرها لحسابنا؟ ..
اصطنعت التعجب:
ـ وتهجر المقهى؟!..
وشاب صوتَه تذلل:
ـ أريد أن أستقل بحياتي .. فساعديني! ..
قالت في لهجة جادة:
ـ أُفضِّل أن أبيع المكتبة ليتقاسم ثمنها الجميع ..
وعلا صوتها:
ـ لا تنس أني امرأة .. ولا مورد لي! ..
فال بتعمد واضح للدهشة:
ـ أنتِ أمي كذلك .. وأنا مسئول عنك! ..
غلب النشيجُ صوتها:
ـ من كان يتحمل مسئوليتي .. مات! ..» ( ).
إن هذه الأم تنتمي إلى الماضي الذي مات ولا يُريد أن يرحل، وإنما يُريد أن يُمارس سيطرته على الأحياء .. وهي تتذكّر زوجها ـ والد البطل ـ وتصفه بأنه «كان رجلاً فاضلاً»( ) (كأن منصور سطوحي غير ذلك، فلا هو رجل، ولا هو فاضل.
إن «منصور سطوحي» في نص «الصهبة» يبحث عن ذاته في مواجهة الآخر الغائب / الحاضر (أو بتعبير آخر: الميت / الذي يُمارس حياته من خلال الأم).
وأمه لا تتركه يفعل ذلك أو يحققه، وتظل هي صوت الأب الراحل المقيم، والغائب / الحاضر من خلال من خلال إعلانها عن وجوده في كل لحظة:
قالت وهي تمسح دمعة في طرف عينيها:
ـ يجب أن تحرص على ذكرى أبيك.
قال باستهانة:
ـ على ذكراه لا على جثته! ..
زعقت:
ـ هل كنت تجرؤ على قول هذا في حياته؟ ..
قال كمن يهمس لنفسه:
ـ كنت أتمنى أن أحب أبي بدلاً من أن أخافه! ..
... تحشرج صوتها:
ـ ألم تكن تحب أباك؟ ..
مسح الحجرة بنظرة غير واعية:
ـ كنت أحبه .. لكني كنت أخافه أكثر! ..
استطرد وهو يغمض عينيه بتأثر:
ـ ليتني أطعته لأني اقتنعتُ بآرائه .. لا لخوفي منه .. »( ).
وهكذا فإن هذه الرواية تُرينا من خلال عرضها لموقف الأب من البطل كيف كان «منصور سطوحي» ـ البطل ـ ضحية استبداد أبيه المتسلِّط، الذي فرض عليه أن يلتحق بالقسم العلمي، فكلية العلوم ـ رغم هوايته للأدب وقرضه للشعر ـ ولهذا فقد فشل «منصور » في دراسته بكلية العلوم في حياة الأب، وهجرها بعد موته.
ولما كان الذي يحكم علاقة البطل بأبيه الخوف (وليس الحب)، والطاعة (وليس الحوار والإقناع)، فإننا يُمكننا أن نقرر أن «منصور سطوحي» ضحية السلطة الأبوية في المجتمع( ). هذه السلطة المستبدة القاهرة عند الأب، والتي تبغي أن يكون الابن صورة متجسِّدة للأب، أو الأب صورة دائمة ومستمرة في الابن.
ويفشل الابن / البطل في تحقيق ذاته، ومن ثمّ يتمرّد، ويُحاول أن يجد نفسه من خلال الانجذاب ـ في طقوس «الصهبة».
(3)
ما الصهبة؟ ..
«لن تجد إجابة واضحة لهذا السؤال، ذلك أن « الصهبة » ليست كياناً ماديا متماسكاً ومحدد الملامح مثل الأماكن التي نعرفها، ليست مولداً أو جلوة، أو حلقة ذكر. تختلف « الصهبة » عن هذه الأماكن جميعها»( ).
ومثلما هي مختلفة في المكان مختلفة في الزمان
«قال جابر محجوب:
ـ للموالد مواعيدها .. أما هذه الصهبة فقد أتت في أغسطس »( ).
إنها طقس يرسمه المؤلف من خلال عيني البطل.
« اختلف المشهد أمامه عن الصورة التي ألفها. ليسوا من طرق أكل الزجاج، وازدراد الأفاعي والقبض على الحديد الملتهب، وغرس الأسياخ في الخدين، وطعن الجسم بالخناجر، وابتلاع النار، ولا من الشاذلية والرفاعية ولا المولوية أو الدراويش مَنْ طالما تابع مواكبهم في مولد الحي. استند إلى الباب الحديدي لبيت، أول الميدان الصغير. أهمل ـ لطول قامته وقوف العشرات أمامه، يُشاركونه، ويُشاهدون ويُعانون الزحام الذي تزايد فصار خانقاً. انفسح المكان لما تشابكت أيدي الرجال. وقفوا في حلقة متجهين إلى الداخل، وتشابكت أذرع النساء داخل الحلقة متجهات إلى الخارج تعالت الدفوف والمزامير والدربكات والشخاليل، وبدأ الرقص: يتحرك الرجال إلى الداخل . وتتجه النساء إلى الخارج. يرفع الرجال أيديهم فيسهل طريق النساء في العودة إلى الداخل. والعشرات أفسحوا للطريق، صنعوا دائرة أوسع لصق الأبواب والجدران، وعلى مداخل الشوارع. شدة انسجام الموسيقى مع الرقص، وحركات التوقف، تبديل الأوضاع والحركات، تشابك الأيدي والأذرع وانفصالها كأنه الذكر، وإن اختلف الذكر بتطوح الرءوس، واهتزازات الأجساد والأيدي، والدعوات الرتيبة المتتالية. بدا كل شيء جديداً، وغير مألوف. ليسوا من الغجر، للغجر سحنتهم ولهجتهم وزيهم، ولم تشر الأحاديث إلى أنهم يُمارسون الغناء وأعمال السحر والتنجيم والوشم وختان البنات، ولا ضبطوا متلبسين بسرقة بيت أو دكان أو خطف طفل، ولا هم جماعة مُغلقة ترفض الاختلاط»( ).
إن محمد جبريل من خلال هذا الوصف يصنع أسطورته الخاصة، أو واقعيته السحرية المنبعثة من بيئته المصرية التي أحبها وعشقها، كما صنع أدباء أمريكا اللاتينية ـ تماماً ـ واقعيتهم السحرية المنبعثة من بيئتهم وأعراقها وتقاليدها.
وطقس «الصهبة» ـ الذي استنبته محمد جبريل في هذه البيئة ـ طقس لجماعة تحتفي بالحياة، وليست كالجماعات الأخرى المغيبة عن واقعها «السحر والتنجيم» أو المُغَيَّبة عن عقيدتها «الشاذلية والرفاعية والمولوية والدراويش»، أو المُغيبة عن بيئتها والتي تحس بانفصالها وعدم انتمائها «الغجر».
إن هذه الجماعة التي تُمارس طقس « الصهبة » تحتفي بالحياة، وتُريد للمرأة العاقر أن تحمل وتلد وتُشارك في تقديم الأطفال (رمز المستقبل) كي تستمر دورة الحياة.
«النساء المنقبات يحلمن بالخصوبة، الجميع يشغلهم علاج العلة، من يرفع النقاب يظفر بثواب إنقاذ حياة»( )..
ومن ثم يُحاول البطل « منصور سطوحي » أن يُساهم في إنقاذ حياة امرأة، رغم أنه هو نفسه أن يُحقق ذاته في هذه الحياة، أو يعيش الحياة كما يهوى، فلم يُفلح. لقد حاول إنقاذ حياته هو عدة مرات بعد وفاة أبيه، ولكن أمه التي تمثل الماضي المندثر ـ وقفت في طريقه:
وقفت في طريقه عندما أراد أن يترك الكلية التي دخلها رغم أنفه، ولم يستطع الاستمرار فيها:
« لم تصدق الأم: هل يهجر الدراسة بعد أن أوشك على بلوغ الغاية؟! ..
أخلت وجهها للدهشة:
ـ تريد أن تُصبح أقل من أخيك؟! ..
قال وهو يهز رأسه:
ـ لا تشغلني الكثرة ولا القلة .. ما يهمني هو ما أطمئن إليه ..
استطرد من بين أسنانه:
ـ كان همه أن أصبح صورة منه! ..
واجهته بنظرة غاضبة:
ـ كان أبوك رجلاً فاضلاً ..
دون أن يُجاوز هدوءه:
ـ لا أُنكر .. ولكنه اختار التجارة .. أما أنا فقد كانت لي حياة أخرى»( ).
ووقفت أمه في طريقه ـ أيضاً ـ حينما حاول أن يضع لافتة جديدة للمكتبة، رمزاً لحياته المستقلة والمنفصلة عن حياة أبيه، ولكن أمه عاودت الرفض بشراستها المُعتادة التي ورثتها عن أبيه:
« أمه واجهت فكرته بغضب لم يعهده من قبل. اصطبغت عيناها بحمرة، وسرت في وجهها ارتعاشة، وتمتمت شفتاها بما لم يستطع تبينه ..
قال يُحاول تهدئتها:
ـ ستظل المكتبة باسم أبي .. كل ما أطلبه أن نغيّر اسمها! ...
لم تُخف قلقها:
ـ أنا أعرف بك من نفسك .. اليوم تغير اسم المكتبة .. وغداً تصبح المكتبة باسمك ..
عانى للإفلات من حصار نظراتها:
ـ ألم تُقرري وهي مُغلقة أن نعرضها للبيع؟!
وهي تُقاوم الغضب:
ـ كان شرطي أن يظل للمكتبة اسمها .. مكتبة سطوحي! ..
قال:
ـ أغلقناها تسعة أشهر .. فتأثرت مبيعاتها .. والأفضل أن تبدأ من جديد! ..
ضغطت على الكلمات:
ـ سيظل للمكتبة اسمها! ..
واستطردت وهي توليه ظهرها:
ـ إن لم يُعجبك شرطي .. فعندي أغراب يُوافقون عليه! .. »( ).
إن موقف الأم الرافض لتركه الدراسة التي اختارها له أبوه، ورفضها تغيير لافتة المكتبة يشي بثباتها وحفاظها على ذكرى الزوج الغائب، وعدم قدرتها على استيعاب أن يتغيّر الأبناء، وأن تكون لهم حياتهم المستقلة عن حياة الأبوين، أو أن تصير لهم ذواتهم المختلفة عن ذات والدهم الراحل.
ومن هنا فإن « الصهبة » تمثل طقس الحياة، والتجدد، والعطاء، والخصوصية. وكلها أشياء حاول أن يتشبث بها «منصور سطوحي» ، وحاول أن يراها ويعيشها بجمالها الأخّاذ في تلك اللحظة التي جرى فيها في «الصهبة» ورفع النقاب عن الوجه الجميل الذي يمثل الحياة، والتجدد، والخصوصية! .. فقد قابل وجهاً كأنه الجنة!
وبدأت نفسه تتحرر من قيود السلطة الأبوية التي أحكمها أبوه الراحل من حوله، ومارست أمه دور المحافظة عليها. هذه السلطة التي حاول دائماً أن يخرج عنها، وأن يفلت من مطاردتها.
وإذا كانت الأم (الوجه الآخر للسلطة الأبوية) قد وقفت منه موقفاً سلبيا وهو يُعاني المطاردة إثر مشاركته في « الصهبة » ، فإن ضابط الشرطة (الوجه الآخر لسلطة الحكم) يرفض هذا الخروج:
« قال له الضابط:
ـ كل التحريات أثبتت أن الصهبة التي أبلغت عنها من شغل خيالك ..
بحلقت عيناه:
ـ لكنني شاهدتها بنفسي ..
هز الضابط رأسه:
ـ حتى روّاد المقهى نفوْا أنهم حادثوك في الأمر من أصله»( ).
(4)
إن « الصهبة » تمثل الحياة بالنسبة إلى البطل «منصور سطوحي» ، هذه الحياة التي ظل يبحث عنها طوال حياته، فما أن وجدها حتى تمسَّك بها، وإن أنكر عليه الآخرون ذلك.
فمن «منصور سطوحي» وماذا يريد؟
ليس هناك فاصل بين الأدب / النص، والمؤلف / الرؤية، والذات، والأعماق. ومن ثم فإنني أرى أن «منصور سطوحي» هذا، فيه ملامح من محمد جبريل ذاته، وإلا كان النص سيرة ذاتية وليس رواية.
فـ«منصور سطوحي» بطل سكندري، ومحمد جبريل روائي سكندري المولد والنشأة والتكوين والهوى، وهو مرتبط ببيئته ارتباطاً كبيراً( ).
يقول محمد جبريل عن بيئة بطله في الرواية:
«وُلِد في السيالة .. شقة تطل على مسجد المسيري .. لم يتركها إلى حي آخر، إلا للمكتبة خلف المرسي أبي العباس، أو للكلية في محرم بك، أو لزيارة أخواله في العطّارين، وآخر أعمامه الأحياء في اللبان»( ).
ويقول عن بيئته هو في حوارٍ معه:
«تفتح وعيي على الإسكندرية. شهِدتْ طفولتي وصباي ومطلع شبابي، هي صورة الوطن في ذاكرتي، وهي المكان الذي تخلَّقتْ فيه حتى الآن غالبية أعمالي، وبالذات تلك المنطقة ما بين المنشية وسراي رأس التين، تضم أبا العباس والبوصيري، وياقوت العرش، وعلي تمراز، والميناء الشرقية، وحلقة السمك، والسيّالة، والصيادين، والمسافر خانة، والحجازي، والموازيني، وشارع الميدان ... وغيرها .. »( ).
فكلاهما: البطل والمؤلف يشاركان في بيئة واحدة، هي بيئة « بحري » في الإسكندرية.
إن محمد جبريل ينتمي إلى ما يُسمى « جيل الستينيات » في الرواية، وهذا الجيل من أبنائه: بهاء طاهر، ومحمد مستجاب، وزهير الشايب، وضياء الشرقاوي، وعنتر مخيمر، وحسني سيد لبيب، وصنع الله إبراهيم، وإبراهيم أصلان، ويوسف القعيد، وجمال الغيطاني ... وغيرهم. وهذا الجيل « بدأ مسيرته في الحياة والأدب مع شعارات يوليو 1952م البراقة وخيال الحلم القومي، الذي كان يسعى نحو تحقيق إمبراطورية ترفرف عليها رايات الحرية والوحدة والاشتراكية. وقد زاد إيمانهم بهذا الحلم لأن الفكر الاشتراكي والأدب الواقعي والنقد الاجتماعي أخذ يغزو ساحة الثقافة العربية وبسط مبادئه الفكرية والجمالية على قضايا الوطن والإبداع، وقد تفتحت مشاعر هذا الجيل وطاقاته الإبداعية في الخمسينيات والستينيات، حيث كان معظمهم يخطو نحو العشرين أو الثلاثين من عمره. وكانت خطب جمال عبد الناصر وبعض إنجازاته توحي لكثير منهم بأن الحلم القومي أمل قريب المنال. ولكن الحلم الجميل سرعان ما تحوّل إلى كابوس مرعب مع تداعيّات الخامس من يونيو (حزيران) 1967م، وكانت السقطة مدمرة للأحلام، وخيبة للآمال»( ).
وحينما صحا هذا الجيل على الحقيقة المروعة، وحاول أن يُبدي رأيه، وهو ابن الثورة ـ كما يرى ـ فإن السلطة أبعدتهم إلى الهامش وجعلتهم خارج المؤسسة الثقافية.
يقول بهاء طاهر وهو أحد مبدعي الستينيّات الكبار، ومن المُجايلين لمحمد جبريل:
« ظللنا ـ جيلي وأنا ـ خارج المؤسسة الثقافية وأحياناً على هامشها، وكان الهامش يتألف بالذات من الملحق الأدبي لصحيفة « المساء » المحدودة الانتشار ... ومجلة « المجلة » ... ثم قلة (؟) الصفحات الأدبية في بعض المجلات الأخرى إلى جانب البرنامج الثاني في الإذاعة. تلك هي المنابر التي كانت متاحة في مطلع الستينيات للإبداع، وقد كانت عظيمة القدر في ذاتها، ولكنها محدودة التأثير لأنها بعيدة أو مُبعدة عن الجمهور الواسع»( ).
كان الأدب الجديد الذي يتشكّل على هامش المؤسسة الثقافية، والذي تكتبه هذه الكوكبة « هو المعبر الحقيقي عن التغيير الذي حدث، فقد تفكك البناء المنظم الذي أشاعته الرواية والقصة الواقعيتان ولم يعد للقصة بداية ووسط ونهاية بشكل محدد، ولم تعد البيئة هي تلك البيئة الواضحة التي يخوض البطل صراعاً في نطاقها ويغيرها بفعله الإيجابي. ذلك أن الكاتب قد شعر على عكس كاتب الواقعية بالعجز عن السيطرة على هذه البيئة، وهكذا فقد تداخلت الأزمنة والأمكنة في القصة الواحدة، وأحياناً في المشهد الواحد من القصة. وفي مُقابل البطل الواقعي الإيجابي الذي يحمل رايات الثورة الظافرة ظهر البطل الضد، أو فلنسمه بصراحة البطل المهزوم، ذلك أن حس الهزيمة الداخلية كان أبرز سمة للواقع الجيد في الستينيات الذي حظر كل محاولة للتعبير الحر عن الذات وللتحرك الفعّال. وكان الوصف الدقيق للأشياء وللجزئيات غير المترابطة يعبر بدقة عن عالم نفسي فقد التماسك والترابط في مقابل عالم خارجي شديد الصلابة والتحديد»( ).
ولقد كانت أبرز سمة مشتركة في تلك المدرسة الأدبية ـ مدرسة الستينيّات ـ هي الاحتجاج والتمرد: «كان عملها كله صيحة احتجاج وتمرد. كانت تلك الأعمال دعوة غير مُباشرة للتغيير لأنها تقول بكل وضوح وصدق: إن هناك صدعاً في الدولة وصدعاً في الروح»( ).
(5)
إننا نرى أن «منصور سطوحي» الذي يريد أن يحتفي بالحياة المتخيلة، أو البكر التي لم تفقد براءتها ليس إلا تجسداً لمحمد جبريل الذي يريد هو أيضاً أن يحتفي بالحياة، وأن يجد ذاته، ولكنه مُطارَد من السلطة « الأبوية » التي هي رمز للرؤساء المباشرين له بدءاً من رئيس المؤسسة الصحفية التي يعمل بها، مروراً بالأدباء الكبار الذين يقفون حجر عثرة في سبيل تحقق الحياة الأدبية بثرائها وزخمها للأجيال التي يسمونها شابة رغم تخطي معظم أفرادها حاجز الخمسين من العمر، ووصولاً إلى القيادة السياسية التي يرى أنه يختلف معها، وأنها متسلطة، ورافضة لرغبة الحياة عند بطلها (الذي هو جزء منه).
وحينما تكون « الصهبة » هي البديل للواقع، فإن ضابط الشرطة يرفض الاعتراف بوجود « الصهبة » وتكون مواجهته للبطل صادمة ومستفزة، فيقول له في غلظة وقسوة، دون مواراة:
«كل التحريات أثبتت أن الصهبة التي أبلغت عنها من شغل خيالك»( ).
ويسخر في لغة تكشف روح السخرية الحارقة:
«تغطَّ جيداً قبل أن تنام»( ) .
ومن ثم، فإننا نرى أن « الصهبة » ليست مجرد مرثية فردية لأحلام « منصور سطوحي » المجهضة في واقع مر، يصفع أحلامه، ويجهضها ويجعلها لا تكتمل، وإنما هي مرثية لجيل كامل حاول أن يُحقق ذاته، ولكن العوائق كانت جمة، كما كانت الإحباطات مُروعة.
وقد أحسن الكاتب حينما جعل بطله في النهاية ينزا ويُشارك في طقوس «الصهبة»، التي تعني الحياة والتجدد ومحاربة العقم، حتى لو قالت له السلطة، أو قال الرافضون للحياة: إنها حلم وليست حقيقة، وعليه أن يتغطى جيداً قبل أن ينام.
[فصل من كتاب: صورة البطل المُطارد في روايات محمد جبريل، الإسكندرية 1999م]
***
معذرة: لعدم نشر الهوامش، وهذا الموضوع فصل من كتاب "صورة البطل المطارد في روايات محمد جبريل" للدكتور حسين علي محمد، دار الوفاء لدنيا الطباعة، الإسكندرية 1999م.
د. حسين علي محمد
05-25-2006, 04:25 PM
أثر المرأة في حياتي وفي أعمالي
بقلم: محمد جبريل
.......................
المرأة في حياة المبدع- والإنسان بعامة- هي الأم والزوجة والابنة. تتداخل الشخصيات والمواقف والأحداث، فيسقط الغربال كل شئ، ما عدا الشخصيات الثلاث المؤثرة، التي تمثل بعداً ثابتاً، ليس في مجرد ذكريات المرء، وإنما في تكوينه المعرفي والنفسي، وفي نظرته إلى الأمور.
وعدت القارئ في سيرتي الذاتية "حكايات عن جزيرة فاروس" بأن يقتصر ما أذكره من الأعوام القليلة التي أمضتها أمي في حياتنا، على بعض الصور، أو الومضات السريعة. رحلت أمي قبل أن أبلغ العاشرة، فتصورت أن ما أذكره لن يجاوز تلك الفترة الباكرة من حياتي. فضلاً عن غياب الوعي بصورة كاملة، أو جزئية، في الأعوام الأولى منها. لكن الذكريات التي كانت مطمورة، ما لبثت أن استردتها الكتابة، وهو ما سجلته في "مد الموج" و"الحياة ثانية" و "أغنيات"، وفي العديد من أعمالي الروائية والقصصية.
رحيل أمي
ولعل رحيل أمي هو أول ما أذكره من أيامها بيننا. أشرت إليه في العديد من لوحات السيرة الذاتية، والقصص القصيرة، وفي فصول سيرتي الذاتية. قالت الجدة في شقة الطابق الرابع، إنها كانت تجلس بجوار أمي، تعودها، لما انتفضت أمي- فجأة- وأشارت إلى ما لم تتبينه العجوز، وهتفت: أبعدوه من هنا!. ثم سكت صوتها، وجسدها. أمرني أبي بالنزول إلى الطبيب الأرمني في الطابق الأول. صعد الطبيب السلم بخطوات متباطئة. وكان يقف، في كل طابق، أمام النافذة المطلة على الشارع الخلفي، ربما ليأخذ أنفاسه. وكنت أدعوه- بيني وبين نفسي- إلى الإسراع في الصعود، كي ينقذ أمي.
أطال الطبيب تأمل الجسد الساكن. كانت العينان جاحظتين، والبطن منتفخاً بصورة ملحوظة، والجسد بكامله متصلباً، كأنه وضع في قالب. مال الرجل على صدر أمي، وباعد بإصبعيه بين الجفنين، وضغط بقبضة يده على البطن المنتفخة، ثم هز رأسه في أسى: ماتت!
كانت أمي مثلاً للحنان والقسوة في آن. تثيب للفعل الطيب، وتعاقب للخطأ التافه، أو الذي أتصوره تافهاً. كانت- كما رويت لك في مد الموج- تصر على أن نذاكر حتى موعد النوم، وترفض نزولنا للعب في الشارع الخلفي، لكنها كانت تحرص على أن نجلس بجوار الراديو لسماع بابا صادق، ثم بابا شارع، في موعد برنامج الأطفال. ووافقت على اقتراح أخي الأكبر بأن نشتري قطع "جاتوه" بنقود "العيدية" التي أعطاها لنا خالي، ووضعتها أمي في درج "الكومودينو". وقالت أمي: هل أذنت لكم؟ قال أخي: إنها فلوسنا. ألقت على الأرض ما كانت تحمله، وسحبت من فوق الدولاب حبلاً كانت تخصصه لعقابنا. لفته حول أقدامنا، وتوالت ضرباتها بالشماعة حتى أجهدها التعب.
ويوماً، شارك فيه أخي أبناء الجيران معاكساتهم لعم سيد ساكن الشقة العلوية: "يا راجل يا عجوز.. مناخيرك قد الكوز!". ومع إني عزفت عن المشاركة- ربما لأني كنت أتوقع عقاب أمي- فقد شكا الرجل الطيب لأمي "أولادها". وبهمة غير منكورة، قيدت سيقاننا- أخي وأنا- بحبل واحد، ثم انهالت بعصا "التنفيض"، لا تأبه بتوسلاتنا ولا صرخاتنا، حتى أنقذنا- باستثارة أمومتها- جارنا الأعز "عبده فرج الصبروتي".
ابنتي الوحيدة
ماتت أمي، وكبرت أنا، وتزوجت، وأنجبت. وكان من الطبيعي أن تعود الذكريات، وتنشأ المقارنة، وتتضح معان كانت غائبة، من بينها إشفاق الأبوين على مستقبل أبنائهما، والفاروق بين التدليل والإفساد، والتعويد على الحياة السهلة، أو تلك التي تحرص على القيم. كان الإشفاق والحنان والخشية من الانحراف، هو الباعث وراء الإيذاء المتواصل من أمي.. أدركت ذلك متأخراً، وبعد فوات الأوان.
أمل هي ابنتي الوحيدة. اعتبرتها- منذ طفولتها- صديقة، فهي ترافقني إلى رحلات ومحاضرات وندوات. تبدي الرأي- بتنامي وعيها- فيما يثور أمامها من مناقشات. أهمل ما قد لا يتصل بطبيعة سنها، أو ما يشوب آراءها من سذاجة. الهدف هو أن تحسن المتابعة والإنصات ومحاولة التعبير عن قناعات شخصية.
عدت إلى البيت ذات مساء نظرت أمل إلى الحقيبة الجلدية في يدي، وقالت في نبرة مستاءة:
- كتب مرة أخرى؟!
حاولت - في الأيام التالية- أن أجتذبها إلى القراءة. أن أجعل من الكتب ـ والقراءة بعامة- عوامل مشوقة في تكوينها المعرفي. وضعت بين يديها كتب صديقي الراحل "عبد الحميد جودة السحار" عن قصص الأنبياء، وقصص آل البيت والصحابة، و"أيام" طه حسين، و"عمرون شاه" لفريد أبو حديد، وكتب كامل كيلاني، والطبعة المبسطة من ألف ليلة وليلة، وموال عشان القنال لصلاح جاهين وغيرها..
أذكر ملاحظتها على قول الشاعر: يا ولاد بلادنا توت.. هاتوا قوام نبوت.. نموت البرغوت.. إيدن خلاص حا يموت..
قالت أمل:
- ماذا فعل الرجل لكي يقتلوه!
- المعنى هنا هو قتل سياسة الرجل.
أضفت موضحاً:
- كان الرجل رئيساً بريطانياً عندما شاركت فرنسا وإسرائيل في الاعتداء على مصر عام 1956.
أحسست بأن ما زرعته يوشك على الإثمار حين رأيت أمل تقلب في مكتبتي. تلتقط كتاباً- لعله تاريخ المقريزي- وتبدأ في قراءته. حدثني- في الأيام التالية- عن التاريخ المصري- والعربي- الذي يبدو شاحباً في معظم الكتابات المدرسية..
أشرت عليها بقراءة جمال حمدان وابن إياس وابن تغري بردي وشفيق غربال. عنيت بقراءة بعض ما كتبوا، وناقشتني فيه..
اتسعت مساحة قراءتها فيما بعد، وتنوعت. وانعكس ذلك ليس على مجرد التحصيل المعرفي فحسب، وإنما على دعامات تكوينها المعرفي نفسه، فقد حرصت على تقوية لغتها العربية، كما أخلصت في دراسة اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وقرأت في القضايا السياسية والاجتماعية الشائكة.
تلك هي- فيما أقدر- وسيلة تربية أبي لإخوتي، ولي. أذكر تدخلي في مناقشاته مع أصدقائه حول قضايا ربما لا يتيح فهمها وعي المرحلة السنية. وأذكر ملاحظاتي السلبية حول حادثة كوبري عباس التي أصدر فيها رئيس الوزراء السعدي "محمود فهمي النقراشي" أمره بفتح كوبري عباس على الطلاب المتظاهرين.
ولأن التربية- في بعض أبعادها- مثل أعلى وعدوى وتأثر، فقد حاولت أن أفيد من تجربة أبي في صداقتي لأمل، أتعرف إلى اهتماماتها- بصرف النظر عن سذاجتها آنذاك، - وأحاول أن أضيف إلى ما أجده إيجابياً في تلك الاهتمامات.
إذا راجعت قائمة كتبي، فإن ما كنت قد أصدرته من قبل أن أقترن بزينب العسال اقتصر على أربعة كتب هي: مجموعة تلك اللحظة، كتاب "مصر في قصص كتابها المعاصرين"، رواية "الأسوار"، مجموعة "انعكاسات الأيام العصيبة". تضاعف الرقم- فيما بعد- وإن ظل أملي أن يماهي الإضافة الكمية تطور كيفي يغري بالقراءة والمتابعة!
زوجتي زينب العسال
أستأذنك في أن أعيد ما رويته في "مد الموج" عن بداية تعرفي إلى زينب العسال:
"زارتني في مكتبي بجريدة "الوطن" بصحبة صديقة لي خبيرة في وزارة الشؤون الاجتماعية العمانية. اجتذبني إليها ما لم أستطع تحديده على نحو مؤكد. قلت لصديقي حسين مرسي مدير الإعلانات بالجريدة:
- هذه الفتاة ستزور الجريدة مرات تالية..
- سأل بالدهشة:
- لماذا؟
أغمضت عيني، كأني أجمع نفسي المبعثرة:
- لا تطلب تفسيراً.. لكنها غيرت في داخلي أشياء.
كنت أعاني ظروفاً أسرية قاسية. زارتني أحلام وكوابيس وخواطر مدمرة. بدأ الأفق مثقلاً بالسحب السوداء المتكاثفة. تعالت الأمواج، وتوالت، فغاب الأفق. لم يعد- في كل الاتجاهات- ما يشي بالرسو.
لما قالت زينب العسال إنها مدرسة اللغة العربية في مدرسة للبنات، عرضت عليها أن تعمل- ساعتين كل يوم- في الجريدة. صدمت سمعها كلمة "الأرشيف"، فاعتذرت. أسرفت في التأكيد أن الأرشيف هو البداية والأساس في العمل الصحفي. لجأت إلى تزويقات ورتوش وعبارات باهرة. كنت أريد أن تعود إلى "الوطن".
تفاقمت- في أثناء عملها- مشكلاتي الأسرية. تساقطت من أذني النصائح، والوصايا التي لا تدرك حقيقة ما أعانيه، والآراء الباردة. بدا الطلاق منفذاً وحيداً.
تبينت في كلمات زينت تفهماً لما أعانيه. شدني حياد آرائها وتصرفاتها. تجيب عن أسئلة خنقني حصارها. تهمل التفصيلات، وما قد يبدو شخصياً، أو سراً، ثم تنصرف إلى عملها في "الأرشيف" الذي خلقته خلقاً.
بدت لحيرتي منفذاً وحيداً، مقابلاً.. وتزوجتها"
كانت زينب العسال- في بداية تعرفي إليها- مدرسة للدين واللغة العربية بمدرسة الزهراء الثانوية للبنات بمسقط. تبادلنا القراءات، وإن فاجأتني اهتماماتها الإبداعية عندما وضعت على مكتبي- بعد أشهر- تحقيقاً صحفياً عن التعداد السكاني في سلطنة عمان، الذي شاركت فيه مع عشرات المدرسات المغتربات بالسطلنة.
أتاحت زينب لتشجيعي لها على العمل الصحفي، ثم الكتابة الإبداعية والنقدية فيما بعد- أن ينطلق إلى مداه. تأففت من إصراري على أن تبدأ بتنظيم الأرشيف، ثم أظهرت موهبتها الإبداعية فور أن طالبتها بالمعاونة في صحيفة يشرف عليها، ويتولى تحريرها وإدارتها، شخص واحد. وكالعادة، تحول التشجيع الذي قد لا يرجو الكثير، إلى مطالبة بالمزيد من الكتابات. وجدت فيها- أعترف- إضافة مهمة إلى ما أبذله من جهد شبه فردي.
أتابع الآن خطوات زينب العسال الواثقة، في حياتنا الإبداعية والنقدية. حصولها على العديد من الدبلومات في التربية والمسرح والفن الشعبي والأدب العربي. ثم حصولها على الماجستير، وإعدادها لرسالة الدكتوراه، وتوالي إصداراتها في النقد والكتابة للطفل. أجد لنفسي في ذلك كله دوراً أعتز به، مثلما تعتز به زينت العسال، وربما أكثر!
قد تهبني شخصية هامشية من الخبرات أضعاف ما أحصل عليه من شخصية اختزنت المعرفة، فظلت ساكنة في داخل الذهن والوجدان، دون تأثير حقيقي عليها، وعلى من يخالطونها. وبتعبير آخر، فإن التأثر والتأثير لا صلة لهما بمعرفة ولا ثقافة ولا مرحلة سنية. وأزعم أني أفدت من رحلة أمي القصيرة في حياتي، ومن رفقة زوجتي زينت العسال الناصحة، المشفقة، المتدبرة، ومن تمازج الطفولة والوعي في ابنتي أمل بما لم تبدله الأعوام.
صور مختلفة
تزوجت خادمتنا "دهب"، واستقلت بحياتها، لكنها ظلت على صلتها الأسرية بنا. تزورنا، وتسأل عن أحوالنا- بالذات بعد أن رحلت أمي- واضطر أبي- بتأثير المرض- إلى لزوم البيت، والاعتذار عن غالبية الأعمال التي عرضت عليه- وكان مترجماً!- وعانينا ظروفاً بالغة القسوة.
وصارحنا أبي- ذات يوم- أن "دهب" عرضت عليه مبلغاً نجاوز به ظروفنا. وأرفق أبي شكره باعتذار مؤدب، فقد كان- كما قال لنا- يعرف ظروف دهب جيداً!
أذكر زوجة عم أحمد الفكهاني في الشارع الخلفي الواصل بين بيتنا وجامع سيدي على تمراز. كانت أشد منا حرصاً على "الغديوة" التي نقيمها كل بضعة أيام، ابنها فتحي وأخي وأنا. تفسح لها أسفل عربة الفاكهة الصندوقية الشكل.
تضيف إلى ما نأتي به ثمار فاكهة، وطبق سلطة خضراء، وخبز ساخن من الفرن القريب. تظل طيلة جلوسنا في ظل العربة، وتوصينا بأنفسنا، وبالمذاكرة، وتدعو الله أن يفتح لنا أبواب المستقبل. شخصية الأم المصرية في مثالها المكتمل!
لعلي أعتبر والدة صديقي فتحي الإبياري أما أدبية لي- إن جاز التعبيرـ لم تكن تضيق بزياراتي المتوالية، ولا بمناقشاتنا المسرفة فيما لا شأن لها به. بل إنها كانت تبدي إشفاقها- أحياناً- على إنفاق فراغ وقتنا في القراءة والكتابة والمناقشات التي تبداً ولا تنتهي. مع ذلك، فإنها كانت تعد لنا "الجو" الذي يتيح لنا ذلك كله. وكانت تسألني- إذا تباعدت زياراتي- : ما يشغلك عن صديقك؟
أثق أن خطوات البداية لم تكن، لولا أمومة هذه السيدة الطيبة.
صالح سعيد الهنيدي
05-25-2006, 10:53 PM
دكتور حسين
شكرًا بقدر ما تحمله من وفاء
ونقاء وصفاء
ملف مهم لأديب مهم
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 09:15 AM
«موت قارع الأجراس»
مجموعة قصصية لمحمد جبريل
بقلم: حسني سيد لبيب
...........................
لمحمد جبريل أكثر من ثلاث وعشرين رواية. ولم يحل هذا الإنتاج الغزير دون كتابة القصة القصيرة وإصدار تسع مجموعات، آخرها "موت قارع الأجراس"، تضم أربعا وعشرين قصة تتفاوت بين الطول والقصر، وتتعدد مستويات الرؤى والموضوعات. لاختيار عنوان المجموعة ـ وهو اسم إحدى القصص ـ دلالته، إذ يعكس همّ المبدع بالقضية المزمنة، قضية "فلسطين". يتفاعل الكاتب مع أحداث انتفاضة الأقصى، التي هزتنا جميعا، ولم يهتز لها العالم بالقدر الكافي، رغم دموية المحتل وجبروته، في التعامل مع شعب أعزل طالته الدبابات والطائرات، فطفق يدافع عن نفسه بصدوره المكشوفة ورءوسه العارية، يضرب مثلا للبطولة والتضحية والفداء. اهتز الكاتب لعمق المأساة، لكنه لم يشأ أن تحتد نغمة الآه المخزونة في حناياه، وإنما أطلقها من خلال حس الفنان المرهف، وتناول مشهدا من مشاهد الانتفاضة، عند محاصرة كنيسة المهد. يتحدث الكاتب بضمير الغائب لشخص لا نتبين ملامحه أو نتعرف على هويته. جعل الكاتب منه رمزا يفسره القارئ على هواه. يشبه ملاك الرحمة يأسو الجراح ويخفف الآلام. كما أنه من منظور آخر يقرع الأجراس منبها بالخطر، محذرا منه. هذا الشخص ربما نطلق عليه "سوبرمان" ينشكل في صورة ملائكية، يدفع نفسه جهة مجمع الكنيسة، فينزل على السطح الملاصق للبرج، ويطل على عشرات من الرجال والنساء والأطفال، وهم يتدافعون نحو الباب الحديدي لساحة الكنيسة. كما أنه يسدي النصح ـ أيضا ـ بترك السلاح، حتى لا تكون الكنيسة، بما لها من ثقل ديني مسرحا لعمليات قتالية. وهو أيضا بندس وسط المجموعات المتناثرة في القاعات والحجرات والردهات. ينزل المدرجات الرخامية لمغارة المهد، مسترخيا في مدخلها، متخيلا قدوم السيدة العذراء ويوسف النجار. كما أنه ملاك رحمة يغمغم بدعوات للشاب المريض بالصرع، يمد يده ويمسد رأسه فيهدأ. وحين دوى انفجار، وتحركت الدبابات، تنقل بين جوانب السطح، محدقا في الشوارع المفضية إلى الكنيسة، ويتجه إلى البرج. يقول الكاتب في سطور الختام : " امتدت يده ـ في وقفته ـ إلى الجبال المتصلة بالأجراس أعلى البرج. توالى هزه للحبال. علت الأجراس، واتسع صداها في فضاءات بعيدة. زاد من هز الجبال، فامتد قرع الأجراس. وضع قوته فيما يفعله.... ترد نواقيس الكنائس في امتداد المدن والقرى. يرتفع الأذان ـ كما حدث في مرات سابقة ـ من الجوامع وأسطح البيوت.... لم يفطن ـ في انفعاله ـ إلى الجدار المفتوح في جانب البرج، ولا إلى القناصة الذين رأوا من يحرك الأجراس، فصوبوا إليه رصاصهم".
أمام قسوة البطش وعمق المأساة، أمام الظلم الممتد لأكثر من خمسين عاما خلت، لم يجد الكاتب سوى قوة روحية ملائكية تأسو جراح الشعب المقهور. يتخيلها في صورة شخص أو ملاك يقرع الأجراس، يفيق الغافلين. هنا يتجسد قارع الأجراس في مخيلة المبدع آدميا يطلق عليه الرصاص، حتى يظل النائمون في غفوتهم!
قارع الأجراس يتمثله الكاتب بقواه الروحية أشيه بسوبر مان ينطلق في الأجواءء ويخترق الأمكنة. هو أشبه بالضمير الحي الذي ينصح ويهدي. هو شاهد عيان لما يلاحظ من انفلات وجبروت. قد يكون قارع الأجراس نذيرا بخطر محدق للكنيسة وما حولها. قد يكون ملاكا هابطا من السماء بالرحمة والهداية.
في القصة الأثيرة، جانب معرفي عن الكنيسة وطقوسها والمعالم المسيحية والإسلامية في بيت لحم. متوددا إلى القارئ كي يتعرف معه على جغرافية المكان، أو يسرد بعضا من فصول التاريخ القديم، أو يلتقط بيراعه اليقظ جوانب اجتماعيية مهمة. وهي متعة أخرى يحققها النص الأدبي، وأعتبرها عنصرا أساسيا من جمالياته.
هذه الشخصية المحورية التي تأسس عليها النص، نتتبعها ونتعرف عليها من خلال مجموعة من الأفعال، أو الفعل الإيجابي، وسط مجموعة من الفلسطينيين ونشطاء السلام، اتخذوا من كنيسة المهد ملاذا آمنا، فحاصرتهم قوات البطش الإسرائيلية، فأصبحوا جميعا رهائن.. رجال الكنيسة والأهالي الذين احتموا داخلها.. لا تقدر الرهائن على فعل ما، أو تقوى على درء خطر محدق. وجاءت هذه الشخصية فحفظت التوازن النفسي، من خلال رؤية الكاتب بأن ثمة رحمة تلوح في الأفق، تسبغ ظلها على هؤلاء المحتجزين..!
نلمس الجانب المعرفي ـ أيضا ـ في قصص مستوحاة من رحلاته إلى عُمان ( قصتا : "الوحدات" و"البيت الفرنسي" )، وتونس ( قصتا : "سندس" و "القرصان" )، وسوريا (قصة : "الكسوف" ). وهو يقر، من خلال هذه الكتابات، أن كل ما يراه أو يعيشه المبدع قابل للكتابة. وهي قضية قابلة للمناقشة والبحث.
وقصة "الوحدات" عن مخيم فلسطيني بهذا الاسم، يقيم فييه صديق الراوي في عُمان. تبين القصة مدى الضياع الذي يواجه فلسطينيا يحمل وثيقة إقامة، ولا يملك حرية التنقل.
عن دنو الأجل وإرهاصات ما قبل الموت، تتحدث قصة "العنكبوت". يتبدى الموت للأب الذي تجاوز الستين في صورة عنكبوت فيدعو من حوله أن يطاردوه ويزيلوا خيوطه. لكن من حوله لا يروْن ما يراه..!
وفي قصتيْ "البيرق" و "العراف" يحدثنا الكاتب عن الغيبيات التي تؤدي إلى الانفصال عن الواقع، وتودي بصاحبها إلى التهلكة.
تحتد نبرة الكاتب وهو يتحدث في قصة "الزيف"، عن زيف الشعار وزيف التعبئة الكلامية الانفعالية. إذا نزعنا قناع الزيف، يتبدى عمق المأساة العربية. كما تحتد النبرة ـ أيضا ـ في قصة "الخيمة" بما كتبه عن آفة التراخي والاستكانة. وفي قصة "العراف" تحتد النبرة في الحديث عن الخيانة تنخر كالسوس في عصب الأمة.
من القصص التي تتميز بالقيمة الجمالية، قصة "ونس"، التي تتحدث عن زوجين قصدا شاليها خاصا بهما بالعجمي، في عز الشتاء، إيثارا للهدوء والعزلة!.. لكنهما ضجرا من الصمت المطبق، فإذا ما تبين لهما شعاع ضوء يبين من أسفل الباب المغلق، سرى الدفء التلقائي في قلوبهم، ووشت موسيقى خافتة وضحكات عن وجود بشر!.. فتهمس الزوجة لزوجها : "هل نطرق الباب؟". حاجة الإنسان إلى الونس تفوق حاجته إلى الهدوء. هذا ما تقوله القصة بشفافية وإيحاء مؤثر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* صدرت عن سلسلة (أصوات أدبية) ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ العدد 329 ـ نوفمبر 2002 ـ 192 صفحة.
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 09:18 AM
عن عالم محمد جبريل الروائي
قراءة في "حكايات الفصول الأربعة"
بقلم: إدوار الخراط
.........................
من العلامات الفارقة للكاتب الحقيقى الموهوب أن يكون له عالمه الخاص، أن تكون له رؤاه المتفردة لهذا العالم.
محمد جبريل كاتب حقيقى موهوب.
عالمه يقع فى اسكندرية الشمال الغربى، اسكندرية بحرى والأنفوشى والسيالة وراس التين وحلقة السمك، اسكندرية الصيادين والمراكبية، ليسوا فقط صيادى السمك، أو مراكبية البحر، هم أيضاً وربما أساساً صيادوا الأقدار المتقلبة، مراكبية الرحلات المضطربة، ساجية أو جياشة، عبر شواطئ العمر وعبر سنوات الغربة والحنين.
نصوصه دائما نقلة متصلة إلى "الشاطئ الآخر" (وذلك عنوان إحدى روياته الجميلة). لكن الشاطئ الآخر -كما أصبحنا نتوقع- ليس "جغرافياً" فحسب، هو شاطئ روحى آخر، أو شاطئ رؤى أخرى، تصل إليه -أو لا تصل- مراكب الحياة على المدّ والجزر، على القربى العائلية أو قربى المشارب والمنازع والأهواء، وتخوض إليه غمرات الخصومات والخلافات، أو تطفو على مويجات التراحم والحب المترقرقة.
ومن ثم فإن التيمات -أو الموضوعات الأساسية فى عمله الروائى- تيمة الموت مرتبطا بالشغف بالحياة، وموصولا بمتعاتها، ترقب الموت، وترصده، أو اللامبالاة بانقضاضه، تيمة تسرى فى سردية محمد جبريل، أو تستبطن هذه السردية، سافرة حينا ومضمرة حينا، ولكنها ماثلة باستمرار، تستدعى تيمة لصيقة بها، بل تكاد تكون مترادفة معها، هى تيمة الشيخوخة والوهن وتقاعس البدن المتهاوى الذى تحركه شهوات قديمة مؤرقة.
يقول بطل "حكايات الفصول الأربعة" بعد أن كتم ضحكة قصيرة: أشعر أنى شاب لكن حركة جسدى لا تساعدنى على هذا الشعور.
لعل موضوعة الشيخوخة، الموت التدريجى للقدرات نتيجة صراع الجسد ضد الموت الذى يؤذيه بالمجئ، مما يشغل الكاتب فى مجمل عمله الروائى وخاصة فى هذه الرواية، لعل فى عنوانها وحده "حكايات الفصول الأربعة" ما يشير إلى هذه الموضوعة، ليست تلك فقط فصول السنة الأربعة، بل هى أساسا فصول العمر الأربعة. ليست فقط فصولا تمر بها سنوات بطل أو شخص واحد فى غمار الرواية، بل هى أيضاً موزعة على شخوص الرواية بحذق وذكاء سردى ملحوظ، من ربيع الصبا، وعنفوان صيف العمر، إلى خريف التهاوى والإيذان بالسقوط، ومنه إلى الشتاء الموحش القاحل.
تقلبات هذه الفصول تدور فى اسكندرية محمد جبريل النصية التى تخايل بواقعية تكاد تشفى على الطبوغرافية الدقيقة، لكنها تجيش بحياة تتجاوز مجرد محاكاة الواقع الظاهرى، ذلك أن للكاتب ولعا مشبوبا بالأماكن، وأوصافها، وتحديدها، وابتعاث أجوائها: القهوة التجارية، قهوة فرنسا، مقهى ايليت أو التريانون، اتينيوس، فضلا عن معالم اسكندرية الشمال الغربى، وهو ولع يضفى على هذه الأماكن حياة كأنها مستمدة من حياة أبطال أو شخوص العمل الروائى - ولعلها من وهج الكاتب الروحية نفسها، وليس ذلك بالغريب عند معظم الروائيين الحقيقيين إذ تتناوب عندهم وتكاد تندمج أماكن الروح بأماكن الواقع، وهو عند محمد جبريل شغف يكاد أن يكون فيتيثسياً بتسمية الشوارع والمقاهى والجوامع والزوايا، ويكاد يقتصر على اسكندريته تلك، هى اسكندرية قريبة إلى حد ما من اسكندرية الراحل صالح مرسى، على اختلاف الرؤى والموضوعات بينهما اختلافا جذريا، ومختلفة أيضا جد الاختلاف عن اسكندريتى مثلا، اسكندرية الجنوب وراغب باشا وغيط العنب بالقرب من الملاحة وترعة المحمودية التى لا تأتى سيرتها قط فى عمله كله إن لم يخطئنى الحصر والتقصى، حتى لو كان للبحر حضور ماثل بل مسيطر فى كتابتى، وهى أيضا تختلف بالتأكيد عن كاتبٍ أراه من أكثر كتاب الإسكندرية موهبة هو حافظ رجب، إذ تقع اسكندريته الفانتازية فى سرة المدينة، محطة الرمل حيث يجرى الترام فى رأس الرجل وحيث يشغل اليونانيون مكانا روائيا لا يكاد يعرفه يونانيو محمد جبريل الذين لعلهم ينتمون إلى حقبة زمانية أحدث من الحقبة "الكوزموبوليتانية الشعبية" التى عاش فيها "الاجريج" عند حافظ رجب، هم قريبون بشكل ما من جريج قسطنطين كافافى.
ولا أحتاج أن أقول إن اسكندرية محمد جبريل أوقع وأقرب إلى صورة الإسكندرية البحرية المثلى من اسكندرية كاتب مثل إبراهيم عبد المجيد، التى تكاد تقتصر -من حيث الموقع المكانى، ومن ثم الموقع الروائى، على صحرائها الغربية المفضية إلى خط سكة حديد العلمين ومرسى مطروح، وهو الجانب "الصحراوى" الأصيل من جوانب الإسكندرية، لم يهتم به -فى حدود علمى- إلا كاتب اسكندرانى آخر هو أونجاريتى الإيطالى الذى عاش فى محرم بك حتى العشرين من عمره (لعلنى أيضا قد عنيت بهذا الجانب الصحراوى من الإسكندرية). ولعل محمد جبريل لم يعن كثيرا -أو إطلاقا- بهذا الجانب، فهل ثم معنى لاختياره "البحر" أى الانفتاح على الآخر، وعلى الشاطئ الآخر؟ أم أن إضفاء دلالة إثنوجرافية، وربما أيديولوجية على البحر باعتباره الأفق الشمالى المفتوح على العالم الأوربى وعلى "الرمال الصحراوية" باعتبارها المعنى البدوى المنبثق من الخصوصية العربية المغلقة على ذاتها، ربما،.. من الشطح التأويلى ما لعله ينأى به عن المصداقية؟
هذه على أى حال أسئلة خصيبة (فيما أظن) تثيرها رواية "حكايات الفصول الأربعة" من بين ما تثيره من أسئلة.
تيمة الشيخوخة والموت لا تضفى على عمل محمد جبريل كروائى قتامة أو جهمة عابسة؛ فى مفرداته ورؤاه قدر من الرشاقة والسلاسة ينأى بها عن التشاؤم أو العدمية، على العكس، فإن اهتمام الكاتب بالقضايا ذات الشأن العام، من قبيل المسائل والأحداث والآراء السياسية، أو المشكلات والمجادلات الدينية، يكسب عمله الروائى حيوية ومعاصرة وراهنية مشغولة بالهموم والشئون العامة.
إن أحد أبطاله يأخذ على المصريين أنهم "يمتلكون موهبة صنع الطغاة. يحولون البشر العاديين إلى آلهة معصومة من الخطأ، ومحصنين ضد الحساب حتى لو كان إلهيا، يفدونهم بالروح والدم، ويحسنون التغنى بمآثرهم والتطبيل لإنجازاتهم، ويحرقون البخور لذكراهم".
(وبالمناسبة، فإن المصريين لا يجعلون من الساسة والزعماء وحدهم طغاة أو أشباه آلهة، بل هم يحولون من يسمونهم الرموز فى الحياة الثقافية والعلمية أيضا إلى أشباه آلهة معصومين لا يجوز المساس بذواتهم العلية).
اهتمام النص عند محمد جبريل بالشئون العامة لا يقتصر على المسائل السياسية بل ينصب كذلك على المسائل الدينية: "الإسلام لا يعرف رجال دين. من جعلوا الدين مهنتهم. إنه يعرف العلماء والمجتهدين". قد يبدو هذا الاهتمام جانبيا، أو هامشيا، تتناوله حوارات عابرة، وأقدر أنه اهتمام أساسى، يأتى بحذق ملحوظ على هيئة إشارات سريعة فى الحوار أو فى السرد الروائى سواءً، ضربات خفيفة ولكنها نافذة، موجزة ولكنها قاطعة، فهذه هى -فى تقديرى- تقنية رئيسية فى عمله الروائى.
من الموضوعات التى يتناولها محمد جبريل مرة بعد مرة فى عمله الروائى موضوعة الفجوة بين الأجيال.
النزعة نحو الرحيل، ليس فقط من شاطئ إلى شاطئ آخر، ليس فقط من عالم إلى عالم آخر (من الإسكندرية إلى اليونان مثلا) بل هى أيضا وربما أساسا نزعة إلى الرحيل من جيل إلى جيل، ومن هموم مرحلة معينة من العمر إلى هموم مرحلة أخرى -تلك من حكايات الفصول الأربعة- هذه النزعة لا تتحقق فقط بركوب البحر، بل هو ركوب موج السنوات المضطرب المتلاطم.
***
لعل محمد جبريل من أبرع روائي ما بعد نجيب محفوظ، مع فرادة لغته ونعومة انسياب صياغاته، والصياغة بداهة لا تنفصل عن الرؤية ولا عن الموضوعة. ذلك أن لغة محمد جبريل فى إيجازها واقتصادها ونفاذها تتساوق مع رؤيته لعالمه الإسكندرانى والنفسى أو الروحى على السواء، فهى رؤية ناصعة مضيئة ليس فيها تدفق هادر ولا صخب التزاحم، لا نكاد نقع عنده على محاولة للغوص فى أغوار -وأكدار- الحياة الحلمية أو اضطراب ما تحت الوعى، لغته ورؤاه معا صافية صحة سماء الإسكندرية عندما تصحو سماؤها، وهو ما يحدث فى أغلب الأحوال.
وعندى أن الإيقاع الموسيقى فى هذه اللغة -وهو إيقاع ملموس- ينبع من تناغم وتناسق (لعله تنغيم وتنسيق متدبر مقصود، أو لعله ملهم وعفوى، أو هما معا) فى تسلسل السرد وتبادل الحوار والنأى عن محسنات -أحيانا ضرورات- الاستعارة والكناية وكثافة اللغة، لغته -مثل موضوعاته- صافية واضحة وسائغة السلاسة، بقدر ما هى ممتعة وشائقة.
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 09:20 AM
ظاهرة شاذة في حياتنا الثقافية
بقلم: محمد جبريل
..........................
يغيظني من يبتزون فروسية الآخرين ، ليفرضوا بلطجتهم ومؤامراتهم .. يثقون أن الإهمال هو رد الفعل الذي يستقبل به " الفرسان " تصرفاتهم الشريرة .
وصفة أحد كبار نقادنا بأنه أقرب – في الطبيعة – إلى مسئول العلاقات العامة منه إلى الفنان ، فهو قد يكتب ساعة ، لينشغل بقية يومه بنسج العلاقات وتمزيقها ، وتدبير المؤامرات ، ومحاولات الإيقاع والتعتيم ، وهو ما عبر عنه واحد من ثلاثي العداء – معروفون بالاسم !
في زميلة أسبوعية : عدوك عدو كارك ! .. تحول الإبداع – في تقديرهم – إلى كار ، فروح العداء لا التنافس الجميل هي التي تملي عليهم أفكارهم وتصرفاتهم .
التقى بي – ذات يوم – في مؤتمر لهيئة قصور الثقافة بالسويس ، أبدى ملاحظة حول انصرافي عنه ، كنت قد عرفت طبيعته ، فآثرت الابتعاد قال في بساطة : العملية الجراحية التي أجريتها غيرتني تماماً .. هو إذن يدرك ما كان يفعل ، ويسعى لتغييره .. وتصورته صادقاً ، ولو للحفاظ على قلبه الذي خضع لعملية ، بعد أن أرهقه بتوالي المؤامرات ومحاولات النيل ، حتى من أقرب الأصدقاء لكن الطبع – كما يقول المثل – يغلب التطبع ، فهو قد تحدث عن التطبع ، لكن الطبع ظل غلاباً !
اتصل بي أقرب أصدقائه في مؤتمر الرواية الأول حدثني عن تفرد صديقه – من خلال شبكة علاقاته الواسعة – بمعظم أبحاث المؤتمر ، وحرصه أن يخلو المؤتمر من أي بحث عن صديق عمره كما يسميه !
وحدثني روائي معروف عن الجلسات التي يعقدها – ذلك الذي أجعله مجرد مثل فلا أسميه – مع عدد لا يزيد عن أصابع اليد من الذين ابتليت بهم حياتنا الثقافية .. يراجعون الأسماء ، يلاحظون خفوت اسم ما ، فيقترحون تسليط الضوء عليه ، ويلاحظون ذيوع اسم آخر ، فيلجأون إلى ما وسعهم من التعتيم حتى تظل كل الأصوات تحت سقف يحددونه !
وحين استقبل النقاد رواية علاء الديب " زهرة الليمون " بحفاوة تستحقها ، كتب صاحبنا وكاتب آخر – هو الآن في ذمة الله – عن رواية شحاته عزيز " الجبل الشرقي " واعتبراها رواية العام ، والتفت إلى ما كتب مثقفان كبيران هما رجاء النقاش وإبراهيم الورداني . قرا الرواية ووجدا فيها ما يستحق الإشادة بالفعل ، وكتب شحاته عزيز جزءاً ثانياً من الرواية ، وسعى لنشره في النشرة التي يتولى صاحبنا رئاسة تحريرها ، لكنه فوجئ بالرفض ، وجاءني الأديب الجنوبي يعرض ما حدث ، ولن الرواية كانت عملاً لافتاً ، فقد نشرت الجزء الثاني في " المساء " كعادة الجريدة مع كل المواهب الحقيقية .
أخطر ما في الأمر أن صاحبنا لا يكتفي بنفسه ، وإنما يحرص على أن ينقل فيروسات أمراضه إلى الآخرين ، بالتحديد من يعملون تحت إمرته من الشباب ، هو يحرض ويهدد ويفرض رأيه ، وربما كتب – كما عرفت من هؤلاء الشباب أنفسهم – ما يدفعهم إلى وضع توقيعاتهم عليه .
صارحت صديقاً مشتركاً بأنه كان يستطيع – بما حقق من مكانة – أن يحصل على المكانة نفسها في قلوب المثقفين ، قال الصديق : هل أبلغه ؟ قلت : ليتك تفعل .
أثق أن حياتنا الثقافية بخير ، والأعلون صوتاً ليسوا هم التعبير عنها ، لأنهم قلة ، وإن كان طنينهم يزعج المبدعين الحقيقيين في انشغالهم بالأجدى والمفيد .
م . ج
.................................................. ............................
* جريدة المساء العدد الأسبوعي – السبت 26من نوفمبر 2005م.
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 09:22 AM
إيقاعــــــــات
قصة قصيرة لمحمد جبريل
......................................
خطرت الفكرة فى باله كالومضة . لم يكن ـ فى تلك اللحظة تحديداً ـ يفكر إلا فى اللقاءات التى تملأ أيامه الأربعة فى بيروت . محاضرتان ، وربما ثلاث ، فى اليوم الواحد ، وأحاديث فى وسائل الإعلام ، ولقاءات بمسئولين . لم يعد نفسه حتى لمجرد السير فى شارع الحمراء الذى يحب محاله ومقاهيه وصخب الحياة فيه ..
ومضت الفكرة . استعادها . أزمع أن يخضعها للمحاولة . إذا جاوز الإخفاق ، فهو يستعيد الثقة الغائبة . وإذا لقيت المحاولة صدوداً فعليه أن يظل السر مقيداً داخل حجرته بالفندق ، القيد نفسه الذى خلفه فى حجرته بالشقة المطلة على نيل الزمالك ..
قال الطبيب : التردد يؤدى إلى الحوادث . كان يقصد حوادث المرور ، لكنه لاحظ أن المعنى ينسحب على كل شئ ..
تحسس ـ بعفوية ـ موضع العملية الجراحية فى صدره . كيف يواجه النظرات المشفقة ، أو المشمئزة ؟
وبخ نفسه لأنه استدعى الفكرة ، وقلبها : يدعو المرأة إلى زيارته فى حجرته . يقضيان معاً وقتاً لم يستمتع بمثله من قبل ..
خادمة الغرف ؟!.
يفر من المشكلة الحقيقية ، فيثير مشكلات هو فى غنى عنها ..
قضى موظف الاستقبال على تردده : هل يقدم نفسه باسمه الحقيقى ، أو يخترع اسماً يختفى وراءه ؟..
طلب الموظف جواز السفر . تأمل البيانات ، وأودعه خانة مفتاح الحجرة :
ـ سنعيده عند نزولك ..
أضاف الموظف بلهجة مرحبة :
ـ عدد الأيام ؟
ـ ثلاثة أيام أو أربعة ..
ثم وهو يتكلف ابتسامة :
ـ مهمة عاجلة ..
استشرفت نفسه حياة غير التى يحياها . غلبته الحيرة ، فهو لا يقدر أن يفعل شيئاً . ما يؤلمه أنه لا يقوى على البوح . السر فى داخله ، لا يكشف عنه . يقاوم الرغبة فى أن يتكلم مع أحد ، يفض عما بنفسه ، يحكى ، ويحكى ، لا يسكت حتى يهدأ . قيمة الصمت أنه يخفى ما نعانيه . لو أن الملامح أظهرت ما فى النفس ، ما قدم من القاهرة . العجز معه يصحبه إلى أى مكان يقصده . ليس فى جسده ، وإنما فى مواجهة الظروف التى تواجهه ..
قالت فادية :
ـ ماجد يستهلك نفسه فى إظهار الغضب ، لكنه لا يؤذى ..
وعلت ضحكتها ، فاهتز صدرها :
ـ ماجد كائن مسالم ..
ينظر ـ فى استياء ـ إلى نظرتها المستخفة . تجيش مشاعره . يعلو صوته بما يمور فى داخله . يبدى رأيه ، ويعلن ما ينوى فعله . الابتسامة على شفتيها تزيد من إحساسه بالغضب . يغلبه ارتباك لا يفلح معه فى أن يقول شيئاً . يغمض عينيه . يروح فى عوالم يصعب عليه تبينها . خليط من المشاعر والذكريات والميل إلى الفضفضة . حتى المواقف التى لم تشغله فى وقتها ، ونسيها ، تستعيدها ذاكرته ، وتملأها ..
أهمل النصيحة بأن يلغى سفره إلى بيروت ، أو يؤجله . تحدث على عبيد عن اتساع حرب الميليشيات ، والقتل على الهوية . داخله شعور لم يستطع تفسيره . كأنه التحدى ، أو الرغبة فى المغامرة . تأكيد ما يطمئن إليه فى نفسه ، ولا يراه فى أعين الآخرين . حتى ضابط الجوازات فى مجمع التحرير لم يوقع بالموافقة إلا بعد أن دفع إليه على عبيد ببطاقة التوصية ..
أدار الولد النوبى الملامح مفتاح الحجرة ، ودفع جرار الشرفة الزجاجى . أطل من الطابق التاسع فى الفندق ذى الطوابق العشرة . فى أسفل طريق الكورنيش فى زاويته المطلة على صخرة الروشة ، كأنها ساقا عملاق فى قلب المياه ، وأكشاك الملابس والكاسيتات والطعام ، وعربات الفول والترمس والذرة متجاورة فوق الرصيف ، ويتقافز فى الزحام باعة الورد والفل والياسمين ، ومياه البحر تمتد إلى نهاية الأفق ، فوقها سماء صافية ، تتخللها سحب بيضاء ..
تأمل وجهه فى مرآة الحمام ..
التجاعيد دوائر أسفل العينين ، وحول الفم ، وتتباين مع شعره المصبوغ بالسواد ، والبشرة باهتة ، والوجنتان غائرتان ..
استعاد الفكرة فى وقوفه أمام المصعد . حرص على أن يتجه بنظراته ـ فور خروجه من المصعد ـ إلى الناحية المقابلة لكاونتر الاستقبال . يفطن الموظف إلى مكانته ، فلا يهبه الفرصة كى يلقى أسئلة ، أو يعرض خدمات . هو واحد من نزلاء الفندق ، لا شأن له بأحد ، ولا شأن للآخرين به . لكن : كيف يجد ما يطلبه ؟ كيف تنشأ العلاقة ؟..
لو أن موظف الاستقبال ، أو أى عامل فى الفندق ، فطن إلى ما أزمع فعله ، فستؤذيه الفضيحة بما لا يتصوره ..
لحقه صوت عادل :
ـ أريد نقوداً ..
اتجه ناحيته بنظرة غاضبة :
ـ أنا أنفق على البيت كله وليس عليك وحدك ..
ـ أردت أن تصبح أباً .. لذلك ثمنه ..
ثم وهو يطرقع أصابعه :
ـ أريد نقوداً ..
هز رأسه دلالة الرفض ..
قال عادل :
ـ إذا لم أحصل على ما أريد .. لن أضمن تصرفى ..
تفجرت فى داخله رغبة فى الشتم ، أو فى العراك :
ـ افعل ما تشاء !
وهو يزيح شهادات التقدير والأوسمة والميداليات عن الأرفف والجدران ، ويقذف بها من النافذة المطلة على بقايا بناية متهدمة :
ـ هذا ما أفعله ..
اكتفى بنظرة الذهول تملأ ملامحه . فكر فى أن يمنعه ، يصرخ فيه أو يدفعه أو يصفعه ، لكن العجز شل تفكيره وتصرفه . خشى تصرفاً لا يتوقعه . ماذا يفعل لو أن الولد رد إليه أذيته ؟!.. يصفعه ، فيرد عادل الصفعة بمثلها . ينتهى كل شئ . لا أبوة ، ولا بنوة ، ولا أسرة . لا أى شئ . يتمنى الموت ..
قال لنبرة الإشفاق فى قول على عبيد :
ـ أنت لا تعمل حساباً للمستقبل ..
ـ معى ما يكفى المستقبل ..
وتلكأت الكلمات :
ـ يهمنى أن أنفق ما أملكه فى حياتى ..
ثم وهو يصر على أضراسه :
ـ لا أريد أن يرثنى ابنى فى مليم واحد ..
ـ أعطاك الله العمر .. لكن الحرص على ألا يرثك عادل يثير التأمل ..
ـ لماذا ؟
يقلب الكلمات فى ذهنه ، فلا يجد إجابة محددة . يرفض لأنه يريد ذلك . ما معنى أن أعمل وأكسب ، ثم يرث أى أحد ما ضيعت العمر لتدبيره ؟. يجب أن يعلم عادل وفادية أنه قادر على اتخاذ القرار . أنا أرفض وأقبل وأمنع وأعطى . اتخذ قرارى بكل الثقة . أملى إرادتى . لا تشغلنى ردود الأفعال . ما أفعله هو حقى ..
اعتذر عن المرافقة بأنه يريد السير فى شوارع الكويت بمفرده . سأل عن السوق . استعاد التسمية :
ـ واجف ؟..
ـ إنها مجرد سوق شعبية ..
أهمل التحذير ، وسأل عن الطريق ..
مضى من ساحة الصفا . الأسقف الشبيهة بالقيساريات دفعت معظم المحال إلى إضاءة الداخل . غالبية البضائع قديمة ، أو مستعملة . فى الوسط طاولات خشبية ، فوقها ملابس نسائية ومفروشات وسجاجيد . استعاد زحام وكالة البلح ..
قال الرجل :
ـ أفهم ما تريد التعبير عنه ..
ثم وهو يحدجه بنظرة تتوقع رد الفعل :
ـ سأعد لك وصفة لا تخيب !
غلبه الارتباك . أدرك أن الرجل خمن عكس ما يعانيه . قال :
ـ أنا لا أشكو ضعفاً ..
ابتسم الرجل بالحيرة :
ـ ماذا تشكو إذن ؟
كان يضايقه التقاط تلميحه بما يعانيه بمعنى لا يتغير . تقتصر الأحاديث على ما يضيف إلى حيويته . تقترن بالإيماءات والكلمات الملتفة بالغموض . ما يعانيه كائن فى داخله ، لا دخل له بمرض ، ولا يحتاج إلى شئ مما يشيرون عليه به . شئ لا يدرى مصدره ، وإن استقر فى داخله ، يثيره ، ويشقيه بالإحباط ، وبأنه غير قادر على التصرف ، وعاجز ..
قال البائع فى شارع الحبيب بورقيبة :
ـ أفهم ما تريد التعبير عنه ..
أضاف وهو يقدم له حبة صغيرة :
ـ خذ هذه .. تجعل ما تعانيه من الماضى ..
وضع الحبة بين شفتيه . تبعها بجرعة ماء . تصاعد ـ فى اللحظات التالية ـ ما لم يخطر له ببال : خيالات ومشاهد ونشوة تقربه من الغيبوبة . سرى ما يشبه الخدر فى أعصابه . أغمض عينيه فى استسلام . تصور ـ بتأثير النشوة ـ أن أنفه طال ، فكاد يسد الطريق . أبطأ من خطواته حتى لا يصطدم بالمارة أو العربات . داهمه التوجس ، فعوج أنفه بأصابعه ليحقق انتظام المرور . خطر له أن يصرخ ، ويغنى ، ويرقص ، ويجرى إلى حيث تذهب به قدماه ..
عبر الطريق إلى الناحية المقابلة . استبدل البائع شرائط كثيرة حتى هز رأسه بالموافقة . الصوت الأنثوى يتغنى بالعلاقة منذ بداياتها . يتعمد المط والتلكؤ والبحة المتحشرجة والأنفاس اللاهثة . مالت الرءوس ، وتقاربت الأجساد ، وتعالت الهمسات الصاخبة ..
قال البائع وهو يقلب الشريط على الوجه الآخر :
ـ أثق أن هذا هو ما تريده ..
ابتسم للتعبيرات والتعليقات التى علقت على الدكاكين المجاورة للكاتدرائية بشارع الحبيب بورقيبة . دفع ـ فى زيارته الأخيرة إلى تونس ـ أربعة دولارات لكى يكتب له البائع أمنية على بطاقة مزينة بالورود . أطال التفكير فيما يتمناه لها . طلب البائع أن يترك العبارة ، الأمنية . استقبلته بما اعتاد من الجفاء ، فلم يتذكر البطاقة إلا عندما فتشت فى جيوبه ، قبل أن يبعث البدلة إلى المغسلة ..
نسى حتى ما قدم من أجله إلى بيروت وهو يجلس فى كازينو لبنان ينصت إلى المغنية الصغيرة ، الممتلئة ، تردد أغنية فيروز : باحبك يا لبنان . وثمة آلاف النقاط الضوئية تفترش مساحات السواد فوق الجبل . حرص على تناول ما يميز الطعام اللبنانى : الكبة والتبولة والفتوش والحمص بالطحينة واللحم بالجبن وورق العنب والمحاشى والمتبلات . حتى الحلويات ـ رغم الضغط والسكر ـ أكل البقلاوة والقطائف وعيش السراية والعثمانلية وزنود الست ..
عانى كثرة الحواجز على مفارق الطرق . مدرعات ، وسيارات جيب ، وبزات عسكرية ذات ألوان متباينة . والميكروفونات يتعالى منها التعليمات والأوامر ، والشعارات مكتوبة بالبويات الملونة والطباشير ، تملأ الحوائط ، وأسفلت الطريق ، وأبواب الدكاكين المغلقة ، وسواتر البنايات المتهدمة ، والملصقات على الجدران ، ولافتات القماش تصل ما بين أعمدة النور فى تقاطعات الشوارع ، تؤيد وتستنكر وتحيى وتبايع وتبشر بالخلاص ، وصور الزعماء والقادة معلقة على النوافذ والمشربيات ، والأعلام التى تنتمى إلى تنظيمات يسمع عنها ، أو لا يعرفها . أذهله الدمار فى وسط بيروت : سوق الطويلة ، وباب إدريس ، وساحة البرج . البنايات المتهدمة ، وفجوات الصواريخ ، وثقوب الرصاص ..
أشار سائق التاكسى إلى النافذة التى كان يقف وراءها وبيده بندقية يصعد بها إلى من يحدده التلسكوب . لم يعد القتل على الهوية ، ولا بعد إلقاء الأسئلة . من يجرى بسرعة ، أو يمشى ببطء ، أو يتلفت ، يصوب عليه دون أن يتلقى أمراً ، أو يعطى إنذاراً ..
استعاد التسمية :
ـ قبرص ؟
أعاد فاروق معوض القول :
ـ قربص .. وهى غير قبرص ..
ثم بلهجة محرضة :
ـ بها نبع ماء ساخن يتدفق من الصخر . لو أنك أكثرت من الغطس فيها فالنتيجة مؤكدة ..
أشفق من الارتفاع الهائل الذي بلغته السيارة على الطريق الصاعدة . بدا الوادى فى أسفل مفروشاً بالخضرة ، تنتهي بالشريط الساحلي . الجبل الصاعد المتعرج نفسه ، ارتقته السيارة فى قريات ، وإن تسربل الجبل العمانى بالصخور والوحشة ، واختلطت ـ فى الوادى ـ مساحات الصخور والرمال وبقع الخضرة القليلة ..
المياه تجرى ، ساخنة ، إلى الدائرة الحجرية المتصلة بالبحر . تبلغ مستوى الركبة . تظل السخونة على ارتفاعها إلى خارج الدائرة ، ,على عشرات الأمتار فى اختلاطها بموج البحر ..
ـ من أين تأتى هذه العين ؟
ـ من الصخور . البداية لا يعرفها أحد ، لكنها تنبثق من الصخور ..
دلى قدميه فى مياه الدائرة الحجرية . لسعته السخونة فرفعها . تشجع عندما أبقت الفتاة قدمها فى الماء . دلى قدميه ، وتحمل الحرارة ..
تنبه على صيحة أربكته . كان الشاب ذو الأفرول الكاكى يتفحصه بنظرة مرتابة :
ـ ماذا تريد ؟
أدرك أنه أكثر من التلفت فيما يثير التأمل والأسئلة . غالب إحساسه بالارتباك :
ـ أنا أتنزه ..
وهو يزغده بكعب البندقية فى جنبه :
ـ تتنزه فى منطقة عسكرية ؟
المناطق متشابهة : الحواجز والمتاريس واللافتات والشعارات والميلشيات العسكرية ..
تعمد ألا يواجهه بعينيه . يخشى أن يلمح التخاذل فى نظرته :
ـ لم أكن أعرف ..
لم يعد قادراً على الفهم ، ولا الاستيعاب ، ولا التصرف . ثمة شئ ينقصه ، وإن لم يدركه على وجه التحديد . عانى ما يشبه شلل الإرادة . اختلطت الرؤى ، والخيالات ، والأصوات التى يغيب مصدرها ..
أعاد الشاب دفعه بكعب البندقية . تأوه وسقط . واصل الشاب دفعه وهو يزحف . اعتمد على راحتيه وركبتيه ، حتى توقفت الضربات ، وانحسر ظل الشاب . زم شفتيه ، وإن ظل على تألمه ، وهو يرقب الشاب مبتعداً ، فى وقفته المنعزلة وسط الميدان الصغير ..
كان ذهنه قد خلا من كل شئ .
.................................................. ....
(من مجموعة "إيقاعات" ـ تحت الطبع)
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 09:25 AM
صورة « شاكر المغربي»
في رواية «النظر إلى أسفل» لمحمد جبريل
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
.....................................
(1)
في رواية «النظر إلى أسفل» يُؤرخ محمد جبريل للحياة الاجتماعية في مصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اغتيال الرئيس محمد أنور السادات في السادس من أكتوبر 1981م، من خلال نص موغل في البساطة والتلقائية، وهذه سمة محمد جبريل في نصوص قصصه القصيرة بعد مجموعته «تلك اللحظة» (1970م)، و«انعكاسات الأيام العصيبة» (1981م)، وبعد روايته الأولى «الأسوار» (1973م)، لأن الكاتب في خطواته الأولى يكون معنيا بإبراز قدراته الفنية، وإسماع صوته للنقاد ـ وليس للجمهور ـ من خلال بصمته الخاصة التي يُريد إبرازها.
وليست هذه الرواية هي رواية شخص واحد هو بطلها «شاكر المغربي»، وإنما من خلال هذا النص الروائي نرى مجموعة من الشخصيات المرسومة باقتدار، ومنها: عماد عبد الحميد، وحسونة النقراشي، وعبد الباقي خليل، ومنصور السخيلي، ونادية حمدي ... وغيرها، ورغم أن هذه الشخصيات ندور في فلك البطل الرئيس «شاكر المغربي» فإنها تحمل رؤاها المختلفة: المتشابكة والمتقاطعة والمضادة لرؤية البطل.
(2)
نشأ «شاكر المغربي» في أسرة من السواد الشعبي المصري، لم تكن بين أبيه وأمه علاقة ود وتراحم بل مُعايرة وشجار، يقول البطل عن أمه وأبيه ونهايتهما المأساوية:
«غاب الاثنان من حياتي في ظهر لا أنساه، كان الجو شديد الحرارة، وأمي تعتب على أبي أشياء لم أتبينها. علا صوتها، فعلا صوته، وانهال عليها بفتاحة كتب في يده حتى هدأت، وهدأ»( ).
وكان مصير الوالد السجن، فغاب الأبوان عن حياته وهو في مقتبل العمر، فابتدأ البطل الفرد ـ بعد إقصاء الأب عن طريقه بفعل القدر أو بفعل المؤلف ـ في مواجهة الحياة، ساعدته خالته في البداية بثلاثة جنيهات شم فيها رائحة عرق صدرها، وقال لها ـ بعد أيام ـ إنه لم يعد يملك ثمن الوجبة التالية فقالت «وهي تسوي ملاءتها حول جسدها:
ـ لقد كبرت يا شاكر فحاول أن تعتمد على نفسك»( ).
فابتدأ في بيع مكتبة أبيه حتى أجهز عليها، وفي ذلك الوقت كانت أفضل صداقات عمره وأثراها تبدأ مع عماد عبد الحميد ـ الصحفي، الذي أغراه باستكمال تعليمه، ثم ساعده ـ بأول مرتب حصل عليه ـ ليبدأ مشاريعه التي أثمرت وصار من كبار الأثرياء، ومن رجال الأعمال النابهين.
ورغم صعوده من الفقر إلى الثراء، ورغم إقامته علاقات مع بعض النساء إلا أنه كان يُعاني من أزمة نفسية تعود بدايتها إلى صباه، وهذه الأزمة هي إدمانه الاستمناء، الذي صار سبباً في مُعايرة زوجته له، مما دفعه إلى قتلها في لحظة «تشبه إلى حد كبير اللحظة التي قتل فيها أبوه أُمَّه»( ).
ونُلاحظ أن شخصية «شاكر المغربي» شخصية ثابتة في علاقاتها، وجلساتها ورؤاها، رغم صعود صاحبها المادي والمستمر، واستثماره لأزمات أمته وظروف عصره: من الوحدة مع سورية ثم الانفصال، إلى هزيمة 1967م وحرب الاستنزاف، إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل. إنه شخصية محافظة ثابتة، تنتمي إلى الماضي.
«أحرص على جلسات المساء في "بورصة النيل"، أجلس على كرسي بالذات خلف الترابيزة القديمة من المدخل . أستند إلى جدار، وأُواجه شارع عبد المنعم الممتد أمامي. لا أحب تغيير المكان. قال لي عماد ـ ذات يوم ـ مُداعباً:
ـ هل اشتريته؟ ..
قلت:
ـ الكرسي أو المكان؟ ..
ـ الاثنين؟! ..
ـ أعدتُ إليه السؤال:
ـ ماذا ترى أنت؟ .. »( ).
وأزمته هي هي .. في التسلل بالنظرات إلى أسفل:
«أتسلل بالنظر إلى أسفل: الصنادل والشباشب والأحذية المفتوحة، لا تشغلني الوجوه ولا ملامحها»( ).
«كنتُ أنظر في أسفل مدفوعاً بقوة غريبة مسيطرة لا قدرة لي على مقاومتها. قررتُ ملايين المرات أن أهمل الأمر وأحيا كالآخرين .. لكن طبول الغابة تصم أذني لمرأى التألق»( ).
وهذا «التألق» الذي تكرّر كثيراً في صفحات الرواية لا يعني به الكاتب غير لحظات النشوة التي يحصل عليها «شاكر المغربي» بالاستمناء عقب مشاهدته لساق تثيره، يقول «شاكر المغربي»:
«تطور الأمر ـ مع استقراره ـ فأصبح مطلباً غالياً، ربما لا ألتفت إلى جسد المرأة حتى في مقدمات العلاقة، أو أثنائها، يهمني تألق البريق، التحديق فيه، تحدّدت له ـ في مخيلتي ـ مواصفات، تغيب مشاعري إن لم تتوافر: البطن الناعم، والأصابع الصغيرة المستوية، المقلمة الأظافر. قد تضمر الرغبة لمجرد أن القدمين تخلوان مما أحبه. لم يعد يهمني الجنس إلا في ارتباطه بالوهج، بتلقائية حركة يدي، بالخيالات التي لا يحدها قيد»( ).
(3)
يمثل «شاكر المغربي» البطل النموذج لطبقة الرأسماليين المصريين التي صعدت في السبعينيات( )، وقد تشابكت خيوط عدة لتصنع نموذج هذا البطل، نجدها في:
أ-تواضع النشأة:
فأبو «شاكر المغربي» مات وهو طفل، وساعدته خالته الفقيرة:
ساعدتني خالتي في البداية بثلاثة جنيهات، شممتُ فيها رائحة عرق صدرها .. قلتُ لها ـ بعد أيام ـ إني لم أعد أملك ثمن الوجبة التالية، قالت وهي تسوي ملاءتها حول جسدها:
ـ لقد كبرت يا شاكر فحاول أن تعتمد على نفسك»( ).
ومن ثم يلجأ إلى ما ورثه عن أبيه، فيبيعه:
«كانت مكتبة أبي هي أول ما فكرت في بيعه .. كنتُ أحمل ربطة الكتب ... يقلِّب صفحاتها عم توفيق، بائع الكتب القديمة بشارع مسجد العطارين، يدفع لي المُقابل دون فصال، جنيهين أو ثلاثة، أنفق منها على أيامي التالية. أُحاسب وأدقق وأحتاط. أشتري من البغدادي في نهاية شارع عبد المنعم ثلاثة أرغفة وخمسة أقراص طعمية. قرشان يكفيان وجبة كاملة. أبدأ فأعد مجموعة كتب لأيام قادمة، وكنتُ أذهب أحياناً إلى سوق الكانتو أبيع بعض ما خلّف أبواي من ثياب»( ).
ثم اضطر أن يعمل في أماكن ثلاثة حتى يستطيع أن يُواجه متطلبات حياته:
«أماكن ثلاثة أعمل بها: مخازن البنداري في السكة الحديد، المعلم سيد الزنكلوني، تاجر المانيفاتورة، مركز الشباب بمدرسة إبراهيم الأول الثانوية»( ).
ب-رغبته في الصعود من طبقته إلى طبقة أعلى:
كانت تراود «شاكر المغربي» رغبة دفينة في مغادرة طبقته والصعود إلى طبقة أعلى، حتى عندما كان فقيراً معدماً لا يجد ما يأكله. باع كل ما تركه له أبواه، فأصبح صديقه «عماد عبد الحميد» ملاذه.
« مع أن عماد عبد الحميد لم يكن يتلفت وراءه وهو يحمل صينية الطعام، فإني كنت أكره نظرات أبيه، وأخشاها. ألتقي به مصادفة في صعودي ـ أو نزولي ـ على السلم. يكتفي بتلك النظرة الغامضة التي تغيظني وأتذكرها.
لا يسلم ولا يتحدث. تشغله الملفات التي يحملها في ذهابه وعودته من عمله ..
وقلتُ له يوماً:
ـ لماذا يكرهني أبوك؟
مال برأسه إلى الوراء:
ـ من أوهمك؟
قلتُ:
ـ نظرته كأنها بصقة! ..
قال كالمتأمل:
ـ تعبير غريب ..
واستطرد في بسمة مشفقة:
ـ أبي مشغول بعمله وأمراضه .. لهذا تفوته المجاملات الاجتماعية.
وعلا صوته كأنه تذكّر شيئاً:
ـ أتدري؟ لقد عرض أن تعمل معه في الغرفة التجارية ..
أضاف لنظرة التساؤل في عيني:
ـ أبي باشكاتب الغرفة
قلت، وأنا أشير إلى صينية الطعام:
ـ هل يعرف؟
قال:
ـ إني أنفذ أمره
قلت في أسى حقيقي:
ـ أ صبح «شاكر المغربي» مشكلتكم الأسرية! ..
أشرت إلى مجلة قديمة بها صور لاحتفالات رأس السنة:
ـ هل أصبح ذلت يوم من هؤلاء؟
دون أن يُزايل هدوءه:
ـ ربما تكسب الملايين .. لكنك لم تصبح منهم ..
ألقيت بالمجلة في ركن الصالة:
ـ ناقص رجل؟!
رفت على شفتيه ابتسامة سخرية:
ـ الانتماء للطبقة الأعلى له اعتبارات أخرى ..
غالب التوتر في داخلي:
ما يهمني أن آكل الطعمية بمزاجي، وليس بالفقر»( ).
هاهو «شاكر المغربي» الفقير المحتاج الذي يأكل من عطايا صديقه عماد عبد الحميد، ويتوهّم أن والد عماد يكرهه لإعالتهم إياه، يتطلع إلى السادة الذين يحتفون برأس السنة، ويحلم أن يكون مثلهم.
وبعد أن يصير منهم، ويعيش في عالمهم فإنه يتناسى رغباته الدفينة القديمة!
يذكرني عماد عبد الحميد بما قلته له يوماً "احذروا أن تصبحوا أغنياء بدوني. لا أذكر أني قلتُ ذلك على وجه التحديد"( ).
جـ-فشله في التعليم:
لقد كان فشل "شاكر المغربي" في التعليم دافعاً إلى التفوق في عالم المال.
يقول «لقد استبدلت فهم السوق والمعاملات بالشهادات الدراسية»( ).
ورغم فشله في الحصول على شهادة، فقد كان مثقفاً، ولوعاً بالقراءة والمناقشة، متفهماً للواقع السياسي والاجتماعي، وإن كان يستثمر كل ذلك لصالحه:
فكتب والده يبيعها بعد قراءتها:
«كانت مكتبة أبي هي أول ما فكرت في بيعه، شجعني على ذلك أني قرأت معظم ما ضمته من كتب. كان أبي دائم القراءة فقلدته، فلما غيّبه السجن قرأتُ حتى ما لم يكن يأذن لي بقراءته. أهملت المذاكرة، وقرأت كل ما صادفته حتى القصاصات الصغيرة التي كان يحتفظ بها من الصحف»( ).
أما مناقشته وتفهمه للواقع السياسي فمبثوث في الكثير من صفحات الرواية، ومنه هذا الحوار عن مقدمات حرب 1967م:
قال عماد عبد الحميد:
ـ أغلقنا اليوم خليج العقبة.
أضاف:
ـ بهذا أزلنا ما تبقى من عدوان 56 ..
اتجهت إليه بنظرة متسائلة:
ـ وما دخل 56 بما يجري الآن؟ ..
خلع الجاكتة .. وأسندها إلى كسي بجانبه:
ـ كان الحصار البحري في البحر الأحمر قائماً إلى تلك الأيام .. وإغلاق خليج العقبة معناه إعادة الحصار.
قلت بدهشة:
ـ هذه معلومة جديدة ..
ـ قديمة ..ولكن كانت الأوامر صارمة بعدم تناول ما حدث ..
ـ لماذا؟ ..
أسند قبضته المتكورة على الترابيزة، وقال:
ـ كيف نحتفل بالنصر وإسرائيل هي التي كسبت من رفع الحصار؟
قلت في قلق:
ـ الحرب قائمة إذن؟!! ..
تعرفت للمرة الأولى إلى حقائق لم أكن تعرّفت عليها من قبل»( ) .
إن عماد عبد الحميد له دور فاعل في تشكيل رؤية «شاكر المغربي» ، لكن «شاكر المغربي» تفوق على أستاذه، بل وظّف قدرات عماد عبد الحميد الصحفية في صنع صورته، واستطاع ـ شاكر ـ أن يفيد من كل الظروف:
فإذا كان عماد عبد الحميد صحفيا فلم لا يستثمره في صعوده كما يستثمر المسجد والنادي والاتجاه الاشتراكي للدولة؟
«عماد عبد الحميد أول من اتجه بالي إليه، تحقيقات وأخبار، حتى من النوع الاجتماعي الذي يتناول عضوية الأندية، التبرع للجمعيات الخيرية .. المشاركة في المناسبات العامة ..ق «شاكر المغربي» .. «شاكر المغربي» .. يتردد الاسم كثيراً، يعلق بأذهان الناس، تلازمه الصورة أحياناً، يطمئن إلى أن الذي نعرفه خير من الذي لا نعرفه، الابتسامة، أداء صلاة الجمعة في مساجد الحي، تخصيص كأس للأندية الشعبية ، الإفادة من العلاقات الشخصية في حل مشكلات الآخرين، تقترب المسألة إلى تحقيق الحلم الذي كان جسراً للحلم الأكبر: أتحرك وأفيد، أحقق الصعود والمكانة والشخصية العامة، أتعرف إلى تفكير القيادة وما تعده من خطوات، أسند ظهري إلى جدار، وأطمئن إلى وضوح الطريق.
قلت لعماد:
ـ إذا كانت الاشتراكية هي العرف السائد، فلا بد أن أصبح اشتركيا»( ).
وهكذا، فإن فشله في التعليم لم يعقه عن تحقيق أهدافه، بل كان أحد الدوافع ليُحقق ذاته من خلال المال:
د-مساعدة أصدقائه له:
كل أصدقاء «شاكر المغربي» أسهموا في صنعه.
ـ عماد عبد الحميد قدّم أول مرتب له.
« قال عماد عبد الحميد:
ـ هذه فرصتك للعمل بالتجارة.
قال حسونة النقراشي:
ـ قيمة هذا الحي في سهولة القيام بالأعمال التجارية داخله .. البورصة وعشرات المكاتب للمحامين والمحاسبين، وتسهيل السفر والاستيراد والتصدير، حتى دور السينما، والمطاعم، والمقاهي تحقق للحي نشاطاً تجاريا مؤكداً ..
قلت:
ـ أتاجر بالنيات الطيبة؟
تساءل عماد:
ـ ومكافآتك؟ ..
قلتُ:
ـ بالكاد تكفي الطعام ..
ألقى على المائدة جنيهات:
ـ هذه مكافأة شهري الأول بالصحافة .. فابدأ بها ..» ( ).
وإذا كان عماد عبد الحميد قدم لشاكر العون المادي، فإن الآخرين لم يبخلوا بنصائحهم وخبراتهم.
« سألني الحاج بخيت البشري:
ـ أين كنت؟
قلت:
ـ الجمعة إجازة ..
قال:
ـ انس الإجازات حتى تقف على قدميك»( ).
وحسونة النقراشي أدخله في عملية المُقولات وأفهمه أسرارها( ).
هـ-ذكاؤه في استغلال الواقع السياسي وإخضاعه له:
يمثل «شاكر المغربي » نموذج الرأسمالية المصرية الذكية، التي تستثمر الواقع السياسي والاجتماعي لصالحها، وتشي صفحات الرواية بذلك، لكننا نتوقف أمام ثلاث محطات:
الأولى : إفادته من تجربة «القطاع العام» الذي أُنشئ خصيصاً ليحمي الطبقات الكادحة والفقيرة، ولكنه تحول إلى صورة أخرى: «شركات القطاع العام تتنازل عن عملياتها لشركات الأفراد، الهدايا والعمولات الشخصية تُضاف إلى العمولات الرسمية التي تتقاضاها الشركة، متعهد الأنفار يأخذ الفارق دون عناء، واستخدام مقدم المقاولة في مشروعات أخرى في مناطق عير التي تعاقدت على التنفيذ فيها( ).
ومادام الأمر على هذه الصورة، فلا مفر من أن تتصادم مصالحه مع مصالح المجموع، بل يرى في مصائب الأمة خيراً له.
« قلت لعماد ليلة وأنا أطمئن إلى إغلاق الخزانة:
ـ عدوان 56 كان خيراً وبركة.
أضفت لبريق الدهشة في عينيه:
ـ بعده أُنشئ القطاع العام.
ظل في دهشته:
ـ القطاع العام ضد نشاطك؟!
ـ بل ضرورة لنشاطي .. لولاه ما استطعت أن أفعل شيئاً»( ).
*الثانية: إفادته من هزيمة 1967م، حيث حصل على مناقصات «إقامة تحصينات رقابة الأفراد والأسلحة والمعدات والذخائر وحفر الخنادق، ومرابض نيران المدفعية، وإقامة وتعلية السواتر على الضفة الغربية للقناة، وتجهيز مراكز القيادة، وإنشاء الطرق ودشم وملاجئ الطائرات»( ).
*الثالثة: إفادته من معاهدة السلام التي عقدها السادات مع إسرائيل، فقد أقام معها نشاطاً اقتصاديا، وإن حرص على كتمان ذلك عن صديقه عماد عبد الحميد.
«ألقى النقراشي قنبلة، فأحدثت خسائر مدمرة:
ـ وقعت صباح اليوم عقداً مع شركة إسرائيلية! ..
توقفت الملاعق عن الدوران في أكواب الشاي. اجتذبنا ما قاله، فاكتفينا بالهشة في نظراتنا إليه.
أضاف النقراشي بتلقائيته المستخفة:
ـ آن الأوان لنحصد ثمار السلام! ..
مضت الثواني التالية بطيئة كأنها زمن. ابتلعت كلمات التهدئة عندما انتطر عماد عبد الحميد في تطوح، بتأثير المرض. احتواه الغضب، فبدا غير عماد الذي أعرفه ..
ـ لن يجمعني مكان مع هذا الرجل! ..
مد عبد الباقي خليل يده يريد إعادته، لكنه أحنى جسمه، وتخلّص ومضى ..
لم يعد لدينا ـ بعد انصرافه ـ ما نقوله . فاجأنا تقضي الوقت لما بدأت الدكاكين المواجهة للمقهى في إغلاق أبوابها.
مع أن النقراشي غاب عن بورصة النيل، فلم يع يتردد عليها، فقد تعددت لقاءاتنا ومشروعاتنا المشتركة .. إذا جاءت سيرته في المقهى، أكتفي بالصمت كي لا يعرف عماد أني شريك النقراشي في الصفقات الني يعيبها عليه. كنتُ أفعل ما أفعل كعمل تجاري.
فطن عبد الباقي إلى ما أفعل فقال:
ـ هل سُدَّت كل الأبواب، فلا يوجد إلا باب إسرائيل؟ ..
غالبْتُ المفاجأة:
ـ هذا نشاط اقتصادي ..
استطردتُ:
ـ صادرات إسرائيل تغمر الأسواق، ورحلات العال منتظمة بين القاهرة وتل أبيب، والسفن الإسرائيلية تعبر قناة السويس، ولها حق الرسو في الموانئ المصرية.
قال فيما يُشبه التهديد:
ـ عماد لا يعرف ما حدث .. صُدِم في النقراشي .. ولن يتحمّل فيك صدمة جديدة! .. »( ).
(4)
تتضافر السياسة مع السرد الذاتي لذكريات « شاكر المغربي » عن حياته، لتصنع نصا قادراً على البقاء والإشعاع، ويُمكن مقارنته بأعمال بلزاك وديكنز ونجيب محفوظ في « الثلاثية » فشخصياته مرسومة باقتدار وبفهم سيكولوجي عميق، ولا تحس بغربة السياسة عن وعي الشخصيات وهمومها، أو عن تقنية الكتابة الروائية عند جبريل.
فالبطل يتحدث عن مشاعره ويُحدِّدها:
«حين أُقلِّب الأمر فإن عامليْن متناقضيْن يتقاسمان مشاعري بصورة مؤكدة: أخشى التحدث أمام الجماعة، يُدركني التلعثم، وأتمنى أن ينتهي الأمر على أي نحو. أتبيَّن فساد البضاعة، فلا أُحاول إعادتها. أرفض الذهاب بمفردي إلى أي مكان. أحرص أن يصحبني صديق أو أصدقاء. أعتذر عن عدم المُشاركة في المناسبات. أجلس في مؤخرة الصفوف أو منزوياً. أفضل الوحدة والانطواء، فلا أُخالط إلا لضرورة. إذا حاصرتني النظرات لفني توتر، لا يُفارقني حتى أنصرف. أوافق على الرأي المُقابل لمجرد البُعد عن النقاش. لا أُحاول السؤال، فإذا اضطررتُ للإجابة خالط صوتي رعشة الارتباك، وعجزت عن المطق بطريقة صحيحة»( ).
ولكي يُثبت ذلك، فإنه يورد حواراً عن الثورة بعد قيامها واستقرارها:
« قال محسن هلال:
ـ هل أصبح انقلاب الضباط ضوءاً للشمس؟!
قال عزت الرشيدي:
ـ رحل الملك .. فحل بدلاً منه ثلاثة عشر ملكاً ..
قال محسن هلال:
ـ إنهم عشرات الملوك .. يتولون الآن قيادة العمل في الوزارات والمؤسسات الحكومية.
قال الرشيدي:
ـ المفروض أن يكون للدولة جيشها .. ما حدث أن الدولة هي التي أصبحت للجيش ... »( ).
ثم يقول في نهاية هذا الحوار الذي استغرق قرابة أربع صفحات:
« إذا كان البيان الأول قد أوهم الملك أن الحركة تنحصر داخل الجيش، فإن البيان الثاني أكّد وجوب التغيير في كل شيء ..
هكذا تكلمت. واحدة من لحظات اندفاعي الغريبة والمحيرة »( ).
إنه يورد تلك المُحاورات الطويلة ليُرينا صورة الناس والمجتمع، والحكم، وصورة « البطل » الذي اندفع في غمار السياسة، ولم يتريث، ولعل جملته « هكذا تكلمت » تُرينا أن هذا الكلام كان نادراً في حياته، كرجل أعمال، يهتم يمتابعة السياسة والإفادة منها، دون أن يتكلم فيها.
(5)
« النظر إلى أسفل » عنوان الرواية يحمل عدة دلالات خاصة بالبطل / الجماعة / الفترة التي أبدع فيها وعنها النص.
*الأولى: الخاصة بالبطل، حيث إن من سماته أو من عاداته المتأصلة في نفسه النظر إلى قدمي المرأة، وهذه الإشارة توحي بجمود البطل المعرفي، وعدم قدرته على تطوير نفسه إنسانيا رغم صعوده المادي؛ فمازال أصدقاؤه هم همْ، والأماكن هي هيَ، وأزمته هي نفسها. إنه بطل « أصم » لا يسمع صوت المجتمع، وإن أفاد من مشاكله وأزمته، واستثمر الصداقة والدين لخدمة أهدافه.
*الثانية: الخاصة بالجماعة التي يمثلها « شاكر المغربي » ، وهي جماعة الرأسمالية المصرية، التي نشأ معظم أفرادها من الحضيض، ووصلوا إلى قمة الثروة والوفرة. وهذه الجماعة لا تنظر إلى المجتمع وآلامه وآماله، بل كل همها أن تُحقق أهدافها. فالرأسماليون في الغرب يُشاركون في إنشاء المدن الجديدة، وتمويل الجامعات، ودعم المؤسسات العلمية، ولكن الرأسماليين عندنا يعنوْن بجمع المال من أي طريق.
يقول البطل:
« حدثتك عن الهدف الذي أهملت الوسائل في اتجاهه، كنتُ أنظر إلى أسفل، مدفوعاً بقوة غريبة مسيطرة، لا قدرة لي على مقاومتها .. التجارة هي الهدف والوسيلة، يتحول الجنيه إلى جنيهيْن، والجنيهان إلى عشرة، ومائة، وألف، كنتُ حريصاً على ذلك»( ).
*الثالثة: خاصة بالفترة التي يؤرخ لها هذا النص الروائي؛ فالمسؤولون معنيون بتوفير حاجات البطن دون حاجات الدماغ، ونحن ـ كمجتمع ـ معنيون بالنظر إلى الكم دون الكيف. فالنظرة السياسية الاجتماعية في هذه الفترة نظرة إلى أسفل؛ ليس فيها رحابة التطلع إلى الأفق.
.................................
[فصل من كتاب "صورة البطل المطارد في روايات محمد جبريل، دار الوفاء لدنيا الطباعة، الإسكندرية 1999م]
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 09:28 AM
التجريب فى القصة الحديثة .. جذوره التراثية
بقلم: محمد جبريــل
........................
المؤلف المصرى ـ فى اجتهاد أستاذنا سيد كريم ـ هو المؤلف الحقيقى لأشهر الروائع القصصية الخالدة التى لا تزال نسخها تباع بالملايين منسوبة إلى غيره ، مثل سندريلا وعلى بابا ومجنون ليلى وشمشون ودليلة والشاطر حسن والسندباد البحرى والكونت دى مونت كريستو ، وغيرها .. ويعترف نوثروب فراى بأن حكاية الأخوين هى مصدر قصة يوسف ـ سماها خرافة ـ عندما حاولت زوجة الأخ الأكبر أن تراود أخاه الأصغر عن نفسه ، فلما رفض إغواءها ، اتهمته عند أخيه بأنه حاول اغتصابها . ويلاحق الأخ أخاه ، وتتنامى الحبكة فى توالى الأحداث المتسمة بالعجائبية . ويضيف ا . ل . رانيلا إن للعرب الفضل فى إبداع الحكايات بوصفها أدباً ، وبهذا ثبّتوا شكل القص الخيالى المصور للحياة .
لقد واجه الشرق اتهاماً بضعف الخيال ، بحيث غاب فن القصة فى التراث العربى . القصة ـ فى تقدير المستشرقين ، وفى تقدير معظم الباحثين العرب أيضاً ـ فن أوروبى مستورد ، يمد جذوره فى الثقافة الأوروبية ، فهو تقليد ومحاكاة للقصة فى الغرب ، وليس له أى جذور فى التراث العربى الذى يعد تراثاً شعرياً فى الدرجة الأولى ، فهو مستحدث فى الإبداع العربى . بل إن محمود تيمور يقرر ـ فى بساطة ـ أنه لم يعد بيننا خلاف ـ كذا ـ على أن الأدب العربى ـ فى عصوره الخالية ـ لم يسهم فى القصة إلاّ بالنزر اليسير الذى لا يسمن ولا يغنى ، فالقصة الفنية إذن دخيلة عليه ، ناشئة فيه ، لا أنساب لها فى الشرق ، ولا استمداد لها من أدب العرب " ( دراسات فى القصة والمسرح ـ 64 ) .
والحق أنه من المكابرة الساذجة تصور القص العربى الحديث بعيداً عن تقنيات الغرب ، لكن من الخطأ البالغ إهمال تقنيات الحكى العربى فى سعينا لتأكيد الهوية القومية لإبداعنا المعاصر . ومن الصعب ـ فى الوقت نفسه ـ أن ندعى غياب الصلة بين الأشكال القصصية التراثية ، والقصة العربية ـ والقصة بعامة ـ فى أحدث معطياتها . ولعلى أذكر بقول جارثيا ماركيث : " من الطبيعى أن يمعنوا ـ يقصد الغرب الأوروبى ـ فى قياسنا بالمعايير ذاتها التى يقيسون بها أنفسهم ، ولكن عندما نصور وفق نماذج لا تمت إلينا بصلة ، فإن ذلك لن يخدم إلا غاية واحدة ، هى أن نغدو مجهولين أكثر ، وأقل جرأة ، وأشد عزلة " ..
وإذا كان التراث العربى ـ فى تقدير المستشرقين ـ يفتقر إلى الخيال ، والنظرة الفلسفية المتكاملة ، والحاسة النقدية ، وغياب الحس والقصصى والدرامى ، إلخ ، فلعله من المهم أن نشير إلى قول رينان بأن أوروبا امتلأت بقصص لا حصر لها قدم بها الصليبيون من الشرق العربى ، إثر عودتهم إلى بلادهم . ويقول ميشيل : " إذا كانت أوروبا مدينة بديانتها المسيحية لتعاليم المسيح ، فإنها مدينة بأدبها القصصى للعرب " . بل إن البارون " كار دى فو " يؤكد أنه ليس هناك أدب سبق الأدب العربى فى ابتداع فن القصة ( محمد مفيد الشوباشى : الأدب ومذاهبه ـ 30 ) .
إن ضعف الخيال والإسراف فى الخيال اتهامان أملتهما الرغبة فى تحقير الملكات الإبداعية لكتاب الشرق ، وأن الشرق سيظل دوماً فى موقف التابع بالنسبة للمتبوع ، وهو الغرب الأوروبى .
الغريب أن الذين أفادوا من الخيال العربى ، ممثلاً فى ألف ليلة ليلة وحى بن يقظان ورسالة الغفران والحكايات والسير والطرف والأخبار العربية ، ينتمون إلى ثقافات أوروبية ، أو متأثرة بالثقافات الأوروبية . والثابت ـ تاريخياً ـ أن الرومانس ـ الحكايات الشعبية الأوروبية ـ تأثرت فى نشأتها بألف ليلة وليلة ..
ثمة رأى أن الرواية والقصة القصيرة والمسرحية لم يعرفها العرب إلاّ بعد اتصالهم بالأدب الأوروبى . وقد نقل العديد من الدارسين العرب عن المستشرقين ـ وكم تظلمنا النقلية ! ـ ما ذهبوا إليه من أن ما عرفه التراث العربى من الإبداع القصصى والروائى والمسرحى ، لا يعدو مجموعة من الأخبار والطرائف التى تخلو من الحرفية الفنية كما فى الإبداع الغربى . عمق من المشكلة أن المسرحية والقصة والرواية قد اقتصر تناولها على النقد الأوروبى والدراسات الأوروبية . وهو ما يزال قائماً ـ للأسف ـ حتى الآن . ومع أن نجيب محفوظ هو أحد الكتاب العالميين ـ باعتراف نوبل ! ـ فإن كل المراجع النقدية الحديثة ـ قبل نوبل وبعدها ، وحتى الآن ـ تخلو من عمل له ، بل ولا تشير إلى أعماله على أى نحو . إنهم يناقشون إبداعاتهم باعتبارها هى الإبداع الذى ينبغى تناوله . إنها ـ مع التقاط شذرات من هنا وهناك ـ هى الإبداع العالمى إطلاقاً ..
