معبر النهاري
05-14-2006, 11:47 PM
الدائرة الثانية : المرارة :
تتضاعف حدة المرارة، ويعاني الشاعر قسوتها حين يرى المودة والصداقة تنقلب إلى حسد وحقد، ويرى البسمات البراقة والوجه الضاحك، يتحول إلى عداوة قاتمة، وقلب كاره.
جهلَ الحسودُ مكانتي فرماني
يُبدي ليَ البسماتِ إن لاقيتُه
فإذا اختفى عني تحوَّل حبُّه
ليحطَّ من قدري، ورفعةِ شاني
ويطيبُ بي نفسا إذا لاقاني
كرها، وظاهرَ بالعِدا ولحاني(21)
وعندما يصبح التلون، والخداع، والتوحش، واغتيال البراءة، صفات شائعة في الحياة المعاصرة، لا يجد الكريم النبيل متنفساً في تلك الحياة القاتمة، ولا يفوز إلا بالقهر والمعاناة والغربة، فيصب غضبه ونقمته على عناصر الجمال في الطبيعة من حوله، متمنيا لها القبح والعيوب، لتناسب لون الحياة الكئيب:
يا لحالِ الكريم يجتاحه القهــ
في زمانٍ تحوَّل الناس فيه
تخدشُ الطيبَ والحياء وتوحى
وزمان فيه الاصيلُ يلاقي
ويلاقي دسا رخيصا ويُرمى
جفوة الأرض إيه ياجفوة الأرْ
ليت أن السحَاب لم يسكب المـا
وطيورَ الروض منتوفة الريـ
ـرُ يعاني من همِّه ما يُعاني
لوحوش تعدو بكلِّ مكان
للخَبَالى بأنها ذاتُ شان
طعناتٍ من غادرٍ وجبانِ
من وضيعٍ فدْم بطول لسانِ
ضِ كفاني من شقوتي ما كفاني
ءَ، وليت الظلال أسرى لجان
شِ، وليت الورود غير حسانِ(22)
الدائرة الثالثة: الإحباط :
يشقى الأديب– مع ثقته بنفسه، وإيمانه بموهبته – حينما يلقي تجاهلاً من الناس، وحينما يحس بعدم تقدير المجتمع له، وبخاصة إذا وقع في شدة، أو ألمت به ملمة، فإنه يكون في أشد الحاجة إلى المواسي والمعين، وإذا افتقد تعاطف الناس، وتقدير المجتمع في أزمته، تشتد محنته، وتسود الدنيا في عينيه:
صَغَّرتْ قيمة الأديبِ المصاعب
فإذا صاحَ في الدُّجى من مُغيثى
لم يجدْ مُصغيا، فأيُّ ارتماءٍ
حسبُه الحرفُ صادقاً ونزيها
ورمتْهُ قسراً لسودِ الغياهبْ
ومُعيني على اجتياز النوائب
وانكفاءٍ على رَغام الرغائب؟
وسيغنيه عن نفيس النجائب(23)
ويزداد الشقاء بالشاعر إلى أن يصل إلى درجة اليأس والإحباط، حينما يرى تقدير المجتمع، وتكريم الناس لنجوم العصر الحديث (المغني – الممثل – لاعب الكرة)، وإقبال الدنيا عليهم، وتمتعهم بالملذات، وتنعمهم بكل غال ونفيس، والشاعر قدره الإهمال والنسيان والشقاء والمعاناة من انقلاب الأوضاع، وعلو الغثاء:
كم شاعرٍ في الناسِ قال بُحرقةٍ
لهفي علي عُمري الذيِ أفنيته
مالي إذا قلتُ القصيدة لم أجد
كلُّ البحورِ مخرتُها في زورقي
ولوَ أنني أخترت الغناءَ لكان لي
يا أيها الشعراءُ مثلى حسبُكم
ديوانُ شعرِ الشاعرِ الفحلِ الذي
رهنُ الكسادِ، وللأغاني ميزةُ ُ
غنَّى المغنى فاستطابَ العيش َ في
حرَّى تعى زفراتها الجدرانُ
في الشعرِ حتى هدَّني الدوران
عونا، ومن غنَّى النشازَ يعانُ
فإذا حصيلةُ رحلتي خسرانُ
شرف، وذكر في الحياةِ وشانُ
ما الشعرُ؟ إن شداته قد هانوا
تزهو بكل سطوره الأزمانُ
معروفةُ ُ، ومواقف ومكانُ
ظلِّ الغِنا، والشاعر الحيرانُ(24)
وهذا الوضع المقلوب شائع منتشر في جميع أنحاء وطننا العربي "يعتزل الكرة (أو الفن)، أو يحاول اعتزالها لاعب، فتقوم الدنيا ولا تقعد، لتكريمه. ويحالً أديب(أو عالم) للتقاعد، ويتفرغ للبحث والتأليف، والابتكار، فلا يجد من يحتفي به أو يدعو لتكريمه. فمن الأحق بالتكريم؟ الأديب أم لاعب الكرة؟ "(25)
وهذا السؤال وإجابته وجع وإحباط لكل من يتفكر في حال الأمة العربية، ويحرص على مستقبلها بين الأمم.