***
فى القرآن الكريم يقص الله ـ سبحانه ـ على رسوله الكريم أحسن القصص . وكان العرب يبدءون حكاياتهم أو طرفهم أو نوادرهم بعبارة : قال الراوى ، يحكى أن ، زعموا أن ، كان ما كان ، إلخ .. وقد أسهمت ألف ليلة وليلة ورسالة الغفران وحى بن يقظان وغيرها ، فى تطور فن القصة ـ والرواية طبعاً ـ فى الغرب . أديب أمريكا اللاتينية ألفريدو كاردنيا بنيا يجد فى ألف ليلة وليلة مخزناً لأكبر عدد من القصص الإسبانية . إنها النبع الثرى المتعدد الروافد للكثير من القصص الواردة فيه ـ على حد تعبير الكاتب ـ فم تترك أى موضوع إلاّ وتطرقت إليه ، بحيث تحولت الكتابات التالية إلى مجرد تقليد ، أو نقل غير مبدع . وتبدو إفادة الثقافة المكتوبة بالأسبانية من الثقافة العربية المعاصرة ـ إبان حكم المسلمين لشبه الجزيرة الأيبرية ـ ظاهرة محيّرة ، مقابلاً لإخفاق الثقافة العربية المعاصرة فى الإفادة من ذلك التراث ، مع أنه يتصل بنحن ، وليس بالآخر . إنها ثقافة تعتمد على الدين الإسلامى والتاريخ العربى واللغة العربية . يغيظنى ـ على سبيل المثال ـ زهو بعض المبدعين بأنهم قد تأثروا بواقعية ماركيث السحرية ، بينما أعلن الكاتب الكولومبى أنه قد تأثر بغرائبية ألف ليلة وليلة !..
يقول محمد فهمى عبد اللطيف : " كان من الطبيعى أن يتميز القاص المصرى فى هذا المجتمع الخصيب ، وأن يكون محصوله فى ذلك وافراً ، ونتاجه وافياً .. فكان أبرز وأوفى من أجدى فى هذه الناحية . وما ألف ليلة وليلة ، وقصة الهلالية ، وقصة الظاهر بيبرس ، وقصة سيف بن ذى يزن ، وغيرها من القصص ، إلاّ من فيض براعة القصاص المصريين ، وقدرتهم على التحليل والإفاضة ، سواء ما ابتدعوه منها ابتداعاً ، أو ما مدّوا فيه بالتزيد والإغراق والاختراع والاختلاق . وإذا كان هؤلاء القصاص قد تناولوا ألف ليلة وليلة نصاً عن الفارسية ، مدّوا فى فروعه ، وأساساً ارتفعوا ببنائه ، فإنهم كذلك فى قصة الهلالية تناولوها عن الأصل التاريخى ، وأخذوها مما جرى فى رحلة أولئك الأغراب إلى مصر ، ثم إلى بلاد إفريقية ، وما وقع لهم من الحروب والأحداث ، وانتقلوا بذلك الأصل التاريخى إلى ميدان الخيال الفسيح " ( أبو زيد الهلالى 59 ) .
ما نستطيع الاطمئنان إليه أن القصة العربية لها جذورها الممتدة فى تربة التراث . وهى تختلف ـ بالتأكيد ـ عن تربة الترجمة التى أعطت لإبداعنا ثماراً يصعب التقليل من قيمتها . وإذا كان محمود طاهر لاشين قد أعلن أنه " لا ميراث لقصاصينا فى الأدب العربى " ( المجلة الجديدة ـ يونيو 1931 ) فإن مجرد التنقيب فى التراث العربى الأدبى القديم ، سعياً لاكتشاف شكل فنى يمكن نسبته إلى القصة والرواية ، اتساقاً مع شكل القصة والرواية الغربية .. ذلك التنقيب لم يكن يخلو من نظرة أحادية متعسفة ، فالقصة ـ فى تقدير هؤلاء ، وفى سعيهم لاكتشاف ملامحها فى الأدب العربى القديم ، هى القصة فى الغرب من حيث البنية والحبكة والتكثيف وغيرها . وحين أهملت إبداعات الغرب القصصية والروائية تلك الخصائص ، فإن محاولاتنا الإبداعية ـ والنقدية ـ قد أهملتها كذلك!
***
لقد غابت القصة الموباسانية ـ أو ذوت فى أقل تقدير ـ منذ فترة بعيدة ـ فى الأدب العالمى . وغاب ذلك النوع من القصص فى إبداعنا العربى ـ منذ الخمسينيات ـ على يد اليوسفين إدريس والشارونى وإدوار الخراط ، ثم فى أعمال أدباء الستينيات التى اختلط فيها الوعى باللا وعى وتيارات الشعور . لم يعد الواقع هو تلك الثنائيات المكرورة : التقدم فى مواجهة التخلف ، الخير فى مواجهة الشر ، الغنى فى مواجهة الفقر إلخ .. أصبح الواقع ملتبساً وظنياً ، وقدمت محاولات تنتسب إلى الواقعية السحرية والعجائبية والغرائبية وخارج الواقع وما فوق الواقعى . النص الأدبى ـ فى تقدير تودوروف ـ هو النص الذى يحطم القواعد النوعية ، ولا يمكن أن يتقلص إلى مجرد معادلة ، ومن ثم فلا يمكن وضعه ـ بصورة نهائية ـ فى جنس محدد . ويذهب جوناثان كلر إلى أن الأنواع ليست مجرد فئات للتصنيف ، بل مجموعات من المعايير والتوقعات التى تساعد القارئ فى تحديد وظائف العناصر المختلفة فى العمل الأدبى . وهو رأى يبدو مقنعاً فى عمومه . مع ذلك ، فإنى أرجو ألا نختلف فى أنه توجد خصائص أو سمات يشترك فيها النص الإبداعى مع نصوص إبداعية أخرى ، تختلف عن نوع ذلك النص . فالقصة ـ على سبيل المثال ـ قد تستعين بدرامية الحوار ، أو تلجأ إلى هارمونية الموسيقا ، أو إلى أسلوب التبقيع ، أو الكولاج ، كما فى الفن التشكيلى ، أو تقنيات السينما والمسرح وغيرها . وثمة رأى أن الرواية نوع أدبى يقاوم التقيد بما هو تأملى وفنى خالص ، بحيث تذوب فى المجموع الكلى للتجربة الإنسانية من أفكار وآراء وطموحات وغرائز . لا تفرد مطلقاً فى الجنس الأدبى ، فهو لابد أن يفيد من الأجناس الأدبية الأخرى ويفيدها ، يتأثر بها ويؤثر فيها . وإذا كانت كتابات ما بعد الحداثة تتجاوز الأنواع ، الأجناس الأدبية ، تذيب الفوارق والحدود ، فإن التخلى عن الفروق بين الأنواع ، وظهور صيغة جديدة ، تأتلف وتختلط فيها كل الأجناس ، يعنى التحول إلى نص بلا ملامح ، وبلا هوية محددة [ عندما ظهرت اللا رواية واللا مسرحية ـ فى الستينيات ـ تصور الكثيرون أن الرواية والمسرحية حان أوان موتهما ! ]. القصة قد تفيد من لغة الشعر ، بينما تلجأ السينما إلى الرواية الأدبية ، وتعتمد الرواية على درامية الحوار ، إلخ .. لكن القصة يصعب إلا أن تكون قصة . الأمر نفسه بالنسبة للقصيدة والمسرحية والفيلم وغيرها . وإذا كانت بعض الأعمال الحديثة تطالعنا باعتبارها كتابات أو نصوصاً ، لا تسمية نوعية محددة ، كقصة أو قصيدة أو مسرحية ، فلعلى أومن بمقولة هيثر وابرو التى تؤكد أن معرفة النوع تهبنا مفاتيح عالية القيمة ، فيما يتصل بالكيفية التى نفسر بها قصيدة ..
***
يقول ألان روب جرييه : " ليست المشكلة هى تأسيس نظرية أو قالب موجود سلفاً نَصُبّ فيه كتابة المستقبل . وعلى كل روائى ، وكل رواية ، أن يخترع شكله الخاص ، وليس هناك وصفة يمكن أن تحل محل هذا التأمل الدائم " . ثمة مقولة إن الرواية نوع غير منته ، وقدرها أن تظل هكذا إلى الأبد . إنها تتسم ـ كجنس فنى ـ بالانفتاح واللانهائية . ما يشبه الإجماع النقدى على أن الرواية والقصة القصيرة هما النوعان القصصيان الحديثان اللذان جاوزا التعريفات والقوانين النقدية . وقد نشأت القصة الحديثة ـ فى تقدير أوستن وارين ورينيه ويلك وغيرهما ـ من الأشكال السردية غير الخيالية ، كاليوميات والمذكرات والرسائل والسير والتاريخ ، وأيضاً من خلال النادرة والخبر والطرفة والملحة وغيرها . [ وهو ما يخالف قول محمود أمين العالم : " ليس من الدقة أن نسعى إلى تلمس مصادر القصة العربية فى تاريخ الأدب العربى القديم ، وفى القرآن ، والأساطير الشعبية والحكايات والمقامات وكتب الأخبار " ـ الثقافة الوطنية ـ فبراير ـ مارس 1954 ] . ثم خالفت القصة الحديثة ـ فى محاولاتها للتجريب ـ كل الأبنية القصصية المعروفة ، وحطم كتاب القصة القصيرة والرواية المحدثون كل البنى القصصية المألوفة ، أو المتعارف عليها ، أو حتى التى حاولت التجريب دون أن تجاوز صفتها الإبداعية . أصبح مصطلح الرواية والقصة القصيرة ـ على سبيل المثال ـ مطاطاً . تلامس مع الملحمة والسيرة والمسرح والسيرة الذاتية إلخ . فالحيرة التى واجهها النقد فى النظرة إلى أيام طه حسين ، أو خليها على الله ليحيى حقى ، باعتبارها عملاً روائياً أو سيرة ذاتية ، تلك الحيرة تجد مرساها فى نسبة السيرة الذاتية إلى فن الرواية ، فالأيام أو خليها على الله إذن سيرة ذاتية ورواية فى آن . ولا يخلو من دلالة قول شلوفسكى إنه لم يعثر بعد على تعريف للقصة القصيرة . ثمة روايات وقصص جيدة دون أن يكون لها منظور جيد . إنها تعبير عن الإبداع الفنى وليس نظريات النقد . أهملت بعداً أو اثنين من الأبعاد الثلاثة : الحدث والزمان والمكان . وثمة أسماء لأشكال أدبية تتصل على نحو أو آخر بفن القصة القصيرة : القصيدة النثرية ، الخرافة ، الحكاية ، الطرفة ، ا لملاحظة ، الحدوتة ، اللوحة ، الفصل فى رواية ، إلخ .. وهناك القصة المضادة ، أى التى تهمل المتعارف عليه فى فن القصة ، مثل الزمان والمكان والمنظور والحبكة والشخصيات واللغة إلخ . وعلى سبيل المثال ، فالقول بأن الرواية ليست مجموعة من القصص القصيرة ، مقابلاً لأن القصة القصيرة ليست جزءاً من الرواية . ذلك القول لم يعد وارداً فى الحقيقة . قد تطالعنا رواية هى مجموعة من اللوحات المنفصلة ، المتصلة [ أذكرك بروايتى رباعية بحرى بأجزائها الأربعة ] وقد تأتى فصولاً فى رواية ، يشكل كل فصل ما يعد قصة قصيرة . والمجموعة القصصية قارب الجليد لإدوارد ماييا E Maelle يمكن قراءتها باعتبارها كذلك ، أو باعتبارها فصولاً تشكل رواية . وأيضاً رواية البنتاجون لأنطونيو دى بنيتو Antonio Di Benedetto كتبها الفنان فى شكل قصص قصيرة . وقد دخلت العظات والخطب والرسائل فى نسيج السرد . والمتواليات القصصية قد تأتى ـ كما أشرنا ـ فى صورة لوحات منفصلة ، ومتصلة ، أو حكايات سردية تتعدد فيها الشخصيات والأمكنة . وثمة القصة التى لا تسرد شيئاً ، أو التى تخلو من الحدث والشخصيات والحبكة . وثمة تقطع الحكاية ، والقص واللصق [ الكولاج ] وتحليل اللاشعور من خلال وجهات نظر الشخصيات ، والمناجاة الذاتية ، والنثر الغنائى . الحكاية تختلف عن القصة القصيرة فى أن لها دلالة واضحة ، لكن الحكاية ذات الدلالة هى الكثير مما يطالعنا الآن باعتباره قصة ..
وإذا كانت الرواية الجديدة قد نشأت حوالى 1910 على يد فرجينيا وولف ، فإن الجدة فى الرواية متكررة ، ومتواصلة ، ومن الصعب القول إنها ستنتهى . الرواية ـ فى تقدير باختين ـ مجموعة من العمليات المفتوحة داخل حقل الكتابة . إنها لا تكون . فليس لها مجموعة من الخصائص الشكلية التى يمكن أن تحدها ، لكنها " تصير " ، فهى تتغير باستمرار وتتطور ، لكن ليس فى اتجاه محدد ، أو مرسوم سلفاً ، يمليه نظام للعلاقات بين الشكل الأدبى والبنية الاجتماعية التى تميز ظروف نشأته ( ت : خيرى دومة ) . ما يشبه الإجماع على أنه لم يعد هناك مالا تقبله الرواية ، وأن كل الأجناس ، وكل الحيل ، تخدم التقنية الروائية . أشير ـ ثانية ـ إلى روايتى رباعية بحرى . كل لوحة مستقلة بنفسها ، لكنها متصلة باللوحات التى سبقتها ، واللوحات التى تليها . تتشكل من توالى اللوحات بانوراما متكاملة ، بوسعنا أن ننسبها إلى الإبداع الروائى . وإذا كنت قد وصفت روايتى الحياة ثانية بالتسجيلية ، فلأن السرد يروى ما جرى بالفعل . لم أضف ، ولم أحذف ، اللهم إلاّ ما تصورته صياغة أدبية وتقنية . أما روايتى مد الموج فهى تنتسب إلى جنس الرواية ، لأنها تلتزم بتقنية الرواية ولغتها ، وإن اقتصر السرد الروائى على تبقيعات نثرية من سيرة حياة ..
***
إذن ، فالاتهام الذى يواجهه التراث القصصى العربى متمثلاً فى القصة والحكاية والنادرة وغيرها ، أنه لا يشابه القصة كما نعرفها اليوم .. هذا الاتهام يحتاج إلى مراجعة شديدة ، وبالذات فى ضوء اتساع مساحة الأشكال الفنية فى القصة الحديثة ، بصرف النظر عن الثقافة التى تصدر عنها . والقول بأن زينب هى بداية الرواية المصرية الحديثة يحتاج الآن كذلك إلى مراجعة ، لا لأن الروايات التى سبقتها [ حوالى 130 رواية ] لم تخضع لتقويم من أى نوع ، بحيث تستحق زينب الصفة التى وسمها بها يحيى حقى وآخرون ، لا لذلك السبب فحسب ، وإنما لأن فنية الرواية بالمعنى التقليدى لم تعد واردة . وإذا كان من السهل تقبل الرأى بأن الرياح التى تهب من أوروبا حملت ـ فى أوائل القرن العشرين ـ بذرة غريبة على المجتمع المصرى ، هى بذرة القصة ( فجر القصة المصرية ـ 21 ) فإن ذلك الرأى يحتاج ـ فى ضوء المعايير الحالية لفن القصة ـ إلى إعادة نظر . نعم ، كانت القصة بذرة غريبة على المجتمع المصرى فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، القصة بقواعدها الكلاسيكية ، بخصائصها الموباسانية من بداية ووسط ولحظة تنوير . وهى قواعد وخصائص تجاوزتها التيارات والاتجاهات الفنية الحديثة بصورة مؤكدة . لم تعد صرامة البداية والذروة ولحظة التنوير ـ كما أوردها رشاد رشدى فى كتابه عن فن القصة القصيرة ـ مطلوبة . ما بعد الحداثة تذهب إلى أن " كل نص جديد إنما يكتب مكان نص أقدم " . بل إن بورخيس يحرص على التأكيد أنه لا أحد يمكنه أن يدعى الأصالة فى الأدب . كل الكتّاب ـ فى تقديره ـ ناسخون ومترجمون ومفسّرون للنماذج الأصلية المتوالية بتوالى الإبداعات ، فى توالى العصور ..
***
السؤال الذى يطرح نفسه : كيف تعتمد محاولات توظيف التراث العربى فناً قصصياً ، ولا تعتمد التراث العربى نفسه ـ بكل ما يشتمل عليه من فيض حكائى وأشكال قصصية ـ فناً قصصياً ؟! وعلى سبيل المثال ، فهل تختلف مشاهد الواقعية السحرية عن مشهد الباب المغلق ؟.. يصر الرجل على فتحه لرؤية ما وراءه . يجد حصاناً ، يفك قيده ، ويمتطيه . يطير الحصان ، وينزل به على سطح ، ويضرب بذيله ، فيتلف عينه اليسرى ؟!.. ألا نجد فى ذلك المشهد ـ وسواه ـ مدخلاً لواقعية أمريكا اللاتينية السحرية ؟!
***
لقد لامست تخوم القصة أجناساً أدبية وفنية أخرى ، واختلطت بها وتشابكت ، وانتسبت جميعها إلى الإبداع القصصى ، بحيث انتفى التحديد الصارم لماهية القصة . بل إن صديقى عبد الله أبو هيف يذهب إلى أن تحديد عناصر القصة لا يعنى الركون إلى نظرية الأجناس الأدبية ، لأن فن القصة أنجب أجناساً متعددة فى القديم والحديث (القصة العربية الحديثة والغرب ـ 38 ) . وكما يشير كونديرا ، فإن معظم الروايات الحديثة ـ بالمعنى الزمنى وليس بمعنى الحداثة ـ تقف خارج دنيا الرواية . لقد أفادت الرواية من تقنية المدركات الحسية والبصرية : المونتاج والتبئير ، والزاوية القريبة ، والمزج ، والقطع ، والتناوب ، والاسترجاع ، وحذف علامات الترقيم ، والاستتغناء عن أدوات الواصل . وتبادلت الرواية ـ والسينما بعامة ـ التأثر والتأثير . وثمة الاعترافات المصاغة فى شكل روائى ، والسير الذاتية للمبدعين ، والمشكلات والقضايا الأخرى التى تنسب إلى الرواية بالشكل وحده ، وثمة القصة المقال ، والقصة السرد ، والقصة اللوحة ، والقصة الرسالة ، والقصة الخاطرة ، والقصة الرحلة ، إلخ . وثمة تعاظم دور المتلقى بديلاً لسلبية القراءة ، وتداخل السرد بالمونولوج الداخلى ، والمزج بين الواقع والخيال ، والحسية والأسطورية ، وأنسنة الحيوان والأشياء . طرأ على نظرية القصة عموماً ما بدّل من النظرة الثابتة إليها ، كالشكلانية والبنيوية والتكوينية واللسانية وغيرها . لذلك فإنى أجد فى ما بعد الحداثة ما يحمله التراث العربى ، فأنسب إلى القصة والرواية ، ما تناثر فى كتب العرب من الخرافة ، والتاريخ ، والسيرة ، والحكاية ، والخطابة ، والتهذيب ، والشعبية ، والخبر ، والطرفة ، والملحة ، والرحلة ، والحلم ، وغيرها من فنون السرد العربى . ثمن زوجة قصة لنجيب محفوظ ، نشرها ضمن مجموعته همس الجنون تتحدث عن الزوج الذى يضبط زوجته فى موقف الخائنة ، ويدبر حيلة يدفع بها الزوجة إلى الانتحار دون أن يكون هو المتسبب بصورة معلنة . هذه القصة تذكرنا بحكايات العرب ونوادرهم وأخبارهم . القصة لا تستدعى التراث ولا توظفه ، لكن ملامح التراث تبدو واضحة بما لا يخفى . أنت تستطيع أن تتعرف إلى حيل الأزواج فى كشف خيانات زوجاتهم ، فى ا لكثير من حكايات العرب ونوادرهم . ولو أننا بدلنا الأسماء والمسميات ، وتحول البيت إلى خيمة ، والريال إلى درهم ، فستطالعنا حكاية ذكية من تراثنا العربى . أذكر بالحكاية التى جاءت فى " وفيات الأعيان " عن حب أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان ، وزوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك ، لوضاح اليمن الشاعر . أخفته ـ ذات يوم ـ فى صندوق بعد أن دخل عليها الخليفة فجأة . وفطن الوليد إلى ما حدث ، فدعا الخدم وأمرهم بحمل الصندوق إلى شفير بئر ، ثم قال له : يا صاحب الصندوق ، إنه بلغنا شىء ، إن كان حقاً فقد دفناك ودفنّا ذكرك إلى آخر الدهر ، وإن كان باطلاً فإنما دفنّا الخشب . ثم قذف الخدم بالصندوق فى البحر ، وأهالوا عليه التراب ، وسويت الأرض " فما رؤى الوضاح بعد ذلك اليوم ، ولا أبصرت أم البنين فى وجه الوليد غضباً ، حتى فرق الموت بينهما " . لقد تعمد كلّ من الزوج والخليفة ألا يشير إلى ذلك الكابوس ـ بعد انقضائه ـ بتلميح أو تصريح ، ولا ذكره بخير أو شر ، ولا أجرى بسببه تحقيقاً ، ولا أثار عنه سؤالاً ، وطالع الزوجة بوجه هادئ كأنه شخص آخر غير الزوج المطعون . استعان حمدى فى ثمن زوجة بهدوئه ، وخطط للانتقام دون أن يصارح أحداً بما ينوى فعله . وهو ما فعله الخليفة . وكان الريال مساوياً للصندوق الذى اختفى فيه الشاب العشيق ، وإن اختلفت النهاية بين القصة والحكاية ، فقد قتل العشيق فى الحكاية ـ الأدق أنه قَبِل القتل! ـ أى أنه انتحر ـ بينما انتحرت الزوجة فى القصة ( محمد جبريل : عود على بدء ـ فتوة العطوف لنجيب محفوظ ) . لا تباين فى دلالات العملين ، وإن اختلفت فنية التناول ..
من الصعب أن ندعى غياب الصلة بين الأشكال القصصية التراثية ، والقصة العربية ـ بل والقصة بعامة ـ فى أحدث معطياتها . القول بأن الصياغة العربية تخالف الصياغة التى تضيف إلى فنية القصة ـ وتمثل فيها بعداً أساسياً .. هذا القول يبدو خافت الصوت إلى حد التلاشى فى ضوء التيارات الفنية الأوروبية الحديثة نفسها ، كاللاقصة ، واللاحكاية ، وتوظيف التراث إلخ . ولعلى أعيد التأكيد على أن القصة الحديثة لم يعد لها إطار ولا مدى محدد . ثمة قصيدة تسرد قصة ، وثمة قصة هى أقرب إلى قصيدة النثر ، وبعض المقالات تكتمل فيها مقومات القصة القصيرة ، بل إن بعض قصص بورخيس المتفوقة ليست إلا عروض كتب أو مقالات نقدية . وعلى سبيل المثال ، فإن إبداعات بورخيس تعاملت مع التراث الإنسانى باعتباره تراثه القومى . أعلن أن تراثه هو ثقافة العالم ، فلا يظل حبيساً داخل الحدود الضيقة لمدينة بذاتها ، ولا لبلد ذاته ، ولا لقارة محددة . إبداعات بورخيس تطالعنا بالكثير من الاقتباسات والمقارنات والإشارات . لم يحبس بورخيس قراءاته ولا أفكاره ولا إبداعه ، فى سجن التراث القومى لبلاده مثلما فعل الأوروبيون . انطلق فى كتاباته إلى الآفاق الثقافية الرحبة . استوعب أساطير اسكندنافيا ، وسير الشرق العربى ، وشعر الأنجلو ساكسون ، وفلسفة الألمان ، وأدب العصر الذهبى بأسبانيا ، وشعر الإنجليز ، وشعر هوميروس ودانتى ، وضفّر فى أعماله آيات القرآن ، وأحاديث الرسول ، وليالى ألف ليلة وليلة ، والعديد من الطرف والنوادر والحكايات والإشارات الثقافية ، مما يزخر به التراث الإبداعى العربى ، بالإضافة ـ طبعاً ـ إلى التراث الإبداعى الغربى كنثر ستيفنسون وحكايات الساجا الآيسلندية وغيرها . ثمة تكامل فى إبداع بورخيس بين الشعر والقصة القصيرة والمقال .. ذلك كله يصب فى بوتقة واحدة ، من الصعب أن تميز فيها بين جنس فنى وآخر . تداخلت مستويات القص . لم يعد الفضاء الروائى أو القصصى ينتهى بتلك الحدود الحاسمة التى كان يشترطها النقد قبل نشوء الاتجاهات الفنية والنقدية الحديثة . تشابكت المسميات والصفات ، واختلطت ..
***
باختصار ، فإنى أومن بالتراث ، بوعيه وجدواه ، وإمكانية استعادته واستمراره ، تواصلاً مع المعطيات المعاصرة والحديثة . وكما يقول أندريه موروا ، فإن كل قارئ من قراء القرن العشرين ـ أضيف : الحادى والعشرين ـ يعيد ـ لا إرادياً ـ كتابة روائع القرون الماضية بطريقته الخاصة .
" محمد جبريل "
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 09:30 AM
الجماعية في الأداء
بقلم : محمد جبريل
..........................
الجماعية فى الأداء شرط مهم لتحقيق النجاح فى أى عمل ينسب إلى الجماعة . بديهية يتناساها البعض لمجرد أن يكون هو وحده فى الصورة ، لمجرد أن يصبح نجماً ، يتحول زملاؤه من حوله إلى كومبارس أو ظلال .
يتسلم لاعب الهجوم فى فريق كرة القدم كرته من لاعب خط الظهر ، أو من لاعب خط الوسط . هو ـ كما ترى ـ لم يلتقطها من السماء ، أو أنه وجدها ملقاة فى جانب الملعب .
يتقدم اللاعب بالكرة فى اتجاه المرمى ، يلاحقه من فريقه لاعبان أو ثلاثة .
حسب قواعد لعبة البلياردو ، فإن على اللاعب أن يمرر الكرة من موضعه فى الجانب إلى زميل يواجه المرمى الذى قد يكون خالياً ، لكنه يفضل ـ فى أنانية عقيمة ـ أن يشوط الكرة فى الدفاع المتكتل ناحيته ، أو فى حارس المرمى ، أو يشوطها خارج الملعب . ويواجه اللاعب نظرات زملائه المؤنبة باعتذار لا معنى له ، فقد ضيع على فريقه هدفاً ، ربما كفل له الفوز !
فى اجتماعات هيئة ثقافية مسئولة ، طرح زميل اقتراحاً ، وافق عليه الأعضاء ، وقرروا تبنيه . لكن الزميل ما لبث أن سحب اقتراحه .
سألته بينى وبينه : لماذا ؟.
قال فى بساطة مذهلة : أخشى ألا ينسب الاقتراح لى !
ظل الاقتراح مشروعاً مؤجلاً ، مع أنه ـ فيما أذكر ـ كان يمثل إضافة إلى حياتنا الثقافية ، لا لسبب إلا لأن مقدم الاقتراح رفض الجماعية ، وخشى أن يدخل معه فى الخط آخرون يشاركونه النجومية !. وللأسف فقد نسى الأعضاء اقتراح الزميل ـ أو تناسوه ـ فلم ير النور !
العمل الجماعى يعنى أنه من صنع الجماعة ، هى التى تدرس وتخطط وتنفذ وتجنى الثمار ، أو تهب الثمار للمجتمع كله . إذا تصرف كل فرد فى حدود إحساسه بالفردية ، فإنه يمتنع عن وضع طوبة فى البناء الذى يسكنه الجميع ، أو يصنع ثقباً فى السفينة التى تقل الجميع !
عشنا أمثلة رائعة ونبيلة فى المعنى الذى يضحى ليس بالفردية فحسب ، وإنما بالحياة من أجل أن تنتصر الجماعة ، أن ينتصر الوطن : الجندى الذى وضع جسده على الأسلاك الشائكة ، ليعبر زملاؤه من فوق جسده إلى معسكر العدو . لم يتوقع إشادة من أى نوع ، ولا على أى مستوى . كل ما شغله أن يجعل من جسده معبراً لزملائه نحو النصر .
إذا تدخلت الفردية فى العمل الجماعى ، فإنها تسىء إلى الفرد ، وإلى الجماعة فى الوقت نفسه .
وحتى أكون محدداً ، فإن الظاهرة السلبية موجودة فى معظم ـ إن لم يكن كل ـ هيئاتنا الثقافية ، سواء كانت أهلية النشاط ، أم تابعة للدولة . واٍسألوا لجان المجلس الأعلى للثقافة وأقسام الجامعات واتحاد الكتاب ونادى القصة ورابطة الأدب الحديث التى يذكرنى سكرتيرها العام صديقنا الشاعر محمد على عبد العال بإمام اليمن الأسبق عندما كان يحتفظ بمفاتيح مؤسسات اليمن السعيد فى جيبه ، والقائمة طويلة !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
*نشرها صاحبها بلا عنوان في زاويه (من المحرر) التي يكتبها كل سبت في (المساء الأسبوعية) المصرية.
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 09:31 AM
أصــــــداء باهتـــــة
قصة قصيرة، بقلم: محمد جبريل
........................................
لمحها فى الموضع الذى اتفقا على أن تنتظره فيه . على ناصية الطريق المفضى إلى شارع الباب الأخضر . تأكدت صورتها فى اقتراب السيارة : القامة الضئيلة ، المنسجمة التكوين ، والشعر المهوش حول الوجه المستدير ، والبشرة السمراء ، الرائقة ، والعينان الواسعتان ، المكحولتان ، والغمازتان على الوجنتين ، والشفة السفلى الممتلئة . أضافت بمرود الكحل خالاً صغيراً على خدها ..
عبر مفاجأة السنوات العشرين بما رسمته من تغير فى الملامح ، حين التقى بها أول الأسبوع . أعاد النظر ليتأكد من صاحبة الضحكة الطويلة ، الممطوطة :
ـ عايدة ؟..
ـ أمير ؟!..
مد يده يصافحها . استبقى يدها فى يده :
ـ مضى عمر ..
اختصرت الأعوام فى قولها :
ـ أصبحت أماً لأولاد فى الجامعة ..
أعاد القول :
ـ أولاد ..
ـ الولدان فى الجامعة .. والبنت فى الثانوية العامة ..
ابتدرته متسائلة :
ـ وأنت ؟..
هز كتفيه ، ومط شفته السفلى :
ـ تأخرت حتى أصبحت فكرة الزواج سخيفة ..
رنت إليه ، تحاول سبر مشاعره :
ـ هل هى تأثيرات حب قديم ؟..
ـ هذا صحيح ..
لم يتدبر المعنى ، وإن تصور أن ذلك هو مايجب أن يقوله ..
ـ هل تقيم فى القاهرة أو الإسكندرية ؟..
ـ الإقامة الدائمة فى القاهرة .. ولى بيت فى العجمى ..
سحبت يدها من يده :
ـ أنا حتى الآن أتوه فى شوارع القاهرة .. أما فى الإسكندرية .. فيكفى أن أتجه ناحية البحر لأعرف طريقى ..
كانت تأثيرات النوة متناقضة مع دفء الجو . لم يشعر بالبرد فى ارتطام الموج بصخور الشاطئ ، واندفاع الرذاذ إلى الناحية المقابلة من الطريق ، وهطول المطر ، وتلاعب الريح بجريد النخل ، ولافتات الشارع ، ومناشر الغسيل ..
أبطأ من سرعة السيارة حتى حاذت الرصيف . فتح الباب ، فجرت من احتمائها بالتندة الممتدة وهى تتقى رخات المطر بوضع الحقيبة الصغيرة فوق رأسها ..
مضى بين زحام المارة ، والسيارات ، والعربات الكارو ، والباعة الجائلين ، والبضائع المرصوصة تحت الأرصفة ..
كانت ترتدى بنطلوناً من الجلد الأسود ، يعلوه جاكت رمادى أشبه بالصديرى . ووضعت على رأسها شالاً من الصوف الأحمر . وكانت تمضغ لبانة بين أسنانها ، تحدث صوتاً كالطرقعة ..
وشى صوتها بانفعال :
ـ تصورت أنك ستصحبنى أولاً إلى البيت القديم ..
حدجها بنظرة جانبية ، يستشف مابعينيها . كان يشعر أن نظرتها تخترقه ، تصل إلى مابداخله ، وماذا يدور فى رأسه . تحركت شفتاه كمن يهم بالكلام ، ثم سكت ..
البيت بطوابقه الستة يطل على المنطقة المقابلة لانحناءة الميناء الشرقية . المسجد الصغير وقلعة قايتباى ونقطة الأنفوشى ومرسى الفلايك والدناجل والقوارب الصغيرة وحبال الليف والشباك القديمة ، المثقوبة ، والجرافات والأسفنج والفلين ، وحاجز الأمواج يمتد بين القلعة ومبنى السلسلة . وثمة أصوات تترامى كالإيقاع لتكسرات مد الموج المستمرة . عندما وقف أمام البيت فى زيارته الأخيرة للإسكندرية ، بدا الباب أضيق بكثير مما فى ذاكرته ، والواجهة تقشر طلاؤها ، وتآكلت بالنشع وملح البحر والرطوبة ، والنوافذ تطل منها سحن لايعرفها ..
ارتبك لرؤيتها أمام باب الشقة . تداخلت الدهشة بالتساؤل فى ملامحه . . كان يطل عليها من نافذته فى الطابق الأول ، يتكلمان عفو الخاطر ، لايقصدان كلاماً محدداً . وكان يثيره فى حجرته تعالى ضحكاتها الطويلة ، الممطوطة . مضى بالارتباك إلى داخل الشقة يأتى لها بجريدة اليوم ..
اهتزت السيارة على قطع البازلت الصغيرة المتساوية فى شارع الباب الأخضر . خلّف مينا البصل إلى كفر عشرى ، ومنه إلى القبارى ، فشارع المكس بطوله واتساعه . وكان الهواء البارد قد أغلق نوافذ البيوت العالية ، ذات القضبان الحديدية المتآكلة ..
مال إلى داخل البيطاش . كانت السحب قد حجبت الشمس تماماً ، والريح الباردة تنداح بصفير موحش ، والرذاذ المتقطع تحول إلى قطع من البرد الصغير . وكانت نوافذ البيوت مغلقة ، والواجهات ساكنة ..
همست بصوت متدلل :
ـ الساحل الشمالى أفضل من العجمى ..
وهو يحنى رأسه فوق صدره :
ـ إنها مجرد شقة صغيرة بالقرب من الشاطئ ..
فاجأه جلوسها فى المقعد المجاور فى باص رأس التين ـ المنتزة . كان قد تكرر رؤيته لها وهى تقف أمام البيت ، أو على باب الشقة ، وتحيتها له بإيماءة من النافذة . علت ضحكتها الطويلة الممطوطة ، حين عرض عليها مشاهدة فيلم " موعد غرام " فى سينما فريال . هزمه الانفعال عندما رآها قادمة فى زى مدرسى من ناحية شارع سعد زغلول ..
سبقته إلى داخل البيت ..
دارى ارتباكه وهو يلقى السلام على حارس البناية الخالية من المصيفين . عجوز ، يرتدى جلباباً من الصوف ، ويضع على رأسه طاقية بيضاء ، تخفى أذنيه ، ويلف عنقه بتلفيعة تدلت على صدره . وكان وشيش الموج يترامى من ناحية البحر . تفادى الأوراق الممزقة والأتربة والعلب الفارغة ..
رأته واقفاً أمامها للمرة الأولى : القامة الطويلة ، والبشرة البيضاء ، والوجه الساكن الملامح ، والعينان الزرقاوان ، شديدتا الالتماع ، والشامة البنية أسفل الخد . والشعر الكث يفز من الصدر . وثمة شارب نحيل ، يميل لونه إلى الصفرة . يرتدى بدلة صيفية سماوية اللون ، مفتوحة على قميص أبيض ..
ـ لم يتغير فيك شئ ..
ثم وهى ترسم دائرة بأصابعها :
ـ ربما ازددت سمنة ..
التقط ماأسعفته به بديهته :
ـ وأنت ازددت جمالاً !
أسند ظهره إلى الباب المغلق :
ـ وحشتينى ..
فاض المكان بالصمت ، وعبق برائحة التراب .الصالة الواسعة توسطها مائدة طعام ، يحيط بها ستة مقاعد تغطت بملاءتين ، وأمام الشرفة الزجاجية ، المقابلة ، كنبة وكرسيان من الخشب المطعم بالصدف . وتتدلى من السقف نجفة خلت إلاّ من ثلاث لمبات صغيرة ، وعلى اليمين ردهة تفضى إلى المطبخ والحمام وغرفة النوم . يحدها ـ داخل الصالة ـ ثلاجة ، وزهرية يابانية ، مزدانة بنقوش دقيقة ، وضعت على حامل خشبى دقيق . وعلى الأرفف مجلدات قديمة ، تهرأت أغلفتها .
وهى تظهر التصعب :
ـ يا مسكين .. عشرين سنة !
ـ عندما رأيتك أحسست أن الإعوام لم تفصل بيننا .. كأنك كنت معى قبلها بيوم ..
ومضت على شفتيها ابتسامة مترفقة :
ـ لم تتغير .. نفس الكلمات الرومانسية ..
ابتلع إحساسأ بالحيرة :
ـ وأنت لم تغيرى لهجتك العدائية ..
أطال النظر إليها ، كأنه يستريب فيما قالت . لم يكن قد تخرج . وكانت فى الثانية الثانوية ..
ـ وهل ينفق أهلنا علينا ..
ـ ولماذا لاتعمل ؟..
ـ أنا طالب ..
ثم بلهجة غاضبة :
ـ هل أترك دراستى ..
ثنت ذراعيها ، وأمسكت بيديها جانبى وسطها :
ـ وهل أنا للتسلية ؟!..
تشاغل بفتح الثلاجة . أعاد الزجاجة الفارغة إلى موضعها ، ونفض أصابعه من الخيوط العنكبوتية التى علقت بها .
حاولت إشعال سيجارة ، لكن الولاعة ظلت تصدر شرراً خفيفاً ، ثم انطفأت ..
ـ ألا تدعونى للجلوس ؟..
أمسك بكتفيها من الخلف . أدارها ناحيته ، واحتوى وجهها بين راحتيه . أطال تأملها ، كأنه يراها للمرة الأولى . امتزجت أنفاسهما ، وإن لم يحاول تقبيلها ..
لم يكن قد أعد نفسه لما حدث . أغلق البواب حجرته أسفل السلم من الداخل ، يتقى العاصفة المحملة بالبرودة والتراب . حيته بإيماءة فى نزولها على السلم . إجتذبها من كتفيها . مال على وجهها ، فقبلها . ضربته ـ بالمفاجأة ـ بقبضتها فى صدره . ظل على حصاره لها بساعديه ، وفمه ، حتى تخاذلت يداها ، واندفعت فى حضنه
تذكر أن لمس صدرها أمنية ، افترقا دون أن يحققها . كانت تسكت عن قبلاته ، وتطلبها . تصده بقبضة رافضة إذا هزمه الانفعال . أهملت راحته ، فدار بأصبعين على صدرها . ثم ضغط فاهتصره . تأوهت ، ومالت برأسها إلى الوراء . تشجع ، فارتطمت قبلته بعنقها . علا إلى خدّها . استقرت القبلة على شفتين مضمومتين ، وإن تسللت إلى أنفه رائحة السجاير ..
لم يشغله الأمر ، ولاتصور أنه يواجه هذا الموقف . تفادى نظرتها المتسائلة بالتحديق فيما لم يتبينه هو نفسه . مجرد الابتعاد عن العينين الواسعتين ، المحدقتين . آلمه ومضة السخرية فى جانب فمها ، وهزة الرأس التى تعنى الفهم ..
قال فى صوت مرتعش :
ـ أذكر أنك كنت تعانقينننى عندما أقبلك ..
وهى تخفض رأسها :
ـ بصراحة .. قبلتك ليست هى التى أتذكرها ..
استفزته الكلمات . شعر بجفاف فى حلقه ، وسخونة تتصاعد إلى رأسه . انداح فى داخله شلال من المشاعر المتباينة . احتضنها بساعديه . نزع الجاكت الرمادى ، والسوتيان ، وامتدت يداه إلى سوستة البنطلون الجلدى ..
تملصت من بين ساعديه . شعر ببرودة تتسلل إلى جسمه ، تسرى فيه بخدر لايقوى على مغالبته . وانبثق العرق فى جبهته . قاوم لهاث أنفاسه ، وأكره نفسه على الابتسام ، فلا تفطن إلى مايعانيه ..
دفعته بأصابع مترفقة :
ـ بعدين ..
لم يقاوم ..
ارتدى ثيابه ، وعدلت السوتيان على صدرها . ثم بدأت فى ارتداء الجاكت الرمادى . ودست قدميها فى الحذاء ..
تبعها على السلم الخالى ..
قال للحارس الذى بدّل مكانه أسفل البناية المقابلة :
ـ إغلق البناية ..
قال الرجل وهو يهز المفاتيح فى يده :
ـ ألن تعود ؟..
ـ ليس اليوم ..
إنشغل بالقيادة وسط زحام السيارات والترام والمارة وكومات الأجولة والصناديق المندلقة تحت الأرصفة . تراقصت المرئيات خلف حبات المطر المتساقطة ، وغاب الإحساس بالوقت فى توارى الشمس وراء سحب منخفضة داكنة . تبادلا كلمات قليلة عن دفء الشتاء فى الإسكندرية ، وتأثيرات النوة على امتداد الشاطئ ، وارتفاع مقابل الدروس الخصوصية فى الثانوية العامة ..
أبطأ من سرعة السيارة . وحاذى الرصيف فى الموضع الذى انتظرته فيه ..
تابعها وهى تميل من الميدان إلى موقف الأوتوبيس .
.........................
مصر الجديدة ـ 6/6/1997م
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 09:38 AM
حارة اليهود
نص قصصي، لمحمد جبريل
---------------------------
مضى في قلب حارة اليهود، يميزه قامة أميل إلى القصر والامتلاء، ورأس مهوش الفودين، وشعر كثيف يفز من فتحة الجلابية، أعلى الصدر. بادي الصحة بما يلفت النظر. يعرفه المارة والجالسون، فهم يتقونه بإلقاء السلام، أو بالدعوة للضيافة، أو بعدم الالتفات. وثمة روائح غريبة. نفاذة – وإن ألفها - تأتي من داخل البيوت، ونجمة داود متداخلة في الأبواب والشرفات..
تمنى – بينه وبين نفسه - لو أن هؤلاء الجالسين في الدكاكين، الواقفين على النواصي، المطلين من النوافذ، تحرشوا به. شاكلوه مثلما فعلوا مع علي الصغير. ينهي المسألة بمفرده. يطيح فيهم بيديه. يفش الغل الذي يخنقه منذ سنوات. ليست المسألة في مشاكلة علي وإيذائه. يستطيع الوصول إلى الفاعلين. يترك لأصدقائه أمر تأديبهم. فلا يعودون إلى أذية الناس، أو يتركون الحي بلا عودة. الثأر شخصي، لا يقف عند فرد أو أفراد. يمتد إلى حارة اليهود كلها. ناسها وبيوتها ودكاكينها ومعاملاتها. أفلسوه في يوم وليلة. مهدوا لذلك سنوات، بالقروض والشيكات المؤجلة والبضائع الأمانة، ثم هطلوا كالسيل دفعة واحدة. أصبح دكان المصوغات والمجوهرات ملكًا لمن دفع السعر الأعلى. يسرع في خطواته إذا سار أمامه. يصعب عليه النظر، ولو بطرف عينه. الهَمُّ تصاعد داخله، ملأه، حتى تمنى الموت. لما جاء الولد علي يبكي الإهانة، قرر أن يصفي الحساب كله. يكون الدرس في حجم التأثير المطلوب، يعرف اليهود أنهم يسكنون الحارة، ولا يملكونها. من حق الناس أن يمشوا في الشوارع، والأزقة، دون خوف أذى.
هل ضربوا علي الصغير في خناقة بين أطفال، أو أنهم كانوا يعرفون أن الولد ابنه؟. سأله عن الأولاد: هل هم أصحابه؟.. وهل يعرفون من هو؟.. وهل تحرش بهم، أو ضربوه بلا سبب؟..
روى الولد – في مكانه – ما حدث: آذته المفاجأة أكثر مما آذاه الضرب. وجد نفسه وسطهم. أحكموا حصاره في حارة خميس العدس، وانهالوا عليه بالضرب القاسي، المتواصل، بالأيدي والأقدام والعصي الصغيرة، أنقذه مرور موظف بدار صك النقود. صرخ في الأولاد، فابتلعتهم البيوت والحواري الجانبية. أكد الموظف – لما سأله جعلص - كل ما قاله الولد علي..
أردف الرجل في تأثر:
- حتى الكبار لم يعودوا يأمنون على أنفسهم إذا ساروا في الحارة.
أذهله صبحي أفندي منصور، مأمور قسم الجمالية، عندما كلمه فيما حدث. أشار الرجل إلى كتفه، وقال في أسى واضح:
- ماذا تقول في إلقائهم الوسخ من نافذة، على مأمور القسم؟
غالب الدهشة:
- كيف؟..
قال المأمور:
- كنت أختصر الطريق من الموسكي إلى القسم..
في عدم تصديق:
- ربما لم يعرفوا من أنت؟..
قال المأمور:
- والبدلة الميري؟..
- لعل الوسخ ألقي عفوًا، أو خطأ؟..
- والضحكات التالية لما حدث من المطلين في النوافذ، والجالسين أمام الدكاكين؟..
وهو يضرب جبهته بقبضة يده:
- هذه مصيبة!..
دَلَّك المأمور بإصبعيه تحت أنفه:
- تكررت المصائب كثيرًا في الفترة الأخيرة..
أخلى وجهه للغضب:
- هل تأذن لي في التصرف؟..
قال الرجل وهو يعاني:
- أنا موظف رسمي.. أحتاج إلى التدقيق والإثبات ومراعاة الحساسيات.. أما أنت..
وعلا صوته:
- تصرف يا جعلص!..
لم يكن من الفتوات، ولا سَعَى إلى جعل الفتونة مهنته، شاهده الخواجة السائح في خان الخليلي. أعجب بصحته البادية. سأله عن مهنته..
قال:
- كنت صائغًا..
أضاف للتساؤل في عيني الرجل:
- أبيع الذهب والمجوهرات..
- وماذا تعمل الآن؟..
قال في بساطة:
- أفلست.. وأعمل الآن في حمل الخزائن..
مَطَّ الرجل شفته السفلى، وقال في إعجاب:
- مهنة مناسبة لمن هو في قوتك..
عرض أن يصوره في إعلان للبيرة الفرنسية، رفض في البداية، ثم وافق لما أقنعه الخواجة بأنه سيمسك كأس البيرة، ولن يحتسيه. ذكر الخواجة وهو يضغط على ساعد محمد العسال كلمة "مجانص". التقطها أبناء الحي الملتفون حولهما. حولوها إلى جعلص. صار اسمه – من يومها - محمد جعلص..
شارك في مظاهرات ثورة 1919م، وهاجم جنود الإنجليز في البارات، وفي الأماكن المظلمة، وفتح الطريق – أحيانًا - أمام موكب سعد زغلول، حين كان يفضل المشي بين الناس. لكنه لم يَخُض معركة، ولا حاول أن يجعل نفسه فتوة كباقي فتوات الأحياء. حشدوا الأعوان، وخاضوا المعارك، وفرضوا الأتاوات. دانت لهم السيطرة، واعترفت بها الحكومة، استعانت بهم أقسام البوليس في استعادة الحقوق الضائعة، والبحث عن المخطوفين والغائبين. حاول عنتر إدريس فتوة محمد علي، أن يمد سطوته إلى المناصرة وما حولها. ظن أنها بلا فتوة، فنشر أعوانه، ومضى يطلب الأتاوات وثمن الحماية، تصدى له محمد جعلص. استغاثت به جارة، أخذ أعوان الفتوة كيس النقود من يدها. لم يخض المعركة إلا بعد أن بصق الفتوة على رجائه بأن يعيد الكيس إلى المرأة "الغلبانة". سار في طريقه، والأعوان من حوله. اختطف جعلص الشومة بسهولة من يد الفتوة. أطلق عنتر إدريس صرخة ألم، وهو يعاني، فتأثير الضربة المباغتة - يخلخل ساقيه. لحقه في الموضع نفسه بضربة ثانية. تهاوى إلى الأرض بجسده العملاق، استغل جعلص المفاجأة، فطاح بشومته في الأعوان. تساقطوا جرحى، أو فروا. تعالت الزغاريد من النوافذ والمشربيات، ومن وراء الأبواب المواربة. عرف فتوات الأحياء الأخرى أن محمد جعلص هو فتوة المناصرة، وإن لم يمارس الفتونة، ولا سعى إلى التكسب منها.
عرض الكثير من شبان المناصرة، ومن مساعدي فتوات الأحياء القريبة، أن يعملوا معه. الفتوة يطيح بضرباته، والأعوان يتلقون الضربات. عيب أن تصل إلى الفتوة ضربة واحدة. تلك أصول الفتونة. اعتذر جعلص بأن إيراد دكانه يغنيه عن الفتونة، وعن العمل عند الآخرين. قال:
- سألجأ إلى أصدقائي إذا تورطت فيما لا أستطيع مواجهته بمفردي!
لم يبدل مشواره اليومي من المناصرة إلى حارة اليهود، يقضي يومه في الدكان، ويعود آخر النهار. ربما قضى ساعة في قهوة التجارة، يلتقي بشبان المناصرة، ممن لا تأذن التقاليد باستقبالهم في بيته، أو استقباله في بيوتهم، يشرب الشاي بالنعناع، ينصت إلى ذكريات قدامى الفنانين، يهز رأسه، ويدندن، لاختبارات آلاتهم، يرد بابتسامة على رأيهم بأن يستغل مظهره في عروض السيرك، أو في الفرق المسرحية..
قال للمعلم الحلو الكبير:
- كم سأتقاضى من العمل في السيرك؟..
لون الحلو صوته بنبرة إغراء:
- سأعطيك جنيهين كل ليلة..
وهو يطلق ضحكة من أنفه:
- إيرادي في الدكان يزيد على عشرة جنيهات.. فما يدعو إلى مرمطة نفسي أمام الناس؟..
مات ناجي العقيلي، صاحب الدكان الملاصق. اشتراه، وزاد في عمله. أغراه التجار اليهود بالذهب المستورد. قدموا له البضائع أمانة. وبالشيكات المؤجلة. اتسعت معاملاته وأمواله عند الزبائن، وزادت الثقوب فلم يستطع سدها..
انتظر حتى انصرف الشاب والفتاة من دكان عبد العظيم هريدي.
قال:
- اغلق دكانك الآن..
ثم وهو يشير بيده:
- وادع زملاءك إلى إغلاق دكاكينهم..
علا حاجبا عبد العظيم هريدي:
- لماذا؟..
قال محمد جعلص:
- بيني وبين سكان حارة اليهود ثأر.. سأصفيه..
قال هريدي:
- كل الحارة؟
- زادت التصرفات المجرمة.. فصار من الواجب تأديب الحارة كلها..
قال هريدي:
- بمفردك يا جعلص؟..
- طبعًا لا.. استقدمت مجموعة من بلدياتي في الصعيد.. فطنتهم على المسألة وما يجب عمله..
أدار عبد العظيم هريدي نظرات متلفتة وراء محمد جعلص:
- أين هم؟..
أشار بإصبعه:
- ينتظرون في ميدان الحسين..
غالب هريدي تردده:
- سأغلق الدكان وأظل معك..
هتف بعفوية:
- لا.. دكانك في دائرة سطوتهم.. ربما آذوك..
- هل تظن أني أتركك بمفردك؟..
أردف وهو يتهيأ للقيام:
- ما يجري عليك يجري على أصدقائك..
سد الرجال كل المنافذ المفضية إلى حارة اليهود، في الحسين وبيت القاضي والموسكي، تأكدوا من الأبواب الخلفية للبيوت والدكاكين والمخازن، فلا يفلت أحد..
حتى لا يتورط الرجال في جرائم، شدد عليهم، فلم يحملوا سوى الشوم والنبابيت. أخذ مطواة في يد متأهبة. ألقى بها داخل بالوعة. قال في لهجة محذرة:
- نريد التأديب لا القتل..
لما اطمأن إلى إغلاق مخارج الحي، أعطى الإشارة، وتقدم الرجال. سدوا الشوارع والحارات والأزقة بأجسامهم. أدرك فتوات اليهود ما ينتويه. أسرعوا بإغلاق الدكاكين والبيوت. أخذوا ما استطاعوا حمله، وخرجوا: شوم وعصي ونبابيت وسكاكين وخناجر. طاح فيهم بقبضته وشومته. علت الصيحات والصرخات والتأوهات، وانبثق الدم. تعالى الصوات من النوافذ والشرفات. فتحت الأبواب تستقبل الأقدام الملهوفة. لم يلحق الدكاكين دمار، ولا سرقت البضائع المعروضة. انهالت الضربات على الأجساد وحدها. من يسقط يرفعون عنه ضرباتهم. يتجهون إلى آخرين، أغلقت أبواب البيوت قبل أن يدخلوها، أو سحبوا من داخل الدكاكين. طاردوهم في أزقة الصاغة الضيقة. حرصوا أن تكون الضربات موجعة، وإن فطنوا إلى انتظام الأنفاس.
* * *
سحب كرسيًّا من ألبان المالكي، وجلس. أغمض عينيه، وتنفس الراحة. تصخب من حوله الدعوات والابتهالات والمدد والتسابيح ونداءات الباعة وأغاني الفونوغراف وصيحات المجاذيب ورائحة البخور والشواء والطعمية والسِّبَح وغزل البنات والبصقات والشتائم والضحكات والبكاء والزغاريد والبلد والجلابيب والملاءات والطرابيش والعمائم واللبد والأعلام والبيارق والسوارس والكارو ودقات النقرزان وتلاشى الظلال في شمس الظهر..
قال وهو يسند الشومة إلى الجدار:
- علقة. لن يعودوا بعدها إلى أذية الناس..
قال عبد العظيم هريدي وهو يتأمل جرحًا في مرفقه من ضربة خنجر:
- هل تظن ذلك؟..
"حد جه" بنظرة متسائلة. ضغط على شفتيه بأسنانه، يختار الكلمات. أطلق أف بآخر ما عنده، وسكت.
* * *
حاشية: الثابت – تاريخيًّا - أن محمد جعلص مات في أواخر العشرينيات. دخل في قدمه مسمار، وهو يسير – حافيًا - داخل بيته. أشار الطبيب الشهير علي باشا إبراهيم بضرورة بتر الساق، حتى لا تلتهم الغرغرينا الجسد كله. رفض محمد جعلص أن يحيا بجسد ناقص.
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 09:40 AM
خمس قصص قصيرة جدا، للقاص الكبير محمد جبريل
.................................................. ....
(1) لحظـــــــة
أعادت تأمل الشعرة البيضاء . لم تكن رأتها من قبل . تنظر إلى المرآة إذا وضعت المساحيق، أو مشطت شعرها ، أو وهى ترتدى الملابس. ربما تأملت وجهها، أو جسمها كله ، بلا مناسبة . هذه هي المرة الأولى التي تكتشف فيها الشعرة قافزة في الغابة السوداء خلف الأذن ..
غالبت مشاعر متباينة، وإن غاب معناها الحقيقي. دارت بإصبعين كدوامة، حتى اطمأنت إلى اختفاء الشعرة تماماً. تأكدت من البسمة التي لم تكن تغادر شفتيها ..
غادرت الشقة بخطوات بطيئة ..
ثم بخطوات أسرع ..
***
(2) ثــــــــأر
أحاطت بساعديها الطفلين ، واستندت إلى الجدار ..
قال فى لهجة مشفقة :
ــ لا شأن لك ولا للطفلين بما حدث ..
قالت فى خوفها :
ــ لكنك قتلت أباهم ..
ــ إنه ابن عمى أيضاً .. وقد نلت ثأري منه ..
أضاف فى لهجته المشفقة :
ــ لا شأن للطفلين .. سيأتون إلى بيتى ليكونوا فى رعايتى .. فأنا ابن عم أبيهم ..
اتسعت عيناها بالخوف .. والدهشة ..
***
(3) أصداء
ألقى الرجل أوامره ..
قال لنا :
ــ لا تشغلوا أنفسكم .. فالقيادة مسئولة عن كل شئ !..
كنت أعبث بالمقعد تحتى ، أكور الإسفنج ، وأقذف به إلى الأرض ..
***
(4) محطـــــة
صعدا فى المحطة نفسها . واحد من الباب الأمامى ، وواحد من الباب الخلفى . وقفا أمام المقعد الوحيد الخالى ..
قال الأول :
ـ من مواليد كم ؟
قال الثانى :
ـ 22
قال الأول :
ـ أنا من مواليد 21
قال الأول :
ـ أنا أكبر منك ..
قال الثانى :
ـ إذن من حقك أن تجلس ..
وأخلى له الطريق .
***
(5) الثورة
حين وصل إلى نهاية الرواية ، كان مصير الفتاة يشغله تماماً . بدا الظلم أشد مما يستطيع احتماله ، كأنه الموت ، أو أقسى ..
أغلق الكتاب بعنف ، ونزل إلى الطريق ..
................
من مجموعة "إيقاعات" ـ تحت الطبع.
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 09:42 AM
المرأة .. والأدب
بقلم: محمد جبريل
......................
ثمة تعريف للأدب النسائي بأنه كتابة عن المرأة تكتبها المرأة. وفي تقدير البعض أن ما تكتبه المرأة هو دائماً نسائي. ولا يمكنه إلا أن يكون نسائياً. وفي أحسن حالاته يكون نسائياً علي أكمل وجه. وفي العدد الأول من مجلة "فتاة الشرق" [1906] فرقت لبيبة هاشم بين الرجل الذي يكتب عن المرأة كما يعمل ويفكر. وبين المرأة التي تكتب عن نفسها كما تعتقد وتشعر. وقد دعت لطيفة الزيات النقاد إلي إظهار اهتمام أكبر بالكتابات التي تعبر بها المرأة عن المرأة. واكتشاف خصوصية الأدب النسائي العربي. فالمرأة - في رأيها - تتميز بخصوصية في كل ما تكتبه. وهي خصوصية تضيف جديداً وجميلاً إلي الأدب العربي. عبد الله أبو هيف يحدد محور أدب المرأة بأنه "فقدان الحرية. أو الشوق إليها. الحرية التي تعني تحقيق الذات. والانعتاق من قيود النفس والجسد والمواصفات الاجتماعية. والخلاص من التابو. ولوازم المجتمع القديم".
ويذهب عفيف فراج إلي أن الباعث الأهم علي الاهتمام بأدب المرأة. هو رصد وتتبع وعيها لذاتها كحرية مستلبة. وإرادة معطلة الوعي. لكونها قارباً مركوناً علي الشاطيء ينتظر الرجل/ الربان. ولا يسمح له بخوض الماء. ومطاردة التجربة. واستلال المعني. ثم قياس عمق هذا الوعي بشتي تدرجاته. ورصده في تفاعله مع محرضاته وإطلاقاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية.
وثمة رأي مقابل انه لا يمكن ان نعتبر كل ما تكتبه المرأة أدباً نسائياً لمجرد ان الكاتبة امرأة. الكاتبة المرأة تتخذ الكتابة وسيلة للانضمام إلي التقليد الأدبي ذي المعايير الذكورية المصدر والتوجه. والامتناع عن استخدام السرد أداة للسيرة الذاتية للمرأة بما هي سيرة اضطهاد وعزلة. إنها تحاول التعبير من منطلق الكاتبة الانسان. لا الكاتبة المرأة. بمعني نسف الماهية النسوية. وبالطبع. فإن العامل المرجح هنا هو طبيعة مادة المضمون. أو طريقة المعالجة. وثمة اعتراض علي تسمية الأدب النسائي. من حيث انها تضع المرأة في دائرة الأنوثة. أو تقصرها عليها. وإسقاط الصفة الأعم وهي الانسانية.
بالنسبة لي. فإني أتحفظ - أعترف! - علي التسمية لأنها - بالتعميم - ستشمل أدب الرجال. وأدب الشيوخ. وأدب العمال. وأدب الفلاحين. وربما امتدت التسمية لتشمل أدب رواد المقاهي! المرأة حين تكتب عن المرأة. فإنها تكتب عن الرجل ايضاً. الرجل والمرأة وجها العملة. إن جاز التعبير. مشكلات أحد الجنسين تعني مشكلات الجنسين معاً. ومشكلات الجنس الواحد مقابلاً. أو تشابكاً مع. أو في موازاة. مشكلات الجنس الآخر.
ذلك هو نبض الكتابات الإبداعية منذ قصة "الأخوين" الفرعونية. والتي تعد أولي القصص في الأدب العالمي. وفي كل الأحوال - أو هذا هو المفروض - فإن مشكلات المرأة - في إطار العمومية - هي جزء من مشكلات الجنس والجماعة والطبقة والوطن. الأدب تعبير عن الانسان. وليس عن الذكورة والأنوثة. ذلك ما تنبض به كتابات إديث وارتن وبنت الشاطئ وبيرل باك وفرجينيا وولف وكاثرين مانسفيلد وسيمون دي بوفوار وآسيا جبار وإيريس مردوخ وأنجيلا كارتر وغيرهن. لقد مارسن الكتابة الإبداعية. عبر وعي بالهوية النسوية يتكافأ مع الوعي بالحداثة الأدبية. ولعلي أشير إلي قول نبيلة إبراهيم: "هنالك إبداعات المرأة تتجاوز المشكلة النسائية إلي كونها إنساناً. يعيش الحياة بأبعادها المختلفة. محتكة بالعالم الذي تعيش فيه. وترصد كل ما في الحياة من مشكلات وقضايا لتعبر عنها".
م.ج
Mlg- 38@hotmail.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
*المصدر: صحيفة "المساء الأسبوعية" ـ في 30/4/2005م
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 09:54 AM
الدكتور حسين علي محمد
بقلم: محمــد جبريــل
..........................
حين حصل حسين علي محمد ـ الشاعر والناقد والأستاذ الجامعي ـ على درجة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث، كان يختتم رحلة قاسية بدأت في قريته العصايد، القريبة من ديرب نجم، وتواصلت في عمله الأكاديمي خارج مصر، حتى حصل على درجة الأستاذية، ودرس لآلاف الطلاب، وأشرف على العشرات من رسائل الماجستير والدكتوراه.
لم يجعل حسين علي محمد من تلك الطريق ـ وهي فردية كما ترى ـ طريقه الوحيدة.
اختار طريقا موازية، أو متداخلة، يتصل فيها بالجماعة، من خلال أنشطة قوامها الأجيال التالية من مبدعي ديرب نجم، المدينة والقرى المحيطة.
أنشأ حسين مع أحمد فضل شبلول وسعد بيومي وصابر عبد الدايم وأحمد زلط والراحل عبد الله السيد شرف سلسلة "أصوات معاصرة" تعنى بنشر كتابات أدباء مصريين وعرب، وإن كان حريصا ـ يومها ـ على نشر كتابات الأجيال الطالعة، من مبدعي الأقاليم المصرية.
أصدرت السلسلة الكثير من الكتب المهمة، ما بين رواية ومجموعة قصصية وديوان شعر ومسرحية ودراسة نقدية وسيرة ذاتية وغيرها. أصبحت ـ في مدى قصير نسبيا ـ من أهم السلاسل على مستوى الثقافة العربية.
ثم أضاف حسين إسهاما ـ على نفقته فيما أظن ـ بإنشاء موقع أصوات معاصرة على الإنترنت، يعنى بإبداعات الأجيال المختلفة، بنشر نماذج منها، يناقشها، يسلط الضوء على كتابها، يتصل بالمواقع المماثلة.
استطاع موقع أصوات معاصرة أن يحقق نجاحا لافتا على المستويين الكمي والكيفي، انعكس في أعداد المتعاملين معه.
جعل الخضري عبد الحميد من المدينة الصغيرة ملوي ـ ذات يوم ـ مدينة مبدعة، واحتلت المنصورة الموقع نفسه، بسلسلة فؤاد حجازي "أدب الجماهير". وثمة إسهامات أخرى في العديد من المدن المصرية، كالمحلة الكبرى والمنيا والسويس وسوهاج، جعلت من تلك المدن مساحات ضوء في حياتنا الثقافية.
لقد جعل حسين علي محمد ـ بإسهاماته المتعددة ـ من ديرب نجم، المدينة، المركز، منارة مهمة في حياتنا الثقافية.
هامش:
يقول فولتير: إن الطريقة الوحيدة التي تجعل الناس يتحدثون عنك بطريقة حسنة، هي أن تتصرف بطريقة طيبة.
م. ج
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 10:06 AM
غوايــــــة
قصة قصيرة، بقلم: محمد جبريل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حين صعد الشبان الخمسة إلى عربة المترو ، كان يقرأ جريدة وهو واقف فى الزاوية بين ظهر المقعد والباب المغلق من الناحية المقابلة . كانت المقاعد ممتلئة ، وتناثر الوقوف فى المساحات الخالية . استأنف الشبان كلامهم فى وقفتهم بالقرب منه . تشاغل بقراءة الجريدة ، وإن عكست تعبيرات وجهه ما يبين أنه يتابع نقاشهم ..
التقط ملاحظة الشاب المنمش البشرة عن انتصاف النهار دون أن يتناولوا طعاماً . أخرج من جيب الجاكت قطعة شيكولاتة . همس بلهجة مشفقة :
ـ تصبيرة !
تنبه الشبان إليه ..
أطالوا التحديق في ملامحه وهيئته . في حوالى الخامسة والأربعين . يرتدى بدلة رمادية ، ورباط عنق من اللون نفسه . عيناه قلقتان لا تستقران بين أجفانه الضيقة ، فهو يطبق جفنيه ، ويفتحهما ، فى حركة عفوية ، سريعة ، ويكثر من رفع إصبعه ليعيد النظارة المنزلقة على الأنف إلى موضعها ، ويمسك فى يده منديلاً لتنشيف العرق المتصبب في وجهه ..
قال الشاب الطويل القامة :
ـ وأنا .. أليس لى قطعة شيكولاتة ؟
رسم على وجهه ابتسامة واسعة ، وأشار إلى الشاب المنمش البشرة :
ـ أعطيته قطعة كنت أحتفظ بها لنفسى ..
التقط الشاب ارتجافة فى عينيه ، فقال :
ـ لا شأن لى .. أريد شيكولاتة ..
غلبه ارتباك . بدا منطوياً على نفسه ، ومتخاذلاً . رفع الجريدة بيده كمن يحاول الدفاع عن نفسه . تشجع الشاب الطويل فاختطف الجريدة . علت ضحكات الشبان . امتدت يد الشاب المنمش البشرة إلى الجيب العلوى . أخذ القلم ، وقذف به فى الهواء . التقطه . أعاد ما فعله مرات ، ثم قذف به من النافذة ..
صرخ :
ـ القلم !
انعكست نظراتهم ارتجافة فى عينيه . وشى تلفته أنه يريد الابتعاد . تقدموا نحوه فى نصف دائرة . عاد بظهره إلى الوراء حتى التصق بالجدار . ظلوا يرمقونه بنظرات قاسية ، ويكورون قبضاتهم ، ويقتربون ، ويقتربون ..
كان الشاب الممتلئ الجسد أقربهم إليه . صفعه بظهر كفه . تبعه الشاب الطويل ذو النظارة الطبية بلكمة . شجعهم تكوره على نفسه ، وملامحه الخائفة ، على معاودة ضربه . انهالت قبضاتهم وركلاتهم على جسده ، لا تتخير الموضع الذى تصيبه ..
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 10:10 AM
"الخليج" بين السيرة الذاتية ورواية الحرب
بقلم: د.السيد نجم
.......................
من خلال ضفيرة فنية محكمة يجدلها الروائي أثناء عودة العشري إلى مصر، أو هروبه من الأراضي الكويتية، مع صديقه فوزي درويش، متجهين إلى الأراضي السعودية، تدور أحداث الرواية، بكل أبعادها الفنية، من العودة إلى الوراء حيث استدعاء أفراد العائلة السكندرية إلى بؤرة الحدث، وتذكر أحاديثهم قبل سفره للعمل في جريدة "البلاد" العمانية، وبعدها، وأيضا استدعاء فترات وأحداث من الحقبة العمانية، التي تأسست خلالها الجريدة، وانتقالها إلى مكانها الجديد، بعد أن كانت تصدر من كشك خشبي، أو ما أشبهه.
لقد كانت لحظة الهروب من أتون الغزو العراقي للكويت، فرصة حقيقية للمكاشفة، والبوح والرصد، والتحليل النفسي، والخطاب الذاتي، والمجتمعي، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، إلى أن تحين لحظة هجوم أحد الأفراد الملثمين المتسلحين برشَّاش، على الصديقين، وقد انضمت إليهم ـ في الطريق ـ امرأة كويتية هاربة من بلدها لتنجو بنفسها من جنود الاحتلال العراقي، بعد أن تغيب زوجها وولدها أكثر من ثلاثة أيام بعد الغزو.
لم يذكر الكاتب شيئا عن جنسية هذا الملثم الذي لم يتبين ملامحه، والذي ظهر لهم فجأة خلال راحة ليلية من عناء الطريق، فاستولى على ساعة العشري التي ظن أنها ذهبية، وعندما شاهد المرأة معهما سألهما: هل هي زوجة أحدكما؟، فيرد فوزي درويش قائلا: وجدناها بمفردها في الطريق، فصحبناها، فقال الرجل: إذن فهي تخص ثلاثتنا. ثم وهو يعبر بيديه: ستواصلون طريقكم معها. أما أنا، فلن يُتاح لي الحصول على حاجتي منها في مكان آخر. وحينما هَمَّ بإخراجها من السيارة لاغتصابها، رفع العشري مفتاح إطار العجلات، وهوى بكل قوته، فتكوَّر الرجل تحت قدميه، وهو يطلق أنات خافتة، ما لبثت أن هدأت تماما، دليلا على موت الملثم.
ومن ثم تتصارع المخاوف، في نفس الرجلين، أما المرأة فقد بدت وسط الحقائب والصناديق واللفائف الموجودة بالسيارة، شبحا متخاذلا، وقد أبان الضوء الداخلي للسيارة عن قسمات الفزع في وجهها، ملامح ساكنة، وإن وشت بما لا قبل لأحد على احتماله: جحوظ العينين، واتساع الفم، وارتعاش المنخارين، كأنهما البديل لصرخات الفزع التي كتمتها.
إن ذلك الموقف الذي رسمه محمد جبريل، يلخص الأزمة العربية كلها في ذلك الوقت، ومن الممكن أن يُعدَّ معادلا موضوعيا لها. فمشاعر الخوف والاغتصاب والاضطراب والقتل وعدم القدرة على التصرف، أو اتخاذ القرارات الصائبة، هي التي كانت سائدة بين أبناء المنطقة العربية في ذلك الوقت. وهو ـ أي الموقف ـ يحمل إرثا عربيا بل إنسانيا عاما، يسير في اتجاهين متضادين، أولهما الاعتقاد بأن المرأة مشاعة للرجال مادامت قد سمحت لنفسها بالخروج من بيتها بمفردها، وهو ما حمَّل الملثم على القول بأنها ـ أي المرأة ـ تخص ثلاثتنا. وثانيهما: حق الرجل في الدفاع عن المرأة عندما تتعرض للإهانة أو الاعتداء أو السبي، وهو ما فعله بتلقائية شديدة جدا، أو بفطرة الإنسان التي فطره الله عليها، رؤوف العشري عندما حاول الملثم حامل الرشاش أن يُخرج المرأة من السيارة في أولى خطوات اغتصابها، وبقدر ما يدل التصرف الأول على بهيمية الإنسان وحيوانيته وشراسته، يدل الثاني على الوعي والتحضر ودفاع الإنسان عن أخيه الإنسان حينما يتعرض أمام عينيه إلى أي محاولة من محاولات الاغتصاب والقتل والسبي والتدمير، خاصة عندما يكون هذا الإنسان امرأة في ظروف صعبة من الناحية النفسية والمادية.
فقد اعتبر العشري أن لجوء المرأة، التي لم يعرفها وصديقه من قبل، إليهما، أو السماح لهما باستضافتها، بعد أن أشار إليهما أحد الجنود بالطريق بأن السيارة تصلح لشخص ثالث، هو من قبيل إغاثة الملهوف، أو إسداء المعروف. ومن ثم كان إقدام العشري على القتل هو دفاعا عن المبدأ، وإنقاذا لإنسان لا يملك حولا ولا قوة. لقد كان العشري نفسه لا يعرف أن بداخله هذه القيم الإنسانية، فلم يتصور أنه سيُقدم على فعل شيء. فهل كان يلزم مكانه، وهو يرى ما يجري أمامه، بعد الاستيلاء على ساعته؟ أم يختبئ؟ أم يكتفي بالخوف؟ أسئلة كثيرة تطرح نفسها على الصعيد النفسي. ولكنه فجأة وبدون أدنى تفكير رفع مفتاح الإطار، وهوى بكل قوته، التي لم يعهدها في نفسه من قبل، ولا تصور أنه يملكها.
لقد جاءت محاولات الهرب من الكويت في شهر أغسطس 1990، ثم محاولة اغتصاب المرأة، ثم القتل، وما أصاب المنطقة العربية كلها في ذلك الوقت، نتيجة مباشرة لغزو الكويت، لذا نستطيع أن نقول إن رواية "الخليج" لمحمد جبريل من الروايات النفسية الرافضة للحرب، وعلى الرغم من وقوعها في 126 صفحة، إلا أن مشاهد الحرب أو مشاهد الاحتلال المادية لم تتعد سوى عبارات قليلة جدا على طول الرواية، مثل: "لم يحاول التلفت، وإن بدت الشوارع ـ فيما يشبه الومضات ـ مهجورة، والدكاكين مغلقة، وعلى الجانبين سيارات محترقة، وعلى النواصي دبابات ودوريات احتمت بسواتر رملية. أفزعه الدخان الكثيف المتصاعد في الأفق .." ص 61.
عدا ذلك تظل الرواية، محاولة قوية للتشبث بالماضي القريب الذي عاينه الكاتب، ودفعات متتالية من ذكريات العمل الصحفي في مصر، وسلطنة عُمَان، والكويت. فضلا عن موجات سيرية متدافعة للروائي محمد جبريل، وإن بُدِّل الاسم في "الخليج" إلى رؤوف العشري. وأعتقد أن "الخليج" من الممكن أن تمثل امتدادا زمانيا ومكانيا (أو زمكانيا) لكل من عمليه "حكايات عن جزيرة فاروس"، و"الحياة ثانية".
وقد سبق أن ذكرتُ في مقال سابق، أن كتاب "حكايات عن جزيرة فاروس" يمثل الجزء الأول من السيرة الذاتية للأديب محمد جبريل، إلا أن التتابع الزمني الذي توقف عند سفر صاحب الكتاب إلى سلطنة عمان يشي بأن هناك نواقص كثيرة من يقلها صاحب السيرة منذ سفره إلى عُمان، وحتى عودته واستقراره مرة أخرى إلى مصر. وأعتقد أن رواية "الخليج" استطاعت أن تسد جزءا من هذه النواقص.
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 10:12 AM
محمد جبريل: نجم وحيد في أفق الرواية الجديدة
بقلم: أحمد فضل شبلول
...............................
هذه الرواية أشبه بالحلم الذي لا يُرى إلا مرة واحدة، لذا لابد أن تُقرأ دفعة واحدة، أو في جلسة واحدة، ولا يجوز لها أن تُقرأ على جلستين أو أكثر، (خاصة أنها صغيرة الحجم 125 صفحة فقط) وإلا فقد القارئ شيئا من متعة القراءة، لعله انقطاع التدفق الروحي أو العاطفي أو النفسي مع بطل الرواية الذي يعيش حالة نفسية أو روحية مأزومة، ينجح محمد جبريل في تصويرها أو نقلها إلى القارئ عبر روايته "نجم وحيد في الأفق". وهي رواية، وإن كانت تنطلق من أرض الواقع الذي هو ـ كما تعودنا من جبريل في معظم أعماله الإبداعية ـ حي بحري بالإسكندرية، إلا أنه في هذه الرواية يحلق إلى آفاق جديدة، بعضها لمسناها بطريقة عابرة في رباعية بحري من خلال شخصية الجد السخاوي، ومن خلال الحديث عن كرامات بعض أولياء الله الصالحين من أمثال سلطان الإسكندرية المرسي أبو العباس، إلا أن بطل نجم وحيد في الأفق يختلف عن أصحاب الكرامات وأولياء الله الصالحين في أنه رجل عادي ـ لم يختر المؤلف اسما له ـ يعيش مأزوما بدنيا وروحيا، ويتردد على الأطباء والمشايخ، ويتفق الجميع على أنه لا يعاني مرضا جسديا، ويشير عليه الشيخ نجاتي، بأن يذهب لملاقاة نجمه ـ الذي من الممكن أن يكون طائرا أو سمكة أو نجما في السماء أو أي رمز آخر ـ عبر رحلة بحرية يقوم بها، فهو ولد في جزيرة تبعد عن جزيرة الأنفوشي بمسافة، حيث كان أبوه صيادا يجوب البحر، ويصطحب معه زوجته أحيانا، وفي إحدى المرات كانت حاملا، فاجأها المخاض في الجزيرة، فوضعت وليدها هناك وعادت به. وهنا يقرر البطل الاستعداد للرحلة بكل ما يملك من طاقة روحية، ويذهب إلى كابتن البحر ليتتلمذ على يديه. وعندما يحين الحين يأخذ قاربه وينطلق في رحلته صوب المجهول. ومنذ هذا الانطلاق تبدأ الفتوحات الجديدة، والفيوضات الروحية، وتتخلص الرواية من طينها الأرضي، وأشواق البشر العاديين، لتحلق في أجواء بحرية طبيعية وحلمية، ومخاطر نفسية ومادية، كالتي وجدناها في رحلات السندباد، وأوديسيوس، وعجوز بحر أرنست هيمنجواي، غير أن الفارق أن بطل رحلة جبريل غير أسطوري، إنه واحد منا، إنسان بشري يتحول شيئا فشيئا ـ عن طريق الصبر والمجاهدة ـ إلى العيش في الجنة القرآنية. فعندما يصل إلى جزيرة النهاية، تنقلب الرموز لتصبح معاني مستوحاة من أوصاف الجنة ونعيمها الخالد، كما وردت في القرآن الكريم، أو كما وردت على أقلام المفسرين والشارحين.
اعتمدت الرواية في جانب كبير من تكنيكها على المعلوماتية، وحولتها من خلال السرد، إلى أركان أساسية وخبرات بشرية لا غنى للبطل في رحلته عنها، فعلى سبيل المثال يذكر المؤلف مواعيد النوات الطبيعية أو البحرية ـ التي من الممكن أن تكون معادلا للنوات النفسية ـ والتي تهب على الإسكندرية خلال أشهر الشتاء، فيقول ص 39 "نوة المكنسة في 17 نوفمبر، تستمر خمسة أيام. قاسم في 5 ديسمبر، تستمر خمسة أيام، الفيضة الصغرى 20 ديسمبر، تستمر خمسة أيام، عيد الميلاد أو الفيضة الكبرى 29 ديسمبر، تستمر 12 يوما، الغطاس 19 يناير تستمر ثلاثة أيام، الكرم 28 يناير، تستمر سبعة أيام، نوة الشمس الصغيرة 18 فبراير، تستمر ثلاثة أيام، السلوم 2 مارس، تستمر يومين، نوة العوة ـ ما بعدها نوة ـ 24 مارس تستمر ستة أيام". وحتى تختفي المعلوماتية وراء الصنعة الفنية الماهرة، أو تتماهى معها، لم يلجأ المؤلف إلى صب المعلومات كيفما اتفق في العمل الروائي، ولكنه يوردها على لسان الشخصية العارفة أو العالمة ببواطن البحر وأسراره، كشخصية الكابتن أثناء تعليمه لبطل الرحلة. ومن هنا فإن قارئ الرواية يكتسب أثناء قراءته لها معلومات وخبرات حياتية جديدة عن أنواع الأسماك (بوري ومرجان وقراميط ومحرات وشجري وبربوني ومياس ودنيس وموزة خضراء وبساريا .. الخ)، وأنواع الطيور البحرية، وأنواع السفن والقوارب والبلنسات، وكيفية الصيد وأنسب الأوقات له .. الخ.
إنه عالم البحر العجيب وأسراره التي لا تنتهي، رمز لعالم الروح وخفاياه، وهو ليس أقل شأنا من عالم الأرض، بل أكثر مدى واتساعا. ومن هنا لجأ محمد جبريل إليه ليعبر عن أزمة الإنسان الروحية التي تلاشت في النهاية، بعد أن أصبح العالم الأرضي ـ حي بحري على وجه التحديد ـ بالنسبة للبطل مجرد ملامح باهتة تذوي من الذاكرة حتى تغيب تماما.
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 10:15 AM
«زمان الوصل»
بين نجم وحيد والشاطئ الآخر
بقلم : أحمد فضل شبلول
..............................
في روايته السابقة "نجم وحيد في الأفق" المنشورة عام 2001 يذهب بطل رواية محمد جبريل وراء نجمه، ويختفي من حي بحري بالإسكندرية، بعد أن أعدَّ قاربه، وجهَّز نفسه روحيا وبدنيا للرحلة، ربما يُشفى من أمراضه النفسية والروحية والعضوية، وتنتهي الرواية بأن يصبح العالم الأرضي ـ حي بحري على وجه التحديد ـ بالنسبة للبطل مجرد ملامح باهتة تذوي من الذاكرة حتى تغيب تماما.
وتبدأ رواية محمد جبريل الجديدة "زمان الوصل" بالتالي: "ميناء الإسكندرية يبتلعه الأفق. الحزن والقلق والخوف والترقب، ومشاعر أخرى ألزمته الصمت، فاكتفى بالتطلع إلى الخط الرمادي، حتى غاب تماما". إنه يتجه إلى دنيا غير الدنيا التي ألفها وكرهها. لقد توالت الأيام، فالأشهر، على آخر رؤيته للإسكندرية في وقفته على الباخرة. نقاط ضوء، صغرت، وذوت، ثم تلاشت.
وكأن الروايتين متصلتان على نحو ما، فالنجم الوحيد يسلمنا لزمان الوصل، حيث يعود هاشم بطل زمان الوصل مرة أخرى إلى بلدته الإسكندرية، بعد غربة ثمانية عشر عاما. (الناس الذين خلفتهم منذ ثمانية عشر عاما، في رحلتي الأولى، ومنذ عشرة أعوام، قبل أن تنقطع زياراتي المتباعدة، لم يعودوا هم). فهل شُفي بطل "نجم وحيد في الأفق" وعاد ليطل علينا من خلال "زمان الوصل"، ويحكي لنا ما لاقاه وعاناه في غربته، في أول عشرة أيام يعود فيها إلى حيه الأثير، حي بحري بالإسكندرية؟
وفي روايته الأسبق "الشاطئ الآخر" المنشورة عام 1996 يستأجر الطالب المثقف حاتم رضوان غرفة في شقة عائلة يونانية بالإسكندرية، ويعيش معها، ويقع في حب "ياسمين" ابنة هذه العائلة، ولكن تهجر تلك العائلة مصر عائدة إلى اليونان، مع هجرة الأجانب من البلاد، وخاصة بعد الاعتداء الثلاثي على مصر عام 1956. وفي روايته الجديدة "زمان الوصل" يسافر هاشم ـ الشاب المثقف ـ إلى ميناء بيريه باليونان، والذي يحيا على البحر، مثل حي بحري، ويعمل في دكان العجوز اليوناني ميخاليدس ويتزوج من ابنته كريستينا.
ولعل ما يشي بقوة الرابطة ـ التي نراها ـ بين الروايتين "الشاطئ الآخر"، و"زمان الوصل"، أن العجوز اليوناني ـ في زمان الوصل ـ ولد بحي العطارين في الإسكندرية، في أيام سعد باشا، وترك البلاد في أيام عبد الناصر، بإرادته، حيث نراه يقول لهاشم: (عدت بإرادتي .. كانت الظروف قد تغيرت). وأن الشقة التي استأجر بطل الشاطئ الآخر، حاتم رضوان، حجرة فيها، كانت هي الأخرى في حي العطارين، ولعلنا نذهب إلى أن الفتاة اليونانية التي أحبها حاتم في "الشاطئ الآخر"، وهاجرت مع الأسرة، هي الفتاة اليونانية كريستينا ابنة العجوز ميخاليدس، التي تزوجها هاشم في "زمان الوصل". ولعل اختيار عبارة "زمان الوصل" عنوانا للرواية، يشي بعودة زمان الحب بينه وبين فتاة "الشاطئ الآخر"، ليلتقيا مرة ثانية، ويتزوجا في "زمان الوصل".
إن محمد جبريل، من خلال قراءتنا للروايات الثلاث: الشاطئ الآخر، نجم وحيد في الأفق، زمان الوصل، يقدم لنا ثلاثية روائية، متتابعة، ولكن ليس بالمفهوم التقليدي للثلاثية كما نجده على سبيل المثال عند نجيب محفوظ في الثلاثية المشهورة (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية) حيث التراتب المنطقي للأحداث، والزمان أيضا، فيما يعرف باسم رواية الأجيال، أو الرواية النهرية، أو الكتابة الخطية للأحداث، التي تسير في خط تصاعدي، من المنبع إلى المصب. وحيث أيضا تختلف ثلاثية جبريل التي أشرنا إليها عن مفهومه للروايات المتتابعة التي تشكل نهرا واحدا متدفقا، كالنهر الذي قدمه لنا في رباعية بحري (أبو العباس، ياقوت العرش، البوصيري، علي تمراز).
هنا في الثلاثية الجديدة نرى تراتبا نفسيا، في المقام الأول، فالبطل العاشق للفتاة اليونانية المصرية المهاجرة، في "الشاطئ الآخر"، يتعرض لأزمات نفسية وروحية، يظن البعض أنها عضوية، فينصحه أحد المشايخ بالسفر للبحث عن نجمه، فيغادر الإسكندرية، في "نجم وحيد في الأفق"، ويتجه ـ من حيث لا يدري ـ إلى اليونان، ويعثر على فتاته "كريستينا" فيتزوجها في "زمان الوصل".
ولكن هل تنتهي الثلاثية عند هذا الحد؟ إن إنتاج محمد جبريل مثل النهر الدافق الذي لا تنتهي ماؤه، أو مثل البحر الذي لا تنفد أمواجه. فهو عندما يعثر على كريستينا ويتزوجها، نظن أن أزمة البطل قد انتهت، ولكن هيهات، إن أزمته النفسية تطل من جديد، فالحنين يعاوده إلى مصر، وإلى حي بحري على وجه التحديد، فيفكر في العودة النهائية، ولكن العقدة الجديدة في الثلاثية، أن كريستينا، ترفض العيش مع زوجها في الإسكندرية، ويدور الحوار التالي:
ـ لا بد أن أعود إلى الإسكندرية ..
ـ لا بأس .. سأنتظرك حتى تعود ..
ـ قد لا أعود!
في بساطة حاسمة، أذهلته:
ـ وأنا لن أغادر بيريه ..
ويعود هاشم بمفرده، لتبدأ وقائع الأيام العشرة التي كتبت فيها "زمان الوصل" حيث يعطينا عنوان الرواية مدلولا جديدا للوصل الذي نفترض هذه المرة، أنه التواصل مع الجذور، والحنين إلى الإسكندرية، (يا زمان الوصل بالإسكندرية) مسقط رأسه، ومرتع صباه. ويعطي المؤلف عنوانا لكل فصل على حدة، بعدد الأيام العشرة، فالفصل الأول هو اليوم الأول، والفصل الثاني هو اليوم الثاني، وهكذا، إلى أن نصل إلى الفصل العاشر والأخير، وهو اليوم العاشر، وعلى الرغم من أن التقسيم تقسيم زمني كما نرى، إلا أنه من ناحية أخرى يشي بدلالات نفسية، حيث يكون اليوم مزيجا من أحداث واقعية ونفسية لليوم نفسه، وعودة (فلاش باك) حيث يستحضر هاشم طرفا من ذكرياته ومواقفه قبل أن يغادر الإسكندرية، سواء مع والده رمضان السعدني، أو مع أخوته أو أصدقائه، أو الفتاة لطيفة التي كانت تسكن في الشقة المقابلة قبل أن تنتقل عائلته إلى شقة أخرى تطل على مقام سيدي منصور، ويستحضر أيضا طرفا من ذكرياته والمواقف التي تعرض لها بعد مغادرته للبلدة، سواء في الباخرة التي سافر عليها، أو في ميناء بيريه، وعلاقته بالعجوز اليوناني وكريستينا.
ومن تقنيات الكتابة والنشر التي أحسن محمد جبريل استخدامها في هذه الرواية، كتابة أجزاء الفلاش باك، بخط مائل إلى اليمين قليلا، تمييزا لها عن الأجزاء التي تدور في اللحظة الآنية، في زمن الرواية. وهي تقنية لم نشاهدها في رواياته السابقة، وهي في رأيي مهمة، لأنها تساعد القارئ على الفصل بين زمنيّ الرواية، فلا يحدث هذا الخلط الذي قد يقع فيه القارئ أحيانا، فلا يدري في أي زمان روائي هو، ولعل خبرة الكاتب في استخدام جهاز الكمبيوتر وإمكاناته، ساعدته على استخدام هذه التقنية بنجاح، قبل طباعة الرواية.
وربما نقرأ ـ قريبا ـ جزءا رابعا لهذا الثلاثية، بعد عودة هاشم واستقراره في الإسكندرية، لنتعرف إلى أين ستقوده خطاه مرة ثانية، وهل سيستطيع أن يبتعد عن كريستينا، ويعيش بمفرده، أم أن كريستينا ستأتي إليه، وتعيش في الإسكندرية، مثلما عاش أبوها الخواجة ميخاليدس من قبل في حي العطارين.
إنها مرة أخرى العلاقة مع الآخر الغربي، أو المتوسطي، ترى كيف سيرصدها محمد جبريل ويؤرخ لها فنيا، في أعماله القادمة؟
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 10:18 AM
رباعية بحري .. تجربة شخصية
محمد جبريـل
إذا الإنسان طاف حول الإسكندرية فى الصباح
فإن الله سوف يصنع له تاجاً ذهبياً
مرصعاً باللآلئ
ومعطراً بالمسك والكافور
يشع الضوء شرقاً وغرباً
" ابن دقماق "
تحضرنى ملاحظة ذكية أبداها أستاذنا على الراعى حول مسرحية " مهاجر بريسبان " للكاتب اللبنانى جورج شحادة . تقدير الراعى أن " الأدب العالمى كان يكسب كثيراً لو أن شحادة استخدم قدراته الكبيرة فى ترجمة لبنان إلى العالم (الهلال ـ فبراير 1969) . تقدير الراعى كذلك أن " العالم محتاج إلى أن يتعرف على أجزائه الكثيرة المترامية . وهذه الحاجة ثقافية وفنية قبل أن تكون سياسية . فإذا جاء الممتازون من كتاب البلاد الصغيرة ، وكتبوا بلغة غير مميزة تسلكهم فى أى عداد شئنا ، فالخسارة خسارة الأدب العالمى مثلما هى خسارة الأدب المحلى"
***
بداية ، فأنا لم أكتب عن البحر ، ولا عن الصلة بين البحر واليابسة ، وهو ما يبين فى الكثير من إبداعاتى الروائية والقصصية ، لم أكتب لطرافة الموضوع ، وإنما لأنه لم يكن بمقدورى سوى الكتابة عن البحر . البحر يحتضن الإسكندرية من معظم جوانبها ، ويحيط بحى بحرى من ثلاث جهات ، كان هو المكان الذى تطل عليه شرفة بيتنا، ويطل السطح على امتداد آفاقه . كنت أسير على شاطئه، وأتابع التعامل اليومى معه فى صيد السنارة والطراحة والجرافة ، وعمليات الشحن فى الميناء الغربية ، وركوب البحر نفسه فى قوارب صغيرة تعبر المسافة من باب واحد إلى باب رقم ستة ، أو فى لانشات تمضى إلى قرب البوغاز . حتى فى الظلام ، كنت أستمع إلى البحر ، وإن كنت لا أراه . أتذكر قول رامبو : إنه البحر وقد رحل مع الشمس .
البحر ليس موضعاً طارئاً فى حياتى . إنه الحياة نفسها ـ والموت أيضاً ، كما سأحدثك حالاً ـ . وعلى الرغم من انقضاء عشرات الأعوام على ابتعادى ـ بصورة عملية ـ عن الإسكندرية ، فإنى أفضل ـ حتى الآن ـ أن تدور أحداث أعمالى فى بحرى ، لأنى أشعر أن الحى تحت تصرفى . أعرف تاريخه وأسواقه وشوارعه ومساجده وبناياته وسلوكيات حياته اليومية . أعرف المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد . حتى مسميات الأشياء واللهجة هى وسيلة التعبير عندى . حتى مستطيلات البازلت التى تتفق فيها مع المدن الساحلية الأخرى ..
البحر عند الشخصيات الأدبية بعامة ، مبعث للتأمل الرومانسى ، ولقضاء إجازة الصيف. البحر عند شخصياتى مصدر للرزق . يحصلون على قوت أيامهم بالعمل فيه ، والإفادة من تنوع خيراته ، وتشقيهم أحواله من نوات وعواصف ورياح ، حتى أنه يختطف البحارة والصيادين ـ أحياناً ـ من فوق بلانساتهم [البلانس هو سفينة الصيد الكبيرة] ويغيبهم فى أعماقه ، ويعطى الموروث الشعبى تأثيراته التى تدين ـ غالباً ـ للخرافة . البحر مرادف للحياة بعامة فى الأعمال الإبداعية ، فهو يتسربل بالسحر والخرافة والأسطورة . أما البحر فى أعمالى ، فهو مرادف للحياة والموت فى آن . قد يكون حصيرة ـ بلغة أهل الإسكندرية ، فيتاح ركوبه ، والحصول على الرزق من أعماقه . وقد يعانى النوات والعواصف والرياح ، فتنعكس معاناته على من يركبونه ، أو يقفون على شاطئه ، بحثاً عن الرزق .
***
كنت أتحدث فى المركز الثقافى الإيطالى عن الإسكندرية ، وحى بحرى بخاصة. لاحظت ـ بدا لى الأمر كأنى أكتشفه للمرة الأولى ! ـ أن أبناء بحرى ينتمون إلى الطبقات ما بين الدنيا ، وما فوق المتوسطة ، فهم يعملون فى صناعة المراكب والصيد وبيع السمك وأعمال البحر وشركات التصدير والاستيراد ، وهم حرفيون وتجار ومهنيون .. لكن أصحاب رءوس الأموال الكبرى ـ وكبار الاقتصاديين بعامة ـ يفضلون السكنى فى منطقة الرمل . لذلك فإن بحرى يخلو إلا من قصرين متقابلين ، أحدهما سراى رأس التين الذى بناه الخديو إسماعيل فى أواسط القرن التاسع عشر ، وهو الآن أحد قصور الدولة . وفى مواجهته قصر آخر صغير ، للسيدة عصمت محسن حفيدة حسن باشا الإسكندرانى ، والتى كان يطلق عليها ـ لا أدرى من كان وراء التسمية ـ لقب أم البحرية . فيما عدا قصرى رأس التين وأم البحرية [أزيل القصر الثانى ـ فيما بعد ـ وشيدت فى موضعه بناية سكنية] فإن ملامح بحرى المعمارية قوامها بيوت قصيرة ، متآكلة ، متلاصقة ، وبنايات متوسطة ، وما فوق المتوسطة . ثمة الأقل من البنايات الفاخرة ، لكن النسق المعمارى لحى بحرى ينتمى ـ فى معظمه ـ إلى الطبقتين الفقيرة والدنيا ..
***
لقد أحب كامى البحر ، ولا أعتقد أن أحداً من الأدباء الفرنسيين عبر عن مشاهد طبيعة البحر المتوسط مثل كامى . وثمة ملفيل فى عمله الضخم " موبى ديك " ، وجوزيف كونراد الذى اتخذ البحر موضوعاً للعديد من رواياته ، وأشهرها رائعته " قلب الظلام " .. وثمة من الأدباء العرب صالح مرسى وحنا مينا وغيرهم ..
وحى بحرى بالإسكندرية هو الأرضية لمعظم ما كتبت من إبداعات . وقد أردت فى رباعية بحرى بأجزائها : أبو العباس ـ ياقوت العرش ـ البوصيرى ـ على تمراز ، أن أكتب فصولاً مستقلة ، تتكامل فى تصوير حى بحرى الذى أحببته ، وامتداده الطبيعى إلى المكس ، أو إلى الرمل ..
قوام الرباعية هو الحنين إلى الماضى ، إلى الزمان الماضى ، والمكان الماضى . الجو حافل بالأسطورة والصوفية والرموز والخوارق والتأملات الميتافيزيقية والتطلع والخنوع وطلب المدد ..
أردت بهذه الرباعية الروائية أن أكتب فصولاً مستقلة ، لوحات ، تصور الحياة فى حى بحرى بالإسكندرية عقب الحرب العالمية الثانية . لا صلة بين الكثير من اللوحات ، فلا يكاد القارئ يتبين ما يربط بينها . همنى الوحدة الداخلية، سواء على مستوى المكان ، أو الشخصيات ، أو الجو العام ، بحيث تتكامل الفصول ـ أو اللوحات ـ فى بناء روائى يهبنا لوحة بانورامية الأبعاد والتفصيلات لهذا الحى الذى عشت فيه طفولتى وصباى وشبابى الباكر . ومازلت أحيا فيه ـ رغم البعد ـ ويحيا فىّ ، حتى الآن .
حين بدأت فى كتابة أجزاء رباعية بحرى ، كان همى أن أصف الأشخاص القريبين منى ، والذين ألفت رؤيتهم فى جوامع بحرى وميادينه وشوارعه وأزقته ، وصيادى الجرافة بين الكورنيش وشاطئ البحر ، والأماكن المرتبطة فى وجدانى بذكريات باقية . ولعلى أعترف أنى حاولت أن أضمّن الرواية ـ فى سياق السرد ـ الكثير من المعارف البحرية [ اكتشفت ـ وأنا أراجع البوصيرى ـ أنى كررت اسمى لوحتين كتبتهما فى ياقوت العرش . فكرت فى استبدالهما ، لكننى شعرت انه من الصعب أن أختار غيرهما للوحتى البوصيرى ]
الرباعية فصول مستقلة ، فى أجزاء منفصلة ، لكن الفصول والأجزاء متصلة بشكل وثيق . ولأن بعض الفصول جاءت أقرب إلى القصة القصيرة ، فقد نشرها "الأهرام" باعتبارها كذلك ..
***
أنسية ليست مومساً على أى نحو ، ليست حتى مومساً فاضلة ، وليست ـ بلغة علم الاجتماع ـ ضحية بريئة ، لكنها فتاة من الطبقة الأدنى ، واجهت مأزقاً صعباً ، بذلت أعواماً من حياتها للتغلب عليه . وعندما تصورت أن ذلك ما حدث، واجهت مأزقاً أشد قسوة ، وهو أنها قد تعود إلى ما كانت فيه لو لم تنجب ، لو لم تهب الرجل مطلبه فى الولد والامتداد والخلود . وقد تطلع سيد الفران إلى الولد والامتداد لأنه ـ على حد تعبيره ـ كان مقطوعاً من شجرة . وربما لامس المرء الوهم للخلاص من الواقع ، كما فعل حمدى رخا . وحين يعجز المرء عن مواجهة الخطر أو الظلم ، فإنه قد يلجأ إلى قوة عليا يجد فيها الحماية والأمان ، وهى الصوفية . وهو ما فعله على الراكشى عندما أجاد الحاج قنديل حصاره ، فوجد الملاذ فى كلمات يوسف بدوى ، وفى قراءة كتب الصوفية وممارسة طقوسها . وحين ضاقت السبل بجابر برغوت ، فإنه لجأ للسفر إلى القاهرة ، يضع بين أيدى سادة الديوان الذى ترأسه السيدة زينب مشكلات الناس وما يعانون . وكما يقول ايفانز ريتشارد فإن " مواجهة الإنسان للأزمات والكوارث يؤدى إلى شعوره بالخوف والقلق ، وانه لا يستطيع أن يسيطر على مشاعره ، ويقضى على يأسه ، إلاّ عن طريق تكوين الشعائر الدينية " . واللافت أن عدد أعضاء الطرق الصوفية فى مصر قد تزايد بعد نكسة 1967 بنسبة 25 % ( البناء الاجتماعى للطريقة الشاذلية فى مصر ـ فاروق أحمد مصطفى ـ هيئة الكتاب 1980 ) . ولاشك أن الصوفية والأولياء والموالد والأذكار وغيرها من المظاهر الدينية أبعاد ثابتة فى حى بحرى . ثمة أبو العباس والبوصيرى وياقوت العرش وكظمان ونصر الدين وعشرات من الأولياء الذين يحظى بحرى بوجود أضرحتهم ومقاماتهم ، وبملايين المريدين والزوار من طالبى البركة والمكاشفة والنصفة والمدد . ويربط حسن الساعاتى بين وجود عدد كبير من المساجد فى بحرى وبين استقرار الحياة فى الحى ، وزيادة كثافته السكانية ، لأن أضرحة الأولياء تكون مراكز جذب للسكان ، باعتبار أن الأهالى ينزلونهم من أنفسهم منزلة عظيمة ، لأنهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . وكان ذلك ما حدث فى رائعة يحيى حقى قنديل أم هاشم ، حين حرص الجد ـ محسوب السيدة زينب ـ على الإقامة بجوار مسجدها. سيدى الأنفوشى له ـ فى قلعة قايتباى ، فى الطرف الشمالى لمدخل الميناء الشرقية ـ مسجد وضريح ومقام ، لكنه ـ دوناً عن جميع الأولياء ـ بلا أتباع ولا مريدين ، بلا دعوات وابتهالات وتهدجات واحتفالات مولد ونذور وأذكار . حياته لا يذكرها أحد : من هو ؟ أصله ؟ فصله ؟ كراماته ؟ سيرته ؟ . الرواية ـ أصلاً ـ غير مؤكدة . ربما الأنفوشى حقيقة ، وربما رفاته فى الضريح الذى يتوسط فناء مدرسة البوصيرى الإلزامية بالموازينى . لكن مسجد قايتباى الصغير بلا اسم ـ معلن ـ لولى . ثمة رأى أن اسم الأنفوشى هو " الكهنفوشى "، وهو اسم فارسى لشيخ عجمى . والاسم موجود فى كتاب " الضوء اللامع " للسخاوى . الهوية المجهولة حياة سيدى الأنفوشى . البداية منبعها الغموض ، مصبها الغموض كذلك ، وربما لم يكن فى حياة الإسكندرية ولى بهذا الاسم . أبو العباس المرسى ، حارس الإسكندرية ، وسلطانها ، وكبير أوليائها ، وحبيب الغلابة والمنكسرين والمظلومين والتائبين ، والباحثين عن الذرية الصالحة والبرء من العلة والسقم . نسيج القصة رائق ، متماسك ، لا ينقص خيطاً : رحلة الزهد والتصوف من مرسيه إلى الإسكندرية : " فو الله ما رأيت العز إلا رفع الهمة عن الخلق ، ولا السلامة فى الدنيا إلا بترك الطمع فى المخلوقين " . انتشار الدعوة ، تكاثر المريدين والأتباع . القسم بياقوت العرش لا يمتد إلى خواء ، وإنما يمتد إلى حياة طيبة ، متكاملة . صديق المرسى ونديمه وصفيه وتلميذه . لم يكن يؤذن لأية صلاة إلا إذا تناهى الأذان من العرش الإلهى . بردة البوصيرى الشهيرة تحيط بصحن جامعه . على تمراز مجذوب ، وله كرامات ، لا يدرى أحد من أين جاء ، ولا كيف سارت حياته إلى الموت . حتى سيدى جابر الذى ترقد رفاته فى الجانب الآخر من المدينة ، له أصل ، وإن كان يصعب تحديده . اجتهادات تؤكد أنه الرحالة ابن جبير . اجتهادات مقابلة ، واثقة ، ترى أنه سيدى جابر الأنصارى . بل إن بعض هؤلاء الأولياء ترتبط مكاشفاته بالبحر . كان الشيخ على الصياد ـ على سبيل المثال ـ صياداً موفقاً . وكان يحب أن يخلو إلى نفسه بعيداً عن الناس حتى ألفته طيور البحر ، فكان يخاطبها بلسانها . وذات يوم أدركه المرض ، فتبارت الطيور فى إحضار الأعشاب الشافية من الجزر البعيدة عبر الأفق ، وراحت تنثرها بين يديه متوسلة إليه أن يجرب علاجه بها ، فقال لها : إذا كان قد حان أوان الشفاء ، فسأشفى بدونها ، وإن لم يكن قد حان ، فما الفائدة ؟. وظل على مرضه حتى لفظ آخر أنفاسه عند الشاطئ . وبكته الطيور البحرية ، ودعت الله أن يجعل مثواه فى مملكتها ، فاحتضنته مياه البحر ، وصار الولى الوحيد الذى تغمر المياه ضريحه . ويحرم الصيادون على أنفسهم محاولة صيد آلاف الطيور التى تحج إلى حرم الضريح ..
***
ما أوجه الاتفاق ـ والاختلاف ـ بين رباعية الإسكندرية ورباعية بحرى ؟..
صدمنى السؤال فى البداية ، وربما تضايقت منه ، ثم ألفته بالمعاودة . أصارحك أنى تعمدت ألاّ أقرأ رباعية الإسكندرية حتى لا أقع فى شبهة تأثر ـ قرارى بكتابة رباعية بحرى يعود إلى مطالع حياتى الأدبية ـ وبالذات فى ضوء الحفاوة النقدية الواضحة ، والتى اعتبرت رباعية داريل من أعظم إبداعات القرن العشرين .
ثم حاولت ـ بعد أن صدرت رباعية بحرى ـ أن أفتش عن جوانب الاتفاق والاختلاف ، لا كناقد ، فقد مللت التأكيد أنه حتى فوزى بجائزة الدولة فى النقد لا يلغى تفهمى لقدراتى النقدية ، وأنى سأظل دوماً خارج أسوار النقد !
***
(يتبع)
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 10:25 AM
رباعية بحري .. تجربة شخصية
(القسم الثاني)
بقلم: محمد جبريـل
.......................
يقول جون فويلز : " إن المدن المنفتحة هى أمهات للمجتمعات المستنيرة ، ووجود مثل هذه المدن هام بشكل خاص للأدب . ولهذا فإننى أعتقد أننا نتعشق أوهامنا عنها ، ونغفر لها الكثير من خطاياها " . يضيف فورستر : نحن حين نفعل ذلك مع الإسكندرية ، فإننا لا نلام ، لأنها النموذج الأصلى للكوزموبوليس وانصهار المتناقضات ( الإسكندرية تاريخ ودليل ـ 11 ) .
وإذا كانت صلة شخصيات ميرامار نجيب محفوظ بالإسكندرية هى صلة هامشية ، حيث اختاروا الإقامة فى الإسكندرية كمنفى ، لا تشغلهم حياة ناسها اليومية ، ولا مشكلاتهم . فالبنسيون بالنسبة لمن يقيمون فيه ـ على حد تعبير سيزا قاسم ـ مكان سلبى أقرب إلى محطة السكة الحديد ، حيث يتقابل ـ للحظات معدودات ـ المسافرون ، كل يلهث فى طريقه ( روايات عربية ـ روايات مقارنة ـ 161 ) . إذا كان ذلك كذلك ، فإنه من الصعب إهمال التأثيرات الأجنبية فى حياة الإسكندرية . وعلى سبيل المثال ، فإن يوم الأحد فى الإسكندرية يختلف عن اليوم نفسه فى بقية المدن المصرية . الشوارع خالية نسبياً ، والكثير من المتاجر يغلق أبوابه ، ذلك لأن التأثيرات الأجنبية التى تحققت من خلال " مواطنة " أعداد هائلة من الجاليات الأوروبية لم تندثر من المدينة بصورة كاملة بعد . لكن الصورة التى رسمها داريل فى رباعية الإسكندرية ـ على حد تعبير صلاح عبد الصبور ـ تنتمى إلى داريل أكثر مما تنتمى إلى الإسكندرية " فالإسكندرية ليست هى مدينة هذه الحفنة من الأجانب والمتمصرين ، وليس هى مخادع اللذة وأندية الشواذ والمغامرين ، بل هى مدينة ممتدة مليئة بالرجال والنساء الذين يصنعون الحياة ، ويأكلون العيش بعرق الجبين " ( عالم القصة ـ العدد الرابع ) . ويقول صديقى الكاتب المسرحى الكبير الفريد فرج ، إن انتباه داريل ـ قبل أن يكتب رباعية الإسكندرية كان متجها إلى مجتمع الأجانب والمتمصرين دون المصريين ( الأهرام 15/3/1998 ) . المعنى نفسه يورده إدوار الخراط ، فإسكندرية داريل هى أسطورته الشخصية أولاً وأخيراً ، أسطورة تكونت من مشاهد خارجية التقطتها عين أجنبية ، ومشاهد وأخيلة تخلقت فى نفس منفصلة محجوزة عن قلب البلد وروحها ، بانحيازات رازحة وراسخة . داريل لم يعرف من الإسكندرية إلاّ سطحها الخارجى ، قشرتها السطحية : بيوت ومكاتب الديبلوماسيين والموظفين والملاك . الفئة الفوقية من المتمصرين الذين لم يعرفوا من مصر سوى أنها البقرة الحلوب ، يطفون على عباب مدينة تمور بالحياة ، كالزبد أو الرغوة . الشوارع والبيوت ـ والأحياء أحياناً ـ التى كانت محرّمة على أولاد البلد . ما كتبه عن الإسكندرية هو موقع أو حالات نفسية للأجانب ولأشباه المصريين ، أو مجرد استعارات وأقنعة مصنوعة وزائفة للمصريين أو المتمصرين ، الذين لم يعرفوا من مصر إلاّ كيف يستغلونها . أما الوطنيون ، فهم الخدم والبغايا وغيرهم ممن يحيون فى الهامش ، وينظر إليهم الكاتب بنفور ، وبعدم مبالاة فى الوقت نفسه ( الأهرام 16/7/1996 ) . ويضيف إبراهيم فتحى أن رباعية داريل " تموج بأنماط عجيبة من البشر لا تجد بينها وجهاً واحداً نتعاطف معه ، أو يعكس صورتنا الحقيقية . لقد كان داريل يصور الإسكندرية المستلقية فى حلمها الأزرق كأنها إحدى الزواحف القديمة ، يغمرها الضوء البرونزى الذى تلقيه البحيرة " ( إبراهيم فتحى : العالم الروائى عند نجيب محفوظ ـ 126 ) . لقد اختار داريل شخصياته كلها من جو الأقليات الوافدة إلى الإسكندرية : اليهود واليونان والإيطاليين والفرنسيين والأرمن والإنجليز وغيرهم ، ومع ذلك فإن اختياره اقتصر على فئة من الوافدين انغلقت على نفسها تماماً ، فهى تجد فى الإسكندرية مكاناً ، محل إقامة ، دون أن تحاول التفاعل معها كشعب أو كمدينة ( أفكار معاصرة ـ 242 ، 243 ) . وعموماً ، فإن داريل كتب عن الإسكندرية ، مستمداً من ثقافته لا من تجاربه ، ومن ثم فقد جعل الإسكندرية مدينة إغريقية أو متأغرقة !. إنها ـ على لسان كليا ـ تتراوح بين الوهم والحقيقة ، بين الواقع والصور الشعرية التى يثيرها اسمها بذاته فى الأعماق ( كليا ـ 11 )
***
والحق أنه من الصعب أن أجرى شخصياً مقارنة بين ما كتبته وما كتبه مبدعون آخرون ، لكن الذى أستطيع تأكيده أن الكتابة عن الإسكندرية ـ وبحرى تحديداً ـ حلمى القديم ، الجميل ، الذى يرافق محاولاتى الإبداعية منذ بداياتها . السؤال : لماذا ، لم أناقشه ـ بينى وبين نفسى ـ على الإطلاق . فقد كانت الكتابة عن حى الطفولة والنشأة والسمات المميزة والبيئة التى تختلف عن مثيلاتها فى أحياء الإسكندرية الأخرى .. كانت شيئاً أشبه بالقدر .. لكننى أملك ـ فيما أقدّر ـ طرح بعض الآراء التى تناولت رباعية داريل ، ثم أترك للقارئ ـ قارئ أجزاء الرباعية وقارئ هذا المقال ـ أن يتعرف إلى ما ينشده من أوجه الاتفاق والاختلاف ..
***
يقول الناقد الإنجليزى جلبرت فيلبس : " إن داريل يبذل قدراً كبيراً من الطاقة فى رباعية الإسكندرية ، لكنها أقرب تماماً إلى أن تكون طاقة ذهنية ، ناشئة من الذهن ، وموجهة إليه ، ولا يمكن مقارنتها بذلك التعاطف الخيالى العميق الواسع المدى الذى يميز القصة العظيمة فى أى عصر ، والقيم الإنسانية فى رواياته هزيلة ومهتزة ، فالروايات توهم بأنها تحلل الحب ، ولكن أين هذه الأمثلة للعلاقات الإنسانية التى يمكن وحدها أن تدعم الدعوى وتؤيدها ؟.. إن المهارة هنا مهارة ذهنية ، أو متعلقة بالسلوك الجنسى المطلق فى الحب . إنه جنس فى الرأس ان صح التعبير ( مجلة " نادى القصة " ـ نوفمبر 1970 ) .
قدم داريل الإسكندرية المدينة ، التى لا هى باليونانية ولا السورية ولا المصرية ، لكنها خليط ، شئ مشترك من كل هؤلاء ، بل إن بعض شخصياته الأجنبية ـ ومعظم شخصيات الرواية من الأجانب ! ـ كانوا يجدون فى فلسطين ملاذاً مرتقباً لليهود ، وللجاليات الأجنبية فى مصر " لو استطاع اليهود أن يكسبوا حريتهم ، فإننا جميعاً سنكون فى يسر وهناء . إنها أملنا الوحيد " ( ماونت أوليف ـ 251 ) . لكن مدينتى هى الإسكندرية السكندرية ، الإسكندرية المصرية التى ينتمى أهلها إليها بتعاقب الأجداد ، وبالميلاد والطفولة والنشأة وأفق المستقبل .
***
إذا كان البحر المتوسط صغيراً للغاية ، فإن عظمته وامتداد تاريخه ـ والقول للورانس داريل ـ يجعلاننا نتخيله أكبر مما هو عليه حقاً [ يلتازار ] . وقد تحققت العظمة وامتداد التاريخ على أيدى هؤلاء الذين يحيون على سواحل المتوسط ، والسكندريون ـ كما تعلم ـ يحيون على سواحل المتوسط ..
الإسكندرية البعيدة عن الأحياء الوطنية ـ فى رواية داريل ـ ليست مدينة مصرية ، لكنها مدينة متأغرقة ، هى ليست إسكندرية القرن العشرين ، ولكنها إسكندرية القرون الوسطى . فحين انهارت دولة الإسكندر المقدونى ، واقتسمها أتباعه ، ازدهرت عواصمهم الصغرى ، مثل إنطاكية وإسكندرية وغيرهما من مدن الشرق الأوسط القديم . وكانت هذه المدن تحاول أن تتمسك بطابع سادتها الإغريقى ، وتحاول أن تتمثل الثقافة الإغريقية وتعيد بعثها فى أثواب جديدة ومظهر جديد . وحين انتشرت المسيحية فى هذه المدن تصالحت المسيحية مع النزعة الإغريقية ، ومن ذلك كله ولدت نزعتان دافقتان قويتان ، كانت أولاهما عطاء مسيحياً فى أصله ، مختلطاً بالوثنية القديمة ، وذلك هو فلسفة الأفلاطونية الجديدة التى ابتدعها إغريقى سكندرى هو أفلوطين . وكانت ثانيتهما عطاء وثنياً فى جوهره ، محتكاً بالمسيحية الناشئة ، وهى النزعة الحسية المسرفة ، حين تتوزع بين صبوات الجسد ، ثم تتلذذ بعد ذلك بالندم على الخطيئة . ومن استشراف الأفلاطونية الجديدة وتصوفها وإيمانها بالروح ، ومن إيمان الوثنية القديمة بالحس والشهوة والخطيئة ولدت الروح الهلنستية أو المحاكاة للهيلينية ، والمتأغرقة أو المحاكية للإغريقية . ولأن داريل كان يكتب عن الإسكندرية مستمداً من ثقافته لا من تجاربه ، فقد جعلها مدينة هلنسنية أو متأغرقة .. الإسكندرية ـ فى تقدير لورنس ـ عاصمة أوروبا الآسيوية ، حيث تهيمن الفرنسية والإيطالية واليونانية على المشهد كله ، وكل شئ مصبوب فى قالب أوروبى ( مانت أوليف ـ 181 ) . بل إن جوستين تتشابه مع الإسكندرية فى أن لكل منهما نكهة قوية ، دون أن يكون لها شخصية حقيقية ( جوستين ـ 154 ) . ويصف داريل إسكندرية الحرب العالمية الثانية بأنها عاصمة أوروبا الآسيوية . إذا كانت القاهرة تصب حياتها كلها فى قالب مصرى ، حيث العربية هى لغة الجميع ، فإن الأحاديث فى الإسكندرية يهيمن عليها الفرنسية والإيطالية واليونانية " الجو المحيط هنا ، والسلوك الاجتماعى ، وكل شئ مختلف . إنه مصبوب فى قالب أوروبى ، حيث تعيش الإبل وأشجار النخيل وأهل البلد المتلفعون بالعباءات ، يعيشون فقط ، وعلى نحو ما ، كحاشية وضاءة ملونة ، كخلفية وضاءة ملونة ، كخلفية قماشية لحياة مقسّمة إلى أصولها المختلفة " ( مانت أوليف ـ 181) . إنها " خمسة أجناس ، وخمس لغات ، ودستة من المذاهب : خمسة أساطيل تدور بظلالها اللزجة عبر البحر خلف حاجز الميناء . إلاّ أن هناك ما يزيد على خمسة أجناس يبدو العنصر اليونانى الشعبى متميزاً فيما بينها " ( جوستين ـ 12 ) . ويقول : " إن عقل مصر هو مجتمعها الأجنبى " ( مانت أوليف ـ 130 ) . ويتحدث الراوى فى " كليا " عن نسيم الذى بدأ " المصريون " فى تجريده من ممتلكاته ، فانشغلت الإسكندرية كلها فى الدفاع عن عزيزها ( كليا ـ 142 ) ، ومن الواضح أنه عنى بكل الإسكندرية الوافدين إليها من أبناء الجاليات الأجنبية . وإذا كان اليهود ـ فى ثنايا الرواية ـ يتطلعون إلى أرض الميعاد ، فإن الأقباط يمثلون أقلية مستضعفة ومقهورة . الرواية تحفل بعبارات التكريس للعداء المختلق بين المسلمين والمسيحيين . والكاتب يرى أن الإسكندرية التى تبدو مسالمة فى ظاهرها ، لم تكن ـ فى الحقيقة ـ مكاناً مأموناً للمسيحيين " ( جوستين ـ 169 ) . يقول على لسان قبطى مصرى : " إننا الأخوة المسيحيين طابوركم ـ الأجانب ـ الخامس فى مصر " ( مانت أوليف ـ 143 ) . ويتحدث عن حركة سرية ينظمها الأقباط للاستيلاء على الحكم ، وتحرير البلاد من المسلمين ، تستعين فى ذلك بتسليح البدو ( مانت أوليف ـ 275 ) .
لقد عاش داريل فى الإسكندرية فعلاً لوقت قليل خلال الحرب العالمية الثانية حين كان يعمل فى المخابرات البريطانية ، ولكن هذه الحياة المعزولة بطبيعتها ، الضائعة فى صمت التكتم والتآمر لم تتح له الفرصة لمعرفة الإسكندرية بناسها الخلص ونبضها الصادق ، فقد كان كل من يراهم فلولاً من المتمصرين والأجانب والمغامرين والجواسيس المزدوجين ، وكل أولئك البشر حين ينتظم خيط فنى لا يصنعون إلاّ عملاً وثنياً مليئاً بالخطيئة والندم مثل رباعية الإسكندرية " ( مجلة " عالم القصة " ـ العدد الرابع ) . يضيف أحمد بهاء الدين ـ وأعتذر لأن سأنقل نصاً مطولاً ، لكنه مهم للغاية ـ أن داريل يرسم للإسكندرية صورة بنفسجية بديعة ، بكل ما فيها من تفصيلات وضواح وأسماء : محطة الرمل وشوارع سعد زغلول وصفية زغلول والسبع بنات والنبى دانيال وفندق سيسل ومطاعم المكس المطلة على البحر ورمال العجمى البيضاء ، ولكنه يرسم للمجتمع صورة تنزف بالصديد ، ويرسم للمهاجرين صورة تنزف بالصديد ، لا يكاد المرء يعثر فى رواية على شخصية فيها صراع بين القوة والضعف . كل البشر عنده تقريباً مشوهون من الداخل ، مستسلمون تماماً للضعف والنقائص بدون أية مقاومة أو صراع ، واستكمالاً لهذا الإحساس حشد الكاتب فى قصته عدداً لا مثيل له من ذوى العاهات : ليزا الجميلة الفاتنة عمياء ، وسميرة عذراء الإسكندرية بدون أنف ، نيروز شقيق نسيم مشقوق الشفتين ، نسيم نفسه يفقد إحدى عينيه خلال الغارات ، وتنتهى القصة وهو بعين واحدة ، و " كليا " الرسامة تنتهى القصة ويدها التى ترسم بها مصابة ( أفكار معاصرة ـ 248 ، 249 ) . وانطلاقاً من ذلك كله ، فإن أحمد بهاء الدين يعلن ثقته فى أن التاريخ الأدبى لن يضع داريل فى مصاف الأدباء العظام ، لأن كاتب القصة العظيم ـ فى تقدير بهاء ـ لابد أن تكون فيه صفة مهمة جداً ، وهى الإحساس بأنه يتعاطف مع الإنسانية الممثلة فى أبطال قصصه ، كلهم ، أو بعضهم . داريل لا يروى قصة الحياة ، لكنه يروى فضيحتها ، وهو يحاول أن يدس فى نفس القارئ إحساساً بالشماتة لا بالعطف ( المرجع السابق )
من ناحيتى ، فقد أدهشنى أن داريل جعل السيالة حياً للبغاء ، وهو حى له عاداته وتقاليده ومعتقداته الدينية . برر داريل ذلك الخطأ المعيب فى حوار مع صديقى فتحى الإبيارى بأنه اقتبس " الصورة " من حى كلوت بك القاهرى !.. وكانت ميليسا فى رباعية داريل مومساً محترفة ، فاضلة ، ولم تكن أنسية ـ كما تعرف ـ كذلك . لم تكن أنسية مومساً ، إنما هى فتاة مصرية عانت مأزقاً ، وأمضت الكثير من سنى عمرها فى محاولة اجتيازه ..
***
تبقى ملاحظة مهمة يجدر بى أن أشير إليها : إن رباعية بحرى تختلف عن رباعية داريل وميرامار نجيب محفوظ ورجل فتحى غانم الذى فقد ظله ، فى أن الفصول / اللوحات منفصلة ، متصلة ، وأن الرواية لا تتكرر عبر تعدد الأصوات ، فالصوت واحد سواء أكان الراوى العليم ، أو الراوى المشارك ، أو من خلال التداعى ، والمونولوج الداخلى . روايتى بوح الأسرار هى ما ينتسب ـ بالفعل ـ إلى تعدد الأصوات . الحادثة الواحدة يتعدد رواتها ، كل من وجهة نظره . لذلك فإنى أسمح لنفسى بأن أختلف مع صديقى الناقد شوقى بدر يوسف فى أن رباعية بحرى تحتفى بالشكل نفسه الذى سبق أن ظهرت عليه رباعية داريل ( الرافد ـ ديسمبر 2001 )
***
أصارحك أنى لم أفهم قول ا . م . فورستر إن السكندريين لم يكونوا أبداً مصريين حقيقيين ( الإسكندرية تاريخ ودليل ـ 48 ) . دعك من حكاية الموقع الفريد ، وغيرها من التعبيرات التى تحاول أن تنزع عن الإسكندرية صفتها الوطنية [ لا يخلو من دلالة وصف ا . م . فورستر الرياح الشمالية الباردة بأنها القديس ـ الولى ـ الحقيقى الحارس للإسكندرية ] . وبالتأكيد فإن أهل الإسكندرية ـ أو غالبيتهم ـ ليسوا امتداداً خالصاً لأبناء الإسكندرية القديمة . ثمة القادمون من الصعيد ومدن الدلتا . ومع اعتزازى بسكندريتى ، وأنها كانت هى بداية تعرفى إلى كلمة وطن ، فإنه من الصعب أن أهمل انتماء أبى إلى عائلة من بركة غطاس بأبو حمص ، ومولد أمى فى دمنهور . وأذكر قول صياد حلقة السمك فى ثقة ، إن السكندرى الحقيقى أصله من رشيد . لا يخلو التعبير ـ بالطبع ـ من مبالغة ، لكن المعنى الذى يهمنى إظهاره أن الكوزموباليتينية التى كانت لإسكندرية ما قبل الحرب العالمية الثانية ، وربما إلى حرب 1956 ، قد انتهت إلى أهلها الوطنيين [ أذكرك بروايتى الشاطئ الآخر ] . وأعداد كبيرة منهم ليست من مواليد المدينة ، أو أن آباءهم ليسوا كذلك . الإسكندرية تكوين فى الجغرافية المصرية ، قطعة من الزمكانية المصرية . المواطن السكندرى هو ابن راقودة وفاروس والصعيد والدلتا والبحر والبادية . هو تلاقى ذلك كله ، واختلاط ذلك كله . قال داريل إن الإسكندرية لن تتغير أبداً طالما استمرت الأجناس تموج هنا كالخمر فى دن من الدنان ( كليا ـ 77 ) . وقد تغيرت الإسكندرية . نزحت الأجناس التى كانت تموج فيها ، ولم يعد إلا أهلها
بالتأكيد فإنى أنتمى إلى موطنى الإسكندرية ، وإلى وطنى مصر ، وإلى قوميتى فى امتداد الأقطار العربية بهمومها ومشكلاتها وتطلعاتها ، وإلى انتمائى إلى المجتمع الإنسانى فى إطلاقه . ولعل فورستر يدحض رأيه الغريب فى تأكيده ـ هو نفسه ـ بأن الأجانب لم يختلطوا بأبناء الإسكندرية الأصليين إلا نادراً ! ( الإسكندرية تاريخ ودليل ـ ت . حسن بيومى ـ المجلس الأعلى للثقافة )
***
البحر عندى امتداد لليابسة ، وبالتحديد هو امتداد لبحرى الصيادين والحلقة والبحارة وعمال الميناء والجوامع وأضرحة الأولياء والمقاهى وحكايات الموروث الشعبى . البحر امتداد للبيئة الساحلية ، للأنشطة التى تعتمد على ركوب البحر والصيد . فضلاً عن رائحة الملح واليود والطحالب والأعشاب . الرائحة التى لا تخطئها أنفى حين أقترب من بحرى . تبدو كأصوات هامسة فى الميناء الشرقية ، ثم تعلو الأصوات ، وتتضوع الرائحة فى الاقتراب من امتداد الطريق إلى معهد الأحياء المائية وقلعة قايتباى ، وانحناءة الطريق إلى الأنفوشى ..
مفردات البحر هى : الأمواج ، الرمال ، الأسماك ، الطيور ، الصخور ، الطحالب ، الأعشاب ، السماء ، الشمس ، القمر ، النجوم ، الأفق ، السفن ، الصيادون ، البحارة ، عمال الميناء ، الموانى ، البواغيز ، الفنارات ، الحاويات ، الأوناش ..
البحر مكان وزمان وأحداث وموروث وواقع يومى ودلالات . إنه الرزق والمغامرة والحرية والآفاق اللامتناهية والجمال والخوف والجو المتمايز ، المعتدل ، والنافذة التى تطل على العالم . تناقضاته هى تناقضات الحياة نفسها ..
البحر فى أعمالى كيان ، شخصية ، محور ، مكان ، سيد ، يهب تأثيراته فى البيئة من حوله ، ويحرك الأحداث ..
البحر عندى هو الموطن ، هو بحرى ، والطفولة ، والنشأة ، والذكريات الملتصقة بلحم جسدى ..
أتذكر قول فورستر ـ تانى ! ـ " إن الطريقة المثلى لرؤية الإسكندرية هى أن تتجول فيها فى هدوء ، وبلا هدف " . أواصل السير ـ الآن ـ فى شوارع بحرى وميادينه وحواريه وأزقته . أتأمل البيوت والدكاكين والجوامع والزوايا والمقامات والأضرحة والمقاهى والأسواق والساحات . كل ما انطبع فى ذاكرتى وألفت رؤيته تغير . اختلط بما لم يكن موجوداً ، أو اختفى .
***
أتمنى أن أظل أكتب ، وأكتب، بينما نظراتي تتجه إلى البحر.
" محمد جبريل "
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 10:40 AM
«زهرة الصباح»: البحث عن الأمل.. والحلم بالنجاة
د. حلمي محمد القاعود
...............................
1. تمهيد
يعد محمد جبريل (المولود عام1938) من أغزر الروائيين المعاصرين إنتاجاً، وخاصة فى السنوات الأخيرة، حيث قدّم للمكتبة العربيى عدداً من الروايات والمجموعات القصصية والدراسات الأدبية، منها: "إمام آخر الزمان" 1984، "من أوراق أبى الطيب المتنبى" 1988، "قاضى البهار ينزل البحر" 1989، "قلعة الجبل" 1991، "الخليج" 1993، "إعترافات سيد القرية" و "السحار" و "رحلة إلى السيرة النبوية" و "آبات الستينان" و "زهرة الصباح" 1995، وقد انتهى مؤخراً من كتابه رباعية روائية عن منطقة رأس التين فى الإسكندرية،حيث ولد وعاش طفولته وصباه، ولعلة أراد أن يقابل رباعية الإسكندرية التى كتبها "لورانس داريل" قبل عده عقود من السنين، ولكن من خلال منظورة المصرى العربى الإسلامى الذى يظهر فيه دور مساجد "أبى العباس المرسى" و "البوصيرى" و "ياقوت العرش"، وغيرها من معالم المنطقة وآثارها.
وقد تخصّص جبريل، فى رواياته الأخيرة تقريباً فى استدعاء التاريخ، ليقدّم من خلاله قضايا معاصرة تصعب معالجتها مباشرة فى بض الأحيان، وخاصّةً ما يتعلق بالقيم الراسخة التى صارت غاية مشتركة تنشدها البشرية عامة، والعرب والمسلمون على وجه الخصوص، مثل الحرية والعدل والمساواة والشورى والكرامة والإنسانية وتوسّل إلى ذلك بالتاريخ الإسلامى والتاريخ الفرعونى والتاريخ الحديث، ثم استفاد فى روايته الجديدة "زهرة الصباح" بمعطيات "ألف ليلة وليلة" والتراث الشعبى الأسطورى فى إطار التاريخ المملوكى بمصر، ليناقش العديد من القضايا الكبرى.
ولا ريب أن الإطار التاريخى يستدعى مهارة فائقة فى الوعى بلغة الحقبة موضوع المعالجة الروائية، سواء على مستوى المعجم، أو مستوى المفردات الاجتماعية والإنسانية، أو القيم السائدة والعادات والتقاليد التى كان يعيش بها المجتمع آنئذ، ليتحقّق الإحكامُ الروائىّ، أو الصياغة الفنية الجيدة، وقد حقق محمد جبريل كثيراً من هذه المهارة فى روايتيه: "من أورا أبى الطيب المتنبى" و "قلعة الجبل".
وقد سبق جبريل نجيب محفوظ فى استعاره إطار "ألف ليلة وليلة" وشخوصها فى رواية له تحمل عنوان " ليالى ألف ليلة" ولكنة آثر استخدام لغته العصرية المألوفة التى يكتب بها رواياته، وركز على بعض القضايا من خلال مفاهيمه وبنائه الروائى الخاص، أما "زهرة الصباح" فتدخل فى إطار "ألف ليلة وليلة" بشكله الموروث، وتتقنع به بصورة شبه كاملة، لتنقل القارئ إلى عصر قديم، له نكهته الخاصة، ومذاقه المتميز.
2. المرأة المتسلحة بالمعرفة
تعالج رواية "زهرة الصباح" قضايا الصراع بين الحق والباطل، والشجاعة والخوف، والعدل والظلم، والتمرد والقمع، والإصلاح والإفساد، وتحاول أن تقد الدواء الشافى لهذا الصراع الذى يذهب ضحيته كثير من الناس قهراً وغدراً وانتقاماً، ومن خلال الحكاية المشهورة بين شهريار وشهرزاد تتّضح معالم هذا الصراع وأبعاده، سواء ما يتق شهريار وأسلوبه وتفكيره، أو تفكير الناس من خلال شهزاد وأبيها وزهرة الصباح وأبيها، وطوائف الشعب وطبقاته المختلفة.
"شهريار" مولَعّ بقتل الفتيات اللاتى يتزوجهن بعد ليلة الدُّخول بهنّ، ويقف طابور طويل من الفتيات فى انتظار مصيرهن، من بينهن "زهرة الصباح" ابنه "عبد الملك المتبولى" كاتب سرّ الدولة، ولكن شهرزاد تحكى للملك حكاية متتابة على مدى الليالى الألف، فتغير من طبيعته القاسية، وبتحول إلى الأستقامة والعدل، وما بين قسوة شهريار واستقامته، يعيش الناس بلاءً عظيماً، وقهراً لا حدّ له، ويصاحب ذلك خراب وعنف ودم وجاسوسية ووحشية وفساد وشذوذ وتشهير، وفى ظلّ هذا الوضع تحدث أحياناً بعض محاولات المقاومة والرفض، ولكنها تقابل بوحشيو وانتقام شديدين، حتى ترسخ الخوف فى النفوس، وصار الخوف فى ذاته عنصر قهرٍ داخلى يمارس سطوته على الناس كباراً وصغاراً، حتى شهريار نفسه لحق به الخوف أيضاً، وها هو ذا يقول لشهرزاد: "أيه السعادة" وأنا لا أطمئن إلى الرقاد فى قصرى؟!"، ومع ذلك بقى الحلم بالعدل قائماً فى الصدور والنفوس، وفى الخطب والمواعظ، وظلّ الناس يتساءلون عن الفارس المنقذ الذى يتحدى الخوف ويحقق الأمل الموعود أو المنتظر، وفى الوقت ذاته هناك لجوء إلى الله واستجارة به ليرفع البلاء ويكشف الغمّة، " واجتمع الفقهاء والوجهاء وعامة الناس فى الجامع الأزهر، يتضرعون إلى الله أن يكشف الغمّة، عَلَت دعوات الناس إلى الله بأن يكشف الغمّة.."
وقد انكشفت الغمة بفضل الله، ثم بفضل شهرزاد تلك الفتاة التى تشير إلى دلالتين أراد الكاتب فيما يبدو أن يوصّلهما إلى القارئ:
الأولى قيمة الثقافة والعلم والمعرفة فى تغيير الطبيعة البشرية وتحويلها من خانة الشر إلى دائرة الخير الرحيبة، فلولا ثقافة شهرزاد ووعيها العلمى والفكرى وحسن استخدامها للأفكار والقصص التى تحمل هذه الأفكار، ما استطاعت أن تغير شهريار وتحوله من حال إلى حال، وقد حرصت زهرة الصباح، أو حرص أبوها على تلقينها الثقافة والعلوم المتاحة فى ذلك الحين، بالإضافة إلى القصص والحكاات التى جمها من الرواة والكتب، كى تتسلح بها عندما يأتى عليها الدور بعد شهرزاد.
الدلالة الثانية فى تركيز الرواية على دور المرأة فى التغيير الإيجابى والفعال، ففى الوقت الذى تقع فيه رؤوس الكثير من الرجال عند محاولتهم للتغيير، فأن المرأة تحقق ما يعجز عنه كثير منهم، ولذا تستدعى الرواية عدداً من مشاهير النساء فى التاريخ للتذكير بقدرات المرأة وطاقاتها، مثل "تودد" الجارية التى همت العلماء بعد مناظرتها لهم، و "البدوية" التى آثرت زوجها على أحد الخلفاء، و "صفية" بنت ملك القسطنطينية، و"إبريزة" بنت نلك قيسارية، و "نزهة الزمان" بنت صفية وعمر النعمان، وغيرهنّ، ثم إن شهرزاد نفسها تمثل المرأة التى هزمت شهريار.
ومع تقدير الرواية لدور المرأة فى التغيير، فإنها لا تُلغى دور المجتمع تُعدّ المرأة جزءاً أساسياً فيه تشارك فى حركته، وتسعى لتحريرة ورفع الظلم عنه، وهو ما نرته عبر سطور الرواية.
3. "التوازى" مع حكايات "ألف ليلة وليلة".
يقوم بناء الرواية على فصول تحمل أرقام الليالى الألف، وما بعدها، ليست هذه الأرقام فى تسلسل الليالى الموروثة، وإنما تأخذ أرقام بعض الليالى وتترك بعضها الآخر، بل إنها تبدأ بالليلة الثانية قبل الليلة الأولى، ويشير الكاتب إلى أن ذلك بسبب اعتبارات الحكى، تُرى هل أراد الكاتب أن يزيد من أقتناعنا بالإطار التاريخى الذى يكتب من خلاله؟ أم ماذا؟ فى الحقيقة فإنى لم أر مسوّغاً ضرورياً للتقديم أو التأخير.
يقوم الراوى فى "زهرة الصباح" بدور مهم جداً، حيث يتولى تقديم الأحداث والأشخاص، ويقطع سردَهُ فى العديد من المواضع أو الفصول حديث الشخصيات نفسها من خلال الاسترجاع أو المونولوج، ولكن الراوى يبدو هو المهيمن الأول على البناء الروائى، والمتحكم فى مسارة بصورةٍ تقيه من الترهل والفضلات الزائدة على الحاجة، ومن هنا رأينا فصولاً تطول، وأخرى تقصر حتى تحتوى على فصل واحد فقط، وثالثة تحمل تضميناً فقط، لقصةٍ شعبية أو موّالٍ أو حدثٍ من الأحداث الروائية.
وتبدأ الأحداث بالعقدة الروائية فى تشابهٍ واضح م الراية القديمة "ألف ليلة وليلة"، حيث يتم إعدام البنات بالتتابع، كل بنتٍ فى ليلة، حتى تأتى شهرزاد وتوقف عمليات الإعدام انتظاراً للفراغ من قصّ حكاياتها المتداخلة والمتنوعة، "يأتى الصباح بنبأ إعدام فتاة جديدة" ولكن الجديد هنا، أن الناس يتألّمون لأنهم لأنهم يساعدون فيما يحدث ويباركونه.
هناك أيضاً تشابه آخر فى اعتماد البناء الروائى على الحكايات الداخلية الكثير، تقوم شهرزاد بروايتها، أو يحكى أشخاص أخرون، وتتنوع هذه الحكايات ما بين موروث أسطورى أو شعبى أو من حكايا "ألف ليلة وليلة" نفسها، مع دلالاتٍ معاصرة بالطبع، وبعض هذه الحكايات يتيح فرصة التمدّد الروائى فى أكثر من أتجاه، وخاصة تلك الحكايات الأسطورية التى تعتمد على الحيلة السحرية مثل الاستعانه بالخاتم المسحور.
يبدو أن البناء الروائى بصفةٍ عامة يحرص على صفة التوازى فى أبعادٍ شتى، وذلك لإبراز المفارقة السلوكية أو الفكرية، فعلى سبيل المثال يتوازى سلوك المتبولى (الحانق على شهريار، بسبب ابنته التى سيأتى عليها الدور فى الإعدام) مع سلوك شهريار نفسه، وخاصّةً بعد أن آلت له الأمور كلّها تقريباً منذ انشغال شهريار بشهرزاد، وعلى سبيل المثال أيضاً، يتوازى الواقع الروائى مع الحكايات التى ترويها شهرزاد، ففى الوقت الذى يشعر شهريار بأن بعض مساعدية ينوى الغدر به تقصّ شهرزاد حكايةً مماثلة هى "الحمّال والبنات" على أن التوازى بالقصص الشعبى من الواقع الروائى يبدو مهيمناً على بناء الرواية، كما يبدو أكثر تأثيراً فى الدلالة، وذلك لارتباطه بالوجدان الشعبى العام، ومن ذلك أيضاً ما تواجهه "زهرة الصباح" عند زواجها السرّى وتَوازيه مع قصة خضرة الشريفة، أسرها وعذابها فى ديار الأعداء، ثم تحريرها على أيدى الدراويش.
ولا ريب أن هذا التوازى فى البناء الروائى، قد ساعدت علية الحكايات الداخلية الكثيرة، وهو بدوره أسهم فى كسر رتابة السرد، وتخليصة من الترهل، كما أضاف إلية حيوية وتنوعاً ملحوظين، وإنْ تسبّب فى إصابته بتضخّم ملحوظ فى عدد الشخوص أو أسمائها، فقد كثرت أسماء الشخوص كثرةً ملحوظة أدت فى بعض المواقع الروائية، إلى ما يشبه الإرباك للقارئ فى تتبعه للشخوص الرئيسية.
لقد خضع انسياب الأحداث وحركة الشخوص إلى وعى هندسى حاد، مما أخضعها جميعاً للنهايات التى أرادها الكاتب، وأرادتها "ألف ليلة وليلة" ـ النصّ المستدعى ـ فقد انتصرت شهرزاد على شهريار، الذى تحول من وحش يعشق الانتقام ولا يبالى فى سبيل ذلك، إلى رجل وديع مسالم يعشق العدل، ويغدق على الجميع ويعطف عليهم، وبذا نجت "زهرة الصباح"، وإن كان والدها، قد تحول إلى زاهد يعيش أيامه الأخيرة فى خانقاه شيخو، ويقنع بما يأكل طَلَبَتُها من طعام وخبز وحلوى، وكان يوزع ما يتبقى من طعامه علىهؤلاء الطلاب، وقد أقنعه زوج ابنته بالعودة إلى القصر، ولكنه عاد مذهولاً، فاستحق الشفقة والرثاء والبكاء.
النهاية المهمّة فى الرواية هى الحلم، الذى يحلم به شهريار لإقامة مجتمع يسودة العدل وألمن والنظام والمساواة،وقد استدعى الكاتب نهايةً موازية لها، وهى اعتراف قبيلة "عَبْس" بأبنها الذى أستعبد طويلاً وهو "عنترة بن شداد"
على كلّ، فإن النهاية ـ كما صرحت ـ تهدف إلى أن يعود الناس إلى ممارسة حياتهم الطبيعية فى أمنٍ وسلام وطمأنينة، دون خوفٍ أو قهر أو رعب.
4. بيئة حافلة وزمان متدفق
تستدعى الرواية بيئةً مكانية وزمانية مطابقةً للمرحلة التاريخية، وهى المرحلة المملوكية فى مصر، وهو بيئة مختلف إلى حد ما للبيئة فى "ألف ليلة وليلة" حيث يتسع فيها المكان والزمان جميعاً.. أما "زهرة الصباح" فقد تحركت على رقعةٍ وادى النيل، ومدينة القاهرة تحديداً، فى أواخر العصر المملوكى، ولهذة المرحلة طابعها وملامحها، فقد شهدت الكثير من الصراعات والأحداث على أكثر من مستوى، وفى الوقت ذاته عَرفت تقاليدَ متنوّعة وطريفة فى شتى المناسبات، ومن ثم يمكن القول، إن البيئة المملوكية فى آواخر زمانها بيئة حافلة وحية، وتتيح للعمل الروائى فرصة العرض الحىّ الشائق الذى يَحُضُّ على المتابعة، ويير لدى المتلقى رغبة الاكتشاف.
تحفل الرواية بوصف الأماكن والطرقات والمعالم، التى تتميز بها القاهرة، أو مصر فى ذلك الزمان، وما أكثر الحديث عن القصور والبيوت والمساكن والمساجد والدواوين، ديوان الجيش وقاعة الإنشاء، ودار الوزارة وبيت المال والزردخانة، وديوان البريد، ودور كبار الأمراء، والقصر الأبلق، وقاعات البيسرية والدهيشة والبحرة، وألسواق والحدائق وغيرها، وإن كانت القلعة، بأبهائها وحجراتها وطوابقها ومداخلها وحراسها وسكانها، هى المكان الأبرز فى البيئة الروائية المكانية، حيث كان يعيش شهريار، يلفة عالم من الغموض والألغاز والأسرار، وخاصة ما يتعلق بمصير الفتيات اللائى يلقَيْن حتفهنّ، والسجناء والمذنبين الذين يواجهون الإعدام.
القلعة تبدو سجناً لشهريار، لا يخرج منه إلا نادراً فى المناسبات، ويَرهبه الجميع ولا يقترب مه إلا رجلان: ضائع أو مضيَّع، وتدور معظم الأحداث فى القلعة وما تضمّة من قصور وبيوت، أما بقيها فتجرى فى الشوارع والأسواق والميادين (حيث يجلس الرواة والحكاؤون) والمساجد.. وقد دخلت المقابر إلى المجال عندما تم التضييق على الرواة ومراقبة ما يقولون.
وتبدو البيئة القاهرية فى ذلك الزمان أقرب إلى البيئة التجارية فى عمومها، وإن كانت تضم أصحاب المهن والحرف المتواضعة، وهذه البيئة هى التى تنبت فيها الشخصيات الإيجابية بحكم أنها ألقرب إلى التأثر بما يقوله شهريار ويسلكه، حيث تنعكس عليها قراراته قبل أن تنعكس على غيرهم، فهى على كل حال تمثل ما يعرف الآن بالطبقة الوسطى التى تُعد عماد المجتمع وأساسه الفعال، ,على جانب ذلك فهى عنصر رئيسى من ناصر الصراع الروائى تدفعة إلى الذروة، وتتحكم فى نهاياته.
أما الزمن الروائى فى "زهرة الصباح" فيبدو متدفّقاً أفقياً فى تتابع مسلسل، ولكنه يعود إلى الوراء فى أحيان كثيرة ويتجاوز الفترة الزمنية الروائية التى تمتد إلى ما بعد "ألف ليلة وليلة"، وذلك عن طريق الراوى أو الاسترجاع، فالراوى يملك قدرة واسعة على عبور المكان والزمان من خلال الحكايات الشعبية والتاريخية والأسطورية العديدة، فيمكنه مثلاً أن يعود مئات السنين ليتحدث عن الهلالية والزناتى وسيف بن يزن، وعنترة وكليب، وبذا ينفسح الزمان وتتّضح آفاق جديدة، ورؤًى مختلفة تعطى للزمن الحقيقى طماً متميزاً، وتكسر رتابة السرد الروائى، خاصة وأن الحكايات تأتى ـ كما سبق القول ـ لتوازى الأحداث الروائية فى السرد، ولنتأمل مثلاً، مايقوله الروائى فى بداية الليلة الخامسة بعد التسعمئة :
قال الراوى عن الصحصاح بن جندية، فى سيرة "ذات الهمّة" :
ـ لو عاش فى عصر عنترة، لجعله من رجاله، ولغدا عنترة بن شداد من غلمانه..
وقالت زهرة الصباح للجارية نسيم :
ـ ماذا لو بدَّلتِ اسمك إلى عُنيترة؟
قالت نسيم:
ـ وأنى لى أن أصل إلى عُنيترة! لقد قادت أخوتها بعد وفاة أبيها!
استطردت فى دلال
ـ أليس "نسيم" أجمل وأرقّ؟
قال زهرة الصباح:
ـ لكن عُنيترة صارت ـ بعد إسلامها ـ واحدة من المسلمين الغزاة الأوائل!
ويقوم الاسترجاع بالعودة إلى تاريخ الشخوص وسيرتهم الذاتية، أو إلقاء الضوء على الأحداث الروائية، كما نرى فى سيرة "عبد الملك المتبولى" وهو يقارن بين ما انتهى إليه من مكانةٍ وجاه عند شهريار، وكيف بدأت حياته منذ زمان بعيد:
"الرحلة طويلة، منذ أن أنهى حفظ القرآن فى الكتاب، وجلس إلى إمام المغاربة فى عموده بالجامع الأزهر، ثلاث سنوات وأربعة أشهر، أفادته حياة المجاورين، اختلاف المشارب والاتجاهات، والمناطق التى قدموا منها، دلّ على متأمرين فى طائفة البهرة، جعلوا من جامع الأقمر وكراً لنسج مؤامراتهم، بلغ شهريار ما له، فطلب استدعاءه، أدناه منه، وسأله عن اسمه وبلدته وأحواله، خلع عليه، وأمر بإلحاقة فى طباق القلعة"
ثمة ملمح آخر فى الزمن الروائى فى "زهرة الصباح" هو انتماء اللغة إلى زمن الرواية الأصلى، فى العصر المملوكى، وكثيراً ما نجد معجم هذا العصر حاضراً فى عملية القصّ والوصف، بحيث يتشكل أمامنا العصر القديم بملامحه وأحداثه، ولنتأمل هذه العبارة مثلاً:
"قضت زهرة الصباح وأمهّا اليوم كلّه عند جدتها فى المغربلين، جرى فى القصر تطويش خمسة من العبيد السود، ليقوموا بحراسة حريم القصر، وخِدْمتهنّ، مع أنّ التطويش كان يجرى فى مداراةٍ داخل السراديب السفليّة،فإنّ عبد الملك المتبولى كان يشدَّ على الأم والابنة فتغادران القصر" .
و "التطويش" يعنى إخصاء الذكور بما يجعلهم غير قادرين على ممارسة الحياة الجنسية، مما يؤهلهم إلى خدمة النساء فى قصور السادة والحكام دون خوفٍ عليهنّ، وكان التطويش سائداً فى الفترة المملوكية وما بعدها، حتى انتهى بإلغاء الرق فى القرن الماضى تقريباً.
يمكن القول: إنّ لغة الرواية لغة تاريخيّة أو زمنيّة، تنتمى إلى التاريخ، وإن كتبت بصياغة العصر، وبذا يحقق الكاتب تناغماً ملحوظاً بين الأحداث والبيئة واللغة جميعاً فى إطاؤ تاريخىّ يتحدث عن عصرنا بصورةٍ ما.
4. ابطال الرواية.. والتغيير.
تحفل "زهرة الصباح" بكثيرٍ من الأشخاص، لدرجة يصعب معها تحديد الشخصية الرئيسية التى يمكن أن نتوقف عندها، فلا شهريار، ولا شهرزاد، ولا دنيا زاد، ولا عبد الملك المتبولى، ولا ابنته زهرة الصباح، ولا غيرهم، يمكن أن ينفصل فى دورة عن الآخر، وخاصّةً أن بعضَهم الواقعىَّ يقوم بدور موازى لبعضهم التاريخى (أو المستدعى تاريخياً) أيضاً فإنّ أرباب الحرف والمهن والتجار يقومون بدور رئيسى فى أحداث الرواية، وكأن الكاتب جعل منهم شخصية قائمة بذاتها فى مواجهة شهريار، وسكان القلعة، كذلك فإن هنالك نوعية أخرى من الشخصيات مجهولة الأسم والملامح تقوم بدور الرواة الذين يقصّون الحكايات الشعبية على العامة، فى صورة موازية لأحداث الرواية الواقعية، وهؤلاء يمثلون نوعاً من المقاومة يزعج شهريار وأتباعه، لأن قصصهم تشير إلى ما يجرى فى القلعة وتُعلَّق عليه، ولعل الرواية أرادت أن ترمز بهم إلى نوع من المثقفين يختلف عن عبد الملك المتبولى مساعد شهريار، ويملك فى الوقت نفسة القدرة على العمل الإيجابى مهما كان الحصار شديداً والمقاومة دائمة، أمّا من يفتقر إلى الفعل الإيجابى أو الصدق فيما يقول، فإن الناس ينفضون من حوله بل ينقضون عليه، وهو ما حدث عندما خاض الراوى فى حارة الجودرية، فيما لا صلة له بقصص العرب، وحكايات الأيام الغابرة، وأخترع حكايات أخرى تخدم المتبولى وأعوانه.
ومع ذلك، فإن الكاتب قد أعتنى ببعض الشخصيات على وجه خاص، ورسمها بصورة معينة لتمثل حالةً ما، أو نموذجاً ما، يشارك فى الآداء الروائى المشترك.
أول هذه الشخصيات بالطبع "شهريار" وقد جعلته الرواية شخصية متحولة، حيّة، نطالع أعماقها، ونقرأ أفكارها، ونشاهد عملية تغيّرها على يد شهرزاد، من إنسان قاسٍ متوحشاً، يجد لذة فى اإنتقام ومتعة فى القتل، إلى شخصية أخرى تسعى إلى العدل وأحترام آدمية الإنسان والحفاظ على كرامتهم.
وفى البداية تطرح الرواية أسباب شهوة "شهريار" للانتقام وقسوته فى معاملة الناس، فتخبرنا أن الخيانة الزوجية كانت سبب كرهه للمرأة، وانتقامه من النساء، وقتله لكل فتاة بعد أن يدخل بها، ويبدو حين يطلب عروس اليوم التالى إنساناً آخر غير الذى كان أمس، إنّ شهريار يبدو شخصية مزدوجة، وخاصةً حين يجتمع إلى شهرزاد ويستمع إلى قصصها فينسى وحشيته، ويتحول إلى إنسان رقيق، وكأنه لم يأمر بالقتل أبداً! بل أنه إنسان محب للثقافة والمعرفة، ولعل حبه هذا اتضح بعد تأثير شهرزاد عليه، فقد أمر بإعادة تأسيس مكتبة لقصر، وتزويدها بما تحتاجه من الكتب بعد أن عانت طويلاً من الإهمال ونهب الخدم والحراس معظم ما فيها، وخصص المكافآت لمن يزوّد بما فى حوزته من نفائس المخطوطات وكتب القدامى والمحدثين،وعين للمكتبة خُزّاناً وخَدماً وفراشين، ووفر ما يحتاج إليه النساخ والمطالعون من الأقلام والمحابر والورق، وأمر النساخ أن يكتبوا بعض المؤلفات القيمة بماء الذهب، وغير ذلك من مظاهر العناية بالمكتبة ورعاية القراء والاهتمام بالعلماء والأدباء والشعراء..
تصور الرواية شهرذاد وقد غيرت شهريار حتى زهد فى الدنيا، وندم على ما فرط فى قتل النساء والبنات، وتوبته إلى الله عن ممارسة الظلم، مما حداها على أن تُعلَّ على حديث له بأنّ طبيعته تختلف عما يظهره، ثمَّ تظفر شهرزاد بالعفو والحياه، لأنه رآها عفيفةً نقيّة، ومن أجل أن ترعى أولادها الثلاثة.
وبدأ شهريار مرحلة تغييرٍ شاملة فى أرجاء الدولة، فغاب الخوف بعد أن غابت اليد الباطشة، وسادت العدالة والمساواة والرحمة لدرجةٍ أدهشت الناس، حيث نظروا فى البداية إلى الأمر بشئ من الريبة، ثم أطمأنوا بتوالى الأحكام الصائبة فى حكمه، وأيقنوا أن الله أذهب ما فى نفسه من مشاعر غاضبة، وشفى صدره.
لقد حققت الرواية، من خلال تغيُّر شهريار بالثقافة والفكر، صورة الحاكم/ الحلم، والإنسان/ المثال، بدلآً من أت تجعله عرضةً للعقاب على يد المظلومين الذين أوذوا، وصبوا طويلاً على القهر والكيد، وكأنها تطرح حلاً لما يعانيه الناس يتمثل فى تثقيف المسؤول وملء رأسه بالمعرفة حتى يعود إلى جادة الصواب، وإن كان هذا الحل ليس ناجحاً دائماً، فكثيراً من الطغاة كانوا من المثقفين الأذكياء، ولم تمنعهم الثقافة أو الذكاء من التوحّش وقهر العباد.
أمّا "شهرزاد" فهر رمز المرأة المثقفة الجسور، التى تواجه الخطر بصبر وإيمان، رباها أبوها الوزير "رندان" أحسن تربيّة، وعلّمها وثقّفها، فاستفادت بكل هذا فى ترويض شهريار وتحويله عن الطغيان والقتل، وكشفت عن مشاعره الإنسانية الطيبة، وأحبته، وأنجبت منه، وافتدت أختيها "دنيا زاد" و"زهرة الصباح" وبقية بنات جنسها، ومثلت "الفتاة القدوة" للأخريات وخاصةً "زهرة الصباح" التى راح أبوها يلقنها ما يصل إلى سمعه من معلومات وحكايات حتى تتسلح بها فى مواجهة شهريار حين يأتى الدور عليها.
لقد تطابقت صورة شهرزاد فى الرواية مع صورة شهرزاد فى "ألف ليلة وليلة" ولكنها هنا تحولت إلى رمز أكبر، بحكم موقعها الصعب المتأزّم الذى يجعلها بين الحياة والموت، يطلع الصباح كل يوم ويتوقع الناس أنها قتلت بيد شهريار، ولكنهم يكتشفون أنها مازالت على قيد الحياة، حتى انتصرت فى النهاية، وكأن الرواية تبشر بانتصار الشعوب وعودة السلام إلى جنباتها، وفى الوقت نفسه تؤكّد على قدرة المرأة المثقّفة فى وقت التدهور والمأساة، "من كان يتصوّر أن الحدّوتة وحدها هى التى أفلحت فى وقف مسلسل الإعدام؟! " .
وتبدو "زهرة الصباح" فى الرواية ظلاًّ واقعياً لـ "شهرزاد" أو موازياً واقعياً لها، فهى تقتفى خطاها، فى العلم والمعرفة والثقافة، وتعيش محنتها حين تنتظر دورها، بعد أن يقضى شهريار عليها، فتقوم بقصّ الحكايات عليه أملاً فى أن تطيل عمرها بعض الوقت أو تَفْلِت من مصيرها المؤلم، لذا تتحلّى بقدر من الشجاعة وحبّ الحياة فى قلب المحنة، وتوافق على الزواج سرّاً من الشابّ التاجر "سعد الداخلى"، ابن التاجر "الداخلى الملوانى" وهو من التجار المرموقين الذين حققوا أموالاً كثيرة وأقتنوا الدوابّ والأراضى فى الريف، ويحرص دائماً على أن يرعى الله فى كل أعماله والتمسك بأحكام الدين، ويبتعد عن أهل الخلاعة والفسوق، ومن أجل "زهرة الصباح" قَبِلَ أن يكون مجرّدَ خادم فى قصر المتولى والدها، حتى لا يكتشف أمره، وتعيش معه "زهرة الصباح" حياةً يظلَّها الخوفُ وعدم الأمان، وكأنها تحتمى بالزواج ممّا تتوقعه وتراه! بيد أن نجاح شهرزاد فى تغيير شهريار، يحقق لها أمان كما حققه لبنات جنسها وأبناء جنسها جميعاً.
وكما بدت "زهرة الصباح ظلاً موازياً لشهرزاد، فإنّ عبد الملك المتبولى والدها، يبدو كذلك ظلاً موازياً لشهريار مع الفارق بين الرجلين، فإذا كان شهريار يهوى الزواج بالفتيات ثمّ يقتلهنّ، فإن المتبولى يحب ابنته ويحرص بكل السبل على أن تبقى حيّةً ولا تتعرّض لمصير الأخريات، ويجمع الرجلين، بعدئذ وقبله، التصرف بقسوةٍ ووحشية وقمع العباد، وإن استطاعت شهرزاد أن تغيّرهما بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة، فينتهى الأول إلى إقامة العدل، ويتحول الثانى إلى زاهد فى الدنيا مذهول كأنه نسى نفسه والناس!
ومع تضخّم الرواية بالشخصيّات، خاصّةً الجوارى والعبيد والضحايا، فإن هناك بعض الشخصيات الثانوية المهمة، لأنها تقوم بالتوصيل أو التواصل بين الشخصيات الرئيسية، وتلقى الضوء على سلوكها وفكرها، وخاصّةً فى الأماكن المغلقة أو المستعصية على العامّة،وأولها "القلعة" وقصورها وغرفها، ويمكن أن تُعدّ الدلاّلة "حمدونة" أو الجارية "نجوى" من الأمثلة الدالة على ذلك، أيضاً فإن بعض هذه الشخصيات تمثل الآداه الفاعلة أو التى لا بد منها مثل شخصية "مسرور" السيّاف، الذى يتحرّق شوقاً فى كل آن لتنفيذ أوامر سيده بقطع الرؤوس على النطع، وهو هائل القامة، أسود البشرة، يغطّى الشعر الأكرت رأسه إلى الأذنين، وأهم ما يميز سحنته شفتان غليظتان كأنهما منفصلتان عن بقية الوجه، وقد جعلته شهرزاد يقضى شهوراً دون أن يؤدى واجبة اليومى المتمثل فى الإطاحة برأس الفتاة التى تُزف إلى شهريار.
وتقدّم الرواية نماذج عديدة للضحايا، وإن كانت لم تتوقف أمامهم كثيراً ولعل ذلك يرجع إلى كثرتهم، مثل: "معروف خضر" و "بهاء زينهم" و "عقيل البابلى" و "طاهر العجمى" و "جعفر الوزان" وغيرهم.وواضحّ أن كثرة الشخوص فى الرواية تبير عن طبيعتها التى تعالج قضية عامة تهم جميع الأفراد فى المجتمع، لذا جاء بعضها جاهزاً ومرسوماً من الخارج، باستثناء الشخصيات الرئيسية فى أثناء القراءة من الداخل أو الخارج معاً، كما يتبدّى فى شهريار "شهريار" وظلة الموازى عبد الملك المتولى، وشهرزاد وظلها الموزاى زهرة الصباح.
5. لغة تاريخية.. فى سياق عصرى :
تتميز الصياغة لدى محمد جبريل بخصائص مشتركة، تكاد تنسحب على معظم رواياته، فهمو حريص على أن تبدو الجملة الروائية قصيرة وبسيطة قدر الإمكان، كما يحرص على إسقاط أدوات الربط بين الجمل تبعاً لذلك، ولعل هذا يعود إلى تأثره بلغة الصحافة التى تحرص على الإيجاز، ومن علائمه تقصير الجلة من حيث التركيب وإسقاط الرورابط، ولكت لغته فى مجموعها ـ كما قلت فى مناسبة أخرى ـ نقيّة، وبعيدة عن الترهلّ والمفردات الزائدة.
الجديد، هنا، هو استخدام اللغة التاريخية الملائمة للإطار التاريخى فى الرواية، ولا نعنى باللغة التاريخية أنها لغة قديمة سادت فى هذا الزمان الذى جرت فيه أحداث الرواية، ولكنها تستخدم مفردات المعجم الذى يشير إلى تاريخية اللغة فى سياق عصرىّ، وقد أشرنا إلى فى الفقرة الرابعة، فمفردات العادات والتقاليد والمسميات والتقسيمات الإدارية والوظائف والرتب والألقاب.. الخ، كلها نجدها ائمة فى لغة السرد الروائى، يذكر الكاتب بدقةبل أنه يأتى أحياناً بفقرات مسجوعة على غرار الأسلوب المسجوع الذى كان شائعاً فى ذلك العصر، ولنقرأ، مثلاً الفقرة التاريخية التى تصف "مريم الزنّارية" مع ما فيها من طرافةٍ عصرية أحياناً:
"كأنها فضّة نقيّة، أو بلطية من فسقيّة، أو غزالة من بريّة، بوجةٍ يُخجل الشمس المضيئة، وعيونٍ بابلية، ونهودٍ عاجية، وأسنان لؤلؤيّة، وبطن خماسية، وأعطاف مطويّة، وسيقان كأطراف ليّة، كاملة الحسن والجمال، ورشيقة القدّ والإعتدال.." .
بيد أنّ الرواية تحرص على أن تقد ذلك العصر من خلال وصفٍ حرّ ينقلنا إليه وإلى معالمه، تأمّل، مثلاً، وصف مسيرة أحدِ المواكب التى أشتهر بها :
"سار الموكب من حىّ الطبّالة، على الجسر الطويل بين بركة الرطلى والخليج الناصرى، فى المقدمة حملة المشاعل، ثمّ المئات من فرس الديلم، يرتدون الثياب الموشاة بالقصب، ويحملون الحراب، ثم حملة العصىّ، يتقاذفونها فى الهواء، فراكبوا الجمال، يضربون كؤوساً معدنية، وركب الآلتية ظهور الحمير، يضربون على الطبل، أو يعزفون على آلات النفخ، يتبعهم الصُّحبجيّة وأولاد عبد السلام، بثيابهم الواسعة، الملوّنة المزركشة، يتقدمون ويحيطون بالهودج، الذى جلست "شهرزاد" فى داخله، تنثر عليه خائف الذهب والفضة ".
والأمر يسير على هذا النحو فى وصف الأماكن والمجالس والقصور، بما يتلاءم مع الصورة التاريخية التى تنبض بالحياة من خلال اللغة الحية أيضاً، فإنّ الحوار ينطبق عليه ما ينطبق على الوصف، وتعبّر اللغة عن دلالاتٍتاريخية خاصةً بذلك العصر، وأنماط السلوك فيه، فضلاً عن الحوار فى البناء الروائى وقيامه بدوره ى عملية الكشف والنفسير والشرح، وربط الحاضر بالماضى، وتوقع الأحداث الآتية، مثلاًُ، أن نقتطف الجزء التالى من الحوار الذى دار بين زهرة الصباح وزوجها سعد الداخلى، حيث كان يتهيّأ للخروج من البيت وهى تبدى إشفاقها عليه:
ـ أظلّ فى خوف عليك، منذ خروجك من البيت، حتى عودتك إليه!
تلاعب بأصابعه شأن المتحيّر:
ـ جعلنى أبوك خادماً فى قصره.. لكننى كذلك أشرف على أعمال أبى.
فوّتت المعنى:
ـ وبماذا تقدّم نفسك للمحتسب؟
وهو ينزع الشارب الأسود من فوق شاربه المائل للاصفرار:
ـ كما تعلمين.. أغادر القصر متخفيّاً، وأعود إليه متخفيّاً..
استطرد وهو يتهيأ لاحتضانها:
ـ أنا عند أبى مشرف على أعماله. أما هنا، فأنى سعيد بأن أكون خادماً لمحبوبتى الجميلة.
وكما نرى، فإنّ الحوار، مع كفه لطبيعة العلاقة بين الزوجين، وظروف الزوج الذى يتخفى للوصول إلى زوجته، بالإضافة إلى التعريف بطبية عمله، فإنه يشير إلى الوظيفة التاريخية الهامة التى كانت سائدة فى عصر الرواية وهى وظيفة المحتسب، وكانت مهمّته مراقبة الأسواق، والآداب العامة، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، من خلال مساعديه الذين يختارهم من بين المؤهلين لهذه المهمّة.
وعلى هذا النحو يمضى الحوار فى المواضيع الأخرى حاملاً الدلالة التاريخية، وقائماً بمهمّة الكشف والإيضاح، تؤازره فى ذلك عملية تضمينٍ واسعةُ النطاق تعتمد عليها الرواية، ويتنوع التضمين ـ الذى ينتمى إلى الموروث ـ ما بين موّال، وحكايةٍ شعبية، وأسطورة، وإن كان الموّال أكثرها حضوراً من حيث الإبقاء على صيغته الأصلية.. أما الحكاية أو الأسطورة فقد تتعدّل صياغتها اللغوية لتكون أقرب إلى القارئ المعاصر..
إنّ الموّال، وهو صورة من صور الزَّجَل، يبدو أقرب إلى روح الشعب ووجدانه، فضلاً عن لهجته الدارجة القريبة من الفصحى، وقد أكثرت الرواية من تضمينه بحكم تسجيلة لأحزان الناس ومعاناتها فى واقعها وحياتها، فاهتمّ به الرُّواة الذين يقصّون الحكايات الشعبية فى المقاهى والميادين والحارات، واستدعته الرواية، ليؤكّد على اللغة التاريخية، ويتوازى مع الأحداث ودلالاتها، لذا نجد بعض فصول الرواية تقتصر على موّالٍ واحد فقط، لتكثف من دلالته، ولتؤكد على الأمل فى النجاة وعبور المحن، ولو بالموت، ففى الليلة الثامنة بعد الثلاثمئة مثلاً، يقول الراوى:
الـدنـيـا غـازيـّة مـا داِمـتْش للـنّاس ولا لـيـّهْ
ولا دامِتْش لمصرى ولا للرُّومى اللى نشا سور اسكندريّهْ
ولا دامتش لسيدنا داود اللى فتل الحديد، ولان لما بقى مَيّهْ
ولا دامتش لـسيـدنا سليمان اللى طاعـه الإنس والجنيّهْ
ولا دامـت لسيف اليزل اللى سعى وجـاب كـتاب المِيّهْ
ولا دامتش لأبو زيـد وديـاب أيـام حـروب الهلاليّةْ
والموّال هنا هو كلّ الفصل الروائى، واعترض المجال السردى ليؤكد على حقيقة الموت التى تطال الجميع بلا تفرقة ولا تمييز، وكأنّ الرواية بهذا الفصل الموّال، تؤكد مسبقاً على مصير شهريار المحتوم مهمه علا فى الأرض وجعل أهلها شِيَعاً.
ولا يقتصر التضمين بالموًال على هذا الفصل، ولكنه يتكرّر فى مواضع أخرى تشى بالحزن والألم، ولعلّ أكثرها توفيقاً الليلة الثامنة والثلاثون بعد الثمانمئة، حيث أنشد الراوى موّالاً، منه هذه الأبيات:
وكـلً سـاعَهْ نقـولْ بكرَهْ حا تتعدّلْ
ومهما نسعى نـلاقى الـزهر بَـهْدلْنا
ظـروفنا هيّـه كِـدَهْ حلفتْ ما تتعدّلْ
مـا دام معاهْ حَـظّ.. أحـوالُه بتتعدّلْ
وصاحب العقل فى الدنيا عايشْ مظلوم
والتضمين بالحكاية الشعبية قد يشمل القصة كاملةٍ، مثل حكاية القديس الذى ذبح الوحش وانتصر عليه، كما فى الليلة التاسعة بعد الأربعمئة، أو إشارات تستدعى الشخصية الشعبية مع ملمح من قصتها، كما نرى فى استدعاء عنترة وكليب والهلالية وغيرهم على مدى صفحات الرواية، ممّا يعطى المذاق التاريخى للرواية بعامّةٍ وللغتها على نحوٍ خاصّ.. وإن كان الحصاد فى النهاية عصرياً وقائماً بالقرب منا.
6. رواية الحلم بالنجاة:
وبعد..
فإن "زهرة الصباح" حلقة جديدة من حلقات البحث عن الأمل، والحلم بالنجاة من خلال إقامة العدالة والمساواة والرحمة، ورفض الشرّ والقسوة والانتقام الأعمى، ليعيش الناس فى أمن سلام وطمأنينة.
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 10:44 AM
الفن القصصي عند محمد جبريل
بقلم: د.عبد الله أبو هيف
................................
بدأ محمد جبريل الكتابة السردية قاصاً بإصدار مجموعته الأولى "تلك اللحظة" (1970)، ورسخ إبداعه القصصي بمجموعاته "انعكاسات الأيام العصيبة" (1981)، و"هل" (1987)، و"حكايات وهوامش من حياة المبتلي" (1996)، و"سوق العيد" (1997)، و"انفراجة الباب" (1997)، و"موت قارع الأجراس" (2002)، واختار عدداً من قصصه التي تتناول تنازعات الذات القومية إزاء مخاطر الصهينة والعدوان الأجنبي على العرب، سماها "حارة اليهود" (1999). واقتصر في هذه المقالة بالحديث عن الفن القصصي عند محمد جبريل من خلال مجموعته الأخيرة، ومختاراته القصصية المشار إليها آنفاً.
بنى جبريل قصصه على التقانات السردية والمجازية والاتصالية الحديثة، ولا سيما المفارقة والرمزية والإيحاء المجازي لابتعاث المعاني والدلالات فيما وراء القصّ. وأفصحت قصص "موت قارع الأجراس" عن ثراء التشكلات السردية لدى العناية بالتحفيز التأليفي الذي يوائم بين الفعلية وأغراضها على نحو غير مباشر، وصورّت قصة "الوحدات" مدى حصار الفلسطيني في وطنه، إلماحاً إلى اغتراب الفلسطيني في الأقطار العربية، حتى أنه فكر مرة أن يركب سيارة يقتحم بها الحدود إلى فلسطين من إقامته المروعة في الأردن، و"إن قتلت فسأقتل في وطن.. وطني" (ص12).
وأبان ازدياد آلامه، وهو يعاني عسر تجديد الإقامة في موعدها، وصعوبة الحصول على بطاقة أو هوية، إذ لا يستطيع المواطن أن يحيا" بلا جواز سفر ولا أوراق تثبت شخصيتك" (ص15)، مما عذبته السخرية المرّة عبر المفارقة الموجعة.
"-سأصبح إذن مواطناً عالمياً، فليس معي تأشيرة دخول إلى أي بلد!" (ص15)، وهذا هو حال الفلسطيني بخاصة، والعربي بعامة، الذي يقتله الإحباط والخوف، ما دام مربوطاً بمخيم الوحدات المفتقر إلى الثقة والأمان.
ووصفت قصة "موت قارع الأجراس" صلابة المقاومة في فلسطين، فقد لاذوا بمجمع الكنيسة ثم داهمهم المحتلون وقناصتهم في هذا المكان المقدس، وصوبوا إليهم رصاصهم، على الرغم من التضامن الديني بين المسيحيين والمسلمين، ونبههم الأب لوقا ألا يحاولوا التعرف على ما يجري خارج الكنيسة، ولو من النوافذ، لأنهم يطلقون الرصاص على كل شيء يتحرك، (ص29)، وبدا فعل المقاومة قوياً باستخدام الإيحاء المجازي النابض بالوعي الذاتي، إذ "ترد نواقيس الكنائس في امتداد المدن والقرى. يرتفع الآذان – كما حدث في مرات سابقة – من الجوامع وأسطح البيوت. يتنبه من تختفي أو تسحب، في أسماعهم، صيحات الاستغاثة، فينصرفون" (37).
وامتد ترميز الفعل المقاوم إلى البيرق علامة للضبط الداخلي والمتانة في مواجهة العدو، كلما تأذى المؤمنون في قصة "البيرق"، حرصاً على نصرة الإسلام والمسلمين في أيام الخطر، والبيرق هو الأمل المرتجى إن واجهت البلاد الخطر، و"على كل المسلمين الخروج إلى الجهاد وبيع الأرواح بيع السماح" (ص83).
وأفاد المنظور القصصي أن تعضيد فعل المقاومة يستند إلى مجاوزة الاختراقات الداخلية والضعف الداخلي من خلال المفارقة من اللفظ إلى المعنى، عندما "لامست أصابع في موضع البيرق خشونة تسوس العصا والفجوات الصغيرة، تشابك فيها العلم والحبل المهتريء" (ص85).
وأبانت قصة "الكسوف" المفارقة أيضاً من اللفظ إلى المعنى انتقالاً من الكسوف الطبيعي إلى الكسوف المعنوي في وعي الذات، وقامت القصة على النشاط الثقافي اليومي لمجموعة أدباء وكتاب من مصر وسورية بدمشق أثناء يوم بعينه تحدثوا فيه عن كسوف الشمس، وأضاءت الفعلية الكسوف الطبيعي الكلي عندما يقع القمر في دورته من الغرب إلى الشرق حول الأرض، ويقع بين الأرض والشمس، وتكون الأجرام الثلاثة على استقامة واحدة، وتصبح الأرض في مسقط ظل القمر تماماً، والكسوف الجزئي عندما تقع الأرض في منطقة الظل القمرية. وربط المنظور القصصي في الكسوف بحراك الحياة والتجربة الأدبية العربية ومدى تمثيلها المعرفي العميق بالحياة الإنسانية، ومدى وعي الصراع مع الأعداء عند الاعتراف بأن "إسرائيل واجهة لتقدم الغرب" (ص53)، وهذا هو حال المفارقة التي تنشر الوعي بأحوال الكسوف في الموقف من العدو كلما دعمت عمليات تصليب الذات، فثمة "كلمات تتخلق في أعماقك، تتشكل حروفها وملامحها، وإن بدت غامضة" (ص55).
وتعالى استخدام المفارقة في قصة "العنكبوت" التي تؤشر إلى عنكبوت الموت، حيث مرارة مرض الوالد وعذاب الروح تحت وطأة مؤثرات موت الحياة الكثيرة شأن السؤال المرير: ما معنى أن يستيقظ المرء – ذات صباح – ليجد نفسه ميتاً؟!" (ص67). وجادت ملفوظية العنكبوت في التحفيز التأليفي الجامع بين المادي والمعنوي بمداهمة الموت الذي يخترق الإنسان بصمت: "وثمة عنكبوت – لم تكن قد فطنت إلى وجودها – تغزل خيوطها، فتشكل ما يشبه الغيمة في أعلى السرير" (ص71).
ومال جبريل إلى تكثيف السرد مقاربة للعوالم الميتاقصية (ما وراء القص) في قصص قصيرة جداً، كما هو الحال في "الزيف" و"الخيمة" و"العرّاف" و"القنديل" و"الأميرة والراعي" و"الآذان" و"الرؤية" و"القاضي" و"الخواء" و"ومضات منسية"، وتقع القصة منها في حدود صفحة واحدة إثارة لمعانٍ عميقة استعمالاً للأنسنة، على سبيل المثال، ففي قصة "القنديل" تضفى على الحيوان صفات الإنسان للتأمل في أطروحة النسوية والذكورة، إذ استمرت في الحرص على أن تلدغ ما دامت متأكدة أن هذه الأقدام لرجال، وقد أثارها الاختلاط والتشتت من عناء الكينونة أنثى أو خنثى أو ذكراً، وهذا يغيظها كثيراً، و"لم تعد تشغلني القدم الواقفة على الشاطئ، أراها فألدغها، ألدغها بكلّ قوتي" (ص151).
واستغرقت الأنسنة في التكثيف السردي في القصة القصيرة جداً "الأميرة والراعي"، عند التداخل بين المواقف من حماية الذات إزاء تفاقم الأفعال الشريرة من آخرين، وأوجز الراوي المضمر القص أن الأميرة ستوافق على الزواج من الراعي الذي يقتل الذئب، لأن هذا الذئب قتل جدتها، بينما خاطب الراعي الذئب، إشارة إلى ذئبية بشرية، عند مجاهرة الذئب بأن "لحم الأميرة الشهي من نصيبي" (ص152)، مما دفع الراعي إلى الخلاص من هذه الذئبية البشرية، فهوى بالعصا الغليظة "على رأس الذئب، أثاره العواء وتناثر الدم" (ص153)، وهذا كله ضمانة للتواصل بين الراعي والأميرة عند مواجهة القتلة.
وبلغ التكثيف السردي مستوى الشذرة إيماء إلى مدلولات ما وراء القصّ، كما في القصة القصيرة جداً "الثأر" التي تقع في أسطر، وقام الإيماء على الإشارة إلى قصدية الثأر في مقدور الرجل على الثأر من ظالمه وجائره من خلال وصف "ظل الرجل" وسيرورة الثائر "فوق الظل" الساكن ومواجهة الظالم بحذائه عند "طرف الظل" (ص155).
لقد واءم جبريل بين المجازية والاتصالية في الكتابة القصصية لإثارة أسئلة الوجود وقضايا الحياة، وانغمرت قصصه في البنى الاستعارية منذ مجموعته الأولى اندغاماً في التحفيز التأليفي الذي يهتم بالأغراض القصصية كلّما ثّمر التقانات السردية لجلاء المعاني والدلالات الكامنة في القصّ، وأفصحت مجموعته "حارة اليهود" عن هذا المنجز الإبداعي العميق، عند جمع القصص المعنية برؤى المقاومة في مواجهة الصهيونية والتصهين تهديداً للوجود العربي وهدراً لطاقات الحياة عند العب.
تناولت قصة "حدث استثنائي في أيام الأنفوشي" مواصلة رحلة الأسراب من السمان ومجاوزة فكرة العجز عن المقاومة، ليتبين لهم بعد حوار طويل أن السكوت عن المقاومة طريق إلى الجنون، وتبدى الإيماء إلى هذه الدلالة في رحابة القص المجازي، فقد "بدا للناس – من كثافة الأسراب، ودقة تنظيمها، وانتشارها في كلّ الأمكنة – عجزهم عن المقاومة. مالوا – مؤقتاً- إلى التريث، فرحلة السمان لا تعرف التوقف" (ص10)، وهذا هو حال المقاومة التي تحمي الوجود والمصائر القومية. ولاذ القص في قصة "الطوفان" بالمفارقة المعنوية انتقالاً من فكرة طوفان إلى غرق الحيوية عندما تضعف المقاومة، وتعجز المواطنة عن القضاء على المخلوق الغريب أو الكائنات المحتلة.
وتنابذت أصوات الشجار والمشاكسة في قصة "المستحيل" انتقاداً لدعاة الانعزالية والتجزئة القومية، على أن العزلة تبعدهم عن الخطر، بينما المستحيل نفسه في خروج فئة أو جماعة أو أقوام من مدارات المصائر القومية، والحل دائماً في المشاركة والاندماج مع الناس والانضمام إلى المقاومة.
وأفادت قصة "هل" أن المقاومة هي التي تصون الذات القومية، عند تعالق الذات الخاصة مع الذات العامة من خلال الترميز، وهذا هو الرجل الميت الذي دُفن، ثم جرده التربي من كفنه، والسؤال هو ضرورة المقاومة من المعلوم والمختفي في الوقت نفسه عند كشف العدوان، وعمّق جبريل الرؤية عندما ربط هذه المقاومة أثناء الحياة وبعد الموت. فلو حرّك الميت جسده لظل مستوراً، ولو تنامى الوعي بالدمار والاحتلال والفناء لتوقف العدوان، ولا سبيل لذلك إلا بالمقاومة.
واعتمد جبريل على الترميز في قصة "حكايات وهوامش من حياة المبتلي" تواصلاً مع الأسطرة عند تعالق شخصية صابر وزوجته سلسبيل، لنلاحظ دلالة الأسماء أيضاً، مع أيوب وناعسة في الأسطورة الشعبية، فهو حرص على الابتعاد عن قريته بحثاً عن الدواء، لأنه المرض هدده بالموت، بتأثير الفساد والمفسدين، وصار الأمل أن يمضي إلى الحج، ليشفيه رب العباد، ثم داهمه المجرمون والأشرار، ومنعوه من أداء فريضة الحج، وهذا هو البلاء المستشري ما لم تشتد المقاومة ضد الظلم والعدوان.
واستند إلى الترميز أيضاً في قصة "حكاية فات أوان روايتها" عن الطائر وفقس البيضة ومدى تلاقي الحوار مع وعي الذات وسبل مواجهة تغلغل النفوذ الأجنبي.
وترابطت قصة "حارة اليهود" مع عناصر التمثيل الثقافي في رؤى مقاومة الصهينة والتصهين التي تخترق الوجود العربي من خلال الإيماء إلى التهام الغرغرينا الجسد كلّه، مما يستدعي تعزيز فعل المقاومة. وقد بنى القصة على وقائع وأحداث في مطلع القرن العشرين، من خلال ما تعرض له محمد جعلص وأولاده من اليهود ساكني الحارة حتى تسبب لهم المرض وخلل الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
محمد جبريل قاص متفرد بإبداعه لإنتاج فضاءات "ميتا قصية" شديدة الثراء في مجازية القصّ والإيحاء بالمعاني والدلالات العميقة لدى استخدام تقانات قصصية تعتمد على الاستعارة والترميز والأسطرة.
المصادر:
...........
1- حارة اليهود، مطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة 38، القاهرة، سبتمبر 1999.
2- موت قارع الأجراس، مطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة، أصوات أدبية 329، القاهرة، توفمبر 2002.
......................
*جريدة الأسبوع الأدبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006م.
د. حسين علي محمد
05-26-2006, 10:49 AM
محمد جبريل: مصر التي في خاطره
د.ماهر شفيق فريد
"محمد جبريل: مصر التى فى خاطره" (سلسلة أصوات معاصرة 2002) لمؤلفه الصحفى الشاعر حسن حامد؛ من أحدث الدراسات التى تضاف إلى المكتبة العربية عن روائى وقاص وناقد وصحفى أصبحت أعماله الإبداعية –مثل "إمام آخر الزمان"، و"من أوراق أبى الطيب المتنبى" و"رباعية بحرى" و"قلعة الجبل"، من كلاسيكيات الرواية العربية فى مصر، كما تميزت مجموعات قصصه القصيرة باتساع رقعة خبراتها الحياتية وتنوع تجاريبها الشكلية، وشكلت دراساته النقدية والأدبية "مصر فى قصص كتابها المعاصرين"، وكتبه عن محفوظ والسحار وآباء الستينيات، لوحة بانورامية لقطاع ليس بالصغير من تطور فن القص –رواية وقصصا قصيرة- فى بلادنا، كما مثل حضوره الصحفى الأسبوعى، مشرفا على صفحة "قضايا أدبية" بجريدة المساء، قدوة أخلاقية وإبداعية فى الصحافة الأدبية الراقية، ونزاهة الضمير، والترفع عن الصغائر، والترحيب بالأجيال الجديدة من الكتاب، والتوجيه القائم على تجربة أدبية عميقة ودراية بفنون القص ومتابعة دؤوب للجديد فى الأدب العربى والأجنبى.
كتب حسن حامد هذا الكتاب عن محمد جبريل من منطلق التقدير لإنجازه الأدبى والمحبة لشمائله الإنسانية، فليست هذه دراسة نقدية فحسب (ولو أنها تتضمن بعض نظرات نقدية صائبة وتحليلا تقنيا بارعا لبعض أقاصيص جبريل: "انعكاسات الأيام العصيبة"، "المستحيل" إلخ..) وإنما هى أيضا صورة لإنسان تتخذ محورا لها حب جبيرل لوطنه، وترى فى عشقه لمصر –بأناسها وتاريخها ومدنها وقراها وصحاريها وبحارها وجمالها وعيوبها أيضا- الجذر الإبداعى الذى تصدر عنه كل كتاباته.
ولد جبريل فى 1938 وهو عام شهد أحداثا كان لها أثرها فى حياة الوطن: ففى ذلك العام –يقول حسن حامد- انتقلت القوات البريطانية من القاهرة والإسكندرية إلى القناة، وتخرج جمال عبد الناصر وأغلب زملائه من الضباط الأحرار فى الكلية الحربية، واستعدت مصر لمواجهة الحرب العالمية التى بدت نذرها فى الأفق، وخرجت إلى الشوارع مظاهرات تهتف بحياة زعيم الوفد وتتهم محمد محمود بمحاولة اغتياله، وأعلن عن تأسيس الاتحاد العام لنقابات عمال المملكة المصرية، وارتفع فيضان النيل إلى حد الخطر، وأصدر طه حسين كتابه العلامة "مستقبل الثقافة فى مصر" وأذاع عدد من الفنانين والكتاب الطليعيين المصريين –متأثرين بسريالية أندريه بريتون- مانفستو "يحيا الفن المنحط". كانت فترة غليان سياسى وجيشان اجتماعى واختمارات فكرية وإبداعية.
فى هذا الجو ولد محمد جبريل فى الإسكندرية وتشرب خصائص بيئته وتلاقت مؤثرات الوراثة والطبقة والنشأة والتربية والتعليم لتصنع منه هذا الروائى الذى يعده حسن حامد بحق روائى الإسكندرية الأكبر. ويوضح حامد كيف تشكلت ذائقته عبر السنين من جراء التفاعل مع البيئة، ومع التراث الشعبى، ومع الإطلاع على آداب الغرب وفنونه وعلومه، ومع الأدب العربى من امرئ القيس إلى يومنا هذا، ومع الموروث الدينى والصوفى، فضلا عن تجاربه الشخصية فى العمل والعلاقات الخاصة والكتابة والصحافة.
ويوضح حسن حامد كيف أن ثالوث الحق والخير والجمال كان بمثابة النجم الهادى والبوصلة الموجهة لمسار جبريل منذ أصدر كتابه الأول المطبوع وهو فتى يافع فى الخامسة عشرة أو نحو ذلك. وقد ظلت هذه الأقانيم تقع من ضميره ووجدانه موقع المركز فيما أعقب ذلك من أعوام، وتدعمت بالقدوات الأخلاقية التى التقى بها واحترمها وأحبها (محفوظ، حقى، إلخ..) فالسلوك الإنسانى لا ينفصل عند جبريل عن النزاهة الفنية، إذ أن الكاتب مواطن وإنسان قبل أن يكون مشتغلا بمهنة الكتابة.
ويرى حسن حامد فى تردد كلمة مصر فى عناوين كتب جبريل ("مصر من يريدها بسوء"، "مصر المكان"، "مصر فى قصص كتابها المعاصرين"، "قراءة فى شخصيات مصرية") مؤشرا إلى هذا التعلق العميق بالوطن، هذه النواة الثابتة فى قلب المتغيرات، ومن ثم كان بروز بعد المقاومة فى أدب جبريل إزاء القهر الداخلى والخارجى على السواء، ورفضه العنيد لكل أشكال التطبيع مع إسرائيل، وتحذيره –المرة تلو المرة- من الأخطار المحدقة، فعل ذلك كله –فى رواياته وأقاصيصه- بلغة الرمز والمجاز –لغة الفن- لا بلغة الخطابة والدعاوة.
ويفيد حسن حامد، عبر فصول الكتاب العشرة، من أعمال جبريل المنشورة (وبعض مخطوطات غير منشورة أيضا) ومن مقابلات شخصية وأحاديث أجراها معه صحفيون وأدباء، ومن النقاد الذين كتبوا عن أدبه، ولأن المؤلف شاعر فإنه يكتب بوجدان محب وأنفاس حارة من المودة والتعاطف. وتتناثر فى تضاعيف كتابه مقتطفات من شعراء آخرين: "الجنوبى" لأمل دنقل، "المنزل الغريب" لمريد البرغوثى، "نشيد الخبز والورد" لجوزيف حرب الذى غناه مارسيل خليفة، "مقامات الرحيل" و"يالثارات الحسين" لمحمد أبو دومة، فضلا عن إشاراته إلى كثير من النقاد والأدباء، عرب وغربيين.
وإذ يسجل حسن حامد، فى مطلع كتابه" أن الأستاذ الجامعى والناقد الدكتور الطاهر مكى كان أول من وجه نظره (وهو طالب جامعى) إلى إبداع جبريل، فإنه يصور كيف تطورت علاقته به كاتبا وإنسانا. ويحلل بنية العمل القصصى عنده ومكوناته من راو وحدث وشخصية ومكان وزمان وسرد وحوار ولغة، كما يرصد ميل جبريل إلى النهايات المفتوحة بما يعبر عن تفاؤله الذاتى الدائم ببداية جديدة تتلافى عثرات الماضى.
إن كتاب حسن حامد عن جبريل، مثل كتاب آخر صدر حديثا لعلى عبد اللطيف وليلى البدوى عن الرائد محمود البدوى، يجمع بين التحليل النقدى الموضوعى والانطباع الذاتى والذكريات الشخصية على نحو ينقل لنا صورة الأديب المدروس وهو يمارس حياته اليومية أبا وزوجا وموظفا، كما ينقل لنا لمحات من ذهنه الإبداعى وصنعته الكتابية، وأسلوبه فى القص، وذلك على نحو يتسم بالمعايشة الطويلة للموضوع، وجاذبية العرض، والحرص على إفادة القارئ وإمتاعه.
د. حسين علي محمد
10-27-2007, 07:50 PM
من المحرر
بقلم: محمد جبريل
.....................
لعل غاية ما يأمله المرء في علاقته بالآخرين. أن تكون دائرة الاصدقاء أكثر اتساعاً من دائرة الأعداء..
وعندي أن الحصول علي حب معظم الناس سهل. إذا حرص المرء علي حب الآخرين. أما الحصول علي حب كل الناس. فهو العنقاء التي تتحدث عنها الأساطير!..
لقد واجه الأنبياء العداء.. فما بالنا بالبشر العاديين؟..
لا أحد يحصل علي الإجماع. ثمة ناس يحبونك. وناس يضمرون - أويعلنون - نقيض الحب. قد يضمرون - أو يعلنون - الغيرة والحسد والحقد. مهما بدت آراؤك أو تصرفاتك معقولة. فإنهم ينظرون إليها بعين المساوئ. إنهم يبحثون عن العيب فيها. ومن يريد العيب فلابد أن يجده..
هل تذكر حكاية جحا وابنه وحماره؟..
عاب الناس علي الرجل سوء تربيته للابن حين ترك له الحمار يركبه. واكتفي هو بالسير. ثم عابوا عليه أنانيته لما ركب الحمار. وترك الولد يسير إلي جانبه. وعابوا عليه القسوة لأنه شارك ابنه ركوب الحمار. ثم عابوا عليه الغفلة. بعد ان اختار السير خلف الحمار!
إن مجرد عمل المرء في وظيفة أو حرفة. يضعه في كفة ميزان البشر. ثمة المؤيد والرافض. لكل أسبابه التي قد تكون مقبولة. أو أنها وليدة الغرض..
قد يجتلب النجاح في ذاته عداوات الآخرين. يضيقون بالنجاح. فيفتشون عن بواعث تحقيقه. لا يهم إن كانت تلك البواعث صادقة أو كاذبة. المهم أن يسلبوا من النجاح قيمته ودلالاته..
وحين خضع ياجو لمشاعر الحقد في نفسه. مقابلاً لذلك الشئ النبيل في عطيل. انشغل ياجو بمحاولة تلطيخ اللوحة الجميلة!..
يقول فوكنر: "إذا أردت أن تعيش آمناً من الانتقاد. فلا تقل شيئاً. ولا تكن شيئاً.. وعندها لن ينتقدك أحد!.. وهو قول يحتاج إلي مراجعة. لأنك قد تأخذ موقفاً سلبياً من الحياة تكتفي بأن يكفي خيرك شرك - كما يقول المثل - لكنك لن تأمن ملاحظات الآخرين. واتهاماتهم لك. ومشاعرهم التي تبدأ بالدهشة. وتنتهي بالكراهية!..
هامش:
من كتابات يحيي حقي: "منذ تناولت القلم في سن باكرة. وأنا ممتلئ ثورة علي الأساليب الزخرفية. متحمس أشد التحمس لاصطناع أسلوب جديد. أسميه الأسلوب العلمي. الذي يهيم أشد الهيام بالدقة والعمق. وقد أرضي أن تغفل جميع قصصي. ولكن سيحزنني أشد الحزن ألا يلتفت لهذه الدعوة".
..................................
*المساء ـ في 27/10/2007م.
د. حسين علي محمد
12-02-2007, 03:41 PM
مجلة ثقافية جديدة
بقلم: محمد جبريل
....................
أياً تكن التسمية ستطلق علي المجلة الثقافية الجديدة التي أعلن الدكتور أحمد نوار رئيس هيئة قصور الثقافة عن قرب صدورها. فإنها تلبي احتياجا حقيقيا للساحة الثقافية.
كانت "الكاتب المصري" هي المجلة التي قدم من خلاله طه حسين عشرات الأعمال الجادة. ما بين مؤلفة ومترجمة. وكانت "عالم الكتاب" هي المجلة التي تواصل صدورها أعواماً. وأسهمت في ملاحقة إصدارات المطابع. بما شكل "فاترينة" متجددة أمام الدارسين ومحبي القراءة. أما "الكاتب" فهي المجلة التنويرية المهمة التي تعاقب علي رئاسة تحريرها عدد من أبرز المثقفين المصريين: أحمد حمروش وأحمد عباس صالح وصلاح عبد الصبور. وحاولت أسرة تحريرها مقاومة القرار المتعسف بإغلاقها. لكن حجب الدعم المادي عجَّل بالنهاية القاسية.
المجلة المشروع اختير لها اسم من الأسماء الثلاثة التي أشرت إليها. وعلي الرغم مما يثيره كل اسم من دلالات مهمة. فان مجرد إصدار مجلة ثقافية جديدة هو حدث يستحق الاحتفاء.
كانت بعض القيادات السابقة لهيئة الكتاب مولعة بالإلغاء. لم يكن التطوير واردا إنما الحل الأسهل هو إغلاق الباب الذي قد تأتي منه الريح. وغابت عن حياتنا مجلات يصعب تعويضها. أذكرك بمجلة يحيي حقي. وفكر زكي نجيب المعاصر. وقاهرة إبراهيم حمادة وغالي شكري. وعالم كتاب سعد الهجرسي. ومجلات أخري مثلت نوافذ لكتابات الأدباء والشعراء والمفكرين.
وبصراحة. فإن أزمة النشر الحادة التي بلغت حد تقاضي ناشرين مبتزين حق الطباعة من الكتاب بدلا من أن يتقاضي الكتاب مقابلا لما يكتبون.. هذه الأزمة لن تمثل الكتب حلها الوحيد. فالكتاب في الأغلب يؤلفه كاتب واحد أما المجلة فإنها تستوعب الكثير من الكتابات في العدد الواحد. والأمر بالطبع لا يقتصر علي أزمة النشر. لكنه يتجاوزها بحيث تصبح هذه المجلات ملتقيات تطرح فيها الإبداعات الحديثة. والدراسات التي تعني بالتأصيل. وتقديم وجهات النظر الموضوعية وتحريك الراكد بعامة. وفي الموازاة. إعادة المعارك الفكرية إلي مسارها الصحيح.. القديم. بعيدا عن المتاجرة والابتزاز والشللية ومحاولات فرض الوصاية.
اسم المجلة يجب ألا يستوقفنا. المهم أن تبدأ خطوات إصدارها. لتلبي احتياجا فعليا للثقافة والمثقفين.
هامش:
تقول الكاتبة الإيرانية الراحلة فروغ فزخزاد: أؤمن بأني شاعرة في كل الأوقات. أن يكون المرء شاعرا يعني أن يكون إنسانا. أعرف بعض الشعراء الذين لا تمت تصرفاتهم اليومية إلي قصائدهم بصلة. بمعني آخر. هم فقط شعراء يكتبون الشعر. بعدئذ ينتهي الأمر. ويتحولون إلي أشخاص جشعين. منغمسين في اللذات قامعين قصيري البصيرة. يائسين وغيورين لا يمكنني أن أصدق قصائدهم أنا أقدر وقائع الحياة. وعندما أجد هؤلاء السادة يصرخون ويصيحون في قصائدهم ومقالاتهم ينتابني القرف. وأشك في نزاهتهم. أقول لنفسي: ربما يصيحون لصحن من الأرز فقط!
....................................
*المساء ـ في 1/12/2007م.
د. حسين علي محمد
12-21-2007, 10:11 AM
«ذاكرة الأشجار» رواية محمد جبريل الجديدة تنشرها «الوفد »
***
***
بدأت جريدة «الوفد» صباح الثلاثاء الماضي 18/12/2007م، في نشر رواية محمد جبريل الجديدة «ذاكرة الأشجار»، وسننشر الحلقات هنا بعد أن تنشرها «الوفد».
*ذاكرة الأشجار:
للأديب الكبير محمد جبريل أكثر من 40 عملاً إبداعياً ما بين مجموعات قصصية وروايات، تمثل في مجملها علامات فارقة في مسيرة الأدب المصري والعربي المعاصرين، منها روايات «الشاطئ الآخر»، و«قلعة الجبل»، و«زهرة الصباح»، و«رباعية بحري»، و«من أوراق أبوالطيب المتنبى»، و«أهل البحر» ... وغيرها. وإلي جانب حضور الإسكندرية ـ منشأه وسنوات صباه ـ في كثير من رواياته، ينسج جبريل من خيال حاذق، ما يكسو به شخوصاً عرفها في الواقع، أو أطياف عبرت في أزمنة خلت، أو ترانيم تسبح في مجالس الصوفية ومقامات أولياء الله الصالحين.
آثرنا الأديب الكبير بروايته تلك »ذاكرة الأشجار« التي ننشر فصولها تباعاً كل ثلاثاء.
(الوفد)
(1)
خمن أن نهاية الصداقة الطارئة، حين يهبط أحدهما ـ قبل الآخر ـ في المحطة التي يريدها. لكنهما نزلا في المحطة نفسها. سارا، وتكلما، ودعته لزيارتها.
اعتاد النزول من الأتوبيس في شارع سليم الأول. يخلف وراءه سوق الخضر والبنايات المتوسطة الارتفاع، ومحال بيع الأدوات الكهربائية والأقمشة والخردوات، ومبني كنيسة اللاتين. يميل إلي شارع نصوح الهندي. يخترق تقاطعه مع طومانباي. يستعيد ملاحظته عن الغبار الذي يضيع حرصه علي لمعة الحذاء. تبطئ خطواته أمام بناية حديثة البناء، أمامها بقايا حديد التسليح، وشقفات الطوب الأحمر، وخلطة الأسمنت والرمال والزلط.
علي اليسار، بالقرب من نهاية الشارع، تطالعه الحديقة الصغيرة، تحيط بالفيللا البيضاء ذات الطابق الواحد. تشابكت، وغطت معظم الواجهة، أشجار الجوافة والجهنمية والفل والياسمين والبانسيانا بزهورها الحمراء. يجلس الأب في الشرفة الحجرية المستطيلة، يعلو صوته بالأغنيات التي لا يعرف ماهر لغتها. يصعد الدرجات الرخامية إلي الشرفة. يكتفي الأب بابتسامة مجاملة، ثم يعاود الغناء، أو يتجه إلي الباب المتصل بالحديقة. يضغط علي الجرس. يتوقع ـ كما حدث في المرات السابقة ـ أن تفتح شقيقتها الباب. تفسح له الطريق وهي تنادي: سيلفي..
***
لم يقدر أن لقاء المصادفة سيكون انفراجة الباب لكل ما حدث.
زاحم المندفعين في أتوبيس 153 من ميدان التحرير.
اندفع نحو كرسي ناحية اليمين. طالعته استغاثتها الصامتة تحت النافذة، القامة المتناسقة، الشعر الحنطي المسدل إلي الكتفين، العينان الزرقاوان الباسمتان، الأنف الدقيق، الشفتان النديتان، الغمازتان اللتان تضفيان عذوبة علي وجهها.
بدت غريبة في وقفتها داخل محطة الأتوبيس. ليست غربة المكان، وإنما غربة الملامح والزي الذي ترتديه. فستان فوق الركبة، أزرق، قصير الكمين، وحذاء مكشوف، وبيدها مظروف ورقي.
أومأ لها برأسه، فصعدت لتجلس مكانه. السيدة البدينة ارتمت علي الكرسي بمجرد تخليه عنه، فأفسدت كل شيء. علا صوتها بنبرة توبيخ:
ـ حجز الكراسي في السينما..
اكتفيا بتبادل نظرات الارتباك.
خلا الأتوبيس من معظم ركابه قبل محطة كوبري القبة. وجدت مكاناً، وجلس إلي جانبها. فاجأته بالشكر، وبمؤاخذتها للسيدة البدينة. ودعته في محطة نصوح. تجدد ـ بعد أيام ـ لقاء المصادفة. ابتسما بما يعني تعرف كل منهما إلي الآخر. تشبثت بساعديه، وسبقها في اندفاعهما وسط الزحام حتي جلسا متجاورين.
قدم نفسه:
ـ ماهر فرغلي.. موظف بدار المعارف..
همست باسمها:
ـ صوفيا جوتييه.
لاحظت أنه لم يلتقط اسمها، وإن تظاهر بأنه عرفه.
قالت في نبرة متباطئة:
ـ صوفيا ميكيل جوتييه.. لكنهم في البيت ينادونني سيلفي.
ـ مصرية؟
أدرك ـ في اللحظة التالية ـ سخف السؤال..
قالت في همسها:
ـ طبعاً..
ورفت علي شفتيها ابتسامة:
ـ هل أبدو أجنبية؟
حدس أنها أجنبية. لم يتصور ـ في حدسه ـ البلد الذي تنتمي إليه، وإن بدت غريبة عن المكان، كأنها تنتمي إلي عالم آخر..
أزاحت خصلة متهدلة من شعرها جانباً، وهي ترفع رأسها:
ـ ربما لأن أبوي من أصل أجنبي..
تناثرت الكلمات، فعرف كل منهما عن الآخر ما لم يكن يعرفه. اجتذبه غياب التكلف عن كلماتها وهي تتحدث عن أسرتها المقيمة في الزيتون.
اكتفت بالتلميح في حديثها عن إخوتها. لم تذكر أسماءهم ولا إن كانوا أكبر أو أصغر منها.
قالت: إخوتي، وواصلت الكلام.
حدثته عن أبيها النمساوي الأصل، وعن أمها الإيطالية. كان أبوها رئىساً لبنك باركليز، فرع بورسعيد. قتله المصريون في أحداث 1956. الأم أميرة إيطالية سابقة، لا تعي سيلفي أنها رأتها تغادر البيت إلا لزيارات متباعدة إلي شقيقة لها في بولاق. لا تدري كيف التقيا في مصر، ولا ظروف زواجهما، لكنهما أنجبا أربعة أبناء: ولدين وابنتين.
قال:
ـ ترفضون تحديد النسل.. مثل المصريين.
كان يستنكر في نفسه سرعة الانفعال بما يدفعه إلي إبداء رأي قد لا يتدبره، كلمات تسبق تفكيره. يؤلمه الاستياء الذي تتقلص به الملامح، وربما العبارات الرافضة.
قالت دون أن تجاوز هدوءها:
ـ نحن مصريون..
حدثها عن عمله في قسم المراجعة بدار المعارف. يشغله منذ تخرجه في دار العلوم:
ـ ميزة عملي أن مكتبي يطل علي النيل.
وهي تئد ابتسامة رفت علي شفتيها:
ـ هل تجلس للفرجة؟
ـ لا بأس أن أطل ـ وأنا أعمل ـ علي منظر جميل..
أشارت إلي مبني هائل علي تقاطع سليم الأول وسنان:
ـ هذه مدرستي.. النوتردام دي زابوتر..
قال:
ـ هل هي قريبة من البيت؟
ـ مجرد أن أعبر الشارع..
ـ كانت دار العلوم قريبة من بيتي.
كلمها عن أعوام دراسته في دار العلوم، عن أساتذته: علي الجندي ومهدي علام وأحمد الحوفي وعمر الدسوقي وتمام حسن. قلد كلاً منهم في محاضراته: المفردات، طريقة الكلام، ردوده علي أسئلة الطلاب.
أصاخ سمعه لحديثها عن أيام الدراسة: الدخول إلي الكنيسة قبل الحصة الأولي، البنات المسلمات يقضين فترة ما قبل اليوم الدراسي في حوش المدرسة، الصلوات التي تستغرق وقتاً أطول من وقت تلقي الدروس، الملابس البيضاء ترتديها الطالبات في المناسبات الدينية، وفي الأعياء، يترنمن بالقداس، وبالألحان الدينية، زيارات الآباء من معهد الدومينيكان، والمطران من كنيسة البازيليك، استغناء مدرب الكرة الطائرة عن عضويتها لأنها أقصر مما يجب، ادعاؤها ضرورة العودة إلي البيت ـ في أوقات الدروس الصعبة ـ لرعاية أمها المريضة.
تهمس ضاحكة:
ـ أمي مريضة بالفعل منذ أشهر!
لم تشغله ـ في البداية ـ طبيعة العلاقة، ما إذا كانت الصداقة الطارئة ستثبت في علاقة دائمة. اطمأن إلي أن الصداقة ستشهد نهايتها حين يسبق أحدهما الآخر في النزول إلي المحطة التي يريدها، لكنهما تأهبا للنزول في المحطة نفسها.
سارا متجاورين، تكلما..
تعددت لقاءاتهما علي باب كنيسة اللاتين، في التقاء ناصيتي طومانباي ونصوح، أمام سراي البرنسيسة الملاصقة لمدرسة النوتردام.
يهبط من الأتوبيس علي ناصية السور الخلفي لسراي الطاهرة، يمضي بقية الطريق علي قدميه.
استمهلته ـ ذات عصر ـ قبل أن تميل إلي نصوح الهندي، ويواصل السير في شارع السلطان سليم ـ:
ـ قلت إنك خريج دار العلوم.
أومأ برأسه مؤمناً.
قالت:
ـ أحتاج إلي دروس في اللغة العربية، ستزورنا لهذه الدروس.
استطردت لارتباكه الصامت:
ـ مجرد حيلة لاستضافتك.
د. حسين علي محمد
01-12-2008, 10:05 AM
ذاكرة الأشجار ـ رواية: محمد جبريل (2)
................................................
عاني ـ لرؤية الرجل الجالس في الشرفة يغني ـ ارتباكاً لم يفلح، حتي أمام سيلفي ـ في مداراته. تأمل اللحن، اجتذبه، وإن لم يفهم الكلمات. ـ أبي. ما عدا الأرض الخلاء في ناصية تقاطع شارع نصوح، والشارع المتفرع منه ـ لم يعن بأن يسأل عن اسمه ـ فإن البنايات تلاصقت في الشارع الصغير.
الفيللا من طابق واحد، تحيط به حديقة، الدرجات الرخامية الخمس، تصعد إلي الشرفة العريضة، الممتدة بطول الواجهة، من خلال الباب الحديدي الخارجي، والعمودين بمساحة المتر، يعلو كل منهما مصباح زجاجي مكور.
الشرفة تطل ـ من الواجهة ـ علي الشارع الصغير، ومن الجانبين علي الحديقة المتكاثفة الأشجار، الأرضية علي هيئة مربعات الشطرنج. تتناثر فوقها كراسي من الخيرزان، تتوسطها منضدة ذات سطح زجاجي. السلم الجانبي، متآكل، يهبط إلي البدروم. الصالة في مواجهة باب المدخل المتداخل الحديد والزجاج. الأسبق عالية، والجدران يغطيها الورق ذو النقوش الملونة. في مساحة الجدار المواجه بوفيه من خشب الماهوجني الأسود، فوقه ثلاثة شمعدانات متجاورة من زجاج من زجاج المورانو، وتماثيل صغيرة من الزجاج الملون. يتوسط الصالة أنتريه مطعم بالصدف من أربعة كراسي وكنبة، تتوسطه طاولة من الخشب المنقوش. علق أعلي الجدار صليب فضي، إلي جانبه صور فوتوغرافية، ولوحات تآكلت حوافها. تتقابل الحجرات الأربع المغلقة، عدا واحدة مواربة. الطرقة ـ علي اليسار ـ تفضي إلي حجرة خامسة، خمن أنها حجرة المائدة، وإلي الحمام والمطبخ.
يتنبه لترامي سقوط الثمار من أشجار الحديقة وارتطامها بالأرض. تعيده إلي نفسه، وإلي حيث هو.
علا صوت بالسؤال من داخل الحجرة الأولي علي اليمين:
ـ أمنا مريضة وتصرين علي البقاء خارج البيت؟!
حدّس ـ من الصورة التي رسمتها في ذاكرته ـ أن الصوت لأنطوان، شقيقها الأكبر. اختلج صوتها بنبرة سخط:
ـ ابحث عن عمل.
ـ تستطيعين الانتظار.
ـ استدرك بنبرة متأثرة:
ـ أمنا تحتاج إلي رعايتك.
وهي تضغط براحتيها علي عنقها:
ـ أحاول إنقاذ نفسي قبل أن أختنق!
سبقت ماهر إلي الحجرة الثانية علي اليسار. الستارة القطيفة، الغامقة الزرقة، المسدلة علي النافذة، تعيق دخول أشعة الشمس، لكنها تهب من الضوء ما يعين علي الرؤية.
في الوسط منضدة صغيرة، عليها مجلات ومنفضة سجاير، وإلي الجانب مكتب صغير من خشب الأبنوس. وفي الزاوية دولاب بضلفة من الزجاج، تكسدت فيه كتب مجلدة.