ويثير الشاعر هذا الجرح المؤلم الذي يضع علامة استفهام كبيرة حول آفاق المستقبل في وطن أوضاع حاضره مقلوب، فيقول في "قصيدته بين القلم والقدم":
إنّ الأديب يعيش صمتَ المقبرهْ
يحيا الكفافَ، ويمنح الدنيا سنا
آمالُ أمَّته، ونازف جرحها
كم لاعب أثرى، ونال مكانةً
ولكم أديبٍ ظلَّ يعصرُ فكرَه
يا أيها الشعراءُ مثلى حسبُكم
المجدُ للقدمِ القوىَّ، وليس في
من بعد ماسحقتُه أضواء الكُرَه
أفكاره، ويظل يخدم معشره
ميدانهُ، وبه يحمحمُ أبجرَه
عُليا، وعاش معيشة متطوره
ألقاً يضيءُ، ولم يجدْ من يشكره
ما عادَ يذكرُ في المحافل عنتره
قلمِ الأديبِ سوىَ الرؤى المتعثرهُ(26)
الدائرة الرابعة : أحزان الأمة العربية والإسلامية :
عاش الشاعر أحداث أمته الدامية، وتجرع أحزانها ومآسيها المتوالية، بداية من قضية فلسطين، جرح المسلمين النازف دوما، عاصر الشاعر تطوراتها، وتحولاتها الدامية، وتساءل حائرا عن أسباب نكبتها وضياعها، وبقاء الدموع والأسى، تلهب المشاعر، وتجعل الجرح نازفاً غير ملتئم:
القدسُ أين القدس؟ أين جلالها
أين الجموع تسير نحو رحابها
أين الخليل، وغزة؟ أين السنا
أين المؤذن داعيا، متبتلا
لا شيء غير الدمع في أحداقنا؟
أين الشموعُ تضاء في المحراب؟
بخشوع قلبِ المؤمن الأواب؟
من قبةٍ تواقةٍ لقبابِ
الله أكبر يا أولى الألباب؟
يلهو بها كالنار في الأعشاب(27)
وحين تندمج الذات الفردية مع الذات الجمعية، يحس المبدع بآلام أمته، ويهوله ضياع الأوطان والمقدسات، وتشتت الأهل والإخوان، وفرقة المسلمين، وتمزقهم، وجدالهم، وتناحرهم مع أن قوتهم في وحدتهم وتجمعهم، وضعفهم وهوانهم في تفرقهم. كل هذه المآسي تثقل حاضر المسلمين بالألم والشقاء ، وتضاعف الأحزان في قلب الشاعر:
عظُمَ المصابُ فأيّ قلبٍ مؤمن
رباه هذا لا يطاق وأنَّنا
فاملأ بصائرنا يقينا وأتنا
إنا نعيشُ حياتنا في فرقةٍ
نسعى إلى من لا يسرُّ بسعينا
ونظل نلهثُ ضائعين وإنما
يا رب إني قد أطلت تأملي
وأطلتُ تفكيري بنظرة مؤمنٍ
تتحكم الأطماعُ في تسييره
فرجعتُ أعظم ما يكون شقاوة
يرضى الهلاكَ لمسلم ذي بالِ
شتى على الغدوات والآصالِ
عونا فإنك دائمُ الأفضال
وتمزق، وتناحر، وجدال
ونريد جرعة سلسل من آلِ
كان الضياع نهاية الآمالِ
في الحاضر المملؤ بالأثقالِ
ألفَي الوجودَ مزعزعَ الأوصال
فإذا قدرتَ ، فأنت أنت الوالي
ورجعتُ أرمي خافقي بنبالي(28)
تداخلت دوائر الحزن وتضاعف تأثيرها القاسي في قلب الشاعر، وتفاعلت مع نفسه الحزينة في رسم صورة قاتمة كئيبة طغت قسوتها على الماضي، وملأت الحاضر باللوعة والمرارة، وشكلت صورة ضبابية مخيفة لملامح المستقبل.