بدت السيدة الراقدة علي السرير ـ أدرك أنها أمها ـ مريضة، فلا تقوي علي الحركة. العينان ساجيتان، والعروق خضراء تبين من وراء البشرة الأقرب إلي الصفرة، وهالة الشعر الفضي أضفت علي وجهها سكينة. حدس أنها كانت ـ في شبابها ـ ذات جمال رائق.
لم يستطع أن يخمن عمرها، وإن بدت متعبة للغاية.
مالت سيلفي عليها. مسدت شعرها الأبيض المهوش. همست:
ـ هذا ماهر.
قالت ـ بلغة لعلها الإيطالية ـ كلاماً كثيراً، قدمته به لأمها. فطن إلي أن الأم لا تعي كلماتها، ولا تعي شيئاً.
تبين الانفراجات بين الأشجار المتشابكة عن أجزاء من البيت المقابل. خلت واجهته إلا من الطوب الأحمر، وإن وشت بحداثة البناء، وخلت مما اتسمت به فيللا جوتييه، والفيلات والبيوت القديمة، المنجاورة من ميل إلي الارتفاع والنقوش والمقرنصات. امتلأت نوافذ الطوابق الثلاثة العلوية بخزين الطعام وبقايا الأثاث، وتدلت قطع الغسيل من المناشر الممتدة أمامها. نوافذ الطابق الأول مغلقة، وإن ترامي اختلاط ندادات وشتائم وأغنيات وصراخ أطفال.
عرف أن الأب خرج إلي المعاش بعد أن بدلت قوانين التأميم اسم البنك إلي بنك الإسكندرية. قدم من النمسا قبل الحرب العالمية الأولي. التحق ـ بالشهادة المتوسطة ـ موظفاً من بنك باركليز. تزوج ابنة رئيسه الإيطالي. ترقي في وظائف البنك حتي حصل علي حق التوقيع. ظل في فرع الموسكي منذ بداية تعيينه، حتي أحيل إلي المعاش.
ـ لو أن بنك باركليز لم يؤمم، ربما ظل أبي في عمله..
ـ وسن والمعاش؟
فكرت قليلاً:
ـ خبرته تعطيه الحق في تجاوزها.
هل نسيت ـ أو تناست ـ كلامها عن موته بأيدي المصريين في معارك 1956؟ ما حكاية قتل المصريين للرجل في أثناء عمله مديراً لفرع بنك باركليز ببورسعيد؟ ولماذا نسجت هذه الحكاية التي تبدو ـ من فتاة في سنها ـ حقيقية وصادقة؟ لماذا اخترعت ما لا يوجد سبب لاختراعه؟ هل كانت تتصور ابتعاده عن حياة أسرتها، فأرادت استمالته بالحكاية الغريبة؟
كان يستطيع أن يسألها، أو يسأل نفسه: كيف يعمل الأب في بورسعيد، ويقيم في القاهرة؟
خشي أن مجرد التلميح طريق النهاية التي لا يرجوها. بدت سيلفي تكويناً في صورة المستقبل. ربما تقوضت الصورة تماماً لو أنه جذب خيط السين والجيم. ربما قالت ما روته لاختبار مشاعره، أو لعلها أرادت ـ في البداية ـ أن تبعده عنها، ربما أي شيء سيتعرف عليه بتوالي الأيام.
وهو يمسد شعره بأصابعه:
ـ أظن أن تأميم الصحف أفادني.
شجعته ـ بإيماءة ـ تكملة كلامه.
قال:
ـ ضُمّت دار المعارف إلي الأهرام. وسط أبي رؤساءه في إدارة توزيع الأهرام. عينت بدار المعارف فور حصولي علي ليسانس دار العلوم.
تكررت زياراته للفيللا حتي اعتادوا رؤيته، لا يعرف إن سألوا سيلفي عنه، أم أن هذا هو أسلوب حياتهم؟
كلمته عن مشوارها اليومي إلي وسط البلد. تبحث عن عمل بالثانوية العامة. لم تجد في نفسها ميلاً لدخول الجامعة. اقتصر بحثها علي الفنادق وشركات الطيران والسياحة. لو لم أجد سوي العمل في الحكومة، فسأظل في البيت، ما أتقاضاه من أبي يوفر لي الحياة التي أريدها، وإن كنت لا أتصور أني سأظل مع أنطوان في بيت واحد (غالب الحرج في أن يسألها إذا كانت قد صدقت فيما قالته هذه المرة؟!).
وسمت العفوية كلماتها وهي تحكي مغامرتها الأولي في تدخين سيجارة. أطالت الوقوف داخل دورة مياه المدرسة، وتأكدت من زوال رائحة الدخان ـ تخشي أنطوان ـ في النعناع الذي مضغت أقراصاً منه.
لاحظ اهتمامها بما يرويه عن المواردي. تسأل وتجيب، تستوضح، تظهر التأثر والحزن والألم والإشفاق. تبتسم، وتضحك، يعلو صوتها بالتعليقات، المواردي لا يعرف الهدوء، اختلاط الصيحات والنداءات والضحكات، وضربات حجارة الطاولة علي طاولات المقهي، أول الشارع. نصوح يختلف، هو هادئ دائماً.
روي لها عن صحوه علي أذان الفجر في جامع السيدة زينب، عبارات أخته زينب المحتجة حول من يملأ القلة الموضوعية علي نافذة المنور، حرص أبيه علي أن يكشف أغطية الأواني، يتذوق ما فيها من طعام، صرخة أمه للمساحيق التي غطت بها شقيقته الصغري هناء وجهها. ضحكة هناء لتهديد الأم: إذا فعلت ذلك ثانية فسأضربك!.. كلمات أبيه عن تحسن صحته، بعد أن اختار الذهاب ـ سيراً علي القدمين ـ إلي عمله بإدارة التوزيع في »الأهرام«، بدلاً من ركوب المواصلات. مشوار لا بأس به من المنيرة إلي شارع مظلوم.
تحولت الابتسامة إلي ضحكة ـ لم يقو علي إسكاتها ـ حين استعاد ما قالته أمه: لن نستطع استضافة فتاتك، هي خواجاية من الزيتون، ونحن أولاد عرب من المواردي!
استيقظ ذات صباح. وجدها ترنو إليه من سقف الحجرة.
عرف أنه أحبها..
هل تحبه؟
***
يجيش في نفسه الشوق لرؤيتها: وهو في مكتبه المطل علي النيل، وهو يراجع بروفات الكتب، وهو يركب الأتوبيس في تنقله بين دار المعارف وبيوت المؤلفين، وهو يجلس إلي أسرته في حجرة القعاد.
مثلت في حياته ما لا تمثله زميلات دار المعارف، ولا بنات الجيران، ولا البنات القريبات، ولا حتي أخته زينب التي يعدها صديقة حقيقية.
لم تعد صورتها تفارق عينيه، ولا يفكر في غير الأوقات التي يقضيها إلي جنبها، في البيت، أو في الشارع، أو في »أسترا« علي ناصية ميدان التحرير وشارع محمود بسيوني، هو أنسب الأماكن للجلوس بعيداً عن الأعين، وإن حرصا علي الابتعاد عن حركة الطريق. يغيبان عن بعضهما يومين، أو ثلاثة، فلا يشعر أنهما قد افترقا لحظة.
اجتذبته بما يصعب عليه تحديده، آفاق لا حدود لها، ربطته بقيود خفية، لا يراها. لا بد أن هذا هو ما تشعر به.
هو يحبها، ويعرف أنها تحبه.
روت عن مشاهداتها المتباعدة لعروض الأوبرا الأجنبية. تنزل من الأتوبيس في ميدان العتبة. تخترق زحام شارع الموسكي، إلي مبني بنك باركليز، بالقرب من بداية الشارع. تنتظر أباها حتي موعد انصرافه، ساعة أو أقل. يصحبها في الطريق نفسه. يعبران الميدان: قسم شرطة الموسكي، ومبني المطافي، والبريد المركزي، إلي ميدان الأوبرا. تعرف أن تمثال إبراهيم باشا قبالة باب الأوبرا. شاهدت عروضاً إيطالية وفرنسية. رددت مع أبيها ـ في طريق العودة ـ ألحاناً مما استمعا إليه.
حدثته عن سيمفونيات سترافنسكي وبيتهوفن وموزار وباخ وواجنر. استعاد الأسماء، أو تظاهر بأنه يعرفها.
قال:
ـ أحب الغناء من أبيك، لكنني لا أحب عروض الأوبرا، لا أفهم الكلمات، وأجد في الألحان مجرد زعيق!
ورفع راحتيه كالمعتذر:
ـ أفضل أن أكون صادقاً فيما أتذوقه، ولا أنساق إلي ما لا أفهمه!
اتجهت بنظرها إلي الأرض تداري ابتسامة:
ـ ليس الأمر صعباً إلي هذا الحد!
وعدت بأصابعها:
ـ إنها ـ عادة ـ مجرد أربع حركات موسيقية، لو أنك أعطيتها اهتمامك فستجد فيها ما يستحق السماع.
وضغطت علي الكلمات:
ـ لو أنك أعطيت انتباهك، ربما تبدل رأيك.
ـ الموسيقي الشرقية هي التي تجتذبني، تطربني، لا تعادلها عند موسيقي أخري.
تمني لو أن فمه ظل مغلقاً. يؤلمه أنه ـ إذا تحدث ـ قال كلاماً سخيفاً، وبلا معني. لم يكن يحسن التعبير عما في نفسه، أو يخفيه.
روت حلماً استقرت به نفسها: وقفت ـ متحيرة ـ أمام طريقين تظللهما أشجار مشابهة لأشجار حديقة الفيللا.
عادت من أحد الطريقين، بعد أن تساقطت ـ بمجرد الخطو ـ أمطار طينية. اصطبغ بالسواد جسدها، وما عليها من ثياب. وضعت قدمها ـ بالخطوة الأولي ـ في الطريق الثانية. تشجعت ـ بالأوراق الخضراء المتساقطة ـ علي مواصلة السير.
رأت ـ في نهاية الطريق ـ شخصاً يشبهه. تأملته. هو نفسه من كان يقف تحت شجرة هائلة تماثل أشجار الحديقة.
مدت ذراعيها، تحاول التأكد مما رأته.
صحت علي لكزة دومينيك المترفقة في كتفيها:
ـ من تكلمين؟
شيء ما في نبرة صوتها دفعه ـ بينه وبين نفسه ـ إلي استعادة ما قالته: هل رأت حلماً، أو أنها تومئ بما تصورت أنه لا يشغله؟
***
ناوشه السؤال، وإن خنقه في داخله: هل عرفت شباناً قبله؟
فطن إلي أنه ليس أول من عرفته. وشت تصرفاتها بما حاولت إخفاءه. بدت الآفاق ـ بمجرد التلميح ـ غير واضحة، وقد تطالعه بما يبعدها عنه.
يضايقه الكثير من تصرفاتها، وما ترويه، لكن شيئاً غامضاً يربط بينه وبينها، ليس الحب وحده، لكنه شعور بالألفة والطمأنينة.
كان يمني نفسه ـ قبل أن يلتقي سيلفي ـ بعلاقة حب. لم يرسم للفتاة ملامح في ذهنه، ولا تصور كيف تبدأ العلاقة، ولا كيف تنتهي.
.....................................
*الوفد ـ في 1/1/2008م
د. حسين علي محمد
01-12-2008, 10:07 AM
ذاكرة الأشجار (3)
رواية: محمد جبريل
....................
ملخص ما نشر: "احداث الرواية في بداية الستينيات، ماهر فرغلي موظف بدار المعارف، تعرف - بالمصادفة - الي سيلفي جومييه، تطورت العلاقة الطارئة الي حب، تردد علي بيت أهلها في الزيتون،وتعرف علي أمها وابيها، ظل علي حبه لها، وان احتفظ في نفسه بمؤاخذته علي ميلها الي الكذب في كثير مما ترويه".
أهمل السؤال: كيف دخل عياد حياتهم؟
وجده يجلس - فترة بعد الظهر - الي دومينيك، يكلم سيلفي وجان، تتسم عباراته بالألفة، وما قد يبدو جرأة، أنطوان - وحده - بدا أنه لايطيقه.
في حوالي الثلاثين، قمحي البشرة، اوضح ما يميزه شعر أكرت، وعيناه بنيتان، لامعتان، وأنف متضخم، وشفتان ممتلئتان، اميل الي الهدوء، لايبين عن حقيق مشاعره، ولا يبدو عليه التأثر ولا الانفعال بما يوجهه اليه انطوان من اسئلة وملاحظات، ولا ما يتشابك امامه - أحيانا - من مناقشات بين انطوان وجان، عدا احاديثه الهامسة مع دومينيك، فانه يظل صامتاً، لايتكلم الا ليلقي سؤالا، او ليجيب عن سؤال.
العربية لغة الاسرة مع ماهر وعياد، وان لجأوا - فيما بينهم - الي لغتين، عرف ماهر من سيلفي انهما الفرنسية والايطالية.
لم يكن عياد يغير كرسيه في زاوية الشرفة التي تقف علي أعمدة حجرية، تطل واجهتها علي الشارع، ومن الجانبين علي الحديقة، معظم وقت الزيارة تبادله دومينيك مناقشات هامسة، كأنهما يتكلمان عن اسرار لايريدان لاحد ان يعرفها، تومئ دومينيك لعياد مستأذنة، تتنقل داخل الفيلا، ما بين الصالة، والحجرات الخمس، والمطبخ، والحمام، لتجديد هواء حجرة الام، تحرص - في اوقات متقاربة - الي فتح النافذة، بينما تظل الستارة مسدلة، تنهي ما تنشغل به، تعود الي الاحاديث الهامسة.
ربما اختار ماهر الجلوس في طرف الشرفة يتشاغل بالتطلع الي حركة الطريق الهادئة - ساكنة تماما في معظم الاوقات - من خلال الفروع والاغصان والاوراق.
كان عياد يتجه باسئلة متباعدة الي المسيو ميكيل، طلب نصيحة انطوان في نقود يريد ايداعها البنك، واجهه بعينين تطلبان النصيحة، بداية مناقشة قد تخرج انطوان عن صمته.
قال انطوان وهو يشير الي الحجرة اليمني:
- جان.
عرف عياد انه يريد ان ينقل له شعوراً بعدم رغبته في الكلام.
قد يفاجئه انطوان بملاحظة، يهملها، او يحاول - في كلمات قليلة - توضيح موقفه.
لم تنشأ بينه وبين ماهر علاقة من اي نوع، لا صداقة ولا عداوة، كان يعبر ماهر بنظراته، اذا التقت النظرات، اكتفي بايماءة، وان تحدثا - في اوقات قليلة - متباعدة، عن ظروف عمله في دار المعارف، ومخاوف عياد من قوانين التأميم - عرف انه يشرف علي مصنع صغير للنسيج بالوايلي، وان تردده علي البيت بدأ لمراجعات حسابية اجراها له المسيو ميكيل - واحوال الجو، ومباريات الكرة.
ضايق انطوان ان دومينيك لم تبتعد عن عياد حين اظهر معارضته لزواجهما، اظهر ضيقه - ذات عصر - وهو يخترق الردهة الي داخل البيت، لم ينظر ناحية دومينيك وعياد في جلستهما داخل السور المطل علي الحديقة.
اشار لها من حجرة الصالون.
واجهته بعينين زرقاوين، واسعتين، قلقتين، ووجه صبغته الحمرة، وشفتين مرتعشتين، وعروق نافرة في عنق شبيه بعنق الغزال.
عدلت - بعفوية - الايشارب الحرير الذي احاطت به رأسها، والفستان الشيت المزين بزهور ملونة، والشبشب المنزلي الذي اخطأت فيه موضع قدميها.
قال في صوت تعمد ان يكون مرتفعاً:
- هل تجدين ان هذا الرجل يناسبك؟
- ما يعيبه؟
- هل هو من بيئتنا؟
- لا اجد في إصبعا ناقصا، ولا اجد فيه اصبعا زائدا.
وهو يحرك قبضته امام وجهها:
- أمرتك الا تصادقي شابا من غير ديننا!
- هو صديق ابي وصديقي.. وخطيبي أيضا..
وزفرت في ضيق:
- وهو مسيحي، اختلافه في المذهب
وشت لهجته بالحسم:
- نحن كاثوليك..
وزاد ارتفاع صوته كأنه يصرخ:
- هل ضاقت بك الدنيا؟!
ثم من بين اسنانه:
- أنا لست روفيانو!
ارتجفت شفتاها، همت ان تقول شيئا، يعبر عن الرفض، او الغضب.
غالبت حشرجة:
- كف عن هذا الكلام!
شعرت انه ليس لديها ما تضيفه، فظلت صامتة.
عرف ماهر من سيلفي ان الكلمة تعني القواد.
ظلت دومينيك تستقبل عياد، يجلسان في الشرفة الدائرية، الواسعة، المطلة علي الشارع، او في الصالة، يتحدثان، ويتهامسان، حتي يتقدم الليل، فينصرف.
تعرف دومينيك ان الجرأة لاتنقصه، باح لها بخشيته ان يفقدها، يمنعه انطوان من دخول البيت فلا يلتقيان، لن تتاح له فرصة اللقاء في الكنيسة، او سوق الخضر، او الطريق، هذا هو عالمها، يصعب ان تجد فيه لحظات تنصت اليه، ترد علي اسئلته تأخذ منه وتعطي.
لم يكن يأخذ مع سيلفي او يعطي، مجرد كلمات مجاملة، يتجه كل منهما بكلامه الي دومينيك.
مرة وحيدة، ابدي ملاحظة حول الحرية التي تنطلق فيها سيلفي دون افق، ردد كلمات من صلاة الشكر: »من اجل هذا نسأل، ونطلب من صلاحك - يا محب البشر، امنحنا ان نكمل هذا اليوم المقدس، وكل ايام حياتنا، بكل سلام، مع خوفك، كل حسد، وكل تجربة، وكل فعل الشيطان، ومؤامرة الناس الاشرار، وقيام الاعداء الخفيين والظاهرين«.
ومضي الغضب في بريق عينيها، ورفعت كتفيها، ومضت الي الداخل.
***
قال انطوان لأمه في لحظات إفاقة:
- نحن نحرص علي زيارة الكنيسة، ونهمل اقامة الشيطان في بيتنا.
اضاف للحيرة في عيني الام:
- انا اري التصرفات، لكن الشيطان يختفي حيث لانراه!
اكتفت السيدة كاترين بنظرة ساهمة، بعد ان اوقفت دومينيك عن الدراسة، صار زواج الابنة - وحده - شاغلها، تملكها القلق لتأخر زواج دومينيك، خشيت ان يقعدها المرض، لايتقدم لخطبتها احد، تظل العمر عانسا.
................................
*الوفد ـ 8/1/2008م.
د. حسين علي محمد
01-17-2008, 10:05 AM
ذاكرة الأشجار (4)
رواية: محمد جبريل
.......................
ملخص ما نشر: ميكيل جوتييه، نمساوي الأصل، موظف سابق ببنك باركليز الذي خضع للتأميم في أوائل الستينيات. يقيم في فيللا بالزيتون مع أسرته المؤلفة من الزوجة كاترين والأبناء الأربعة. دومينيك تحب عياد القبطي المصري، وسيلفي تحب ماهر فرغلي الموظف بدار المعارف. أفراد الأسرة مشغولون بالمعاناة المرضية للأم، عدا الابن الأكبر الذي يرفض زواج إحدي البنتين من خارج دينها، أو مذهبها الديني.
تدخل الكنيسة في طريقها إلي شارع نصوح. تصر السيدة كاترين أن يترددوا علي الأب يوحنا، في عودتهم إلي الفيلا. تعبر الحديقة الصغيرة ذات السور الحديدي، وأشجار البانسيانا، العالية، إلي صحن الكنيسة، والأبواب الخشبية الثلاثة، باب كبير، يتوسط بابين صغيرين، تصعد إليها ثلاث درجات رخامية.
الخادم مشغول في نفض الغبار عن الأيقونات والصلبان المعلقة علي الجدران..
تشعل شمعة، وترسم الصليب علي صدرها، وتؤدي ـ بتمتمات ـ بعض الصلوات والأدعية، تجثو علي سجادة الركوع، تستغرق ملامحها في الترتيل.
قال الأب لدومينيك:
ـ لك صوت جميل..
وواجهها بنظرة متسائلة:
ـ لماذا تتكاسلين عن الترنم في الكنيسة؟
أقعدتها أمها في البيت. أعدتها لبيت الزوجية. علمتها الجلوس علي ماكينة الخياطة، وتطريز الستائر، والغسيل، والكي، والطبخ، وصنع الحلوي. تشغل نهارها، ووقتاً من الليل، في العمل، تكنس، وتمسح، وتغسل، وترتب، وتنفض.
تواظب علي القداس اليومي. تحرص أن تجلس في الصفوف الأولي، تتابع القداس بخشوع، تكثر من الجلوس أمام كشك الاعتراف، ربما حضرت صلوات المساء.
قبل أن يتردد عياد علي البيت، وتطمئن إليه، كانت تحرّم علي نفسها مجرد النظر إلي أي شاب، ولو بجانب عينها، ولو باللمحة.
لم تكن تسامح نفسها إذا تحركت مشاعرها لرؤية شاب. تلتقيه في الطريق، أو سوق الخضر، قد يطل من نافذة، أو يقف داخل دكان. تظل الملامح في بالها. تعرف أنها أخطأت بما يستدعي الاعتراف. ترسم علامة الصليب، وتسرع خطواتها إلي الكنيسة. تزور الأب يوحنا في حجرته، أو تضغط علي جرس الاعتراف، لتروي.
تكون ـ في داخلها ـ إحساس بأنها تمتلك من الحصانة ضد الإثم ما يعينها علي مواجهة أية مغريات..
أقسي أيامها حين يداهمها صداع، أو وجع في جنبها. يداخلها معه حزن لا تدري مصدره. تطيل النظر إلي السماء، كمن تناجي الظلمة والقمر والنجوم والسحب. تضيق بالأسئلة والملاحظات. تلزم حجرتها، لا تفارقها إلا لدورة المياه. يدفع من يتصادف وجوده الباب الموارب حين يعلو صراخها. ألفوا سيطرة نوبات التشنج عليها. تعاودها علي فترات متباعدة. تتطوح ذراعاها وقدماها، وتتسع عيناها، وتتصلب، ويسيل الزبد الأبيض من جانبي فمها. تظل في تشنجها وهي بين ذراعي أنطوان أو جان، لا يتركها إلا بعد أن تهدأ.
لم تعد الأدوية تعيدها إلي حالتها وصفائها النفسي..
رفض أنطوان نصيحة الشيخ جميل غازي إمام جامع العزيز بالله، بأن يقام لها زار. لم يفهم المعني في البداية، ثم رفضه تماماً..
ـ هذه طقوس إسلامية!
ـ ما يهمنا أن تخرج الجان من جسدها..
ـ الجان؟!
ثم وهو ينفض رأسه:
ـ لا أؤمن بهذه الخرافات!.
اعتادت التردد علي الكنيسة، والصلاة فيها، صباح كل أحد. تظل إلي ما بعد انصراف الجميع. يستقبلها الأب بابتسامة مرحبة. يسألها عن الأسرة. يعرف أفرادها بالاسم.
عرفت من الأب سر القربان المقدس، وسر الزيت المقدس، وسر التعميد، وسر المناولة.. أسرار كثيرة حدثها عنها الرجل..
لا تكتفي بالأحد يوماً واحداً تزور فيه الكنيسة. ربما ترددت عليها مرة أو مرتين في اليوم الواحد. تشعر بالضيق، أو بالوحشة. ترتدي ما تصل إليه يدها، وتمضي إلي الكنيسة. تنتظر فراغ الأب مما يشغله. يهبها إنصاته، ثم يشير عليها بما ينبغي أن تفعله.
أودعت الأب كل أسرارها. لم تعد تخفي شيئاً. حتي العلاقة بين إخوتها بعد رحيل الأبوين، روتها له، وطلبت نصيحته. أظهرت تخوفها من سعي أنطوان لبيع الفيلا، قبل أن يهاجر إلي أمريكا. هي الآن ـ وحدها ـ تعيش في الفيلا. ساعدها عياد في منعه من تحقيق غرضه.
تلقت ماء التعميد علي يد الأب يوحنا.
عندما طلب الأب أن تسمي ـ عند التعميد ـ كريستينا، رفضت الأم، وأصرت علي تسمية دومينيك.
ألفت قداس الأحد: المجامر والتراتيل والصنوج والترانيم والبخور ذا الرائحة المميزة والدكك الخشبية والصلاة وتناول الخبز السماوي ولذعة النبيذ وطبق العطاء..
كان الأب يوحنا علي ثقة من أن الخالق يساعد العباد علي أمور حياتهم، وما يطرأ من مشكلات. وكان يرفض النذور والقرابين. يري أن أفعال المرء هي طريقه إلي الجنة، أو النار..
يعرف بيوت الأسر الكاثوليكية في الزيتون، ويعرف أحوالهم، والمشكلات التي يواجهونها. لا تقتصر معرفته علي ما يفض به المترددون علي الكنيسة عن أنفسهم وراء الستارة المسدلة، إنما هو يزور البيوت، ويكلم من يلتقي بهم في الطريق، ويلحظ الغائبين، ويدعو الجميع، فيزورونه في الكنيسة. يسأل، ويجيب، ويناقش، ويبذل النصيحة. إذا تأخر أحد المترددين علي الكنيسة عن قداس الأحد، قرع الأب باب بيته في يوم تال، يسأل عن السبب. يعيب علي الكاثوليك من أبناء الزيتون أنهم يهملون تعميد أبنائهم، ولا يعنون بالتردد علي الكنيسة ـ دومينيك استثناء جميل ـ وأداء طقوس الدين، أو يترددون علي الكنيسة لمجرد أداء الواجب. ربما ترك الكنيسة إلي بيت ينتظره فيه من يعوزه القربان المقدس، أو سماع الاعتراف، أو تلقي المسحة الأخيرة.
يقبل الهدايا للكنيسة، ويرفض الهدايا لنفسه:
ـ لا أحب أن أقف في موضع الحرج!
***
ظل الأب صامتاً، يحمل في يده المرشة المضمخة بالماء المقدس. يحرص أن يلزم الجميع الصمت أوقات القداس. حتي السعلة، أو العطسة، يتجه ناحيتها بنظرة غاضبة. يغيظه الكلام داخل الكنيسة، وعدم الإنصات إلي عظاته، أو إلي طقوس الصلاة.
الصولجان المذهب يحيط برأس الأب. يستعيد إكليل الشوك علي رأس تمثال المسيح في مدخل الكنيسة، وإن خلا من إيحاء وجود الدم.
استقر الحضور علي الدكك الخشبية. الشمامسة الصغار يرتلون الترانيم، ويهزون مجامر البخور. أصداء الترانيم تتردد في الأسقف العالية، المتداخلة، والجدران. كورال الكنيسة يشدو قداساً بموسيقي باخ وموزارت وبوتشيني.
خفض الحضور الرءوس، وشبكوا الأيدي علي الصدور.
هذا هو العالم الذي تحبه: المذبح، وتضوع البخور، صليل الأجراس الصغيرة، أردية الكهنة الفضفاضة يختلط فيها الأبيض بالبني، وتحيط بها ـ في المناسبات ـ الخيوط المذهبة، العصا العاجية ذات القبضة المذهبة، الشموع المضاءة، عزف الأورغن، وتراتيل الجوقة، وأصوات المصلين المتناغمة، والعيون المسبلة، وعلامة الصليب، والتمتمات، والألحان السماوية، وترتيل الآباء والشمامسة، والقربان المقدس، والزيت المقدس، والمعمودية،والمناولة المباركة، وصلاة السبحة، وصلوات الغروب، والتاسوعات، وطقوس التبخير، والرنو إلي المغفرة.
مالت إلي حجرة الأب في يسار الواجهة. اعتادت الرائحة العتيقة، لا تدري مصدرها، ولا تستطيع تحديدها.
الصليب يعلو الجدار، وتمثال العذراء تحمل المسيح، وعلي الأرفف تماثيل صغيرة لقديسين وشموع ومباخر. تقبل يده، وتنصت إلي دعواته ونصائحه: عندما نتقبل صوت الله فإن الله يجتذبنا نحو المسيح.. تناول القربان المقدس والصوم والإخلاص في التوبة يوصلنا إلي اكتشاف يسوع المسيح.. علينا أن نكون شاهدين للمسيح، نعطيه كل شيء.. حتي حياتنا.. علينا أن نتأسف عن قبائح تصرفاتنا وكلماتنا وندينها.. عندما تتقبل صوت الله فإن الله يجتذبنا نحو المسيح. الأب والابن والروح القدس، الخالق الأزلي الأبدي، المالئ كل مكان، العالم بالأسرار قبل كونها.. كيف نخشي التوبة وقد أنقذنا الله من سلطان الظلمة ونقلنا إلي ملكوت ابن محبته؟.. احتمي بالمسيح، وتشبثي بنعمته، وقوة دمه الغفورة.
قالت دومينيك للأب يوحنا:
ـ ارتكبت خطيئة..
قال الأب:
ـ افتحي باب قلبك لأن المسيح واقف علي الباب يطرق..
واحتضنها بنظرة مشفقة:
ـ أن نعترف بخطيئتا، فهذه بداية صحيحة..
واتجه إليها بنظرة متأملة:
ـ هل هي خطيئة جسدية؟
وهي تغالب شعوراً بالأسي:
ـ ربما..
ـ كيف؟
تعمدت أن يعلو صوتها لتقضي علي التردد في داخلها:
ـ تركت يدي للشاب الذي أعرفه.. ظل يضغط عليها، ثم تركها..
أردفت وهي تعاني الانفعال:
ـ شعرت أني موافقة.
ـ لعله كان خائفاً..
ثم في نبرة مهونة:
ـ هل هو خطيبك؟
ـ ينوي خطبتي.
وتهدج صوتها بالانفعال:
ـ قال إنه يحبني.
ـ ما فعله ليس حباً..
وظل علي نبرته المهونة:
ـ إحساسنا بالذنب والخطيئة يقرّبنا من هاوية العقاب إلي حياة النعمة..
همست لتخفي التوتر في صوتها:
ـ أرجو ألا تبوح لأمي بما رويته لك..
قال:
ـ هل رويت لي شيئاً؟
وهي تشير إلي الكشك الخشبي في مدخل الكنيسة:
ـ ما رويته لك الآن..
اعتادت التردد علي القسيس في الكنيسة. يجلس في الكشك الخشبي ذي الستارة من القماش السميك. ينصت إلي اعترافها، إلي ما ترويه عما تري أنه خطايا ينبغي أن تستغفر عنها. تثق أنه يعرف أنها تعرف صوته..
هز رأسه دلالة الفهم:
ـ أنت لم تقولي.. وأنا لم أستمع..
أشاح بهيئة من لا يعنيه الأمر:
ـ للكنيسة قوانين.. وهي تحظر علي الكاهن أن ينقل ما استمع إليه من أصدقائه..
وفاضت ملامحه بالإشفاق:
ـ الكنيسة ليست للخاطئين ولا للمؤمنين. إنها لكل رعاياها..
..........................................
*الوفد ـ في 15/1/2008م.
د. حسين علي محمد
01-17-2008, 10:06 AM
الواقعي والمتخيل فى رواية «كوب شاي بالحليب»
بقلم: شوقي بدر يوسف
................................
مدخل :
تفصل بين الواقعى والمتخيل شعرة رفيعة ، غير مرئية ، لكنها محسوسة ، تصل الواقع بهواجس الذات وتوجهاتها ، وتفرض حقيقة الفعل الواقعى ورد الفعل التخييلى المصاحب له فى تعامل الإنسان مع ذاته ، ومع ما يدور حوله من ممارسات ، قد تكون هذه الممارسات غرائبية بالنسبة له ، وقد تكون غير مألوفة فى واقعه الذاتى ، إلا إنها تمثل مرحلة الوعى ، ومنطقة الإدراك ، وبؤرة التمييز بين ما هو حقيقى ، وبين ما يدور فى منطقة الهواجس من موضوعات يتمثلها المرء ، ويرسم لها حدود الاسترجاع ، والاجترار فى واقعه الآنى .
ولا شك أن القدرة التخييلية لاسترجاع الواقعى تجرنا فى بعض الأحيان إلى الإحساس بهذا الواقعى الذى ولى ، ومضى ، وكأنه حقيقة نراها الآن ، ونشعر بها ماثلة فى أذهاننا ، بينما هى فى الحقيقة منطقة موجودة فى اللاوعى تبدو وكأنها ذات قدرة على التشكل والتلون والظهور مرة أخرى بمظهر مغاير لما كان يدور فى المخيلة ، وأن محاولة استعادتها مرة أخرى ، ومعاودة استرجاع أحداثها التى مرت عليها سنوات طويلة ، تجعل التلاحم بين الواقعى والمتخيل مؤسساً لواقع جديد ، هو لا شك واقع إبداعى آنى له آليته الخاصة ، قد يختلف عن الواقع الواقعى فى أنه مشحون برؤية فردية أو جماعية خاضعة لقوانين المكان والزمان فى شكلها الذى ينتسب إلى التجربة الروائية فى كثير من الأحيان .
والروائى اليوم ينطلق فى أعماله بدافع التفاعل مع ما يدور فى عصره ، وبدافع التعامل مع المخيلة فى وظيفتها الإبتكارية فى سرد القضايا الدائرة فى حدود عالمه ، والتى قد تكون مختزلة ومختزنة فى بعض الأحيان فى منطقة اللاوعى ، وتلح فى الظهور من آن لآخر ، بحيث يصبح تشكيل مفردات هذا العالم بكل ما كان يحمله من تاريخ وقضايا وشخوص هو الحالة الآسرة لهاجس الكتابة ، وتكون تجليات هذا التشكيل هى المحور الأساس فى التعبير عن واقعه الذاتى والموضوعى من خلال المتخيل ، وما ينداح عنه من موضوعات تؤرّق الكاتب وتمس جوهر الممكن والمحتمل فى عالمه الخاص .
ولا شك أن رواية " كوب شاى بالحليب " للكاتب الروائى محمد جبريل تمتح من هذه الإشكالية ، إشكالية الواقعى والمتخيل ، كما أنها تعمل أيضا على استعادة واقع سردى شبه سيرى تتشكل هواجسه من محاولة تجسيد نسيج عام من ضروب الأحداث المعتمدة على نسيج آخر من التاريخ الواقعى ، يمتزج فى العديد من محاوره بالمتخيل السردى ، وما يصحبه من وجهات نظر خاصة تتمشى وتتوافق مع أحداث شبه مضمرة ، تأخذ من الواقع ملامح وجودها من خلال مجموعة من الشخصيات المتباينة فى الطبيعة ، وفى الاتجاهات ، جمعتها الظروف فى مكان له خصوصيته يرمز إلى واقع يمتد فضاؤه ليشمل هذه الذوات القادمة من أماكن لها أبعادها الخاصة ، من سوريا وفلسطين والبحرين والسودان وتونس ومن مصر أيضاً ، الجميع يجمعهم بنسيون قائم فى هذه المنطقة الشعبية من وسط القاهرة ، كما تجمعهم أيضاً طبائع إنسانية محددة ، ولكنهم يختلفون فى أنماط الممارسات ، وما يتحلق حولها من تسييس لرؤيتهم الذاتية تجاه بعض القضايا الماسة لذواتهم ، وبعض الممارسات الطبيعية التى يفرضها عليهم الواقع فى ظروف مثل ظروف معيشتهم داخل البنسيون ، كالأكل والجنس وممارسة الحياة بكافة تعقيداتها كيفما تكون ، لكل منهم سيرته الذاتية الخاصة ، ولكل منهم وضعيته ، وحياته النابعة من سلوكياته . وتعد شخصية سمير دسوقى الشخصية المحورية داخل النص والراوى المشارك فى الأحداث ، حيث تمثل شخصيته فى بؤرة الحدث الرئيسى البعد الواقعى النابع والمعتمد على جانب سيرى يفرض نفسه على طبيعة النص ، وهو يحدد منذ البداية ، الواقعى ، السيرى المستمد من تاريخ الشخصية التى هى فى بعدها الرئيس تبدو وكأنها هى شخصية الكاتب بكل ما تحمل من مقدّرات ، وقدرات خاصة ، وبواكير فى ممارساتها الحياتية فى مطلع الشباب ، فمعظم الشخصيات تعيش واقعها المؤقت فى البنسيون فى بدايات الحياة العملية ، بعضهم طلبة من جنسيات مختلفة السودانى والسورى والفلسطينى والتونسى والبحرينى ، وبينهم تاجر من سوريا واثنان من الموظفين المصريين نقلا إلى القاهرة بحكم عملهما ، هذه الشخصيات يجمعهم مناخ الاغتراب فى تيار حياتى له سطوته الخاصة ، ويتفجر دائماً ، ويعكس طبيعة البيئة ، كما تتحلق حولهم " عنابر " وهى امرأة تقوم على خدمتهم داخل البنسيون ولهم فيها مآرب أخرى ، بعكس شخصيات بنسيون " ميرامار " لنجيب محفوظ فقد كانوا فى الجولة الأخيرة من حياتهم ، وكانوا يرزحون تحت واقع من المتناقضات ، والصراعات الدائرة من داخل الذات وخارجها .
السيرة الروائية :
فى الحالة الإبداعية للروائى محمد جبريل يصعب وضع حد فاصل بين النص الروائى فى عالمه وبين سيْرنة هذا النص ، إذ أن الحالتين ممتزجتين فى العديد من جوانبهما ، كما أن عنصر الالتباس يكاد يفرض نفسه على هذه الحالة الروائية المطروحة أمامنا بجميع مقوماتها . فنحن فى كتاباته السيرية فى " حكايات من جزيرة فاروس " ، و " الحياة ثانية " ، و " مد الموج " ، ثم فى " كوب شاى بالحليب " نكاد نستبين نصوصاً ملتبسة تتأرجح ما بين السيرة الذاتية والروائية ، ومع ذلك فهى لها ذائقتها الخاصة، لكننا أيضاً نجد واقع السيرة الذاتية كما حددها كل من فيليب لوجون وجورج ماى فى تنظيراتهما حول هذا الفن ، تمتزج فى بنية هذه النصوص ، كما أن أعماله الروائية الأخرى نجد فيها أيضا شخصيته الذاتية قد تكون مضمرة داخل بنية النص ، وأحياناً أخرى تكاد تفصح عن نفسها تماماً . وفى روايته " كوب شاى بالحليب " تظهر فى بنية النص علامات تدل على أن معمار هذا النص يأخذ من النص السيرى ليمتح فى الواقعى الآنى ، ويحدد وقائع رواية سيرية تمتزج فيها أبعاد الواقعى مع هواجس المتخّيل فى رؤية وتجربة ، مضافة إلى هذا العالم المجسد للتاريخ الاجتماعى لشخصيات الكاتب المستعادة فى معظم نصوصه تقريباً ، فالسرد قد جاء فى هذا النص بضمير المتكلم ، والشخصية واضح من تركيبتها الأساسية ، وبواكير ممارساتها داخل النص ، أنها تبحث لنفسها عن مكان فى هذا العالم منذ أن وعت أن عالم الصحافة هو عالمها الخاص ، وهى سمة تكاد تتطابق مع تجربة الكاتب الذاتية تماماً ، كما أن المكان الجديد الذى بدأ يبحث لنفسه عن موضع قدم فيه كان هو الآخر غير المكان الأصيل لعالمه وهو الإسكندرية ، أى أنه قد ترك الإسكندرية ليمهد لنفسه طريقاً إلى المختبر الجديد ، مختبر الصحافة ، وكانت القاهرة هى محط الأنظار بمركزيتها ، ومكانتها الإعلامية الكبيرة . كما أن وجود بعض الأسماء فى عالم الصحافة مثل سعد الدين وهبة ، وأحمد عباس صالح ، ونعمان عاشور ، وطوغان، والذين جاء ذكرهم فى سياق السرد قد أصل أيضاً هذا البعد السيرى ، وحدد من خلاله البعد الرئيس لهذا الجانب ، لارتباط هذه الشخصيات بالذاكرة الجمعية فى عالم الثقافة فى بواكيرها الأولى عند الكاتب . إضافة إلى أن الأحداث السياسية التى صاحبت تواجد الراوى فى القاهرة فى تلك الفترة المرتبطة بالوحدة بين سوريا ومصر هى الفترة نفسها التى بدأ فيها الكاتب حياته العملية ، وهى نهاية الخمسينيات من القرن الماضى . لذا نجد أن الواقعى التاريخى فى حياة شخصية سمير دسوقى فى رواية " كوب شاى بالحليب " هو نفسه البعد السيرى الذى يرويه الكاتب على لسان الراوى – الذى يمثل الكاتب – وهو هاجسه الخاص وسط هذا الكرنفال السائد فى أرجاء البنسيون الذى أقام فيه بالقاهرة وسط لهجات مختلفة ، وأنماط متباينة من البشر ، ووجهات نظر متعددة تضطرب معها علاقات المعنى والقيمة : " فالجميع يتحدثون فى الفن والأدب والموسيقى والرياضة وأحوال الجو وزحام المواصلات ومباريات كرة القدم ، يخوضون فى مناقشات ودعابات ، يتبادلون قراءة المنفلوطى والحكيم ومحفوظ والسباعى وجوركى والشرقاوى وطه حسين وحقى وتشيخوف ومكاوى وباكثير وقصائد شوقى وحافظ ونازك الملائكة والسياب وكتابات فرويد وسارتر وكولن ولسن ومندور والعقاد وسلامة موسى " . بجانب هذا الزخم الثقافى والمعرفى يبدو الجنس وكأنه وجبة دائمة وميسّرة لسكان البنسيون " : اعتاد الطرقات على باب الشقة يفتحه ويتراجع ، وهو يخفض رأسه ، أو يتجه إلى الفراغ، تدخل المرأة باندفاعة – اندفاعة دائماً – كأنها تلوذ بالبنسيون من مطاردة " . ولا شك أن البناء الذى أنتجه الكاتب تتبدى فيه التقنيات الروائية المعروفة ، ويلتقى فيه الواقع بالمتخيل ، والممكن بالمحتمل ، والرصد بالتنبؤ ، والتحليل بالتركيب ، كل هذا يخرج من دائرة البطل الذى يدفعه الحاضر ليسترجع ماضيه ، خاصة بواكير تجربته الأولى فى الحياة العملية بكل ما تحمل ، فى بنية سردية سيرية ولكن من منظور روائى ، وكما قال جابر عصفور عن العلاقة بين الرواية والسيرة الذاتية " العلاقة وثيقة بين كتابة السيرة الذاتية وكتابة الرواية من هذا المنظور ، وسواء كنا نتحدث عن تقنيات السيرة الذاتية الأدبية ، أو عن " رواية السيرة الذاتية " أو " رواية الفنان " أو " رواية الروائى " أو ما شابه ذلك ، فإن تداخل الحدود لافت فى المجال السردى الذى يؤلف بين رغبة الاعتراف والبوح ورغبة السرد والقص، وكلتاهما رغبة ملازمة للأخرى فى دلالتهما على بعض ملامح الإنسان المعاصر الذى استبدل الاسترخاء على أريكة المحلل النفسى بالجلوس على مقعد الإعتراف فى الكنيسة ، وبعض ملامح الروائى المعاصر الذى استبدل الكتابة المباشرة عن ذاته اكتشاف هذه الذات وإعادة بنائها فى علاقات الرواية التى تصل الخيالى بالواقعى، والحقيقى بالمجازى ، عبر تعاقب أزمنتها المتداخلة " ( جابر عصفور : زمن الرواية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999 ص 57 ) . وهذا هو ما احتفى به محمد جبريل فى روايته " كوب شاى بالحليب "، حين استخدم تفاعلات الواقعى بالمتخيل ، فى إقامة سرد سيرى حمل فيه من رواية السيرة الذاتية ، وتجربة الاعترافات ، ورواية الروائى ، إضافة إلى زخم من الشخوص لها تفاعلها الذاتى والكيميائى ، فالكاتب فى هذا النص يكتب عن الآخرين باستفاضة ملفتة ، ثم نكتشف أنه يكتب عن نفسه ، هو يؤرخ للآخرين ، ويستحضر تاريخاً سياسياً مرت به المنطقة ، وتفاعلت معه ، وعايشه معايشة كاملة ، وشارك فى الحديث عنه ، وفى تسييس وقائعه ، وفى الوقت نفسه نجد أن هواجسه المتخيّلة لها نفس الإشكالية .
الواقع المسّيس
لعب الواقع المسيّس دوراً أساسياً داخل النص فى بلورة قضايا وإشكاليات فرضت نفسها على هذا الواقع من خلال تنوع الشخصيات ، حيث يبدو الواقعى المسيّس فى حوار الشخصيات ومناقشاتهم حول ما يدور فى قضايا الساحة من صراعات سياسية وأيديولوجية ، خاصة ما طال منها موضوع الوحدة بين سوريا ومصر ، والحالة الرافضة هناك فى " الإقليم الشمالى " سوريا للقيود الجديدة المستمدة من واقع الحال فى " الإقليم الجنوبى " مصر ، والإفصاح عن أسماء الضباط السوريين الذين بادروا بالانفصال ، والآلية التى نوقشت بها هذه القضية . فالحوار الذى دار بينهم حول العديد من القضايا ، والتى من بينها القضايا السياسية الساخنة ، يضفى على بنية النص بعداً تمهيدياً لما سيسفر عنه الفعل الروائى بعد ذلك . ولعل المواقف الجنسية كانت هى الطرف الآخر من الخيط ، والمكمل للمواقف السياسية الدائرة على الساحة ، والتى تشغل بال سكان البنسيون ، خاصة فى أوقات المساء ، باعتبار أن الجميع طرف فى القضايا المطروحة من بعيد أو قريب . كما كان الجنس وتوابعه فى البنسيون يرمز إلى الطبيعة الإنسانية الباحثة عن المتعة الشبقية ، بجانب البحث عن متعة المناقشة والجدل حول القضايا السياسية الساخنة ، والقضايا التى تشغل بال العامة والخاصة فى ذلك الوقت . ومن ثم كانت السياسة والجنس وتوابعهما فى البنسيون يرمزان إلى أنهما وجهان لعملة واحدة داخل هذا المكان ، وأن من يتعاطى السياسة ، ويدلى فيها بدلوه هو الذى يدلى بدلوه أيضاً فى دوامة الجنس ، وضبابيته المسيطرة على واقع المكان الرامز إلى الواقع العام . ولعل تسييس الواقع داخل النص وبلورة المتخيّل فى تأصيل واقع كل شخصية ، قد أعطى النص مواقف متشابكة ومتداخلة .
فالشخصيات المتحررة من قيود التركيب ، والباحثة فى نفس الوقت عن متعة الحياة ، والمتواجدة فى ساحة البنسيون ، ترمز إلى الرأى العام الذى كان يرزح آنذاك تحت وطأة وأثقال المغيبّات بأنواعها المختلفة ، وقد كان الجنس وجدل السياسة هما أهم أنواع هذه المغيبّات ، والوهم المستبد بالجميع .
زمن سادوم وعامورة
يحتل الجنس فى رواية " كوب شاى بالحليب " مساحة تبدو داخل البنسيون وكأنها مساحة الزمن كله ، فهو فى تنويعاته المختلفة يعبر عن واقع هذا الزمن ، ولعل الاهتمام الزائد بالجنس فى الرواية ، وما يمثله من بؤرة دالة تشغل مساحة كبيرة من النص ، يمثلها هذا المجتمع شبه المغلق ، بل إن المكان ذاته وهو يحاصر هذه الأجساد ويحتويها ويجعلها خاضعة للحاجة ، إنما يعبر عن طبيعة الزمن ، إضافة إلى طبيعة المكان ذاته ، وطبيعة المشاعر الحاصلة فيه ، ولعل الرغبات الجامحة أيضاً عند بعض شخصيات الرواية تعطينا دلالة على أن المتعة الشبقية العابرة كانت هى عقدة الجميع داخل هذا المكان ، وأن لكل رغبته الذاتية التى يعوّل عليها فى متعته مع الجنس ، وأن الجسد المباع كان هو الآخر يمثل بعداً تأويليا لمنطق هذا الزمن الحافل بالتهرؤ والزيف والفساد . فجميع النساء اللاتى وطئن أرض البنسيون بما فيهن " عنابر " التى تعمل لخدمة النزلاء ، كن من نسيج هذا الزمن ، بل إنهن من صنعه ، لكل حاجته الخاصة المادية والإشباعية ، فالعقدة الأوديبية عند الراوى دفعت به إلى امرأة تعدت الأربعين ، أعطاها عنوانه وهو يعرف فى عقله الباطن أنها ستحضر إلى البنسيون ، بعد أن كان كثيراً ما يغض الطرف عن رغبته وحاجته الخاصة للجنس ، وسط هذه الحالة العامة التى عايشها بين زملائه من نزلاء البنسيون، وكانت تلك هى المرة الأولى التى مارس فيها الجنس فى هذا المكان ، وإن كانت له محاولات لا تتعدى الملامسة والقبل . وإذا تتبعنا ملامح الأيروسية عند باقى النزلاء فسنجد أن المكان والزمان كليهما كانا يعبران عن هذه الأيروسية دون مغالاة ، بل ودون مبالاة أيضاً ، حتى أن صاحب البنسيون نفسه عندما حضر فى زيارة روتينية لم يعر مظاهر الجنس التى سمع عنها أى شيء ، إنما كان همه فقط أن الحديث عن السياسة من وجهة نظره هو الممنوع داخل البنسيون ، ذلك أن الجميع كانوا يعيشون الجنس من خلال الواقعى والمتخيل فى آن واحد ، بما فيهم " عنابر " المرأة التى تقوم على خدمتهم، هم يمارسون الجنس بواقعيته المعهودة ، لكنهم ينفذونه بمتخيلهم الخاص وطبيعتهم الذاتية ، فجلال ضيف الله يهمل المقدمات فى العلاقة الجنسية ، ويقتحم هذه العلاقة مباشرة ، ولا يشغله ما تريده المرأة ، أو ترفضه ، فهى إناء يفرغ فيه ما يلح عليه ، ثم إنه يترك لها النقود على السرير ويغادر الغرفة قبل مغادرة المرأة لها . كما أن له فلسفته الجنسية الخاصة " كان يشتهى الكاحلين بقوة ، يتطلع إلى لحظة – تبدو قاسية فيرجئها – يلامس فيها المساحة التى أحبها من ساق المرأة ، يتشممها، يلعقها، يدفس قضيبه – إن استطاع – فيها، يستغنى عن اللحظات التى يتحدث فيها ، ويتصورها ، من يعيشون فى البنسيون ، ويترددون عليه " . وقد أتى ذات مساء ببائعة فجل من ميدان باب اللوق ليمارس معها الجنس معللاً ذلك بأن رائحتها أثارته .
أما الفلسطينى غسان جبر زميله فى الحجرة فقد كان له وجهة نظر خاصة تجاه الجنس تنبع من مخيلة ذاتية ، فهو يتطلع إلى هذه العلاقة من خلال علاقة حسية وذاتية كاملة ، الجنس جزء منها ، والباقى علاقات تتواصل من خلال العاطفى والثقافى معا " كان يتطلع إلى علاقة الحب بين دماغين ، يصعب إهمال العلاقة الحسية ، لكنها تمثل علاقة فى ذاتها ، هى جزء من كل ، يقرأ وتنصت، تقرأ وينصت ، يتناقشان ، يتفقان ، يختلفان ، يشتد الميل فتتلامس الشفاه ، ربما استغرقهما العناق ثم يعودان إلى ما كانا يقرآنه " , ولما كانت أمه هى المرأة الوحيدة التى يعرفها معرفة كاملة ، إضافة إلى واقعه المادى والرومانسى ، فقد كانت التجربة الجنسية المفاجئة له فى البنسيون تكاد تنحصر فى علاقات قليلة من خلال أنه يريد أن تعطيه المرأة نفسها عن اقتناع ، وبمحض إرادتها هى لا برغبته الجنسية هو " يقرفه أنها تعرى أسفل جسدها ، وتنتظر رد الفعل دون أن تنظر فى عينيه " . أما شخصية السودانى جزرة الشفيع فقد كان على النقيض من الجميع فى عشقه للجنس لذاته ، لا يهمه شكل المرأة ولا ملامحها ، يمارس الجنس فى أى وقت ، وفى أى مكان داخل البنسيون ، ولا يشغله حتى وجود من يتابع الحدث ، هى بالنسبة له أمور ثانوية تافهة ، حتى أن سمير دسوقى كان يرى بنفسه ما يفعله جزرة ، وكانت تذهله هذه الجرأة التى كان عليها " أمام النافذة المغلقة المطلة على شارع منصور ، رأى جزرة يتبادل القبلات مع امرأة ، بدت الرغبة الحسية حياته . دافعاً إلى التفكير، وإقامة العلاقات . كان يقدم على فعل الجنس فى أى مكان ، فى الحجرات، فى الصالة ، فى الطرقة بين الحجرات . لم يكن فى حياته ما يفوق الجنس . اهتياج جسده يفاجئه فى لحظات لا يتوقعها ، قد يحركه تصرف أو عبارة ، ينتهز فرصة خلو البيت فترة الصباح ، يمارس الجنس مع عنابر فى حجرات البنسيون . الحجرة التى يقفان أمام بابها . يحرص على اللحظة ، يطيلها ، حتى الحمام كان يغلقه عليه ، ويمارس الحب ، يتفنن فى أوضاع العلاقة ، يحاول إطالة لحظات المتعة، ربما ترك للمرأة اختيار الوضع الذى تفضله . لم يكن يشغله وجود من يتابع الحدث " .
فى معرض لوحاته وتجسيده الواقعى وهواجس التخيل يبدو الجنس فى رواية " كوب شاى بالحليب " محمّل بالحالتين ، إلا أن الواقعى منه يتحرك تحت قشرة ذاتية ، تختبئ وراءها هواجس المتخيل الدافعة إلى تفاعل الرغبة بهذه الطريقة المفرطة . ولا شك أن للمكان دور فاعل فى إذكاء هذه الحالة حتى إنها تتحول ـ فى بعض الأحيان ـ إلى أسلوب حياة لا يمكن الاستغناء عنه . وهو ما وضح فى ممارسات معظم الشخصيات التى عاشت بطبيعتها الذاتية داخل البنسيون . والبنسيون ـ كمكان ـ يستمد سطوته من الحرية التى يشعر بها النزلاء ، خاصة فى غيبة الوعى والإدراك ، وتعتمل فيه سطوة الجنس لتشمل الجميع حتى ضعفاء الرغبة سرعان ما نجدهم يتحولون إلى النقيض . إلا أن الجانب المعتم من أعماق النفس كثيراً ما يجد بصيصاً من نور ، يتمثل فى محاولة الضمير رأب الصدع الذى يصيب أعماق النفس المظلمة والمعتمة ، يغذيه أحياناً الضغط النفسى وعذاب الضمير . لذا كانت قملة العانة التى أصابت سمير دسوقى فى إحدى ممارسته الجنسية ، والتى ـ ربما ـ أتت بها " مارى "، هى مرحلة التحوّل التى أصابت الجميع داخل البنسيون . ولعل ظهور هذه الحشرة فى نهاية النص ، مع الأخبار التى وردت بحركة الانفصال بين مصر وسوريا ، كان هو الكابوس الفظيع الذى خيم على مناخ الحالة العامة والحالة الخاصة ، وكأنه حشرة كافكا التى تلبسته فى صباح أحد الأيام بطريقة مفاجئة . لقد استحضرها الكاتب ليعبر من خلالها عن المتخيّل المستقر فى البنسيون ، وفى مصر كلها " : استغرقه صمت الليل والقراءة ، انتفض لرؤية حشرة تتحرك فى آعلى الصفحة ، قذف الكتاب دون أن يتدبر رد فعل الصرخة .
رمق رصات الكتب بنظرة متشككة . هل يحرقها ؟
أيقظته يد وردى المتقلصة على كتفه ، وهو يغالب الحشرة الهائلة ، استطالت ، تضخمت ، بدت جسما شائهاً له آلاف الأعين والأقدام والأرجل ، يملأ فراغ الحجرة إلى الجدران والسقف ، تهم بابتلاعه " . ملأت الحشرة المتخيل الواقعى عند سمير دسوقى بحيث أصبحت رفيقته فى صحوه وأحلامه ونومه ، أصبحت هى الواقعى فى حياته ، وفى هاجسه المتخيل ، تبدو وكأنها كابوس يختلط بكل شئ حوله ، ووسط هذا الكابوس الكبير فى حياتهم داخل البنسيون . وفى ذروة تعاملهم مع حشرة العانة يسمعون خبر الانقلاب السورى على الوحدة ، ويسمعون أسماء قادة الانفصال النحلاوى والكزبرى وغيرهم . آراء متعددة حول الوحدة وما حدث لها . أخبره الطبيب بأن الحشرة فى حياتهم ما هى إلا وهم ، ووهم كبير . بلغ الوهم عند سمير دسوقى قمته بحشرة العانة ، وبفشل الوحدة بين سوريا ومصر و لم يوقظه من هذا الوهم سوى العودة إلى الإسكندرية مسقط رأسه . ويترك الجميع البنسيون بناء على طلب الحاج كامل مهدى صاحب البنسيون . ويودع كل منهم صاحبه .
قال الزهراوى لسمير دسوقى وهو يودعه : " سأفتقد دعوتك على كوب الشاى بالحليب "
بهذا النص الملتبس ما بين الرواية والسيرة والمكدس تكديساً لا حد له بالوقائع والأحداث التفصيلية ، وبهذا الوهم الكبير الذى عاشه الجميع سواء على مستوى الحياة الكبيرة فى مصر وسوريا ، أو على المستوى الخاص داخل البنسيون ، وما واجهه الجميع فى الواقعى والمتخيل ، نجد أن النص يتخذ شكل التعبير التسجيلى والتقرير الشديد الدقة ، فى توقيتاته المحددة وتفاصيل أحداثها الظاهرة والباطنة ، الواقعية والمتوهمة ، لهذا كان هذا المناخ الكابوسى الذى ظللت الجميع خطوطه العريضة من الواقعى فى هذه الشخصيات ، ومن المتخيّل الحلم الجميع فى مصر وسوريا ، ومن بنسيون شارع فهمى أيضاً .
د. حسين علي محمد
01-17-2008, 10:07 AM
كوب شاي بالحليب
رواية : محمد جبريـل
>>>>>>>>>>>
الإهداء
إلى عبد الله أبو هيف ، وأحمد إبراهيم الفقيه ، وصالح مفقودة ، وعبد الرحمن تبرماسين ، وعمار شلواى ، وأحمد زيـاد محبـك ، وعبد المجيـد زراقط
صداقات أعتــز بها
***********
حين أفقت ، كان العالم فى الظهيرة .
" رامبو "
******************
نكتفي بنقل الفصل الأول فقط،
...................................
ـ 1 ـ
عاد ـ قبل الغروب ـ من جولة فى الشوارع القريبة . تأمل محطة القطار بأبوابها الخشبية العالية ، المفتوحة ، والساعة المستديرة تعلو واجهتها ، واللافتات على النوافذ والشرفات لأطباء ومحامين ومحاسبين ، والباب المفضى إلى السوق المزدحمة بالدكاكين وعربات اليد والمطاعم والإضاءة الشاحبة ، ودكاكين الأدوات المنزلية ، والباعة السريحة ، وبائع الصحف أول ميدان باب اللوق ، والمقهى ذا الضلفة الزجاجية الوحيدة المفتوحة ، بينما أُغلقت بقية الأبواب ، تبدت من خلالها النصبة والكراسى والطاولات المصفوفة لصق الجدران ، وثمة ثلاثة ، وربما أربعة ، انشغلوا ـ فى الركن ـ بحديث هامس . يطل على ميدان تتوسطه أحواض زهور ..
قال لنفسه وهو يميل إلى شارع فهمى :
ـ أهم شئ أنى وجدت محل كشرى سألجأ إليه كثيراً !
لم يكن فى باله حجرة بالتحديد . مجرد مكان للإقامة يستطيع دفع إيجاره . اللوحة الورقية المثبتة على الباب المضفر بتداخل الحديد " غرفة مفروشة للإيجار " دفعته إلى صعود السلمات الرخامية الست .
زيارته الثالثة للقاهرة ، وإن قدم ـ هذه المرة ـ بنية الإقامة .
قال أبوه فى استغراب وهو يعد حقيبته الوحيدة :
ـ أعرف أن خريج التجارة يعمل محاسباً .
قال :
ـ الصحافة لا تشترط مؤهلاً بالذات !
نزل من المترو فى محطة تريامف . الإقامة عند خالته محطة يبدأ منها . ابتسم لرؤية لافتة " مقهى الاتحاد " على ناصية شارعين . الاتحاد السكندرى ، النادى الذى يحبه .
سأل عن شارع الشيخ عبد الوهاب النجار . عبر الطريق إلى التقاطع الجانبى ، ثم مال ـ فى الميدان الصغير ـ إلى اليمين .
ثالث يوم ، قالت خالته وهى تبدى التأسف :
ـ هذا بيت رجل غريب .. قد يرفض إقامتك !
كان الرجل جالساً ـ بثيابه الداخلية ـ على كنبة لصق الجدار ، يمسد شاربه بطرف إصبعه ، وعيناه تتجهان إلى الفراغ بنظرة تخلو من المعنى .
عرف أن دور الصحف بالقرب من ميدان المحطة . غالب التحير وهو ينظر إلى المفارق والتقاطعات والشوارع المتفرعة . سأل عن الأسماء التى غابت لافتاتها : رمسيس ، الفجالة ، كلوت بك ، الجمهورية ، الجلاء ، السبتية ..
عبر الكوبرى الحديدى الموازى لمبنى المحطة . قال الرجل ـ فى وقفته على باب حلوانى ، يفصل بما يشبه المثلث ـ :
ـ هذا شارع الترعة البولاقية .. وهذا شارع شبرا .
اتجه ـ قبل امتداد الشارعين ـ إلى اليسار . أخذه زحام المارة والعربات والسيارات واللافتات والدكاكين المفتوحة . اخترق شوارع أخرى ، واسعة كالميادين ، ضيقة كالأزقة . اجتذبته لافتة " شقة للإيجار " . الشارع اسمه ابن الرشيد . البنايات وحركة الحياة أقرب إلى ما خلفه فى بحرى . تكلم الرجل ذو الجلباب والعمامة المطوية فوق رأسه عن الشقة بحجراتها الخمس ، وعن الإيجار الذى لا يساوى إيجار حجرة . أخذه الحديث فتكلم عن بدايته بائعاً بمشنة فى سوق الخضار القريب ، وعن أبنائه الذين أطلق عليهم أسماء الخلفاء الراشدين ..
قال متفكهاً :
ـ ماذا سميت بعد الخلفاء ؟
قبل الرجل ظهر يده :
ـ الحمد لله .. أربعة أولاد وبنت ..
ظل هدوء الحجرات الخالية يداخله بالخواء . يحرص على عدم التلفت حتى يمضى ـ فى المواجهة ـ إلى الحجرة الوحيدة التى يشغلها . بها سرير معدنى ، ومكتب خشبى صغير رص فوقه كتبه وأوراقه ، وكرسيان أحدهما للجلوس ، والثانى يضع عليه ثيابه . وفى الجانب طاولة خشبية ، فوقها حلة وطبقان وملاعق ، وبوتاجاز مسطح به شعلتان .
مضى ـ بنصيحة من خالته ـ إلى باب اللوق . فيه الكثير من البنسيونات ، والحجرات المفروشة ، والونس .
نادى على البواب .
طالعه بملامح عابسة ، وأومأ برأسه إلى شقة الطابق الأرضى . ضغط على الجرس ، وابتعد .. غابت التلبية من الداخل ، فترك البواب غرفته الخشبية الملاصقة لحنية السلم :
ـ صاحب الشقة حدد للسرير ثلاثة جنيهات فى الشهر ..
ـ سرير ؟
ـ الحجرة الواحدة بها سريران .. إذا أردت حجرة مستقلة ادفع ثمن السريرين ..
ـ لا بأس من الإقامة المشتركة ..
أعجب بالحجرة من النظرة الأولى . مساحتها الواسعة ، والنافذة المفتوحة ، المطلة على شارع خلفى . يشغلها سريران متباعدان بحجم مقابل جدارى الحجرة ، بينهما كليم منسوج من مزق الملابس القديمة ، تداخلت ألوانها ، وكومودينو ، فوقه طفاية سجائر ، وتدلت من السقف مروحة هائلة ، ساكنة . ولصق الحائط دولاب من ضلفة واحدة ، تغطت واجهتها بمرآة اسودت حوافها . يعلوها مستطيل يختلف فى درجة اللون عن بقية الجدار . خمّن أنه موضع إطار نزع فى القريب . وفى الجانب المقابل مرآة مستطيلة ، كبيرة ، ذات إطار فضى ، مزين بالأرابيسك .
ترامى من النافذة أصوات شجار ، وأغنية فى راديو ، ورائحة معسل ، وضربات نرد على الطاولة ، وهديل حمامة ، وهتاف مرتفع النبرة :
ـ أكثر من الصلاة والدعاء ، اقترب موعد موتك !
بدا المكان على غير ما رآه فى الصباح . شبان يجلسون ، ويقفون ، ويمضون ـ فى الطرقة الضيقة ـ إلى الأبواب المفتوحة ، والمغلقة ، ويخرجون منها .
غالب الحيرة أمام النظرات المتسائلة ..
الصالة مستديرة ، فى المنتصف طاولة يحيط بها ثمانية كراسى . بسطت على الأرض فروة خروف ، تهرأت فى مواضع منها . توسطت الجدار لوحة زيتية كبيرة لمنظر طبيعى ، فيه خضرة وأشجار وضفتا نهر ضيق ، أشبه بالترعة . إلى جانبها ساعة ببندول ، واقفة على الثامنة والثلث . رصت على النافذة أصص العتر والريحان والقرنفل ، تلاصقها صينية نحاسية ، بداخلها قلة مغطاة بسدادة بلاستيك ، تحيط بها حبات ليمون مغموسة فى الماء .
تلاقت تيارات الهواء ، فأنعشته ببرودة لطيفة .
لم يستطع الشاب ذو القامة الفارعة ، والبشرة السمراء ، والعينان السوداوان ، أن يلتقط اسمه . أعاد السؤال :
ـ اسم الكريم ؟
جاهد ليبدو صوته رائقاً :
ـ سمير دسوقى .. نزيل جديد ..
اجتذبهم من المناقشات والأحاديث الجانبية . علا صوت من ركن الصالة :
ـ مصرى ؟
هز رأسه دلالة التأكيد .
قال الشاب ذو القامة العملاقة ، والبشرة السوداء ، والعينان اللتان تعانيان احمراراً :
ـ أنا جزرة الشفيع ..
وأشار إلى صدره بسبابته :
ـ سودانى بالطبع ..
وتحركت يده فى غير اتجاه :
ـ هنا السورى والمصرى والفلسطينى والتونسى والبحرينى ..
واتجه إليه بابتسامة واسعة :
ـ نحن الآن جامعة عربية مصغرة ..
ثم وهو يؤكد على مخارج الكلمات :
ـ وهى كذلك جامعة من الشبان ..
قال عزام :
ـ إذا أردت أى شئ يمكنك أن تطلبه من عم راضى البواب ، أو من عنابر الشغالة ..
واستطرد فى نبرة تذكر :
ـ تترك الشقة فى الرابعة بعد الظهر ..
فى حوالى الخامسة والعشرين . أميل إلى القصر . فرق شعره من وسط رأسه ، له شارب كثيف ، عنى بتسويته ، هادئ الوجه ، لا يبين عن حقيقة مشاعره .
قلب الوسادة بتلقائية . هذا ما اعتاده فى ليلته الأولى بأى مكان يبعد عن بيت الأسرة . يضيق بالتصور أن أحداً ـ لا يعرفه ـ كان يضع عليها رأسه فى الليالى السابقة !
***
صحا على طرقات خافتة ، يرافقها النداء :
ـ يا أستاذ وردى ..
التفت ناحية السرير المجاور . الكومودينو الصغير الفاصل بين السريرين المتجاورين ، وضع فوقه وردى نور ساعته وكتبه وعلبة سجائره . أزمع أن يدس أشياءه الصغيرة تحت الوسادة . تتوسط الممر الضيق ـ بين السريرين ـ مشاية صغيرة . لاحظ أن وردى استلقى فى السرير . سحب الغطاء على جسده ، قال : تصبح على خير . ثم ما لبث أن راح فى النوم . أمه تتحدث عن نومه الخفيف . يصحو على أى صوت ، وعلى إضاءة النور . صحا على شخير وردى ، أو تنفسه العالى ، أو تململه فى سريره ..
همس وردى :
ـ حاضر ..
ثم اتجه بجسده إلى الناحية المقابلة ..
ـ حضرتك جديد ؟
هز رأسه دلالة الموافقة ..
اللكنة تغلب على صوته . وجهه مسحوب إلى أسفل ، شعره أسود متجعد ، كث ، ملامحه تشى بصغر سنه . يرتدى فانلة بيضاء من القطن ، ذات أكمام طويلة .
ـ خادمتك عنابر ..
فى حوالى الخامسة والثلاثين . أرسلت شعرها ـ فى إهمال ـ وراء ظهرها ، وعلى كتفيها . أهدابها مكحولة ، وشفتاها ممتلئتان ، لصوتها بحة مميزة . تضع حول عنقها عقداً من الخرز الزجاجى . يشى مظهرها أنها تجيد العناية بنفسها .
قالت :
ـ هل أعد إفطارك ؟
د. حسين علي محمد
01-19-2008, 03:53 PM
البعيدون عن العاصمة..هل هم بعيدون عن القلب؟
مسعود شومان: منطق الدرجة الأولي والثانية مع المبدعين.. عيب
د.سعد أبو الرضا: مسئولية قصور الثقافة نشر إبداعات الأقاليم
د.محمد زيدان: علي المبدعين اكتشاف مجتمعاتهم الإقليمية
أحمد المراغي: الجماعات الصغيرة والجهود الذاتية.. لا تكفي
يقدمها : محمد جبريل
.......................
علي الرغم من اسقاط مؤتمر أدباء الأقاليم صفة الأقاليم عنه واقتصار التسمية علي أدباء مصر. فإن مشكلة الأدباء الذين يقيمون خارج القاهرة لاتزال قائمة من حيث ابتعادهم عن وسائل الإعلام المؤثرة. وتفاقم مشكلات النشر في ظل مشروع للنشر يعتبرهم مجرد مبدعين اقليميين. فهو يكتفي باصدار كميات قليلة من كل كتاب أقرب إلي التوثيق دون الوصول إلي القاعدة الواسعة من القراء إلي جانب المهرجانات والمؤتمرات والأنشطة الثقافية بعامة والتي تكاد تقتصر علي العاصمة ومشكلات أخري كثيرة.
في تقدير د.محمد زيدان أن المناطق الحدودية والنائية تحتاج إلي اهتمام متزايد من المؤسسة الثقافية لا ينصب الاهتمام فقط علي النشاط العادي ولكن يتعدي ذلك إلي الاهتمام بالإنسان والمكان والتفاعل بينهما في ظل دراسة متبصرة بالعادات والتقاليد. وتشمل ذاكرة الإنسان كما تشمل ذاكرة المكان. ويتم تنفيذ ذلك بوسائل متعددة وموثقة. تجعل من وجود الإنسان في تلك المناطق فرصة لاكتشافها. وفرصة لاكتشاف ما بداخل المجتمع الذي يعيش في تلك المناطق. ولا تتوقف هذه الدراسات عند الحدود الآنية. بل تتعدي ذلك إلي الرؤية المستقبلية. والتي تواكب التوغل في الزمن.
ويشير الشاعر مسعود شومان إلي وجهة نظر مغايرة: لقد أصبح مصطلح "أدب المهمشين" من المصطلحات المنتشرة في الاعراف النقدية ليضم أنواعا شتي منها الأدب الشعبي وأدب الأقاليم وأدب المناطق النائية. يتحدث البعض بهذا المصطلح عن الأدب الذي يتناول حياة المهمشين. ولأن الخلافات حول تحديد مفهوم المصطلح لاتزال قائمة ولا تحدد الأنواع التي تنتمي له فإنني أري ضرورة تحديد المفهوم لأنه لا يزال غامضا وأعتقد أن المصطلح يمكن أن يضم كل هذه العناصر التي تنتمي إلي من يبدع النص بوصفه مهمشا عن آليات المركز. أو من خلال تناوله للعناصر المهملة التي تم تهميشها في الأدب. وكذا الابداع الذي يعده النقاد "درجة ثانية" وهو ما ينتمي للجماعة الشعبية من نصوص الموال والدوييت والواو الخ.. من هنا فإني أوجه الحديث إلي النقاد الذين تمترسوا خلف النصوص القديمة والتراثية دون التفات إلي الحركة المتمردة للنصوص الخارجة علي الأطر الكلاسيكية فهي تواجه بتهميشها وقمعها إن أدب الهامش ربما يشير إلي مواجهة مع أدب المتن أو المركز بوصفه النص السائد والمؤتلف مع المنتشر لذا لابد من توجيه العناية إليه.
قضية النشر
ويذهب الشاعر والناقد أحمد الصغير المراغي "سوهاج" إلي أنه من بين القضايا التي تؤرق الشاعر الجنوبي قضية النشر التي طالما طالب المبدعون الجنوبيون بحلها فالمبدع الذي يعيش في الأقاليم يجد مشقة في نشر إبداعه سواء كان شعرا أم نثرا. لأن القائمين علي أندية الأدب المختلفة هم مجموعة من الشخصيات التي تكتم علي أنفاس الشعراء الشباب في كل مكان وزمان انهم يفرضون ذائقتهم التقليدية علي هؤلاء الشباب ومن القضايا الأخري قضية عدم الالتفات إلي هؤلاء الشعراء الجنوبيين من قبل القناة الثقافية انها لا تسعي إليهم ولا تحاول أن تلتقي بهم بل تؤثر أن تلتقي بشعراءالعاصمة فقط ولا تأتي إلي الصعيد إلا في المناسبات علي الرغم من وجود فراغ ثقافي في المادة التي تقدمها هذه القناة لذلك فإن الشاعر الجنوبي تحديدا يعاني هذا التهميش الاعلامي لأنه يريد أن يتواصل مع الآخر في كل زمان ومكان. وعلي سبيل المثال فإن شعراء سوهاج لا يجدون من يأخذ بأيديهم للوصول إلي هذا الآخر من خلال النشر أو الاعلام المقروء أو السمعي أو المرئي لذلك فإنهم يحاولون أن يقدموا أنفسهم من خلال تكوينهم لجماعات صغيرة وأمسيات ثقافية ومطبوعات علي حسابهم الشخصي مما يكلفهم الكثير.
ويؤكد الأديب ناصر محسب "الوادي الجديد" وجود مشكلات في الأقاليم. والمدن النائية بخاصة. لم تتأثر باسقاط تسمية الأقاليم ومنها:
- قلة الاحتكاك والتواصل المباشر مع كبار الأدباء والمثقفين وذلك لعدم رغبة العديد منهم في الانتقال من القاهرة إلي محافظة الوادي الجديد التي تبعد 650 كيلو مترا.
- قلة الامكانات المادية للمحافظة وعدم دعم الأنشطة الأدبية والثقافية.
- عدم وجود بند إقامة وإعاشة في ميزانيات أندية الأدب مما يصعب من استضافة بعض الأدباء من المحافظات المجاورة.
وعلي الرغم من هذه الطفرة الهائلة والنقلة النوعية في مجال الأدب علي حد تعبير الشاعر الجنوبي جمال عجور فإن في الاقاليم العديد من المعوقات التي تعد بحق حاجزا بين الأديب والابداع ويمكن ايجاز هذه العقبات في طريقة نشر الأعمال الأدبية إذ يتكبد الشاعر أو القاص مسئولية الطباعة علي نفقته الخاصة ورغم ذلك ربما يلقي العمل طريقه للنشر وربما لا مع أن العبقرية قد تخرج من الكهوف كما يقول العقاد ومنها عدم الاهتمام الكافي من وسائل الاعلام الاقليمية رغم وجود قنوات تليفزيونية تستطيع أن تغطي كل الأمسيات الشعرية وتعرض ابداعات ومواهب أبناء الاقليم التابع لها فالأمسيات الشعرية عندنا تنجح بصورة لافتة والجماهير في الصعيد تجيد الاستماع إلي الشعر وتحترم الشاعر وتحرص علي حضور الأمسيات بصورة رائعة تشجع الأدباء علي الابداع وهذا من خلال تجربة ملموسة بمشاركاتنا في الأمسيات الأدبية التي تنظمها قصور وبيوت الثقافة في المراكز والقري.
ويلقي د.سعد أبو الرضا بمسئولية حل مشكلات الأدباء المقيمين خارج العاصمة علي هيئة قصور الثقافة ان العمل الثقافي في الاقاليم رعايته وتعميقه ومنح الفرص للمبدعين واتاحة فرص النشر لهم هو في مقدمة أهداف الهيئة ولن يتأتي هذا إلا بالتطبيق العملي لهذه الأهداف وعلي سبيل المثال فإن أندية الأدب يجب أن تتجاوز صفتها الاقليمية المحدودة من خلال تبادل الزيارات بين الأندية المختلفة ليس علي مستوي المدن الاقليمية فحسب وإنما علي مستوي العاصمة ومدن الاقاليم والنشر الاقليمي بصورته الحالية مجرد توثيق فلا معني لاصدار عشرات النسخ التي توزع في نطاق محدود للغاية المفروض أن يتم توزيعها علي المستوي القومي مثل كل المؤلفات التي تصدر عن العاصمة الأمر نفسه بالنسبة لمجلة "الثقافة الجديدة" يجب أن تصبح نافذة تطل منها ابداعات الأدباء المقيمين في الاقاليم علي مستوي القارئ العربي في كل مكان من المهم أن يشعر المبدع أيا كان موطنه أنه جزء من الكل فرد في قبيلة المبدعين وفرصته في الوصول إلي قراء العربية تتساوي مع فرص بقية المبدعين إذا حرصت هيئة قصور الثقافة علي تطبيق هذا الاسلوب فسينتفي احساس الغربة من الأديب الذي قد يبتعد بمكان الاقامة عن العاصمة لكنه يتفاعل مع الثقافة العربية في اطلاقها ويحرص أن يشارك فيها بابداعه وكتاباته بصورة ايجابية.
...................................
*المساء ـ في 19/1/2008م.
د. حسين علي محمد
01-19-2008, 03:55 PM
من المحرر
بقلم: محمد جبريــــــــــــــــــــل
.....................................
mlg_38@hotmail.com
محمد عبدالحافظ ناصف ينتمي إلي الجيل الحالي من مبدعي المحلة الكبري. اتسعت موهبته فشملت الرواية والقصة القصيرة والمسرحية والنقد الأدبي. لكنه - أتصور- وجد ذاته كمبدع- بصورة أعمق- في الكتابة المسرحية.
هذه المسرحية "حضرة صاحب البطاقة" تبين عن التمايز الذي حققه عبدالحافظ ناصف في مجال الكتابة للمسرح.
تختلف اجتهادات المؤرخين في الترجمة للشخصيات المؤثرة في المسار الإنساني. سلباً وإيجاباً. يبين ذلك- بصورة لافتة- في التناول التاريخي لشخصية الحاكم بأمر الله.
عشرات المؤلفات عرضت لسيرة الحاكم منذ غيبته ظروف يتحيفها الغموض. ثمة من وجد أنه قد استحق جزاء ظلمه للناس. وثمة -في المقابل- من ارتقي به إلي ما يشبه النبوة. فهو قد تواري ليعود إلي الأرض- ذات يوم- فيملؤها عدلاً. إنه ولي آخر الزمان الذي يأتي ليخلص الملايين من الظلم والمسغبة. بوسعك أن تقرأ كتابين لاثنين من أهم مؤرخينا المعاصرين. هما محمد عبدالله عنان وعبدالمنعم ماجد. تبلغ المفارقة حد التصور أن أحد الكتابين يتناول شخصية مغايرة للشخصية التي تناولها الكتاب الثاني. الحاكم في كتاب عنان يصدر في كل تصرفاته عن الجنون. أو ما يشبهه. فتصرفاته غير مبررة. وأفكاره من الصعب فهمها. وحياته مسلسل دموي من عمليات التصفية الجسدية. أما كتاب ماجد فيضع الحاكم في إطار المفتري عليه. وهو الأسم الذي اختاره لكتابه. فلم تصدر تصرفات الرجل إلا عن رغبة في رفع الظلم. وإقرار الحق. وتأكيد إنسانية الإنسان.
انعكس ذلك التباين في تناول شخصية الحاكم في الإبداعات التي حاولت توظيف التاريخ. من خلال شخصية الحاكم بأمر الله. ثمة من عني بالواقعة التاريخية. فجاء عمله الإبداعي صياغة حديثة لشخصية تاريخية. وثمة من جعل مادة التاريخ صورة لجوانب من الحياة المعاشة. وثمة من وجد في دراما الشخصية ما يستفزه لكتابة عمل إبداعي. قوامه الصراع الذي يصعب تصور مسرحية لا تقوم عليه.
ظني أن ثراء الشخصية التاريخية كان هو دافع عبدالحافظ ناصف لكتابة مسرحيته الخط الدرامي يتنامي في امتداد مسرحية. علي مستوي الشخصيات والأحداث.
الملاحظ أن معظم الشخصيات لها وجود تاريخي. وإن ضفرها الفنان- بإجادة- في درامية العمل الفني. هذا حاكم أفسده أعوانه. فمضي في الطريق الخاطئة التي أوصلته إلي نهاية قاسية.
اختار عبدالحافظ- حرصاً علي درامية الشخصية- أن تكون ست الملك. أخت الحاكم. هي المحرض علي قتله. ليس دفاعاً عن المحكومين. ولكن دفاعاً عن بقاء العائلة التي تحكم. أهمل الفنان ما توصلت إليه الروايات التاريخية. حول ما إذا كان الحاكم قد لقي مصرعه بالفعل. أم أن اختفاءه كان مقدمة لظهوره في يوم ما ينتظره أتباعه؟
هذا عمل جاد. يضيف حلقة جديدة إلي السلسلة الذهبية من كتاب المسرح المصري. إنه تعبير عن صوت إبداعي متميز. قدم -في مسرحيات عرضت بالفعل- ما استحق الالتفات. فضلاً عن الكثير الذي يعد به في محاولاته القادمة.
....................................
*المساء ـ في 19/11/2008م.
د. حسين علي محمد
01-26-2008, 04:00 PM
في معرض القاهرة..
البحث عن حل..لارتفاع سعر الكتاب
يقدمها: محمد جبريل
.........................
د.البنداري: أكثر من مشروع.. لتلبية احتياجات القراءة
د.نجوي عمر: النشر الالكتروني يعالج المشكلة
حسني لبيب: مطلوب تخفيض أسعار.. كتب المجلس الأعلي للثقافة
فكري النقاش: لا بديل حتي الآن لمكتبة الأسرة
ارتفاع أسعار الكتاب هو الظاهرة التي فرضت نفسها بقوة علي معرض القاهرة الدولي هذا العام.. وهي ظاهرة لا تقتصر علي جناح بالذات. ولا ناشر بعينه. لكنها شملت كل الناشرين. حتي كتب سور الأزبكية داخل المعرض لم تخلص من هذه الظاهرة.
يلاحظ د.حسن البنداري أن أسعار الكتاب في تزايد مستمر. وإن جاء سعر الكتاب في العام الماضي مناسباً لمن يريد اقتناء الكتاب. لكن غلاء أسعار الكتب يواكب الغلاء الذي نعيشه الآن. ليس في مصر فقط. بل في العالم كله. ومن الممكن أن نطرح حلولاً. حتي نشجع من يحب القراءة علي مواصلة هوايته. وذلك باستحداث سلاسل جديدة ضمن مشروع النشر في هيئة قصور الثقافة. ومنها سلسلة للقصة القصيرة. وأخري للشعر. وهكذا.. لأن هيئة قصور الثقافة قادرة علي نشر كتبها بسرعة. وهي تتحمل بعض العبء. وعلينا أن نترك عملية إعادة نشر وطبع الكتب القديمة. لأنها تعطل عملية نشر الكتب الحديثة. أما هيئة الكتاب فهي تنشر كتبها في فترة معينة بسعر زهيد. ضمن مشروع مكتبة الأسرة.. ونحن نريد أن يكون هناك أكثر من مشروع للنشر ليفي باحتياجات القراءة.
وتذهب د.نجوي عمر إلي أن الظاهرة التي تزداد تفاقماً في معرض الكتاب هي ارتفاع الأسعار. قلت الفوضي وضجيج الميكروفونات. لكن زيادة أسعار الكتب تتجاوز كل الخطوط. وإقبال زوار المترددين علي المعرض يتراجع عن الشراء من عام إلي عام. حتي أن الخصم الذي يتم بمناسبة المعرض يصير هامشاً وغير مؤثر في رفع أعداد المشترين.
وبصراحة لقد أصبح ارتفاع سعر الكتاب ظاهرة يجب التوقف أمامها. ومحاولة إيجاد حل حاسم لها. وفي تقديري أن مشروع مكتبة الأسرة يمتلك الريادة. لأنه يقدم خدمات كنا ومازلنا في حاجة إليها. لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلي مساندات. إما من جهات حكومية. أو من دور نشر أهلية. ولكن يبقي السؤال: هل تقبل دور النشر الخاصة بهامش ربح ضئيل في مقابل هذه الخدمة الوطنية؟. لو قبلت بهذا فسيصبح لدينا مشروع يوازي مكتبة الأسرة. وأتمني أن ينشأ مشروع آخر علي الكتاب الالكتروني. حتي يجذب أجيالا جديدة لم يعد يغريها الكتاب الورقي. مثل هذا المشروع سيحل تلك المعضلة الصعبة. وهي غلاء سعر الكتاب. حيث إن القرص المدمج ثمنه رخيص للغاية. وبهذا ينتشر الكتاب بصورة جيدة.
ولعل هيئة الكتاب في تقدير الكاتب المسرحي محمد عبدالحافظ ناصف هي المكان الوحيد الذي تدخله لتشتري كتاباً وأنت مطمئن. ولا تتحسس جيبك طويلاً. وتجد فيها ما تريده إلي حد ما. لذا أري الأمر في حاجة دائمة إلي المراجعة والتدقيق من قبل د.ناصر الأنصاري لاختيار الأفضل الذي يزيد الثقة بين القاريء والهيئة. وخاصة في مكتبة الأسرة التي أصبحت العمود الفقري لمكتبة البسطاء من القراء. الذين يتحسسون دائماً جيوبهم أمام ارتفاع الأسعار والحياة الصعبة.
ويري د.أيمن فؤاد سيد علي أن مشروع مكتبة الأسرة. هو الأقل سعراً في الكتب التي يصدرها. وهناك إقبال عليها منذ افتتاح المعرض. لكن هذا الدعم الذي يذهب إلي القاريء. لا يقابله دعم مماثل يذهب إلي المؤلف. لأن الكتاب يعرض ويباع بعشر ثمنه. مهما كان عدد النسخ المسحوبة. وهي في الغالب لا تزيد علي خمسة آلاف نسخة. إن نصيب المؤلف يصل إلي عشر العائد الذي كان سيحصل عليه لو أصدر طبعة ثانية. ولابد من تعويض المؤلف عن هذه الطبعة التي تصدر في مكتبة الأسرة. كما يجب أن تتحمل جهة حكومية دعم الكتاب ليصل إلي القاريء المتعطش. ويعوض المؤلف في الوقت نفسه. وللأسف. فنحن نجد أن مطبوعات مكتبة الأسرة يتم تشوينها من قبل "الكتبجية" وفي أحيان أخري تنزع أغلفتها الأصلية. وتباع بأضعاف أسعارها في المعرض. بحيث لا يصل الدعم إلي مستحقيه وهم القراء. بل يحصل التجار علي أضعافه.
ويشير الروائي حسني سيد لبيب إلي أن الشكوي تتزايد من ارتفاع أسعار الكتب في معرضه السنوي. وأصبح الكتاب يواجه مشكلة إعراض معظم الناس عنه في ظل منافس أقوي. هو الكومبيوتر. في الوقت الذي نحن فيه في أمس الحاجة إلي الكتاب الورقي. لقد أصبح معرض الكتاب سوقاً لبيع أي شيء عدا الكتاب الذي ضعف الإقبال عليه وإن أثبت مشروع مكتبة الأسرة نجاحاً منقطع النظير لعدة أسباب. أبرزها عرض الكتاب بسعر زهيد. ويمكن الإفادة من هذا النجاح في مجالات أخري موازية أو مشابهة. مثل إعادة النظر في منافذ التوزيع لسلاسل هيئة قصور الثقافة. حيث تشكل هذه السلاسل قوة جذب للقاريء العادي. لكن ندرة منافذ التوزيع وصعوبة الحصول علي هذه الكتب. يشكلان عقبة رئيسية. وأرجو أن تتدارك الهيئة هذه النقطة بالتوزيع الجيد الذي يساعد علي رواج كتبها. وليت المجلس الأعلي للثقافة يعيد النظر في أسعار كتبه. فمشروعه الثقافي أداة تثقيف للمواطنين. ولا يخضع لمبدأ الريح. وهنا يأتي دور الدولة في دعم ميزانية المجلس. لأن الكتاب علي نفس الدرجة في الأهمية مع رغيف الخبز. وثمة دور مهم لدور النشر الخاصة التي تجأر بالشكوي من تضاؤل حجم المبيعات وكساد تجارة الكتب. بينما تضع علي الأغلفة أسعاراً مغالي فيها. من المهم لهذا الدور أن تساعد في حل المشكلة بأن تقلل من هامش الربح. كما ينبغي علي الدولة أن تقلل من الضرائب المفروضة علي صناعة الكتاب. بما فيها الورق والأحبار. وحتي لا يقال إننا أمة لا تقرأ فإنه ينبغي تآزر الجميع من أجل بيع الكتاب بسعر مناسب.
ويجد الكاتب المسرحي فكري النقاش في مكتبة الأسرة حلاً مناسباً لمشكلة ارتفاع سعر الكتاب. إنه مشروع جيد. ومن يقف وراءه يؤمن بأهمية دور الكتاب. ويأتي له بالدعم من الهيئات والمؤسسات. وأعتقد أنه لابديل عن مكتبة الأسرة. وهو ما كان واضحاً أيضاً في المعرض. حيث كان الإقبال كبيراً علي كتب القراءة للجميع. وبخاصة أنها جيدة المستوي. وطبعة بشكل مقبول. لذلك فإني أتمني أن يدوم هذا المشروع. لأنه من الصعب أن ينشأ مشروع مواز له. باعتبار أن دماء هذا المشروع هي الأموال. ومن الصعب علي القطاع الخاص أن يتنازل عن ربحيته. ويبيع كتبه بأثمان زهيدة. فلديه أعباء. ويريد الربح.
والغلاء كما يقول القاص فرج مجاهد يتزايد يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام ولا حل فيما أعتقد إلا برفع الجمارك عن الورق وأحبار الطباعة وغيرها من المستلزمات الخاصة بالنشر. ولعل وجود مكتبة الأسرة وسور الأزبكية في المعرض هو المتنفس الوحيد لرواد المعرض. وخاصة الباحثين والمهتمين بالأدب في الأقاليم. هذه هي طاقة النور الوحيدة في الأفق. كما أشير إلي ضرورة دعم مشروع النشر الإقليمي لكل محافظة. وأن توضع له ضوابط حتي لا يكون سلطة في يد رئيس إقليم أو مدير فرع ثقافي. ينشر لمن يشاء. ولا ينشر لمن لا يعجبه. لابد من تفعيل اللجان الخاصة بالنشر. وأن تكون قراراتها نافذة وليست حبراً علي ورق. إذن فالمشكلة حلها في يد الدولة. ولابد من تدخلها. بهذه الحلول يمكن أن نحد من مشكلة غلاء الكتب ونشرها.
......................................
*المساء ـ في 26/1/2008م.
د. حسين علي محمد
01-26-2008, 04:02 PM
أهل البحر, رواية جديدة للروائي المبدع محمد جبريل
.................................................. .................
صدرت حديثًا رواية : أهل البحر للروائي المبدع الكبير محمد جبريل عن الهيئة المصرية العامة للكتاب .
هذه الرواية ، تتعرض للحياة في بحري ، المنطقة ما بين سراي رأس التين وميدان المنشية ، البشر والأماكن والتاريخ والوقائع والأحداث . بحري أصل الإسكندرية ، التحام قرية الصيادين راقودة بجزيرة فاروس ، شبه جزيرة الإسكندرية .
يحتضن العشرات من الأضرحة والمقامات والمساجد والزوايا . أسماؤها بأسماء أولياء الله الصالحين وأقطاب الصوفية . عاش فيها شعراء وأدباء ومفكرون وفنانون وساسة .
مارس أبناؤه الحياة بصورها الرتيبة والمغايرة . عرفوا الواقع والخيال والسحر ، وبركات اولياء اله ومكاشفاتهم . ولأن الإسكندرية يمتد في قلب العالم القديم ، منذ راقودة وجزيرة فاروس ، واتصالهما في زمن الإسكندر ، بداية لإسكندرية زماننا الحالي ، فقد اقتصرت الرواية على الشخصيات التي عاشت في بحري منذ مطالع القرن العشرين ، وتأثيراتهم . مثل الأولياء وسكان العوالم الروحية . ظلت واضحة في أبعاد الحياة .
..............................................
وائل وجدي ـ عن موقع: منتدى القصة العربية.
د. حسين علي محمد
01-26-2008, 04:03 PM
من المحرر
بقلم: محمد جبريل
.......................
قد لا يكون من حقنا أن نعترض علي اختيار إسرائيل ضيف شرف وحيداً في معرض تورينو للكتاب. وإن كانت المجازر الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية تعطينا الحق في هذا الرفض.. لكننا بالقطع ضد دعوة كل الدول العربية باعتبارها ضيفاً واحداً في هذا المعرض أو ذاك. من منطلق أن الدولة غير العربية تساوي منفردة أقطارنا العربية مجتمعة.
تكرر الأمر من قبل في معرض فرانكفورت. حيث وجهت الدعوة إلي الدول العربية بأسلوب "الشروة". مقابلاً للاحتفاء بدولة واحدة غير عربية. كل عام. ضيفة شرف للمعرض. بصرف النظر عن قيمتها الحضارية والثقافية. مجرد أنها تعتز بهويتها. وتجيد تقديم نفسها. من خلال وعي مسئول. وتفهم لطبيعة الأوضاع الدولية.
نحن نهمل المقولة الشهيرة: أنت حيث تضع نفسك. لا تشغلنا الوسائل. ونتقبل كل النتائج. قد يكون الوضع العربي مأزوماً. ويعاني التخلف. لكن المجاوزة تظل أملاً. أو هذا هو ما ينبغي أن نسعي إليه. التخلف ليس قدراً. ولا هو مكتوب علي الجبين. إنه نحن. إرادتنا. واعتزازنا بأنفسنا. وبهويتنا. نعتز بنظرة العالم إلينا ككيان تربطه وشائج وصلات. لكننا نرفض النظرة التي تجد فينا مجرد كم بلا قيمة حقيقية.
يحزنني علي سبيل المثال ذلك التصور الغريب بأن جائزة نوبل هي التي تمنح الأديب صفة العالمية. فنحن نخوض المعارك المحلية في اتجاهها. ننسي أو نتناسي أن الكثير من الأسماء المهمة في تاريخ الأدب العالمي المعاصر لم تحصل علي الجائزة. وثمة من رفضها لأسباب معلنة!
المنطق العلمي الذي يجب أن تلتزم به وزارات الثقافة العربية. أن تعد خطتين تكتيكية واستراتيجية. لوضع الأدب العربي في المكانة التي يستحقها. وهو ما يرتكز بداهة إلي تصور عام. تشارك في وضعه وزارات الثقافة العربية. فلا يتباهي قطر ما بأنه تميز عن بقية الأقطار بالحصول علي امتياز منح النسخة العربية من مسابقة أوروبية. كأن الأمر يتصل بامتياز للتنقيب عن البترول!
لأن الحديث ذو شجون. فسأكتفي بالإشارة إلي المشاركة العربية في المعارض الدولية. وما ينبغي أن تكون عليه. مأساة فرانكفورت يجب ألا تتكرر. المفروض أن تكون المشاركة بحجم الناطقين بالعربية. وبالإبداع العربي في امتداد عصوره إلي التفجر الإبداعي الذي نعيشه الآن.
أقسي الأمور أن يستكين الأفراد ناهيك عن الدول إلي ما يصعب قبوله. ودعوة إسرائيل ضيف شرف لمعرض تورينو يذكرنا بالدعوات المتوالية لدول صغيرة وكبيرة إلي معرض فرانكفورت. فإذا وجهت إلينا الدعوة نفسها. لم نحاول السؤال. ولا المناقشة. ولا دراسة حقيقة الأوضاع.
نحن نقبل من منطلق اتحاد الضعفاء وليس من منطق وحدة الأقوياء.
وإذا كانت الجامعة العربية تعجز عن أداء دور سياسي فعَّال. فإنها تستطيع أن تؤدي دوراً مطلوبا في مجال الثقافة. ولن يتحقق هذا الدور إلا بالأداء الجاد الذي ينسق. ويضع الخطط. ولا يرضي بأي شيء!
............................
*المساء ـ في 26/1/2008م.
د. حسين علي محمد
02-12-2008, 11:00 AM
من المحرر
بقلم: محمد جبريل
.............................
mlg_38@hotmail.com
من الأخبار التي نشرت في العدد الماضي من هذه الصفحة. ندوة لكتاب استشراقي عن الثقافة العربية. ناقشت ما للاستشراق وما عليه. وحاولت التوصل إلي نتائج موضوعية.
وفي رأيي أن اجتهادات المستشرقين يجب الا تجاوز صفتها كاجتهادات فيما عدا تلك المثقلة بالغرض والبديهي ألا نرفضها. ونستنكرها. ونعدها دون قراءة خطأ وخطيئة. وإنما يجدر بنا أن نضعها في ميزان الاجتهاد. وفي الكفة المقابلة لاجتهاداتنا نحن.
نناقش ونتفق ونختلف. لكن العملية تظل دائما هي لغة الحوار. ثمة من يري في الاستشراق منهجاً غربياً في رؤية الأشياء. والتعامل معها. باعتبار ان هناك اختلافا جذريا في الوجود والمعرفة بين الشرق والغرب. وثمة تعريف يجد في الاستشراق محاولات لدراسة الشرق. بهدف تحقيق السيطرة عليه لصالح الغرب.. والحق أنه طالما عاني العرب والاسلام من اتهام المستشرقين بانه دين مقطوع الصلة بحضارة العصر. فهو يرفضها مقابلا لعجزه عن اللحاق بها. وثمة مزاعم أن القرآن استمد الكثير من موضوعاته من مصادر يهودية ومسيحية. وثمة من ينظر إلي الاسلام باعتباره دينا يدعو إلي الخوف وعدم الاطمئنان. وبخاصة في ضوء "سماحة" الدين المسيحي! وهي نظرة كما تري تهمل دعوة الاسلام إلي العدل والتكافل والمساواة بين البشر. والعديد من كتب الاستشراق لاتزال حتي الآن كما يقول إدوار سعيد "تنشر الكتب والمقالات باستمرار. عن الاسلام والعرب. وهي لا تختلف إطلاقا عن الجدل الخبيث المعادي للاسلام في القرون الوسطي وعصر النهضة" ويركز بعض المستشرقين علي النماذج السلبية من الأدب العربي. مثل الغزل الجنسي. والاتجاهات المنحرفة في التصوف. وتزييف الوقائع التاريخية. واختلاق السير. والتكسب بالشعر. ومداهنة السلطة إلخ.. ويعتبرون تلك النماذج ممثلة للتراث العربي. والإسلامي بعامة. وتبين الخطورة عن ملامحها. عندما نعلم ان الصورة التي صنعها المستشرقون عن دول العالم الاسلامي كان لها أكبر الأثر علي صانعي القرارات في حكومات الغرب.
ربما أسرف البعض في نقل الاجتهادات التاريخية للاستشراق. ولكن من الصعب القول ان الاستشراق قد بدل أفكار العرب في التاريخ فضلا عن الفقه والحديث والتفسير الخ. بل ان عاطف العراقي يؤكد أنه "لولا الاستشراق لما عرفنا نحن علومنا. بكافة أنواعها. وبمسلاتها وميادينها كعرب. لقد وجد الاستشراق لو التزمنا بالدقة في التتبع التاريخي منذ أكثر من عشرة قرون من الزمان. ليبقي. وقدم لنا أهله صفحات بيضاء".. المنهج هو الانجاز الأهم ولعله الوحيد للاستشراق في العقلية العربية. لم تعد الدراسات توضع عفو الخاطر. إنما تؤطر داخل قانون علمي صارم هو المنهج. وهو انجاز ذو أهمية قصوي بالفعل.. والحق أن الاكتفاء بالسخرية من نقداتنا للاستشراق. وللفكر الغربي بعامة. مثل الدعوة إلي عدم استعمال التكنولوجيا الغربية. ينطوي علي مغالطة سخيفة. فلا خلاف علي أن العلم والتكنولوجيا في أبعادهما الايجابية يتسمان بالعالمية وعدم المواطنة. لأنهما يتجنسان بجنسية العلم نفسه. ويحصلان علي هويته. ومن حق أي امريء. في أي مكان في العالم. أن يفيد منها. أما إذا تحددت معطيات العلم والتكنولوجيا في الأبعاد السلبية. كالقنابل الجرثومية أو الكيماوية وغيرها مثلاً. فإن الرفض يفرض نفسه كضرورة أخلاقية وحتمية. الأمر نفسه بالنسبة للثقافة التي تحرص علي الإضافة والتطوير ومستقبل الإنسان في إطلاقه. بعكس الثقافة التي تحمل وجهات نظر استعمارية أو مغرضة.
ولعل أصدق وصف للمستشرقين بعيداً عن المبالغات الكلامية هي أنهم علي حد تعبير ميشال جحا أساتذة وباحثون أكاديميون. تخصصوا في دراسة اللغة العربية. والحضارة العربية. وقضايا العالم العربي الفكرية. والدين الإسلامي. وهم يختلفون بالتأكيد عن أولئك الذين درسوا العربية لهدف تبشيري أو سياسي أو تجسسي أو إعلامي أو ديبلوماسي.
................................................
*المساء ـ في 5/1/2008م.
د. حسين علي محمد
02-12-2008, 11:00 AM
من المحرر
بقلم: محمد جبريــــــــــــــــــــل
.....................................
mlg_38@hotmail.com
محمد عبدالحافظ ناصف ينتمي إلي الجيل الحالي من مبدعي المحلة الكبري. اتسعت موهبته فشملت الرواية والقصة القصيرة والمسرحية والنقد الأدبي. لكنه - أتصور- وجد ذاته كمبدع- بصورة أعمق- في الكتابة المسرحية.
هذه المسرحية "حضرة صاحب البطاقة" تبين عن التمايز الذي حققه عبدالحافظ ناصف في مجال الكتابة للمسرح.
تختلف اجتهادات المؤرخين في الترجمة للشخصيات المؤثرة في المسار الإنساني. سلباً وإيجاباً. يبين ذلك- بصورة لافتة- في التناول التاريخي لشخصية الحاكم بأمر الله.
عشرات المؤلفات عرضت لسيرة الحاكم منذ غيبته ظروف يتحيفها الغموض. ثمة من وجد أنه قد استحق جزاء ظلمه للناس. وثمة -في المقابل- من ارتقي به إلي ما يشبه النبوة. فهو قد تواري ليعود إلي الأرض- ذات يوم- فيملؤها عدلاً. إنه ولي آخر الزمان الذي يأتي ليخلص الملايين من الظلم والمسغبة. بوسعك أن تقرأ كتابين لاثنين من أهم مؤرخينا المعاصرين. هما محمد عبدالله عنان وعبدالمنعم ماجد. تبلغ المفارقة حد التصور أن أحد الكتابين يتناول شخصية مغايرة للشخصية التي تناولها الكتاب الثاني. الحاكم في كتاب عنان يصدر في كل تصرفاته عن الجنون. أو ما يشبهه. فتصرفاته غير مبررة. وأفكاره من الصعب فهمها. وحياته مسلسل دموي من عمليات التصفية الجسدية. أما كتاب ماجد فيضع الحاكم في إطار المفتري عليه. وهو الأسم الذي اختاره لكتابه. فلم تصدر تصرفات الرجل إلا عن رغبة في رفع الظلم. وإقرار الحق. وتأكيد إنسانية الإنسان.
انعكس ذلك التباين في تناول شخصية الحاكم في الإبداعات التي حاولت توظيف التاريخ. من خلال شخصية الحاكم بأمر الله. ثمة من عني بالواقعة التاريخية. فجاء عمله الإبداعي صياغة حديثة لشخصية تاريخية. وثمة من جعل مادة التاريخ صورة لجوانب من الحياة المعاشة. وثمة من وجد في دراما الشخصية ما يستفزه لكتابة عمل إبداعي. قوامه الصراع الذي يصعب تصور مسرحية لا تقوم عليه.
ظني أن ثراء الشخصية التاريخية كان هو دافع عبدالحافظ ناصف لكتابة مسرحيته الخط الدرامي يتنامي في امتداد مسرحية. علي مستوي الشخصيات والأحداث.
الملاحظ أن معظم الشخصيات لها وجود تاريخي. وإن ضفرها الفنان- بإجادة- في درامية العمل الفني. هذا حاكم أفسده أعوانه. فمضي في الطريق الخاطئة التي أوصلته إلي نهاية قاسية.
اختار عبدالحافظ- حرصاً علي درامية الشخصية- أن تكون ست الملك. أخت الحاكم. هي المحرض علي قتله. ليس دفاعاً عن المحكومين. ولكن دفاعاً عن بقاء العائلة التي تحكم. أهمل الفنان ما توصلت إليه الروايات التاريخية. حول ما إذا كان الحاكم قد لقي مصرعه بالفعل. أم أن اختفاءه كان مقدمة لظهوره في يوم ما ينتظره أتباعه؟
هذا عمل جاد. يضيف حلقة جديدة إلي السلسلة الذهبية من كتاب المسرح المصري. إنه تعبير عن صوت إبداعي متميز. قدم -في مسرحيات عرضت بالفعل- ما استحق الالتفات. فضلاً عن الكثير الذي يعد به في محاولاته القادمة.
....................................
*المساء ـ في 19/11/2008م.
د. حسين علي محمد
02-12-2008, 11:02 AM
ذاكرة الأشجار (5)
......................
رواية: محمد جبريل
ميكل جوتييه، نمساوي الاصل، موظف سابق ببنك باركليز الذي خضع للتأميم في اوائل الستينيات، يقيم في فيللا بالزيتون مع اسرته المؤلفة من زوجته كاترين والابناء الاربعة، دومينيك تحب عياد القبطي المصري، وسلفي تحب ماهر فرغلي الموظف بدار المعارف، افراد الاسرة مشغولون بالمعاناة المرضية للام، عدا الابن الاكبر الذي يرفض زواج احدي البنتين من خارج دينها، او مذهبها الديني، تعترف دومينيك للاب يوحنا في كنيسة اللاتين، بما تعانيه وبرفض انطوان خطبتها لعياد
مال من شارع نصوح الهندي الي شارع السلطان سليم..
كانت الكنيسة تلقي ظلها علي الشارع، يمتد الي الناحية المقابلة، حتي بداية الطريق الي محطة الزيتون.
تجاوز باب الكنيسة الحديدي المفتوح، وواصل السير في السلطان سليم، الف قداس الاحد: المجامر والتراتيل والصنوج والارغن والترانيم والشموع وتضوع البخور ذي الرائحة المميزة والماء المصلي عليه وصلصلة الجرس والايقونات وتراتيل الشمامسة والدكك الخشبية والصلاة وتناول النبيذ وقضم الخبز السماوي.
الاب يرتدي لباسه الكهنوتي، وثمة صليب خشبي يهزه في يده، يعظ، وينصح، ويتحدث عن المسيح والعذراء مريم، وعن فعل الخير والخطيئة والحياة الآخرة والثواب والعقاب والجنة والنار، يتأمل الوجوه من حوله، يعرف بعضها وتغيب عن معرفة الآخرين.
كان يجد في قداس الاحد مناسبة للالتقاء بالاصدقاء، وبالذات من يقطنون بعيداً عن الزيتون، يطيلون الوقفة - بعد انتهاء القداس - في الساحة الصغيرة امام الكنيسة، وعلي الرصيف، تلتقي الخيوط في اسئلة واجوبة ومناقشات ويتناقصون حتي يعود الهدوء الي الكنيسة، وما حولها.
كره عظات الاب ونصائحه وتحذيراته، احاديثه عن الله والتوبة والجنة وعذاب الآخرة، مشكلة الاب ام يقدم علي مائدة كلماته طعاما وحيدا لايبدله، مهمابدا الطعام لذيذا، ومستساغا، فان توالي تقديمه قد يصيب النفس بالصدود: لا تفعل.. لا تفعل.. لا تفعل، الناس - خارج الكنيسة - يتصرفون بعكس ذلك، لن تبني الاخلاق الطيبة حياته.
تأملت دومينيك جسده النحيل، ووجهه الابيض، المسحوب، الملئ بالنمس، وحاجبيه الملتصقين في منتصف الجبهة، وعينيه البنيتين سريعتي الحركة، وابتسامته الدائمة كأنها جزء من ملامحه، وحرصه ان يرتدي ثيابا زاهية الالوان:
- جان.. هل تؤمن بالله؟
واجه نظرتها المتوجسة بابتسامة متوددة:
- هل تشكين؟
ضربت الارض بقدميها:
- لاترد علي سؤالي بسؤال، هل أنت مؤمن بالله؟
- طبعاً، وان كان لي ملاحظاتي حول تصرفات القسيس..
ووشي صوته بعصبية واضحة:
- انه يفرض الوصاية علي حياتنا.
رمقه انطوان بنظرة مرتابة..
قال:
- أنا أؤمن بالله، ولست في حاجة الي قسيس لتأكيد هذا الايمان..
وعبر الصمت الذي حل فجأة:
- في رأيي ان الكنيسة مجرد وسيلة لجباية الاموال!
حين رشم علامة الصليب علي وجهه وصدره، قال لنظرة انطوان المتسائلة:
- أنا ادعو ابانا الذي في السموات..
ورحلت نظراته الي بعيد:
- ثم اتبع دعائي بدعاء آخر.. ان يظل فيها.
داري انطوان قلقه بابتسامة فاترة:
- من هو؟ ومن هي؟
وهو يطرح قبضته:
- اله السموات.. أدعوه ان يظل فيها..
قال انطوان:
- أنت قليل الادب.
اعتادت الفيلا مشاجراتهما الصغيرة، تعلو الاصوات، تتكور قبضات الايدي، تتقلص الملامح، لكن الهدوء ما يلبث ان يحيط باللحظة المتوترة، فيودعها الصمت.
قال جان:
- انا اقول رأيي.
ورسم علي شفتيه ابتسامة باردة:
- للمسيح عالمه.. ونحن لنا عالمنا.
وشوح بظهره يده:
-ليأخذ الله شموعنا وصلواتنا، وليترك لنا حياتنا نعيشها.
ثم وهو ينهي المناقشة:
- هل اذكرك بقول المسيح: مملكتي ليست من هذا العالم!
اعتاد التردد علي الكنيسة، يحضر القداس، يتلقي القربان المقدس، يؤدي الصلوات، ويرسم علامة الصليب، يشارك في حفلات عقد القران، ربما شارك في اداء الترانيم، او قرع الجرس، او جال بالمبخرة في زوايا الكنيسة، يسيطر عليه شعور بأنه يفتعل ما يؤديه، لا يمارس شيئا حقيقيا، هو يردد اقوالا، ويقلد حركات لا يفهمها، او لا يثق بجدواها، وان انسجمت مشاعره مع الحان الارغن.
عاب علي معظم المترددين علي الكنيسة ان عباءتهم تقتصر علي التمتة بالالفاظ:
- أنا اذهب الي الكنيسة، اصلي، واردد الادعية والاناشيد، دون ان اعرف لماذا افعل ذلك؟!
وقلب شفته السفلي:
- الله يعرف ما اريده، فهو لا يحتاج الي صلواتي وادعيتي!
قال لأبيه وهو صغير:
- هل نحن اقباط؟
- لا.. نحن كاثوليك..
- ما الفارق؟
- الاقباط مسيحيون مثلنا.. لكننا نختلف في المذهب..
- ماذا يعني المذهب؟
- طريقة تدينهم تختلف عن طريقة تديننا..
كان يشارك في اداء القداس دون اعتقاد، ولا ايمان حقيقي، لم تكن الصلوات تعني له شيئا، اي شيء، انما هي مجرد كلمات مكررة، وادعية، ترددها الالسنة - بآلية - وراء الاب يوحنا، يسلم نفسه الي الشرود، يبدو عليه الضيق والتململ، يكثر من التلفت وتأمل سقف الكنيسة، وزواياها والنوافذ الزجاجية الملونة، الضوء الشفيف يفترش مساحات امام المذبح، وثمة تمثال ليسوع شبه العاري، مصلوبا، علي رأسه اكليل الشوك، وفي جنبه الطعنة الدامية، المرتلون يؤدون الصلوات، ويتلون المزامير والادعية.
يستعيد - وهو يصلي - عبارات كان يرددها وراء الاب في الكنيسة، او استمع الي امه وهي تقولها تحت صورة العذراء.
يري ان الكنيسة تبسط ظلها علي البيت.
جعلت امه في البيت فرعاً لكنيسة اللاتين، تحولت الي قس يرعي، وينصح، ويوجه، ويحذر من العقاب، تحاول ان تؤدي الدور نفسه الذي يؤديه قس الكنيسة.
لا يعبأ بالتحذيرات التي تواجهها له الام، في سلوكياته داخل الكنيسة، يبدي الملاحظات، ويتحدث، ويعلو صوته، ربما رنت نظراته الي فتاة بين المصلين.
هو يتردد علي الكنيسة، يعترف، يحضر الصلوات، لكن الصديق يغيب عن مشاعره، تصرفاته لا تصدر عنه، يصلي دون ان يعطي الكلمات انتباهه، مجرد كلمات يرددها دون ان يعي معانيها.
يميل - بالعادة - الي حجرة الاب في يسار الواجهة، الصليب يعلو الجدار، وتمثال العذراء تحمل المسيح، يقبل يده، ويستمع الي كلماته المتكررة عن مهمة الكنيسة، واللاهوت، وحثه له علي حضور اجتماعت الصلاة وحفلات القداس..
قالت السيدة كاترين:
- اذا كنت تنكر الله، فاحتفظ بعدم ايمانك في نفسك!
يؤمن بالمسيحية، بالأب والابن والروح القدس، لكنه لايؤمن بالكنيسة، تعاليم الكنيسة التي لا تنتهي تجعل قبولها صعباً، حتي من يرضخون، يدفعهم الي القبول تدين يهمل الوصايا والتنبيهات والمحاذير.
ماذا يريد الله منا؟ هل نعبده؟ وما حاجته الي عبادتنا؟ أليس هو الذي خلق الكون، ويتصرف بالحياة والموت؟ واذا كنا - كما يقول الاب يوحنا - أبناء الله، فهل يؤذي الاب ابناءه الخاطئين؟ وما الخير؟ وما الشر؟ ولماذا لاتقضي ارادة الله بمحو الشر؟
ألقي نظرة علي الكرسي الذي يجلس وراءه الاب لسماع اعترافات المترددين علي الكنيسة، استعاد امنية قديمة ان يجلس موضع الاب، ينصت الي عشرات الحكايات التي تلهب خياله.
قال الاب يوحنا:
- ذكر في الكتاب المقدس: من لطمك علي خدك الايمن، فحول له الايسر.
قال جان:
- هذا ما يقوله الانجيل..
أردف من بين اسنانه:
- اما أنا.. من يخدشني اسيح دمه!
د. حسين علي محمد
02-12-2008, 11:03 AM
ذاكرة الأشجار ( 6 )
رواية: محمد جبريل
.........................
أدركت ـ حين مالت على أمها لتقبلها ـ أنها لم تتعرف إليها . ومضت عيناها ببريق خاطف ، ثم أسبلت جفنيها ، وظلت صامتة ..
قالت :
ـ أنا سيلفى ..
قال أنطوان :
ـ اتركيها الآن .. إنها لا تعى شيئاً ..
تمتمت دومينيك :
ـ باسم الصليب حولك .. باسم الصليب ..
تضايقها عبارات المواساة التى يتحدث بها الطبيب عن أمها . لا كلام عن أمل الشفاء ، والعودة إلى مألوف حياتها ، مألوف حياتهم . تجلس فى الصالة ، أو فى حجرتها . تلاحق دومينيك بمطالبها . لم تعد تجد فى الأمر ما يؤلمها ، أو يثير ضيقها . تدعو أن تترك السرير ، تقف على قدميها ، تجلس ، تمشى ، تتكلم ، تتمنى حتى الأوامر التى طالما ضاقت بها .
فطن الطبيب إلى أن الأم تعيش لحظاتها الأخيرة ، وأن الحشرجة تصدر أنفاساً واهنة تغالب الصمت . رفع الطبيب عينين تشيان باليأس . عرفوا أن الأم تحتضر . لم يحدد الطبيب المرض ، وإن همس وهو يغلق حقيبة أدوات الكشف :
ـ الحالة متقدمة !
ومال على أذن أنطوان :
ـ ادعوا لها ألا تتعذب أكثر مما عانت .
أضمر أنطوان مصارحة الطبيب له ، بأن ما تعانيه الأم هو مرض الموت :
ـ الأدوية لتخفيف الألم ، لكنها لن تمنع النهاية .
أدرك أنها لن تترك سريرها حتى يمنحها الأب يوحنا مسحة الموت .
كان يعد لها الفطور ، يرتب الوسادة الطبية تحت ظهرها ، يحيطها بوسائد من القطن ، وعجلات من المطاط ، كى لا تصاب بقرح الفراش ، يساعدها فى الجلوس على القصرية ، يضع الملاءات المتسخة فى الغسالة . يتحمل غضبها وشراستها . تظهر التأثر لأقل سبب . تطلب رفع الوسادة ، تشكو الحر ، ترفض الماء البارد والساخن . تصرخ من تآكل ظهرها بالهرش . يثيرها الصمت والأصوات العالية .
نال منها الضعف . تجد صعوبة فى الانتقال من السرير إلى الكرسى المقابل . تمضى دقائق تسند ظهرها على الكرسى ، تريحه من عناء النوم ساعات متصلة .
تتحدث عن شخصيات تلتقى بها ، وأصوات تخاطبها . فاجأتهم بالإيطالية ، خاطبت بها أشخاصاً تراهم وحدها . ذكرت أسماء لا يعرفون أصحابها . يعرفون المفردات ، يصلونها بحيث تؤدى المعنى الذى تقصده ، أو تقترب منه . ما أقلقهم أنها لم تعد تتحدث بالإيطالية منذ سنين بعيدة . أصرت أن تكون اللغة بما يتكلمون به خارج البيت .
صارت عيناها حفرتين أحاطت بهما هالتا سواد . لم تعد قادرة على الابتلاع . تعلم من الممرضة كيف يغذيها بالمحلول عبر الأنبوب المطاطى .
إذا طال الصمت والسكون ، مال أنطوان بأذنه ، يتسمع صوت أنفاسها . يرفع رأسه ـ فى اطمئنان ـ ويتنهد .
فتحت عينيها : طالعتها الوجوه المتسائلة ، والمشفقة ، والحزينة ..
همست بوصيتها أن تدفن فى ثوب الزفاف .
تحشرج صوت دومينيك باللهفة :
ـ اعطها حقنة كورامين .
كور الطبيب سماعته فى يده :
ـ أملنا فى رحمة الله !
بدا على أنطوان اقتناع أنها ستجد فى الموت خلاصاً وراحة ، وأنها تفرح به ، وإن لمح فى نظرتها الثابتة ، الشاحبة ، ما يشى بالخوف أو الفزع ..
رشم الأب الصليب على رأسها ووجهها وجسدها . كرر كلمات لم يفهمها . ثم كرر الرشم بالصليب ..
لاحظ ماهر أن زيارات الأب للبيت تلقى حفاوة . ما عدا جان ، فإن أفراد الأسرة يوقرونه ، ويرحبون له ، ويهمسون له بما يعانون .
تحدثت سيلفى عن الأوقات التى كانت أمها فيها صاحبة الأمر والنهى . قبل أن يقعدها المرض ، لم تكن تأذن لأفراد الأسرة أن يخالفوا رأيها ، ولا أن يبدوا اعتراضاً ، أبوكم يكتفى بالغناء ، ومهمتى أن أقود السفينة .
تصحب أبناءها إلى الكنيسة ، أو تسبقهم ، أو تلحق بهم ، لا أحد ـ إلا للمرض ـ يتخلف عن قداس الأحد . إذا استغرق الأب فى شروده ، وعلا صوته بالأغنيات ، أدت الصلوات قبل تناول الطعام .
قرب المسافة بين الكنيسة والبيت ، يدفعها للتردد على الكنيسة مرة ، أو مرتين ، فى اليوم الواحد . تزور الأب فى مكتبه ، تكلمه فى أحوالها الشخصية ، تطلب رأيه فى ظروف الأسرة ، تجد فى كلماته النصيحة والعزاء ، وما يعينها على التصرف . تدعوه ـ فى زياراته للبيت ـ كى يرش الماء المقدس فى الأركان والزوايا ، وعلى الأثاث .
تبدى حرصها على ما فى الفيلا ، الجدران والحديقة والأثاث والتحف الصغيرة . هى كل ما تبقى من البيت القديم . لن تستطيع الأسرة استعادة ما يتحطم ، أو يتشوه ، أو يضيع .
منذ فاجأتها الأزمة القلبية ، أسلمت نفسها لرعاية أبنائها ، وعلاج الأطباء . توافق على تأكيداتهم بأن الأزمة عابرة ، تستجيب للملاحظات والأوامر ، تتعاطى الدواء ، تؤمّن ـ ولو بهزة الرأس ـ على الدعوات ، لكن الهاجس فى داخلها أنها تعيش أيامها الأخيرة .
تنبه ماهر ـ فى لحظات إفاقة الأم ـ إلى أن سيلفى تقلدها فى طريقة كلامها , والمفردات التى تستخدمها ، والضحكة التى لا تعلو عن الهمس .
قال لسيلفى :
ـ أخذت من أمك الكثير .
ـ يقال إنى أقرب فى الشبه إلى أبى .
أدرك أنها لم تعرف ما يقصده .
جاء إلى الفيلا فى آخر أيام الأسرة . الأم تموت ، والأب ذاهل عما حوله ، والأبناء يكثرون من الأسئلة ، ويختلفون ..
د. حسين علي محمد
02-12-2008, 11:04 AM
ذاكرة الأشجار ( 7 )
رواية: محمد جبريل
........................
دخل الأب يوحنا بردائه الكهنوتى ، وابتسامته المحايدة . كانت سيلفى قد أخبرت ماهر أن الأب سيأتى ـ فى لحظة ما ـ لتقديم المسحة الأخيرة .
نترت دومينيك من كتفه ورقة شجر يابسة تقاذفها الهواء .
حاول أنطوان أن يضفى على الحجرة طقس الموت . أسدل ستائر النافذة العريضة المطلة على الحديقة . جلل زواياها بجدائل من القماش الأسود ، ووضع على البوفيه ـ لصق الحائط ـ ست شموع فى شمعدانات فضية ، ووضع فى مواجهة السرير إكليل زهور .
حرص على أن يعدها بنفسه . ألبسها أحدث فساتينها ، وجرى بالبودرة على وجنتيها ، وعلى فمها بأحمر الشفاه . حتى الحذاء الذى دس فيه قدميها لم تكن قد ارتدته سوى مرة واحدة ، وضمخ جسدها بعطر الورد الذى كانت تفضله . نزع خاتم الزواج من إصبعها . أعطاه للمسيو ميكيل ..
وضع أنطوان على سقاطة باب الفيلا شريطاً أسود . استبدل بمفرش المائدة ذى الزهور الملونة مفرشاً من البلاستيك . أدار إلى الجدار صورة الأم ..
رنا ماهر إليها بنظرة متأملة ، فى سكونها الهادئ داخل التابوت . من الخشب الماهوجنى . مبطن بالساتان الأزرق . المقبض من المعدن المذهب .
لم تفلح المساحيق فى إزالة شحوب الوجه ، وأحاطت الزهور بالرأس ، وتَغَطّى الجسد المسجى بالمخمل .
تأمل الحانوتى ومعاونه وسائق السيارة . بدت نظراتهم حيادية ، ساكنة ، يؤدون عملاً .
سارت العربة ذات الأشرطة السوداء على حوافها ، والملائكة الصغيرة ، المجنحة ، المطلية بلون الذهب ، على جانبيها . أبطأ السائق لتتواءم العربة مع خطوات المشيعين . مضت الجنازة فى شارع نصوح الهندى إلى الكنيسة ، بالقرب من تقاطع الشارع مع شارع السلطان سليم . سار وراء النعش عشرة أشخاص : الأخوة الأربعة وعياد وماهر ، ورجال من الجيران .
بدت سيلفى متغيرة بفستانها الأسود ذى الكمين الطويلين ، ونظارتها الشمسية ، هى أقرب إلى النحافة ، وكومت شعرها أعلى رأسها ، وخلت يدها حتى من ساعة اليد .
لم يتصور ـ بعد أن أخلى حمل النعش لأنطوان ـ أنه حمل النعش الذى كانت السيدة كاترين راقدة فيه . غمره شعور صعب عليه فهمه .
ترامى قرع جرس الكنيسة ، ببطء ، وعلى تباعد . خيل إليه أن صوت الجرس يختلف ـ هذه المرة ـ عن المرات الكثيرة ، السابقة ، التى ترامى فيها صوته إلى الفيلا . ما يشبه الأسى يسرى فى الدقات المتباطئة ، تخلّف نهاياتها أنيناً خافتاً ، ممطوطاً ، كأنه البكاء .
هل هو ما تسمعه أذناه بالفعل ، أم أنه لا يجاوز التوهم ؟
جلس فى الصف الأول المواجه للمذبح .
الشمعات الحمراء الثلاث فوق التابوت المغلق ، وأريج البخور يضوع المكان .
مثل الحضور ثلاثة صفوف قصيرة فى الوسط . ظلت بقية دكك الصالة خالية . وفى المواجهة صف بمساحة المكان من شمامسة صغار ، أولاد وبنات ، يقرءون من الكتاب المقدس ، وتعلو أصواتهم ـ بإشارات من الأب ذى الجسد الممتلئ ، والبشرة البيضاء المشربة بحمرة ـ بالصلوات والتراتيل . يعمق من تأثيرها عزف الأورغن ، وأضواء الشموع ، وتضوع البخور .
أنصت إلى كلمات الأب التى تتحدث عن انفصال الراحلة عن غربة هذه الحياة إلى فردوس النعيم ، لتبلغ المساكن السعيدة ، وتنسى أحزانها وشقاءها ، ودعوة الأب أن يبلغ الله الراحلة مساكن القديسين ، ويغفر لها جميع خطاياها فى الملكوت السرمدى . وترديده قول بولس الرسول : إذا كان الله معنا ، فمن يكون علينا .
أنهى الأب كلماته بالقول : آمين .
ردد ماهر الكلمة مع الحضور .
قلد الحضور فى ما فعلوه . حرك شفتيه مترنماً بالأنغام التى رددوا كلماتها . وضع علامة الصليب على صدره . ركع مثلهم ، حتى فردوا قاماتهم ، ففرد قامته .
منذ سنوات بعيدة ، زار الكنيسة ـ مع أمه ـ لحفل زفاف . اجتذبه الجو الكنسى : الملابس الكهنوتية ، أنغام الأورج ، الصلوات المنغمة ، رائحة البخور . التماثيل والأيقونات والتيجان والزجاج الملون . ثمة سحر يتسلل إلى نفسه ، مشاعر غامضة لم يستطع تحديدها .
عندما علت الأصوات بالتراتيل ، حاول مجاراتها . حرك شفتيه دون أن يتأكد من أنه ينطق الكلمات نفسها .
قال لأمه :
ـ أحببت صلوات الكنيسة للطقوس التى تقدم فيها !
وتهدج صوته بصدق مشاعره :
ـ وأنا أستمع إلى الأورغن .. تمنيت أن أكون مسيحياً ..
رمقته أمه بنظرة غاضبة :
ـ تهذر ؟
كانت تعيب عليه طبيعته الانفعالية ، ما يخطر فى باله يقوله ، أو يفعله . ربما وجه أقسى الملاحظات فى سهولة وجرأة ، لا يتدبر وقعها فى نفوس الآخرين . تشفق عليه من أنه يعرض نفسه لمشكلات ، يواجه مآزق صعبة .
قال يحاول استرضاءها :
ـ مجرد ومضة تلاشت .. نسيت نفسى فى عزف الأورغن والتراتيل ..
قال القسيس بلهجة مهونة :
ـ قدرنا أن نموت ، وطبيعى أن يسبق الآباء أبناءهم فى الرحيل ..
تأمل المعنى . قال :
ـ أطال الله أعماركم !
أدى القسيس ـ خمن أنه يقيم فى المقابر ـ بعض الصلوات .
عمق من الصمت الذى لف الجميع ، صوت احتكاك التابوت بحواف القبر الطينية والحجرية ، وهو يهبط ليستقر فى القاع ..
بعد أن بلغ النعش قاع التراب ، رش عليه الأب الماء المقدس وهو يردد الأدعية . ألقت دومينيك باقة الورد التى أمسكت بها فوق النعش . ثم بدأ التربى فى إهالة التراب بالجاروف .
همست الأفواه بالصلوات ، وتحركت الأيدى بعلامة الصليب .
شعر بالارتباك ، وأنه يجب أن يبدى تأثره بطريقة ما. رسم الحزن على ملامحه ، وجرى على عينيه بظهر يده .
تبين أنهما مندتان بالدمع .
استداروا عائدين .
وهو يغادر المكان ، تطلع ماهر إلى ما كانت الجنازة قد اجتذبته عن رؤيته : مستطيل الرخام حفر فى أعلاه بحروف إيطالية اسم كاترين فرنسيس ، مدى المقابر إلى البنايات البعيدة ، الشواهد الرخامية ، الصلبان ، صور العذراء ، ووليدها ، الملائكة بأجنحتها المحلقة ، أشجار الجازورينا ، مساحات النجيل الأخضر ، أحواض الزهور والصبار على جانبى الممرات المرصوفة بالبلاط . ما لم يكن يعرفه ولا رآه من قبل .
د. حسين علي محمد
02-12-2008, 11:05 AM
ذاكرة الأشجار ( 8 )
رواية: محمد جبريل
........................
عرف من ارتجاف رموشه وشفتيه ، وتقلص ملامحه ـ أنه يريد أن يقول شيئاً ، نطقت عيناه بما يحاول مداراته . كانت العصافير فى أشجار الحديقة قد زادت من صياحها ، يشى أن الليل اقترب .
قال جان :
ـ صحيح أن أمنا تبرعت بجزء من أموالها للكنيسة ؟
قال أنطوان :
ـ هل كانت أمنا تملك شيئاً لتتبرع بجزء منه ؟
ـ أعرف أنها تملك سندات فى البنك ..
اكتفى ـ دلالة الموافقة ـ بإيماءة خفيفة من رأسه :
ـ أنفق منها أبى على علاجها ..
ـ تعنى أن أبى حصل على رصيد السندات ..
وهو يومئ ناحية حجرة الأبوين:
ـ اسأله إن كنت لا تصدق ..
ـ هل الرجل هنا ؟!.. إنه حى كالميت ..
ـ لا تخطئ فى أبينا ..
ـ أنا لا أخطئ فى أحد .. إنما أتهمك أنت .
ـ حتى الفيلا سأشتريها من أبى بعقد مسجل ..
بحلق فى دهشة :
ـ كأنه لا يوجد فى حياتك شيء لم تعمل حسابه .
وعلا صوته فبدا كالصراخ :
ـ سيكون عقداً باطلاً ..
دون أن يجاوز هدوءه :
ـ من حقك أن تثبت العكس ..
ـ سافل !
هز سبابته فى وجهه :
ـ لا تنس أنى أخوك الأكبر !
كان المسيو ميكيل ينادى على الأم . يدركون أنه نسى وفاتها . نسى أنها ماتت . يتصور أنها داخل إحدى الغرف .
لوجهه ملامح مسترخية ، وعينان زرقاوان ساجيتان ، وخدان متهدلان مشربان بحمرة ، ونمش يمتد إلى العنق والكتفين . ينزع ـ بين فترة وأخرى ـ شعرة من شاربه . يتأملها بعفوية ، ثم ينترها بإصبعيه . خمن من اتساع بيجامته ، أن جسده كان ممتلئاً .
بدا سريع التأثر ، والتشويح بيده دلالة الاستياء ، أو الغضب .
فسرت دومينيك شرود نظراته بتذكره لمواقف من حياة أمها داخل البيت ، صداها الغرف والجدران وقطع الأثاث واستعادة اللحظات .
قلت أغنياته ، وخفت صوته ، ربما قطع اللحن ، وعاد إلى الصمت والشرود . يشك ماهر أنه يلحظ وجوده .
فى لحظات تنبه وعيه يتحدث إلى ماهر . يستعيد ماضى الزيتون عندما كانت ضاحية تقتصر بناياتها على الفيلات والبيوت التى لا تعلو عن طابقين ..
سأله ماهر :
ـ هل رأيت سراى البرنسيسة ؟
حرك رأسه بالنفى ..
قالت سيلفى :
ـ تحولت إلى مدرسة للبريد ..
قال المسيو ميكيل :
ـ كان أهلها من الطبقة العليا .. سوبر ستارز .. خصصت البرنسيسة لخيلهم سبيلاً فى سور قصرها ..
عرف أن المسيو ميكيل ـ منذ خرج إلى المعاش ـ لم يعد يترك البيت إلا لتسلم المعاش الشهرى . يصحبه أنطوان فى تاكسى إلى الموسكى . ينتظر تقاضيه مبلغ المعاش ، ويعيده إلى البيت ، لا حياة اجتماعية على أى نحو . معظم وقته يمضيه فى الشرفة ، يعبر من حوله بنظراته ، كأنه لا يرى أحداً ، أو أنه مشدود إلى ما لا يراه أحد . يرتفع صوته بالأغنيات الأوبرالية . قد يتجه ـ بخطوات متباطئة ـ إلى المطبخ ، يشرب ، أو يأكل مما يجده فى الثلاجة .
تصور ـ أيام معرفته الأولى بالأسرة ـ أن أمور البيت كانت فى يد الأم ، هى التى تفصل ، وتقرر ، وتسيطر ، وتفرض روحاً استبدادية .
لم يكن المسيو ميكيل ضعيف الشخصية أمام آراء السيدة كاترين وتصرفاتها . كان أميل إلى التسامح ، وإلى ملاحظة الحياة أكثر من أن يعنى بالمشاركة فيها . جزيرته الخاصة يحيطها ، ويملأها ، بالأغنيات الأوبرالية . يراجع واجبات سيلفى المدرسية . يناقشها فى أجوبتها . ويعيب عليها رداءة خطها بالفرنسية . يجلس إلى مائدة الطعام فى المواعيد التى تحددها الأم ، لا يشارك فى المناقشات ، يكتفى بإيماءة ، أو بكلمات مقتضبة ، فى الرد على الأسئلة . أحيل إلى المعاش ، فهو يعيش رحلة ما قبل النهاية ، مرحلة انتظار ما يغيب بحياته .
أصر على رفض اعتزام الأم وضع سلك شائك حول سور الفيلا : هل قفز الجيران على بيتنا من قبل ؟ لماذا يقفزون الآن ؟
قال ماهر لسيلفى :
ـ أنطوان وجان هما سليم الأول وطومانباى فى التاريخ . شنق الأول الثانى ، لأنه رفض التنازل !
ثم وهو يظهر الحيرة :
ـ أخشى أن ذلك ما سيحدث بين الأخوين .
تأملته عيناها بارتياب :
ـ ماذا تقول ؟.. أنطوان يقتل جان ؟!
رسم ابتسامة مهونة :
ـ لا أقصد القتل بهذا المعنى . أقصد أنه ربما أخذ منه كل شئ ..
لم يشعر تجاه أنطوان ـ منذ زيارته الأولى إلى البيت ـ بمشاعر طيبة .
تسرب إلى صوتها نبرة حزن :
ـ أنطوان أخذ كل شئ بالفعل .. الفيلا ومجوهرات أمى وودائع أبى فى البنك .. كل شيئ !
ـ هل تكتفون بالفرجة ؟
قالت فى حزنها :
ـ أمى ماتت .. وأبى فى دنياه يغنى .
وجد فى تصرفات أنطوان ما يفسر إصرار سيلفى على التمرد ، ما يرد على إلحاح السؤال : لماذا ترفض ؟!
تعددت زياراته إلى البيت .
يهبط من الأوتوبيس على ناصية شارع السلطان سليم الأول . يميل من جانب سراى الطاهرة إلى الشارع . يخلّف وراءه المسلة الفرعونية وسط الحديقة الواسعة . يسير فى الشارع إلى تقاطعه مع شارع نصوح الهندى . يرفع رأسه ـ بعفوية ـ إلى برج الكنيسة الذى يمتد ظله ، وظل الأشجار الكثيفة داخل الحديقة ، على الطريق ، ويتقلص ، بارتفاع أوقات النهار . يميل فى شارع نصوح الهندى ، حتى الفيلا ـ فى نهاية الشارع ـ محاطة بالسور الحديدى والأغصان والأشجار العالية .
يخوض ـ مع المسيو ميكيل ـ حوارات لا تنتهى عن معنى الحياة والموت : إذا كان قدرنا أن نموت ، فلابد أن نموت .. الموت يعنى أننا لم نعد أحياء ، هذا كل ما فى الأمر .. إذا جاء الموت فإن كلمة كان تجعل كل الأسماء والأحداث ذكرى ، تصبح ماضياً .. نحن نعيش تحت الضوء أعواماً محدودة ، ونعيش فى الظلام إلى الأبد ..
يهمل نظرة يثبتها الأب فى عينيه ، يظل يتابعه بها .
اختفى عمره الحقيقى خلف ملامحه الهادئة ، وعينيه الصافيتين ، وغزارة شعر رأسه ، وذقنه التى يحرص ـ كل صباح ـ على حلاقتها . قالت سيلفى إنه فى المعاش منذ سنتين ، وكان قد جاوز الخامسة والسبعين .
لم يسأله المسيو ميكيل : من أنت ؟ ولا لماذا أنت هنا ؟ وما صلتك بسيلفى ؟
يتحدث إليه كأنهما متجاوران فى القطار ، أو فى المقهى ، العلاقة العابرة التى لا صلة لها بما قبل ، ولا بعد ، تستغرق اللحظات فى ذاتها ، وتنتهى .
لاحظ فى نفسه ميلاً للحديث عن لقاءاته بكبار المؤلفين ، راتبه المرتفع ، ظروفه الأسرية الطيبة . أرجع إلحاحه على الحكى إلى شخصية أنطوان المتعالية ، لا يشغله أن الفجوة تتسع بينه وبين الباقين .
حين سأل أنطوان سيلفى عن تعرفها إلى ماهر : أين بدأ ؟ وكيف ؟ ظلت ساهمة .
قال أنطوان فى لهجة ساخرة :
ـ قد أكون رأيته يبيع الكتب القديمة على رصيف جامع العزيز بالله !
واجهته سيلفى بملامح غاضبة :
ـ ماهر يحمل شهادة جامعية لم يحصل عليها أحد فى بيتنا !
اطمأن إلى إحساسه بأن أهل الفيلا ـ حتى عياد ـ لن يكونوا أصدقاءه ، لن يجلس إليهم ، ولا يناقشهم فى أمر ما . بدوا منشغلين عنه بما لا يتبينه . حتى علاقاتهم الشخصية تحوطها الظلال بغلبة العزلة والصمت . كل منهم مشغول عن الباقين .
قال المسيو ميكيل لدومينيك وهى تتهيأ للذهاب إلى الكنيسة :
ـ الله يريد منا أن نتذكره كل الأيام ، وليس يوم الأحد وحده !
قال ماهر :
ـ تتكلم عن الحياة الآخرة ، ولا تتحدث عن الدين ؟
قال المسيو ميكيل :
ـ ينبغى أن يكون تدينى عن إرادتى الحرة !
وشاعت فى صوته نبرة تسليم :
ـ أنا لا أحب الدين ولا أكرهه . إنه حالة علينا أن نتقبلها كما هى .
ثم رفع رأسه كأنه توصل إلى قرار :
ـ أحب الله ، وأومن به ، دون طقوس لا معنى لها ..
وعلا صوته ـ فى اللحظة التالية ـ بغنائه الأوبرالى . لا تشغله النظرات الملتفتة ، أو المتسائلة ، أو الرافضة .
أدرك أنطوان أن الأب لم يعد من هذا العالم ، يحيا فى عالم خاص صنعه لنفسه .
لما اشتد المرض على السيدة كاترين ، تداخلت أوقات صحوها بأوقات الغيبوبة ، الألم والأنين والهذيان والهمسات المتحشرجة .
تكلم المسيو ميكيل بلغة غير مفهومة ، حدس أنطوان أنها الألمانية ، هى لغة الأب التى طالما خاطبه بها فى طفولته ، بقى منها حروف وكلمات وأصداء . رفع الأب يديه فى هيئة المستغيث . تمتم باللغة نفسها . تكررت دعواته المستغيثة ، هى مؤمنة بك ، وأنا أيضاً ، أوقاتنا فى الكنيسة أطول من أوقاتنا فى البيت ، لماذا لا تنقذها ؟
زاد المرض من قسوته حتى الموت . تبدلت تصرفات المسيو ميكيل وتعبيراته . مال إلى العزلة ، لا يأذن لأحد باختراقها . لم يعد يردد الدعوات ، ولا يعنى باستقبال الأب يوحنا ، ولا يدخل فى حوارات مع ماهر فرغلى ، وإن ظل على ترديده للأغنيات الأوبرالية .
يقضى فى الشرفة معظم النهار ، ومساحة من الليل ، يعلو صوته بالغناء ، يتأمل ـ بنظرة غير محدقة ـ تكاثف الأشجار أمامه ، وحركة المرور القليلة فى الشارع الصغير الموصل بين نصوح الهندى وسنان ، وما بداخل النوافذ المفتوحة فى البيت المواجه .
دفع المسيو ميكيل أنطوان وجان للحصول على دبلوم التجارة الثانوية ، ثم ألحقهما بالبنك . أهمل احتجاج الأم وصراخها . إذا كانت الوظيفة هى الهدف ، فقد حصلا على وظيفة يفوق راتبها ما يحصل عليه أصحاب المؤهلات العليا . أهملت الأم حزنها على اكتفاء الأب بقصر تعليم الولدين على المرحلة الثانوية . تمنت أن يواصلا تعليمهما الجامعى .
أضاف إلى حزنها قعود دومينيك فى البيت ، بعد حصولها على الابتدائية . خافت السيدة كاترين من تأثيرات المرض . ماذا لو أن الغيبوبة أصابتها فى المدرسة ، أو فى الطريق ؟.
وضعت أملها فى سيلفى ، حرصت أن تستكمل دراستها فى " النوتر دام دى زابوتر " ، وتلتحق بالجامعة ، اسم الكلية لا يهم ، المهم أن تحصل سيلفى على الشهادة العليا . اكتفت بالقول : لن تترك سيلفى التعليم حتى النهاية . لم تحدد طبيعة النهاية ، ما إذا كانت ستكتفى بشهادة الثانوية العامة ، أم تدخل الجامعة ؟
أظهرت الانزعاج لما أخبرتها الراهبة فى " النوتر دام " عن الأجوبة التى كتبتها سيلفى على فخذها فى امتحان اللغة العربية :
ـ هل هذا ما تعلمته من جارنا المزور ؟ هل تريدين دخول السجن مثله ؟
حدثته سيلفى عن جار الطابق الأرضى فى البيت المقابل ، أخ غير شقيق لمطربة وممثلة معروفتين ، خطاط ، يجيد تقليد اللوحات الأصلية ، وإن دخل السجن مرة .
همس ماهر بالسؤال الذى شغله :
ـ لما دعوتنى إلى زيارتكم ، هل كنت تعرفين أنى سألتقى بأبيك ؟
ـ طبعاً .
ـ ماذا عن قتله بأيدى المصريين ؟!
شوحت بيدها :
ـ انس !
عرف أن الكثير مما روته له سيلفى ـ قبل أن تدعوه لزيارة البيت ـ لم يكن حقيقياً ، وأنها ـ دون أن يدرك السبب ـ كذبت عليه .
هل أرادت أن تحسن تقديم أسرتها ؟ هل خشيت من فقده ؟ هل كذبت لأن هذه هى شخصيتها ؟ . ليست دميمة فتحاول التعويض بالاختلاق ، واختراع ما ليس صحيحاً .
لماذا تكذب إذن ؟!
د. حسين علي محمد
02-12-2008, 11:06 AM
من المحرر
بقلم: محمد جبريل
.......................
قد لا يكون من حقنا أن نعترض علي اختيار إسرائيل ضيف شرف وحيداً في معرض تورينو للكتاب. وإن كانت المجازر الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية تعطينا الحق في هذا الرفض.. لكننا بالقطع ضد دعوة كل الدول العربية باعتبارها ضيفاً واحداً في هذا المعرض أو ذاك. من منطلق أن الدولة غير العربية تساوي منفردة أقطارنا العربية مجتمعة.
تكرر الأمر من قبل في معرض فرانكفورت. حيث وجهت الدعوة إلي الدول العربية بأسلوب "الشروة". مقابلاً للاحتفاء بدولة واحدة غير عربية. كل عام. ضيفة شرف للمعرض. بصرف النظر عن قيمتها الحضارية والثقافية. مجرد أنها تعتز بهويتها. وتجيد تقديم نفسها. من خلال وعي مسئول. وتفهم لطبيعة الأوضاع الدولية.
نحن نهمل المقولة الشهيرة: أنت حيث تضع نفسك. لا تشغلنا الوسائل. ونتقبل كل النتائج. قد يكون الوضع العربي مأزوماً. ويعاني التخلف. لكن المجاوزة تظل أملاً. أو هذا هو ما ينبغي أن نسعي إليه. التخلف ليس قدراً. ولا هو مكتوب علي الجبين. إنه نحن. إرادتنا. واعتزازنا بأنفسنا. وبهويتنا. نعتز بنظرة العالم إلينا ككيان تربطه وشائج وصلات. لكننا نرفض النظرة التي تجد فينا مجرد كم بلا قيمة حقيقية.
يحزنني علي سبيل المثال ذلك التصور الغريب بأن جائزة نوبل هي التي تمنح الأديب صفة العالمية. فنحن نخوض المعارك المحلية في اتجاهها. ننسي أو نتناسي أن الكثير من الأسماء المهمة في تاريخ الأدب العالمي المعاصر لم تحصل علي الجائزة. وثمة من رفضها لأسباب معلنة!
المنطق العلمي الذي يجب أن تلتزم به وزارات الثقافة العربية. أن تعد خطتين تكتيكية واستراتيجية. لوضع الأدب العربي في المكانة التي يستحقها. وهو ما يرتكز بداهة إلي تصور عام. تشارك في وضعه وزارات الثقافة العربية. فلا يتباهي قطر ما بأنه تميز عن بقية الأقطار بالحصول علي امتياز منح النسخة العربية من مسابقة أوروبية. كأن الأمر يتصل بامتياز للتنقيب عن البترول!
لأن الحديث ذو شجون. فسأكتفي بالإشارة إلي المشاركة العربية في المعارض الدولية. وما ينبغي أن تكون عليه. مأساة فرانكفورت يجب ألا تتكرر. المفروض أن تكون المشاركة بحجم الناطقين بالعربية. وبالإبداع العربي في امتداد عصوره إلي التفجر الإبداعي الذي نعيشه الآن.
أقسي الأمور أن يستكين الأفراد ناهيك عن الدول إلي ما يصعب قبوله. ودعوة إسرائيل ضيف شرف لمعرض تورينو يذكرنا بالدعوات المتوالية لدول صغيرة وكبيرة إلي معرض فرانكفورت. فإذا وجهت إلينا الدعوة نفسها. لم نحاول السؤال. ولا المناقشة. ولا دراسة حقيقة الأوضاع.
نحن نقبل من منطلق اتحاد الضعفاء وليس من منطق وحدة الأقوياء.
وإذا كانت الجامعة العربية تعجز عن أداء دور سياسي فعَّال. فإنها تستطيع أن تؤدي دوراً مطلوبا في مجال الثقافة. ولن يتحقق هذا الدور إلا بالأداء الجاد الذي ينسق. ويضع الخطط. ولا يرضي بأي شيء!
............................
*المساء ـ في 26/1/2008م.
د. حسين علي محمد
02-12-2008, 11:06 AM
البحث عن حل .. لارتفاع سعر الكتاب
يقدمها: محمد جبريل
.........................
د.البنداري: أكثر من مشروع.. لتلبية احتياجات القراءة
د.نجوي عمر: النشر الالكتروني يعالج المشكلة
حسني لبيب: مطلوب تخفيض أسعار.. كتب المجلس الأعلي للثقافة
فكري النقاش: لا بديل حتي الآن لمكتبة الأسرة
ارتفاع أسعار الكتاب هو الظاهرة التي فرضت نفسها بقوة علي معرض القاهرة الدولي هذا العام.. وهي ظاهرة لا تقتصر علي جناح بالذات. ولا ناشر بعينه. لكنها شملت كل الناشرين. حتي كتب سور الأزبكية داخل المعرض لم تخلص من هذه الظاهرة.
يلاحظ د.حسن البنداري أن أسعار الكتاب في تزايد مستمر. وإن جاء سعر الكتاب في العام الماضي مناسباً لمن يريد اقتناء الكتاب. لكن غلاء أسعار الكتب يواكب الغلاء الذي نعيشه الآن. ليس في مصر فقط. بل في العالم كله. ومن الممكن أن نطرح حلولاً. حتي نشجع من يحب القراءة علي مواصلة هوايته. وذلك باستحداث سلاسل جديدة ضمن مشروع النشر في هيئة قصور الثقافة. ومنها سلسلة للقصة القصيرة. وأخري للشعر. وهكذا.. لأن هيئة قصور الثقافة قادرة علي نشر كتبها بسرعة. وهي تتحمل بعض العبء. وعلينا أن نترك عملية إعادة نشر وطبع الكتب القديمة. لأنها تعطل عملية نشر الكتب الحديثة. أما هيئة الكتاب فهي تنشر كتبها في فترة معينة بسعر زهيد. ضمن مشروع مكتبة الأسرة.. ونحن نريد أن يكون هناك أكثر من مشروع للنشر ليفي باحتياجات القراءة.
وتذهب د.نجوي عمر إلي أن الظاهرة التي تزداد تفاقماً في معرض الكتاب هي ارتفاع الأسعار. قلت الفوضي وضجيج الميكروفونات. لكن زيادة أسعار الكتب تتجاوز كل الخطوط. وإقبال زوار المترددين علي المعرض يتراجع عن الشراء من عام إلي عام. حتي أن الخصم الذي يتم بمناسبة المعرض يصير هامشاً وغير مؤثر في رفع أعداد المشترين.
وبصراحة لقد أصبح ارتفاع سعر الكتاب ظاهرة يجب التوقف أمامها. ومحاولة إيجاد حل حاسم لها. وفي تقديري أن مشروع مكتبة الأسرة يمتلك الريادة. لأنه يقدم خدمات كنا ومازلنا في حاجة إليها. لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلي مساندات. إما من جهات حكومية. أو من دور نشر أهلية. ولكن يبقي السؤال: هل تقبل دور النشر الخاصة بهامش ربح ضئيل في مقابل هذه الخدمة الوطنية؟. لو قبلت بهذا فسيصبح لدينا مشروع يوازي مكتبة الأسرة. وأتمني أن ينشأ مشروع آخر علي الكتاب الالكتروني. حتي يجذب أجيالا جديدة لم يعد يغريها الكتاب الورقي. مثل هذا المشروع سيحل تلك المعضلة الصعبة. وهي غلاء سعر الكتاب. حيث إن القرص المدمج ثمنه رخيص للغاية. وبهذا ينتشر الكتاب بصورة جيدة.
ولعل هيئة الكتاب في تقدير الكاتب المسرحي محمد عبدالحافظ ناصف هي المكان الوحيد الذي تدخله لتشتري كتاباً وأنت مطمئن. ولا تتحسس جيبك طويلاً. وتجد فيها ما تريده إلي حد ما. لذا أري الأمر في حاجة دائمة إلي المراجعة والتدقيق من قبل د.ناصر الأنصاري لاختيار الأفضل الذي يزيد الثقة بين القاريء والهيئة. وخاصة في مكتبة الأسرة التي أصبحت العمود الفقري لمكتبة البسطاء من القراء. الذين يتحسسون دائماً جيوبهم أمام ارتفاع الأسعار والحياة الصعبة.
ويري د.أيمن فؤاد سيد علي أن مشروع مكتبة الأسرة. هو الأقل سعراً في الكتب التي يصدرها. وهناك إقبال عليها منذ افتتاح المعرض. لكن هذا الدعم الذي يذهب إلي القاريء. لا يقابله دعم مماثل يذهب إلي المؤلف. لأن الكتاب يعرض ويباع بعشر ثمنه. مهما كان عدد النسخ المسحوبة. وهي في الغالب لا تزيد علي خمسة آلاف نسخة. إن نصيب المؤلف يصل إلي عشر العائد الذي كان سيحصل عليه لو أصدر طبعة ثانية. ولابد من تعويض المؤلف عن هذه الطبعة التي تصدر في مكتبة الأسرة. كما يجب أن تتحمل جهة حكومية دعم الكتاب ليصل إلي القاريء المتعطش. ويعوض المؤلف في الوقت نفسه. وللأسف. فنحن نجد أن مطبوعات مكتبة الأسرة يتم تشوينها من قبل "الكتبجية" وفي أحيان أخري تنزع أغلفتها الأصلية. وتباع بأضعاف أسعارها في المعرض. بحيث لا يصل الدعم إلي مستحقيه وهم القراء. بل يحصل التجار علي أضعافه.
ويشير الروائي حسني سيد لبيب إلي أن الشكوي تتزايد من ارتفاع أسعار الكتب في معرضه السنوي. وأصبح الكتاب يواجه مشكلة إعراض معظم الناس عنه في ظل منافس أقوي. هو الكومبيوتر. في الوقت الذي نحن فيه في أمس الحاجة إلي الكتاب الورقي. لقد أصبح معرض الكتاب سوقاً لبيع أي شيء عدا الكتاب الذي ضعف الإقبال عليه وإن أثبت مشروع مكتبة الأسرة نجاحاً منقطع النظير لعدة أسباب. أبرزها عرض الكتاب بسعر زهيد. ويمكن الإفادة من هذا النجاح في مجالات أخري موازية أو مشابهة. مثل إعادة النظر في منافذ التوزيع لسلاسل هيئة قصور الثقافة. حيث تشكل هذه السلاسل قوة جذب للقاريء العادي. لكن ندرة منافذ التوزيع وصعوبة الحصول علي هذه الكتب. يشكلان عقبة رئيسية. وأرجو أن تتدارك الهيئة هذه النقطة بالتوزيع الجيد الذي يساعد علي رواج كتبها. وليت المجلس الأعلي للثقافة يعيد النظر في أسعار كتبه. فمشروعه الثقافي أداة تثقيف للمواطنين. ولا يخضع لمبدأ الريح. وهنا يأتي دور الدولة في دعم ميزانية المجلس. لأن الكتاب علي نفس الدرجة في الأهمية مع رغيف الخبز. وثمة دور مهم لدور النشر الخاصة التي تجأر بالشكوي من تضاؤل حجم المبيعات وكساد تجارة الكتب. بينما تضع علي الأغلفة أسعاراً مغالي فيها. من المهم لهذا الدور أن تساعد في حل المشكلة بأن تقلل من هامش الربح. كما ينبغي علي الدولة أن تقلل من الضرائب المفروضة علي صناعة الكتاب. بما فيها الورق والأحبار. وحتي لا يقال إننا أمة لا تقرأ فإنه ينبغي تآزر الجميع من أجل بيع الكتاب بسعر مناسب.
ويجد الكاتب المسرحي فكري النقاش في مكتبة الأسرة حلاً مناسباً لمشكلة ارتفاع سعر الكتاب. إنه مشروع جيد. ومن يقف وراءه يؤمن بأهمية دور الكتاب. ويأتي له بالدعم من الهيئات والمؤسسات. وأعتقد أنه لابديل عن مكتبة الأسرة. وهو ما كان واضحاً أيضاً في المعرض. حيث كان الإقبال كبيراً علي كتب القراءة للجميع. وبخاصة أنها جيدة المستوي. وطبعة بشكل مقبول. لذلك فإني أتمني أن يدوم هذا المشروع. لأنه من الصعب أن ينشأ مشروع مواز له. باعتبار أن دماء هذا المشروع هي الأموال. ومن الصعب علي القطاع الخاص أن يتنازل عن ربحيته. ويبيع كتبه بأثمان زهيدة. فلديه أعباء. ويريد الربح.
والغلاء كما يقول القاص فرج مجاهد يتزايد يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام ولا حل فيما أعتقد إلا برفع الجمارك عن الورق وأحبار الطباعة وغيرها من المستلزمات الخاصة بالنشر. ولعل وجود مكتبة الأسرة وسور الأزبكية في المعرض هو المتنفس الوحيد لرواد المعرض. وخاصة الباحثين والمهتمين بالأدب في الأقاليم. هذه هي طاقة النور الوحيدة في الأفق. كما أشير إلي ضرورة دعم مشروع النشر الإقليمي لكل محافظة. وأن توضع له ضوابط حتي لا يكون سلطة في يد رئيس إقليم أو مدير فرع ثقافي. ينشر لمن يشاء. ولا ينشر لمن لا يعجبه. لابد من تفعيل اللجان الخاصة بالنشر. وأن تكون قراراتها نافذة وليست حبراً علي ورق. إذن فالمشكلة حلها في يد الدولة. ولابد من تدخلها. بهذه الحلول يمكن أن نحد من مشكلة غلاء الكتب ونشرها.
......................................
*المساء ـ في 26/1/2008م.
د. حسين علي محمد
02-12-2008, 11:07 AM
شاي بالحليب.. رواية جديدة لمحمد جبريل
..................................................
* الجزيرة الثقافية- القاهرة - عتمان أنور:
رواية جديدة للأديب محمد جبريل صدرت مؤخراً ويرتاد فيها مناطق بكراً وعوالمَ مختلفةً عن عالمه الإبداعي السابق حيث يتناول الأحداث المعاصرة من الأزمات التي يواجهها إنسان عادي يحمل هموماً وشجوناً عامةً ولا يحب الأديب أن يصفه بالمثقف. وتأتي رواية جبريل في إطار مسيرته الطويلة التي تعدت أكثر من خمسين كتاباً حتى الآن وأثرت المكتبة العربية بإبداعٍ قصصيٍّ وروائيٍّ متوهج الرؤية وطرائق توصيلها.. بجانب إضافاته النقدية التى تقف مراجع حيوية عن حركة الثقافة المصرية.
والحقيقة التى تتبدى لكلِّ مَنْ تابع إبداعات محمد جبريل أن هذا الكاتب خصب العطاء والمتجدد الاقتدار.. لا يكرر نفسه فى أى عمل جديد يقدمه.. فحتى عندما يعبر من المنظور الفني عن مرحلة ما سبق أن عاش وعشناها معه، فإنه باقتداره كمبدع يعطينا التجربة وكأننا نعيش الآن فى غمارها.. وهذا ما يتجلى فى روايته الجديدة (كوب شاي بالحليب) التي تجسد قيمة صاحبها المبدع محمد جبريل.
......................................
* الجزيرة الثقافية - في 29/1/2008م.
د. حسين علي محمد
02-12-2008, 11:09 AM
محمد جـبريل في رباعية بحري
بقلم : أحمد فضل شبلول
..............................
إذا كانت ثلاثية نجيب محفوظ -بين القصرين، قصر الشوق، السكرية- قد كتب لها الخلود في أدبنا العربي المعاصر، فإن رباعية محمد جبريل ـ التي اتخذ من أولياء الإسكندرية في منطقة بحري عناوين لأجزائها الأربعة –أبو العباس، ياقوت العرش، البوصيري، علي تمراز ـ ستخلِّدُ بلا شك كاتبها. فهذه الرباعية الروائية، أو هذا العمل الملحمي الكبير الذي يربو ـ في أجزائه الأربعة ـ على ألف صفحة، سيكون مثارا للحديث الطويل على مائدة النقد الأدبي الروائي لعقود طويلة قادمة. وربما تعقد مقارنات طويلة بينه وبين أعمال أخرى مهمة كتبت عن مدينة الإسكندرية مثل: رباعية الإسكندرية للورانس داريل من الأجانب، وأعمال مصطفى نصر وسعيد بكر ومحمد الصاوي وعبد الفتاح رزق وإبراهيم عبد المجيد وإدوار الخراط، وعبد الفتاح مرسي ومجدي عبد النبي، وغيرهم من أدبائنا المصريين الذين اتخذوا من الإسكندرية مكانا ومناخا وشخصيات تؤدي دورها في حقب مختلفة من عمر المدينة الذي تجاوز الألفين وثلاثمائة عام.
***
رباعية محمد جبريل عمل ليس سهلا، ولم يكتب للتسلية والمزاح، ولكنه عمل صعب، يحتاج إلى أكثر من قراءة، فهو يجمع بين خبرات طويلة ومتعددة في الحياة وفي الأدب وفي الفن وفي الفكر، وأيضا في التصوف وفي الجنس، وأعتقد أنهما ـ أي التصوف والجنس ـ في هذه الرباعية وجهان لعملة واحدة، هي الحياة البشرية في سموها وانجذابها نحو فك الأسر ومحاولة الانطلاق خارج حدود الزمان والمكان، وهذه الحياة في انحطاطها ودناوتها وسعيها إلى إشباع الغرائز السفلية بشتى الطرق، وأحيانا يجنح الخيال بالكاتب في عالم التصوف فيقدم لنا العالم السري لشخصيات تسعى إلى الدخول في عالم المجاذيب مثل شخصية علي الراكشي، وأحيانا يسوق الكاتب قلمه لتصوير أحط أنواع الغرائز من خلال شخصية مثل شخصية أنسية، وأحيانا يقوده هذا القلم إلى التعرض لأنواع من الشذوذ الجنسي المتمثل في شخصية حمادة بك. وعندما يتعرض الكاتب لهذين الوجهين فإنه ينقدهما أو يرفضهما، ومن أجل هذا فهو يغوص في هذين العالمين المتناقضين بطريقة إما تدعو إلى الإعجاب والدهشة، أو بطريقة تدعو إلى اللوم والمؤاخذة. وفي كلتا الحالتين يُجيد الكاتب تصويرهما وتقديمهما متوسلا بذاكرة حديدية،ومَلَكَةٍ تصويرية يحسد عليها. ولعلي أكون من أصحاب الاتجاه الأول-الإعجاب والدهشة- فقد كنت أثناء قراءة هذه الرباعية شديد الانبهار بالعالم الذي يقدمه لنا محمد جبريل بشقيه ـ فضلا عن الجانب الأسطوري ـ لأنه في الواقع أضاف إلى خبراتي وثقافتي ـ وبالذات في عالم التصوف الذي تحول في هذه الرواية إلى عالم فني شديد الخصوبة والجمال ـ الكثير في هذا المجال.
وبين شخصيتي الراكشي، وأنسية أبدع محمد جبريل في نسج مئات الشخصيات في رباعيته -التي قد تحتاج إلى معجم لرصدها بدقة- بعضها شخصيات رئيسية أو فاعلة مثل الجد السخاوي صاحب الخبرة الطويلة في عالم البحر والصيد-والذي حزنتُ كثيرا عندما مات قرب نهاية الرباعية، وكانت جنازته جنازة أسطورية أجاد الكاتب تصويرها بما يشعر القارئ بحزن المدينة كلها على وفاة هذه الجد الذي عمَّرَ في البحر طويلا- ولعل شخصية الجد السخاوي تقترب في بعض ملامحها من عجوز بحر أرنست هيمنجواي، وهناك أيضا سيد الفران الذي تزوج من أنسية رغم معرفته بأنها كانت تمارس البغاء قبل الزواج، ولكنه القلب وما يهوى. أيضا هناك عبد الله الكاشف الذي يبدأ ظهوره في الجزء الثالث من الرباعية –البوصيري- وهو ذلك الموظف الذي كان يعمل بسراي الحقانية ثم أحيل على المعاش القانوني لبلوغه سن الستين دون أن يتزوج، واكتفى بأن زوَّج أختيه، وظل يعاني الوحدة والقلق، ومن ثم يبدأ في خوض التجربة الروحية، لكنه لا يرقى إلى مرتبة علي الراكشي الذي اعتقد البعض أنه ولي من أولياء الله الصالحين، غير أنه غير ذلك في نظر أولاده وخاصة ابنه محمد الذي اتـهم أباه بأنه كان يتركهم نـهب الجوع والقلق، ويمضي في خزعبلاته، وتجاربه الروحية، ويتوهم أنه يستطيع أن يمد يده ويأتي لهم بالطعام من الهواء. وموقف محمد الراكشي هذا هو موقف الإدانة لعالم التصوف الذي أراد المؤلف أن يبثه من خلال إحدى الشخصيات غير الأساسية في الرباعية. وهناك الشيخ عبد الحفيظ، وأمين عزب، وغيرهما من أصحاب النظرة الإسلامية المعتدلة في الدين وفي الحياة.عشرات الشخصيات الحية والفاعلة على امتداد الرباعية، ومئات الشخصيات التي تظهر وتختفي، وتطفو على السطح مرة ثم تنمحي من الذاكرة، سواء من ذاكرة الكاتب أو ذاكرةالقارئ. ولعل الأسطى مواهب العالمة، وزوجها القواد، ومهجة وهشام من هذه الشخصيات التي ظهرت ثم اختفت، ولكنَّ ظهورَها أثار الحيوية في بعض أجزاء الرباعية، ولعل الكاتب قد توسَّل باسم مهجة ابنة سلطان الإسكندرية المرسي أبي العباس، وزوجة ياقوت العرش، لتكون امتدادا روحيا للأولياء والأقطاب السكندريين، ولكننا نفاجأ بأنه يقدم لنا مهجة أخرى تذهب إلى المدرسة، ثم تتزوج وتطلق في الليلة نفسها، ويحكم عليها أبوها بعدم الخروج من البيت، ثم تصل إلى مرحلة من مراحل اللامبالاة وعدم الاهتمام بالآخرين، ثم تغشى الشقق للحصول على المتعة، وترفض هشام الذي أحبها، والذي يموت ميتة بائسة بسببها.
***
من ناحية أخرى نستطيع القول إن محمد جبريل خبر الحياة في حي بحري خبرة العارف بدقائقها وأسرارها وعوالمها السرية أو التحتية وأيضا أساطيرها -كرامات أولياء الله الصالحين بالمنطقة، شرب دم الترسة وما ينتج عنه، عروسة البحر وخطفها لرجال البحر أو الصيادين، مصارعة الكائنات البحرية العملاقة في عرض البحر والتغلب عليها .. الخ- ويمكن الرجوع للمزيد من هذه الناحية إلى سيرته الذاتية "حكايات عن جزيرة فاروس"
تجول بنا الكاتب في عشرات الشوارع والأزقة والحواري، من أول سراي رأس التين وحتىالمنشية واللبان وكوم بكير (مركز الدعارة في الإسكندريةفي ذلك الوقت) وأجلسنا على عشرات المقاهي في الكثير من الأحياء، وأدخلنا في البيوت والشقق فعرفنا الكثير من أسرار العائلات السكندرية التي تقطن هذه الأحياء المجاورة لبعضها البعض، في تلك الحقبة التي كتبت فيها هذه الرباعية، وهي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى يوم 26 يوليو 1952، يوم خروج الملك فاروق من الإسكندرية. وبالمناسبة فإن التركيز لم يكن في هذهالرباعية على أحوال السياسة المصرية في تلك الحقبة، ولكن الحديث عن السياسة كان حديثا عارضا تَفرضه التجمعات أو جلسات الأصدقاء في المقاهي، أو التفكير في ترشيح حمادة بك لنفسه في انتخابات البرلمان. لذا فإنه عندما قامت ثورة 23 يوليو 1952 لم يكن هناك فهم دقيق للأمور من جانب بعض تلك الشخصيات البسيطة، بل مجرد عبارات متناثرة هنا وهناك، كأي مصري بسيط يلتقط خبرا من هنا وخبرا من هناك.
وقد جاءت فكرة عدم التعمق في الأمور السياسية مواكبة تماما لتركيب معظم شخصيات هذه الرباعية التي أغلبها من الصيادين وصانعي القوارب وناسجي الشباك، وأصحاب الحرفالبسيطة والمجاذيب والعاملين في الميناء وفي المساجد وغيرها. وعلى الرغم من ذلك قد الاحظ بعض التعليقات البسيطة التي يطلقها أحدهم فتعبر عن نظرة صائبة ودقيقة للأمور في ذلك الوقت، وعلى سبيل المثال يقول الكاشف -البوصيري، ص 230
ـ هذه لعبة القط والفأر بين الوفد والسراي منذ أيام الملك فؤاد
أو قول أحدهم -علي تمراز، ص 236
ـ وهذا النجيب (يقصد محمد نجيب) .. هل كان الملك يتركه حتى رتبة اللواء لولا أنه من رجاله؟
فيجيب سيف النصر قائلا
ـ صحف المعارضة أكدت أن الضباط اختاروه لرئاسة ناديهم رغم معارضة الملك
قال حمدي رخا:
ـ مهما تكن صورة المستقبل فإنه لن يكون أسوأ من أيامنا الحالية
ثم قال في لهجة مطمئنة:
ـ فلنأمل خيرا
***
اعتمدت الرباعية في هيكلها البنائي على الفصول القصيرة، والقريبة في عدد صفحاتها من بعضها البعض ـ في معظم الأحيان ـ، واتخذ كل فصل عنوانا مستقلا، واقترب عدد الفصول من 150 فصلا روائيا. واقترب بعض هذه الفصول من تكنيك القصة القصيرة، التي تصلح لأن تنزع من السياق الروائي لتشكل عالما قصصيا قائما بذاته، ولكنه متى وضع مرة أخرى في هذا السياق فإنه يأخذ مساره الطبيعي ضمن العمل ككل. وأعتقد أن السبب من وراء ذلك ربما يعود إلى كتابة هذه الرباعية على فترات متقطعة ينشغل فيها الكاتب بأعمال أخرى، ثم يعود إلى الكتابة، ثم ينفصل، ثم يعود إلى الرباعية، وهكذا يشكل كل فصل عملا مستقلا، لكنه يقع ضمن الإطار العام للرباعية. وأحسب أن هذه ميزةٌ كبرى لهذا العمل الضخم فلا يشعر القارئ معه بالملل أو الإطالة غير المستحبة، أو التكرار والإعادة دون مبرر فني، ولكني على الرغم من هذا شعرت أحيانا أن الكاتب يكرر بعض المواقف وخاصة عند حديثه عن أهل الجذبة الصوفية، وعند حديثه عن أنسية، وعدم قدرتها على الإنجاب، ونصائح الأطباء والكودية نظلة لها، واستخدامها للوصفات البلدية، وفي هذا يُدين أنسية وزوجها السيد الفران اللذين يُصران على الإنجاب رغم معرفتهما أن الله يرزق من يشاء ويجعل من يشاء عقيما، وتنتهي الرباعية بعودة أنسية مرة أخرى إلى ممارسة الجنس مع الشيخ حماد، ولكن في هذه المرة ليس بغرض المتعة أو الحصول على النقود، ولكن بغرض الإنجاب مهما تكن الوسيلة- فالصراخ في أعماقها، والعمر يجري، والمعايرات لا تنتهي، والإنجاب أمل تدفع حياتها ثمنا لتحقيقه، الثمرة تشغلها، ولا تهمها الوسيلة -على تمراز ص 247 وهي واثقة أن هذا الأمر لن يعرفه أحد (إذا سكت الشيخ حماد، فهو ما تأمله، وإذا تكلم، فمن يصدقه ؟-السابق، ص 249
أيضا من الأشكال البنائية للرباعية لجوء الكاتب ـ في افتتاحية بعض الفصول ـ إلى الاستشهاد ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وكلماتٍ وأورادٍ لأقطاب التصوف: أبو الحسن الشاذلي وابن عطاء الله السكندري والمرسي أبو العباس والبوصيري وغيرهم، وهو بذلك يؤكد على الجو الصوفي الذي تدور في فلكه أجزاء كثيرة من العمل، ويعطي إشارات للأحوال التي يمر بها بعض شخصيات الرواية، غير أنه خلت هذه الكلمات والأوراد والإشارات من ذكر لرابعة العدوية التي تعد أول من تحدث عن العشق الإلهي في أشعارها ونثرها، وهي تعد أستاذة ـ في هذا المجال ـ لكل من أتى من بعدها من أمثال: الحلاج وابن الفارض وذو النون المصري وابن عطاء الله السكندري وغيرهم، وتعد رابعة فاصلة بين عالمين روحيين هما: عالم الزهد وعالم التصوف، وبها تُؤرخ بدايات التصوف في الإسلام، لقد وضعت رابعة مبدأ "إنني أعبد الله لا طمعا في جنته، ولا خوفا من ناره، ولكني أعبده لذاته" وفرقت بين حبين: حب الهوى، وحب الله لذاته، وفي هذا تقول
أحبك حبين: حب الهوى .:. وحبا لأنك أهل لذاك
فأما الذي هو حب الهوى .:. فشغلي بذكرك عمن سواك
وأما الذي أنت أهل له .:. فكشفك لي الحجبَ حتى أراك
فلا الحمد في ذاك ولا ذاك لي .:. ولكن لك الحمد في ذا وذاك
بهذه الأبيات الأربعة السابقة تضع رابعة العدوية نظرية جديدة في العشق الإلهي، لم يستفد الكاتب منها، وإنما استفاد بتأثيراتها على من جاء بعد رابعة التي أطلق عليها الدكتور عبد الرحمن بدوي شهيدة العشق الإلهي، كما كتب عنها بعض المستشرقين عدة كتب، منهم المستشرق الفرنسي: لويس ماسينيون، والمستشرقة الإنجليزية مرجريت سميث، كما كتب عنها أحمد بهجت فصلا مهما في كتابه "بحار الحب عند الصوفية"، وكُتب عنها كتابٌ بعنوان "رابعة العدوية والحياة الروحية في الإسلام" وفيه رد على مزاعم د. عبد الرحمن بدوي وغيره حول حياة رابعة وسلوكها وتصوفها.
ولا تخلو الرباعية بالإضافة إلى ذلك، من أزجال وأغاني الصيادين وأغاني الأفراح الشعبية والموالد والطهور في مدينة الإسكندرية خلال تلك الحقبة التي تتحدث عنها الرباعية، فضلا عن الأناشيد الدينية وما يُتلى من أذكار وأوراد في حلقات الذكر والخلوة، وغيرها من طقوس الصوفية وأحوالهم، وأعتقد أن المؤلف بذل جهدا مضنيا في سبيل جمع أو تذكر هذه الأزجال والأغاني، وأعتقد أننا لو عكفنا على استخراج هذه الأغاني والأزجال والأذكار والأوراد .. الخ من الرباعية، لتوافرت لنا مادة فنية غنية، تصلح للدرس الأدبي فيما بعد.
وعن بناء الجملة عند محمد جبريل في هذه الرواية، فقد اعتمد على الجملة القصيرة التلغرافية في أغلب الأحوال، ذات الإيحاء الدال، وفي كثير من الأحيان يكون التقديم والتأخير للاسم والفعل، وإدخال جملة قصيرة في سياق جملة أخرى دون أن ينتهي من الجملة الأساسية، من أهم سمات تركيب الجملة، مثل قوله: "حين انتقلت علية إلى بيت زوجها، أغمض عينيه، وتنهد"، ونحن في الأحوال العادية نقول: "أغمض عينيه، وتنهد، حين انتقلت علية إلى بيت زوجها"البوصيري، ص 177أو قوله: "ألفت توقفه ـ لا تناقشه ـ أمام باعة الصنف" (علي تمراز، ص 10) فهو يضع جملة إضافية، وهي هنا "لا تناقشه" بين شرطتين أمام جملةلم ينته من قولها بعد. ولعل من أهم ما يحسب للكاتب في هذا المقام استخدامه لعلامات الترقيم (مثل النقطة والفاصلة وعلامات التنصيص، والاقتباس وبداية القول ونهايته .. الخ) في مكانها المناسب تماما، ولعل السبب في ذلك يعود إلى تمرس الكاتب بالكتابة الصحفية والأدبية لعقود طويلة، واستخدامه جهاز الحاسوب (الكمبيوتر) لكتابة أعماله وتنضيدها وتنسيقها بمعرفته، ليس عن طريق المطبعةأو الناشر، إذ أنه من الملاحظ أن معظم الناشرين ـ في هذه الأيام ـ لم يهتموا بقواعد الكتابة، وبخاصة علامات الترقيم. وقد لوحظ بعض الأخطاء النحوية القليلة في بعض الصفحات، ولكنها لا تذكر بالقياس إلى حجم هذه الرباعية، وربما جاءت هذه الأخطاء نتيجة عدم المراجعة الدقيقة لبعض صفحات الرواية.
***
إن هناك مقولة شاعت في حياتنا الأدبية والثقافية في الفترة الأخيرة، وهي "الروايةُ أصبحت الآن ديوان العرب"، وأتفق مع هذه المقولة تماما، إذا كانت الرواية التي تصلح لإطلاق هذه المقولة عليها مثل رواية "رباعية بحري" لمحمد جبريل. ونعني بأن الرواية هي ديوان العرب ـ في هذه الحالة ـ أن الرواية هي ديوان الحياة العربية المعاصرة بكل ما فيها من عبق الحياة المعاصرة بتياراتها واتجاهاتها وآراء من يعيشون فيها، إنها تحمل الإنسان والمجتمع والسياسة والاقتصاد والطب والفلسفة والعلوم، إنها تحمل الشعر، والقصة، واللغة المكثفة والمركزة والمقطرة والمتفجرة والشفافة، وتحمل أيضا الوصف فضلا عن السرد والحوار. إن الرواية الناجحة الآن عالم قائم بذاته، وديوان للحياة، وسجل للعصر. ومن هنا فإنني أعتقد أنها فعلا ديوان العرب الجديد، ولا يهز هذا الرأي من مكانة الشعر العربي، أو من عرشه الذي تربع عليه قرونا طويلة. ولكنني أعتقد أنه لم يصبح ديوان العرب كما كان في الماضي.
د. حسين علي محمد
02-12-2008, 11:15 AM
فاروق شوشة..وحوار في اللغة والشعر
أجراه: محمد جبريل
....................................
كيمياء القصيدة لا تصنعها القصة أو الرواية
جذب الجمهور لتذوق الإبداع.. مسئولية المبدع
لن تتنازل قصيدة الفصحي أو العامية للأخري
لي مع النيل حساب.. أريد أن أصفيه!
إذا كان لكل مبدع قضية يقصر عليها موهبته واهتمامه. هي المجال الفني الذي يتحرك فيه. ويعبر عنه. فإن فاروق شوشة يزاوج بين اهتمامين أولهما هو الشعر الذي يجد فيه تعبيراً عن موهبته الفنية. وثانيهما هو اللغة التي لا تمثل في يقينه مجرد أداة. وإنما هي تراث ثقافي وتاريخي وتجسيد هوية.
* قلنا لفاروق شوشة: هل تري أن هناك تصالحاً قد تم في الفترة الأخيرة بين الشعر ومتلقيه ؟
** قال: لم تكن هناك قطيعة أبداً بين الشعر والمتلقي. حتي يحدث تصالح. كل ما هناك أن الأجيال المتوالية. والاتجاهات والتيارات المختلفة. تبدع الشعر. وعلي المتلقي أن يكون أكثر وعياً بتميز شاعر عن آخر. وبما إذا كانت القصيدة التي قرأها. أو استمع إليها. تحتمل الحياة أم العكس.
** قلنا: ماذا تقصد بالتميز؟
*قال: أقصد تميز الأشياء. ما هو صالح بحيث يبقيه في ذاكرته. وما هو طالح بحيث يتركه. ثم أصبح هذا المتلقي يحس أن الشعر بطبيعته هو الفن الداخلي الذي يصاحبه في حالته المنفردة. وفي حالته الجماعية. وأنه لا بديل أمامه عن كيمياء هذا الشعر. هذه الكيمياء لا يمكن أن تصنعها قصة قصيرة أو رواية أو مسرحية أو أي شيء آخر.. هذا أمر. الأمر الثاني أن الشعراء أصبحوا يتيحون للمتلقي من خلال المنتديات الأدبية. والمواسم. والمهرجانات الشعرية "حالة" لا تعتمد علي القراءة الصامتة. وإنما تعتمد علي الأداء المتنوع المنطوق الذي يكسر الحاجز بين الشعر والمتلقي. وأصبح كثير من هذا الجمهور الأدبي يستقبل عملية الإلقاء روحياً. يتوحد مع القصائد. ويستعيد من خلالها جماليات اللغة. وعوالم التصوير. وهو أمر لا تتيحه أبداً الفنون الأدبية الأخري. والدليل علي هذا كله أن قاعات معرض القاهرة الدولي للكتاب لا تمتليء وتزدحم إلا في حضرة الشعر. سواء في الأمسيات الشعرية بسراي 6 أكتوبر. أو سراي 16. أو المقهي الثقافي. أو أمسيات شعراء الأقاليم. الجمهور يتقبل كل حالة فيها حميمية التلقي والأداء الشعري الذي أصبح الشعراء يهتمون به للتوصيل. وللكشف عن الدلالات الخفية التي تحملها قصائدهم في ثناياها. وهو أمر لا يتاح في حالة القراءة الصامتة.
** قلنا: هل تري أنه من أسباب عودة الشعر لجمهوره. أن الشاعر أصبح واقعياً. أو قريباً من الواقع. وتخلص من الرومانسية؟
* قال: هو لن يستطيع الخلاص من الرومانسية. حتي لو كتب ما يسمي بالشعر الواقعي أو الرمزي أو السوريالي. لأن الرومانسية هي جذوة الشعر. بدون حمل هذه الجذوة لا يمكن أن يكون للقصيدة حركتها وفاعليتها عند المتلقي. وكل شاعر يحمل من بدء حياته إلي ختامه نصيباً من هذه الجذوة الرومانسية. صحيح أن الشعراء اقتربوا من تفصيلات الحياة اليومية. وتفصيلات الواقع الذي يعيشه المواطن. وأصبحوا أكثر مشاركة فيما يعتبره الإنسان قضيته الخاصة. لكن تظل القدرة علي التغيير هي الأساس. وتشكيل هذا الاهتمام في بنية فنية هو أمر لابد منه. سواء كان قارئاً. أو مشاركاً في عملية الاستقبال الشعري.
قلنا: نسمع أصواتاً تقول إن الشعر غادر القاهرة. تطالعنا كل يوم صيحات عن شاعر المليون. وأمير الشعراء. وغيرها من الصيحات التي تأتينا عبر الحدود.
قال: الشعر باق هنا. فمازلنا نتكلم عن الشعر في إطار معرض القاهرة الدولي للكتاب. عن الشعر الذي يملأ أجنحة دور النشر. ويحيل القاعات الباردة إلي حرارة ودفء. ويحمله المغادرون للمعرض في أكياس تشي بتذوقهم له.
**قلنا: بالمناسبة ماذا عن ظاهرة شاعر المليون وشعراء المسابقات في القنوات الفضائية؟
*قال: هذا كله عظم بغض النظر عن سلبياته. وهي كثيرة. لكن المهم أن تظل راية الشعر مرفوعة. وأن يدرك الجميع أنه بدون شعر لا توجد حياة حقيقية.
شكوي القلب
**قلنا: المعاناة الصحية الطارئة التي واجهها قلبك في الفترة الأخيرة تطرح السؤال: عندما يشكو قلب الشاعر.. ماذا يعني هذا شعرياً؟
*قال: عندما ينوء الجسد بأعباء الحياة. فمن حق الشاعر أن يتكلم. وأن ينبه صاحبه إلي مسئوليته أولاً مع نفسه. وكثيراً ما تتحول هذه الشكايات إلي إبداعات جديدة. هي لصالح الشعر أولاً وأخيراً. وقد صدر لي في هذا المعني في اليوم الأول لمعرض الكتاب ديوان جديد عنوانه: "ربيع خريف العمر". وأيضاً كتاب جديد يضم مجموعة من الدراسات الأدبية. وعنوانه: "في حضرة مولاي الشعر".
** قلنا: ألست تري أن هناك ندرة في الدراسات التطبيقية للشعر؟
*قال: نعم. وهذا الكتاب يضم المقالات التي نشرتها خلال السنوات الأخيرة. وكلها تمثل إغراء بالقراءة. وعودة إلي اكتشاف ما سبق لي اكتشافه عند قراءة هذه الأعمال الشعرية. وأنا أعتبر أن حث الجمهور علي قراءة الشعر. ومساعدته علي تذوق الأعمال الشعرية. هو جزء من مسئولية كل الشعراء.
قلنا: الشعراء يكتبون الشعر!
قال: ولكن ليست مسئوليتهم إبداع الشعر فقط. وإنما نشر الوعي الشعري. وإيضاح حاسة التذوق السليم عند القاريء. هو الذي يستطيع قراءة النصوص الشعرية. ويضيء الكثير من جمالياتها. وتفسير دلالاتها بإحساسه كشاعر. هذا هو جوهر ما أكتبه دوماً.
** قلنا: أنت أمين عام مجمع اللغة العربية.. ما رأيك فيما تعانيه اللغة علي ألسنتنا؟
*قال: اللغة لا تتجلي إلا من خلال أعمال. ليست هناك لغة في الفراغ. اللغة تتحقق بوجودها علي ألسنة الناس وأقلامهم. وتظهر في تجليات إبداعية شتي. ولا يمكن الحديث عن اللغة إلا من خلال عمل قد تم. والمجاز قد تحقيق. وفيما يتصل بالشعر فإنه لغوي في الأساس. وما نأخذ من سلبيات علي الأجيال الجديدة من الشعراء تتصدرها هشاشة اللغة لابد للشعراء أن يحكموا لغتهم.
**قلنا: ألا تري أن مساحة الشعر العامي تتزايد علي حساب الفصحي؟
*قال: ستظل قصيدة الفصحي وقصيدة العامية إلي يوم القيامة. ولغة كل منهما لن تلغي الأخري. إنهما معاً حقيقة الواقع الإنساني الذي نعيشه.
قلنا: أشرت من قبل إلي اعتزامك كتابة مسرحية شعرية؟
قال: أين المسرح الجاد الحقيقي. لو أنه موجود لكنا استمتعنا بمسرحيات شوقي وعزيز أباظة والشرقاوي وعبدالصبور وغيرهم. الحالة الشعرية هي التي تشجع الشعراء علي إبداع المسرح الشعري. أما والدنيا كما نري. فمن الأفضل أن نتوجه إلي المتلقي.
**قلنا: وتجربتك الشعرية في الكتابة للطفل.. ماذا تقول عنها؟
*قال: إنها تحتاج إلي قدرات مختلفة. وسيطرة خاصة علي اللغة المناسبة للطفل. واستعداد وجداني للتعبير عما يلائم هذه المرحلة. وحالة من الصدق يعيشها الشاعر مع علاقته الحميمة مع عالم الطفولة. دون أن تكون سيفاً أو ادعاء.
**قلنا: أخيراً: ما الجديد الذي تعده؟
*قال: ديواني القادم عن النيل. أريد أن أصفي حسابي مع النيل الذي صحبته من الطفولة حتي الكهولة.
...................................
*المساء ـ في 8/2/2008م.
د. حسين علي محمد
05-30-2008, 08:17 PM
قراءة في كتاب «السحار: رحلة إلى السيرة النبوية»
لمحمد جبريل
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
................................
يرى الروائي محمد جبريل أن عبد الحميد جودة السحار من أشد أدبائنا "تعبيراً عن البيئة المصرية كما أنه أكثرهم التزاماً بالمغزى الأخلاقي" بدءاً من قصته الأولى "رجل البيت".
يقول محمد جبريل:
"سألت السحار: هل تعبِّر أعمالك عن فلسفة حياة متكاملة؟
فقال: إنني دائما أحاول أن أصور لحظات الضعف البشري، لكنني لا أترك الأضواء مسلطة على الإنسان عند سقوطه، بل أترك الأضواء مسلطة على لحظات الإفاقة. السقوط عبارة عن الواقع الصغير. إنما الندم، والنظر إلى أعلى، إلى السمو، إلى الله .. هو الواقع الكبير … وأحاول أن أوضِّح دائماً أننا لسنا وحدنا المسيطرين على مصائرنا".
وقد اتجه السحار إلى كتابة السيرة الإسلامية، فكتب "أبو ذر الغفاري" و"بلال مؤذن الرسول" و"سعد بن أبي وقّاص" و"أبناء أبي بكر الصديق". وكان يرى أن تطوير الثقافة العربية مرهون بقدرتنا على محاورة تراثنا والاستضاءة به، يقول:
"لقد أحسست أن التراث الإسلامي والثقافة العربية يمثلان شيئا هاما وجوهريا داخل حلقات التطور الفكري لمصر عبر العصور، وإنه لا يُمكن تطوير الأدب، وتطوير الثقافة المصرية دون العودة إلى استلهام هذا التراث، وتحقيقه على المستويين الفكري والفني. لذلك كتبت العديد من الأعمال القصصية بعد محاولة هضم هذه الألوان من الثقافة الإنسانية بشكل عام".
***
أصدر عبد الحميد جودة السحار العديد من المجموعات القصصية والروايات التي تُغطي جواني مختلفة في حياتنا الاجتماعية، وتسلط الضوء على سلبياتها من زوايا أخلاقية، لكن العناية بالتاريخ الإسلامي كانت ـ في الحقيقة ـ شاغل السحار منذ بدايات حياته الأدبية سعياُ لكتابة أهم أعماله وأخطرها، وهو السيرة النبوية المعنونة بـ "محمد رسول الله والذين معه"؛ وفيها يتناول سير الأنبياء من عهد آدم أبي البشر ـ عبوراً بإبراهيم r أبي الأنبياء ـ حتى وفاة الرسول في عشرين جزءاً كبيراً يبلغ مجموع صفحاتها حوالي عشرة آلاف صفحة.
يقول المؤلف: "إن الإنجاز الأهم للسحار ـ باعترافه ـ هو السيرة النبوية، أعطاها معظم عمره. قرأ وقارن ووازن وثبّت آراءه، ورفض آراء مناقضة، وقدّم عملاً موسوعيا، أثق أنه هو ما سيبقى من أدب السحار"(ص41).
وقد يثور سؤال: "لماذا أطلق السحار على السيرة "محمد رسول الله والذين معه" إذا كان قد كتب في الكتاب عن تاريخ الأنبياء جميعا؟
"يؤكّد الكاتب أن الإسلام ـ منذ بدء الخليقة ـ هو دين الله، دعا إليه الرسل والأنبياء … وهو ما يؤيده قوله تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام" وقوله تعالى: "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه".
وبالإضافة إلى "محمد رسول الله والذين معه" فقد كتب السحار: القصص الديني للأطفال في (86) جزءاً، منها قصص الأنبياء في (18) جزءاً بالاشتراك مع الكاتب الراحل سيد قطب، وقصص السيرة في (24) جزءاً، وقصص الخلفاء في (20) جزءاً، وسلسلة "العرب في أوربا" في (24) جزءاً" (ص82).
لكن يُمكن القول إن السحار كان منذ صباه هاوياُ للسيرة النبوية، قارئا لها، متمنياً أن يوفقه الله لكتابتها كتابةً فنية.
يقول في مذكراته "هذه حياتي":
" كان تاريخ محمد r وما يدور حوله يستهويني، ويأخذ بلبي، ويستولي على كل انتباهي … وشببت وأنا معجب بمحمد رسول الله r ، فلما عرفت كيف أقرأ، عكفت على قراءة كتب السيرة، وما كُتب عن الرسول الكريم r ، فازداد إعجابي بشخصيته الفذة الفريدة. وهويت الكتابة، فكانت أمنيتي منذ حملت القلم أن يُوفقني الله إلى كتابة السيرة النبوية في أسلوب قصصي".
وقد أقبل العالم الإسلامي على قراءة السحار مبدعاً إسلاميا، ويكشف المؤلف عن ذلك في فقرة جديرة بالإشادة، تُثبت أن ذاكرة الأمة حية، وأنها تحمل في القلب من ينتمون لها، ويدينون بدينها، ويكتبون ـ بحماس وإخلاص ـ سيرة نبيهم.
يقول محمد جبريل:
"حين سافر السحار إلى الشرق الأقصى، في بعثة تجارية، أدهشه أنه معروف جيداً في أندونيسيا. أشارت الصحف إلى وصول الكاتب الإسلامي عبد الحميد جودة السحار، وتردد عليه في الفندق مئات العلماء والقراء العاديين. بادلوا دهشته بدهشة مماثلة. كان قد أصدر أعماله الإسلامية الأولى، فتصوّروا أنه شيخ معمْم، وليس شاباً في أوائل الأربعينيات" (ص90).
........................................
*من كتاب "من وحي المساء" للدكتور حسين علي محمد، ط1، الإسكنرية 1999م.
صالح سعيد الهنيدي
05-30-2008, 09:21 PM
موضوع يستحق التميز
شكرًا لجهودك يا دكتور حسين
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 10:59 AM
ذاكرة الأشجار (9)
نزلا من الأوتوبيس في محطة الإسعاف. عبرا الطريق في اتجاه مبني الشهر العقاري.
اخترقا زحام العرضحالجية والنداءات والشتائم والشهود وباعة الاستمارات والطوابع وكتب القانون.
صعدا الدرجات الرخامية في المبني ذي الطوابق الثلاثة، يعلوه ـ متآكل الأطراف ـ العلم المصري ذو الألوان الثلاثة. في دائرة تحته نقش للعلم المصري القديم ذي الهلال. الأعمدة العالية، والبواكي في واجهة الطابق الأول، تفصل بينها وبين البناية طرقة طويلة بامتداد الواجهة، أرضيتها من البلاط الرمادي المربع، تطل عليها نوافذ من الحديد والضلف الخشبية.
تبعته إلي الصالة الواسعة، في المواجهة. اصطفت في داخلها مكاتب، انشغل الموظفون وراءها بأوراق ودوسيهات ومناقشات مع المترددين علي المكاتب.
مال علي الموظف الجالس وراء المكتب، علي يسار المدخل:
ـ نريد أن نتزوج..
لم يكن قد أعد نفسه لعلاقة زواج، الصداقة علاقتهما المعلنة، حتي نظرات أنطوان المتوجسة أهملتها، وصمتت عن التوضيح.
نبهه شيء ما في نظراتها، وارتباك تصرفاتها، وملاحظة النظرات المتسللة، وميل صوتها إلي الهمس.
واربت الباب، فدفعه مقتحماً:
ـ هل تتزوجينني؟
قال الرجل:
ـ ما يمنعكما؟
ـ هي مسيحية وأنا مسلم..
ـ تزوجا بعقد مدني..
ـ لا أفهم..
ـ عقد لا شأن للمأذون به..
ـ هل هو عقد صحيح؟
هتف الرجل:
ـ أنت في إدارة حكومية..
استطرد وهو يرنو إلي سيلفي بنظرة متسائلة:
ـ كم عمرك؟
ـ الحادية والعشرون.. وأشهر..
لحقه صوت الرجل:
ـ يحسن أن تحصل علي موافقة الكنيسة.
***
التقي بها الأب يوحنا في شارع سليم الأول. ابتسم لارتباكها الواضح:
ـ لماذا لا تزورين الكنيسة؟
ـ أتردد عليها أحيانا.
وأغمضت عينيها كالمتنبهة:
ـ زرتها قبل شهر..
قال الأب:
ـ كنت تترددين عليها دائماً..
ورنا إليها بنظرة متوددة:
ـ إنها مساوية للبيت في حياتنا.
وربت ظهر كفها بطرف إصبعه:
ـ احرصي علي صلاة الأحد..
لم تعد تتردد علي مكتبه داخل الكنيسة، أو تجلس للاعتراف. حدّست أن أنطونيو روي له ما يدفعه إلي مجاوزة الإنصات.
لو أنه أرهقها بالأسئلة، ربما اخترعت من خيالها، وبدّلت ما حدث. هو الأب يوحنا، وليس أباها ولا أمها ولا إخوتها، ولا حتي ماهر. خافت أن يؤذيها بما لا تتوقعه.
منحتها عيناه إيماءة مشجعة:
ـ أنتظرك لتؤدي طقوس الاعتراف..
تغيرت ملامحها:
ـ لم أفعل ما يدفعني إلي الاعتراف!
قال أنطوان للأب يوحنا:
ـ لا أحد يملك إقناعها..
رسم الأب علامة الصليب علي صدره:
ـ إن كل ما يحدث هو بمشيئة الرب!
قال الأب لسيلفي في لهجة محرضة:
ـ الكنيسة ترحب بك، ولو لمجرد الزيارة!..
وضغط علي الكلمات:
ـ لا يكون المسيحي كذلك إلا من خلال عضويته في الكنيسة..
في دهشة:
ـ أصبح راهبة؟
ـ بل تكثرين من التردد عليها
ران علي صوتها انكسار:
ـ أحاول.
وهو يهز رأسه في عدم اقتناع:
ـ إذا لم يستخدم الإنسان عضلة ما فلابد أنها ستضعف.
وواجه عينيها:
ـ أذكرك بالزائدة الدودية!
وتقلصت ملامحه بالتأثر:
ـ أخشي أنك فقدت روح الصلاة..
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:00 AM
ذاكرة الأشجار (10)
الوقت أصيل. الشمس علت الجدران، فاكتست المرئيات بالشحوب.
الشارع الطويل المترب، الفاصل بين مبني الكنيسة والبيوت المقابلة، يشغي بتلاغط الأصوات والصيحات من الأبواب والنوافذ المفتوحة، ومن الدكاكين، ونداءات المقهي ـ أول الشارع ـ وعربات اليد، والباعة، والأطفال المشغولين باللعب، والكلاب، والقطط.
ينتهي إلي باب الكنيسة الخشبي الضخم، علي ضلفتيه، تكوينات سوداء من الحديد في هيئة صلبان.
غالب التردد قبل أن يضغط الجرس جانب الباب. داخلته رهبة من البناية ذات الأسوار العالية. حاول أن يتصور ما بالداخل..
فتح له شاب يرتدي جلباباً بنياً، خمن أنه من الرتب الأقل في داخل الدير..
طالعه مبني الكنيسة المبني بالحجارة البيضاء، في المسافة بين السور العالي، الخارجي، والممر الأسفلتي الذي يحيط بالمبني.
دخل الراهب تسبقه ابتسامته، ويداه المرحبتان.
ـ أنا أبوكم لوقا..
التفت ماهر ـ بتلقائية ـ ناحية سيلفي.
شجعته بإيماءة من رأسها..
طمأنه عرضها بأن تظل معه إن أصر أنطوان علي رفض السماح لهما بالزواج.
أدرك أن عليه ـ عليهما ـ تحدي كل الظروف والتوقعات، حتي يتزوج سيلفي. تصور أن خطبته لها ـ في توالي زياراته ـ أقرب إلي البديهية التي جاوزت الأسئلة والأجوبة والمناقشات.
فاجأه أنطوان ـ ذات مساء ـ برفضه له، ولفكرة الزواج (أبوها مشغول بالغناء!). رفض مجرد المناقشة، لا مناقشة!
ـ إذا أردت أن تتزوجي هذا المسلم فلا تنتظري منا مليماً.
أضاف في لهجة متحدية:
ـ كل ما ستأخذينه حقيبة ثيابك.
وربت صدره بأصابع مرتعشة:
ـ أبونا مريض.. أنا الآن مكانه..
ملأ الغضب صوتها:
ـ مادام أبي حياً، فلا شأن لك بي!
قال الأب لوقا:
ـ الزواج الوحيد الذي توافق عليه الكنيسة هو ما يقوم علي العقيدة الكاثوليكية..
عرف ما لم يكن يعرفه، ولا تصور أنه يشغله: الطوائف الكاثوليكية في مصر سبع: الأقباط، الروم، الموارنة، اللاتين، الأرمن، السريان، الكلدان. تتفق جميعها في الاعتراف بالرئاسة العليا للبابا في روما. وحدة الاعتقاد الديني في جميع العقائد. وحدة قانون الزواج والإجراءات. وحدة نظام المحاكم الكنسية التي تبت في مواد الزواج. عدم إجازة الطلاق والاستعاضة عنه بالتفريق الجسماني.
قال الأب لوقا:
ـ ثقا من تعاطفي، لكنني لا أعد بمساعدة، لا أستطيع أن أفعل ما يوفق مسعاكم.
لم تشده إليه ملامح مميزة، وإن ذكره بالأب يوحنا، يصغره بأعوام كثيرة، لكن الرداء المتداخل اللونين، والجو الكنسي، والكلمات المتضمنة عبارات دينية، تستعيد صورة الراهب الذي ميزه في زياراته إلي بيت المسيو ميكيل، وإن لم يتبادلا الحوار. حركته دائبة بين مكتبه المطل علي الباحة الداخلية للكنيسة، والمكتبة المتعددة الضلف الزجاجية. ربما فضل الجلوس علي مقعد منفرد بالقرب من المكتب والكرسيين المتقابلين أمامه.
واتجه إليهما بابتسامة تطلب تصديقهما:
ـ ذلك يعتمد علي المطران.
لاحظ تبادلهما نظرات الحيرة. قال:
ـ مقره في كنيسة البازيليك بمصر الجديدة، قد يجد حلاً لمشكلتكما.
عرفت أن أنطوان كان يقف في الرصيف المواجه للكنيسة، هو أنطوان بقامته الطويلة، النحيلة، وشعره المنسحب إلي منتصف رأسه، وصدغيه الغائرين، وأسنانه المفلوجة، وعينيه الدائمتي التلفت.
هل يراقبها؟
أدارت وجهها إلي الناحية المقابلة. تهبه التصور بأنها لم تره، أو أنها تتجاهله. لم تشغلها اللحظة التالية، وما إذا كان سيختار المواجهة، أم يدفعه فهمه إلي تناسي المشكلة.
كان دائم الانتقاد لمظهرها، وغيابها ـ معظم الأوقات ـ عن البيت، وتحريض أبيه، فلا تحصل إلا علي مصروف محدد.
ضاقت بأن تكون طريقها الوحيدة هي المؤدية إلي المدرسة، أو إلي حيث يحدد أبوها وسيلة المواصلات إلي مبني البنك، تصحبه في مشاويره وسط البلد.
تملكتها الرغبة في المغامرة، لا تدري إلي أين تذهب، تمضي من نصوح، تخلف طومانباي وسليم وكنيسة اللاتين، تركب القطار من محطة الزيتون، تهبط في محطته النهائية بكوبري الليمون، تخترق تقاطعات ميدان رمسيس، تسير في الشوارع التي لم تشاهدها من قبل، تتعرف علي الزحام والبنايات العالية والحدائق ودور السينما والمسارح والمطاعم والكافيتريات والمحال والبوتيكات وباعة الصحف، وما تقرأ عنه في » البروجريه «.
قاموسه لا تنفد مفرداته من المحاذير والممنوعات. تملأ سمعها، فتسقطها. تهمل الالتفات إليها، تصم أذنيها عن السماع، وتبين ما يفيدها، وما ترفضه. يثيرها السؤال: أين تذهبين؟ أو: أين كنت؟
واجهته بعينين غاضبتين:
ـ هل أسألك؟!
ـ من حقي أن أعرف.
ـ لماذا ليس من حقي؟
ـ ماذا تريدين؟
وهي تدفع خصلة شعر متهدلة علي جبهتها:
ـ ماذا تريد أنت؟
أزمعت ـ لتسكته ـ أن تعيد إليه ما يوجهه من أسئلة. تضع أمامه حائطاً مسدوداً يصعب عليه اختراقه.
لا تخشاه، ليس ثمة ما تخشاه. كان يهددها بأبيها، لا أحد يهددها به، منذ رحل أبوها.
***
قالت أمه وهي تضع أطباق الطعام علي المائدة:
ـ لا نراك إلا عند مجيئك للنوم.
وعلا صوتها بالاستنكار:
ـ هل ضاقت بك الدنيا فلم تجد بنتاً من دينك؟!
أعادت ملاحظتها بإقدامه علي الفعل، دون أن يتدبر رد الفعل في التصرفات المقابلة.
قال أبوه:
ـ لو أن الحب يجمعكما بالفعل.. اقنعها بدخول الإسلام.
وعلا صوته بنبرة مشفقة:
ـ لا توجد قيود تحول دون تبديل غير المسلمين لدينهم..
ونظر إليه بمعني أنه يقرأ مخاوفه:
ـ المسلمون وحدهم يواجهون حكم الردة!
انتزعت أمه بسمة فاترة:
ـ أنت تضيع عمرك علي زواج، لن يحدث!
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:01 AM
ذاكرة الأشجار (11)
كنيسة البازيليك ذات القباب الهائلة، المتداخلة، تتوسط الميدان، والأبراج المتقابلة، ومستطيلات الدوائر المصمتة، ونقوش الصلبان، والأفاريز المحيطة بالأسطح المتعددة، والنوافذ الزجاجية الملونة.
خمن أنها بنيت في الخلاء، ثم أخذت الشوارع والحدائق ـ من حولها ـ شكل الدائرة، تهب ميدان الأهرام اتساعاً، بامتدادها ـ من الواجهة ـ إلي سينما الحرية، وسينما نورماندي، والكوربة، وبالميرا، والأمفتريون، وملاهي أدهم، وشركة مصر الجديدة، وجروبي بشرفته الواسعة المطلة علي مبني الوزارة المركزية، وشركة مصر الجديدة، وسينما بالاس، ونادي سبورتنج، ومن اليمين، صف من البنايات ذات النسق الموحد، تشي الطوابق العالية والأعمدة المنقوشة والأقواس الحجرية والمقرنصات والزخارف والبواكي ببدايات الحي، وتقاطعات الطريق إلي شارعي دمشق وبيروت، وشارع السباق، والميرلاند. فطن إلي مئذنة ـ علي ناصية الميدان ـ تلاصقت الأشجار حولها، أشبه بغابة تفضي إلي شارع بيروت. أدرك أنها لمسجد مما اعتاد وجوده بالقرب من أية كنيسة. من اليسار طريق مترو النزهة، وكنيسة الموارنة، والشوارع المتجهة إلي شارعي الثورة والعروبة، وقصر البارون إمبان بقبابه، وأبراجه المخروطية، وامتزاج عمارته والتماثيل الصغيرة ـ في الواجهة، وعلي الجانبين ـ بين النسقين الهندي والمغولي. من الخلف مستوصف الدليفراند، علي ناصية شارع هارون الرشيد، يستعيد فيه زحام شارع السد ، الدكاكين والأسواق والمقاهي والسيارات وعربات الكارو والحنطور واليد والباعة الجائلين والتندات واللافتات وامتداد المفارق، حتي المدرسة الإنجليزية.
وهو يشير إلي الأبراج والقباب المتلاصقة:
ـ بناية كبيرة.
ومضت شفتاها ببسمة اعتزاز:
ـ أنا كاثوليكية، تابعة للفاتيكان، في هذه الكنيسة يقيم مندوب البابا..
الدرجات الرخامية تصعد إلي الباب الخشبي الضخم، يفضي إلي قاعة رخامية، علي جانبيها أعمدة تعلو إلي السقف العالي، وحجرات مواربة، أو مغلقة. تمازج الهدوء والسكينة والرائحة الذكية الغائبة المصدر.
وقع أقدامهما علي الأرضية الرخام يعمقه الصمت السادر. تشاغلا ـ ربما للتخلص من الارتباك ـ بالنظر إلي الصور والأيقونات والتماثيل والأثاث القليل المتناثر في الحجرة الواسعة.
تبادلا النظرات في جلستهما ـ متقاربين ـ علي الكرسي المواجه للباب المفتوح. خمن أن الحجرة لاستقبال الزوار. تناثر في أركانها مقاعد خشبية أشبه بما صف في قاعة الصلاة بكنيسة الزيتون. الزجاج الملون الشفاف يعكس ضوء النهار. الجدران خالية، إلا من رسم كبير ملون ـ وسط المكان ـ للسيد المسيح في وقفة دعاء. وثمة نجفة لا تتسق بساطتها مع فخامة المكان.
النحنحة المترامية من خارج الحجرة، دفعتهما إلي الوقوف بتلقائية. القامة الطويلة، والنظرة المتجهمة، والملامح الساكنة، حركت في داخله إحساساً بعدم الارتياح، ولعله شعور بالكراهية. أعرف أنك لن توافق، لكن الظروف أجبرتني علي الوقوف أمامك، ولابد أن أنتزع موافقتك.
تكلم ماهر فيما قدما لأجله.
استنكر ـ في داخله ـ ما لجأ إليه من عبارات قد لا ترضي المطران، أو تضايقه، أفضّل السير في الطريق المضيئة، ليتك تعاملنا كما يعامل الأب أبناءه، تعاهدنا علي أن يحترم كل منا ديانة الآخر، وعبارات أخري كثيرة أملاها الارتباك، لم يعدّها، ولا تدبر وقعها في نفس الرجل الذي واجهه بعينين ملتمعتين، ساكنتين.
اتجه المطران بنظرته إلي سيلفي:
ـ أنت مسيحية.. وضع الله هذا الشاب في طريقك لاختبار مدي إيمانك..
وجد في انكسار عينيها ما شجعه، فاستطرد:
ـ عليك أن تثبتي قوة هذا الإيمان..
كانت لهجة المطران هادئة، لكن النبرات بدت متوعدة، كأنها تتعمد بث الخوف في نفسها. آلمته الجرأة التي تصرفت بها الفتاة. خالفت دينها وأسرتها، وفرت مع شاب لا تعرف أصله، لتتزوج منه.
قال إن ما حدث هو غواية من الشيطان، كي تتحدي سيلفي إرادة الله. هددها بأنه لن يكون لها مكان في الكنيسة الكاثوليكية.
واكتست نبراته صرامة:
ـ قد تواجهين بهذا القرار متاعب لا نهاية لها.
ثم وهو يلوح بسبابته أمام وجهها:
ـ لابد أن تراجعي قرارك.
هذا هو الزوج الذي تريده. لا تتصور باباً يغلق عليها مع شخص آخر.
قال المطران:
ـ إذا تزوجت خارج الكنيسة، ستواجهين مصيرك بلا أهل ولا كنيسة..
ثم وهو يهز إصبعه في وجهها:
ـ ستواجهين مصيرك بمفردك.
لاحظ زمّها شفتيها كمن تهم بالبكاء:
ـ ما تنوين فعله يهبط بك إلي مرتبة المومسات..
ضغط ماهر علي يدها لتتماسك أمام كلمات المطران القاسية..
أصر علي الموافقة، وتصر علي الرفض، الموافقة حقي، أما الرفض فلابد أن تبتلعه في النهاية، لا شأن للدين ولا الكنيسة، ولا شأن لك، بقرار زواجنا.
قالت، وهما يتجهان إلي محطة الأتوبيس في الكربة:
ـ لماذا لا تتحول إلي المسيحية؟
أشار إلي صدره بعصبية:
ـ أنا ؟
قالت:
ـ لماذا أتحول إلي الإسلام؟
ـ لأنه يوافق علي زواج الرجل بالكتابية، بغير المسلمة.
وهي تعبر بيديها:
ـ المسيحية لا توافق. المشكلة واضحة!
***
واتاه السؤال. ألقاه دون تدبر:
لم يكن محسن عبد العاطي ـ زميله في إدارة النشر ـ يخفي اعتزازه بأنه من حملة كتاب الله، وكان ماهر يطمئن إلي إلمامه بقضايا الزواج والطلاق والمواريث، وإن شدد علي عدم تفقهه في المذاهب السنية الأربعة، ولا مذاهب الإسلام الأخري.
مط محسن عبد العاطي شفته السفلي:
ـ اسأل الكنيسة!
ـ حصل. قال الأب: كفر!
بحلقت عينا محسن في استغراب:
ـ هل كنت تتوقع موافقته ؟!
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:02 AM
ذاكرة الأشجار (12)
نزل من المترو فى محطة الأسعاف ..
مضى ـ للمرة الأولى ـ ناحية شارع بولاق . مبنى مصلحة الكهرباء والبنايات القديمة والدكاكين المتلاصقة والزحام . مال ـ كما حددت له العنوان ـ من الشارع الجانبى ، قبالة سينما على بابا . مقهى ـ على الناصية ـ تشغل مساحة الطابق الأرضى . امتلأت بالطاولات والدخان والصيحات والنداءات والشتائم . الحارة الضيقة تفصل بينه وبين البيت الذى يقصده ..
تحسس طريقه ـ فى ظلمة السلالم الحجرية ـ يلتفت ـ بعفوية ـ إلى الظلمة المتكاثفة . توقفت خطواتها فى الطابق الأول ، وضغطت الجرس ..
الخالة إيفون . هى الشقيقة الكبرى لأمها . رآها يوم جنازة السيدة كاترين ، واليومين التاليين .
تقترب من الستين ، وإن بدت ـ على امتلائها ـ نشطة ، وخفيفة الحركة ، وتكثر من الكلمات المرحبة ، وتعبيرات الوجه واليدين . الوجه مستدير ، ممتلئ ، والجبهة عالية ، والصدغان متهدلان ، والعينان طيبتان ، لا تخلوان من مكر . لها شارب خفيف فوق شفتيها ، ترتدى فستاناً من الكستور المشجر ، بطول قامتها ، تحيط معصمها بسوار من الخرز الزجاجى ، وتدس قدميها فى شبشب من البلاستيك المتشابك .
ما رسمه خياله لم يتفق مع ما شاهده .
طرح التساؤل نفسه فى الأختين الأميرتين ، تقيم الصغرى فى فيلا بالزيتون ، والثانية فى بيت قديم ببولاق ؟
الردهة الضيقة تفضى ـ على اليسار ـ إلى حجرة صغيرة ، بها كنبة فرشت بسجادة من مزق الأقمشة الملونة ، وكرسيان من خشب الزان ، ومنضدة مستطيلة ، فوقها بوتاجاز مسطح وأوعية . على الجدار المطلى ـ بالجير ـ بلون سماوى ، صورة نصفية كبيرة للعجوز الجالس قرب الشرفة ، ونتيجة انتهى عامها ، فلم تنزع من موضعها . الشرفة الخشبية ، المتشققة ، تطل ـ من الجانب الأيمن ـ على شارع بولاق ، تطأها قدما الخالة إيفون ، فتحدث صريراً .
استعادت أيام ما قبل 1956 :
ـ لم يعد إلا القلة من الجاليات الأجنبية . لا بأس من أن يعودوا إلى أوطانهم . أنا وعمك لويجى .
أشارت إلى زوجها ..
استعاد ماهر ملامحه فى الجنازة ، بجسده الممتلئ ، ووجهه المكور ، وأذنيه العريضتين ، وعينيه الخاليتين من الرموش ، والذقن العريضة ، والندبة البنية الداكنة بحجم الترمسة فى خده الأيمن . تتباين التجاعيد فى وجهه مع شعره المصبوغ بالسواد . يرتدى بلوفر من التريكو ، فى هيئة مربعات لونية ، يغلب عليها اللون الأسود .
افتر فمه عن أسنان مهشمة ، مصفرة .
ووشى صوتها بالتأثر :
ـ ولدنا فى القاهرة ، لا نعرف مدينة سواها ، ولا نتصور أننا نبتعد عنها .
لاحظ فى صوتها غنة واضحة . إن ابتسمت ضاقت عيناها ، بدتا خطين يعلوهما حاجباها المقوسان .
وتطلعت إلى الصورة المعلقة على الجدار :
ـ الشجرة الصغيرة يسهل نقلها . إذا كبرت فإن محاولة النقل تميتها .
ورف على شفتيها ظل ابتسامة :
ـ خمس سنوات بعد الحرب أثبتت صواب ما فعلناه .
كانت سيلفى قد حدثته عن الخالة إيفون :
ـ روت لى من الحكايات ما يكفى لأن أستعيدها على امتداد العمر . أتصور أنى نسيت ، لكننى ألتقط طرف الخيط ، فلا أصل لنهايته .
وهو يغتصب ابتسامة :
ـ إيطاليا بلد جمهورى . حدثتنى سيلفى عن أمها الأميرة .
قالت الخالة إيفون :
ـ نحن إيطاليون بالفعل ..
واتته جرأة :
ـ لكنها ليست أميرة ..
دون أن تجاوز بساطتها :
ـ قيام الجمهورية بدل أوضاع العائلات ..
وأشاحت بيدها :
ـ ذلك زمن قديم ، نحن الآن مواطنتان من مصر .. هى من الزيتون ، وأنا من بولاق ..
وربتت صدرها :
ـ أنا من بولاق .
ثم فى نبرة متأثرة :
ـ لا أحد من أبناء أختى يزورنى ، عدا سيلفى !
وخنق التأثر صوتها :
ـ حتى كاترين ـ أدعو لها بالرحمة ـ كانت سيلفى تنقل عنها السلام .
خمن أن سيلفى تعانى ـ فطن إلى تأثرها بما كان لدى الأم ـ ربما ـ من ميول استعراضية ، تستخدم مفردات الأم ، وتحاكى ما كانت تحرص عليه من تصرفات .
حدثته عن الاعتزاز الذى كانت تنظر به السيدة كاترين إلى نفسها . هى أعلى فى المكانة الاجتماعية من زوجها . من حقها ، وواجبها ، أن تفرض سيطرتها على البيت ومن فيه ، تتحكم ، وتصدر الأوامر والتحذيرات ، تحدد أوقات الطعام والفراغ والسهر وسماع الأسطوانات . وكانت ترتدى ثياباً أنيقة كما يليق بحفيدة أميرة إيطالية ، وتحرص على ثياب الخروج داخل البيت .
يدفعها الشعور بالتفوق إلى إبداء ملاحظات قاسية . يتظاهر المسيو ميكيل بالموافقة ، وإن حرص ألا يترك لها فرصة حقيقية للسيطرة عليه .
عرف ـ من تناثر كلمات أنطوان الملمزة ـ أن المسيو ميكيل تعرف ـ بعد إحالته للمعاش ـ إلى بائعة أربعينية ، لحيمة الجسد ، مكحولة العينين ، فى سوق الخضر القريب من الكنيسة . تحدث عن السأم الذى يدفعه للتردد على فرشتها داخل السوق . يضيفان إلى البيع والشراء حكايات تشرق وتغرب ، تتراوح ردود أفعالها بين البسمة والضحكة العالية . يضيفها إلى الكفين والقدمين المخضبة بالحناء ، واهتزاز الثديين إذا تحركت ، أو تكلمت ، وأساور الذهب الملتمعة فى ساعديها ، ومنديل الرأس الأسود الذى عصبت به رأسها ، زينت أطرافه بحواش مطرزة ،
فطن أنطوان إلى أن العلاقة جاوزت الحكى لما رأى أباه يغادر ـ ذات مساء ـ بيت البائعة فى عطفة خزام .
لزم المسيو ميكيل البيت دون أن يشير إلى ما كان ، ولا إلى بواعث انقطاعه عن البيت . هل رأى أنطوان ، الذى تظاهر بأنه لم يره ؟
صادق أبونا امرأة من الشارع ، وها نحن نحاكيه .. صداقة أبينا والمعلمة فتحت الطريق للعلاقات الكاثوليكية الأرثوذكسية الإسلامية .. لو لم تمرض أمنا ، وانشغل أبونا بأمورنا ، بدلاً من الغناء الغبى والصرمحة وراء النسوان ، ما كنت [ ينظر إلى سيلفى ] تركت الدراسة ، وأمضيت وقتك خارج البيت .. هذا الرجل القبطى ، هل كان يتردد على الفيلا لو أن أبى عرف واجباته ؟.. أثق أن سكوت أمنا عن تصرفات زوجها هو الذى سيدخلها الجنة .
قال أنطوان :
ـ نحن ندفع ثمن الإقامة فى الزيتون .
قالت الأم :
ـ عندما أقمنا بالفيلا ، كان الحى كله فيلات وقصوراً وحدائق وزراعات ..
وأشارت بيدها إلى ما حولها :
ـ لم نكن نتصور هذه الأيام !
وقالت فى نبرة متصعبة :
ـ راح زيتون الحلم الجميل ، وجاء الكابوس الذى لا يرحل !
كان الزيتون ـ فى ذاكرة السيدة كاترين ـ حياً للأجانب والأثرياء ، القصور والفيلات والحدائق والشوارع النظيفة . لا تذكر ـ بالتحديد ـ متى تبدل الحال . ربما فى أعوام الحرب العالمية الثانية . انتقلت ـ بعدها ـ إلى الحى أسر من الأحياء المجاورة والبعيدة . علت البنايات ، وافتتحت دكاكين الحرفيين ، وأقيمت أسواق الخضر والفاكهة .
لم تكن تخفى استياءها من تغير صورة الحياة فى الزيتون . غاب ما كان يتسم به الحى من هدوء وتجاور للقصور والفيلات والحقول والحدائق . اختفت السواقى فى أطراف الحقول ، وأشجار الموالح والجوافة والموز والبانسيانا والكافور . تحولت الخضرة إلى أراض بور ، ثم بنيت فوقها العمارات والورش والمخازن والأسواق ، تخللتها الشوارع الضيقة والحوارى ، وقدم السكان الجدد بالزحام والضجيج والتلوث ، أعداد بلا حصر ، جاءوا من الأحياء البعيدة والقريبة .
ترامت إلى الفيلا ـ فيما يشبه الصدى أو الهمس ـ تلك الصفة المقتضبة : الخواجات . حتى الحرفيون ورواد المقاهى فى شارع سنان كانوا يتهامسون بالصفة ، عند قدوم أفراد الأسرة من ـ وإلى ـ طريق جسر السويس .
قالت :
ـ سادة الزيتون الآن من لم يكونوا يجرءون على السير فى شوارعه !
وأغمض التأثر عينيها :
ـ كنت أكره الأشجار لأنها تحجب الرؤية .. الآن أحبها للسبب نفسه !
ورافق إغماض العينين تحريك الرأس :
ـ لم يعد حولنا ما يغرى بالرؤية !
قال جان :
ـ أهذا رأيك بعد أن ازدحم ما حولنا بالبنايات ؟
ـ إنها ما لا يغرى بالرؤية !
لاحظ ماهر غضب الخواجة لويجى لغياب المكرونة عن المائدة . نحن طلاينة ، المكرونة لا تخلو من مائدة الإيطالى !
غالب ماهر ارتباكه :
ـ ما على المائدة يكفى .
ورسم على شفتيه ابتسامة :
ـ بصلة المحب خروف .
قالت الخالة إيفون :
ـ تتركين ديانتك من أجل الزواج ؟
قالت سيلفى :
ـ ماهر وافق أن أظل على المسيحية .
قال ماهر وهما يهبطان درجات الشهر العقارى :
ـ الشهر العقارى يصر على موافقة الكنيسة ..
قالت :
ـ كما ترى .. لن توافق الكنيسة ..
ـ والحل ؟
ـ ما تريده سأفعله ..
غالب تردده :
ـ هل تعلنين إسلامك ؟
أضاف للذهول فى عينيها :
ـ ستظلين مسيحية . إعلان الإسلام للفرار من ضغط أهلك ورفض الكنيسة ..
ـ دعنى أفكر ..
ـ لسنا متعجلين !
حركت رأسها فى ما يشبه اليأس :
ـ كل الطرق مسدودة ..
قالت الخالة إيفون :
ـ هذه الطريق أيضاً ليست صحيحة . نعتنق ديناً لأننا نؤمن به وليس لأنه يجمعنا بمن نحب !
ـ ماذا أفعل ؟
شعر فى صوت سيلفى بتماوج الحيرة والقلق .
قالت الخالة :
ـ كما اتفقتما ، فليظل كل منكما على دينه .
زفرت فى ضيق :
ـ الكنيسة ترفض .
ـ لكن القانون يوافق .
واتجهت إلي ماهر بنظرة متسائلة :
ـ لو أن سيلفى أرادت أن تذهب إلى الكنيسة .. هل توافق ؟
وهو يومئ برأسه :
ـ هذا شأنها .
ـ مسايرة للظروف ؟
ـ أظن أنى لست شديد التدين !
قالت الخالة إيفون لسيلفى كالمتنبهة :
ـ الدراسة .. ألا تنوين استكمالها ؟
قالت :
ـ لن أكون الوحيدة التى تدرس فى أثناء زواجها ..
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:09 AM
(13)
أخذت منه الورقة ، وأعادت قراءتها :
" مكتب الإمام الأكبر شيخ الأزهر .
بعد حمد الله والصلاة والسلام على خير رسله ، وأفضل خلقه ، محمد صلى الله عليه وسلم . تشهد مشيخة الأزهر أن السيد ............... والذى كان يعتنق قبل اليوم ، الديانة المسيحية ، ومذهبه فيها ........... قد حضر إلينا راغباً فى اعتناق الدين الإسلامى .. "
قالت :
ـ هل أملأ هذه الورقة ؟
ـ قبلها تقرأين الفاتحة وآيات من القرآن ، وتنطقين بالشهادتين .
ـ فقط ؟
ـ هل تتصورين شيئاً آخر ؟
نفضت رأسها بمعنى أنها لا تعرف .
عدل الشيخ عباءته على كتفيه ، ورنا إلى سيلفى بنظرة متسائلة :
ـ تريدين اعتناق الإسلام ؟
أومأت بعينيها ..
فاجأها الشيخ ، فاجأهما ، بمؤاخذة بعض طالبى التحول من المسيحية إلى الإسلام . يطلبونه لتيسير الزواج من مسلمين ، أو الطلاق من مسيحيين ..
حدجها بنظرة متوجسة :
ـ هل تحفظين القرآن ؟
هزت رأسها ..
ـ هل تحفظين القرآن ؟
عاودت هزت رأسها ..
ـ كله أو بعضه ؟
رنت إلى ماهر بنظرة استغاثة .
علمها الفاتحة ، وسوراً قصيرة من جزء عم ، وقلدته فى الوضوء وحركات الصلاة .
قال الشيخ ليحرك صمتها :
ـ هل أنت جادة فى اعتناق الإسلام ؟
ثم وهو يتفرس فى وجهها :
ـ هل تعتنقين الإسلام عن رضا ؟
ونقل نظرته إلى ماهر :
ـ المسلم الحق لا يكره أعزاءه على الإسلام .
ونقر على المكتب بطرف القلم فى يده :
ـ إذا كان قد اشترط لزواجكما أن تعتنقى الإسلام ، فهذا إكراه .
قال ماهر :
ـ لم يدفعها أحد .
ودون أن يتدبر كلماته :
ـ أنا لم أناقشها فى الدين أصلاً ..
استطرد موضحاً :
ـ لا تشغلنى ديانتها ، وما إذا كانت مسلمة أم مسيحية ..
وغالب انفعاله :
ـ يشغلنى أن أتزوجها بلا عقبات .
نحى الشيخ الأوراق جانباً :
ـ إذا اعتنقت الإسلام فلأنها تريد اعتناقه !
وهما يغادران دار الإفتاء ، تصاعدت الأسئلة فى نفسها ، وإن ظلت صامتة : هل يكفى الحب للتحول عن الدين الذى نشأنا عليه ونعرفه ، إلى دين آخر لا نعرف عنه ما يدعونا إلى اعتناقه ؟ وهل أحبته بالفعل ، أو أنه الشاب المصادفة فى طريق أزمتها ؟
قال :
ـ سنعود ، لتعلنى إسلامك .
ثم وهو يدارى ارتباكه بابتسامة فاترة :
ـ سيصبح من حقنا أن نتزوج على يد مأذون !
فاجأته بالقول :
ـ هل أتخلى عن الكاثوليكية بالفعل ؟ ..
حدق فيها ، كأنه يحاول قراءة عينيها :
ـ ماذا تقصدين ؟
ـ هل أسلم لأتزوجك !
يعجز عن التقاط حقيقة مشاعرها . ابتسامتها الدائمة ، المحايدة ، تخفى المعنى حين تتكلم معه ، أو تظل صامتة .
ـ أعرف أنه سيكون مثل إسلام نابليون وهتلر ..
أرجع ما قال إلى الانفعال الذى لا ينكره فى نفسه .
رفعت عينين متسائلتين :
ـ وما شأنى بهما ؟
ـ كان إسلامهما لهدف ..
وشحب صوته فبدا كالهمس :
ـ وإن لم يتحقق !
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:10 AM
(14)
حين مات الأب ، بدا كل شىء كأنه إعادة لما عاشوه عند رحيل الأم . كل الخطوات منذ لحظات الوفاة حتى العودة من مدافن مار جرجس . رحل الأب دون معاناة ، شهق بالألم ، وظلت عيناه الزرقاوان المفتوحتان ساكنتين .
مد أنطوان يده ، فأغمضهما .
عانت الأم حتى بدا موتها متوقعاً ، ربما تمنوا ـ كل واحد بينه وبين نفسه ـ أن تأتى النهاية التى طال توقعها . أجهدهم الإشفاق ، والترقب ، وأوقات الأزمة ، واستدعاء الطبيب ، والأدوية فى مواعيدها ، وعودة الأب يوحنا إلى الكنيسة دون أن يعطيها المسحة الأخيرة .
ما كاد ظل الحزن الثابت ـ بعد رحيل الأم ـ يتحرك ، يستعيدون أيامها كمادة للتذكر ، وليس للحزن ، ربما ابتسموا ، أو علت ضحكاتهم ، لتصرف أو لقول .. ما كاد الحزن يشحب ، حتى رحل الأب .
عاد الحزن ظلاً ثابتاً ، كما كان .
قالت سيلفى :
ـ بعد وفاة أمى ، توقعت أن يلحق بها أبى .
أردفت فى تأثر واضح :
ـ من المستحيل أن يعيش بدونها !
تملك الأب فى يوم رحيلها ما يشبه الشرود ، أو الذهول . غنى ، ونادى باسم كاترين ، ورفض طلب أنطوان أن يستبدل ملابسه ، وتابع خروج التابوت من البيت بعينين ساهمتين ، ولم يشارك فى الجنازة . ظل فى البيت بمفرده ، حتى عادوا من المقابر . لم يظهر الاهتمام ، ولا وجه أسئلة من أى نوع .
بدا التغير واضحاً فى تصرفات العجوز . ظل على ميله إلى الغناء . يعلو صوته بألحان أوبرالية ، لكنه أطال الصمت ، والانطواء على نفسه . يكتفى بساندوتشات تعدها له دومينيك أو سيلفى ، لا يجلس إلى المائدة . ينتقل بين الشرفة وحجرة النوم . غلب عليه الحزن وبطء الحركة .
لم تتصور سيلفى أن البيت يخلو ـ فى بضعة أشهر ـ من أمها وأبيها . بدا المستقبل محملاً بالتوقعات القاسية .
قالت سيلفى :
ـ يجب أن نؤجل خطبتنا مرة ثانية ..
رمقها بارتياب ، خمن أنها تخفى ما لا تبوح به .
قالت :
ـ قد يكون التأجيل حتى أجد عملاً ، ويتاح لنا العثور على شقة مناسبة .
اتجه إليها بالسؤال :
ـ كل بحثنا فى الزيتون .. لماذا لا نبحث بالقرب من بيتنا فى المواردى ؟
ثم وهو يغالب توتره :
ـ متى تزورين أسرتى ؟
ـ لن أحتاج إلى دعوة ..
ورفعت إصبعها فى وجهه :
ـ لأزور أسرتك وليس للبحث عن شقة . يصعب أن أبتعد عن الزيتون .
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:11 AM
( 15 )
تغيرت الجلسة.
جلس أنطوان علي رأس المائدة، واخوته علي الجانبين. أعاد أنطوان كلمات الصلاة التي كان يرددها أبوه قبل تناول الطعام »تباركت يا رب، يا من تعولنا منذ حداثتنا، وتهبنا خيراتك، وتهيئ الغذاء للجميع، لأن أعين الكل تترجاك، فأنت تعطيهم طعامهم في حينه، تفتح يدك فتشبع كل حي رضي، لك المجد والتسبيح والبركة والشكر علي كل ما أعددت لنا من الطعام الموضوع علي هذه المائدة المعدة لغذاء أجسادنا، اجعله شفاء وقوة لحياتنا الجسدية، امنح خلاصاً ونعمة وبركة وطهراً لكل المتناولين منه، ارفع عقولنا إليك كل حين، لطلب طعامنا الروحي غير البائد، اعطنا أن نعمل للطعام الباقي للحياة الابدية، وهب لنا نصيبنا في الاشتراك في وليمتك السماوية، امنحنا خبز البركة وكأس الخلاص، واملأ قلوبنا من البهجة والفرح، انعم علينا بحياة مطمئنة هادئة، وسعادة في النفس، وصحة في الجسد، وقداسة في الروح، علمنا أن نطلب رضاك في كل شيء، حتي اذا أكلنا او شربنا او عملنا اي شيء، نعمله لمجد اسمك القدوس، لأن لك المجد الي الابد، آمين«.
دعا الله ان يبارك افراد الاسرة، ويبارك البيت، ويحفظ علي الجميع نعمة الحياة..
فعلوا ما كانوا يفعلونه عندما يصلي أبوهم، أحنوا رءوسهم، واخفضوا أعينهم، ورسموا علامة الصليب، وحاولوا التأمل.
***
قال جان:
ـ أنطوان أخذ كل شيء لنفسه.. لم يترك لنا شيئاً..
ثم في نبرة مفعمة بالأسي:
ـ مشكلة أنطوان تصوره أن كل ما في البيت ملكه الشخصي، هو الوريث الوحيد حتي من قبل أن يرحل أبي!
بدا أن أنطوان لم يعد يعطي حساباً لأي شيء، لا علاقات أسرية، ولا أخوة، ولا حتي قوانين تمنعه من التصرفات الخاطئة، ما يريده يأخذه، لا يسأل ولا يناقش، دائم التوجس، يرمق ما حوله بعينين متلفتتين.
ورفع عينين متحيرتين:
ـ كيف نواجه الظروف في الأيام المقبلة؟
رسم الأب علي صدره إشارة الصليب:
ـ تذكر قول إنجيل متي: »فلا تهتموا للغد، لأن الغد يهتم بما لنفسه. يكفي اليوم شره«..
***
امتلأت نفسه بالشكوك والمخاوف وعدم الاطمئنان. تحددت ملامح الصورة بما لا تتحدث عنه، ولا كان يعرفه. الأم إيطالية من نابولي، والأب نمساوي الأصل، مصري الجنسية، وظل إلي المعاش موظفاً في فرع بنك باركليز بالموسكي. لم تكن الأم قد ماتت، وإن كانت تعاني مرض الموت، ولا قتل المصريون الأب في بورسعيد. غناؤه الأوبرالي أعلن تقدم صحته، ورواياتها التالية تحدثت عن عمله في فرع بنك باركليز بالموسكي حتي أحيل إلي المعاش.
لم يعد يدرك أين الصدق وأين الكذب في كلامها.
قال:
ـ هل مازلت تذكرين آيات القرآن؟
أدركت ما يعنيه:
ـ لا أذكر أي شيء إلا يتمي المفاجئ!
تناوشته الأفكار، واختلطت. لم يعد يشغله شيء محدد، لا شيء إطلاقاً. تحولت المواقف والرؤي والتصورات إلي ما يشبه التكوينات الشاحبة، يصعب تبينها.
بدت تصرفاتها لغزاً يصعب حله، اختلطت الحقيقة والخيال، لا يدري ـ وهو ينصت لها ـ إن كان ما ترويه قد حدث بالفعل، أم أنها تخترع حكايات لا أصل لها.
لم يتصور أن الملامح البريئة تخفي كل هذه القدرة علي الكذب. الكذب يتساقط من شفتيها، يتناثر مع رذاذ لعابها، بما يفرض الأسئلة، أو أنه بصقات تقذف بها دون أن تعي تأثيراتها.
يأخذه الذهول من جرأتها علي الاختلاق بالكذب، وما صوره خيالها. الكذب حبل، غاب طرف بدايته، ولا تبدو له نهاية. كيف لم يفطن إلي كذبها، وأنها تروي ما لم تعشه. هي تكذب، وتكذب، وتكذب. تروي الكذبة، توشيها بالأضواء والظلال، تحورها، ربما تلغي حكايتها الجديدة حكاياتها السابقة. ترسم البراءة علي ملامحها، ترفع عيناً تطلب تصديقه.
لماذا كذبت عليه؟
كتم السؤال في نفسه.
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:12 AM
(16)
ألقي نظرة سريعة علي الناحية المواجهة، امتداد نصوح إلي محطة القطار مزدحم بعربات اليد والباعة والمارة، والغروب القريب يدفع محل كريشة والمحال المجاورة إلي الإضاءة.
رأي عبدالرحيم بائع الأقمشة في الدكان المقابل للكنيسة. شتمه المسيو ميكيل حين عرض الزواج من دومينيك. يقف خلف البنك بقامته القصيرة، وشعره المفلفل، وبشرته السمراء، ووجهه المستدير، والشفتين الممتلئتين، يعلوهما أنف أفطس. الأرفف من خلفه، رصت فوقها أثواب القماش، يقيس ما يعد لبيعه بالمتر الخشبي. كان الرجل -في رواية سيلفي قد كون ثروته من تجارة السوق السوداء، ومن بيع أكفان الموتي. أضاف إلي بيع الأقمشة بالبطاقات - في أعوام الحرب العالمية الثانية - مواد التموين التي تباع بالبطاقات: السكر والزيت والصابون والشاي. خصص لبيعها دكاناً صغيراً ملاصقاً.
مال إلي شارع نصوح الهندي، الكناس العجوز يكوم أوراق الشجر المتساقطة في جابني الشارع.
قبل أن يميل في اتجاه الفيللا، لامست أنفه رائحة الياسمين، ذابت في أريجها روائح القمامة في الخرابة المهجورة أول الشارع، والبرك الصغيرة المتناثرة.
طالعته - بمفردها - تستند بكوعها علي سور الشرفة. أحكمت الروب المشجر حول نفسها، وتطلعت إلي الطريق الخالية، من خلال أغصان الشجر التي تساقط معظم أوراقها.
قالت لنظرته المتلفتة:
- دومينيك مريضة.
ونترت قطرات مطر حملتها الريح إلي داخل الشقة:
- صحبها عياد إلي الطبيب.
فطن إلي أنه لا يوجد في البيت سواهما، سيلفي وهو، ارتباكه وكلماتها المتوترة.
عرف من كلماتها أن دومينيك تقوم بأعمال البيت، لا تشاركها خادمة مقيمة في البيت، أو تتردد عليه.
ناوشه السؤال، إذا كانت هذه حياة أسرة، كانت أمها أميرة، وكان أبوها - قبل رحيله - موظفاً في بنك أجنبي؟
الفيللا تشي بعز قديم، لا يجد امتداداً في حياة أهلها.
أهمل ما هب عليه من الريح الساخنة، تعمق الاختلاف وما يباعد بينهما، حتي الحياة في فيللا الزيتون، وفي شقة المواردي، تجعل لكل منهما عالمه الخاص، لا صلة له بالآخر.
قال ليبدد الصمت المنفعل:
- هل لايزال أنطوان يرفض زواجنا؟
قالت:
- أدرك أنه لا فائدة، وإن فرض مقاطعة صامتة!
- هل أكلمه؟
- سيتصور كلامك ضعفاً.
وأشاحت بذقنها:
- من كنت أخشي غضبهما ماتا.
ووشي صوتها بالاستياء:
- أنطوان تهمه أخلاقنا، لكنه بلا أخلاق، ما يفعله لمجرد السيطرة علينا!
زادت من إحكام الروب حول صدرها:
- برد؟
كانت الريح تعصف بأشجار الحديقة. يصدر عنها ما يشبه الحفيف أو الوسوسة، يتوالي سقوط الثمار علي الأرض في ارتطام مكتوم، رؤوس الأشجار تهتز، وهبات الهواء الباردة تنفذ من بين الفروع. تنفض قطرات الماء العالقة بها، تتناثر القطرات في المساحة وراء إفريز الشرفة وداخل الفيللا.
ثم وهي تتهيأ للقيام:
- لندخل..
وعلا صوتها بلهجة مرحبة:
- خروج دومينيك فرصة لتشاهد حجرتنا.
الحجرة تطل علي منور يفصلها عن البيت المجاور من الخلف. جدرانها من عروق الخشب المطلية باللون الأبيض، في الوسط سجادة صغيرة ذات ألوان وكومودينو فوقه فازة من الكريستال، فيها زهور صناعية بهتت ألوانها. علي الجانبين سريران منفصلان، أحدهما - الذي اختارت سيلفي الجلوس عليه، منكوش الأغطية.
لا يدري من همس بالنداء، ومن اقترب بالاستجابة.
نزعت الروب، كومته، وألقت علي السرير جوارها:
قالت:
- هنا أدفأ.
التقطت نظرته المحدقة في بطن ساقها.
وهي تفرد راحة يدها في وجهه:
- عينك!
قال:
- تتكلمين كالمصريين!
- أنا كذلك بالفعل..
ومالت برأسها ناحيته:
- من تظنني؟
فطن إلي النهدين المتحررين من السوتيان، تحت قميص النوم الأسود، المطرز بالدانتيل. يشي المنبت باستدارتهما المتماسكة، وطزاجتهما. شعر - للمرة الأولي منذ تعرف إليها - بتوتر في ذكورته.
مدفوعاً بجرأة لم يعهدها في نفسه:
- ممكن؟
اتسعت عيناها بالتساؤل..
همس:
- ألمس صدرك؟
وضعت في عينيها ليناً محرضاً:
- ما يمنعك؟
وشي ارتجاف أصابعه بارتباكه. حاول الملامسة بالجرأة المواتية، ترك لأصابعه الإبانة عن ألق التعري، لامس الجسد الباذخ بيدين تائهتين. جاست اليدان في الأحراش الناعمة الباذخة، وما كانت العينان تخالسه النظر. باحت الأسرار بطلاسمها. اختلطت، وتشابكت، وجوه وملامح وكلمات: شارع المواردي، وفيللا الزيتون، وغناء المسيو ميكيل، والانتظار، والشوق، واللهفة، وتهويمات الأحلام، والشوق، والرهبة، والتوتر، والاكتشاف، والفقد المستعاد، واندفاع الطوفان، وإهالة التراب علي جسد الأم، واجتذاب الدوامة للقرار الذي لا يدركه، وميدان ابن سندر، وتعالت أجراس الكنيسة، وعظات الأب يوحنا، وقول الخالة إيفون: هل توافق علي أن تحتفظ سيلفي بدينها؟ والنافذة المطلة علي النيل، وزفرة السيدة كاترين: لم تعد الزيتون كما كانت، وزحام شارع السلطان سليم، واستطالة الظلال، والإيماءات، وتوسط قوس قزح وسط السماء، وتطوح الذاكرون - علي أنغام الأورغن - في خيمة الصوفية، وأبحار القارب في أمواج متلاطمة، وعلو أجراس النشوة، وترامي صوت أم كلثوم من راديو قريب: »شمس الأصيل نورت فوق النخيل يا نيل. وثمة القرب والبعد والانثناء والتقلب والتمدد والعناق والتصلب، وهمس الغمغمات والتمتمات والدمدمات، والأنين الخافت، والعينين المغمضتين، والشفتين السخيتين بما لم يتوقعه، تشابكت الأيدي والأقدام بدا الجسدان قطعة واحدة، متكورة.
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:13 AM
(17)
تنقل - بألفة المكان - بين الصالة - لم يعد يقصر جلوسه فيها - والحجرات المحيطة بها، البوفيه الأسود المغلق ضخم بمساحة الجدار، خلف الأنتريه ذي الكنبة والكرسيين والمنضدة الرخامية، علق في أوسط الجدار جسد المسيح العاري علي الصليب، وإكليل الشوك علي رأسه، والطعنة في جنبه الدامي، إلى جواره صليب من العاج الأسود، أهداه للمسيو ميكيل تاجر قبطي من المتعاملين مع البنك.
حجرة المائدة في زاوية بين المدخل وجانب الحديقة، تلاصقها حجرة نوم أنطوان وجان، الجدران مكسوة بالورق الملون، الترابيزة المربعة الصغيرة، المغطاة بمفرش كروشيه أبيض، تفصل مابين السريرين، بينهما - أعلي الجدار - لوحة - بدا أنها منقولة عن كارت بوستال - لامرأة عارية، ممددة علي شيزلنج، إلى جوار النافذة المطلة علي الحديقة والشارع، دولاب ملابس من ضلفتين، ومكتبة صغيرة علقت علي جوار النافذة، في المنتصف طاولة خشبية مستطيلة، يتقابل في طرفيها كرسيان، خمن أنها لتناول الطعام والكتابة، في يمين الصالة حجرة نوم دومينيك وسيلفي، تتوسط الجدار لوحة فيها خضرة منبسطة وأشجار وأبقار ترعي، قرأ علي العلبة الصغيرة كالحق عبارة «المناولة الأولى»، دقق في الصورة، لم يتأكد ما إذا كانت صورة الطفلة الصغيرة لدومينيك أو سيلفي، يشي بذلك الذبول الذي يشحب الصورة.
تقابل الحجرة حجرة نوم الأبوين، تركها الأب منذ أقعده المرض في السرير، يتمدد علي كنبة الصالة، أو يجلس في الردهة الخالية، يغني أو يقرأ الصحف، أو يسلم عينيه لإغفاءة.
في نهاية الصالة، إلى اليسار - طرقة ضيقة، مفروشة بسجادة طويلة، تفضي إلى حجرة الصالون والي الحمام والمطبخ.
لم تعد الحجرة مغلقة، كان تصوره أنهم يحتفظون بأثاثها المطعم بالذهب، والكراسي ذات الكساء الحريري الدمشقي، المتداخل الألوان، والنجفة المورانو، والسجادة العجمية الفاخرة.
تفتح دومينيك النوافذ علي الجانبين، ومن الخلف بينما تظل نوافذ الواجهة مغلقة، لا تفتح إلا حين تنشغل دومينيك بتنظيف الشيش والزجاج، أو لتأذن للهواء - وقت الصباح - بالدخول، إذا حل الشتاء، يغلق زجاج النوافذ، ويظل الشيش مفتوحا للنور.
الأشجار - خلف الحديقة - لم يقلمها الجنايني، فتكاثفت، ألقت ظلالا دائمة علي النوافذ الخلفية، اكتفي أنطوان بنفض رأسه لشكوى دومينيك من أن فروع الأشجار لامست النوافذ بما قد يجعل فتحها صعباً.
زقزقة العصافير في الصباح الباكر، وفي وقت الغروب تعلو بما يغيب بقية النهار، تتشابك، تبدو كالصراخ المستغيث.
هبط الدرجات الخمس المفضية إلى الحديقة، والباب الحديدي الخارجي، مال إلى اليسار، نزل البدروم - أسفل الفيلا - في نهاية ممر الحديقة، اشتد المرض علي الأم، طلب أنطوان معاونته في نقل قطع أثاث من حجرة الأبوين إلى البدروم، لم يعد في الحجرة سوي السرير الذي ترقد عليه الأم، وبوفيه مغلق وضعت حاجياتها فيه، وفوقه.
أضاء أنطوان لمبة تدلت من سقف البدروم، تكومت قطع الأثاث علي الأرضية البلاط، ولصق الجدران، وفي الأركان: كراسي محطمة، مرتبة صغيرة سودها التراب، علبة صفيح مغلقة، أجزاء من أجهزة كهربائية، ملفات قديمة بيانو منزوع الأسلاك، صندوق بيرة زجاجاته ناقصة، فازة فخارية مكسورة العنق، سلال متداخلة، لوحة مرور علاها الصدأ، فاختفت أرقامها.
قالت:
- يهمك الأمر؟
غالب ارتكابه:
- ألا يهمك؟
وهي تشيح بيدها:
- إنها حادثة قديمة..
- من؟
- كنت صغيرة..
- لابد أنك تذكرينه.. من هو؟
- صديق لأخي أنطوان..
وشردت بعينيها فيما يشبه التذكر:
- دخل حجرتي - ليلة - بعد عودتي إلى البيت، لم استطع المقاومة..
- وهل أخبرت أنطوان.. أو أمك أو..
قاطعته في لهجة مستغربة:
- ماذا كانوا يفعلون؟
قال في سرعة، ليقضي - ربما - علي عدم التصديق في داخله، إن حياتها لا تعنيه من قبل أن تعرفه.
وقال:
- ما مضي من حياتك ملك لك تستطيعين إخفاءه
أضاف بلهجة متواطئة:
- أمامنا حياة جديدة!
وومضت عيناه بالتذكر:
- من رفيق؟
أعادت نطق الاسم:
- رفيق؟
- ذكرت اسمه في أثناء..
وسكت.
قالت:
- مجرد اسم نطقته في لحظة جنون!
نسب المشكلة إلى صديق لم يسمه، همس بها لمحسن عبد العاطي، يكبره بأعوام كثيرة، وعمله في المراجعة يتيح له معرفة ما قد يغيب عنه، خمن أنه سيفيده بما يمتلكه من خبرة.
رجح عبد العاطي أن يكون الله خلقها بدون دم، ذلك ما يحدث لبنات كثيرات، ربما فقدت الغشاء في صباها دون أن تعي، وربما أسباب كثيرة تختلف عن باعث السقوط.
شعر أنه أميل إلى تصديق المعني.
ألفا الاندفاع - حين تخلو الفيلا - لممارسة الحب، يستعيدان ما تكرر حدوثه دون أن يشيرا إلى ما سبق، تشغلهما اللحظة بتوقعاتها وتوترها، يضيفان إلى لحظة الذروة لمسات وقبلات، يتأمل تباين بشرته السمراء وبشرتها البيضاء الوردية.
فاجأته بأوضاع لم يكن يعرفها، ولا تصورها، داري ذهوله في تصنع بالفهم والخبرة، حرص ألا يظهر حتى ما يتصاعد في نفسه من الشعور بالإرهاق، أو القرف.
أشار إلى بطنها، وهي تودعه - ليلة - علي الباب الداخلي للفيلا:
- أخشى أن يفاجئنا ما لا نتوقعه.
تأمل نبرتها الهادئة:
- لماذا حبوب منع الحمل إذن؟!
التقطت ابتسامة علي شفتيه..
قال لنظرتها المتسائلة:
- لما دعوتني لزيارة أسرتك، تصورت أنها عزومة مراكبية!
فسر المعني:
- دعوة مجاملة.
وعادت الابتسامة إلى شفتيه:
- لكنك دعوتني إلى حجرة نومك!
قالت في نبرة مستاءة:
- كلام لا أحبه..
ورفعت عينين تنطقان بالغضب:
- ماذا تريد أن تقول؟
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:14 AM
( 18 )
ركعت دومينيك أمام تمثال العذراء . قالت كلاماً كثيراً . روت عن أمها وأبيها وعياد وأنطوان والمرض الذى يعذبها .
نذرت للعذراء أن تتنازل عن كل الثياب فى دولابها للفقراء ، إن هى يسرت لها الشفاء من المرض .
حركت شفتيها فى صلاة صامتة ، ورسمت علامة الصليب .
ظلت ـ منذ وفاة أبيها ـ تتردد على الكنيسة كل صباح ، وتعترف للأب يوحنا مرة كل أسبوع . ترتدى زى الحداد . تبدّل ما بين الفستان والتايير ، لكنها تحرص على السواد . ربما ارتدت ثياباً ملونة داخل البيت ، لكنها تحرص على الفستان الأسود ، فى خروجها من البيت . وكانت تطيل الصلاة فى حجرتها ـ قبل أن تتجه إلى النوم ـ أمام أيقونة العذراء ، وصورة أمها وأبيها .
قالت سيلفى :
ـ سأظل معك فى الفيلا حتى ترتبى أمورك ..
قالت دومينيك :
ـ لا تؤجلى زواجك لأجلى ..
ـ ما زلنا نبحث عن شقة ، وعن وظيفة لى ..
واصطنعت ضحكة :
ـ ماهر لن يزعجه غيابى عنه ..
واحتضنتها بنظرة مشفقة :
ـ إن أراد يستطيع زيارتنا .
إذا حلت الأزمة بدومينيك ، فإن سيلفى تعمد إلى إسدال الستائر ، وإغلاق الأبواب والنوافذ . لا يترامى صراخ دومينيك ـ إذا صرخت ـ إلى الطريق . ربما عانت فى الليل من التقلصات العنيفة ، والقيء ، والتوجه إلى دورة المياه .
تستغيث بالعذراء لتنقذها مما تعانيه ، تناديها ، تدعو باسمها ، أو باسم ابنها ، أو باسم الصليب .
يعاودها الدوار والرغبة فى التقيؤ ..
تمسك خصرها بيدها ، وتميل على الأرض . يتناثر القيء على الأرض ..
لا تشعر بالراحة إلا إذا تقيأت ما بجوفها ..
إذا حزنت أو غضبت . غالبت الدوار ، ومالت نفسها إلى الغثيان ، تعود من الحمام بعد أن تفرغ ما بجوفها . ربما طفر القىء من فمها دون أن تقدر على منعه ..
تهمس سيلفى فى إشفاق :
ـ أنت تتقيئين من نسمة الهواء !
تواصل الصراخ ، والصياح ، تمزق ثوبها ، تخمش وجهها ، تشد شعرها ، تضرب الأثاث أو الجدار برأسها ، أو بلكمات متوالية . يعروها ما يذهلها عن الدنيا . تزوغ عيناها . يغلب البياض عليهما ، تعروها ارتعاشات ، وتقلصات عنيفة ، ويتخشب جسدها ، ويتداخل ، ويعوج فمها ، ويسيل الزبد الأبيض على الشفتين والذقن .
يحاذر أنطوان وجان من أن يلامسا جسدها ، وإن رفضا أحاديث الجان والعفاريت .
تظل سيلفى جالسة إلى جانب سرير دومينيك . تحرص أن تظل مستيقظة ، وإن غلبها النوم فى أحيان كثيرة .
تشعر أنها تحب دومينيك كما لا تحب إنساناً فى الدنيا ، تختلف عن كل من فى البيت ، لا تلاحقها بالملاحظات والتعليقات والمؤاخذات والانتقادات والأوامر التى لا تنتهى . تمتلك قدرة ـ بلا حد ـ فى التسامح ، والتماس الأعذار ، وكره الشر ، لا تضمره ـ ولا تعلنه ـ لأحد . تسميها ـ فى مداعباتها ـ سانت دومينيك .
روت سيلفى بواعث ما تعانيه دومينيك : لاحظ الأب يوحنا علاقة حب بينها وبين راهب شاب فى كنيسة اللاتين ، فسعى لنقله .
أزمعت ـ لما حدث ـ أن تظل بلا زواج ، ثم ظهر عياد فى حياتها .
***
لاحظ ماهر ضيق أنطوان بتلميحات عياد إلى ميراث دومينيك من أبيها ، إلى ما يجب أن ترثه من العجوز . أثاره الشعور بعدم الندية الذى بدا أن أنطوان ينظر ـ من خلاله ـ إليه ، وإلى عياد ، وربما إلى إخوته .
قال بجرأة مدفوعة بالانفعال الذى يعرفه فى نفسه :
ـ أريد سيلفى بثيابها .
أضاف دون أن تشغله إمارات الغضب على وجه أنطوان :
ـ لا أريد أى شيء !
ثم وهو يغالب انفعاله :
ـ ترفض دومينيك لعياد ، وترفض سيلفى لى ..
واقتحمه بنظرة غاضبة :
ـ ماذا تريد ؟!
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:15 AM
( 19 )
وقف عياد ودومينيك أمام القس ، يد كل منهما فى يد الآخر . تحدث الأب عن الزواج ، والواجبات التى يعنى بها الزوجان .
أعاد النظر فى الأوراق بين يده ، ثم اتجه إلى عياد بنظرة حيادية :
ـ يا عياد ، هل تتخذ هذه المرأة التى أنت ماسك يدها لتكون زوجة شرعية لك ؟ وهل تعد ـ بوقار فى حضرة الله وأمام هؤلاء الشهود ـ أن تكون لها زوجاً محباً وأميناً ، طالما كنتما على قيد الحياة ؟
همس عياد وهو يحنى رأسه :
ـ نعم .
اتجه الأب بنظرته إلى دومينيك :
ـ يا دومينيك ، هل تتخذين هذا الرجل الذى أنت ماسكة الآن يده ليكون زوجاً شرعياً لك ؟ وهل تعدين ـ بوقار فى حضرة الله وأمام هؤلاء الشهود ـ أن تكونى زوجة محبة وأمينة ومطيعة طالما كنتما على قيد الحياة ؟
همهمت دومينيك فى ارتباك ، بما يعنى الموافقة .
قال الأب :
ـ أصرح بأنكما زوج وزوجة ، والذى جمعه الله لا يفرقه إنسان .
ثم علا صوت القس :
ـ باسم ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع مشرع شريعة الكمال ، وواضع ناموس الفضائل ، نعلن فى هذا المحفل الأرثوذكسى ، وأمام هيكل رب الصباؤؤت ، زواج الابن المبارك الأرثوذكسى البكر عياد على خطيبته الابنة المباركة الأرثوذكسية البكر دومينيك ، باسم الآب والابن والروح القدس ، إله واحد ، آمين .
مبارك الله الآب ضابط الكل ، آمين
مبارك ابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا ، آمين
مبارك الروح القدس المعزى ، آمين .
صحبت عياد إلى كنيسة العذراء بشارع طومانباى . عقد قرانها على طقس الأقباط الأرثوذكس . تخلت عن كاثوليكيتها ، ودخلت أرثوذكسيته .
قال أنطوان :
ـ أنا أرفض زواجك من دومينيك !
قال عياد :
ـ لم أطلب موافقتك . دعها تقرر مصيرها ..
ـ أنا أخوها الأكبر .
ـ وهى تجاوزت الحادية والعشرين .
هدده أنطوان بأن دومينيك ـ حين تموت ـ لن تدفن فى مقابر الكاثوليك .
قال عياد دون أن يترك هدوءه :
ـ أنت لا تعرف من يموت قبل الآخر ؟ ولا من يدفن من ؟!
قال أنطوان :
ـ إذا أردت أن تتزوج دومينيك ، فلا تتوقع مساعدتى .
استطرد فى تلقائية متكلفة :
ـ حقيبة ثيابها هى كل ما ستخرج به من البيت !
قالت الخالة إيفون :
ـ الأرثوذكسية والكاثوليكية مذهبان فى ديانة واحدة ..
قال لويجى :
ـ الاختلاف موجود ..
قالت إيفون :
ـ لكن الديانة واحدة ..
وشى صوت دومينيك بالحيرة :
ـ أوافق ؟
ـ لماذا ترفضين ؟
وافق مطران كنيسة البازيليك على زواجها من عياد . هو المطران نفسه الذى عنّف سيلفى حين عرضت عليه فكرة الزواج من مسلم . بدا ودوداً ، ومتسامحاً :
ـ قد تختلف المذاهب ، لكن الكاثوليك والأرثوذكس أبناء ديانة واحدة .
زارت البطريركية المطلة على شارع رمسيس . تحدث الكاهن عن حقها فى أن تحتفظ بمذهبها ، لكنه اشترط أن ينتمى أبناؤها ـ حين تنجب ـ إلى المذهب الأرثوذكسى :
ـ هذا هو شرطنا للموافقة على الزواج .
قال عياد وهما يهبطان درجات البطريركية :
ـ نوافق حتى نتزوج ، ثم نقرر ما ينبغى فعله .
انتقلت من الفيلا إلى بيت عياد فى منشية الصدر . اقتصر الأمر على الإكليل فى حفل الكنيسة . أهملا ما يسبق الزواج من خطوات ، ربما اختلفت فيها تقاليد المذهبين .
الشقة ذات حجرتين وصالة صغيرة فى شارع الجراج . وجدت فى السوق المجاورة بديلاً مشابهاً لسوق الزيتون . يصحبها عياد ، أو تذهب بمفردها .
استقبلت حفاوة الجارات بحيرة : هل تبدّل ما ألفته من عزلة فى فيلا الزيتون ؟ أو تخالط من عرضن الصداقة ؟
الصحن الفسيح ، الأضواء العالية ، فى المواجهة ، تمثال من الرخام للسيدة العذراء ، وصينية من الفضة يتوسطها شمعدان ، بداخله شمعة مطفأة . وثمة الوجه الجميل ، المتعب ، المكلل بتاج الشوك ، الشموع المتراصة المشتعلة تحت تمثال العذراء ، المجمرة التى يتضوع منها البخور ، الأيقونات المحيطة بالمكان ، الدكك الخشبية ، الماء المصلى عليه ، اختلاف لون العباءة من البنى إلى الأسود ، يضاف إلى الثانية عمامة سوداء مستديرة ، تراتيل الشمامسة .
تأملت العمم السوداء ، والطيلسانات المطرزة بالصلبان الذهبية ، صحن الكنيسة الواسع ، العالى الجدران ، المنقوش الأسقف والأفاريز . الأيقونات ، القناديل المذهبة ، المتدلية من السقف العالى ، الشمعدانات النحاسية ، النجف الكريستال .
أنصتت لقرع الأجراس ، وضرب الصنوج ، والصلوات ، والدعوات لأم النور ، والمزامير ، يرتلها الشمامسة بأصوات متناغمة ، بالعربية والقبطية ، تتوزع فى صحن الكنيسة .
مدت لسانها بعد أن مضغت اللقمة الصغيرة . أحست بلذعة قطرة النبيذ الأحمر على طرف اللسان .
أربكها الفارق بين طقوس الكاثوليكية وطقوس الأرثوذكس . حاكت عياد الواقف جانبها فى كل ما فعله .
ثانى يوم أحد ، أهملت التردد على أى من الكنيستين ، حتى تعى طقوس مذهبها الجديد . ثم تناست الأمر تماماً ، فلم تعد تتردد على الكنيسة .
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:17 AM
( 20 )
قال أنطوان :
ـ التقيت الأب يوحنا اليوم فى الكنيسة ..
لم يجب ..
أضاف أنطوان وهو يتفحصه :
ـ سألنى عنك ..
ظل صامتاً ..
عرف أن الأب يوحنا تدهورت صحته ، فلم يعد يغادر الكنيسة لزيارة أبنائها . لم يعد هو يتردد على الكنيسة للصلاة ، ولا للاعتراف ، ولا لحضور حفلات عقد القران ، أو القداس ، أو الصلاة فى الجنازات .
كان الأب قد رفع يده فى الهواء بعلامة الصليب :
ـ جعل المسيح رسله أساقفة ، والأساقفة أقاموا قسساً وشمامسة ..
ودارى قلقه بابتسامة فاترة :
ـ نحن نحيا لخدمة الجماعة المسيحية ..
ثم فى لهجة مثقلة بالحزن :
ـ دعه لا يفعل مثل الذين يصفهم الإنجيل بأنهم يحبون الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم شريرة .
داخلت صوته نبرة إشفاق :
ـ أنا الذى قمت بتعميده ، ويجب أن يظل فى مستوى حسن ظنى ..
قال جان :
ـ لم يسألنى أحد قبل التعميد إن كنت سأقبل التعميد أم لا..
قال الأب فى حزن ظاهر :
ـ يقول سانت نيبوليتس : " إنى أنكر خالق السماوات والأرض ، وأتنكر لتعميدى ، وأتنصل من عبادتى السابقة التى قدمتها للرب ، إننى أتعلق بك يا إبليس ، وبك أومن " .
وهو يظهر الحيرة :
ـ عندما عمدّت لم أكن أعرف معنى الحرام والحلال . لم أكن واعياً .
وانتزع ابتسامة باهتة :
ـ يجب أن يكون التعميد بعد البلوغ !
قال أنطوان :
ـ لاحظ أنك لم تعد تتردد على الكنيسة ..
رمقه بنظرة مستريبة :
ـ هل يخضعون زائرى الكنيسة للمراقبة ؟
وافتعل ابتسامة تهويناً للأمر :
ـ أنا أتردد على كنيسة أخرى ..
ـ هذه هى الكنيسة الوحيدة للكاثوليك فى الزيتون ..
صرخ :
ـ أنت تحاكمنى !
وأخلى وجهه لتمازج السخط والغضب :
ـ أنت تأمل فى جائزة لإيمانك ، وأنا لا يشغلنى جزاء عدم إيمانى .
ـ الإيمان ليس جائزة ، إنه ضرورة !
ـ أنا لم أعد أعتقد فى كل ما تعلمته . أظن أنى نسيته !
وتداخلت فى صوته بحة :
ـ أحب أن تصدر تصرفاتى عن إرادتى الحرة !
وأشار بيده ناحية الكنيسة :
ـ هذا الرجل الذى يكره نفسه ، هل هو من تعترف أمامه بخطاياك ؟!
وخنق التأثر صوته :
ـ ما أعرفه أن المسيحية دين .. وهذا الرجل جعل من المسيحية مهنة يتكسب منها !
ولوح بيده فى عصبية واضحة :
ـ الكنيسة مسئولة عن الدعوة لتعاليم الإنجيل ، لا شأن لها بحياة الناس الخاصة .
ثم بلهجة مهونة :
ـ لماذا لا نحيا حياتنا ، ونؤجل الاختلاف إلى ما بعد ذلك ؟
ـ ماذا تعنى ؟
ـ سنعرف بعد الموت إن كان هناك حساب أم أنه مجرد وهم !
تحركت يدا أنطوان بالحركة السريعة من الجبهة إلى جانبى الصدر :
ـ أنت تكفر !
واجهه بنظرة مستخفة :
ـ بالعكس .. أعرف أن الله هو الأب ..
وعلا صوته :
ـ أليس عذاب جهنم والنار الأبدية غريباً عن طبيعة الله ؟
وشاب لهجته عناد :
ـ هل يؤذى الأب أبناءه ؟
قال أنطوان :
ـ هل امتناعك عن دفع أجر الجناينى جزء من حالة الرفض التى تعيشها ؟
وهو يرفع كتفيه :
ـ أنا أساعد فى البيت بقدر ظروفى !
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:18 AM
( 21 )
عند اقترابه من البيت بدا العمال مشغولين بتثبيت القوائم الخشبية ـ أمام الفيلا ـ فى مساحة عرض الشارع . أدرك أنهم يعدون سرادقاً لحفل زفاف جان .
ترك لخياله ـ حتى المساء ـ تصور الحضور : أقارب الأسرة ، الجيران ، الزملاء القدامى للمسيو ميكيل .
تدلت أسلاك اللمبات على أشجار الحديقة ، مئات اللمبات الملونة الصغيرة ، أحاطت بأشجار الحديقة ، وتخللتها . فتحت نوافذ البيت المقابل على آخرها ، أطل منها رجال ونساء . وتزاحم الأطفال حول الحديقة يحاولون رؤية ما وراء الأشجار ، ما تخفيه الأغصان والأوراق . حتى سكان البيوت البعيدة ، أطلوا من النوافذ والشرفات ، ومن فوق الأسطح .
اعتادت سيلفى زيارة أسرة الطابق الأرضى فى البيت المواجه ، تأنس إلى شخصية الزوج الخطاط ، الهادئة ، وإلى تعامله معها كابنة لا يضيق بتوالى أسئلتها وملاحظاتها ، وإلى الفوضى فى حجرة مكتبه : الدولاب الصغير ، المفتوح الضلفتين ، اختلطت فيه رصات الملابس والكتب ، حوض السمك الملون ، وأقفاص العصافير ، وزهور البلاستيك ، والأقلام المتباينة الأطوال ، والكتب ، والمجلات ، والورق المقوى ، والأحبار ، وأقلام الفحم والبسط ، والشموع ، والتماثيل الصغيرة ، والدمى البلاستيك ، وبقايا الطعام ، والأكواب الفارغة ، والزجاجات المختلفة الأحجام والألوان ، والمعلبات ، والجدران المغطاة بلوحات ملونة ، وعود لم تره يأخذه من موضعه ، وصور شخصيات لا تعرفها .
تبدى إعجابها بلوحاته ، المستمدة من الحروف العربية ، واللوحات المقلدة .
تضحك لفشلها فى تعدد محاولات تقليده .
عرفت أنه كان ـ إلى جانب كتابة الخطوط ورسم اللوحات ـ يجيد تزوير الأوراق الرسمية والمستندات والبطاقات الشخصية وجوازات السفر . حتى العملات يتقن تزويرها . وكانت هى السبب ـ كما قال ـ فى أن يقضى أعواماً داخل السجن .
حدثها عن مرافقته لأخته ، المغنية الطفلة ، إلى حفلاتها فى القاهرة وخارجها ، وعن مرافقته لأخته الممثلة ، الطفلة كذلك ، إلى الإذاعة ، تغنى لشقيقها القمر فى برامج بابا شارو . حين كبرتا ، خلا إلى خطوطه ولوحاته التى يحبها .
ظل أخوتها على حرص الأبوين فى تجنب الاختلاط . يكتفون ـ إذا التقت الأعين ـ بإيماءة التحية ، أو هزة الرأس . يواصلون السير ، كل فى طريقه .
طالعه ما لم يتوقعه . عرف من سيلفى أن الحضور أصدقاء لجان وأهل العروس . شارك النسوة فى النوافذ بزغاريد ، ظهر فى ملامح جان المستغربة أنه فوجئ بها . رافقت الزغاريد موسيقا وأغنيات ورقصات .
أدهشه أنه وجد ما يدعو إلى الدهشة .
تصور أن زفاف الكاثوليك له مظاهره التى لا يعرفها . استمع إلى أغنيات العوالم ، وصفق على إيقاع أداء الراقصة ، وجارى الحضور فى دفع النقوط .
غنى العوالم يا امه القمر ع الباب ، وقولوا لمأذون البلد ، وأهواك . آخر الليل ، استبدلت الراقصة ببدلتها غلالة حريرية ، تكشف عن جسدها .
نسى تصوره بأن الفرقة تؤدى أغنيات لا يرددها المسيو ميكيل ، تلك الألحان التى يحب سماعها ، وإن لم يفهم معانيها .
أخذ على جان فكرة السفر إلى الخارج . لكى تعمل فلابد أن تمتلك مهنة . شهادة التجارة المتوسطة لن تتيح لك أى شئ . مجرد أن تغسل الأطباق ، وتقطع الخضروات فى المطاعم ، أو تعمل فى بناء العمارات أو غسل السيارات . وقد يسعدك الحظ بالعمل فى مزارع تقطير الكروم إن سافرت إلى جنوب فرنسا ..
ولوح بإصبعه محذراً :
ـ أفضل الواقع الذى أعرفه بدلاً من المجهول الذى لا أعرفه !
وهو يرفع كتفيه :
ـ لا أسافر إلى المجهول .. أهاجر إلى استراليا ..
ثم وهو يغالب التأثر :
ـ لفيكتوريا أخوة يعيشون هناك . أسافر على كفالتهم !
وتخلل شعره بأصابعه :
ـ قد أغسل الصحون كما يفعل الشبان المصريون ، وقد تفيدنى الإنجليزية وأسرة زوجتى فى عمل أفضل .
قال :
ـ تعرفت إليها فى الأوتوبيس . وجدت فيها ما يقنعنى بالزواج .
لم يتحدث عن ظروف لقاءاتهما التالية ، كيف تصارحا بالأسرة والديانة والظروف الشخصية [ وشى اسمها ـ فيكتوريا ـ بديانتها ] ومن طرح على صاحبه فكرة الهجرة إلى استراليا ؟ وما موقف الأب ـ ساعاتى فى شارع عثمان بن عفان ـ من الأمر برمته ؟ هل وافق ، أو أبدى تحفظاً ، أو أنهما أزمعا التصرف دون أن يضعا حساباً للرفض ؟ . ما عدا ذلك فقد غابت الملامح عن بقية التفاصيل .
عقدا قرانهما فى كنيسة اللاتين . أنهيا العقد ساعة العصر ، وأعدا حقائبهما ليسافرا بعد حفل الزفاف .
قال جان لأنطوان ، قبل أن يلحق بعروسه فى سيارة التاكسى ، الواقفة أمام الفيلا :
ـ أترك لك كل شيء ، لكن لا تظلم دومينيك وسيلفى .
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:19 AM
( 22 )
قال ماهر فى ابتسامة مشفقة :
ـ أسرتك تتساقط كأوراق شجر الحديقة ..
الخريف فى بداياته . الفجوات تتسع بين الأغصان والأوراق ، لتساقط الأوراق الصفراء ، داخل الحديقة وخارجها . يتناهى صوت الأذان من جامع قريب ، يختلط بأصوات العصافير فوق الأشجار .
حدجته بنظرة مؤنبة :
ـ إذا كنت تقصد سفر جان وأنطوان فقد فرا من الموت !
واتجهت نظرتها إلى ما وراء الأشجار :
ـ لا شيء يغريهما بالبقاء !
فى صباح حفل الزفاف ، سافر جان مع عروسه إلى أستراليا ، اقتصرت الحياة فى الفيلا على أنطوان وسيلفى .
طالت إقامة أنطوان فى القاهرة حتى يتاح له بيع الفيلا . لما واجهه عياد برفض دومينيك وسيلفى ، حزم حقائبه ، وأعد نفسه للسفر .
لاحظ ماهر تغيراً فى تصرفاتها ، فى السهر والصحو والمنام والوقوف فى النافذة المطلة على الشارع الخلفى ، والأوراق الصغيرة تكتب فيها ، ثم تكرمشها ، وتقذف بها من النافذة ، أو تمزقها .
كان الحزن يقتلها لتناقص قطع الأثاث . الطرقات الغريبة يعقبها فصال بين أنطوان والرجل ذى الجلباب . ترفع قطعة أثاث من موضعها . كل ما فى البيت يرتبط بحياتها ، بفترات من حياتها ، حادثة نقشت ملامحها ، أو عابرة : كراسى ، مناضد ، شمعدانات ، أيقونات ، أكواب كريستال ، فازات ، ساعة حائط بندولية ، لوحات مقلدة ، كتب . حتى الراديو رفعه أنطوان من موضعه على الرف الخشبى ، ثم لم تعد تراه .
استمهلت ماهر ـ ذات أصيل ـ وهو يتهيأ للانصراف . دخلت إلى حجرتها ، وأطلت برأسها متلفتة .
تقدم ليعاونها فى حمل ما بيدها .
ـ صورتى فى إطار ، احتفظ بها حتى لا يبيعها أنطوان .
شك فى أن يكون شخص ما قد دخل حياتها . لعله يقف وراء نافذة ما فى البناية المقابلة . لم يحاول سؤالها عما بدّل حياتها ، أو يشغلها . يثق أنها ستكذب . هذا هو ما ألفه منها فى الفترة الأخيرة . لو أنها أرادت أن تحصل على ما هو بديهى ، وما هو من حقها ، ولا يحتاج إلى عناء ، فهى تكذب ، تكذب لمجرد أن تكذب . لو أنها سألت نفسها ، فقد لا تجد الإجابة التى تقنعها .
ربما أخذ هيئة المنصت لما ترويه . تروى وتروى . يعرف أن معظم الأحداث والمواقف من اختراع رأسها الصغير ، وأنها تجد فى الكذب متعة ، تدفعها إلى المزيد من الحكى .
تمنى لو أنها لم تعد تكذب عليه . توقفت عن الكذب عليه . تنطوى البراءة الظاهرة على نفس طيبة بالفعل ، ترفض الكذب واللؤم والتخابث والتسويف والمماطلة .
لا تمل الكذب والروايات التى يخترعها الخيال . الكذبة هى كذبة ، بصرف النظر عن اللون الذى تدعى الانتساب إليه ، لا يهم إن كانت بيضاء أو سوداء ، أو أى لون آخر .
لم يعد يجد فى نفسه ميلاً لأن يلتمس لها الأعذار . لو أنه أظهر عدم التصديق لمعظم ما ترويه ، ربما راجعت نفسها قبل أن تبصق كذبة جديدة ، تتوقف عن الحكى فى ما يصعب تصديقه . تتوقع رد الفعل ، فلا تقدم على الفعل .
قالت :
ـ أنتظر موافقة بالعمل فى شركة سياحة ..
ـ خبر يستدعى الفرحة .
وهى تسلم نفسها لشرود :
ـ وقعت إقراراً بأنى حاصلة على بكالوريوس تجارة ..
استطردت للدهشة فى عينيه :
ـ جارنا الخطاط .. يجيد تزوير الشهادات والوثائق ..
حاول السيطرة على مشاعره :
ـ ألا تخشين السجن ؟
ظلت صامتة .
تصاعد مد القلق فى داخله :
ـ هذه جريمة عقوبتها السجن .
أنصت ـ مذهولاً ـ لتبريرها عن حقيقة ما جرى . هى لا تدرى لماذا فعلت ما فعلت . قدم الخطاط عرضه ، فوافقت .
تحولت إلى كائن غامض لا يعرفه . لو أنه يعرف فى ماذا تفكر ؟ ما يملأ رأسها الصغير من تصورات ؟ ما يتحرك فى نفسها من مشاعر ؟
ماذا تخفى هاتان العينان الزرقاوان البريئتان ؟!
كتم مشاعره المهتاجة . يعى سرعة هياجه ، واندفاعه ، وعجزه عن التحكم فى عواطفه . وهو يحاول الاحتفاظ بهدوئه :
ـ سحنة المرء ونصيبه من الذكاء وظروفه الاجتماعية والمادية أمور لا حيلة له فيها ، لكن الكذب مسئوليته التى يجب أن يحاسب عليها !
أردف فى صوت مقتضب :
ـ لا أتصور أنك تفعلين هذا .
ثم وهو يغالب شعوراً باليأس :
ـ عدينى ألا تكذبى لأى سبب !
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:20 AM
ـ 23 ـ
قالت :
ـ سأظل على الكاثوليكية ..
اختلط صوتها الهامس بصراخ العصافير فى لحظات ما قبل الغروب .
رمقها بنظرة عدم تصديق :
ـ ماذا ؟
ظلت على صوتها الهامس .
ـ أجد نفسى فى ديانتى الأصلية ..
أدرك أنها صادقة فى ما قالته . كذبت كثيراً ، تراكمت أكاذيبها ، وتفرعت ، وتضخمت ، صارت بلا حد . لكنه أيقن من صدقها هذه المرة . ما قالته يصعب اختراعه . إسلامها من أجل زواجهما . لم تسأله عن الإسلام ، ولا عن مدى اتفاقه ، أو اختلافه ، مع الكاثوليكية . عكس التماع عينيها ، وتهدج صوتها ، صدق ما ترويه .
قال بالانفعال الذى يخفق فى كتمه :
ـ هل الديانات فيها أصيل وزائف ؟!
رفعت عينين منداتين بالدمع :
ـ أنت لم تعلمنى الإسلام ، من الصعب أن أكون بلا دين .
استعاد قول أمه ، وهى تسحب السجادة الصغيرة من تحتها :
ـ هل تصلى سيلفى ؟
أظهر الدهشة :
ـ لماذا تطلبين منها ما لا أفعله ؟!
حدجها بنظرة متأملة كأنه يعيد اكتشافها :
ـ هل تعرفين المسيحية ؟
زاد ارتباكها :
ـ ولدت فى بيت مسيحى ..
لاحظ أنها تتجنب نظراته ، كأنها لا تريد أن يفطن إلى ما تعانيه .
ظل ينظر إليها وهو صامت ، كأنه عاجز عن تصديق ما قالته . استطردت وهى تشرد فيما لم يتبينه :
ـ والكنيسة قريبة من البيت !
أنصتت إلى دروس الأب يوحنا فى قضايا اللاهوت : ما إذا كان الروح ينبثق من الأب وحده ، أو من الأب والابن معاً ؟ ، شروط المعمودية ، مادة العماد ، إتمام المعمودية : بالرش أم بالتغطيس ، حقيقة الاختيار السابق والمقدر ، الخمير والفطير ، الكهنوت ، النعمة الرسولية ، المطهر ، العصمة .. مفردات حفظتها ، دون أن تعرف من معناها إلا القليل .
وهو يعانى ارتباكاً :
ـ هل ترين الخير فى قرارك ؟
ران انكسار على صوتها :
ـ لم أعد أتوقع الخير حتى من نفسى .
انبثق فى صدره أمل :
ـ ما قاله موظف الشهر العقارى نصيحة ..
شوحت بيدها :
ـ لا تنتزع موافقتى فى هذه الظروف !
يتصور أن الندم والشعور بالذنب يعذبانها ، يتصور أنها طفلة عابثة ، لا تعى تصرفاتها ، ولا تقدر ما قد تنتهى إليه .
شعر أن الدنيا تظلم فى عينيه ، وأن الأرض تميد به ، والملامح تختلط ، وتتشابك ، وتتشوه ، وأنه يفقد السيطرة على نفسه ، وروحه آخذة فى الذوبان ، وقدماه تخذلانه .
فكر فى أن يفعل شيئاً ، أى شيء ، يخلصه من إحساس العجز الذى يتملكه ، اقتحمته رغبة فى أن يحطم شيئاً ، أى شيء ، كل شيء .
علا صوته بما لم تعهده منه ، ولا عهده هو فى نفسه . فطن إلى أنه يريد أن يخلص نفسه من مشاعر الغضب . اجتاحه إعصار من المشاعر الغاضبة .
كان جانب جسده آخر ما رأته وهو يميل من الشارع الصغير إلى شارع نصوح الهندى .
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:22 AM
ـ 24 ـ
رفت ابتسامة تلقائية على شفتيه وهو يتأمل واجهة سينما على بابا : الرجال يفضلون الشقراوات ، لص بغداد ، إسماعيل يس فى الجيش .
خلف السينما وراءه ، واتجه ناحية اليسار . بادله رواد المقهى ـ على الناصية ـ نظرات معرفة . كان قد تكرر مرافقته لسيلفى فى زياراتها المتباعدة إلى الخالة إيفون . مضى ناحية باب البيت الخشبى المتآكل . وجد لجسده منفذا بين الأجولة المرصوصة على جانبى المدخل الضيق ، وروائح التراب والرطوبة والشواء والطبيخ والعطن .
تلمست قدماه السلمة الأولى ..
حدجته الخالة إيفون بنظرة متأملة ، تستشف ما بداخله :
ـ تسأل عن سيلفى ؟
حرك رأسه دلالة الموافقة .
ـ ألم تزر دومينيك وعياد ؟
ـ لا أعرف البيت .
وهى تنظر فى عينيه :
ـ سيلفى دخلت الدير ..
أضافت للدهشة المرتسمة على وجهه :
ـ أثّر فيها غيابك عنها ..
حدثته عن الأيام الأخيرة قبل أن تلجأ سيلفى إلى الدير ، تعتزل فيه .
قالت فى نبرة باردة :
ـ بدا القرار صعباً .. بدا القرار الوحيد . تفر مما أوقعت فيه نفسها من مشكلات .
وزمت شفتيها ، فبدت الكرمشة حول الفم :
ـ قد يغفر الله ذنوبنا ، لكن الناس يرفضون المغفرة .
وأدارت وجهها نحو النافذة :
ـ أزمعت سيلفى أن تلجأ إلى الدير .
حاول أن يقول شيئاً ، يسأل ، أو يوضح ، أو يعترض . شعر كأنه فقد القدرة على مجرد تحريك شفتيه . ظلتا ترتعشان ، دون أن تنفرجا . كأن شيئاً ما قد انتزع من داخله . تحركت مشاعره بما لا يقوى على التعبير عنه . لا يدرى حقيقة الشعور الذى تملكه .
أغمض عينيه ، كأنه لا يريد أن يرى ما حوله .
تنحنحت لتزيل احتباس صوتها :
ـ لم أفلح فى إثنائها عما اعتزمت فعله .
همست بالسؤال ، دون أن تلتفت إليه :
ـ ألم تر ـ ذات يوم ـ ما بداخل حقيبتها ؟
اخترقها بنظرة مستاءة :
ـ ما شأنى بحقيبتها ؟!
وأحاط رأسه بيديه كمن يعجز عن التصرف :
ـ لماذا ؟
وهى تضغط على الكلمات :
ـ إنها تحرص على وضع صورة العذراء تحمل المسيح .
ثم فى هيئة من يرفض أن يعطى المناقشة أكثر مما أخذت :
ـ كلمتنى عن اعتزامها التحول إلى الإسلام .. ثم أبلغتنى ـ فى زيارتها الأخيرة ـ بحرصها على ديانتها .
وبدا كأنها تستعد للنهوض :
ـ دعائى أن يرشدها الله إلى التصرف السليم !
ومضت فى ذهنه لحظات ، غلبه فيها التأثر لقول سيلفى إنها لا تتصور حياتها بدونه ، إذا ابتعد عنها ، فإن كل الصور تشحب ، تظل صورته وحدها واضحة الملامح . وقالت : لا أتصور ماذا كان سيحدث فى حياتى لو لم تظهر أنت فيها . وقالت : لولا حبى لك كنت سأقتل أنطوان ، أو أقتل نفسى !. وقالت : مادمت معى فلن أحزن على فترة ما قبل لقائنا . وقالت : إذا أسلمت فإنى سأدعو الله أن أموت قبلك كى تدفننى !
هل كانت تستمتع باللعبة ؟!
داخله حزن لم يكن شعر به من قبل ، غضب لم يعهده فى نفسه . قهره الإحساس بعدم القدرة على التصرف . أضاف إلى مشاعره أن الوقت قد فات ، لم يعد بوسعه أن يفعل شيئاً .
غلبه الذهول ، فلا يدرى شيئاً مما حوله . أحس أنه محاط بما لا يفهمه ، ولا يدرك كنهه .
هل كانت سيلفى بنتاً حقيقية ؟ هل تعرف إليها بالفعل ؟ هل عاش معها حياة حقيقية ؟!
ساوره الشك إن كان قد تعرف إليها ، وحدث بينهما ما حدث . تلاحق الكذب ، تراكم ، لم يعد يصدق إن كان ما رآه قد رآه بالفعل ؟
وهو يتهيأ للانصراف :
ـ أين هو الدير ؟
د. حسين علي محمد
07-13-2008, 11:24 AM
ـ 25 ـ
أسوار الدير العالية ـ بتداخل حجارتها البيضاء والبنية ـ يبدو من ورائها ـ كالانبثاق ـ برج الكنيسة المفتوح الجوانب ، يتدلى من أوسطه جرس نحاسى ضخم . البوابة الحديدية تفضى إلى ساحة ضخمة على جانبيها أشجار . يتوسطها بناية من الحجارة اختلط فيها البياض والبنى . من حولها خلاء تتناثر فى مدى أفقه بنايات صغيرة وزراعات .
لاحظ أن الراهبات يرتدين الملابس البنية الفضفاضة ، من الرأس إلى القدمين . يختلفن عن الراهبات اللائى يرتدين الملابس البنية المختلطة بالبياض . يتكرر التقاؤه بهن فى شوارع القاهرة .
قالت الراهبة :
ـ هل هى راهبة أم أو راهبة أخت ؟
ـ لا أفهم .. لكنها كانت غير متزوجة ..
ابتسمت :
ـ تقصد راهبة أماً !
كيف تبدو فى ثياب الراهبات ؟ كيف تعيش الرهبنة ؟ هل كان دخولها الدير محاولة للخلاص من حصار الأزمات ؟ أو أنها تريد تغيير حياتها بالفعل ؟
كان قد قرأ ، وحدثته سيلفى ، عن الحياة فى الدير : التقشف ، التأمل ، غرف العبادة ، الجدران العارية ، الزى البسيط ، العمل فى صمت ، لا حوارات جانبية ، ولا كلام بصوت مرتفع .
لم يطل وقوفه أمام البوابة الحديدية المغلقة ..
اعتذرت الراهبة بأن الأخت كريستينا ـ تنبه للصفة الجديدة ، ولتغير الاسم ـ لا تستقبل زواراً :
ـ نذرت الأخت كريستينا نفسها عروساً للسيد المسيح ..
أردفت فى نبرة تمثيلية :
ـ هجرت الدنيا إلى أحضان المسيح ، عذراء ، طاهرة ، فى موكب أصحاب الرب .
رسم على شفتيه ابتسامة تذلل ، وظل واقفا .
قالت وهى تغلق البوابة ثانية :
ـ دعنى أتحقق من الأمر .
مضت إلى داخل الدير .
التقط رسماً على جدار المدخل من اليمين ، العذراء المتوجة على العرش تحمل على ذراعيها الطفل يسوع ، أحاطت برأس كل منهما هالة نورانية .
طالعته ـ بعد انتظار دقائق ـ راهبة ، حدس أهميتها من تجاعيد الوجه ، والشعر الأبيض المتسلل من تحت لباس الرأس ، والنظرة المتجهمة .
قالت :
ـ هذا دير .
غالب ارتباكه :
ـ أعرف .
ـ هل تعرف أن الزيارات ممنوعة ؟
داخل صوته تذلل :
ـ أطمئن عليها وأنصرف ..
قالت الأم إن الأخت كريستينا تطيل التعبد منذ دخلت الدير . اجتازت اختبارات الروح على الصفاء والتجرد . تشارك فى الصلوات ، وفى الطقوس المختلفة .
منذ عادت إلى التردد على الكنيسة ، لم تهز جرس كرسى الاعتراف . تظل واقفة ، حتى تلمح الأب ـ الذى لا تعرفه ـ قادماً بخطواته المهرولة . تطمئن إلى جلستها وراء ثقوب النافذة ذات الخشب المعشق . تهمس باعترافها ، ما فعلته ، وما جرى لها ، فى الأسبوع الفائت ، ما يشغلها وما تعانيه ، لا تنصت إلى نصائح الأب قدر حرصها على أن تعترف ، تتكلم فى كل ما يخطر ببالها ، كأنها تنظر فى مرآة ، أو تكلم نفسها بصوت مرتفع . تخشى أن تتوالى الأيام ، تواجه ما تغيب صورته ، قبل أن تهمس باعترافها الحقيقى . تروى ما حدث دون أن تبدل ، أو تضيف ، أو تحذف .
آلمها أنها أرادت أن تصلى ، لكن الكلمات استعصت عليها ، نسيت ما ينبغى قوله ، مفردات اعتادت سماعها من أمها وأبيها . عجزت عن البوح بما فى نفسها ، وما تطلبه .
لم تتصور أن الأمور ستجرى على هذا النحو . شعرت أنها تتجه إلى هدف لا تعرفه ، شيء مخيف لا تدرى متى يحدث ، ولا كيف تبدو ملامحه .
اختلط كل شىء : هل ما تزال ابنة لميكيل جوتييه وكاترين فرنسيس ، وتقيم فى فيلا الزيتون ، ورحل أخواها إلى خارج البلاد ، وانتقلت أختها إلى بيت زوجها القبطى ، ومعارفها وأصدقائها من غير المصريين .. هل مازال ذلك كله صحيحاً ، أم أن ما عاشته ـ فى الفترة الأخيرة ـ بدّل كل شئ ؟! هل تبدّل شهادة ميلادها ؟ هل تقطع صلتها بالزيتون ؟
هذه الفيلا ليست بيتى .
أنظر إلى ما حولى : الجدران والأسقف والأثاث والنوافذ والأبواب ، المرئيات التى اعتدتها ، أشعر بغربة عن المكان تماماً ـ رغم أنى لم أغادره ـ ولا صلة لى به . طوحت بى حياتى الجديدة بعيداً عن البيت وأهله .
أدركت خطورة ما وراء الأفق ، بما لن تفلح الأكاذيب فى صده . شعرت أن أمراً ما ، قاسياً ، يلوح ، يهدد حياتها .
لم تعد تدرك الصواب من الخطأ .
وجدت فى الرحيل عن مصر فراراً من كل ما أوقعت فيه نفسها ، من كرة الثلج التى تضخمت ، فحطت على صدرها .
أسقطت فكرة السفر إلى أمريكا ، لن يرحب أنطوان بالفكرة ، وإذا سافرت دون أن تبلغه ، فقد يرفض استضافتها ، أو استقبالها . لن ينسى أنه لم يحصل على ما أراد . ظلت الفيلا ملكاً للأسرة ، ربما لا يرد على رسالتها ، أو يرد بالاعتذار .
ناوشتها صورة جان فى سيدنى الاسترالية . حدثها ـ فى رسائله ـ عن البحر والبنايات والشوارع والكنائس والحدائق وتماثيل الميادين . أرفق برسائله بطاقات صور ملونة ، حاولت أن تجد فيها الحياة هناك . تحركت فى داخلها مخاوف الرحيل إلى المجهول ، المغامرة ، ومواجهة ما لا تعرفه .
هى لن تستطيع البقاء فى البيت ، أو أنها لن تستطيع البقاء فيه بمفردها .
فطنت إلى إيماءة المعنى فى كلمات عياد المتكررة عن احترام ذكرى الأب الراحل ، واحترام وصيته .
تأملت الخالة إيفون بالعجز فى ملامحها وتصرفاتها ، ولويجى الذى يلزم البيت . قد تجد عملاً يدر عيها إيراداً ، لكن الإقامة فى بيت الخالة إيفون سيفرض عليها ـ بعد وقت العمل ـ ما لا تطيقه . الملاحظات والتعليقات والأوامر التى كانت تنغص عليها العيش ، قد تتكرر بما لا تستطيع مواجهته ، وقد لا يحتملها العجوزان .
تقاطعت الطرق ، وتشابكت . لم تعد تعرف إلى أين تتجه .
أهملت فكرة الاختفاء من العالم . تلاشت الفكرة فى اللحظة التالية لظهورها . التخلص من الحياة يحتاج إلى شجاعة ، لا تملكها .
ماهر كأنه الأمل المستحيل ، لا تعرف إن كانت تحبه ، أم أنه علاقة عابرة حاولت ـ بالتعرف إليه ـ أن تفر من أزمتها ؟
مثل الومضة التى تستعيد عوالم كاملة ، رأت الأب لوقا فى ملامحه الطيبة ، وثوبه الكهنوتى المختلط الأبيض والبنى .
الدير !
بدت الفكرة قارب نجاة حقيقياً ، تصعد إليه من خطر الأمواج الصاخبة حولها ، يمضى بها إلى اليابسة والأمان وتناسى الالتفات إلى الوراء .
حين زارت الأب لوقا ، لم يجهد نفسه فى تذكرها ..
ارتجفت ملامح وجهه بانعكاس المفاجأة .
اكتفى بالقول :
ـ كيف حالك ؟
عرفت أنه لم ينسها ..
وهو يحاول إخفاء مشاعره :
ـ فى هذا الأمر لابد من الرجوع إلى آراء ربما كانت أكثر حكمة !
عاودت التردد على الدير ، تؤكد ما اعتزمته . تنقر باب مكتب الأب لوقا بنقرات خافتة . يتناهى صوته . تدخل . تقف أمامه حتى يأذن لها بالجلوس . لا تعيد عرض ما حدثته فيه ، ولا يسألها إن كانت قد رجعت عن قرارها ..
لما دفع إليها أوراقاً ، وقال : املئى البيانات ، أدركت أنها تخطو أولى خطواتها إلى داخل الدير .
قالت الأخت :
ـ خدمة الرب يمكن أن تؤدى فى أى مكان ..
قالت سيلفى :
ـ يشغلنى فقط أن أخدم الرب ..
ثم وهى تمسح دمعة فى عينها :
ـ أنا أفر إليه مما أعانيه !
حدثته الراهبة عن حياة سيلفى فى الدير : أداء الصلوات والطقوس ، تنظيف حجرتها ، ترتيب فراشها ، حياكة ـ أو رفو ـ ثيابها .
ومضت على شفتيها بسمة ، وهى تشير إلى امتلاك الأخت كريستينا ـ فهم أنها تقصد سيلفى ـ صوتاً جميلاً ، فهى تشارك فى كل التراتيل داخل كنيسة الدير .
قالت وهى تتأهب للعودة :
ـ منذ دخلت الأخت كريستينا الدير لم يعد لها صلة بالعالم الخارجى .
لم يقاطع فى إصغائه .
حدّست أنه لا ينصت لها .
محمد جبريل ـ الإسكندرية 15/4/2004
(انتهت الرواية)
د. حسين علي محمد
09-02-2008, 06:43 PM
«البحـر أمـامها» رواية جديدة للروائي الكبير محمد جبريل
.................................................. ..........
تبدأ جريدة «الوفـــد» من اليوم نشر رواية «البحـر أمـامها» للروائي الكبير محمد جبريل في حلقات، كل ثلاثاء. وكانت قد نشرت له في أوائل هذا العام روايته «ذاكرة الأشجار» .
......................
*الوفد ـ في 2/9/2008م.
د. حسين علي محمد
09-02-2008, 06:46 PM
من المحرر:
«الرواية مرآة المجتمع»
بقلم: محمد جبريل
.......................
العمل الفني -في تقدير كورييه- وثيقة اجتماعية. والرواية- كما يصفها بيرسي لوبوك "صورة للحياة" وهي في تقدير ارنست بيكر "تفسير للحياة الإنسانية من خلال سرد قصصي نثري" وهي -كما يقول ستاندال- "مرآة تسير في الشوارع".
وهي -في بعض التعريفات- انعكاس مدرك وواع للواقع الموضوعي والروائي -في وصف الأرجنتيني ارنستو ساياتو" رجل سياسة فهو يعكس الوجدان العام وهذه هي السياسة" ويقول جراهام هو: "إن أي نقد للرواية يهمل روابطها بالواقع التاريخي هو نقد يزيف القيم الحقيقية للرواية. هو نقد يفرغ ما يجب أن يكون ملآن" بل إن ميشيل بوتور- وهو من رواد الرواية الجديدة- يري أن "الرواية هي أداة بحث". وهو رأي -كما تري- إلى جانب اجتماعية الرواية. وليس ضدها ومع أن ماريو فارجاس يوسا معجب بالإبداعات المحلقة في الفانتازيا لبورخيس فإنه لم يجد في عالم بورخيس انفصالا عن الحياة أو عن السلوكيات اليومية ويؤكد يوسا أنه ما من عمل قصصي أدار ظهره إلي الحياة. أو كان عاجزا عن إلقاء الضوء علي الحياة قد حقق البقاء مطلقا بل إن التجديد في التقنية والأسلوب لا يعني إهمال البعد الاجتماعي في الفن حتي الواقعية السحرية التي تزخر بالغرائبية. ليس فيها سطر واحد ـ علي حد تعبير جارثيا ماركيث ـ غير قائم علي أساس من الواقع إن إبداعات ماركيث ويوسا واراجيدس وفوينتيس وبورخيس وغيرهم تعري الواقع السياسي والاجتماعي الذي تحياه بلادهم بالإضافة إلي الأزمات التي يعانيها العالم جميعا أما القول بأن البعد الاجتماعي للأدب قد أصبح في ضوء النظريات النقدية الحديثة -علي هامش الفكر النقدي. وأن الرواية الاجتماعية الواقعية ـ تحديدا ـ فقدت ملامحها بسبب تيار الحداثة. ففقد الأدب قراءه بالتالي. فهو يحتاج إلي مراجعة وإذا كانت الرواية ـ في تقدير الكثير من المبدعين والنقاد المحدثين ـ بناء اختلاقيا. إبداعا. وليس مجرد مرآة تعكس صورة الواقع فإن ذلك لا يلغي أن الفترات- منذ ظهور الرواية كنوع أدبي. والقصة القصيرة كنوع آخر تال للرواية ـ ينطبق عليها- إلي حد بعيد- مقولة "الرواية مرآة المجتمع". نحن نجد تطبيقا لذلك في أعمال الواقعيين الطبيعيين. وكتاب الواقعية باختلاف مراحلها. والأمثلة لا تعوزنا وبتعبير محدد فإن القول بأن البناء الروائي ليس مجرد مرآة تعكس صورة الواقع لا ينسحب علي تاريخ الرواية في إطلاقه لا ينسحب علي تاريخ الرواية جميعا بل إنه علي الرغم من أن التيارات الأدبية والنقدية الحديثة تري أن غرض الرواية ليس وصف المجتمع فإن الأدب- كما تذهب تلك التيارات- "أصبح في بعض الحالات. التعبير الحقيقي الوحيد فعلا. إن لم يكن المباشر عن مشكلات المجتمع الملحة".
.....................................
*المساء ـ في 16/8/2008م.
د. حسين علي محمد
09-02-2008, 06:47 PM
من المحرر
مولد نجيب محفوظ
بقلم: محمد جبريل
.....................
في كتابي "نجيب محفوظ.. صداقة جيلين" أشرت إلي خطأ فرضته النقلية في حياتنا عن الرواية الأولي لمحفوظ في مرحلة الواقعية الطبيعية الاجتهادات النقلية هل تستحق صفة الاجتهادات؟! تري أن "القاهرة الجديدة" هي الرواية الأولي. ثم تأتي "خان الخليلي" وبقية الروايات والحقيقة أن "القاهرة الجديدة" هي الأسبق في روايات الواقعية الطبيعية لمحفوظ تلت رواياته الثلاث التي وظفت التاريخ الفرعوني.
كان فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل إشارة البدء ليكتب عنه كل من جعل الكتابة حرفته أو هوايته قرأنا ما نعرف وما لا نعرف عن أدب محفوظ وحياته ما ينتسب إلي الحقيقة وما اخترعه خيال الكاتب ثمة من قرأوا لنجيب محفوظ أعماله الأولي وأعجبوا بها وعرفوا مدى خطورة الفنان وثمة من أقدموا علي الكتابة لمجرد المشاركة في "المولد"!
طالعتنا كتابات تتحدث عن "القاهرة القديمة" باعتبارها الرواية الأولي لمحفوظ في مرحلة توظيف التاريخ الفرعوني و"القاهرة القديمة" كما تعلم ترجمة لدراسة قصيرة عن مصر الفرعونية وتحدث كاتب عن إعجابه برواية محفوظ "نور الصباح" ولم تصدر للرجل رواية بهذا الاسم وخلط البعض بين "أولاد حارتنا" و"حكايات حارتنا". ولأن بعض دور النشر الأجنبية ترجمت رواية "أولاد حارتنا" باسم "أولاد الجبلاوي" فقد كتب غالبية المترجمين الصحفيين اسم الرواية الأجنبي. وغاب عنهم الاسم العربي الصحيح للرواية..
والأمثلة كثيرة..
مناسبة هذه الكلمات ما قرأته هذا الأسبوع في زميله صباحية عن "القاهرة الجديدة". وأن الاسم الذي اختاره لها الفنان عند كتابتها هو "فضيحة في القاهرة". ولأسباب رقابية كما قال كاتب المقال استبدل بالاسم "القاهرة الجديدة". والواقع أن العكس هو الصحيح. فلا أسباب رقابية ولا يحزنون. إنما هي أسباب تخص يوسف السباعي المشرف علي الكتاب الذهبي آنذاك والذي وجد أن اسم "فضيحة في القاهرة" قد يكون أكثر تشويقاً!
وإذا كان تحويل صلاح أبوسيف اسم رواية محفوظ إلي "القاهرة 30" شأناً يخص أبوسيف باعتبار أن العمل الأدبي وحده هو مسئولية الروائي. فإن تحويل الاسم في الكتاب إلي "فضيحة في القاهرة" خطأ شارك فيه محفوظ بالموافقة. لأن عنوان العمل الأدبي شأن المؤلف وليس شأن الناشر. ولم يكن محفوظ في حاجة إلي التغاضي، أو صمت المجاملة. لأن مكانته الروائية كانت قد ترسخت بصدور الثلاثية. ثم بالانتشار الكاسح لزقاق المدق في طبعة الكتاب الذهبي.
سئل نجيب محفوظ في حوار صحفي: ما السؤال الذي لم يوجه إليك. قال محفوظ: هذا السؤال!.
والحق أن الصحف نشرت للرجل قبل نوبل وبعدها آلاف الحوارات وكتبت عنه آلاف الدراسات والمقالات. وصدرت مئات الكتب. مع ذلك فإن النقلية مرض يكاد يكون متوطناً في حياتنا الثقافية. وغالباً فإن المعلومة غير الصحيحة. تجد من يعتمد عليها. لمجرد الاستسهال. ودون تدبر لما قد ينطوي عليه هذا التصرف من نتائج سلبية!
..............................
*المساء ـ في 30/8/2008م.
د. حسين علي محمد
09-02-2008, 06:57 PM
روائي بالبراشوت!
بقلم: محمد جبريل
.....................
في زمن تتصور فيه الماعز أن لها صوتاً مطرباً. ولا يحاول من يعاني لحمية الأنف أن يعالج نفسه قبل أن يكتسب صفة المغني. ويتحول البهلوان إلي نجم سينمائي تدين له أدوار البطولة. ويتصدي لقضايا الدنيا والآخرة صاحب المعرفة الدينية التي لا تزيد عن قصار السور..
في هذا الزمن الذي اختلط فيه الحابل بالنابل. والصحيح بالزائف. لا يبدو مستغرباً أن يهبط علينا بالبراشوت من لا نعرفه. فيقدم نفسه باعتباره روائياً يستحق المكانة الأهم بين المبدعين الحقيقيين!
أين كان؟ لا أحد يدري! أما لماذا فاجأنا بظهوره. فالسر كما تري في ظاهرة السداح مداح التي نواجه أسوأ سلبياتها.
طالعتنا المجلة الثقافية العربية بحوار مطول مع هذا "الروائي" وأضع الصفة بين مزدوجتين فزكي نفسه بما يرفضه احتراماً للنفس أديباً في مكانة الشاروني أو بهاء طاهر والشيخ ومطر وشوشة وصنع الله وأبوسنة وفياض وغيرهم من رموزنا المبدعة.
ظني أن "الروائي" هو الذي كتب الأسئلة والأجوبة مع تقديري لمن وضع اسمه في نهاية الحوار فأجري تقييماً للأجيال المختلفة. وأطلق الأحكام الغريبة والمتعسفة. ثم وضع نفسه في موضع الصدارة!
سألت عدداً كبيراً من الأصدقاء إن كانوا يعرفون هذا الروائي المفاجأة. فأجابوا بالنفي. وأنهم لم يقرءوا شيئاً من إبداعات الروائي الهابط بالبراشوت. حتي الصفة الموازية التي قدم بها نفسه. وهي الأستاذية في الجامعة. لم نتعرف إليه فيها. من خلال متابعات للحياة الأكاديمية. ولحياتنا الثقافية والإبداعية بعامة.
إنه روائي مهم من اللحظة التي قرر فيها أن يهب نفسه هذه الصفة. وهي لحظة تجاوز فيها بلا مبرر موضوعي مئات المبدعين الذين يمتلكون الموهبة. ويعانون التعبير والتوصيل.
اختار كاتب الحوار أن يبدأ من حيث انتهي الآخرون. أو من حيث آخر محاولاتهم. ودس نفسه بين مبدعين حقيقيين من حقهم بإبداعات قرأناها لهم أن يطمئنوا إلي مكانتهم في إبداعنا العربي.
ذكرني الحوار الذي اختار صاحبه لنشره مجلة عربية محترمة. بحكاية أشعب والأولاد حين ضايقوه بمعاكساتهم. فحدثهم عن حفل قريب. وبعد أن جري الأولاد ناحية موضع الحفل. قال أشعب لنفسه: ربما هناك حفل بالفعل. ومضي وراء الأولاد!
لكن حياتنا الثقافية المصرية رغم كل سلبياتها تحفل بالمبدعين والنقاد والقراء المتابعين الذين يجيدون التعرف إلي تكوينات الصورة. وما عرفته بإلحاح السؤال أن أديبنا المجهول لا مكان له حتي خارج إطار الصورة.
...............................
*المساء ـ في 9/8/2008م.
د. حسين علي محمد
09-02-2008, 06:58 PM
من أروع ما كتب محمد جبريل .. هذه القصة القصيرة
.................................................. ..............
تكوينات رمادية
بقلم: محمد جبريل
.....................
مددت يدي بعفوية، وأضأت النور. كنت قد صحوت على أذان الفجر يتناهى من المرسي أبي العباس.
أطلت التحديق في الظلام السادر أتبين الشبح الواقف وراء النافذة، يتطلع إلى الطريق. بدت المفاجأة في ملامح وجهه أقرب إلى الخوف، وربما الفزع. هلل بيديه فأطفأت النور:
قلت وأنا أزيح الغطاء عن جسدي:
- هل تنوي صلاة الفجر في المسجد؟
قال في همس منفعل:
- أي صلاة؟! وهل يتيح لي الملاعين أن أصل إلى المسجد؟!
فطنت إلى ما يعنيه. حدثنا -إخوتي وأنا- عن متاعب -لا يدري بواعثها- بدأت إدارة الشركة تواجهه بها حين أعلن رغبته في التقاعد، الخواجــة ليفي (سافر فيما بعد إلى إسرائيل، ضمن الأفواج الأولى لليهود المصريين) أظهر قلقاً واضحاً. تمعن في وجه أبي كأنه يستوضح نواياه.
قال وهو يتظاهر بترتيب الأوراق على مكتبه:
- أرى صحتك ممتازة.. فلماذا تتقاعد؟
سعل أبي - بالتذاكر- وأسند راحة يده إلى صدره:
- هدني الربو.. ولا بد أن أنفذ نصيحة الطبيب بالراحة التامة!
- اكتف بالعمل معنا.. وأعدك بزيادة راتبك
- صدقني مطلبي الراحة وحدها!
- روى أبي ما حدث، دون أن يشير إلى ملاحظة ما. لكنه في الأيام التالية- حدثنا عن الأوراق التي اختفت من مكتبه، والبرود القاسي في معاملة الخواجه ليفي ومعاونيه، واعتذار الصراف بالمرض حتى لا يتقاضى راتبه. علا الإيقاع، وبدت التطورات مثيرة عندما فاجأني أبي -ونحن حول الطبلية ننتظر عودته- بخطوات متعجلة، ووجه يكسوه قلق واضح. وضع الصحيفة وكيس البرتقال على المائدة، وعاد إلى الباب يستوثق أعلى السلم، مما رآه.
لم أكن قد رأيت أبي في تلك الصورة من قبل. تنقل بعينين مرتعشتي الأهداب، بين باب الشقة والنافذة المطلة على المنور، ولوحة الكانفاه المعلقة في الجدار، وحركة مفيدة داخل المطبخ تعد الطعام، ونظراتنا القلقة، والقط السيامي الذي أقعى تحت الطبلية.
غلب التوتر محاولته لعناق السكينة. جلس على الكنبة (الاستامبولي). أطال التحديق في اللاشيء حول نفسه، وتحركت شفتاه بكلمات لم ينطق بها.. أزاح له نافع وشاكر مكاناً بينهما، فجلس. أمسك بيديه طرف الطبلية، كأنه يهم بقلبها:
- هل رأيتم ما رأيت؟
تطالعنا بأعين متسائلة:
- الخواجه ديفيد - مساعد ليفي، يختبئ في بئر السلم.
قلت في ضيق:
- ولماذا تتصور أنه يختبئ؟ ربما يريدك في أمر ما؟
– أنت لا تفهم شيئا.. منذ أيام أتابع تنفيذ المؤامرة.
– ضد من؟
– ضد أبيك!
أغضبه -وإن لم يعلن- تنهيدة أخي نافع غير المصدقة.
استطرد وهو يهش -بعصبية- ذبابة حطت على أنفه:
- صدري مليء بالأسرار.. وهم يخشون أن أذيعها.
تغلف صوته بحشرجة قاسية:
- لقد قرروا قتلي!
لزم أبي البيت، بعد أن تسلم مكافأته. يكتفي بالتنقل بين غرفته والصالة، ويشغل نفسه بمراجعة قواميس الإنجليزية والفرنسية، ويدون جملاً وملاحظات..
لمجرد الرغبة في قطع الصمت الذي كان يعمقه مضغ أفواهنا للطعام، سألت أبي:
- لقد تقاعدت عن مهنة الترجمة.. فلماذا تقسو على نفسك بالمذاكرة؟
قال في استغراب:
- التقاعد لا يعني أن أهجر اللغة.
وعلا صوته في تغيير مفاجئ:
- إذا نسيت اللغة، نسيت كل ما أعرفه من أسرار.. وهذا ما لن أمنحه لهم؟
وصرخ في نظرتي الداهشة:
- أنت لا تفهم شيئاً.. لم تعد حياتي تهمني.. المهم أن أرد المؤامرة!
تغيرت حياتنا. خطوات أبي الزاحفة بين غرفة النوم والصالة، تخوفه الواضح من رنين جرس الباب، تطلعه القلق -في لحظات متقاربة- من خصائص النافذة.. شروده الساهم وحديثه المفاجئ إلى نفسه أحياناً. لم يعد تشغله المذاكرة، أو مشكلاتنا الشخصية. تناسى حرصه -منذ وفاة أمي- بدس الساندويتشات في حقائبنا كل صباح قبل أن نغادر البيت. شاع حولنا ضباب غير مرئي، وغلب التوتر على تصرفاتنا وقال نافع:
- ينقصنا حفل زار لنعيد هذا البيت إلى سابق عهده!
في تلك الليلة، صحوت على حركة أبي خلف النافذة.
أطفأت النور، وأزحت الغطاء عن جسدي. حاولت أن أهبط إلى الأرض برفق، فلا يصحو إخوتي. أحس بصدري خلف ساعده، فقال في صوته الهامس، يشير إلى المجهول من خصاص النافذة المغلقة:
- هذا الذي يقف تحت عمود النور.. إنه الخواجه ليفي نفسه!
قلت وأنا أحدق في الرجل الغائب الملامح:
- هل البالطو الأصفر مما يرتديه الخواجه ليفي؟!
- أنت لا تفهم شيئاً.. (أنهم) يحسنون إخفاء أنفسهم..
لكن هذا الواقف هو الخواجه ليفي بعينه!
أحسست -لخوف أبي- بإشفاق. بدا مهدوداً ومتحيراً ولا يقوى على التصرف. ذلك الذي يقف تحت عمود النور كان ينتظر سيارة العمل. رأيته مرات من قبل وأنا أطل بعفوية من النافذة، الأرق يعقب تناهي الأذان من أبي العباس، أو ابتهالات ما قبل الصلاة. لكن البريق الذي التمع في عيني أبي، بما هو أكبر من الخوف، كأنه يرى الموت، جعل السؤال سخافة لا معنى لها. تضاءل العملاق القديم فتمنيت أن أحتضنه وأبكي.
غامت عيناي، فدفعته برفق:
- حديثنا سيوقظ إخوتي. نم أنت، ولن أغادر مكاني حتى أطمئن إلى انصراف الرجل.
أيقظني أبي لصوت يتصاعد من نافذة المطبخ.
قال: إنهم يتسلقون المواسير. وأصر أن يتقاضى محصل الكهرباء نقوده من شراعة الباب. وأعلن قلقه لما تأخر شاكر عن العودة من المدرسة. وزاد من تأكده -ليلا- إلى إغلاق الباب والنوافذ بإحكام.. ولمحته يوماً - يقلب فى حقيبة نافع. أعاد الحقيبة إلى موضعها وهمس كالمتعذر:
- لا بد أن أحتاط.
لما صحوت كانت الشمس قد ملأت الدنيا. هدني النقاش مع أبي فنمت. كان إخوتي قد انصرفوا إلى مدارسهم، وران على الشقة هدوء. اتجهت بتلقائية إلى غرفة أبي.
كان مكورا في الأرض على جنبه، وعيناه مبحلقتان في سكون جامد، غريب.
................................
*من مجموعة "هل"، لمحمد جبريل، مختارات فصول.
د. حسين علي محمد
09-02-2008, 09:11 PM
ماذا تعني الموهبة؟
بقلم: محـــــمد جــــــــــــــــبريل
.........................................
يغيظني إصرار البعض علي أن يكون تعامله مع الآخرين بالأرقام والمسطرة والبرجل والتصورات المسبقة التي يشغله ألا تخرج عن أطر حددها.
جعلت المساء همها -منذ يومها الأول- أن ترعي المواهب الحقيقية. بصرف النظر عن الأيديولوجية. أو المجاملة أو الميل إلي التجريب من عدمه ما يستحق النشر فهو ينشر. وقدمت المساء إلي الحياة الثقافية عشرات الأسماء. هي الآن أهم رموزنا الإبداعية.
ثمة من تصور أنه يستطيع أن يصنع مجداً شخصياً بتقديم من يعانون نقص -أو غياب - ملكة الإبداع. يجعل منهم مريدين يدينون بالولاء للقطب. هذا هو التصور لم يخطر في بال صاحبه أن التطبيق قد لا يأتي في مدي تصوره. وهذا ما حدث بالفعل: اختلط الحابل بالنابل. والحقيقي بالزائف. وشحب الصوت الجاد في زعيق الأصوات المفتعلة. ونشطت نظرية قتل الأب كأقوي ما تكون. ومن كان يعجب بتحطيم اللغة -هذا هو التعبير الذي بصقه الكاتب ببساطة في برنامج التليفزيون- وبالتركيز علي الشاذ الذي لا يعدو هوامش معيبة في حياتنا. راعه تخلق فرص النشر والترجمة من قبل هيئات يشغلها الإساءة لهويتنا وثقافتنا المعاصرة. فهي ترصد الجوائز لمن يكتب وفق شروطها. بداية من رفض اليقين الديني وانتهاء بزنا المحارم. مروراً بالاقتصار علي تدني وضع المرأة والحساسيات الطائفية والعلاقات الجنسية الصريحة والتفكك الأسري وحياة المهمشين وساكني العشوائيات والقوادين والمومسات وغيرها من الظواهر التي لا تخلو منها المجتمعات المتقدمة قد تشكل جزءاً من الصورة. لكنها ليست كل الصورة فضلاً عن أن الفنان الذي يمتلك موهبة حقيقية يرفض التقريرية والمباشرة.
أذكر أن عدداً من أدباء الستينيات حاولوا محاكاة إبداعات الرائد محمد حافظ رجب -وهي محاولات جادة. وذات قيمة فنية عالية - فتصوروا أن الإبداع الذي يستحق القراءة. لابد أن يتسم بالغموض. وكما تري. فقد تلاشت كل تلك المحاولات المقلدة. وغاب أصحابها. ولم يعد إلا الفن الحقيقي.
الفن إضمار. لكنه الإضمار الذي يوميء بالدلالات والمعاني. وهو ما لم يفطن إليه الباحثون عن الطريق السهلة. أو فاقدو الموهبة وهو كذلك ما لم يضعه في اعتباره ذلك الذي شغله البحث عن القطبية. فلم يعن إن كان المريدون علي فهم وأصالة فنية. أم أنهم مجرد استكمال لصورة متخيلة؟!
لسنا -بالتأكيد- ضد حرية الفن. لكننا نرفض أن يتحول الفنان إلي "مقصدار" يكتب ما يمليه الزبون!
هامش:
يقول سارتر: ليس العمل الأدبي بجميل قط. ما لم يستعص علي نحو ما علي الفنان إذا أخذ العمل الأدبي صورته دون تعمد من مؤلفه. وإذا تخلصت الشخصيات من رقابة المؤلف. وتصرفت بحرية لم يتدبرها. ولا يتوقعها. وإذا جري القلم بكلمات هي بالنسبة للكاتب نفسه أقرب إلي المفاجأة. فإنه يكون -حينئذ- قد أنتج أفضل أعماله.
...........................................
*المساء ـ في 19/7/2008م.
د. حسين علي محمد
11-22-2008, 07:14 PM
من المحرر:
التماثيل المكسورة
بقلم: محمد جبريل
.........................
لصديقي الناقد الراحل رجاء النقاش عبارة تقول: نحن نحب التماثيل المكسورة. الجملة في سياق الحديث عن الشخصيات التي تبلغ مكانة - تستحقها - فيصر البعض علي الاساءة إليها بملاحظات يراها هو وحده دون الآخرين وتسيء إلي ابداعات وانجازات اسهم بها مصريون حقيقيون.
نحن نجد التعبير عن مصر المعاصرة في رموز تبدأ بحسن العطار والطهطاوي وتتواصل في عرابي والنديم وقاسم أمين وسعد زغلول وطلعت حرب وطه حسين والعقاد ومشرفة ومحمود سعيد ونجيب محفوظ وسيد درويش وجمال عبدالناصر ويوسف ادريس وجمال حمدان وأم كلثوم ومحمد رفعت وعبدالوهاب وعشرات غيرهم اضافوا إلي بلادنا فاستحقوا أن يكونوا تعبيرا عن مصر رموزا لها انهم التجسيد لتاريخنا المعاصر ولأن الرمز هنا بشر فلعله من الخطأ ان انشد فيه الكمال السوبرمان الذي يقتصر علي الفعل الايجابي ولايخطيء.
لكي أوضح رأيي فثمة اتهام للطهطاوي بأنه كان ينتمي إلي الأرستقراطية المصرية بامتلاكه مساحات هائلة من الأراضي الزراعية مقابلاً لمؤلفاته التي تدعو إلي الاستنارة والتقدم وحرية المرأة وبالطبع فإن وضع الطهطاوي الاجتماعي لم يحل دون ان يضيف إلي فكرنا القومي والاجتماعي معالم ايجابية مهمة.
أما صلة أحمد شوقي بقصر الخديو فهي لا تلغي أهميته كأهم شعراء عصره وأنه قد اضاف إلي الثقافة المصرية والعربية باختياره أميرا للشعراء العرب والأمثلة كثيرة.
الرمز. المعلم. الرائد والموجه هو الذي تتسق كلماته وتصرفاته لكننا - في الوقت نفسه - لابد ان نقدر الضعف الانساني الذي قد يهبط بالخط البياني دون ان يخل بتصاعده النهائي نحن نعتبر المتنبي أهم الشعراء العرب رغم الاتهامات التي ملأت كتابا في مئات الصفحات عنوانه "الإبانة عن سرقات المتنبي"!
ونحن نعجب بأعمال جان جينيه. نعزلها عن حياته الخاصة ولعلنا نذكر رد جينيه علي تشبيه سارتر له بالقديس بأنه ليس ذلك القديس إنما هو انسان محمل بالخطايا!
يحقق الرمز مكانة ممتازة يستحقها لكن البعض يأبي إلا ان ينال من هذه المكانة بنقائص يخترعها خيال مريض ونأسف للإساءة - بلا سبب - إلي الرموز المهمة في حياتنا عدا الرغبة في رؤية التماثيل المكسورة!
نتحدث عن قيمة مهمة في حياتنا نبدي تقديرنا لاسهاماته يطالعنا من يثني علي أحاديثنا لكنه يضيف كلمة "ولكن" ويتبعها بما يكسر التمثال ويجعل من معني "الرمز" أمنية مستحيلة!
.................................................. ...........
*المساء ـ في 22/11/2008م.
د. حسين علي محمد
11-22-2008, 07:15 PM
روائي بالبراشوت!
بقلم: محمد جبريل
.....................
في زمن تتصور فيه الماعز أن لها صوتاً مطرباً. ولا يحاول من يعاني لحمية الأنف أن يعالج نفسه قبل أن يكتسب صفة المغني. ويتحول البهلوان إلي نجم سينمائي تدين له أدوار البطولة. ويتصدي لقضايا الدنيا والآخرة صاحب المعرفة الدينية التي لا تزيد عن قصار السور..
في هذا الزمن الذي اختلط فيه الحابل بالنابل. والصحيح بالزائف. لا يبدو مستغرباً أن يهبط علينا بالبراشوت من لا نعرفه. فيقدم نفسه باعتباره روائياً يستحق المكانة الأهم بين المبدعين الحقيقيين!
أين كان؟ لا أحد يدري! أما لماذا فاجأنا بظهوره. فالسر كما تري في ظاهرة السداح مداح التي نواجه أسوأ سلبياتها.
طالعتنا المجلة الثقافية العربية بحوار مطول مع هذا "الروائي" وأضع الصفة بين مزدوجتين فزكي نفسه بما يرفضه احتراماً للنفس أديباً في مكانة الشاروني أو بهاء طاهر والشيخ ومطر وشوشة وصنع الله وأبوسنة وفياض وغيرهم من رموزنا المبدعة.
ظني أن "الروائي" هو الذي كتب الأسئلة والأجوبة مع تقديري لمن وضع اسمه في نهاية الحوار فأجري تقييماً للأجيال المختلفة. وأطلق الأحكام الغريبة والمتعسفة. ثم وضع نفسه في موضع الصدارة!
سألت عدداً كبيراً من الأصدقاء إن كانوا يعرفون هذا الروائي المفاجأة. فأجابوا بالنفي. وأنهم لم يقرءوا شيئاً من إبداعات الروائي الهابط بالبراشوت. حتي الصفة الموازية التي قدم بها نفسه. وهي الأستاذية في الجامعة. لم نتعرف إليه فيها. من خلال متابعات للحياة الأكاديمية. ولحياتنا الثقافية والإبداعية بعامة.
إنه روائي مهم من اللحظة التي قرر فيها أن يهب نفسه هذه الصفة. وهي لحظة تجاوز فيها بلا مبرر موضوعي مئات المبدعين الذين يمتلكون الموهبة. ويعانون التعبير والتوصيل.
اختار كاتب الحوار أن يبدأ من حيث انتهي الآخرون. أو من حيث آخر محاولاتهم. ودس نفسه بين مبدعين حقيقيين من حقهم بإبداعات قرأناها لهم أن يطمئنوا إلي مكانتهم في إبداعنا العربي.
ذكرني الحوار الذي اختار صاحبه لنشره مجلة عربية محترمة. بحكاية أشعب والأولاد حين ضايقوه بمعاكساتهم. فحدثهم عن حفل قريب. وبعد أن جري الأولاد ناحية موضع الحفل. قال أشعب لنفسه: ربما هناك حفل بالفعل. ومضي وراء الأولاد!
لكن حياتنا الثقافية المصرية رغم كل سلبياتها تحفل بالمبدعين والنقاد والقراء المتابعين الذين يجيدون التعرف إلي تكوينات الصورة. وما عرفته بإلحاح السؤال أن أديبنا المجهول لا مكان له حتي خارج إطار الصورة.
...............................
*المساء ـ في 9/8/2008م.
د. حسين علي محمد
11-22-2008, 07:15 PM
من المحرر:
«الرواية مرآة المجتمع»
بقلم: محمد جبريل
.......................
العمل الفني -في تقدير كورييه- وثيقة اجتماعية. والرواية- كما يصفها بيرسي لوبوك "صورة للحياة" وهي في تقدير ارنست بيكر "تفسير للحياة الإنسانية من خلال سرد قصصي نثري" وهي -كما يقول ستاندال- "مرآة تسير في الشوارع".
وهي -في بعض التعريفات- انعكاس مدرك وواع للواقع الموضوعي والروائي -في وصف الأرجنتيني ارنستو ساياتو" رجل سياسة فهو يعكس الوجدان العام وهذه هي السياسة" ويقول جراهام هو: "إن أي نقد للرواية يهمل روابطها بالواقع التاريخي هو نقد يزيف القيم الحقيقية للرواية. هو نقد يفرغ ما يجب أن يكون ملآن" بل إن ميشيل بوتور- وهو من رواد الرواية الجديدة- يري أن "الرواية هي أداة بحث". وهو رأي -كما تري- إلى جانب اجتماعية الرواية. وليس ضدها ومع أن ماريو فارجاس يوسا معجب بالإبداعات المحلقة في الفانتازيا لبورخيس فإنه لم يجد في عالم بورخيس انفصالا عن الحياة أو عن السلوكيات اليومية ويؤكد يوسا أنه ما من عمل قصصي أدار ظهره إلي الحياة. أو كان عاجزا عن إلقاء الضوء علي الحياة قد حقق البقاء مطلقا بل إن التجديد في التقنية والأسلوب لا يعني إهمال البعد الاجتماعي في الفن حتي الواقعية السحرية التي تزخر بالغرائبية. ليس فيها سطر واحد ـ علي حد تعبير جارثيا ماركيث ـ غير قائم علي أساس من الواقع إن إبداعات ماركيث ويوسا واراجيدس وفوينتيس وبورخيس وغيرهم تعري الواقع السياسي والاجتماعي الذي تحياه بلادهم بالإضافة إلي الأزمات التي يعانيها العالم جميعا أما القول بأن البعد الاجتماعي للأدب قد أصبح في ضوء النظريات النقدية الحديثة -علي هامش الفكر النقدي. وأن الرواية الاجتماعية الواقعية ـ تحديدا ـ فقدت ملامحها بسبب تيار الحداثة. ففقد الأدب قراءه بالتالي. فهو يحتاج إلي مراجعة وإذا كانت الرواية ـ في تقدير الكثير من المبدعين والنقاد المحدثين ـ بناء اختلاقيا. إبداعا. وليس مجرد مرآة تعكس صورة الواقع فإن ذلك لا يلغي أن الفترات- منذ ظهور الرواية كنوع أدبي. والقصة القصيرة كنوع آخر تال للرواية ـ ينطبق عليها- إلي حد بعيد- مقولة "الرواية مرآة المجتمع". نحن نجد تطبيقا لذلك في أعمال الواقعيين الطبيعيين. وكتاب الواقعية باختلاف مراحلها. والأمثلة لا تعوزنا وبتعبير محدد فإن القول بأن البناء الروائي ليس مجرد مرآة تعكس صورة الواقع لا ينسحب علي تاريخ الرواية في إطلاقه لا ينسحب علي تاريخ الرواية جميعا بل إنه علي الرغم من أن التيارات الأدبية والنقدية الحديثة تري أن غرض الرواية ليس وصف المجتمع فإن الأدب- كما تذهب تلك التيارات- "أصبح في بعض الحالات. التعبير الحقيقي الوحيد فعلا. إن لم يكن المباشر عن مشكلات المجتمع الملحة".
.....................................
*المساء ـ في 16/8/2008م.
د. حسين علي محمد
11-22-2008, 07:16 PM
من المحرر:
مولد نجيب محفوظ
بقلم: محمد جبريل
.....................
في كتابي "نجيب محفوظ.. صداقة جيلين" أشرت إلي خطأ فرضته النقلية في حياتنا عن الرواية الأولي لمحفوظ في مرحلة الواقعية الطبيعية الاجتهادات النقلية هل تستحق صفة الاجتهادات؟! تري أن "القاهرة الجديدة" هي الرواية الأولي. ثم تأتي "خان الخليلي" وبقية الروايات والحقيقة أن "القاهرة الجديدة" هي الأسبق في روايات الواقعية الطبيعية لمحفوظ تلت رواياته الثلاث التي وظفت التاريخ الفرعوني.
كان فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل إشارة البدء ليكتب عنه كل من جعل الكتابة حرفته أو هوايته قرأنا ما نعرف وما لا نعرف عن أدب محفوظ وحياته ما ينتسب إلي الحقيقة وما اخترعه خيال الكاتب ثمة من قرأوا لنجيب محفوظ أعماله الأولي وأعجبوا بها وعرفوا مدى خطورة الفنان وثمة من أقدموا علي الكتابة لمجرد المشاركة في "المولد"!
طالعتنا كتابات تتحدث عن "القاهرة القديمة" باعتبارها الرواية الأولي لمحفوظ في مرحلة توظيف التاريخ الفرعوني و"القاهرة القديمة" كما تعلم ترجمة لدراسة قصيرة عن مصر الفرعونية وتحدث كاتب عن إعجابه برواية محفوظ "نور الصباح" ولم تصدر للرجل رواية بهذا الاسم وخلط البعض بين "أولاد حارتنا" و"حكايات حارتنا". ولأن بعض دور النشر الأجنبية ترجمت رواية "أولاد حارتنا" باسم "أولاد الجبلاوي" فقد كتب غالبية المترجمين الصحفيين اسم الرواية الأجنبي. وغاب عنهم الاسم العربي الصحيح للرواية..
والأمثلة كثيرة..
مناسبة هذه الكلمات ما قرأته هذا الأسبوع في زميله صباحية عن "القاهرة الجديدة". وأن الاسم الذي اختاره لها الفنان عند كتابتها هو "فضيحة في القاهرة". ولأسباب رقابية كما قال كاتب المقال استبدل بالاسم "القاهرة الجديدة". والواقع أن العكس هو الصحيح. فلا أسباب رقابية ولا يحزنون. إنما هي أسباب تخص يوسف السباعي المشرف علي الكتاب الذهبي آنذاك والذي وجد أن اسم "فضيحة في القاهرة" قد يكون أكثر تشويقاً!
وإذا كان تحويل صلاح أبوسيف اسم رواية محفوظ إلي "القاهرة 30" شأناً يخص أبوسيف باعتبار أن العمل الأدبي وحده هو مسئولية الروائي. فإن تحويل الاسم في الكتاب إلي "فضيحة في القاهرة" خطأ شارك فيه محفوظ بالموافقة. لأن عنوان العمل الأدبي شأن المؤلف وليس شأن الناشر. ولم يكن محفوظ في حاجة إلي التغاضي، أو صمت المجاملة. لأن مكانته الروائية كانت قد ترسخت بصدور الثلاثية. ثم بالانتشار الكاسح لزقاق المدق في طبعة الكتاب الذهبي.
سئل نجيب محفوظ في حوار صحفي: ما السؤال الذي لم يوجه إليك. قال محفوظ: هذا السؤال!.
والحق أن الصحف نشرت للرجل قبل نوبل وبعدها آلاف الحوارات وكتبت عنه آلاف الدراسات والمقالات. وصدرت مئات الكتب. مع ذلك فإن النقلية مرض يكاد يكون متوطناً في حياتنا الثقافية. وغالباً فإن المعلومة غير الصحيحة. تجد من يعتمد عليها. لمجرد الاستسهال. ودون تدبر لما قد ينطوي عليه هذا التصرف من نتائج سلبية!
..............................
*المساء ـ في 30/8/2008م.
د. حسين علي محمد
11-22-2008, 07:16 PM
من أروع ما كتب محمد جبريل .. هذه القصة القصيرة
.................................................. ..............
تكوينات رمادية
بقلم: محمد جبريل
.....................
مددت يدي بعفوية، وأضأت النور. كنت قد صحوت على أذان الفجر يتناهى من المرسي أبي العباس.
أطلت التحديق في الظلام السادر أتبين الشبح الواقف وراء النافذة، يتطلع إلى الطريق. بدت المفاجأة في ملامح وجهه أقرب إلى الخوف، وربما الفزع. هلل بيديه فأطفأت النور:
قلت وأنا أزيح الغطاء عن جسدي:
- هل تنوي صلاة الفجر في المسجد؟
قال في همس منفعل:
- أي صلاة؟! وهل يتيح لي الملاعين أن أصل إلى المسجد؟!
فطنت إلى ما يعنيه. حدثنا -إخوتي وأنا- عن متاعب -لا يدري بواعثها- بدأت إدارة الشركة تواجهه بها حين أعلن رغبته في التقاعد، الخواجــة ليفي (سافر فيما بعد إلى إسرائيل، ضمن الأفواج الأولى لليهود المصريين) أظهر قلقاً واضحاً. تمعن في وجه أبي كأنه يستوضح نواياه.
قال وهو يتظاهر بترتيب الأوراق على مكتبه:
- أرى صحتك ممتازة.. فلماذا تتقاعد؟
سعل أبي - بالتذاكر- وأسند راحة يده إلى صدره:
- هدني الربو.. ولا بد أن أنفذ نصيحة الطبيب بالراحة التامة!
- اكتف بالعمل معنا.. وأعدك بزيادة راتبك
- صدقني مطلبي الراحة وحدها!
- روى أبي ما حدث، دون أن يشير إلى ملاحظة ما. لكنه في الأيام التالية- حدثنا عن الأوراق التي اختفت من مكتبه، والبرود القاسي في معاملة الخواجه ليفي ومعاونيه، واعتذار الصراف بالمرض حتى لا يتقاضى راتبه. علا الإيقاع، وبدت التطورات مثيرة عندما فاجأني أبي -ونحن حول الطبلية ننتظر عودته- بخطوات متعجلة، ووجه يكسوه قلق واضح. وضع الصحيفة وكيس البرتقال على المائدة، وعاد إلى الباب يستوثق أعلى السلم، مما رآه.
لم أكن قد رأيت أبي في تلك الصورة من قبل. تنقل بعينين مرتعشتي الأهداب، بين باب الشقة والنافذة المطلة على المنور، ولوحة الكانفاه المعلقة في الجدار، وحركة مفيدة داخل المطبخ تعد الطعام، ونظراتنا القلقة، والقط السيامي الذي أقعى تحت الطبلية.
غلب التوتر محاولته لعناق السكينة. جلس على الكنبة (الاستامبولي). أطال التحديق في اللاشيء حول نفسه، وتحركت شفتاه بكلمات لم ينطق بها.. أزاح له نافع وشاكر مكاناً بينهما، فجلس. أمسك بيديه طرف الطبلية، كأنه يهم بقلبها:
- هل رأيتم ما رأيت؟
تطالعنا بأعين متسائلة:
- الخواجه ديفيد - مساعد ليفي، يختبئ في بئر السلم.
قلت في ضيق:
- ولماذا تتصور أنه يختبئ؟ ربما يريدك في أمر ما؟
– أنت لا تفهم شيئا.. منذ أيام أتابع تنفيذ المؤامرة.
– ضد من؟
– ضد أبيك!
أغضبه -وإن لم يعلن- تنهيدة أخي نافع غير المصدقة.
استطرد وهو يهش -بعصبية- ذبابة حطت على أنفه:
- صدري مليء بالأسرار.. وهم يخشون أن أذيعها.
تغلف صوته بحشرجة قاسية:
- لقد قرروا قتلي!
لزم أبي البيت، بعد أن تسلم مكافأته. يكتفي بالتنقل بين غرفته والصالة، ويشغل نفسه بمراجعة قواميس الإنجليزية والفرنسية، ويدون جملاً وملاحظات..
لمجرد الرغبة في قطع الصمت الذي كان يعمقه مضغ أفواهنا للطعام، سألت أبي:
- لقد تقاعدت عن مهنة الترجمة.. فلماذا تقسو على نفسك بالمذاكرة؟
قال في استغراب:
- التقاعد لا يعني أن أهجر اللغة.
وعلا صوته في تغيير مفاجئ:
- إذا نسيت اللغة، نسيت كل ما أعرفه من أسرار.. وهذا ما لن أمنحه لهم؟
وصرخ في نظرتي الداهشة:
- أنت لا تفهم شيئاً.. لم تعد حياتي تهمني.. المهم أن أرد المؤامرة!
تغيرت حياتنا. خطوات أبي الزاحفة بين غرفة النوم والصالة، تخوفه الواضح من رنين جرس الباب، تطلعه القلق -في لحظات متقاربة- من خصائص النافذة.. شروده الساهم وحديثه المفاجئ إلى نفسه أحياناً. لم يعد تشغله المذاكرة، أو مشكلاتنا الشخصية. تناسى حرصه -منذ وفاة أمي- بدس الساندويتشات في حقائبنا كل صباح قبل أن نغادر البيت. شاع حولنا ضباب غير مرئي، وغلب التوتر على تصرفاتنا وقال نافع:
- ينقصنا حفل زار لنعيد هذا البيت إلى سابق عهده!
في تلك الليلة، صحوت على حركة أبي خلف النافذة.
أطفأت النور، وأزحت الغطاء عن جسدي. حاولت أن أهبط إلى الأرض برفق، فلا يصحو إخوتي. أحس بصدري خلف ساعده، فقال في صوته الهامس، يشير إلى المجهول من خصاص النافذة المغلقة:
- هذا الذي يقف تحت عمود النور.. إنه الخواجه ليفي نفسه!
قلت وأنا أحدق في الرجل الغائب الملامح:
- هل البالطو الأصفر مما يرتديه الخواجه ليفي؟!
- أنت لا تفهم شيئاً.. (أنهم) يحسنون إخفاء أنفسهم..
لكن هذا الواقف هو الخواجه ليفي بعينه!
أحسست -لخوف أبي- بإشفاق. بدا مهدوداً ومتحيراً ولا يقوى على التصرف. ذلك الذي يقف تحت عمود النور كان ينتظر سيارة العمل. رأيته مرات من قبل وأنا أطل بعفوية من النافذة، الأرق يعقب تناهي الأذان من أبي العباس، أو ابتهالات ما قبل الصلاة. لكن البريق الذي التمع في عيني أبي، بما هو أكبر من الخوف، كأنه يرى الموت، جعل السؤال سخافة لا معنى لها. تضاءل العملاق القديم فتمنيت أن أحتضنه وأبكي.
غامت عيناي، فدفعته برفق:
- حديثنا سيوقظ إخوتي. نم أنت، ولن أغادر مكاني حتى أطمئن إلى انصراف الرجل.
أيقظني أبي لصوت يتصاعد من نافذة المطبخ.
قال: إنهم يتسلقون المواسير. وأصر أن يتقاضى محصل الكهرباء نقوده من شراعة الباب. وأعلن قلقه لما تأخر شاكر عن العودة من المدرسة. وزاد من تأكده -ليلا- إلى إغلاق الباب والنوافذ بإحكام.. ولمحته يوماً - يقلب فى حقيبة نافع. أعاد الحقيبة إلى موضعها وهمس كالمتعذر:
- لا بد أن أحتاط.
لما صحوت كانت الشمس قد ملأت الدنيا. هدني النقاش مع أبي فنمت. كان إخوتي قد انصرفوا إلى مدارسهم، وران على الشقة هدوء. اتجهت بتلقائية إلى غرفة أبي.
كان مكورا في الأرض على جنبه، وعيناه مبحلقتان في سكون جامد، غريب.
................................
*من مجموعة "هل"، لمحمد جبريل، مختارات فصول.
د. حسين علي محمد
12-15-2008, 06:26 PM
محمد جبريل.. وقضية الانتماء
بقلم: مؤمن الهبّاء
.........................
إذا قصدت متعة السرد الروائي الفني فعليك بمحمد جبريل.. وإذا قصدت حبكة الإبداع القصصي وإبهاره فعليك بمحمد جبريل.. وإذا قصدت المتابعة النقدية النافذة فعليك بمحمد جبريل.. وإذا قصدت الدراسة البحثية الجادة فعليك - أيضا - بمحمد جبريل.
إنه عالم متكامل. ومؤسسة شاملة. متعددة النوافذ. من أي زاوية نظرت حصلت علي مبتغاك.. متعة وثقافة وعلم.. ومن دواعي فخرنا. نحن أسرة المساء. أن هذا الفنان المبدع خرج من بيننا. وينتمي إلي قبيلتنا.
رأيته أول مرة في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي. كان عائدا لتوه من رحلة عمل طويلة في عمان.. تناقشنا كثيرا. وتشاكسنا. اختلفنا واتفقنا. وحين أراد أن يحسم الجدل أهداني روايته الثانية. المبهرة. "إمام آخر الزمان". فالتهمتها في يوم. أو بعض يوم. ومن يومها لم أفقد أبدا إيماني بموهبته. واحترامي لقلمه ودأبه وجديته.
وكلما أوغل في الكتابة وأوغلت في قراءته زاد إيماني به واحترامي له.
ولا أستطيع أن أنكر انحيازي لأدب محمد جبريل. خاصة ما يتعلق منه بتوظيف التراث مثل "إمام آخر الزمان" و"من أوراق أبي الطيب المتنبي" و"قلعة الجبل" و"رباعية بحري" و"ما ذكر من أخبار عن الحاكم بأمر الله". فهذه الأعمال تجد في نفسي هوى. ربما لأنها توقظ الماضي. وتبعث فيه الروح. فيتحول بروح الفنان إلي مستقبل. وفي ذلك وصل لحلقات أدبنا وحياتنا. ولقاء بين الأصالة والمعاصرة. وهذا - في زعمي - هو الطريق الصحيح لتطوير أدبنا. بل لتطوير حياتنا كلها.
التطوير لن يأتي من الخارج .. ولن يهبط علينا من السماء وإنما هو عملية مستمرة. متواصلة أطرافها. يرتبط فيها الماضي بالحاضر والمستقبل. ونحن نعيشها ونتفاعل فيها.
ودراسات محمد جبريل لا تنفصل عن إبداعه.. هي في الحقيقة إبداع آخر. بطعم آخر. تدهشك فيها قدرته الهائلة علي الصبر. ودقته في التحري والاستيفاء. ناهيك عن سعة الاطلاع. والاستنتاج المنطقي. تلحظ ذلك في سفره الرائع "مصر في قصص كتابها المعاصرين" و"مصر المكان" و"قراءة في شخصيات مصرية" و"مصر من يريدها بسوء".
لعلك لاحظت - مثلي - أن مصر تتردد كثيرا في كتابات جبريل. مثلما تتردد في رواياته. من خلال الإسكندرية مسقط رأسه وعشقه الدائم. وأيضا من خلال الموروث الشعبي الذي يتناثر كحبات اللؤلؤ في 18 رواية و90 قصة قصيرة قدمها للمكتبة العربية حتي الآن.
إنه متيم بهذا الوطن. مسكون ببحره ونيله وطينه. بأحيائه الشعبية وحاراته وأزقته. بجوامعه وأضرحته وموالد الأولياء والكنائس والزوايا. وليالي رمضان والتواشيح والأعياد والأسواق. بعبق البخور والمجاذيب والدجالين والشحاذين.. هو يكتب عن ذلك كله ليكشف لنا عن حقيقتنا. عن مواطن الضعف ومواطن القوة في شخصيتنا. التي عاش عمره مهموما بها.
وكم كان رائعا أن تتذكر الهيئة العامة للكتاب بإشراف د. ناصر الأنصاري كتاب "مصر في قصص كتابها المعاصرين" لمحمد جبريل لتعيد إصدار الجزء الأول منه هذا العام في سلسلة "مكتبة الأسرة" التي تحظي برعاية السيدة الفاضلة سوزان مبارك. فتتيحه بسعر ميسر للقاعدة العريضة من القراء الذين يتابعون هذه السلسلة. ويعتبرونها نافذتهم علي الثقافة الحقيقية والجادة.
والكتاب عبارة عن دراسة ضخمة. لكنها ممتعة. وقد نشرت لأول مرة في أواخر السبعينيات من القرن الماضي. ونال عنها محمد جبريل جائزة الدولة التشجيعية في النقد. وفيها يتناول العديد من الأعمال القصصية والروائية لرواد السرد العربي أمثال طه حسين والعقاد ويحيي حقي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ويوسف الشاروني. بالإضافة إلي رفاق دربه من كتاب الستينيات. فيرصد تناولهم للمجتمع المصري بكافة تقلباته عبر تاريخه الحديث من زاوية إبداعية بحتة. تدعمها رؤية اجتماعية وسياسية مدققة.
يقع الكتاب في مجلدين. ومجموع صفحاته 1370 صفحة. وهو بذلك ينتمي إلي الأعمال الموسوعية الخالدة. ممتدة المفعول. فقد حاول جبريل أن يقدم لنا تاريخ مصر من خلال مضامين الروايات والقصص. باعتبار أن الأدباء هم ضمير أمتهم. ونبض حركتها التاريخية في مواجهة الأحداث.
بقيت همسة للمثقف الواعي د. ناصر الأنصاري أناشده فيها بسرعة إصدار الجزء الثاني من هذه الدراسة القيمة. التي أظنها أول محاولة في تاريخنا لتأصيل علم الاجتماع الأدبي. وأول تجربة جادة لتعميق الانتماء لدي الأجيال المثقفة بالعلم والأدب. وليس بالأغاني السطحية والهتافات الزاعقة.
..............................
*المساء ـ في 15/12/2008م.
ريمه الخاني
12-15-2008, 09:27 PM
اسجل حضوري وقراءتي لبعض نصوص استاذنا القيمه
كل التقدير
د. حسين علي محمد
03-14-2009, 09:58 PM
شكراً للأديبة الأستاذة
ريمة الخاني
على المُشاركة،
مع تحياتي
د. حسين علي محمد
04-01-2009, 09:46 AM
لغتنا الجميلة
بقلم: محمد جبريل
........................
لعلنا نتفق علي أن لغتنا الجميلة ليست في أفضل حالاتها وسوء الحال ليس مرجعه اللغة في ذاتها فستظل رغم كل محاولات النيل منها لغة جميلة.
ثمة العديد من الجمعيات التي أخلصت لمناصرة العربية والدفاع عن قضاياها ومشكلاتها وما تواجهه من محاولات لإحياء لغات ميتة علي حسابها رغم تأكيد الموسيقار المصري الوطن. اليهودي الديانة داود حسني ان الخطر علي لغتنا الجميلة غير وارد لأنها لغة القرآن وستظل باقية ما بقي القرآن.
مجمع اللغة العربية هو المسئول الأول عن حماية لغتنا ليس بمجرد العبارات البليغة والإنشائية وتفسير الماء بالماء وانما بتطوير اللغة وتبسيطها وتقريبها من أذهان المتكلمين بالعربية.
قرأت مجلة المجمع وفي مكتبتي اعداد منها أتاح لي الحصول عليها صديقي الروائي الكبير الراحل محمد عبدالحليم عبدالله أعود إليها بين كل فترة قصيرة وأخري. أراجع بعض ما أجهله وما لا نعلمه كثيراً في فصحانا وأفتش عن جذور بعض المفردات والمعاني التي ربما تأثرت بتطورات العصر. الخ.
وإذا كان أفق المجلة محدودا حيث تتجه إلي القلة من العلماء والدارسين ومحبي اللغة فإن الآفاق يجب أن تمتد لتصل المجلة إلي مواطني العربية وبتعبير محدد فإن المجمع يجب أن يضع في أولوياته صدور ملاحق مستقلة أو مجلات لسوق القراءة تعني بتبسيط اللغة وتقريبها من ذهن القاريء العادي فيسهل عليه فهمها واستيعابها والتعامل معها باعتبارها لغة حية ومتجددة وليست مجرد لغة يقتصر تناولها علي علماء أجلاء في قاعات مغلقة فتغيب بلا سبب عن مجاراة العصر بإيقاعاته وتطوراته وأحداثه علي أن تكون هذه المجلة زهيدة السعر لتصل إلي العدد الأكبر من القراء.
من بين ما خلفه أبي قاموسا صغيرا بالمفردات العربية وما يقابلها من مفردات فرنسية أردت أن أعود إلي القاموس في وقت قريب لعمل ما.
بدت مفردات العربية علي حالها ما نسمعه ونقرأة ونكتب به. أما مفردات الفرنسية فقد تأثرت بتطورات الحياة واستبدل بها اصحابها مفردات أخري تعكس الثورات المتلاحقة التي يحياها العالم في مجالات المعلومات والفضاء والهندسة الوراثية والتكنولوجيا وغيرها.
هذا هو الدور الذي أتصور ان المجلة تتحرك في إطاره ولأن الدفاع عن لغتنا الجميلة هو حرص الصديق فاروق شوشة في أكثر من موقع بداية من برنامجه الإذاعي الأشهر إلي أمانة مجمع الخالدين مرورا باختياراته الموفقة لعيون الشعر العربي منذ الجاهلية فإن الأمل يتجه لتصدر هذه المجلة عن المجمع تأكيدا علي ما تتضمنه لغتنا الجميلة من جماليات وحرص علي ملاحقة تطورات العصر.
وظني ان الأمر لن يقتصر علي المعلومات اللغوية من املاء ونحو وصرف وانما يشمل كل ما هو مفيد من قصص اللغويين والنحاة وطرائف اللغة والمقارنات بينها وبين اللغات الأخري وتسليط الضوء علي أهم علمائها في توالي العصور بحيث يقبل المتخصص والقاريء العادي علي اقتنائها.
...........................................
*المساء ـ في 14/3/2009م.
د. حسين علي محمد
04-01-2009, 09:47 AM
هل زينب هي أول رواية مصرية؟
بقلم: محمد جبريل
....................
يذهب محمود تيمور إلي أن رواية زينب لمحمد حسين هيكل هي "أول قصة مصرية كتبت علي النمط الغربي" فعهد زينب كان بدء تحرر الأدب من السيطرة العربية القديمة. واستلهامه من الأدب الغربي. أي بدء ظهور النفوذ الغربي في أدبنا العصري".. ويقول يحيي حقي: "من حسن الحظ أن القصة الأولي في أدبنا الحديث قد ولدت علي هيئة ناضجة جميلة. فأثبتت لنفسها أولاً حقها في الوجود والبقاء. واستحقت ثانياً شرف مكانة الأم في المدد منها والانتساب إليها. وإلا أين كنا نداري وجوهنا لو التف القماط علي خلقة دميمة مشوهة. تجد عذر غثاثتها. أنها من إنتاج قلم غشيم في الكار؟".. ولعلي أميل إلي رفض الرأي بتحديد البداية علي أساس فني. دون مبرر علي الإطلاق. بل إن أستاذنا يحيي حقي يسقط تماماً صدور أية محاولة سابقة لزينب. حين يحمد الله علي أن الوليد الأول [!] جاء مكتمل الصحة. ولا يعاني تشوهات خلقية. بينما صدرت قبل زينب الفصول السابقة دليلنا بضعة أعمال روائية تعاني السذاجة في مجموعها. لكنها تظل وثائق فنية لصورة المجتمع المصري في مطالع القرن العشرين.. ربما جاءت ذات خلق دميمة شوهاء. لكنها تنتسب إلي الفن القصصي. ولأنها تجارب أولي. فهي لابد أن تتسم بأخطاء التجربة وسذاجتها. بل إن أحداً لم يلتفت إلي زينب بالذات. إلا بعد أن أعيد طبعها عام 1929 "وعرف أنها لهيكل باشا. فأخذت أهمية في الأدب العربي الحديث. لمقام هيكل باشا. لا لما فيها من الفن".
إن كل المحاولات التي سبقت زينب. مثل حديث عيسي بن هشام وليالي سطيح. تنتسب في تقدير يحيي حقي إلي المقامة. وليس إلي فن الرواية. ومن ثم فإن زينب. حتي لو جاءت صورة شوهاء. كانت ستظل الأولي لعدة اعتبارات: إنها تخلصت من أسلوب المقامة. وتوخت السهولة والبساطة في العرض والتناول.. إنها أقرب في قضيتها إلي الرواية في أصلها الأوروبي.. إنها لجأت إلي العامية في الحوار. وإنها عالجت لأول مرة وضع المرأة في عمل روائي. إن لهيكل علي حد تعبير الكاتب فضلا في اتخاذ الريف والفلاحين موضعاً لأول رواية مصرية. وكما قلنا. فإن اجتهاد يحيي حقي غادر صفحات كتابه. ليصبح اجتهاداً أساسياً. أو مسلماً به. في كل الدراسات النقدية التالية.
فهل تعد زينب بالفعل أول رواية مصرية؟..
لقد كتب يحيي حقي دراسته في أثناء عمله بدار الكتب. وبالتالي فقد أفاد من كل المراجع التي تضمها الدار. وقدم لنا للمرة الأولي بعض الرواد من الأدباء الذين كانوا شبه مجهولين مثل عيسي عبيد وشحاتة عبيد وغيرهما من أدباء ما بعد زينب إن جاز التعبير ولم يبذل الجهد نفسه في دراسة البدايات الأولي التي تنفي أن زينب كانت هي الرواية الأولي. بحيث توضع رواية هيكل في موضعها المتأخر نسبياً بين المحاولات الروائية المصرية الأولي. وينقذ أصحاب تلك المحاولات من الاهمال غير المبرر. فلا يغيبون عن الدراسات التي تؤرخ للرواية المصرية منذ بداياتها.
إن دراسة "المتن" وليس الاعتماد علي اجتهادات سابقة. هو ما يهب البحث العلمي قيمته الحقيقية. وأحري بنا في هذا الإطار أن نعيد دراسة كل الأعمال الروائية المصرية الرائدة دون التقيد باجتهاد مسبق ليمكن أن نجيب عن السؤال: هل زينب هي أول رواية مصرية.
.................... ............
*المساء ـ في 8/2/2008م.
د. حسين علي محمد
04-01-2009, 09:48 AM
الهوية المعمارية لمدينة القاهرة
بقلم: محمد جبريل
..................
الحريق الذي شب- مؤخراً- في بناية أثرية بشارع رمسيس. يعيد إلي الأذهان قضية- أو لنقل مشكلة- تناسيناها. وسط هموم حياتنا اليومية. وهي مشكلة الهوية المعمارية لمدينة القاهرة. أو كما يسميها المصريون "مصر المحروسة".
منطقة القاهرة الخديوية. ما بين ميدان التحرير وميدان رمسيس. وزاوية المثلث في ميدان العتبة. هذه المنطقة تضم بنايات موحدة الطابع في معظمها.. وكان ذلك الحرص حين بدأت عمليات الانشاء في عهد الخديو إسماعيل. ثم من بعده الخديو عباس- أتجاوز "توفيق" لأنه كان مشغولاً بعمالته للإنجلتز- الذي روت زوجته الأميرة جويدان عن إشرافه الشخصي علي العمارات المنسوبة إليه حتي اكتمال بنائها.
تصورت امتداد هذه المنطقة. توسيعها. من خلال استراتيجية الإحلال والتبديل. ليظل الطابع المميز هو السائد في وسط القاهرة. لكن المنطق العشوائي ظل يفرض نفسه. مجرد حوائط وجدران وأعمدة وأسقف. دون دلالة تاريخية أو جمالية أو تعبير عن خصوصية ما.
مخزن للسيور في داخل واحدة من هذه البنايات. وتطل علي الشارع الأهم في العاصمة. تسبب في حريق كاد- بفضل التقصير المعلن!- يدمر المنطقة كلها.
ما أسهل إهدار القوانين التي تحرم. وتجرم. لكن الصعب- بالفعل- هو تحويل تلك القوانين من مجرد مواد وأرقام وبنود إلي واقع فعلي. ليس بالتخويف العقابي. وإنما بتأكيد الحرص علي كل ما يعبر عن الهوية المصرية. والعمارة -بالطبع- في مقدمتها.
المثل المصري يتحدث عن اختلاط السمك واللبن والتمر هندي. بمعني الظواهر السلبية التي تسود حياتنا. فلا اتفاق علي الحد الأدني من الحرص علي التراث الحضاري والذوق الجمالي وحين بدأ تمليك الوحدات السكنية- ربما من أوائل السبعينيات- فقد كان المأمول ان يهب هذا الأسلوب احساساً بالملكية في نفوس الملاك الجدد. وكان غالبيتهم من أبناء الطبقة الوسطي الذين يتعرفون إلي التمليك للمرة الأولي. بحيث يؤدي هذا الاحساس إلي الحرص علي الملكية ومقوماتها البنائية والجمالية. لكن النتائج أفضت إلي عكس المأمول تماماً. فصاحب الشقة- حتي لو كانت حجرات قليلة في بناية هائلة- يتصرف في شقته كأنها جزيرة لا شأن لها بما حولها.
وعلي الرغم من إقامة اتحادات للملاك. فإن الظواهر السلبية تزداد تفاقماً ولعلي أدعوك إلي مشاهدة أية بناية حديثة مملوكة لعدد من المواطنين. لا نافذة مشابهة للنوافذ الأخري. وثمة شرفة بامتداد مساحة الشقة. وأخري استبدلت بها نافذة من الزجاج الفيميه.. وتنأثر المكيفات بعشوائية غريبة. والخراطيم الثعبانية تطل من الواجهة. تشي بالفردية وفساد الذوق باختصار. فان السكلانس هو ما ينطبق علي المشهد الكلي للبناية.. الطريف. والمحزن. ان ذلك كله يحدث في القاهرة. رغم وجود وزارة للبيئة. وجهاز للتنسيق الحضاري. ومحافظ يتبعه نواب ورؤساء أحياء. وغيرها من المؤسسات ذات المسميات المهمة!
..............................
*المساء ـ في 28/3/2009م.
د. حسين علي محمد
04-01-2009, 09:48 AM
مبدعون نقاد
بقلم: محمد جبريل
.........................
حدثني الصديق الدكتور عبدالمجيد زراقط رئيس قسم الأدب العربي بالجامعة اللبنانية عن المؤتمر الذي تعد له الجامعة بعنوان "مبدعون نقاد". وهو عن المبدعين الذين يحاولون الكتابة النقدية. وبالطبع فإن العكس صحيح. بمعني أن العديد من النقاد حاولوا الكتابة الإبداعية: لويس عوض. وأحمد شمس الدين الحجاجي. وماهر شفيق فريد وصلاح الدين بوجاه وغالي شكري. وحسين علي محمد ومحمد قطب وجمال التلاوي وصبري حافظ وحامد أبوأحمد. وسمير عبدالسلام. وصبري قنديل وأمجد ريان وغيرهم.
رأيي أن المبدع لابد أن يماهي الناقد في اكتمال العملية الإبداعية. فهو -فور أن يضع نقطة الختام لعمل ما. قصة أو رواية أو مسرحية أو أية كتابة إبداعية- يلجأ إلي الناقد في داخله. يفيد من ثقافته وخبراته وفهمه لخصائص العمل الفني. يضيف. ويحذف. ويبدل. ويحور. بما يمتلكه الناقد من قدرات جمالية وعلمية وموضوعية. خطوة تالية لما تمليه عفوية الإبداع.
أعرف أصدقاء يعيدون كتابة العمل الإبداعي مرات. ربما تبلغ العشر. في كل إعادة يقرأ الكاتب بعيني الناقد. لا ينقل الكلمات كما هي. لكنه يجري ما تحتاج إليه من "رتوش" -هذا هو التعبير الذي يحضرني- بهدف إثراء جماليات العمل الإبداعي.
وكان همنجواي بترك -آخر الليل- ما كتبه علي الآلة الكاتبة "لم يكن الكمبيوتر قد ظهر في حياة الأدباء بعد" ويعود إلي قراءته في الصباح. ليست الفقرات الأخيرة وحدها. وإنما كل ما كتبه منذ الحرف الأول. والكلمة الأولي. والجملة الأولي. يطمئن إلي خلو السرد من أية نتوءات أو فجوات.
وأكد بلزاك أنه كان يعيد قراءة العمل بعد أن يتمه. ربما صادف في اليوم الثالث زيادة حرف واو العطف. ثم يعيده عقب الأيام الثلاثة التالية. قول لا يخلو من مبالغة. وإن كان المعني ضرورة المراجعة والتقويم والغربلة. والحرص علي جماليات العمل في ترامي آفاقه.
الأمثلة كثيرة. لكن السؤال الذي أتصور أنه سيفرض نفسه علي جلسات المؤتمر المرتقب: ما مدي إفادة الناقد من دراسته للعملية الإبداعية. مقابلاً لإفادة المبدع من فهمه لنظريات النقد.
حصلت علي جائزة الدولة في النقد. وكتب عبدالعال الحمامصي عن الروائي الذي فاز بجائزة النقد. لكنني أعتبر المجال الحقيقي للكاتب هو ما تطمئن إليه موهبته. قد يتطرق إلي مجالات أخري. وربما أجاد التعبير فيها. لكنه يظل حريصاً علي السير في اتجاه تأكيد المعني الذي أهلته له موهبته وقدراته.
لعلي أشير إلي صلاح عبدالصبور: كتب القصيدة المفردة والمسرحية الشعرية. والترجمة والسيرة الذاتية وغيرها من مجالات الأدب. لكن المسرحية الشعرية هي الملمح الذي يبين عن نفسه دوماً. فهي الإبداع الذي اختار له عبدالصبور الأولوية في مشروعه الأدبي.
...........................................
*المساء ـ في 7/3/2009م.
د. حسين علي محمد
10-05-2009, 07:39 AM
محمد جبريل يكتب عن جابر عصفور
بقلم: محمد جبريل
من حق جابر عصفور أن نثمن دوره في حياتنا الثقافية.
علي الرغم من اختلافنا أحيانا في أداء المجلس الأعلي للثقافة. فان الحقيقة التي لا يختلف فيها حتي الذين لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب. حتي من يلحون في طلب العيب. أن المجلس الأعلي للثقافة في الأعوام الأخيرة هو التمثيل الايجابي لأنشطة وزارة الثقافة. هو التلخيص الذكي لهيئات الوزارة المتعددة.
علي سبيل المثال. فان مهمة هيئة الكتاب هي اصدار الكتب والدوريات والمجلات. بما يتيح لصناعة النشر أن تؤدي دورا مطلوبا في خدمة الثقافة العربية.. لكن اصدارات مجلس الثقافة فاقت بصورة لافتة كل اصدارات هيئة الكتاب. سواء علي مستوي الكم أم الكيف. أذكرك بمشروع الترجمة الذي جعل من مشروع الألف كتاب بهيئة الكتاب خطأ ينبغي التخلص منه!
الطريف أن فاروق حسني أراد أن يهب هيئة الكتاب نشاطا متميزا في معرض القاهرة الدولي الأخير فلجأ الي مطبوعات المجلس الأعلي للثقافة. واجهة لنشاط الهيئة في مجال تخصصها!
ومع تعدد المؤتمرات والمهرجانات والندوات التي تنظمها هيئات وزارة الثقافة. فان ما ينظمه المجلس الأعلي للثقافة من أنشطة. هو الأكثر حضورا. والأشد تأثيرا.. والأمثلة لا تعوزنا.
والمتابعة الواعية للأحداث الثقافية المحلية والعربية والعالمية مهمة يحرص المجلس علي التصدي لها. ومناقشتها. وتحليلها. واتخاذ توصيات وقرارات تضعها في دائرة الضوء أمام المتخصص والمواطن العادي.
حتي المسابقات التي ينظمها المجلس: تيمور. وحقي. ومحفوظ وغيرها. هي الأكثر جدوي وجدية.
والنظرة المتأملة لأنشطة لجان المجلس. تجد أنها تقدم المقابل للركود الذي تعانيه هيئات أخري تابعة لوزارة الثقافة.
أثبت جابر عصفور أن مسئولا واعيا. مدركا لمسئولياته. ويجيد الادارة. يستطيع أن يحقق في الموقع الذي يتولي قيادته ما قد تعجز عنه هيئات. تخصصها المستقل فرع محدد من مجمل حياتنا الثقافية.
قلوبنا مع جابر عصفور.
هامش:
سألت مصطفي علوي رئيس هيئة قصور الثقافة: ما ردك علي الحملة التي تتهم قيادة الهيئة بايقاف مشروع النشر؟
قال: هل تتصور أن مسئولا يتخلي عن واجهة مهمة لأنشطته؟.. النشر كما تعلم من أهم مشروعات الهيئة. وجدواه معلنة. لكن تقلص الموارد المالية. أو غيابها. مشكلة لا حيلة لنا فيها. ميزانية النشر تعاني عجزا من قبل أن أتولي المسئولية. ولاشك ان اصدار الكتب لن يتحقق بالنيات الطيبة. خاصة اذا كنا نطبع في قطاع خاص لغته الربح والخسارة!
م.ج
Mlg- 38@hotmail.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
عن صحيفة "المساء الأسبوعية ـ في 8/4/2005م.
د. حسين علي محمد
10-05-2009, 07:40 AM
من المحرر
بقلم: محمد جبريل
..................
قد يبدو غريباً أن طلعت حرب انشأ - في زمن الاحتلال الأجنبي - بنك مصر. والكثير من الشركات المتفرعة عنه. أردف بأسماء الشركات اسم مصر. ثمة مصر للغزل والنسج. مصر لحليج الأقطان. مصر للطيران. مصر للسياحة. مصر للتمثيل والسينما إلخ.
المشروع الهائل - في عمومه - تعبير عن السعي إلي الإضافة والتطوير والتقدم. أما التسمية المرادفة "مصر" فهي التعبير عن الهوية.
في زمننا الحالي حيث خلت مصر من الوجود الأجنبي الاحتلالي. فإننا نعني بإبراز الهويات الأجنبية. نحاكيها. ونقلدها. من خلال مسميات تنتمي إلي كل لغات العالم. عدا لغتنا الأم. حتي الحرف والمهن التي يصعب ان تنتمي إلي غير اللغة العربية نكتفي بأضعف السوء فنتركها علي حالها لكننا نستبدل الحروف اللاتينية بالحروف العربية.. خواجات!
عروبة هذا الوطن يسيء إليها - للأسف - ما يطالعنا من زحام أجنبي في اللافتات التي تشحب فيها لغتنا القومية. وتسيطر لغات أخري أملاها التباهي. أو الإحساس بالدونية أو ادعاء العالمية. وكلها أعراض مرضية تحتاج إلي تدخل علاجي يعيد لبنية المجتمع تماسكها وهويتها.
إذا كانت القيم والمعتقدات والعادات والتقاليد تشكل - في مجموعها - تعبيراً عن الهوية فإن اللغة هي التعبير الأشد وضوحاً. والذي بدونه يصبح الحديث عن الهوية مجرد حرث في البحر.
يحزنني ان قادة إسرائيل يصرون في خطبهم داخل فلسطين وخارجها ان يتحدثوا بالعبرية التي لا يعرفها أعداد من اليهود أنفسهم. بينما يحرص مثقفونا أن تكون الانجليزية وغيرها من اللغات الأجنبية هي البديل للغة التي ينتمون إليها.
ساركوزي يعرف الانجليزية. لكنه يحرص - دوماً - أن يتحدث بلغة بلاده. والمستشارة الألمانية ميركل تجيد الفرنسية والانجليزية. وربما لجأت إلي إحدي اللغتين في مناسبات خاصة. لكنها تقتصر - في المناسبات العامة - علي الألمانية.
الاعتزاز باللغة هو اعتزاز بالهوية القومية. ومن يهمل استخدامها أشبه بمن يرفع أعلام الدول الأخري. بدلا من ان يرفع علم بلاده!
هامش:
من كلمات سعدي الشيرازي: سم العقرب موجود في ذيلها. وسم الذبابة في رأسها. وسم الحية في أنيابها. لكن سم الشخص الشرير سائر جسده.
"م. ج"
mlg_38@hotmail.com
..............................
*المساء ـ في 5/4/2008م
د. حسين علي محمد
10-05-2009, 07:41 AM
من المحرر:
[حسين قدري .. وأدب الرحلات]
بقلم: محمد جبريل
....................
mlg_38@hotmail.com
إذا كان حسين قدري قد أجاد دور الرحالة. في مجموع مؤلفاته عن الزمان والمكان. ليس في مصر وحدها. وإنما في أرجاء الدنيا: المحيطات. والبحار. والجزر. والمدن. والمواني.. وكل ما يشكل قسمات العالم الذي نعيش فيه إذا كان ذلك كذلك. فإن حسين قدري في هذا الكتاب "أيام من حياتهم" الذي صدر في "كتاب الجمهورية" يجيد الرحلة إلي داخل النفس الإنسانية. من خلال عشرات الشخصيات التي أتاح له عمله وهو صحفي كما تعلم أن يقترب منها. إلي جانب انشغاله بأدب الرحلات.
ثمة أسماء نقرأ لها. ونقرأ عنها. جلس إليها حسين قدري. سأل فيما هو معلن. وفي المسكوت عنه. وتشكلت تكوينات تؤلف في فوضاها وانتظامها وتشابكها لوحة بانورامية للمشهد الثقافي والفني في مصر علي مساحة عقود متوالية: محمد عبدالوهاب وفاتن حمامة وعمر الشريف ويوسف السباعي وماري منيب وأمينة السعيد وأحمد مظهر وصلاح أبو سيف وأحمد رامي وسلوي حجازي وأمينة رزق وفريد الأطرش وبديع خيري وصالح عبدالحي ومحمد فوزي. وعشرات غيرهم. اختار حسين قدري لما قالوه عنوان "أيام من حياتهم" واتسمت كل الروايات بالصدق والتلقائية كما اختار العامية وسيلة تعبير لأنها اللهجة التي سجلوا بها مذكراتهم وذكرياتهم فضلا عن خلو الحوار من التطويل الذي يسم بلا ضرورة فنية معظم الحوار في أعمالنا الابداعية.
لقد سأل حسين قدري وتلقي أجوبة. لكنه أضمر ذكاء أسئلته. واستنطاقها لحظات شاحبة. أو غائبة. في حياة هؤلاء الأعلام الذين نقل رواياتهم عن أيام دفعهم بذكاء أسئلته إلي نقلها لصدارة المشهد فتعرفنا إلي جوانب مهمة عن حياة صحفيين وأدباء ومطربين وممثلين ربما كانت ستظل في داخل النفس لولا الرحلة في المكان والزمان وفي النفس البشرية.
ظل توقعي عقب كل كتاب قرأته لحسين قدري في أدب الرحلات أن يكون عمله التالي في الرواية أو القصة القصيرة ذلك ما قدمه في العدد الأقل من الكتابات الروائية وما تبين عنه بعامة قدرات فنية لافتة. فهو لا يكتفي بمجرد الحكي. لكنه يلجأ إلي كل ما تتسم به تقنية السرد الروائي. فأنت تلقي ولو بينك وبين نفسك السؤال الذي طالما وجهته إليه: لماذا لا يحرص حسين قدري علي صفة الروائي. حرصه علي صفة كاتب أدب الرحلات؟!
هامش:
تقول نينا في مسرحية تشيخوف "الطائر البحري": الشيء الأهم بالنسبة إلينا نحن الكتاب والفنانين ليس هو الشهرة والتألق. ولا هو مجرد تحقيق أحلامنا. لكنه القدرة علي التحمل.
...................................
*المساء ـ في 12/4/2008م.
د. حسين علي محمد
10-05-2009, 07:42 AM
الفن إضمار .. ولكن .. (1 ـ 2)
بقلم: محمد جبريل
.....................
" إذا كان المعنى شريفاً ، واللفظ بليغاً ، وكان صحيح الطبع ، بعيداً عن الاستكراه ، ومنزّهاً عن الاختلال ، مصوناً عن التكلف ، صنع فى القلب صنيع الغيث فى التربة الكريمة "
الجاحظ
" الفن ليس طريقة معقدة لقول أشياء بسيطة ، بل طريقة بسيطة لقول أشياء معقدة "
جان كوكتو
" كلما كان الإنسان أقل ثقافة .. كانت كتابته أكثر غموضاً "
كونتليان Quintilian
" فليكن الروائيون صادقين مع ضمائرهم الفنية ، وسيتبعهم الذوق الجماهيرى فيما بعد "
الروائى الإنجليزى جورج جيسينج
أوافق ألان روب جرييه فى أن " الحديث عن مضمون القصة وكأنه شئ مستقل عنها ، يعنى محو هذا اللون الأدبى كله من عالم الفن " . وأثق أيضاً أن مضمون العمل الإبداعى هو الذى يفرض صورته الفنية . وكما يقول كيتور فإن " الصلة بين الشكل والمضمون فى أى عمل فنى عظيم ـ سواء أكان مسرحية أو لوحة تصوير أو قطعة موسيقية ـ صلة حيوية جداً ، حتى ليمكن القول بأنهما متوحدان توحداً كليا " ..
وفى المقابل ، فإنى أخالف الرأى بأن تعقيد التقنية هو العامل الكبير فى كتابة القصة القصيرة . يخطئ البعض حين يتصور أن وظيفة التقنية جمالية أو زخرفية ، وأنها تدليل على موهبة الفنان ، وإجادته ترتيب الأحداث ، بما يحدث فى نفسية المتلقى أكبر قدر من الانبهار أو الدهشة أو التوتر . التقنية تختلف عن ذلك تماماً ، بل إنها فى النقيض من ذلك تماماً . العمل الإبداعى يفرض تقنيته ، يحددها . التقنية تتخلق فى داخل العمل لحظة بدء ، وأثناء الكتابة ، بحيث يمكن القول إن التقنية تكمل المادة ، مثلما إن المادة تكمل التقنية . وبمعنى آخر ، فإن المضمون والشكل وجها عملة واحدة ..
لقد واجه ت . إس . إليوت اتهام النقاد له بالغموض بأنه ليس عليه أن يكون واضحاً ، وأن عليه أن يقدم أفكاره ومشاعره وتخيلاته ، وعلى المتلقى أن يبذل جهده ، ويتعب ذهنه ، فى فهم المادة الإبداعية . ومع ذلك فإن إليوت قد حذر من " ذلك الغموض الذى لا يعدو نوعاً من الادعاء ، فالكاتب يحاول أن يخدع نفسه ، ويحاول أن يقنعها بأن عنده أشياء يريد أن يقولها أعمق مما قاله بالفعل ..
المشكلة التى يعانيها بعض " المؤلفين " ـ فى تقدير إليوت ـ هى أن يحاول إقناع نفسه بأن عنده أشياء يريد أن يقولها أعمق مما كتبه . وربما جاء الغموض تعبيراً عن صعوبة الكتابة ، أى أن الأفكار أكبر من القدرة على صياغتها ، وقد يأتى الغموض من طبيعة الموضوع فيسيطر على ما كتبه المؤلف !
أتفهم السؤال الذى طرحه سارتر : هل تعتقد أن قارئاً من بلد فقير يستطيع أن يقرأ ألان روب جرييه ؟..
نحن نعجب بكافكا وجويس وساروت وجرييه ، لكننا ـ فى الوقت نفسه ـ قرأنا ـ وسنظل نقرأ ـ لتشيكوف وادريس وتولستوى ومحفوظ وديستويفسكى وبلزاك وزولا .. هؤلاء العظماء أصحاب الإبداعات الكلاسيكية !. بل إن كارل راداك ينصح من يكتب روايات ، أن يتعلم كتابتها من تولستوى وبلزاك وليس من جيمس جويس .
إن طلبك من الشاعر ـ والقول لهنرى ميلر ـ أن يتحدث بلغة رجل الشارع ، يماثل انتظارك من النبى أن يوضح نبوءاته . إن ما يبلغنا من من ممالك سابقة ، بعيدة ، يأتى مسربلاً بالسر والغموض " . وفى المقابل ـ والقول لميلر أيضاً ـ فإن " عبادة الشعر تبلغ نهايتها حين لا توجد إلاّ لحفنة ثمينة من الرجال والنساء ، فلن يعود الشعر فناً ، وإنما لغة شفرة لجمعية سرية مهمتها الدعوة إلى الفردية الفارغة " ( ت . سعدى يوسف ) .
وعلى الرغم من أن طبيعة الشعر تجعله أميل إلى الغموض ، بل إن القصيدة الجديدة هى غامضة من حيث شاعريتها ، وطبيعة لغتها التى تختلف بالضرورة عن لغة حياتنا اليومية ، فإن رأى الصديق الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى ـ وهو شاعر متفوق ـ أن " القصيدة التى يعجز القارئ المثقف عن أن يجد دلالاتها أو معناها هى قصيدة رديئة " .
وبالطبع ، فإن الوضوح يختلف عن السطحية تماماً ..
أما إحالة الغموض إلى الرمز ، فإن كل فن حقيقى هو ـ فى الدرجة الأولى ـ فن رمزى . وإن كان العمل الإبداعى ـ كما يقول جارودى ـ لا يتخذ شكل الرمز إلا لأن الكاتب لا يستطيع أن يعبر بطريقة أخرى عما يريد أن يقول . إن مضون الرمز هو الواقع نفسه ، ذلك لأن الرمز تشغله مناوأة السلطة . قد تكون سلطة قبلية أو سياسية أو دينية أو اجتماعية إلخ . وهو لا يتجه إليها بالخطاب المباشر ، وإنما يجعل الخطاب على لسان الطير أو الحيوان ، أو حتى النبات . ويستعمل الصور البلاغية والمجازية . وإذا كانت الرواية الرمزية قد برزت ـ كما يقول روجر ب . هينكلى ـ نتيجة لارتقاء التفكير الأدبى فى الشكل الروائى ، فإن العمل الإبداعى يفقد الكثير من مقوماته إن تحول إلى معادلة رياضية .
إذا كان الكاتب الراحل مصطفى لطفى المنفلوطى قد بدأ ريادته فى القصة والرواية بأعمال تستهدف وجدان القارئ بما تتضمنه من عبارات رومانسية ، وتناول لأحوال المحبين ، ومواقف تبرز التناقض فى الأوضاع الطبقية داخل المجتمع .. فإن جيل طه حسين والحكيم والمازنى وغيرهم لم يلجأوا إلى التعريب مثلما فعل المنفلوطى ، وإنما حاولوا أن يتناولوا مظاهر الحياة فى البيئة المصرية من خلال أعمال يسهل نسبتها إلى سوسولوجيا الأدب ، مثل شجرة البؤس ، والأيام ، وزينب ، وهكذا خلقت ، وإبراهيم الكاتب ، وعودة الروح إلخ ..
ثم جاء جيل الوسط الذى أصّل فن الرواية والقصة القصيرة فى حياتنا ، وأهم ممثليه : نجيب محفوظ والسحار وعبد الحليم عبد الله والبدوى وغراب وصلاح ذهنى . تعرفنا إلى الفن الروائى والقصصى فى صورته العالمية من خلال أعمال تقف على أرضية المحلية . ثم توالت الأجيال بدءاً بجيل يوسف إدريس إلى جيل التسعينيات الذى يحاول الآن أن يرسم ملامحه فى الخارطة ا[داعية المصرية ..
وبالتأكيد ، فإن التناول القصصى للمنفلوطى يختلف بالضرورة عن التناول الذى أبدعته الأجيال التالية ، وإلى الآن ..
ثمة تراث متراكم من الأعمال القصصية والروائية ، منذ تحققت للقصة القصيرة صورتها الفنية فى ما تراه العيون لمحمد تيمور ، وللرواية صورتها الفنية فى عذراء دنشواى لمحمود طاهر حقى . وهذا التراث يعنى أن المبدع يتجه الآن إلى قارئ جديد ، أشد تمرسا بفنية القصة والرواية ، فهو يصدم بالشروح والتبسيطات التى تلغى ذكاءه ، وتحاول مساعدته على تلقى العمل
فما فائدة مئات القصص وعشرات الروايات التى سبق له قراءتها ؟..
الفن إضمار مقولة صحيحة ، ويجب أن نؤكد عليها ، وإن كنت أتحفظ كذلك ، فأوكد ـ فى الوقت نفسه ـ أنه على المبدع أن يحترم ثقافة القارئ ووعيه .. وأبشع الأعمال الأدبية تلك التى قد لا يفهمها كاتبها ، لكنه يدفع بها إلى المطبعة تصوراً أن القارئ ربما وجد فيها ما غمض عنه هو .. مثل تلك الأعمال يجب أن يعاقب كاتبها باعتباره مدلساًً أو مزيفاً ، وأن يواجه الحكم الذى يواجه به هؤلاء !..
***
أوافق أستاذنا الدكتور الطاهر مكى فى أن " المبدعين الحقيقيين يجب أن يسبقوا عصرهم ، وأن يكونوا بالضرورة غير مفهومين من معاصريهم " .
الفن اضمار .
أنا أعنى بتصوير الأحاسيس الغامضة ، أو التى لم تتبلور بعد ، بحيث يبذل المتلقى جهداً مسواياً لما قد تنطوى عليه من اضمار حتى يميزها أو يدركها ..
الإضمار ، أو حتى الغموض ليس عيباً ، بل إنه قد يضيف إلى العمل الفنى ، بل إن أبا أسحاق الصابى يرى أن أفخر الشعر ما غمض " . ومع ذلك ، فإنه من المفروض أن يتضمن العمل مفاتيحه الداخلية ، التى تعين على الفهم واستكناه الدلالات .
والحق أنه إذا لم يكن ثمة ما يوجب على الفنان أن يكون غامضاً ، فإن المتلقى ـ بالتالى ـ غير مطالب بأن يسرف فى الجهد كى يستبين المعانى التى يقصدها الكاتب . أذكر قول روبرت فروست لأحد الشعراء الشباب ، اتسمت قصيدة له بالغموض : " إن كانت قصيدتك سراً من أسرارك ، فأولى بك أن تحتفظ بها لنفسك " .
البعض يعانى افتقاد الموهبة ، أو فقر اللغة ، أو نقص الإمكانات ، فهو " يضطر " ـ أعنى التعبير ـ إلى الغموض . أذكر قول سومرست موم : " أن يكون الكاتب نفسه غير متأكد من معناه ، فهو يشعر شعوراً غامضاً بما يريد أن يقوله ، لكنه لم يكوّن له صورة واضحة فى ذهنه ، إما لنقص فى قواه عقلية ، أو من الكسل ، ومن الطبيعى فى هذه الحالة ، ألا يجد التعبير الدقيق للفكرة المشوشة " . ويضيف شوبنهاور إلى هذه الكلمات قوله : " إن أسلوب التعبير المسرف فى الغموض ، يأتى فى تسع وتسعين حالة من مائة حالة ، نتيجة لغموض الفكرة عند المبدع " .
إن المبدع يواصل الكتابة دون أن تتضح أمامه ملامح العمل الذى يكتبه ، يكتفى بالشعور الغامض ، أو غير المحقق . يريد أن يعبر عن أشياء محددة ، لكنها تشحب وتتضاءل ، وتتحول إلى هلاميات عند محاولة الفنان لأن يسطرها على الورق ، فهو يترك ما عجز عن التعبير عنه لذكاء القارئ ، يفسّره على النحو الذى يراه . ولأنه هو نفسه لم يفهم ، فإن القارئ بالتالى لن يفهم . لقد تصور أنه لجأ إلى ذكاء القارئ ، لكنه ـ فى الحقيقة ـ لجأ إلى نقيض ذلك ، أو ما تصور أنه كذلك ، لأنه من المستحيل أن أطالب الآخرين بفهم العمل ، الذى لم يفهمه كاتبه !. وكما يقول سومرست موم ، فإن من أسباب الغموض أن يكون الكاتب نفسه غير متأكد من معناه ، فهو يشعر شعوراً غامضاً بما يريد أن يقوله ، لكنه لم يكوّن له صورة واضحة فى أذنه ، إما لنقص فى قواه الذهنية ، أو من الكسل " .
وباختصار ، فإنه لا يمكن ـ بمشاعر كاذبة ـ أن أنتج فنا صادقاً . ولعلى أضيف قول كونتليان " إن الأشياء التى يقولها الرجل المثقف ثقافة عالية ، فى الأغلب الأعم ، أيسر فهما وأكثر وضوحاً . وكلما كان الإنسان أقل ثقافة ، كانت كتابته أكثر وضوحاً " ..
***
العمل الإبداعى علاقة بين المبدع والمتلقى . إنه لا ينطلق فى فراغ ، وإنما هو يتجه إلى قارئ أو مشاهد أو مستمع ، يشغله الاستمتاع ـ فى الأقل ـ بهذا العمل .. لكن معظم الأعمال الأدبية الحديثة تتجه إلى الغموض بلا سبب ، وبغير ضرورة فنية . وهو ما انعكس على قاعدة المتلقين ، فتقلصت بصورة واضحة ، حتى أن المجلات الأسبوعية التى كانت تخصص ـ على سبيل المثال ـ مساحة ثابتة للقصة ، ملأت هذه المساحة بمواد صحفية أخرى ، يسهل على القارئ فهمها وتقبّلها ، بدلاً من اللوغاريتمات الذى يحفل به الكثير من إبداعاتنا القصصية المعاصرة . ولقد كنت ـ أعترف ـ واحداً من الذين انساقوا ـ دون استعداد نفسى ولا فنى ـ لذلك التيار . بدأت فى الماهية ، ويا سلام ، والصورة ، وموقف ـ قصصى القصيرة الأولى ـ بما يقرب من اللقطة التسجيلية التى تشى بدلالات . ثم صرفنى ـ وهذا هو خطئى الأعظم ـ تيار الغموض الذى جرف العديد من أبناء جيلى ..
وأذكر أن مجلة " سنابل " التى كانت تصدرها محافظة كفر الشيخ بإشراف الصديقين محمد عفيفى مطر ومحمود بقشيش قد أثارت نقاشاً حول قضية الغموض ، أيد فيه معظم المشاركين وجود الظاهرة ، وإن اختلفوا فى تبين بواعثها . وكان رأيى ـ كما أوردته المجلة ـ أن العمل الفنى لا يتسم بالغموض لذاته " حتى اللامعقول لابد أن يصدر فى الدرجة الأولى عن رؤية معقولة ، وإلاّ تحولت الكلمات إلى شئ آخر لا يمت إلى الفن بصلة ، لكن المعاناة التى يتطلبها العمل من كاتبه ، تريد معاناة مقابلة من قارئ العمل . وأحياناً يساوى الغموض عدم فهم القارئ ، أو قراءته للعمل الإبداعى بنفس طريقة قراءة الجريدة اليومية . وأحياناً أخرى ، يعانى البعض افتقاد الكلمة التى يريد أن يقولها ، لكنه يصر أن يكتب ، والبعض تعجز حصيلته اللغوية عن صوغ كلماته ، فلجأ إلى الهلاميات اللغوية ( سنابل 15/4/1971 ) .
***
(يتبع)
د. حسين علي محمد
10-05-2009, 07:43 AM
الفن إضمار .. ولكن .. (2 ـ 2)
بقلم: محمد جبريل
.....................
ثمة رأى يذهب إلى أن الفهم عند القارئ ، والوضوح عند المبدع ، هما شيئان أساسيان للأدب ، ويتضمنان التزامات من كل منهما . ولعل المثل الذى يحضرنى ، أن المبدع أشبه بجهاز إرسال ، وواجبه دائماً أن يطمئن إلى سلامة توصيلاته ، التى تتحدد فى حرصه على الصدق مع نفسه ، ومع فنه ، فلا يتعمد شيئاً ، لكن يترك العمل الفنى هو الذى يكتب نفسه ، لا يلوى ذراع القصيدة أو القصة سعياً وراء الإبهار أو التلغيز ، وإنما يترك للعمل الإبداعى اكتساب ملامحه وقسماته أثناء عملية الإبداع . أما المتلقى فهو أشبه بجهاز استقبال ، عليه هو أيضاً أن يطمئن إلى سلامة توصيلاته ، وتتمثل فى تسلّحه بالثقافة والوعى والفهم ، بحيث يمكنه استقبال العمل الفنى بصورة جديدة . لا أفهم أن يكون الغموض هدفاً فى ذاته ، من أجل أن يثار النقاش حول المعنى الذى يقصده الكاتب ، ثم لا يصل النقاش إلى أى شئ . ذلك أقرب إلى مسابقة الكلمات المتقاطعة التى تزجى بها الصحف اليومية فراغ وقت قرائها ..
إن الغموض الذى يصدر عن عمق الفكرة وطرافتها ، والتأبّى على التعبير الأوضح ، يختلف عن الغموض الذى لا يعدو تعبيراً عن قصور الأدوات ، وعدم تمكن الكاتب من الجنس الأدبى الذى حاول إبداعه . وكما يقول إليوت فهناك غموض هو فى الواقع نوع من الادعاء ، فالمؤلف يحاول أن يخدع نفسه ، ويعمل على أن يقنع نفسه بأن عنده أشياء يريد أن يقولها أعمق مما عنده ..
حتى أعمال بيكيت التى نسب لمؤلفها انه يستطيع فهمها تماماً .. هذه الأعمال لا يمكن أن تكون بلا معنى ، لأننا قد نطلق على مثل هذا العمل أى شئ ، إلاّ أن نسميه فناً !.. وأذكر عندما قدم مسرح الجيب مسرحية بيكيت لعبة النهاية ، أن أقلام النقاد استراحت إلى الرأى القائل باستحالة فهمها ـ ألم يعلن ذلك الفنان نفسه ؟! ـ وطالبت بأن تكون نظرة المشاهد إليها مثل نظرته إلى اللوحة التجريدية . لكن نجيب محفوظ رفض ذلك التفسير ، وأصر على أن مسرحية بيكيت عمل فنى ، لابد أن يكون للفن معنى . ثم قدم تفسيراً رائعاً ، وذكياً ، للعبة النهاية
***
إذا كان من عمل الناقد ـ كما يقول ستانلى هايمان ـ " عندما تتسع الهوة بين الأدب الجاد وذوق القراء ، هو أن يكون همزة وصل بين العمل الغامض ، أو الصعب ، وبين المتلقى " فإن للمباشرة عيوبها ، والغموض ـ إذا كان وليد الضعف ، أو الضحالة ـ عيوبه أيضاً . يغيظنى أن يكون الغموض بلا ضرورة فنية ، يفرضه الكاتب من خارج العمل ، ولا يأتى من داخله . فإذا حاول الناقد تفسير العمل الفنى ، فإن عليه أن يكشف المباشرة الزاعقة ، أو الوعظية ، أو يوضح دلالات الغموض إن كان مما يفرضه العمل الفنى ويتحمله . أضيف : أنى لا أميل إلى التقنية التى تبلغ ـ على حد تعبير كارل راداك Karl Radak درجة التعقيد المتشنج ، ولا أميل ـ فى الوقت نفسه ـ إلى التقنية المتفوقة التى تؤطر عملاً تافهاً ..
المقولة الشهيرة تعلن أنه إذا طالب المتلقى المبدع أن يكتب ما يفهم ، فإن على المتلقى أن يفهم ما يكتب . وفى المقابل ، فثمة من يرفضون ـ رغم ثقافتهم المرتفعة ـ تلك الأعمال التى تكلّف القارئ جهداً لتفهّمها ، وهو ما يعبر عنه كلثوم بن عمرو العتابى " إن كل من أفهمك حاجة من غير إعادة ولا حبسة ولا استعانة ، فهو بليغ "
لقد كان رأى ت . إس . اليوت أنه ليس هناك ما يوجب على الفنان أن يكون واضحاً . إن الإبداع مهمته ، وبذل الجهد فى الفهم واستبانة المعانى مهمة المتلقى . إيفور براون يرفض هذا الرأى ، يرى فيه دليلاً على الكسل أو التكلف ، وتنازلاً من الفنان عن رسالة الفن . يضيف : " إن الشائع فى هذه الأيام فى عالم الأدب هو أن لا تعرف ماذا تعنى . فإذا تحداك إنسان ، فما عليك إلاّ أن تهز كتفك غير حافل ، وتقول إنك كتبت ما كتبت ، وأن على القارئ أن يتبين المعنى ، وأن ما يبديه المؤلف من الملحوظات يحمل الكثير من المعانى ، والقارئ يقوم مقام القابلة التى تستولد هذه المعانى ، وليس من عمل العبقرى أن يجعل كلامه واضحاً مفهوماً " ( ت . على أدهم ) .
والواقع أن الغموض ـ أو البساطة ـ مسألة لا تصدر عن الأديب بقرار ، بمعنى أنى لا أتصور أن أديباً يتعمد التلغيز أو التبسيط الزائد ، لكن العمل الفنى ـ بما ينبغى أن ينبض به من تلقائية ـ هو الذى يفرض الصورة التى تطالع القارئ . وكما يقول همنجواى : فقد " تبدأ فى كتابة القصة دون أن تكون لديك أية فكرة مسبقة عن الطريقة التى ستنتهى بها ، فكل شئ يتبدّل ويتغير ، كلما تقدمت القصة . وهكذا نجد أن الحركة قد تبدو بطيئة للغاية فى بعض الأحيان ، حتى ليصعب على الإنسان أن يصدّق أن هناك حركة على الإطلاق "..
الغموض ـ أو العكس ـ مسألة نسبية . فما يراه البعض غموضاً ، يراه البعض الآخر عملاً سهل التلقى . والقضية أساساً فى جدّية الفنان وصدقه من ناحية ، ووعى المتلقى وثقافته ، بل وفهمه لخصائص العمل الفنى من ناحية ثانية . وكما يقول يحيى بن حمزة العلوى فإن " المقصود إذا ورد فى الكلام مبهماً ، فإنه يفيده ببلاغة ، ويكسبه إعجاباً وفخامة ، وذلك إذا قرع السمع على وجهة الإبهام ، فإن السامع له يذهب فى إبهامه كل مذهب " .
الفن إضمار ، والفن تكثيف وإيماء بدلالات [ يقول جين ب . تومبكنز إنه تكفى كلمات قليلة لتيسير تأويل حالة معقدة ] لكنه يفقد صفة الفن إذا بلغ حد الغموض ، وللغموض ـ فى تقديرى ـ أكثر من سبب ، فقد يصدر عن ادعاء ساذج ، أو قصور فى التعبير ، أو عدم استطاعة للوسيلة الفنية ـ وهو ما يعانيه الكثير من الأدباء الشباب فى أعمالهم الأولى ـ وقد يكون السبب عمق المقولة بما يهمل وضوح التعبير ..
***
يضايقنى قول البعض : هذا كاتب صعب ..
أنا لا أتعمد الغموض ولا التلغيز . أبدأ الكتابة وليس فى داخلى سوى فكرة ، هى ـ فى الأغلب ـ غير مكتملة .. لكن العمل الأدبى الجيد ـ والقول ليحيى بن حمزة العلوى ـ يتطلب قراءات عديدة . فأنت كلما قرأته اكتشفت فيه معان جديدة ، فهو إذن يتطلب جهداً موازياً لجهد المبدع ، جهداً لا حد له . من المهم أن تكون قراءة المتلقى خلاّقة ، بمعنى أن يتصور الأحداث والشخوص التى يتضمنها العمل الفنى . بغير هذه المشاركة الفعالة فإن المتلقى لن يخرج بشىء
1988 ـ بإضافات.
........................
*من كتاب محمد جبريل «للشمس سبعة ألوان»,
د. حسين علي محمد
10-05-2009, 07:44 AM
من المحرر:
معلومات الإنترنت
بقلم: محمد جبريل
.....................
للإنترنت وجهان: الوجه الأول نتعرف إليه في إفادتنا من كم المعلومات التي يقدمها لنا في كل المجالات. بداية من الكتب المهمة التي ربما تعجز مواردنا المادية عن اقتنائها. واستمراراً في أرقام التواريخ ومواقع الأماكن وتراجم المشاعل وكل ما يعين الباحث علي أداء عمله. ما كان يحتاج إلي كثرة التردد علي المكتبات العامة والخاصة. والتقليب في الوثائق والمجلدات والدوريات.
الوجه الآخر للإنترنت يتمثل في الخفة التي يتعامل بها البعض مع الشبكة العنكبوتية.
الأمثلة لا حصر لها. وإن كنت سأكتفي لظروف المساحة أن أضرب مثلين. أولهما السطو المعلن من بعض فاقدي الموهبة علي جهد الآخرين. ونسبته إلي أنفسهم. سواء علي الشبكة العنكبوتية نفسها. أم في الرسائل الجامعية والأبحاث المتخصصة. أما المثل الثاني فهو إقدام البعض علي أن يضيف من عندياته ما لا ظل له في الواقع. قد تكون النية الطيبة هي الباعث. تصوراً أن المعلومة التي وردت صحيحة.
ولأن إفادتنا من الإنترنت تتراوح ما بين الثقة في ما يذكره. والنقلية التي تعني بالمتاح دون التثبت من صحته. فإن المعلومة الخطأ تنتقل بين الكثير من المواقع والعناوين الشخصية. تصبح كأنها الحقيقة. وهي ليست كذلك.
أما الكتابات التي مارست السطو فإن الحياة العلمية الصحيحة تكفل كشفها. ومعاقبة مرتكبيها. وقد أصدرت مجالس التأديب في جامعاتنا أحكاماً رادعة حول عدد ممن مارسوا تلك الجريمة. وواجه من وضعوا أسماءهم علي إبداعات الآخرين إدانات معلنة. بما يلغي التصور أننا لا نقرأ. أو لا نتذكر. أو مش واخدين بالنا!
وبالنسبة للمعلومات الخاطئة فإن أفقها القريب لا يطرح حلاً. تطالعني في المستطيل الصغير معلومات تخصني. تلغي ما أعرفه وأثبته في سيرتي الذاتية "بالإضافة إلي السيرة الذاتية فثمة كتابان هما حكايات من جزيرة فاروس ومد الموج يتناولان مراحل من حياتي".
د.أحمد شمس الدين الحجاجي صديق قديم. يعرف جيداً ظروف حياتي منذ الميلاد إلي أحدث كتاباتي. أراد تقديمي في ندوة بمدينة الأقصر. قرأ من ورقة عن مولدي بالقليوبية. استطرد لدهشتي المتسائلة: هذا ما ذكره الإنترنت. أعتبر الحجاجي بحسن نية أن ما نشره الإنترنت صحيح. لم يخطر في باله أن ما نظر إليه هو وجه العملة الآخر. السلبي!
ظني أن الرقابة علي مواد الإنترنت هي مسئولية المتعاملين معه. وليست مسئولية دولة ولا جماعة. هذه المسئولية تعني أن تتحول الشبكة العنكبوتية في بعدها الإعلامي إلي موسوعة حقيقية. وأن يكون ذلك هو حرص الجميع.
ولعلي أقترح علي من تنشغل مساحة الإنترنت بتراجمهم وسيرهم الذاتية. أن يكتبوا هذه السير "هذا ما فعلته شخصياً. واعتمدته مواقع كثيرة مثل أمواج. والرافد. والموقف الأدبي" بحيث تنشر الشبكة العنكبوتية ما كتبوه. إذا شابه خطأ فإن الكاتب يحاسب علي ما قدمه من معلومات غير صحيحة. وإذا كان مبعث الخطأ آخرون. فإن علي صاحب الشأن أن يكذب. وأن تنشر المواقع الإلكترونية تكذيباً مماثلاً. يضيق الحصار حول الاستسهال. أو العبث السخيف. فتتحقق الموسوعية التي نأملها للإنترنت. أهم الإنجازات العلمية البشرية علي المستويين الشخصي والعام.
.........................................
*المساء ـ في 3/10/2009م
د. نادر عبدالخالق
10-20-2009, 03:54 PM
شكرا جزيلا للأستاذ الدكتور حسين على محمد والنخبة الممتازة من الباحثين والأدباء الذين تناولوا الاتجاهات الموضوعية والفنية فى أعمال الكاتب الكبير محمد جبريل ، ووقفوا على المعالم الحقيقية التى يمتاز بها الأدب الحديث من خلال استعراض الموضوعات والإشكاليات القصصية والروائية فى أعمال الكاتب الكبير ولعل الحوار الثرى قد أفاض فيه الكاتب بخصوصية العمل الفنى مهما تعددت الرؤى وتطورت المعالجات الموضوعية ، وذلك لعمق وقدرة المحاور فى استيعاب العناصر الفنية المعاصرة للفن عموما والفن القصصى خاصة ............
فشكرا على هذه المعلومات الضافية وشكرا على هذا العرض الطيب الشامل
دكتور
نادر أحمد عبدالخالق
محمد حسام الدين دويدري
10-20-2009, 06:13 PM
ملف ثري فيه جهد واضح مفيد
مازلت أتابع باهتمام
مع كل الشكر والتقدير
د. حسين علي محمد
10-27-2009, 07:20 AM
شكرا جزيلا للأستاذ الدكتور حسين على محمد والنخبة الممتازة من الباحثين والأدباء الذين تناولوا الاتجاهات الموضوعية والفنية فى أعمال الكاتب الكبير محمد جبريل ، ووقفوا على المعالم الحقيقية التى يمتاز بها الأدب الحديث من خلال استعراض الموضوعات والإشكاليات القصصية والروائية فى أعمال الكاتب الكبير ولعل الحوار الثرى قد أفاض فيه الكاتب بخصوصية العمل الفنى مهما تعددت الرؤى وتطورت المعالجات الموضوعية ، وذلك لعمق وقدرة المحاور فى استيعاب العناصر الفنية المعاصرة للفن عموما والفن القصصى خاصة ............
فشكرا على هذه المعلومات الضافية وشكرا على هذا العرض الطيب الشامل
دكتور
نادر أحمد عبدالخالق
شُكراً للأديب الناقد الدكتور
نادر عبد الخالق
على المشاركة والتعقيب،
مع موداتي.
د. حسين علي محمد
10-27-2009, 07:22 AM
ملف ثري فيه جهد واضح مفيد
مازلت أتابع باهتمام
مع كل الشكر والتقدير
شُكراً للأديب الأستاذ
محمد حسام الدين دويدري
على التعقيب الجميل،
مع موداتي.
د. حسين علي محمد
10-27-2009, 07:23 AM
ماذا يريد الكاتب ؟ (1- 4)
بقلم: محمد جبريل
.....................
" الفن .. مقلق أبداً ، ثورى دوماً "
هربرت ريد
" الأدب عالم مغاير "
الفيلسوف بومجارتن
" لا توجد وظيفة أكثر نبلاً من وظيفة الكاتب . إنه الكائن الذى يقود ، يعمل بريشته ، وريشته تصنع الفرق بينه وبين من يمسك بالمجداف "
مقولة فرعونية
" إن الكلمات هى غدارات محشوة "
الكاتب الفرنسى بريسباران
" لست إلا أديباً ، ولا أستطيع ، ولا أريد أن أكون شيئاً آخر "
فرانز كافكا
لماذا أكتب ؟
لم أعن بتوجيه السؤال إلى نفسى أو مناقشته . نشأت فى بيئة تدفع إلى القراءة والكتابة ، مكتبة زاخرة بمئات الكتب ، وأب جعل القراءة حرفته وهوايته ، ومناقشات لا تنتهى فى السياسة والاقتصاد والثقافة بين أبى وأصدقائه . أشارك فيها ـ أحياناً ـ بما يدفع الأصدقاء إلى هز رءوسهم بالإعجاب ، أو بما يدفع أبى إلى إسكاتى ، لسذاجة آرائى .
نشأت وأنا أقرأ وأكتب ، فغاب السؤال ، لأن الفعل سبق تقصى البواعث . وحين واجهنى السؤال ، بدأت التفكير فى إجابة لم أكن فكرت فيها من قبل ، ولا تدبرتها ، لأنى حين بدأت القراءة الأدبية ، فالكتابة ، لم أكن طرحت على نفسى أسئلة من أى نوع .
والحق أنى لا أذكر متى حاولت الكتابة للمرة الأولى . كانت أيام طه حسين هى أول ما قرأت من أعمال أدبية . أذكر اليوم والظروف وتأثيرات القراءة . أما بدايتى الأدبية ، أول ما كتبت ، فإنى لا أذكر متى ولا كيف ، وهل عرضت محاولتى على آخرين ، أو أنى لجأت ـ عقب الكتابة ـ إلى تمزيقها .
***
كانت القصيدة الشعرية هى أول ما كتبت . لم أكن تعلمت الأوزان ، فلجأت إلى المحاكاة . قصيدة الرثاء التى كتبها شوقى ـ مثلاً ـ تتحول إلى قصيدة مناجاة للحبيبة ، القصيدة البرمكية الشهيرة : قل للخليفة ذى الصنيعة والعطايا الفاشية .. وابن الخلائف من قريش والملوك العالية .. إن البرامكة الذين رموا إليك بداهية .. صفر الوجوه عليهموا حلل المذلة بادية .. إلخ ، كتبت على منوالها : قل للحبيبة ، وكلمات أخرى باعثها التقليد ، فبديهى أن ابن الثامنة ، أو التاسعة ، لن يكون قد تعرف إلى حب الجنس الآخر بالمعنى الفرويدى ، أو حتى الأفلاطونى .
ثم كتبت العديد من القصص وأنا فى المرحلة الأولية ، وهو ما أتصور أن الكثير من الأطفال ـ فى المرحلة السنية نفسها ـ يفعلونه ، لا شبهة نبوغ ، أو تفرد ، القضية هى فيما يلى هلاميات البداية .
كنت أكتب قصصاً مما يبعث به الصغار إلى مجلات الأطفال ، فتنشرها بعد أن تهذبها ، أو تعيد كتابتها ، وقرأت محاولاتى لتلاميذ ـ وأحياناً : أساتذة ـ مدرسة البوصيرى الأولية . وعجل زميلى فى الدرج المجاور باحترافى ، حين أصر أن أكتب له قصة ، فلا يقرأها سواه ، ودفع المقابل مليمين ، كنت أسعد الناس بهما ، لا للقيمة المادية ، بل لأنى تقاضيت أجراً عما كتبته !
***
كانت الملاك روايتى الأولى ، المطبوعة . توليفة مقلدة للمنفلوطى وطه حسين والمازنى والسباعى وعبد الحليم عبد الله وغيرهم ، تلتها رواية ظلال الغروب . توهمت ـ دون وعى حقيقى ـ أن الجنس مهم فى العمل الفنى، فحشوتها بمواقف جنسية زاعقة ، وغير مبررة ، فى حين كان قوام الرواية قصة حب ساذجة بين شاب وفتاة ، انتهت بموت الفتاة إثر مرض لم يمهلها . قصة أتيح لى معايشتها ، وكانت الفتاة الراحلة هى طرف العلاقة الآخر . ثم كتبت رواية باسم أين الطريق ؟ ، لا أذكر شيئاً من أحداثها ولا شخصياتها ، وإن كنت أذكر ـ بحب ـ محاولة صديقى المهندس صلاح شاهين ـ أحد قيادات الإخوان المسلمين بالإسكندرية ـ طباعتها على نفقته .
إرهاصات ، أحتفظ بها فى مكتبى ، من قبيل الذكرى ، ولتلمس خطوات البداية . أما القصة التى أعتبرها بدايتى الحقيقية ، فهى " يا سلام " ، كتبتها فى 1956 ، ونشرتها ضمن مجموعتى " تلك اللحظة " .
حاولت ـ بالطبع ـ أن أنشر محاولاتى الباكرة فى صحف الإسكندرية . قدمت الفصلين الأولين من روايتى " أين الطريق " إلى رئيس تحرير جريدة " العهد الجديد " ، وكانت تصدر كلما توافر لها من الإعلان ما يحقق الربح سلفاً ، ونشر الفصل الأول من الرواية فى الجريدة ، لكن رئيس التحرير دفع بالفصل الثانى إلى جريدة أخرى اسمها " الاتحاد المصرى " ، فنشرته . وعرفت أن الجريدتين تتبادلان النشر بما يسوّد بياض الصفحات ، ولأن القارئ الذى يتابع كان غائباً ، فقد كانت تكملة نشر مواد إحدى الجريدتين فى الأخرى مسألة واردة ، المهم أن تصدر الجريدة فور أن تتوافر لها الإعلانات التى تحقق لها الربح المسبق .
بالمناسبة : لقد ضاعت مسودات تلك الرواية الباكرة . ومع أن صديقى صلاح شاهين قد تكفل بطباعة الجزء الأكبر من الرواية على نفقته ، ولم يطبع الجزء الباقى لتكاسل منى ، لا لتقصير منه .. مع ذلك ، فإن كل ما يتعلق بتلك الرواية الباكرة يبدو فى ذاكرتى الآن كالأصداء البعيدة ، الاسم وحده هو ما أذكره الآن منها !
***
الفن ـ الرواية والقصة على وجه التحديد ـ عالمى الذى أوثره بكل المودة ، أتمنى أن أخلص لهما ـ تجربة وقراءة ومحاولات للإبداع ـ دون أن تشغلنى اهتمامات مغايرة ، لكن الإبداع الروائى والقصصى فى بلادنا لا يؤكل عيشاً . ربما أتاحت رواية وحيدة فى الغرب لكاتبها أن يقضى بقية حياته بلا عوز مادى ، فيسافر ، ويتأمل ، ويقرأ ، ويخلو إلى قلمه وأوراقه ، دون خشية من الفقر ، وما يضمره من احتياجات .. لكن المقابل المحدد ، والمحدود ، الذى يتقاضاه المبدع فى بلادنا ثمناً لعمله ، يجعل التفرغ فنياً أمنية مستحيلة .
لقد اعترف الروائى الإنجليزى فرانسيس كنج ـ فى بساطة وصراحة ـ أن السبب الحقيقى فى اتجاهه للنقد ، هو أنه من الصعب ـ فى بريطانيا ـ أن يحيا المرء على كتابة الروايات فحسب ، ومن ثم فقد اتجه ـ وعدد آخر من الروائيين البريطانيين ـ إلى كتابة النقد والدراسات الأدبية . فإذا كان ذلك هو ما يقدم عليه الروائيون فى الغرب ـ لظروف اقتصادية كما ترى ـ فماذا تتوقع من الروائيين العرب الذين يتقاضون ـ مقابلاً لأعمالهم ـ بما لا يكاد يصل إلى قيمة نقلها على الآلة الكاتبة ؟! [ هذه الكلمات ، قبل أن يستبدل الحاسوب بالآلة الكاتبة ، بالإضافة إلى تفشى جريمة الحصول من الأدباء على تكاليف النشر بدلاً من مكافأتهم ، ولو ببضع نسخ ! ]
من هنا ، كان اختيارى ـ أو لجوئى ـ للصحافة ، فهى الأقرب إلى قدرات الأديب واهتماماته ، وهمومه أيضاً . وكنت أتذكر المازنى وهو يجد فى كل ما يصادفه مادة صحفية ، بينما الفن وحده شاغله وهواه ، وكتبت فيما أعرفه ، واستعنت ـ بالقراءة ومحاولة الفهم والاقتراب المباشر ـ فيما لم أكن أعرفه . ووجدت فى حياتى الصحفية ـ أحياناً ـ ما يغرى بكتابة عمل أدبى : رواية النظر إلى أسفل مثلاً ، ورواية الأسوار ، ورواية الخليج " ، ورواية صيد العصارى " ، ورواية كوب شاى بالحليب وغيرها ، لكن الأدب ظل ـ بالرغم منى ـ تزجية فراغ . أحاول الكتابة إن وجدت فى أسوار الصحافة منفذاً . لذلك كان ترحيبى ـ متحسراً ـ بالسفر إلى سلطنة عمان ، للإشراف على إصدار جريدة " الوطن " . وكنت أمنى النفس بأن أدخر فى الغربة ما يعيننى على الإخلاص للفن وحده ، لكن الأمنية ظلت فى إطارها لا تجاوزه . وكان لابد أن أكتب فى موضوعات تقترب من الفن ، أو تبعد عنه . وحتى لا أفقد ذاتى فى سراديب مجهولة النهاية ، فقد فضلت أن تكون محاولاتى أقرب إلى ما يشغلنى بالفعل ، فى الفن ، وفى الحياة عموماً . وبصوت هامس ـ ما أمكن ـ فإن " مصر " ، الموطن واللحظة والماضى والمستقبل ، هى الشخصية الأهم فى كل إبداعاتى . ذلك ما أحرص عليه ، وما لاحظه حتى القارئ العادى . تعمدت أن تكون مصر : تاريخها وطبيعتها وناسها ومعاناتها وطموحها ، نبض كتاباتى جميعاً ، ما اتصل منها بالصحافة وما لم يتصل ، ما اقترب من الأدب وما لم يقترب ، وكانت حصيلة ذلك ـ كما تعرف ـ عشرات المقالات التى تتناول شؤوناً وشجوناً مصرية ، بدءاً بكتابى " مصر فى قصص كتابها المعاصرين " إلى كتاب " مصر المكان " ، وربما إلى كتب أخرى تالية .
لم تكن الصحافة إذن مدخلى إلى الأدب ، لكن الأدب كان مدخلى إلى الصحافة . أحببت الأدب ـ كما قلت لك ـ فى سن باكرة ، لا أستطيع تحديدها تماماً . ولما حاولت اختيار وظيفة أحيا من راتبها ، كانت الصحافة هى المهنة الأقرب إلى اهتماماتى الأدبية . أذكر قول أرسكين كالدويل : " لم يكن لدى طموح فى أن أجعل الصحافة مهنتى فى الحياة ، لكن عمل الصحافة هو الكتابة ، وكانت الكتابة هى الشيء الذى كنت أريد أن أتعلمه " ( ت سيد جاد ) . أقدمت على العمل فى الصحافة وفى خاطرى قول همنجواى " إن العمل الصحفى لن يؤذى الكاتب الناشئ إذا استطاع أن يتخلص منه فى الوقت المناسب . وكنت أدرك ـ كما أدرك تولستوى دوماً ـ أن أية مهنة لا يمكن أن تنتزعنى من الأدب . عاهدت نفسى ـ مثلما فعل كالدويل من قبل ـ على أن أى عمل أشتغل به غير الكتابة ، سوف يكون مؤقتاً ، لا لشيء إلا من أجل الاستمرار فى العيش ، والاحتفاظ بسقف فوق رأسى ، وبكساء فوق جسدى .
قد تقتل الصحافة موهبة الأديب إن نسى نفسه ، وارتمى فى أمواجها . اخترت الصحافة لأنها أقرب المهن إلى طبيعة الأديب ، وإلى اهتماماته ، وحتى لا أصبح مثل جوليان سورل ـ بطل ستندال ـ فأواجه دائماً تلك المشكلة الأليمة التى تتمثل فى الوجبة التالية ، ومن أين آتى بها . إذا كنت قد حاولت الإجادة ، فلأنى أحاول الإجادة فى أى عمل أوافق على أدائه ، حتى لو لم أكن أحبه . مع ذلك ، فإنى أحاول أن أجعل معظم وقتى للأدب ، وأقله للصحافة . علمتنى ذلك تجربة السنوات التسع التى قضيتها مسئولاً عن تحرير " الوطن " . وحتى الآن ، فإن حلم كافكا يراودنى فى أن أستطيع الحصول من عمل أكتبه على ما يسد احتياجاتى ، لكى أفرغ لكتابة عمل آخر . حينذاك تكون كل آمالى فى الحياة قد تحققت .
(يتبع)
د. حسين علي محمد
10-27-2009, 07:25 AM
ماذا يريد الكاتب ؟ (2- 4)
بقلم: محمد جبريل
.....................
أستعيد ـ فى لحظات انشغالى ـ قول همنجواى " كلما ازداد الكاتب انغماساً فى عمله ، بعد عن أصدقائه ، وأصبح وحيداً " . ومع أن جابرييل جارثيا ماركيث يؤكد أن لحظات السعادة المطلقة ، والوحيدة ، لم يعشها إلا أثناء الكتابة ، فإن الكتابة ـ فى تقديره ـ أكثر المهن عزلة فى العالم " فلا أحد بإمكانه مساعدة المرء فى كتابة ما يكتب " .
من ناحيتى ، فأنا لا أعتزل الناس حتى فى لحظات الكتابة . إنهم شاغل ما أكتبه ، وسدى كلماته . وإذا كان بوريس بورسوف يؤكد أن أى فنان حقيقى ينطلق فى أعماله من تجربته الروحية الذاتية ، فالواقع أنى لا أكتب لنفسى ، لا أكتب لأودع ما أكتبه أحد الأدراج ، أو أمزقه بعد أن أنتهى منه ، وإنما أدفع به إلى الناشر ، سواء فى صحيفة أو كتاب . يشغلنى أن يرى النور ، أن يقرأه الناس ، ويفيدون ، أو يستمتعون به ، أو يناقشونه ، أو حتى لا يجدون فيه ما يستحق القراءة . نصحت بيرل باك كتاب الرواية ، أو من يريدون كتابة الرواية ، بألا يصبحوا ذلك إذا استطاعوا تجنبه . إن تأليف الروايات يستنفد حياة الروائى كلها ووجوده " وإذا لم يضح بحياته ووجوده وهو جذلان ، فعليه ألا يقدم على التضحية إطلاقاً " .. " لا توطن نفسك أبداً على أنك ستجنى مالاً من تأليفك رواية ، إنها أكبر مغامرة فى العالم ، إذا كنت عجوزاً أو قلقاً ، بل وإذا كنت قلقاً فقط ، أكتب الرواية إذا أحسست بأنه لابد أن تكتب رواية ، لكن اعتبر الأجر مصادفة سعيدة قد لا تحدث . احصل على جزائك من مجرد كتابتك لهذه الرواية ، وحاول أن تقنع بهذا " ( ملحق " المساء " الثقافى 30/12/1964 )
***
الكاتب لا يخترع شخصياته . من الصعب أن تكون الشخصيات منبتة عن الواقع تماماً . بل إن كاتب نفسه ربما تصور أنه اخترع الشخصية ، والحقيقة ليست كذلك . إنه لو حلل الشخصية إلى عناصرها الأولى ، فلابد أن يجد فيها ملامح وقسمات من شخصيات عرفها بصورة مقيمة ، أو طارئة ، وربما قرأ عنها ، أو سمع بها ، دون أن يتاح له التعرف إليها مباشرة . وكما يقول ألبير كامى ، فلا يمكن أن تكون إحدى شخصيات العمل الفنى هى الفنان نفسه ، وإن ظل هناك احتمال بأن يكون الفنان فى آن واحد ، جميع الشخصيات التى خلقها . إن العمل الأدبى ـ على نحو ما ـ يحمل طابع السيرة الذاتية ، وعلى حد تعبير الناقد الروسى بوريس بورسوف ، فإن " الذى يكتب بشكل حقيقى ، هو من يفكر بنفسه ، وبكل شيء آخر فى آن معاً " .
" أنا مدام بوفارى " ، عبارة لفلوبير . وفيما عدا استثناءات قليلة ، فإن رواياتى وقصصى ـ بدرجة أو أخرى ـ حياتى . لست أزعم ـ كما قال ألان روب جرييه عن نفسه ـ إن مذكراتى الحقيقية موجودة فى رواياتى ، لكن معظم أعمالى ـ إن لم يكن جميعها ـ تنطلق من تجربتى الشخصية ، وإن صعب القول إنه يمكن اعتبارها سيرة ذاتية حقاً . ولعلى أوافق نجيب محفوظ على أن تجربة الفنان ليس من الضرورى أن تحدث له شخصياً ، لكنها قد تحدث لآخرين ممن أتيح له أن يعايشهم عن قرب [ ونتذكر كامل رؤبة لاظ بطل روايته السراب ] . معظم ما كتبته ، وأكتبه ، يتناول أحداثاً عشتها ، أو تعرفت إليها ، بصورة صحيحة . وعلى حد تعبير همنجواى فأنا لا أعرف إلا ما رأيته . أوافق يحيى حقى فى أن التصوير الفنى لوردة فى حديقة ، يختلف عنه لوردة فى صورة كتاب ، تلمس خشونة الأوراق والساق وقطر الندى يختلف عن التعرف إليها فى الصورة المسطحة . حتى أعمالى التى حاولت توظيف التراث ، أفدت فيها من ملامح وتصرفات شخصيات تعرفت إليها ، وعايشتها . وكما وصف كونراد بطل روايته " لورد جيم " بأنه " واحد منا " ، فلعلى أزعم أن الوصف نفسه ينطبق على معظم الشخصيات التى تناولتها فى أعمالى . ولا يخلو من دلالة أن العديد من أبطال رواياتى كانت القراءة شاغلاً أساسياً لهم : منصور سطوحى فى الصهبة ، حاتم رضوان فى الشاطئ الآخر ، عادل مهدى فى " المينا الشرقية ، المؤرخ فى قلعة الجبل ، شاكر المغربى فى النظر إلى أسفل ، محمد إبراهيم مصطفى العطار فى قاضى البهار ينزل البحر ، رفعت القبانى فى حكايات الفصول الأربعة ، وغيرهم .
وإذا كان فوكنر قد اخترع مدينة هى " جيفرسون " تدور فيها أحداث رواياته ، فى حين اخترع ماركيث مدينة هى " ماكوندو " تعبيراً عن خصوصية البيئة فى أمريكا اللاتينية ، فإنى حرصت على الكتابة عن " بحرى " باعتباره كذلك . لم أحذف ، ولم أضف ، إلا بقدر الاختلاف بين الواقع والفن ، وكما أشرت قبلاً ، فإن الفن ليس نقلاً فوتوغرافياً للواقع ، لكنه إيهام بذلك الواقع . بحرى ليس ماكوندو ماركيث ، ليس فردوساً أرضياً وفرصة رائعة أمام الإنسان ، ليحقق ما عجز عن تحقيقه من أمنيات . أهل بحرى يعانون ويقاسون ويعملون ويمرضون ويفرحون ويموتون ويألمون ويأملون ، لا أضيف جديداً لو قلت إن المحلية هى البيئة الحقيقية التى يجدر بأعمالنا الفنية أن تتحرك فى إطارها ، توصلاً للإنسانية . وإذا كانت المحلية ـ فى اتفاق الجميع ـ شرطاً أساسياً لتحقيق العالمية ، فإن المحلية ليست فى تلك الحكايات الساذجة ، أو الهلاميات ، أو الصور التى تفتقد الترابط ، بحيث يصعب نسبتها إلى العمل الفنى فى إطلاقه . وعندما ترجمت ـ بمبادرات طيبة من لجاننا المختلفة ـ نماذج من تلك الأعمال التى يمكن القول ـ بكثير من التجاوز ـ إنها جيدة فنياً ، فإن القارئ الأجنبى وضعها فى الإطار الذى ينبغى ألا تتجاوزه . المحلية العالمية هدف من الصعب بلوغه . ترجمنا العديد من أعمال كبار أدبائنا إلى لغات أجنبية ، فلم تجاوز اهتمامات المستشرقين والمعنيين بالثقافة العربية . صارحنى أستاذنا حسين فوزى ـ وقد طالت إقامته فى أوروبا ـ عن " نهر الجنون " لأستاذنا الحكيم ، بأن ترجمتها إلى الفرنسية حققت أثراً سلبياً ، لأن قيمتها الفنية تهبط عما يمكن لطالب فرنسى فى المرحلة الثانوية إبداعه . لم يجد حسين فوزى فى تلك الملاحظة انتقاصاً لأعمال الحكيم ، فالإعجاب بيوميات نائب فى الأرياف وعودة الروح ـ على سبيل المثال ـ يبين عن نفسه ـ فى المقابل ـ فى آراء النقاد الأجانب ، وإن تحفظت تلك الآراء فى نسبتها كذلك إلى الإبداع العالمى ، بكل ما تنطوى عليه الصفة من مواصفات محددة ، وصارمة . مع ذلك ، فإن الإبداعات العربية الحديثة قد أفرزت ـ فى فهمها الواعى لمعنى المحلية ـ معطيات يصح انتسابها ـ بدرجات متفاوتة إلى الأدب العالمى فى إطلاقه . العمل الفنى الحقيقى هو الذى يلتحم ببيئته بصدق ، ويعبر عن تلك البيئة بالصدق نفسه ، شريطة أن يعى الفنان مقومات الإبداع الفنى بعامة ، وأن تكون الهموم التى يتناولها ـ رغم محليتها ـ هى هموم الإنسان فى كل مكان . المثل الذى يحضرنى قصة تشيخوف الرائعة " لمن أسرد أحزانى " . لا يجد الحوذى من يسرد له أحزانه ، فيتجه بالحديث إلى حصانه ، يبثه ما يعانيه ، شخصية روسية تنتمى إلى أواخر القرن الماضى ، لكنه ـ فى الوقت نفسه ـ شخصية إنسانية ، بكل ما تنطوى عليه هذه الصفة من دلالات .
***
الملاحظة التى ربما أبداها البعض ، واكتفى البعض الآخر بإيرادها تساؤلاً فى عينيه ، هى أن حياتى خاصة ، فلا أغادر بيتى إلا نادراً ، ولا ألتقى الآخرين إلا لضرورة ، ولا أتردد على الندوات أو المقاهى أو أماكن التجمعات بعامة ، بما يعجل بنفاد مخزون " التجارب " التى تصلح نبضاً لأعمالى . والملاحظة ـ فى ظاهرها صحيحة ـ بل إنى أقدرها تماماً ، وإن كنت أجد فيما قدمت من أعمال جواباً مقنعاً . وبصراحة ، فليس ثمة فجوات فى حصيلتى المعرفية والاجتماعية والنفسية . ولعلى أحرص ـ فى كل لحظة ـ على أن أحتفظ بقدرتى على الدهشة . إذا زايلتنى هذه القدرة ، فإن الخطوة التالية ـ كما أتصور ـ هى أن أهجر الإبداع مطلقاً . إن عين الفنان تختلف فى نظرتها إلى من حولها ، وما حولها ، عن عين الإنسان العادى . عين الفنان شديدة الحساسية ، بارعة الالتقاط ، دقيقة الملاحظة . قد يغادر الإنسان العادى حياة كاملة لها خصوصيتها وتفردها ، فلا يستقر فى داخله منها شيئ. أما الفنان ، فقد تهبه جلسة عادية مع أناس عاديين ، حياة خصبة ، بما يضيف إليها من تجاربه ورؤاه وخياله . من خصائص العمل الجيد أن صاحبه يلفت نظرى إلى أشياء طالما شاهدتها من قبل ، لكننى لم ألتفت إليها ، بل ولم أفطن إلى وجودها .
مع تأكيدى على أهمية التجربة ، فليس إلى حد تذوق الزرنيخ مثلما فعل فلوبير ، حين أراد التعبير عن انتحار مدام بوفارى ، ليرى مدى تأثير الزرنيخ فى النفس والجسد . الشخصية الروائية لا تبدو غريبة عن الواقع ، أو هذا ما ينبغى أن يكون . الفن ـ كما أشرت ـ إيهام بالواقع ، والفنان لا يأتى بشخصياته من فراغ . إنها محصلة الواقع والخيال فى آن . من هنا ، أتفهم قول برتولت بريخت إن " شخصيات العمل الفنى ليست مجرد أشباه للناس الأحياء ، بل صور حددت ملامحها بما يتناسب والمنهج الفكرى للمؤلف " . على سبيل المثال ، فإن السلطان خليل بن الحاج أحمد وعائشة بنت عبد الرحمن القفاص وخالد عمار والمعلم شيحة ومختار الرمادى وتغريد وخيرات ، هؤلاء وغيرهم ليسوا شخصيات تاريخية حقيقية ، لكنها شخصيات اخترعها خيال الفنان ، وإن أفاد فى ملامحها الظاهرة والنفسية من شخصيات معاصرة تعرف إليها . أكد لى الصديق الراحل فاروق خورشيد أنه قرأ قلعة الجبل باعتبار أن السلطان خليل شخصية حقيقية فى التاريخ المملوكى ، وتوافق اسم سلطان التاريخ مع سلطان الرواية لا يجاوز المصادفة البحتة . أما الصديق الأستاذ الجامعى حسن البندارى فقد عرض مساعيه لبيع ما تصور أنه يوميات المتنبى لجامعات أجنبية . وأما الصديق الشاعر كامل أيوب ، فقد دفع برواية من أوراق أبى الطيب المتنبى إلى سلسلة المكتبة الثقافية ، بتصور أنها تحقيق وتقديم ليوميات المتنبى . فلما صارحته بأن الرواية من تأليفى ، أصر أن أكتب ورقة تتضمن ذلك المعنى .
حين ألح فى وجود المصدر الواقعى للشخصيات التى تضمها أعمالى ، لا أعنى أنى أنقل الشخصية كما هى فى الواقع . ألتقط لها صورة فوتوغرافية ، أو أرسم " بورتريه " يحاول الإجادة فى النقل ما أمكن . المصدر الواحد ، المحدد ، فى الشخصية ، أولى به أن يبعد عن الفن ، إنه يصبح أقرب إلى الكتابة الببليوجرافية ، أو التقارير . ثمة نمط إنسانى معين ، شخصية محددة ، لكن تلك الشخصية تهجّن ، تطعّم بقسمات وملامح من شخصيات أخرى ، تتداخل معها ، فتشكل شخصية أخرى ، هى شخصيات العمل الأدبى ، الشخصية الأصل ، الشخصيات المتداخلة ، موروثات الكاتب وقراءاته وتجاربه . ليست كل الشخصيات مما يصلح لأن يتوقف الكاتب أمامها ، يتأملها ، يعلن بينه وبين نفسه : هذه شخصية روائية . مع ذلك ، فإن الكاتب لا ينقل ملامح الشخصية وقسماتها كما هى فى الواقع . إنه يضيف إليها ، ويحذف منها ، فتنتهى إلى شخصية روائية حقيقية ، فيها من الواقع ، ومن الكاتب نفسه . قد يختار الفنان شخصية من الواقع ، ثم يضفرها بتجاربه ـ وتجارب الآخرين ـ ورؤاه وخبراته وقراءاته وخياله ، فتتشكل من ذلك كله شخصية جديدة ، هى الشخصية الروائية . والذهن ـ وحده ـ ليس مصدر استلهام الشخصية الروائية ، إنها عملية معقدة ، يشارك فيها الذهن والوجدان والعين والأذن ، لتبين الشخصية الروائية عن ملامحها . وبافتراض أن الفنان قد استطاع أن يخترع شخصيته الروائية تماماً ، فلا ظل وجود لها فى الواقع ، فإنها ستأتى ـ بالضرورة ـ شخصية آلية ، بلا حياة . وأغلب الظن أنها لن تكون شخصية مقنعة .
لقد كتب جارثيا ماركيث وقائع موت معلن بعد حادثة قتل شاهدها فى أحد شوارع مدينة أرتاكا " أطلقت الرصاصات على الضحية وهو عائد إلى منزله ، أغلقت أمه الباب ، ذلك شيء يفوق التصور : رجل ثرى له أهميته يضرب من جهتين . طلبت منى أمى ـ فى ذلك الحين ـ ألا أكتب شيئاً ، لأن هذا سوف يقاضى أم الضحية بتهمة إغلاق الباب على نفسها . وعدت أمى ألا أكتب شيئاً طيلة حياة هذه المرأة . وقد سمعت أنها ماتت منذ خمس سنوات ، وبدأت أفكر فى كتابة الرواية " ( الهلال ديسمبر 1982 ) . أما أستاذنا نجيب محفوظ ، فقد كانت روايته الشهيرة اللص والكلاب تأثراً مباشراً بسيرة السفاح محمود أمين سليمان ، الذى أراد أن ينتقم من زوجته الخائنة ، فأصابت رصاصاته أبرياء كثيرين . ويصف لنا يحيى حقى فى كتابه " عطر الأحباب " تلك الأيام التى كانت فكرة " اللص والكلاب " قد شغلت فيها نجيب محفوظ ، سيطرت على أفكاره ومشاعره ، تحاول التخلق كعمل فنى .
***
(يتبع)
د. حسين علي محمد
10-27-2009, 07:26 AM
ماذا يريد الكاتب ؟ (3 - 4)
بقلم: محمد جبريل
.....................
يقول أرسكين كالدويل : " إنى أعتقد أن الكتابة الخلاقة تحركها حالة ذهنية معينة ، وأن أولئك فقط الذين ولدوا بهذه الموهبة ، ويسعون بجهد متواصل ليعبروا عن أنفسهم كتابة ، يمكن أن يحققوا النجاح الذى يريدون " ( كيف أصبحت روائيا ـ 266 ) . وفى تقديرى ، أن كاتب الرواية أو القصة القصيرة ينبغى أن يكون دارساً لعلم الاجتماع وعلم النفس والتربية والتاريخ والأنثربولوجيا ، وملماً ـ إن لم يكن منغمساً ـ بالتطورات السياسية فى بلاده ، وفى العالم ، فضلاً عن وجوب أن يكون ذا نفس مناضلة ، تحيا واقع الجماعة ، وتحس به ، وتخلص فى التعبير عنه . وباختصار ، فإن الروائى ، والمبدع بعامة ، ينبغى أن يكون متسلحاً بثقافة موسوعية . نحن إذا هدمنا شيئاً ما ، بناية مثلاً ، فإن الهدم ليس غاية فى ذاته ، إنما الهدف ـ أو هذا هو ما ينبغى ـ أن يكون الهدم للبناء ، للإضافة ، للتطوير . الهدم لمجرد الهدم مرفوض ، والتعرف إلى البدايات والقواعد والركائز والأصول هو ما يجدر بالأديب أن يحصل عليه ، مثلما أنه على الفنان التشكيلى أن يتعرف إلى المذاهب والاتجاهات الفنية المختلفة . الأمر نفسه بالنسبة للمبدع فى كل المجالات ، أن يحيط بالخصائص الفنية ، التقليدية ، للفن الذى اختاره . بوسعه ـ بعد ذلك ـ أن يهدمه ، ليضيف ، ويطور ، بقدر ما تمنحه قدراته الفنية وموهبته . أشير إلى قول هنرى جيمس : لا يمكن لقصة جيدة أن تنبثق عن ذهن سطحى " .
أنا حين أتحدث عن ثقافة الكاتب ، عن خبراته وقراءاته وتجاربه وتأملاته وإفادته من كل الفنون فى إثراء فنه ، وتوضح البعد الثقافى بعامة فيما يكتب .. حين أتحدث عن ذلك ، فإن الأرضية التى يقف عليها ذلك كله هى الموهبة . لا فن بلا موهبة . مهما حصّل الكاتب من ثقافة ، فإنها لا شيء بلا موهبة . حتى الفلسفة بمعناها الأكاديمى المتخصص يجب أن يحصل المبدع على المتاح من التثقف فيها . وفى المقابل ، فلعل أهم ما يجدر بالفنان أن يحرص عليه ، هو أن يحترم ثقافة قارئه ، وأن يحترم ذكاءه أيضاً . وقد طالما حرص الرومانتيكيون على تضمين أعمالهم خطباً وشعارات ، بينما يكتفى الفنان المعاصر ـ أو هذا هو المطلوب ـ بالإضمار التصويرى . يثق فى ذكاء قارئه ، وأن من حق القارئ ـ وواجبه ـ أن يتأمل العمل الفنى ، ويمعن النظر فيه ، بل ويملأ الفجوات التى يتركها الفنان فى ثنايا العمل بما يحمله من ثقافة وذكاء . كانت تلك محاولتى ـ على سبيل المثال ـ عقب إضراب النزلاء فى الأسوار ، ملأت الفجوات بفقرات تروى نتفاً من وقائع التاريخ القديم، والمعاصر، واعتبرتها نسيجاً فى العمل الفنى ، يصل ما بين بدء الإضراب ، والرضوخ لمطالب النزلاء ، وتركت لذكاء القارئ تبين ذلك .
والأمثلة كثيرة .
***
لست أذكر القائل : إن على الكاتب مهمتين : الأولى أن يقول شيئاً ، والثانية أن يروى شيئاً ، لكنه قول صحيح تماماً . ورغم احترامى لقول بيكيت " ليس لدى شيء أقوله ، فأنا الوحيد الذى يستطيع أن يقول إلى أى حد أننى ليس لدى شيء أقوله ، أو مضطر لأن أقوله " فإن المقولة / الدلالة واضحة فى أعمال بيكيت . قد تتعدد التفسيرات ، والتعرف إلى ما يحمله العمل من دلالات مضمونية ، لكنها موجودة [ أذكرك بتفسير نجيب محفوظ لمسرحية بيكيت لعبة النهاية فى كتابى نجيب محفوظ : صداقة جيلين ] . فى رسالة من تولستوى إلى مواطنه الروائى الروسى ليونيد أندرييف ، يشير إلى أنه على الكاتب ألا يكتب " إلا إذا استحوذت عليه الفكرة التى يود التعبير عنها بأحسن ما فى طاقته ، وألا يفكر حينئذ فى شيء آخر غير إجادة التعبير ، فلا ينظر إلى ما تضفى عليه الكتابة من شهرة أو مال " , وكتب تشيخوف فى إحدى رسائله : " دعنى أذكرك بأن الكتاب الخالدين ، أو فى الأقل ذوى الموهبة ، الذين يهزون نفوسنا ، لديهم سمة مشتركة بالغة الأهمية ، هى أنهم يتجهون إلى شيء ، وأنهم يدعونك إليه أيضاً ، وإنك تحس ، لا بعقلك وإنما بكيانك كله . إن لديهم هدفاً ، بعضهم لديه أهداف مباشرة ، كالقضاء على الإقطاع وتحرير البلاد ، وكالسياسة أو الجمال ، أو مجرد الفودكا ، وآخرون لديهم أهداف بعيدة كالله ، وكالحياة بعد الموت ، وكسعادة البشرية ، وهكذا، وإن أفضلهم كتاب واقعيون يصورون الحياة كما هى ، ولكن على الرغم من أن كلاً منهم يستغرقه هدف واحد ، فإنك تحس فى أعمالهم ، لا مجرد الحياة كما هى ، بل تحس الحياة كما ينبغى أن تكون ، وإن هذا ليأسرك " . إن للعمل الأدبى استقلاليته ، لكن وجود العمل مستمد من المبدع الذى كتبه ، من تمايز خبراته وتجاربه وقراءاته وتأملاته ورؤاه . أفترض أن العمل كتب نفسه ، أو هذا ـ فى الأقل ـ ما أتحمس له ، لكننى لا أتصور أن يصدر العمل عن فراغ ، حتى الثمرة المعينة هى ـ فى الأساس ـ بذرة معينة ، وضعت فى تربة معينة ، ومناخ معين .. وإلا ، فما سر زراعة محصول بذاته فى بلد ما ، ولا يمكن زراعته فى بلدان أخرى ؟!. وإذا كان رأى بوشكين أن " الفنان الحقيقى يهب نفسه كلها للفن " ، فإنى أجد أن القضايا التى يناقشها الفن ويطرحها ، وليس الفن كغاية ترفيه ، هى ما ينبغى على الفنان أن يخلص لها . ولعلى أذكر قول بيرل باك " الفنان اليوم لم يعد يكفيه أن يملك أداة رائعة من الصنعة المكتملة ، بل لابد أن يكون لديه شيء جدير بهذه الأداة يعبر عنه " ، بل إن دعاة الفن للفن يشيرون إلى أنه " على الكاتب أن يتحدث عن شيء من الأشياء " ( ما الأدب ص 25 ) . وقد أبدى سارتر أسفه على لا مبالاة بلزاك تجاه أحداث عصره ، وعلى عدم الفهم ، وعلى الخوف أيضاً الذى أبداه فلوبير تجاه حكومة الكوميونة ، فضلاً عن أنه اعتبر فلوبير والأخوين جونكور مسئولين عن القمع الذى أعقب حكومة الكوميونة، لأنهما لم يكتبا حرفاً واحداً.
المسألة ـ فى تقدير بريخت ـ ليست مجرد تفسير العالم ، بل تغييره ، وعلى حد تعبير كافكا فإن رسالة الكاتب هى أن يحول كل ما هو معزول ومحكوم عليه بالموت ، إلى حياة لا نهائية ، أن يحول ما هو مجرد مصادفة إلى ما هو متفق عليه مع القانون العام " إن رسالة الكاتب نبوية " .
بالنسبة لى ، فإن الكتابة قضية حياة ، وليست مهنة . وكما أشرت سلفاً ، فقد بدأت الكتابة دون أن أفكر : لماذا أكتب ؟. العقاد يؤكد أن الأديب يكتب لأن له رسالة ، ورسالة الأديب هى رسالة الحرية والجمال ، قلمه يجب أن يصبح سلاحاً ضد الديكتاتورية والاستبداد . ذلك مجمل ما يجيب به العقاد عن السؤال : لماذا يكتب الأديب ؟ ، يذكرنى بأول ما أصدرته من كتب مطبوعة ، اسمه " الملاك " ، من الصعب تصنيفه ككتاب ، فعدد صفحاته ستة عشر بالتمام والكمال ، فهو إذن أقرب إلى الكراسة أو الكتيب فى أفضل الأحوال ، محاولة غلبت عليها السذاجة ، وارتكزت إلى التقليد ، مهدت لها بكلمات مشابهة لكلمات العقاد ، وإن لم أكن وقتذاك قد صادفت كلمات العقاد فيما أتيح لى قراءته من كتب . أما الكلمات فهى : الحق ، الحرية ، الحب . ومع أنى لا أذكر الظروف التى كتبت فيها هذه الكلمات ، ولا بواعث كتابتها ، فضلاً عن أنى لم أكن أفهم دلالاتها جيداً ، وإن أمليتها على قلمى .. مع ذلك ، فإنى حين أتدبر هذه الكلمات الآن ، أجدها واضحة فى إطار اهتماماتى الفكرية .
الرواية ـ فى تقدير دوبريه ـ " ذلك الشكل الأدبى الذى يؤدى دور المرآة للمجتمع ، مادتها الإنسان ، أحداثها مبعثها صراع الفرد ضد الآخرين ، للملاءمة بينه وبين مجتمعه ، وينتج عن ذلك الصراع خروج القارئ بفلسفة ما ، أو رؤيا شمولية للروائى " . أرفض دعوة ناتالى ساروت بأن تتحرر الرواية من كل هدف أخلاقى أو اجتماعى ، وأعتبر الكاتب ـ بدرجة وبأخرى ـ موقفاً فى عصره . أستعير من د . هـ . لورنس قوله " بما أن الإنسان يصور العالم من منطلق نظرى ، فمن المطلوب أن يكون لكل رواية خلفية أو مخطط لنظرية عن الوجود ، شيء ميتافيزيقى ، لكن ذلك الشيء الميتافيزيقى عليه أن يخدم الهدف الفنى دوماً، ويختفى وراء وعى الفنان ، وإلا تحولت الرواية إلى دراسة " . وأذكر أن دعوت ـ فى سن باكرة ـ نسبياً ـ إلى ضرورة أن يتضمن مجموع أعمال كل أديب فلسفة حياة ، نظرة شاملة مجتمعية وسياسية وثقافية وميتافيزيقية . كتبت فى " المساء ( 8/9/1960 ) بعنوان " فلسفة القصة " : لو نظرنا إلى أعمال أعظم روائى فى الشرق العربى الآن ـ نجيب محفوظ ـ لأخذتنا الروح الشعبية الصميمة ، واللمسات الإنسانية التى تنبض فى كل سطورها . لكن هذه الأعمال جميعاً لا تريد أن تقول شيئاً محدداً ، فالثلاثية ـ مثلاً ـ اعتبرها بعض النقاد تخطيطاً جغرافياً وتاريخياً ناجحاً للإقليم المصرى [ اسم مصر حينذاك ] إبان ثورة 1919 ، هى صورة اجتماعية صادقة لحياة العصر ، لكنها تفتقر إلى الفلسفة الواضحة التى تعكس نظرة الكاتب إلى الحياة [ راجعت هذا الرأى فيما بعد ، وتوصلت إلى قناعات مغايرة ، أثبتها فى كتابى نجيب محفوظ ـ صداقة جيلين ] والواقع أن كل قصاصينا ، الكبار والصغار [ التعميم مبعثه حماسة الشباب ] ليست لديهم فلسفة معينة ، يمكن أن نحس بها فى كتاباتهم ، كل ما نلاحظه ونحن نخرج من قراءة أية قصة ، أن قاصنا يريد أن يحكى حكاية ، يريد أن يفض عن نفسه تجربة عاشها وعاناها ، أما ما هو الذى يريد أن يقوله من خلال هذه الحكاية ، فلا شيء على الإطلاق " .
أعمال أى مبدع يجب أن تشكل وحدة متكاملة " يوضح كل مؤلف منها مؤلفاته الأخرى، وكل منها يرى وجهه فى الآخر " . أزيد فأزعم أنى حاولت منذ تلك اللحظة ـ مجموعتى القصصية الأولى ـ والأسوار ـ روايتى الأولى ـ أن أحقق ـ بتوالى ما أكتبه ـ تلك الوحدة المتكاملة . ما أنشده فى مجموع كتاباتى ـ ومجموع كتابات الآخرين أيضاً ـ أن ينطوى على فلسفة حياة متكاملة . أن يعبر مجموع أعمال فنان ما عن صورة العالم لديه بما يختلف عن صورته فى نظر الآخرين . الأدب غير الفلسفة ، لكنه ـ فى الوقت نفسه ـ تصور للعالم ، يرتكز إلى درجة من الوعى ، وإن صدر عن العقل والخيال والعاطفة والحواس . طريقة الفيلسوف هى التنظير والتحليل والإقناع ، والصدور عن العقل ، والاتجاه كذلك إلى العقل . أما طريقة الأديب فهى العاطفة والخيال والحواس ، والصدور عن ذلك كله إلى المقابل فى الآخرين ، من خلال أدوات يملكها الأديب ، وتتعدد مسمياتها ، كالتكنيك والتطور الدرامى والحوار واللغة الموحية وإثارة الخيال إلخ . وإذا كنت أومن بوحدة الفنون ، وأن على كاتب الرواية ـ مثلاً ـ أن يضم إلى معارفه وأدوات ثقافته : القصة القصيرة والمسرحية والفن التشكيلى والموسيقا والسينما وغيرها من الفنون ، فإنى أومن ـ بالدرجة نفسها ـ بضرورة أن يقرأ الأديب فى الفلسفة ، يتأمل معطياتها ، يناقشها ، يحاول أن تكون له فى ذلك وجهات نظر . بعض كتاب القصة يعنون بالشكل السوريالى فى أعمالهم ، فإن شاهدوا لوحة سوريالية ، وقفوا أمامها فى تحير ، وربما أعرضوا عن مشاهدتها ، وثمة شعراء لا يجدون فى الأعمال الروائية ما يستحق عناء القراءة ، وسماع الموسيقا الكلاسيكية همّ ينأى عنه غالبية المبدعين [ أذكرك بمقدمة يحيى حقى البديعة لكتابه : تعال معى إلى الكونسير ] . ولعله يمكن التأكيد كذلك على أن نظرة الغالبية من أدبائنا إلى الفلسفة تحتاج إلى مناقشة ، وإلى تقويم ، والزعم بأن الفلسفة ـ وربما الثقافة بعامة ـ تفسد الموهبة ، وتسئ إلى التلقائية والبساطة والشاعرية التى ينبغى أن ينهض عليها العمل الفنى .. ذلك الزعم غير صحيح ، لأن مجرد استقراء تاريخ المشاعل فى حياتنا الأدبية يؤكد أن الحصيلة المعرفية ، والتأمل ، ومحاولات التوصل إلى صورة خاصة للعالم ، كانت هى الدعامات التى استندت إليها أعمال هؤلاء الأدباء . بل لقد أفادت الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع وغيرها من العلوم النظرية والتطبيقية ، من أعمال أدبية لسوفوكليس وشكسبير وديستويفسكى وعشرات غيرهم ، أثروا الحياة الإنسانية بمعطياتهم . وفى المقابل ، فإن المذاهب الفلسفية كانت هى النبع الذى ارتوت منه المراحل الأدبية المختلفة . وضع الفلاسفة وعلماء النفس نظرياتهم ، فبدت أعمال هؤلاء الأدباء ـ أحياناً ـ كأنها تطبيقات لتلك المذاهب [ السراب وعقدة أوديب مثلاً ] . وأفادت الأعمال الأدبية كذلك من قوانين الوراثة [ ثلاثية نجيب محفوظ مثلاً ] ، ونظرية التطور ، ونظريات علم الاجتماع ، وعلوم البيئة . وباختصار ، فإن دراسة الفلسفة ـ كجزء من عملية التحصيل الثقافى ، ينبغى أن تكون هماً لكل أديب ، يحاول أن يشكل ـ من خلالها ـ آراءه ونظرته وتصوراته للعالم الذى يعيش فيه . إنها ـ بالقطع ـ ليست ترفاً قد تستغنى عنه موهبة الأديب ، لكنها ضرورة .
لم يعد دور الأدب فى المجتمع من القضايا المطروحة فى حياتنا الثقافية . وإذا كنا قد شغلنا ـ زمناً ـ بقضية : هل الفن للفن ، أو الفن الحياة ، ودارت فى ذلك مناقشات عقيمة منذ مطالع الخمسينيات إلى مطالع السبعينيات ، فإن دور الأدب فى المجتمع الآن ، ودور الأديب بالتالى ، مما يصعب إغفاله ، أو التهوين منه ، بل ومما يصعب مناقشته ، لأنه دور قائم ومؤكد . الأديب لا يكتب لنفسه ، ولا تنطلق إبداعاته من فراغ ، ولا تنطلق إلى فراغ كذلك ، لكنه يعبر ـ على نحو ما ـ عن هموم قد تكون مجتمعية أو سياسية ، أو حتى ميتافيزيقية ، لكنها هموم تشغله ، وتلح عليه ، وتعبر عن نفسها فى أعماله الإبداعية . وتحديداً ، فإن لى موقفاً ـ أتصوره واضحاً ـ من القضايا الإنسانية والاجتماعية . هذا الموقف يبين عن نفسه فى مجموع ما صدر لى من كتابات . ثمة وشيجة تربط روايتى " الأسوار " مثلاً ، بقصة " التحقيق " برواية " قاضى البهار ينزل البحر " ، ورواية " المينا الشرقية " إلخ . وثمة وشيجة أخرى تربط روايات الشاطئ الآخر ، وزمان الوصل ، وصيد العصارى ، وزوينة " إلخ . ووشيجة بين من أوراق أبى الطيب المتنبى ، و " الأسوار ، وإمام آخر الزمان ، والنظر إلى أسفل ، والخليج ، واعترافات سيد القرية ، وحكايات الفصول الأربعة ، ورجال الظل ، وكوب شاى بالحليب . ووشيجة تربط بين زوينة ، وصيد العصارى ، و زمان الوصل ، وذاكرة الأشجار . وثمة وشيجة تربط بين رباعية بحرى ، وأهل البحر ، ونجم وحيد فى الأفق ، ومواسم للحنين ، ومجموعة ما لا نراه ، والكثير من القصص القصيرة ، إلخ .
(يتبع)
د. حسين علي محمد
10-27-2009, 07:28 AM
ماذا يريد الكاتب ؟ (4 - 4)
بقلم: محمد جبريل
.....................
والوقوف على أرضية الصفر ، بمعنى مواجهة الخطر ، وتحديه ، هو ما يلجأ إليه أبطال رواياتى ، عندما تحاصرهم الأزمة تماماً . يترددون فى البداية ، تنهكهم المطاردة ، يحاولون الاختباء أو الفرار أو التجاهل ، لكن الخطر يدفعهم ـ فى النهاية ـ إلى تحديه ، إلى مواجهته ، ومقاومته . فى روايتى الصهبة يقول الهاجس لمنصور سطوحى : لكى تفر مما يشغلك ، اقذف بنفسك داخله . وكان الوقوف على أرضية الصفر هو سر صمود بكر رضوان فى " الأسوار ، وسر حفاوة " الأستاذ " بالمصير المحتوم . وقد أذهل محمد قاضى البهار مطارديه ، وهو يصفّر ، ويغنى ، فى طريقه إلى البحر ، ليقذف بنفسه فيه . ومثلت مواجهة عائشة للسلطان خليل بن الحاج أحمد لحظات الحسم فى إصرار السلطان على أن ينتزع عائشة من المدينة ، لتقيم معه فى قلعة الجبل . واستطاعت زهرة الصباح أن تحيا فى ظل الخوف ، وتحب ، وتنجب . وفى " الجودرية " تأكد دور المهمشين فى صناعة الثورة ضد حملة بونابرت . وصارت الشقة المطلة على البحر فى البحر أمامها وطناً أعدت السيدة نجاة نفسها للدفاع عنه . وقد أراد بطل قصتى القصيرة المستحيل بإغلاق الأبواب والنوافذ ، وتكويم قطع الأثاث وراء الأبواب والنوافذ المغلقة ، أن ينأى عن الخطر فى خارج البيت ـ فعل مشابه لمد الأيدى أو إغماض العينين ـ اتقاء مواجهة ما يهدد الحياة . تناسى الرجل أن الخطر الذى يتحرك فى الخارج ، يهدد ، ويدمر ، إنما يستهدفه هو فى الدرجة الأولى . وفى قصة فى الشتاء يعانى البطل الفرار من المجهول ، فإذا تحتمت المواجهة ، بدا المجهول لا شيء لقاء إصرار البطل على المقاومة . وفى حدث استثنائى فى أيام الأنفوشى بدا السكوت عن مقاومة أسراب السمان ـ التى قاسمت أهل بحرى حياتهم ـ طريقاً إلى الجنون .
وبالطبع ، فإن هذه الأعمال مجرد أمثلة .
***
أذكر لأستاذنا زكى نجيب محمود قوله : " إنه ليكفى الكاتب العربى أن تكون أحداث العصر قد ألقت فى وجهه شيئاً اسمه إسرائيل ، لتكون وجهة نظره إلى مشكلات العصر وحوادثه ، مختلفة أشد اختلاف مع زملائه الكتاب من الجماعات التى اقترفت فى حقه هذا الجرم ، حين ينظر معهم إلى مسائل العصر وحلولها " ( العربى ـ يناير 1971 ) . كانت يا سلام أولى قصصى المنشورة ( 1958 ) هى التعبير عن انعكاس تجربة الحرب [ حرب 1956 تحديداً ـ على حياة البسطاء ، كما سجلها شاب فى حوالى الثامنة عشرة . ثم أصبحت مصر هى " القضية " فى كل ما كتبت ، مصر الماضى ، والحاضر ، واستشرافات المستقبل ، ما يعجز الفن عن تسجيله ، فإنى أحاول أن أناقشه فى دراسات . وقد أشرت فى مقدمة كتابى " مصر فى قصص كتابها المعاصرين " إلى أن من بين الأسباب التى دفعتنى لتأليفه ، والابتعاد ـ لسنوات ـ عن الكتابة الإبداعية ، تأكيد الصداقة بين الكاتب وبلاده ، بالتعرف المباشر ، وبالقراءة التى تشمل جوانب الحياة المصرية ، بكل اتساعها وخصبها وثرائها . العجوز فى يا سلام تأثرت حياته بنتائج الحرب ، لكن السلام الزائف أخطر ـ فى تقديرى ـ من الحرب ، عندما يوهمك عدوك أن المعارك بينك وبينه قد انتهت إلى الأبد ، وتعانق الوهم ، فى حين يصرف العدو جهده إلى الإعداد للحرب الحتمية ، القادمة . ثمة قول فى سفر التثنية ( الإصحاح العشرون ـ الفقرة العاشرة ) " حين تقترب من مدينة لكى تحاربها ، استدعها إلى الصلح " . الصلح غير العادل ـ كما يقول القانونى فاتيل ـ ظلم لا تتحمله أية أمة إلا لافتقارها لوسائل نقضه ، وإحقاق حقها بالسيف . القضية المحور التى تشغلنى منذ سنوات ، هى مستقبل الصراع العربى الإسرائيلى : الحياة والبقاء والموت ، الكينونة وانعدامها ، الاستمرار والانقطاع . تلك هى القضية التى تسبق فى اهتماماتى ما عداها من قضايا ، لأنها قضية المصير العربى فى إطلاقه . ألح فى أن أدب المقاومة ليس وقفاً على التحريض ضد المستعمر الذى يسعى إلى احتلال أرضى , وتشويه حضارتى وقيمى وموروثاتى وملامح شخصيتى بواسطة أدوات قد يكون من بينها معاهدة سلام . السلام مطمح ، لكنه ـ بالتأكيد ـ ليس ذلك السلام الذى يدفع أحد طرفى النزاع إلى الاطمئنان للغد والمستقبل ، والاطمئنان كذلك إلى النيات المقابلة ، بينما الطرف الآخر يدبر ويخطط ، بل وينفذ ـ علناً وسراً ـ تدبيراته . الحذر إذن مطلوب ، والتنبه إلى الغزو السلمى ، بأبعاده الاجتماعية والثقافية ، يستوجب التعرف إلى الشراك الخداعية فى حقول السلام . أشير إلى رواياتى : النظر إلى أسفل ، ومن أوراق أبى الطيب المتنبى ، والمينا الشرقية ، وصيد العصارى ، ومجموعات : هل ، وحارة اليهود ، وموت قارع الأجراس ، ورسالة السهم الذى لا يخطئ ، وغيرها .
***
ثمة قضايا أخرى ، آنية ، مثل قضايا التخلف : غلبة الاستهلاك على الإنتاج ، محدودية المسار الديمقراطى ، زيادة أعداد الأميين ، انعدام الوعى السياسى والبيئى ، الزيادة غير المسئولة فى النسل ، وغيرها من المشكلات التى قد لا تكون فى صميم مسئوليات المبدع ، لكنها ـ فى الدرجة الأولى ـ قضايا المجتمع الذى يعيش فيه ، ولابد أن ينشغل بها على المستويين الشخصى والعام ، و تتوضح فى أعماله ، بصورة وبأخرى ، على أن تنتسب هذه الأعمال إلى الفن ، وترفض الجهارة والمباشرة . فى قصتى " الرائحة " يقول الطبيب : غلطتان كفيلتان بتقويض أية ثورة .. زيادة أعداد الأميين وغياب الديمقراطية . المثل الشعبى يقول " السجن سجن ولو فى جنينة " ، وغياب الديمقراطية معناه تحول المجتمع إلى سجن ، قد يكون مزوداً بكل الضروريات ، وقد يوفر لنزلائه وسائل الراحة ، لكنه يظل ـ فى النهاية ـ سجناً . الديمقراطية تعنى الرأى والرأى الأخر ، مناقشة المحكوم للحاكم ، التعبير عن وجهة النظر دون خشية من مصادرة أو اعتقال .
***
هنا يفرض السؤال نفسه : كيف تدعو إلى فلسفة الحياة فى العمل الفنى ، وتناقش ـ فى الوقت نفسه ـ صورة المجتمع فى القصة والرواية ؟
ظنى أن انشغالى بضع سنوات فى إعداد الأجزاء الثلاثة من كتابى " مصر فى قصص كتابها المعاصرين " ـ كأول محاولة تطبيقية فى علم الاجتماع الأدبى ـ يؤكد أهمية أن تعبر القصة عن المجتمع الذى صدرت عنه ، وصدرت فيه . لكن العمل الفنى الحقيقى هو الذى يتناول مشكلات آنية فلا يفقد جوهره ولا جودته بغياب تلك المشكلات ، ولا يموت بموتها . ثمة أعمال إسخيلوس وسوفوكليس وشكسبير وموليير وبلزاك وزولا وفلوبير وديكنز وإبسن ونجيب محفوظ وغيرهم ، كانت تعبيراً ملحاً عن قضايا مجتمعها ، لكنها ـ من بعد ـ تجاوزت " الآنية " لتعنى باهتمامات الإنسان الباقية ، وتجيب عن أسئلته المهمة . لذلك فإن المبدع الذى يدرك قيمة الفن ، يتحفظ على الإبداعات التى انشغلت باللحظة الآنية ، فتجردت من الديمومة التى تهب العمل الفنى استمرار الحياة . صارحت أستاذنا نجيب محفوظ ـ عقب نكسة 1967 ـ بإشفاقى من أنه يعنى بالتعبير ـ فيما سماه مسرحيات ذات فصل واحد ـ عن التطورات السياسية والاجتماعية ، التى ربما تتصل بالطارئ والمؤقت ، بحيث تنتسب ـ فى المستقبل ـ إلى التاريخ بأكثر من أن تنتسب إلى الفن . قال لى محفوظ : إن لدى استعداداً لأن أكتب عملاً من هذا النوع ، ولظروف سياسية أحب أن أمارس دورى فيها ، حتى لو قدر لهذه المسرحية أن تموت فور انتهاء المناسبة التى كتبت فيها . لقد عنى ـ على حد قوله ـ بالتوصيل قدر اهتمامه بالتعبير . وكان لذلك بواعثه الملحة ، وهى أن مصر كانت تحيا فى ظل نكسة ، ومع تفهمى لقول سارتر " إننى أكتب لزمنى ، لا يهمنى من يأتون بعدى " ، فإن العمل الإبداعى يختلف ـ بعامة ـ عن الوثيقة التى تخاطب اللحظة المعاشة .
***
صلتى بعملى الأدبى ، وفهمى له ـ بعد أن يجد سبيله إلى النشر ـ يجب ألا تجاوز صلة الآخرين به ، وفهمهم له ، بمعنى أنه ينبغى ألا أتصور فى نفسى قدرة على تفسير العمل ، وفهم دلالاته ، أكثر من الآخرين . وبالتأكيد ، فإن الفنان ليس أقدر الناس على الإحاطة بعمله ، بل إنه قد يكون أبعد الناس عن ذلك . ولأن المتنبى كان ذكياً وفاهماً ، فقد كان جوابه على السائلين عن شعره : عليك بابن جنى ، فإنه أعرف بشعرى منى !. وكان أبو الفتح عثمان بن جنى هو شارح ديوان المتنبى وناقد شعره . على الفنان أن يطرح الأسئلة طرحاً صحيحاً ، لكنه ليس مطالباً بأن يجيب على ما يطرحه من أسئلة . وكما يقول تشيخوف ، فإنه ما من سؤال واحد قد أجيب عليه ، أو وجد حلاً ، فى رائعة تولستوى " أنا كارنينا " ، لكن الرواية ترضينا تماماً لأن كل الأسئلة قد طرحت طرحاً صحيحاً . مهمة المبدع أن يطرح القضية طرحاً جيداً ، وإن كان عليه ـ فى الوقت نفسه ـ أن يظل الطرح بلا حل ، تظل النهاية مفتوحة . فإيجاد الحل هو مهمة المتلقى . إن عليه ـ فى المقابل ـ أن يبذل جهده , ويفكر فيما طرحه المبدع . إنى أكتفى ـ فى نهاية كل قصة ـ وأحياناً فى ثنايا القصة ـ باللمحة الدالة التى تخاطب ذكاء القارئ , وعيه ، تراثه الروائى والقصصى ، لا تفرض عليه استنتاجاً أو رأياً . الكثير من سردى الفنى ينتهى بصيغة السؤال ، أو التساؤل . أذكر قول أندريه جيد " إن واجب الكاتب أن يوجه الأسئلة للقارئ ، ويحاصره ، ويدفعه إلى الإجابة " . كذلك فإنه من حق المتلقى ـ بصرف النظر ما إذا كان ناقداً متمرساً أم قارئاً عادياً ـ أن يستنبط من العمل ما يشاء من القيم والمعانى والدلالات مادامت طبيعة العمل تحتم ذلك ، وليس المطلوب من كل غواص أن يستخرج من البحر ما استخرجه الآخرون .
الفعل الإبداعى لحظة ناقصة ، لا تستكمل إلا بالمتلقى الذى تستكمل اللحظة بتلقيه . قراءة النص إعادة خلق له . بل إن النص المتفوق هو ما يجاوز الدلالة المغلقة ، ليطرح العديد من الدلالات . من حق قارئ العمل الأدبى ـ ومن واجبه أيضاً ـ بصرف النظر عن مدى ثقافته ، أو تخصصه ـ أن يستنبط من العمل ما يشاء من المدلولات ، التى يجد أن العمل يحتمل التعبير عنها . بل إن تصور التفسير الواحد لعمل ما ، ينزع عن ذلك العمل صفة الديناميكية التى تعد سمة أساسية فى العمل الفنى . وكما يقول رينيه ويلك فإنه لو قدر لنا أن نسأل شكسبير عن المعنى الذى قصد إليه من كتابة " هاملت " لما كان فى جوابه ما يشفى الغليل ، مع ذلك فنحن نجد فى هاملت ما قد يكون ـ فى الأرجح ـ بعيداً عن ذهن شكسبير ".
العمل الفنى الجيد هو الذى يحتمل العديد من التفسيرات ، تعدد التفسيرات دليل على خصوبة العمل ، وعمقه ، بشرط أن تصدر كل التفسيرات من داخل العمل ، ولا تفرض عليه من الخارج ، أو تستنطقه بغير ما يقول .
***
يقول أرسكين كالدويل : " إن واجب الكاتب والتزامه يجب أن يكون أمام نفسه ، وأمام قارئه " .
الالتزام لا أرفضه ، ولعلى أوافق عليه . أما الإلزام ، فإنه يعنى القضاء على ملكة الإبداع ، وهى ملكة " فردية " لا تستطيع أن تتحقق ، وتنطلق ، إلا فى جو من الحرية . الإلزام فى الفن يعنى ـ بأبسط عبارة ـ القضاء على موهبة الفنان ، فهى لا تحيا وتزدهر إلا فى الحرية المطلقة . التزام الفنان ينبع من داخله ، من ذاته ، من نظرته إلى الأمور ، وفهمه لها ، وإيمانه بالقضية التى يعالجها ، وفى كل الأحوال ، فإن ذلك الالتزام ينبغى أن يتحرك فى دائرة الفن . وقد أعلن كامى ـ يوماً ـ أنه ضد الالتزام ، إن كان الالتزام يعنى ارتباط الفنان بصانعى التاريخ الذين يغنون على مؤخرة السفينة للقمر والنجوم ، بينما سياط جلاديهم تسلخ شعوبهم فى قلب السفينة نفسها . بل إن الكاتب ـ إذا كان قد اختار مهنته عن اقتناع ، وبجدية ووعى ـ لا يستطيع أن يصمت ، إلا إذا اعتبر الصمت مظهراً من مظاهر الكلام . الأدق : مظهراً من مظاهر رفض الكلام ، لأن الضغوط لا تتيح له أن يتكلم بصورة طبيعية ، وبما يمليه عليه ضميره . وكما يقول سارتر فإذا " تناولت هذا العالم ، بما يحتوى عليه من مظالم ، فليس ذلك لكى أتأمل هذه المظالم فى برودة طبع ، بل لكى أراها حية بسخطى ، أكشف عنها، أبعثها مظالم على طبيعتها ، أى مساوئ يجب أن تمحى " .
وبالنسبة لأوضاع مجتمعاتنا العربية ـ التى لا تجاوز الديمقراطية فيها دائرة التمنى ! ـ فلعلى أزعم أنى أتفهم قول تورجنيف : " يجب على الكاتب ألا يفقد شجاعته ، وإنما عليه أن يمضى فى بسالة إلى النهاية ، فلنرفع رءوسنا إذن فوق الأمواج ، حتى تجتذبنا الأعماق تماماً " . بوسع الكاتب ـ كما يقول الفرنسي بريسباران ـ أن يصمت ، " ومادام قد اختار أن يطلق رصاصاته ، فإن عليه أن يتصرف كرجل ، يصوب إلى الأهداف الحقيقية ، ولا يفعل كطفل يطلق رصاصاته عشوائياً ، وهو مغمض العينين ، لا ينشد سوى سماع صوت انطلاق الرصاصات " .
ليس المهم أن أردد الشعارات الباهرة عن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وغيرها ، المهم أن أومن بذلك ، أن تتطابق تصرفاتى مع أومن به . الكتابة الحقيقية فى عصرنا نوع من الشهادة ، والكاتب الحقيقى يصرعه رصاص كلماته ، وإن كنت أومن بأن المستقبل للإنسان .
1985
تالي الليل
11-01-2009, 06:39 PM
حقيقة ما قرأته يثلج الصدر علما بأنه لم يتسنى لي
قراءة المقال كاملاً ولكن أن شاء الله سأعود
أشكرك أستاذنا
تالي
د. حسين علي محمد
12-30-2009, 10:45 AM
حقيقة ما قرأته يثلج الصدر علما بأنه لم يتسنى لي
قراءة المقال كاملاً ولكن أن شاء الله سأعود
أشكرك أستاذنا
تالي
شكراً على المُشاركة،
مع تحياتي
محمد الزينو السلوم
01-14-2010, 11:28 PM
الأخ الدكتور حسين علي محمد المحترم
تحية الحب والحرية والإبداع وبعد:
الشكر كل الشكر على الجهد الكبير المبذول عن السية الذاتية للأديب الكبير محمد جبريل الذ ملئت كتاباته الابداعية قلوبنا وأرواحنا من شذا ورد كلامه في العديد من الرايات وما رفدها من قراءات نقدية في أعماله وأهمها الرواية .. بألوانها وأطيافها وخلال عقود .. كيف لا وهو الأديب الكبير والفاضل والمتألق والذي عايش كبار الأدباء في مصر والوطن العربي .. فكان مرآة عصره أطال الله في عمره ..!
#
عرفته منذ سنوات وزرته عدة مرات في منزله ومكان عمله في الصحافة وفي منتدى الخميس في نقابة الصحفيين في القاهرة .. وكتبت عن العديد من أعماله الروائية وعن الدكتورة زينب العسال في أحد أعمالها ولا زلت أزوره في كل عام من خلال زياراتي المتكررة للقاهرة ..!
#
وسأشارك في الدراسات التي كتبتها عن بعض أعماله الروائية وعن الدكتورة زينب في هذا المنتدى لعلّها تضاف إلى سيرته الذاتية ..!
#
تحياتي
وإلى اللقاء.؟!
محمد الزينو السلوم
01-29-2010, 03:18 PM
قراءات في بعض روايات الأديب محمد جبريل.!
بقلم:محمد الزينو السلوم
(إيميل:mzs46@hotmail.com
مد الموج / والروائي محمد جبريل ..!
---------------------------------------
رواية مد الموج للروائي المصري" محمد جبريل"* هي بمثابة سيرة ذاتية لأنها تتضمن نصوصاً مقطعية يصل عددها إلى / 97 / مقطعاً ، تحكي من خلال الخطف خلفاً ، سيرته الذاتية منذ الطفولة وحتى مراحل متأخرة من حياته .
ومن خلال هذه المقاطع القصيرة يستعرض الروائي جبريل سيرة حياته بشكل مقتضب ،وبلغة سهلة وبسيطة ، تصل القارئ تماماً ، مع التركيز على الزمان والمكان ، والوصف الدقيق للأماكن والشخصيات.
بالإضافة إلى ذات البطل التي بدت لنا واضحة ، وصريحة ، من خلال ذكر الأسماء كما هي دون أي ترميز ، وبكل شفافية ووضوح ، فبطل الرواية "محمد جبريل" وزوجته " زينب" وأولاده ، مما يشير إلى أن الراوي انطلق من الوضوح التام في أن الرواية هي سيرة ذاتية ، وهي بمثابة توثيق أو " أرشيف" لحياته منذ الطفولة، كما ذكرت من قبل ، إلا أنه ضمّن سيرته هذه التي كانت تتنامى من خلال مقاطعها القصيرة التي تصل إلى مراحل " القفز السريع" أحياناً ، كما هو في صفحاتها الأخيرة .
وإذا كانت مثل هذه الروايات لا تشبع رغبة بعض النقاد باعتبارها لا تمتلك الفنية ، وإنما تسير بأسلوب سردي بحت ، إلا أنها بالنسبة للمؤلف قد تُفرغ الكثير من الشحنات في ذاته ، ويحس من خلالها أن ولد من جديد ، وعليه نجد الرواية وإن خلت من الفنية التي نعهدها في الروايات الأخرى عند محمد جبريل ، إلا أنها كانت عفوية ، وصادقة .
كما أنها من خلال الزمان والمكان وعرض كثير من الجوانب الحياتية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وحتى أنه كان أميناً على الأصالة والتراث من خلال ملامسته أرض الواقع في كل ما كتب .
وعليه فإن تبقيعاته النثرية كما سماها لروايته مد الموج ، هي امتداد لطفولته التي تنبثق فيها الصور كالومضات لا تلبث أن تختفي كمد البحر ، تمتصه رمال الشاطئ وشخصيات أحداث تلتقط الذاكرة أقلها ، ويغيب أكثرها كالومضات المتلاشية،أو كاحتواء الرمال لمد الموج .
وهذه محاولة لتسجيل ما أفلحت الذاكرة في التقاطه من توالي الومضات والأمواج ، في تلاحقها الذي لا ينتهي .." لم أضف أو أحذف ، وإن قدّمت وأخّرت بما يشكّل ملامح متتالية من سيرة حياة .."، وهذا اعتراف من الروائي واختصار شديد لرحلته في الرواية.." المشهد - كما أتذكّره - وقفتي في الصالة التي تتوسط الحجرات الثلاث ، الملامح باهتة ، غائمة ، واللحظة مقطوعة الصلة بما قبلها وما بعدها .." ، بهذا المقطع يبدأ الرواية حيث يصحو من النوم ولا يعرف متى ،ولا كيف نزل من السرير ، فترك الحجرة وسط الصالة ، تحوطه رمادية الغروب الشفيقة وهي تتسلل إلى داخل الشقة ، والصمت يواجهه بما يخيفه / لقد ترك وحيداً في المنزل ، وهو طفل صغير ، والأسرة ذهبت لحضور فيلم سينمائي ، أصبح من حينها يخاف الظلام ، ويحب الونس / وحمل هذه العقدة منذ الصغر ../.
ويتحدث الوائي بلغة بسيطة وسهلة ، وبعاطفة صادقة ، عن ذكريات طفولته مع جده أو مع أبيه وإخوته ، ورفاقه الصغار ، من خلال سرد تفصيلي دقيق ، يجسّد من خلالها العادات والتقاليد الاجتماعية عند المصريين من خلال الزمان والمكان .. فالمكان ما بين دمنهور والإسكندرية في البداية ، ثم ينتقل في مراحل متأخرة إلى القاهرة ، ويسافر إلى الجزائر ، والكويت ، وعمان ، من خلال عمله الصحفي ، ثم يعود أدراجه إلى القاهرة ، ويزور بطبيعة الحال المناطق التي عاش طفولته فيها ، ويلحظ التباين والتبدل الذي طرأ عليها من خلال عامل الزمان والمكان طبعاً ..
ويبدو لنا من خلال السرد أن لوالدته تأثيراً على حياته ، وتربيته ، أكثر من والده ، وخاصة فيما يتعلق بتربيته حين كان صغيراً ، فيقول في (ص19) ، مقطع (7) : " سألت أمي أخي وهي تشير إلى البرتقالة في يده ، من أعطاها لك ؟ أشار بيده إلى زائر السيدة الراقدة على السرير المجاور ..بآخر ما عندها ضربته أمي على وجهه : ألم أقل لكم لا تأخذوا شيئاً من أحد ..إلخ " .. وهكذا تتنامى الرواية من خلال مقاطعها القصيرة ، وتنتقل بنا سريعاً من صورة إلى صورة متجاوزة أحياناً الزمان والمكان ، تحدثنا عن دخوله الروضة ، ثم المدرسة الابتدائية ، وفي المقطع /23/ ص32 ، يسأل والده عن سبب رحيل جيرانه ، فيجيبه أليسوا إسرائيليين / يهود / ، لقد رحلوا إلى إسرائيل ، وتسأل أمه : هل رحلوا ليكونوا أعداءنا ؟ يرد عليها الأب : طبعاً ، فتقول : لكننا لم ندس لهم على طرف ..: ، ويتابع الروائي السرد ، فيتحدث عن مكتبة والده ، وكيف بدأ المطالعة فيها وهو صغير ، ويذكر أسماء بعض الكتب ، ومؤلفيها ، وكان ذلك توثيق لأدباء ومفكري المرحلة..كما يتحدث عن الحياة الاجتماعية وواقع المجتمع آنذاك ..
وتبدأ المراهقة مبكرة على ما يبدو عنده ، ومنذ ذلك الحين تبدأ المرأة تحتل مكاناً في روايته بألوان وأشكال مختلفة يقصها ويعرضها الراوي بأمانة وصدق بحلوها ومرها .. كما يعرض لنا صوراً ولقطات من المظاهرات والشهداء الذين قضوا حينذاك .. ويستمر في سرد الأحداث حيث ينتقل بنا من مقطع لمقطع متجاوزاً الزمان والمكان ، ليصل بنا إلى بداية إبداعه من خلال طبع أول مخطوط له بعنوان " الملاك " وهو لا يزال في مرحلة المراهقة تقريباً .. وهي تتحدث عن أمه التي كان يحبها - بعد أن وافتها المنية - وبعد أن اشتد بوالده المرض قرر أن يعمل ويكسب لقمة عيشه بيده ، فعمل في الصيد / صيد السمك .. وعندما فشل في تأمين ما يحتاجه بالاعتماد على نفسه ، وعلى أثر صفعة من والده ، فكر في الانتحار.. لكن لم يقدم عليه ..
وفي ص/57/ المقطع /43/ يطرح اسمه في الرواية مباشرة من خلال حديث أحد زملائه حول كتابة معروض : " محمد جبريل ، هو أقوانا في موضوعات الإنشاء .." ، وفي ص/63/ المقطع /41/ يتعرض لثورة 23 يوليو التي صادرت أملاك الأسر المالكة ، ويعود بنا من جديد للمرأة التي أخذت حيّزاً كبيراً من سيرته الذاتية بأشكال وصور مختلفة ومتنوعة ، المرأة الغانية ، المرأة الزميلة ، العاملة ، المرأة .. المرأة وحتى وصل به الأمر إلى مشاركة زملائه في مثل ذلك ، ومحاولة شرب الخمرة ، ثم ينتقل بنا إلى مهنة الصحافة والعمل بها .. لكنها لم تغنه من جوع ، فيبدأ يبيع كتب والده ليوفر لقمة العيش لنفسه ، وبعدها يقفز بنا من خلال مقاطع الرواية إلى الزواج من " زينب " التي عملت عنده في الأرشيف بالإضافة إلى عملها في التدريس بعد أن أعجب بها وأرادها زوجة له ..
ويتابع الحديث السردي في سيرته الذاتية ، وكيف عمل رئيساً لتحرير صحيفة في عمان " صحيفة الوطن العمانية " ، ويعود ليذكر من جديد أسماء العديد من الأدباء الذين رافقوه في رحلته الأدبية ، كما يتعرض إلى الفقر من جديد ، ويعرض محاولة انتحار بعض الهنود ، الانتحار لتأمين ديّة لأهاليهم بعد موتهم لأنهم كما يقولون : ميّتون وهم أحياء .. وأخيراً يعود إلى وطنه الأم مصر ، محبة وحنيناً ، بعد وفاة أخيه الأكبر ، ويعود من جديد إلى المناطق التي عاش وترعرع فيها فيتذكر طفولته من جديد ، ويستعرض الأحياء والسكان والجوار ، ويجد الكثيرين منهم قد توفوا أو رحلوا ..
حكايات الفصول الأربعة..!
---------------------------------------
رواية حكايات الفصول الأربعة(1) للروائي المصري محمد جبريل(2) والتي قدّم لها بمقولة تشيخوف :"أن تعيش كي تموت فحسب ، هو أمر لا يبعث على السرور " ، بعدها جاءت قراءة في حكايات الفصول الأربعة عن عالم محمد جبريل للناقد أدوار الخرّاط في (61) صفحة يبيّن من خلالها العلامات الفارقة للكاتب من خلال موهبته وعالمه الخاص ، ورؤاه المتفرّدة للعالم ، مما يدل على أنه كاتب حقيقي يتنقّل بنا نقلات متواصلة إلى الشاطئ الآخر ، وهو ليس شاطئاً جغرافياً وإنما روحياً يحمل رؤاً أخرى تصل أو لا تصل إليه مراكب الحياة بين المد والجزر.. ( والكلام هنا للناقد أدوار خراط) .
ودون مقدمات أو فصول يقتحم الروائي محمد جبريل بنا فضاءات وعوالم النص بمدخل يصوّر فيه تلاقي البنايات والسماء والأفق ( إشارة إلى البنايات العالية في المدن ) ، وإلى وصف شمس الضحى وهي تطبع الواجهات والأسطح والمدى .. وأسراب الطير تلتمع في وهج الأشعة كنثار فضة ..الخ ، وقد جاء هذا الوصف كما رأينا بلغة شعرية جميلة فأحسن الدخول وتصوير اللحظة ( لحظة الزمنكان) ، بأسلوب شائق مما يدل على امتلاكه زمام القص الروائي ..
ويفجؤنا بعدها بمصعد معطّل في بناء متعدد الطوابق وهذا يعني " أن يصطدم كل ما أعددت له نفسك بحائط مسدود ، لمتعد تملك التصرّف الذي يصلك بالأماكن التي كنت تعدّ نفسك للذهاب إليها في داخل المدينة.." ، لقد أملت عليه الظروف نزع الجاكيت والاسترخاء وتأجيل كل شيء حتى.. ، وبالطبع لم يكن متاحاً لرجل طاعن في السن أن ينزل من الطابق الثاني عشر وإذا فعل فلن يتمكن من الصعود فيما بعد وخاصة وأن مثل هذه الأعطال قد يتأخر إصلاحها كما درجت عليه العادة عندهم .. لو كان شاباً لكان له غير هذا القرار ، ولكنها الشيخوخة ، ويقول في نفسه (على لسان الراوي) : " ربما هي فرصة للانفراد بالنفس والراحة .." ، و لمثل هذا المونولوج الداخلي الذي رسمه الكاتب دلالات واسعة البعد .. المهم لم يعد أمام الرجل إلا الانتظار وإشغال الوقت .. وينتقل بنا الروائي بفنية وخفّة ظل ورشاقة ودربة ، ويتنامى الحدث رويداً ، رويداً كامتداد الظل..ويعود بنا إلى (رفعت) الرجل العجوز في الشقة ليصفها لنا على لسانه وصفاً دقيقاً (كعادة الكاتب في كل مرة ) ، يصوّر لنا المكان (في الإسكندرية وعلى شبه الجزيرة تحديداً ، ويدخلنا بقليل من التفصيل وبشكل غير محمّل بأسماء العائلة ، وبوصف حي للحي الذي تُطل عليه الشقة العالية ، والتي تذكّر بالكثير مما مر من قبل رئيفة ( زوجة رفعت) ، ويروي على لسانها بعض القصص التي مرت معها ، ويستعرض حالة الطوارئ التي مرت بها المدينة من قبل وصورة الدبابات التي كانت تجتاز الشوارع ، والناس واقفة على الأرصفة " تهمس والتعليقات تتعالى.." حيث يشير الكاتب إلى فعل قام به الجيش في مصر سابقاً ، ويشير فيما بعد إلى عودة ( النحاس ) وإلى ( سراي الحقانية ) حيث كان يعمل والده موظفاً في الأرشيف ، وعمل هو موظفاً في إدارة الترجمة فيما بعد ..( هذا ما أشار إليه الكاتب ) ، ويذكر بعض أسماء الشوارع مثل: شارع المسلّة – وناصية الفلكي – صفية زغلول ، وأسماء بعض الأشخاص .. ويستمر الكاتب في السرد والحوار والتنقل بنا عبر الزمنكان بأسلوب شائق ، كما يتعرض لأسماء بعض المطربين مثل : كارم محمود – عبد الوهاب – أم كلثوم – سيد درويش – الليثي ..
وتتنامى الرواية من خلال ( الفلاش باك ) ويعود ليذكر العديد من الشوارع والأحياء والأماكن في الإسكندرية ..ويعتمد الحوارات كعمود فقري لأسلوب الرواية ، ويتعرض للعديد من القضايا والأحداث التي مرت بها المدينة ، والناس من قبل ولكثير من القصص التي مرت أيضاً .." حيث هي بمثابة إشارات ذات دلالات معرفية .." ، وهذا ما اعتاد عليه الكاتب من خلال أسلوبه الروائي في الابتعاد عن المباشرة .
وكعادته أيضاً يتعرض وبشكل غير مباشر إلى كثير من القضايا كالإرهاب والبدع والخلط ما بين الدين والحياة من عادات وتقاليد ، ويدعو إلى أن الاعتقاد السليم هو البداية للحقيقة ..ثم يعود ليشير إلى ما يجري في التاريخ المصري من سخط ومظاهرات في بعض الأحيان من خلال السرد والحوارات من قبل بعض أبطال الرواية ، ويسرد لنا بعض الوقائع التي جرت على لسان بعض أشخاصها ، وكأن الكاتب يريد أن يرسخ الكثير من الوقائع والعادات والتقاليد التي كانت سائدة في الإسكندرية لكن بأسلوب غير مباشر " وقد وُفّق في ذلك .." ، كما يتعرض فيما بعد إلى الراحل جمال عبد الناصر ببعض التفاصيل وما أحدثه في مصر مثل تأميم قناة السويس وغير ذلك على لسان بعض شخصيات الرواية مثل : ( كامل عبد الرحيم – حنفي جامع – أنور عيسى – بدري العدوي ) ، كما يتعرض للديمقراطية أيضاً ..
وهكذا تتنامى الرواية رويداً ، رويداً ، ويُدخلنا الكاتب في وقائع وأحداث هامة جرت في مصر سابقاً وببعض التفصيل وهي ترتبط بالقضايا والمجريات السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية والتجارية ومن خلال أسلوبه غير المباشر والشائق .. وفي( ص53 ) يعود بنا إلى الشقة في الطابق الثاني عشر وينتقل بنا من خلال شخصيات جديدة وقديمة وذكريات مختلفة تتعلق هذه المرة بخدمة العلم وحب الوطن ، وتدور حوارات عديدة مختلفة ومتناقضة ما بين هذا وذاك ..ويتجلّى ذلك في ( ص57 ) حيث يقول الكاتب على لسان أحد الشخصيات: " مصر الآن مثل الباخرة الغارقة ..الكل يحاول النجاة بنفسه .." ، ويعود الكاتب للحديث عن الحياة والموت والتقاعد والحرب من خلال حوارات محببة إلى النفس ..
ويسأل القارئ نفسه مراراً : ماذا يريد أن يقول الكاتب ؟! وينتظر تنامي القص الروائي رويداً ، رويداً .. وفي هذه المرة يتحدث الكاتب عن العمل والتواصل مع الناس ، وعن الانفراد والعزلة والابتعاد عن الناس .. ومن خلال الحوار أيضاً ، وبين الفينة والفينة يعود بنا الكاتب إلى الشقة لينطلق بنا من جديد باتجاه آخر ووقائع أخرى تتجلّى بشكل غير مباشر من خلال السرد والحوار .. ويمر بنا من جديد بأيام حكم عبد الناصر وما خلّفته ثورة 23 يوليو من خلال قصص وحوارات تصور لنا العديد من القضايا التي يريد الكاتب أن يرسخها ..وفي كل نقلة في القص الروائي تحس أنه يريد أن يقول شيئاً .. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على خبرة الكاتب في القص الروائي وكل ما يقوله موظفاً بشكل مدروس من خلال النص الروائي ، وهذه القصص والحوارات ليست هكذا ..كان يريد أن يُشرك القارئ في التفكير لاكتشاف ما يريد أن يقوله الكاتب .ز كما أن الكاتب استخدم أسلوب طرح الأسئلة ، وخاصة فيما يتعلق ببعض القضايا السياسية التي مرت في أيام حكم عبد الناصر وبعها السادات .. ويترك هذه الأسئلة بلا إجابة ، ولا ينسى الكاتب أن يطل علينا بعد كل رحلة بلوحات سحرية جميلة مرسومة بلغة شعرية ، كقوله في ( ص96 ) : " يغطس قرص الشمس في البحر ، وإن خلّف بقايا ضوء شديد الاحمرار ، ينطلق سرب من الطير في الأفق ، يواصل طيرانه حتى يتحول إلى نقطة بعيدة .. ما تلبث أن تختفي ..الخ ) .
وقبل أن ينتهي بنا المطاف يشير الكاتب كما يفعل في كل مرة إلى النتائج التي انعكست علينا من خلال الحرب العالمية الثانية ، وغلى حروب العرب مع إسرائيل فيما بعد ، ويسأل على لسان أحد شخصيات الرواية : " هل هزمتنا إسرائيل ؟ أم الفساد هو الذي هزمنا ؟! ومما يجدر ذكره الشخصيات العديدة التي تكاد لا تحصى وهي تدير الحوارات .. وقدرة الكاتب الهائلة على الإمساك بالخيوط جميعاً وتحريكها وإدارتها كما تتطلب منه مجريات الأحداث في الرواية .. وكأنه يريد أن يُنسي القارئ الرجل العجوز والمصعد المعطل بذكاء وفنية امتاز بهما الكاتب ..
وفي ( ص118 ) يسأل على لسان أحد شخوص الرواية : هل الشيخوخة تعني الحياة في الأرق حتى الموت ؟ ويجيء ذلك من خلال الحوار والسرد غير المباشر الذي اتصفت بع الرواية .. نصل إلى الصفحات الأخيرة ، ويسأل القارئ من جديد : ما حال المصعد ؟ ألم يتم إصلاحه بعد ؟! وما حال العجوز رفعت ؟ وهل لا يزال قابعاً في الشقة ؟! وقبل أن يُنهي الكاتب الرواية يحدثنا عن الموت وانتظاره في آخر العمر أم متابعة العمل وعدم التوقف واليأس على لسان الطبيب وحنفي جامع من خلال حوارات ووقائع تجري بينهما .. وهل يكون ذلك بالجلوس في المنزل وعدم مغادرته ، أم بالخروج والاختلاط بالناس والمجتمع ومتابعة الحركة والنشاط بحدود الإمكانات المتاحة ..؟ ويقصد بعد التقاعد من الوظيفة .." وعليه أن يخرج من المنزل ، ويمشي في الشارع ، ويجلس في المقهى ، ويتطلّع إلى حركة الطريق ويتأمل .. وحتى وإن بقي في البيت ، فلماذا لا يشغل نفسه ويعمل ؟ يقرأ ، يترجم ، يفعل أي شيء بعيداً عن الانتظار ..؟! الشيخوخة..؟ آه منها .. هل هي المرض والعزلة والوحدة وانتظار الموت ؟! أم هي الحركة ، إشغال الوقت ، الأمل ، التمتع بالحياة ، عدم الانتظار ..؟!" .
وفي ( ص133 ) يسأل الكاتب أيضاً وعلى لسان أحد شخوص الرواية : ثم ماذا ؟ ما معنى ذلك كله ؟ ما معنى أن تنهي الحياة بالانتظار ، ثم بالموت ؟ أو بالموت دون أن يتنبّه المرء لما حدث ..؟ " .. ويسأل فيما بعد بنفس الأسلوب : لماذا لا تكتب سيرة حياتك ؟ وكأن السؤال في هذه المرة موجهاً إلى رفعت بالذات : ويقتنع بالفكرة ويبدأ .. ترجمات ، قصص مرت بحياته ، يملأ كل الورق بالكتابة ، يبحث عن المزيد من الورق من جديد ..لا يجد ورقاً ، يقع أمام نظره مناديل ورقية فوق المكتب .. يكتب عليها " يتحوّل حبر القلم إلى ثقوب صغيرة .. تحرص فلا تضغط ، تكتب ، تكتب ، وتكتب ..ينبثق ما كنت نسيته.." وتنتهي الرواية .
لقد أحسن الكاتب " محمد جبريل " الدخول والخروج والتجوال والطواف بنا في فضاءات النص الروائي من خلال أسلوب شائق ومحبوك جيداً ، وأوصل لنا ما يريد أن يقوله بشكله غير المباشر .. وبهذا تحققت الفنية في الشكل والمضمون ، وبدا لنا الكاتب في حلة رائعة وبديعة تُدل على الخبرة والدربة فيما يريد إيصاله : " أن الإنسان مهما بلغت به الشيخوخة عليه أن يبقى مرتبطاً بالشغف والحياة وموصولاً بمتعاتها .. ".. في حكايات الفصول الأربعة ، استطاع الكاتب تجسيد الزمان والمكان بغاية ترسيخ الأماكن وأوصافها الدقيقة وبمسمياتها الحقيقية والواقعية ، وكان يمتلك الجرأة التي يجب أن يتحلى بها الكاتب ، وهذا ما لمسناه فيما يتعلق بالسياسة والدين والحياة والموت ..الخ ..ومثل هذه الفنية في الرواية تحتاج إلى الخبرة والإيمان فيما نريد أن نقوله .. وهي بالتالي – بلا أدنى شك – رؤيا صحيحة في فضاءات واسعة الدلالات والعوالم .. وعليه لا بد في آخر المطاف إلا أن نثمّن هذا العمل الروائي الذي ارتقى به الكاتب إلى مستوىً رفيع في الفنية التي يتطلبها الإبداع من صدق وتجديد في أيامنا هذه .. والسؤال الذي يخطر بالبال : هل أحسّ الكاتب بظلال تخيّم قريباً منه بعد رحلته الطويلة فأراد أن ينقل هذا الإحساس إلى الآخرين .. أم رآها في غيره فوجد مبرراً لها .. أم أنها مجرد خيال ..؟!
*حكايات الفصول الأربعة : جاءت في /144/ صفحة من القطع الوسط، إصدار دار البستاني للنشر والتوزيع في القاهرة لعام 2004م
_الروائي محمد جبريل : كاتب مصري من الإسكندرية ، بلغت مؤلفاته /41 / مؤلفاً ما بين الرواية والقصة والدراسات والمقالة ..وهذه الرواية هي رقم / 23/ حتى تاريخه .
##
3
زوينة / والروائي محمد جبريل..!
---------------------------------------
بداية لا بد من القول : قد يكون بيني وبين د.ماهر شفيق فريد هذه المرة المؤتلف أكثر من المختلف / في فيما قدّم لهذه الرواية تحت عنوان " بين يدي الرواية " ، فالاغتراب هنا حالة موجعة فعلاً ، مكاناً ، وروحاً ، معاً ، وباعتقادي أن الرواية تعتبر من السيرة الذاتية ، وقد زُيّلت ب(محمد جبريل – مصر الجديدة – يولو1991 – أغسطس1992) .
ورواية زوينة * للروائي محمد جبيريل * تبدو لأول وهلة قصيرة ، لكنها ليست كذلك من حيث أنها كتبت بحرف صغير ، وبورق أصفر خفيف ، فبدت كذلك ، لكنها كبيرة في فضاءاتها التي يرسمها روائي فنان ، يمتلك الخبرة والدربة في ذلك ، فتولد لوحة ممزوجة بألوانه التي يشكلها بقلبه وروحة ، كعادته في كل مرة .
-الراوي هنا صحفي وروائي يترك أهله وخطيبته ويسافر إلى مسقط ، عاصمة عمان ، بسبب ظروفه الاجتماعية ، يأتي سفره فجأة ، ويقرر السفر ، ليساعد أهله ، ويرضي غرور أم خطيبته التي تتطلّب ، وتتطلّب ..
-كان عمله محصوراً في إصدار جريدة تموّلها شركة مقاولات في " روى " ، بمجهوده الفردي ، والذي يرمي كفيله منها نشاطاً تجارياً إلى جانب الاستيراد والتصدير ..
يعكف الروائي بصيغة المتكلّم على العامل الجغرافي والإنساني ، بوصف دقيق لكل من حوله ، فالوصف في الرواية يأخذ أشكالاً عديدة ،وألوان متنوّعة ، تشمل كل ما يراه بدءاً من الطائرة ، مروراً بصالة المطار ، وصور العمانيين ، ولباسهم ، كما يصف مسقط ، والطبيعة ، ويصف عزلته ووحدته ، و ، و ، وغيرها ، يقول في وصف مسقط : " مسقط حلم سخيف ، سجن أسواره جبال ، مصمتة ، ليس ثمة ما تبدأ منه أو تنتهي به ، تمتص أشعة الشمس ، أشعة أنثوية ، خصبة ، تعكسها على الحياة – بكل صورها – فيرين همود هو أقرب إلى الموت " ..
-وأكاد أجزم أن العمود الفقري للرواية يعتمد على الوصف بكل ألوانه وأشكاله ، فهو يأخذ حيّزاً غير قليل من الرواية ، فالروائي لم يترك أمراً مكانياً ، وحتى حسياً ، إلا ووصفه وصفاً دقيقاً كما أشرت من قبل ، وباعتقادي أنه فعل ذلك ليقنعنا أنه يعيش في غربة واغتراب لا تحتمل ، حتى الشخصيات التي عرفها لم يوفّر جهداً في وصفها وصفاً مميّزاً ..
ويختصر كثيراً من التوضيح في (ص34/ حيث يقول : " تحدّثت عن الوحدة والغربة والشمس والجبال والحشرات وانشغالي القاتل في جريدة أحررها بمفردي ، ثم لم أجد ما أكتبه .." .
-ومنذ وصوله ، يتعرّف على فتاة من زنجبار تقيم بجواره " زوينة " ، ذات طباع اجتماعية طيّبة ، منذ وصوله للمطار ، وتستمر العلاقة بينهما بشكل محدود جداً ، ومن خلال هذه العلاقة يرتاح لها ، ويبدأ بطرح أسئلة يقارن فيها بين " مها " خطيبته ، وبين " زوينة " ، التي يبدو أنه أحبها .. ويتخلّل لقاءاتهما بعض المحاولات التي تؤول للفشل ( محاولة تقبيلها مرة ن وتمنّعها ) ، كما يتخللها حديث طويل عن قضية " زنجبار " وكيف تم تهجير أهلها العرب منها ، ورميهم في البحر ، وكيف تم إعلان الوحدة بين زنجبار وتنجانيقا ، وأصبحت " تنزانيا " فيما بعد ن ومن تداعيات هذا النزوح جاءت زوينة مع أهلها إلى مسقط ..
-وخلال إعارته يسافر بإجازة أكثر من مرة للقاهرة ، في زبارات قصيرة لأهله ، ليتفقّد أحوالهم ، ويراهم عن قرب ، ولا تترك مثل هذه الزيارات أي حديث عن خطيبته" مها ".
يلتقي بعد من الشخصيات خلال إقامته منهم ( زوينة المضيفة في شركة الخليج – السائق الهندي – كفيله الشيخ النبهاني – خميس المناعي – شوقي كمال – وصديقه ناصر ، وغيرهم ) ..
-وعن خطيبته " مها " يقول بعد أن توطّدت العلاقة بينه وبين " زوينة " في (ص58) : " شحبت صورة مها ، ذوت ، تلاشت ، لم يعد إلا صورة زوينة تلازمني .." ، وتأخذ العلاقة بينه وبين زوينة مداً وجزراً بين الفينة والفينة ، ويبقى حريصاً على صداقتها ، كحدٍ أدنى .. لأن تأثيرها على حياته في غربته وعزلته لا يوصف ، وكأنها أصبحت بمثابة الهواء الذي يتنفّسه في وحدته وغربته .. يسأل في (ص78) :"هل أحبها لأني ألوذ بها من الغربة ..؟!"
تستمر العلاقة بين الراوي وزوينة من خلال بعض الرحلات والزيارات المتكررة لبعض الآثار هناك مثل ( قلعة نزوى – حصن جبرين – قلعة الجلالي ، وغيرها ) ، يقول في (ص108) : " تعددت جولاتنا ، اتصلت أيام الزيارات ، والتأمل ، والسؤال ، والتعرّف ، إلى ما لم أكن أشاهده من قبل .. " ، ثم يضيف قائلاً : " بدت زوينة مرشداً جميلاً ، تعرف الكثير ، وما لا تعرفه تسأل .." ، والسؤال : " هلل كانت فقط كذلك ؟ أم كانت أكثر ؟
-يفجأ الروائي خبر زيارة " زاهر " ابن عم زوينة لأهلها ، ونيته في خطبتها والإقامة عندهم ، لا يعجبه هذا الخبر ، لكنه يكتم الأمر ..بعدها يتوفى صديقه " ناصر " وتسوء الحالة رويداً ، رويداً ، بعد أن أحس الراوي بطيب الحياة في مسقط ، من خلال توسيع علاقاته ، وتلاؤمه مع الحياة ، ومن خلال زوينة التي حوّلت حياته من الجحيم إلى النعيم .. ، يقول في (ص1249 : " أنا مسكون بهذه الفتاة ، أرى وميض النجوم في عينيها ، وأستمع إلى النغمات الحلوة في صوتها ، وأتطلع إلى بهاء الشمس في ابتسامة وجهها، هي جنية البحر التي أتوق أن تجتذبني إلى عوالم الخيال والسحر والأسطورة ، هي ست الحسن والجمال ،وأنا الشاطر حسن ، وهي الأميرة سندريلا ، وأنا الشاب الفقير .." .
ويفرح الراوي بفشل مشروع الخطبة مع زاهر ، ويسافر زاهر إلى زنجبار ، ويشتعل الحب في قلب وروح الراوي ، يقول في (ص13) : " هل أضم ذراعي حولها ، وأضمها ؟ هل أقبّلها ؟ وهل توافق على تقبيلي لها ؟ وهل أودع هذه الجميلة قلبي ، لا تغادره ؟ " ..
-ومن الجدير ذكره أن الراوي كان يكتب رواية بدأها وهو في القاهرة ،وكان يُردّد على مسامعنا بين الفينة والفينة استمرارية كتابتها(روائي يحاول كتابة رواية ضمن رواية) ..
-ينسى الراوي مها ويفكر بالزواج من زوينة التي أحبها ، وبات لا يستغني عنها ، يقول في (ص137) : " هذه الفتاة خلقت لي ، وخُلقت لها ، زاهر قريبها ، فليظل كذلك .." ، وبعد سفره للقاهرة بسبب مرض والده وعودته ، يلتقي زوينة مجدداً ، ويعود للتفكير بالزواج منها ، يسأل في (ص149) : " لو أني تخليت عن مها ، وقدمت زوينة إلى أبي وأمي زوجة لي ، ماذا يقولان ؟.." ..
-ويفجأه خبراً جديداً على لسان زوينة ، تقول في (ص149) : " وصل زاهر ليلة أمس ، وهو يحاول تثبيت جنسيته .." ، وأخبرته أنها ستسافر معه في الغد .. لم يمتلكا القدرة على الصمود أمام لحظة الوداع ، يقول : " شبّت على أطراف أصابعها ، طوقت عنقي ..إلى أن يقول : " لا مست شفتي – قبل أن أتنبّه - بقبلة خفيفة .." ، إلى أن يقول أيضاً : " قبّلتني ثانية .. إلى أن يقول : " أدركت أنها كانت تبادلني نفس مشاعري .. إلخ " ، ويسألها من جديد : " تتزوجيني ؟ وتسأله : هل ستطيل إقامتك في مسقط ؟ أقصد هل ستنقل حياتك إلى هنا ؟ يجيبها : تعلمين أن إعارتي تنتهي بعد أشهر ..
-يقول في (ص153) : " بدا كل شيء من حولي يتصدع وينهار ، تبين نتائج لا أتوقعها ،
ولا أحبها ، هل أودعها ؟ هل أفقد زوينة ؟ أعود إلى القاهرة ، ويظل زاهر في مسقط ، فلا نلتقي ثانية ؟ مجرد التفكير في أننا سنفترق يصيبني بارتباك .. " .
-تقلع الطائرة به عائداً إلى القاهرة ، وتشحب صورة مسقط في عينيه رويداً ، رويداً ، ثم لم يعد إلا الفراغ المحيط ، وصوت المحركات ، والطائرة تخترق أفقاً من السحاب الأبيض ، المتكاثف .. وتنتهي الرواية ..!
*
أعود لأقول متابعة لما قلته في البداية عن المؤتلف بيني وبين الدكتور ماهر ، أن هناك أيضاً المختلف بيننا ، فالرواية تشتغل على خطين متوازيين هما : ( الوصف ، والمفارقة بين مها ، وزوينة التي أحبها وأحب مسقط من خلالها .. ) ، هذا الحب الذي تنامى رويداً ، رويداً ، في قلبه وروحه معاً ، وحوّل غربته وعزلته إلى جنة نعيم ..
والرواية بمقاطعها ال /21/ وفي نقلات الروائي من هنا إلى هناك ، من مسقط إلى القاهرة ، من مها إلى زوينة .. بمثابة شرفات كان يطل علينا منها ، ليبقينا في شائقة لتناميها ، ومتابعتها ، معطرة بالفنية ، والحداثة ، بأسلوب مفهوم ، وواضح .، وهو ما آلت إليه فضاءات الرواية في عصرنا ..
---------------------------------------
*من إصدارات الروائي محمد جبريل : (23) رواية منها ( مد الموج – بوح الأسرار – نجم وحيد في الأفق – حكايات الفصول الأربعة ..الخ ) .
-بلغت أعماله المطبوعة من قصص وروايات ودراسات أكثر من أربعين عملاً ..
-آخر أعماله الروائية : رواية الجودرية إصدار 2005/ المجلس الأعلى للثقافة .
##
4
الروائي محمد جبيريل/
في " الجودرية " ..!
"من تاريخ الجبرتي بتصرّف"
---------------------------------------
" الجودرية "* للروائي المصري " محمد جبريل " * من آخر إصداراته الروائية ، تتحدث عن الحملة الفرنسية على مصر ، وطرد المماليك ، ثم الاستيلاء على الإسكندرية ، ثم القاهرة ، لجأ الكاتب منذ البداية إلى السرد ، والحوار ، يتنامى فيها السرد ببطئ ، من خلال /11/ باباً ، وفصول عديدة غير مرقّمة في كل باب ..
في الباب الأول : يتناول الكاتب من خلال فصول هذا الباب ، بداية تقدّم الحملة من "طولون " _ ميناء فرنسي - البحر ، واحتلال " مالطة" – عام 1798 - لتكون لهم بمثابة القاعدة التي تؤمّن لهم ما يحتاجونه حتى نزولهم البر المصري ، بدءاً من الإسكندرية .. تجمعوا بسفنهم على شواطئها ،لم يكترث المماليك لهم في بداية الأمر لغرور في نفوسهم واعتقدوا أنهم قادرون على سحقهم إذا ما فكّروا بالنول إلى البر المصري ، يقول الكاتب على لسان " روزيتي " مخاطباً "مراد بك" : "-سيدي : قاطعه مراد بك بإشارة من يده : -إنهم فستق خلق الأكل لا للحرب ( يعني الفرنسيين) .. بعد عدة مناوشات ، يحتل الجنود الفرنسيون الإسكندرية ( كان الفرنسيون قد درسوا كل ما يتصل بمصر في كتابات الرحالة الفرنسيين / الديانة التي تعتنقها / الشرق الذي تنتمي إليه/جغرافية المنطقة/العادات ، التقاليد / وغير ذلك ..) ،كما جلبوا معهم ( مكتبة كبيرة ، ومواد للطباعة ، ومرصداً ، وتجهيزات أخرى تتعلق ببعض الصناعات ، وكثير من الفنانين من رسامين وكتّاب ، وفلكيين وعلماء ، ومهندسين وأطباء ، وغرهم مما يحتاجون إليه خلال حملتهم .. وكأنّ باريس نُقلت إلى مصر ..! ) ..
أحاطت فرق الفرنسيين بالمدينة من ثلاث جهات ، حاول – بعد اندحار الماليك – الأهالي وبعض العربان أم يصدّوا المغيرين ، لكنهم فشلوا ، وفي الثالث من يوليو دخل الفرنسيون الإسكندرية .. دافع الأهالي عن مدينتهم ، وانهمر الرصاص من مساجدهم على المحتلين ، ودارت معارك في الشوارع ، وأصيب الجنرال " كليبر و مينو " لكن كل ذلك لم يقف دون الاحتلال .. أذاع القائد العام منشوراً ، يطمئن أهل المدينة ، بأنه قدم لمحارة المماليك .. ، وكان النشور يتضمن ما يريح الأهالي ، ويرضيهم ( أن الله واحد لا شريك له ، وأن " بونابرت " جاء ليردّ عنهم ظلم " السلاجقة " ، وأنه يحترم النبيّ والقرآن ، وأن الفرنسيين مسلمون ، وأنهم محبّين ، مخلصين لحضرة السلطان العثماني ) ، ونلمس الخديعة من خلال حوار جرى : " قال نابليون لهنري برتران ، مرافقه ، وصديقه ، وموضع سرّه : -أعرف ما تريد أن تقوله : هذا المنشور قطعة من الدجل ..( وابتسمت عيناه الواسعتان ) : لكن ، ألا توافقني أنه دجل مقنع ؟ .."
بعدها تم احتلال القاهرة ، عبر الصحراء ومشقّتها ، وبعد معارك مع قوات المماليك ، في " شبراخيت " ، وسقطت دولة الأمراء الظالمة .. بعد قتال ضارٍ شارك فيه بعض الفلاحين ، وبعد دفاع أهالي القاهرة عن أنفسهم ، وإعلان" النفير العام "وحلّت الفوضى بإغارات البدو على القاهرة ونهب ما فيها ، وعاد نابليون لدجله من جديد ، في أنه حضر بقصد إزالة المماليك ، ورد الظلم ، صدّق المشايخ هذه الرسالة ، واطمأنّوا ، وهكذا كان ما كان من أمر احتلال القاهرة ..
بعد هذا المدخل الذي يتضمن الباب الأول ، سأحاول الاختصار في باقي الأبواب ما أمكن ، لطول الرواية ، وضيق المجال .. في الأبواب (2- .. ) : يتحدث الكاتب عن تعاظم شر جند الفرنسيين وفسادهم فيما بعد ، واشتد الظلم ، وكثرت الضرائب ، ( يشرح الكاتب بالتفصيل كثير من الحوادث ..) ، وخاصة فيما يتعلق بتعاون البدو مع بونابرت وحملته ، وممارستهم ( العربان أو البدو ) السرقة والنهب باستمرار .. وينتقل بنا الروائي في الصفحة /52/ إلى المعارك التي تجري بين الفرنسيين والإنكليز قرب شواطئ الإسكندرية ، ونتيجة لذلك دُمّرَ الأسطول الفرنسي بالكامل ، ويعد من جديد لذكر بعض الوقائع وأسماء كثير من الشخصيات المصرية مثل ( الشيخ خليل البكري – الحاج أبو بكر باشا – الشيخ الشرقاوي – محمد كريم – الشيخ محمد أبو الأنوار ، وغيرهم) وهي أسماء حقيقية أراد الكاتب توثيقها في الرواية ، ويشير لكلمة " الجودرية " بأنها اسم حارة ، ويأتي على ذكر سيدة اسمها " زينب " ابنة البكري ، من خلال بعض الحوارات ، على شكل قصة داخل الرواية ، ويطيل السرد قليلاً .. تلتقي بسيدة اسمها " بولين " في الحمّام ، وتبلّغها رسالة شفهية برغبة بونابرت على مقابلتها ، ويجري حوارٌ بينهما ينتهي بأخذ موعد في بيت القائد العام ( الجنرال نابليون ) ، وتذهب ليلاً بعربة يرسلها .. تدخل " قصر الألفي " ، وتلتقي الجنرال هذا ، يعرض عليها صداقته ، فتوافق ، ويكون ما يكون بينهما ( يربط الروائي هذه الواقعة بما فعلته زوجة نابليون في باريس بعد خروجه بهذه الحملة ، لقد خانته " جوزفين " زوجته ، وهو الآن يرد لها الخيانة ) .. وفي الفصل الرابع ، ينتقل بنا الكاتب إلى قصة أخرى تتعلق بمختار وزوجته وابنته .. يرسل زوجته تغريد إلى بيت " الجودرية " حيث يقيم الشيخ البكري وأسرته ، تعرض على زينب بعض الألبسة النفيسة ، ومن خلال السرد الطويل الذي يقترب من الملل ، يزر مختار جامع الأزهر ويشاهد الطلاب من شتّى أنحاء الوطن العربي والإسلامي ( سوريون – أكراد – فرس – عرب الحجاز – الأتراك – الهنود – وغيرهم ) ، ويتابع سرد القصة : .. تروي زينب لأمها كيف اعترض ملثّمون طريقها وهي داخل عربة تقلّها من الحمام إلى قصر الألفي ، وكيف هدّدها أحدهم بالقتل ، ويتابع الكاتب في الباب الخامس سرد القصة : .. يواجه نابليون الشيخ بكري ويسأله عن سبب كره المصريين للفرنسيين ( بعد حوادث اغتيال بعض المتعاونين معهم ) ..! ويذكر من خلال السرد كثير من أسماء الشخصيات ، والأحياء ، والشوارع ، وعاد الكاتب ليعيد ذكر اسم " " المعلم شيحة " على أنه بدا للبعض وكأنه " المهدي " قطب الصوفية ، وفي الباب السادس : .. يشارك نابليون وجنوده في ليلة المولد النبوي الشريف ، استكمالاً لمكره ودجله ، حتى أن نابليون ارتدى العمامة والجبّة في الاحتفال ، ويعود للمعلم شيحة وإلى مختار ، وتنبّه الفرنسيون إلى قيام الأهالي في القاهرة بفتح السراديب والحفر والخنادق ، وبدأ يغيّر من معاملته إلى الشدة والقسوة بعد أن فقد الأمل في أساليبه الخداعية والدجلية السابقة .. ويعود الكاتب إلى تغريد وزينب من جديد ، وينقلنا من قصة إلى قصة ، إلى قصة بأسلوبه الشائق رغم جزئيات السرد .. وفي الباب السابع : .. يعود لذكر " المهدي " الذي يعود للقاهرة ، وبمشاركة بعض الأخوة العرب المقيمين في مصر من المغاربة والحجازيين وبعض الثوار المصريين يلجئون إلى القوة والثورة في " دمنهور " ، فينتقم الفرنسيون من أهالي دمنهور شرّ انتقام ، وينخرط مختار مع رجال الثورة ، وهكذا فعل أهالي القاهرة ، وتهيّئوا للمقاومة في كل حارة وشارع وبيت ، واشتعلت نار الثورة في القاهرة ، وبدأ الثوار يسيطرون على مفارق الطرق ويقيمون الحواجز ، وامتدت الثورة إلى ضواحي القاهرة ، لكن الفرنسيين تمكنوا من إخماد الثورة بشدة وعنف لم تشهد هما البلاد من قبل ( ويذكر الكاتب أسماء مئات الشهداء مثل الشيخ الشرقاوي – سليمان الجوسقي – الشبراوي – البراوي – أبو شعير عبد القاسم ، وغيرهم ..) ، ولم يوفق بونابرت على إعدام الشيخ "محمد أبو الأنوار " نظراً لكونه زعيم الثورة ، كي لا يؤجج نار الثورة أكثر .. راح بونابرت يلوم بعض المشايخ وعلى رأسهم الشيخ البكري على ما يفعله الأهالي ، من تمرّد .. وفي حملة تفتيش للجودرية حيث يقيم فيها الشيخ البكري والد زينب ، بحثاً عن أسلحة ، وتمتد الثورة خارج القاهرة ، ويعود الكاتب لذكر تفاصيل دقيقة عن التمرد والثورة في الأرياف .. أسماء القرى ، والثوار ، والمعارك ، وكان لحصار الأسطول الإنكليزي للشواطئ دوراً في تضييق الخناق على القوات الفرنسية داخل مصر .. وفي الباب الثامن : .. يعود بونابرت بموكبه إلى القاهرة ، يستقبل استقبالاً حاراً ، ويقدّم له الشيخ البكري الهدايا .. وفي الإسكندرية كان قد حطّم الأسطول الإنكليزي بقيادة " نلسن" الأسطول الفرنسي ، كما ذكر من قبل ، ولم يعد أمام بونابرت إلاّ أن يهاجم سوريا ويقضي على دولة الخلافة العثمانية هناك ، ليعود إلى أوربا عن طريق بر الأناضول .. ويبدأ حملته باتجاه سوريا عبر فلسطين ، وأعاد نابليون " عمر مكرم " الذي كان يقود الثورة في العريش إلى القاهرة 1799 ، وبعد قدوم نابليون لجأ إلى " يافا " بفلسطين ، وهناك أعاده إلى القاهرة ليطمئن به قلوب المصريين .. حاصر الفرنسيون " عكا " وكانت بقيادة " الجزّار " ، لكنه لم يفلح طيلة الحصار (64 يوماً)، وزاد الأسطول الإنكليزي " الطنبور نغماً " بمتابعة القوات الفرنسية وإغراق ما تبقى من الأسطول الفرنسي في ميناء عكا وحيفا ، ومنيت القوات الفرنسية بخسائر فادحة ، وأصاب الباقي منهم الطاعون ( يعود بنا الكاتب بين الفينة والفينة إلى الخلف خطفاً ليحدثنا عن بعض ما كان يجري هنا وهناك ) .. وتصل للمصريين أخبار عودة نابليون سراً إلى فرنسا ، بعد فشله في فتح أبواب عكا ، و ترك رسالة لكليبر أن يتفاوض مع الباب العالي في الجلاء عن مصر ، إذا لم يأته المدد خلال ستة أشهر ، وأمر بتعيينه قائداً عاماً للجيش ، وتعيين ديزيه قائداً للصعيد .. بعدها دخل جيش الباب العالي دمشق ، وواصل الصدر الأعظم إلى مصر ، فاستولى على العريش ، وأعلن المصريون الجهاد على القوات الفرنسية ، واقتيد عدد من المشايخ وعلى رأسهم ( الشرقاوي – المهدي – الصاوي – الفيومي) إلى سجن القلعة ، ولم يخرجوا إلا بعد توقيع الصلح بين القوات العثمانية والفرنسية ، وأخيراً وُقّع اتفاقاً بين القادة الإنكليز والعثمانيين والفرنسيين يقضي بجلاء القوات الفرنسية على ظهر سفن إنكليزية وبكامل أسلحتهم ..
وفي الباب التاسع : .. بدأ مختار الرمادي يتعاون مع عمر مكرم ، ونودي بالنفير العام ، ردت القوات الفرنسية عليهم بعنف في القاهرة ، لإخماد الثورة ، وعانى المصريون من أيام قاهرة ، دامت الثورة /34/يوماً ، وجرت اعتقالات وفرض غرامات على كبار المشايخ والتجار ، واتهم شيخ السادات بأن وراء ثورة القاهرة الأولى والثانية ، وفرضت عليه غرامة باهظة ، وكان نابليون يرغب في إعدامه رمياً بالرصاص لكن كليبر ارتأى غير ذلك ، واكتفوا بسجنه .. في الباب العاشر : .. يعود الكاتب إلى مختار الرمادي وزوجته تغريد ، وتتسارع الأحداث في الرواية ، شاب أزهري يطعن كليبر ، والمهندس بروتان الذي كان يرافقه ، كان الفاعل " سليمان " من حلب ، وقد كان يتردد إلى القاهرة لطلب العلم الديني في الأزهر ، وقضى سليمان شهيداً على يد القائد العام للقوات الفرنسية " مينو " .. في الباب / 11/ الأخير : .. يعود بنا الكاتب لأسوار عكا ، وكيف استعصت على القوات الفرنسية ، وكيف جاءهم وباء الطاعون ، فكيف يتخلصون منه ..؟ وكان قد امتد حتى وصل القاهرة ، وقضى على ثلث أهاليها .. واصلت بعدها القوات العثمانية والفرنسية التقدم باتجاه الإسكندرية ، واحتلتها ، وتم فصل الحامية الفرنسية في الإسكندرية عن حامية القاهرة ، و بدأت تتقدم باتجاه القاهرة ، ويضيق الخناق على القوات الفرنسية رويداً ، رويداً ، بعدها تنقلهم السفن العثمانية والإنكليزية إلى موانئ فرنسا على البحر الأبيض المتوسط ، ويخشى المعلم شيحة ومختار أن يسلب الأتراك والإنكليز ثمرة جهادهم ، في منتصف يونيو عام 1801 وصلت القوات العثمانية والإنكليزية إلى القرب من القاهرة ، ودخلها الجيش العثماني من الشرق والإنكليزي من رشيد ، تتبّع مختار القوات الفرنسية للتأكد من رحيلهم ، واختفت زينب عن الأنظار ، وأصبح مصيرها مجهولاً ، وتخلّص المصريون الأحرار ممن صالحوا الفرنسيين وساعدوهم ، بعدها يعود " عمر مكرم " إلى نقابة الأشراف التي كان يشغلها الشيخ البكري والد زينب ، وانفتح الباب على زينب ، وتمت مواجهة والدها بأفعالها ، هجم العمّة على بيته ونهبوه وهتكوا حريمه ، واقتادوه إلى وكالة ذي الفقار في الجمالية ، ثم جاء من أنقذه وأعاده إلى داره .. وأخيراً قام مختار بخنق زينب جزاءً على جرائها بحق نفسها وحق الوطن .. وتنتهي الرواية بعد تثبيت المراجع التي اعتمدها الكاتب ..!
بعد هذه الرحلة الشاقة والشائقة مع الروائي الكبير " محمد جبريل " في " الجودرية " من تاريخ الجبرتي بتصرّف ، يمكن القول : " على الرغم مما ذكرته من قبل ، فيما يتعلق بفنية الرواية ، وأسلوبها ، والطول الذي وقعت في شباكه ، وكثرة الأسماء والأماكن والقصص التي تخللتها ، فقد وُفّق الكاتب في نقل الحالة التاريخية التي استبطنت الواقع بصدق وشفافية ، واستطاع بخبرته أن يمدّ خيوط الرواية طويلاً من خلال تضمينها بعض القصص التي فعّلت الرواية وجعلتها شائقة ، ثم عاد فجمع هذه الخيوط لينهي الرواية بالشكل الذي وجدناه ، مع اعتماده على مراجع كان لا بد منها لتثبيت الوقائع كما هي بأمانة وصدق ، وأنا مع ما كتب على الغلاف الخلفي من أن الروائي محمد جبريل كان في الجودية ، صاحب رؤية فاعلة لمرحلة مهمة من مراحل التاريخ المصري في العصر الحديث ، وأنّ هذه الرؤية تتجلّى في علاقة الآخر ، وفي الدراما التي تعتمد على التناص من خلال الحكاية ، وكذلك من خلال العلاقات السردية التي يصنع النص منها متوازيات حكائية داخل الشخصيات ، وداخل المنظورات الحكائية ، بالإضافة إلى التفاعل مع روح الحالة التاريخية والتي تبطن الواقع بصورة أو بأخرى ، وبهذا يضيف الروائي إلى القراءات المتعددة لهذه الفترة قراءات أخرى مشيراً إلى الجبرتي على وجه الخصوص ، كما أنها تضيف إلى أعماله الروائية عملاً باعتقادي أنه من أصعب الأعمال ، باعتباره يحتاج إلى الفنية والوثيق معاً وخلال مرحلة طويلة من الزمن ..
---------------------------------------
*الجودرية : رواية صدرت عن" المجلس الأعلى للثقافة " في القاهرة لعام 2005 ، تتضمن /11/ باباً ، وكل باب يتألف من عشرات الفصول غير المرقّمة ، جاءت في /233/ صفحة من القطع الكبير .
*محمد جبريل : روائي مصري كبير ، صدرت له /27/ رواية ، و/9/قصص مجموعات قصصية ، و/9/ كتب أخرى متنوّعة ، كانت رواية " الجودرية " آخر إصداراته .
د. حسين علي محمد
03-03-2010, 10:14 AM
الإخوة الأعداء
بقلم: محمد جبريل
.....................
في أول الستينيات. قدم أستاذنا يحيي حقي مجموعة قصصية باسم "عيش وملح" لستة من أدباء الجيل. عبرت -في غالبيتها- عن مواهب حقيقية ومغايرة.
كانت الصداقة الإبداعية هي التي جمعت بين مبدعي الجماعة أما الصداقة الشخصية. فقد لاحظت أن بعض أفرادها كانوا يلتقون ليخوضوا معارك كلامية. تبدأ بالمعايرة وتنتهي بالشتم. وكنت أعجب لتلك الروح العدائية التي يلتقي في حلبة صراعاتها من اختاروا لمجموعتهم القصصية الأولي تسمية "عيش وملح"!
استعيد تلك الأيام البعيدة. أتذكر التعبير "تسخين الأذن" كلما نشأ الخصام بين مجموعة أصدقائي الجدد.
يهاتفني أحدهم. يتكلم. يعيد ويزيد. ينسب إلي صديقه -الذي صار عدوا - كل الأخطاء والخطايا. فمؤامراته لا تنتهي. وهو المسئول عن إفساد الحياة الثقافية!
يطول الوقت أنصت إلي ما يغلق الأبواب تماما بين الأصدقاء. لا يكتفي الصديق بأن يتركها مواربة. بل هو يخوض فيما يبتعد عنه أشد الأعداء خصومة. أحاول النصح: أنتم مبدعون. والناس تتابع كتاباتكم. والأجيال الطالعة تجد فيكم القدوة. يواصل كلامه. يتكلم ويتكلم حتي ينفد الصبر فألجأ إلي التعبير: سخنت أذني!
تكون أذني قد سخنت بالفعل. كلام كثير يصعب متابعته. بل ولا أحسن فهمه. يأتي الصوت منفعلا ومتحمسا: يجب أن تعرف حقيقة ذلك الذي تظنه صديقا!.
يكلمني أحدهم عن أول مؤتمر للرواية نظمه المجلس الأعلي للثقافة. والجهد الذي بذله صاحبه حتي تظفر أعماله بمناقشات المؤتمر. مقابلا لحجب أعمال محدثي. ويروي لي آخر ما يجري في الأركان الهامسة في مقهي الجريون: فلان يعاني ركنة الظل. لا بأس من بقعة ضوء.. فلان أخذ أكثر من حقه. ينبغي أن نعتم عليه.. وتصرفات أخري غريبة يصعب تصورها في عمل درامي!
اعتدت المكالمات المفاجئة. والعبارات التي تشكو. وتدين. وتلاحظ معايب علي طفولة "الصديق" ونشأته. والصراعات التي خاضها حتي تحققت له مكانة في قبيلة المبدعين!
أغلق السماعة بعد عناء. أتناسي الأمر حتي أنساه. وتطالعني الأيام بما تناسيته ونسيته يقفز الإخوة الأعداء فوق الأسوار أو يحطمون الأبواب التي أغلقوها جيدا ويعود كل شيء إلي ما كان عليه قبل العداء المطلق.
لأن المسألة بدت مثل الاسطوانة المشروخة صداقة مقحمة تشكو أصدقاء آخرين. ثم عودة كل شيء إلي ما كان عليه. قبل أن تنشأ العداوة الطارئة! ما ذنب الآخرين ليدخلوا بين البصلة وقشرتها؟!
يرفع من في البيت سماعة التليفون. يقولون: فلان. أعرف أن الصداقة العميقة. بل والشللية. غابت لسبب سأعرفه حالا.
وأتذكر التعبير الذي اختاره كازنتزاكس لواحدة من أجمل رواياته: الإخوة الأعداء!
...............................
*المساء ـ في 27/2/2010م
د. حسين علي محمد
03-03-2010, 10:17 AM
الأخ الدكتور حسين علي محمد المحترم
تحية الحب والحرية والإبداع وبعد:
الشكر كل الشكر على الجهد الكبير المبذول عن السيرة الذاتية للأديب الكبير محمد جبريل الذي ملأت كتاباته الابداعية قلوبنا وأرواحنا من شذا ورد كلامه في العديد من الروايات وما رفدها من قراءات نقدية في أعماله وأهمها الرواية .. بألوانها وأطيافها وخلال عقود .. كيف لا وهو الأديب الكبير والفاضل والمتألق الذي عايش كبار الأدباء في مصر والوطن العربي .. فكان مرآة عصره أطال الله في عمره ..!
#
عرفته منذ سنوات وزرته عدة مرات في منزله ومكان عمله في الصحافة وفي منتدى الخميس في نقابة الصحفيين في القاهرة .. وكتبت عن العديد من أعماله الروائية وعن الدكتورة زينب العسال في أحد أعمالها ولا زلت أزوره في كل عام من خلال زياراتي المتكررة للقاهرة ..!
#
وسأشارك في الدراسات التي كتبتها عن بعض أعماله الروائية وعن الدكتورة زينب في هذا المنتدى لعلّها تضاف إلى سيرته الذاتية ..!
#
تحياتي
وإلى اللقاء.؟!
شُكراً للأديب الناقد الجميل الأستاذ
محمد الزينو السلوم
على التعليق، والمشاركة الجميلة.
مع موداتي.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2013, TranZ by Almuhajir