يقول الشاعر في قصيدته " نغمات كئيبة":
يا ظلماتِ البؤسِ لا تعتدى
ويا رعود اليأس لا تهدرى
ويا أعاصيرَ الشقاءِ اغربى
حسبى جراحاتي فإني امرؤ
جئتُ إلي الدنيا ولي مأملُُ
تحطمتْ قيثارتي وانمحت
أراقب الأفلاك، أستلّ من
أرنو إلى الضوء الشفيفِ الرؤى
فأنثني أبحث عن سلوةٍ
أحسُّ في روحي دبيب الأسى
أعايش الأناتِ في هولها
غير كوؤس الآه ما أحتسى
وصورة المقدورِ يا شؤمَها
على فؤادي الوجفِ المجهدِ
أمام طرفي الحائر المسهدِ
في عمق عمق الليلي. أو فاخمدي
لا تشرق الأحلام في مرقدى
فغالة الدهر ولم أسعد
أسطورة الأضواء عن معهدى
خيوطها ذكرى شبابي الندى
يحنو على الزهر حنوَّ الصَّدِى
وإن تكن في حظىَ الأسودِ
ورعشة الآلامِ تعلو يدى
وفي عبابِ الشقوةِ المزبدِ
وغير ثوبِ الحزنِ لم أرتدِ
تدوس يومى، ثم تخفى غدى(29)
- 4 -
مقاومة الحزن
الإيمان بالله :
لجأ المبدع إلى عدة وسائل لمقاومة أمواج الألم المتلاحقة، ومحاولة الخروج من دوائر الحزن المطبقة على قلبه ووجدانه، واستمسك بهذه الوسائل المناهضة لطغيان الألم والحزن، ليحقق التوازن النفسي الذي يحميه من الانسحاق، أو الانسحاب من الحياة.
يأتي الإيمان العميق بالله، واللجوء إلى حماه، وطلب العون، والغوث، والرحمة، والرزق، والصبر من الحق سبحانه وتعالى، يأتي في مقدمة وسائل المقاومة، وكلما عزت الأسباب، وأحاطت دوائر الحزن بالشاعر من كل ناحية، يلجأ إلى مسبب الأسباب. ولذلك نجد المقاطع الأخيرة في معظم القصائد الذاتية الحزينة تحتشد بأسلوب النداء ( يا إلهي – يا رب) الذي يفيد التضرع والدعاء، وطلب العون، وأسلوب الأمر الدال على الدعاء. كقوله:
يا إلهي عمقتُ حبك في ذا
أنت ربي، وأنت مالك أمري
فلتكنْ لي، ومن سواك عزائي
تي وأعلنته بأنقى المشاعر
وملاذي من موجعات المخاطر
في ارتطامي، وأنت للكون فاطر(30)
وقوله :
يا إلهي إليك فوضتُ أمري
أنت أوجدتني، وقدرت رزفي
واعف عني، وعافني، وأنلني
فرجائي سواكَ ليس بمجدِ
فانتشلني من قعر جب التردى
رحمة من يدي مليكٍ لعبدِ(31)
وقوله :
وما درى ما بأعماقي أكابده
إلاك يا من إذا ناداك مكترب
أجبته وكشفت الضرَّ فانقشعت
فأمنن عليَّ بجود منك منهمر
أنت الملاذُ، وأنت المستعان ومن
يا رب من سوء أحوالي وأكرعُه
يحدو إليك أمانيه تضرعُه
آلامه ، وإذا ما جاع تشبعه
يميتُ همي الذي استشرى ويقمعه
جزيل فضلك يحيا الكون أجمعه(32)
الصبر والثبات :
يستمد المبدع من إيمانه العميق بالله طاقة هائلة، وقوة دافعة تساعده على الصبر على الشدائد، وتحثه على التغلب عليها، والثبات على المبادئ والقيم التي غرست في نفسه، مهما حاولت الآلام والأحزان أن تفت في عضده، وأن تقذف اليأس والإحباط في قلبه، فيقول:
يا فؤادي كيف الخلاص من اليأ
بعد أن أمطرتك سودِ الليالي
عدتَ شلواً تئن من ألم الجر
غير أن الأبيَّ لا يرهبُ الهو
لا تبالي الجراح، والألم الطا
والتواءَ الدروب، والمشربَ المرَّ
إنها سلم الحياةِ إلى المجـ
إنها تصهرُ النفوسَ، وتجلو
سِ، وكيف الفكاك مما تقاسى
برزايا تميد منها الرواسي
حِ، وتذوي على شفار ابتئاسِ
لَ، فجالدْ رغم اشتد المآسي
غي، وعسف النبالِ إثرَ النبالِ
وزحف الآلامِ والأهوالِ
ـدِ، وسامُ ُ على صدورِ الرجالَ
ها، وبالصهر تستبين اللآلي(33)
يوقن الشاعر أن مواجهة الآلام، والتغلب عليها طريق المجد، والنبوغ، ووسيلة الإتقان والتجويد، فهو يستمد من الأحزان زادا يقويه ويجلو مشاعره، ويعلو على صغائر الحسد والحقد لترفعه إلى قمم الإبداع والخلود، فيقول:
يا أيها الحسادُ شُبوا نارَكم
فبناركم أجلو روائع حكمتي
فلقد نشرتُ على الخضم شراعي
وبناركم أفتن في إبداعَي(34)
تتضاعف حدة المرارة، ويعاني الشاعر قسوتها حين يرى المودة والصداقة تنقلب إلى حسد وحقد، ويرى البسمات البراقة والوجه الضاحك، يتحول إلى عداوة قاتمة، وقلب كاره.
جهلَ الحسودُ مكانتي فرماني
يُبدي ليَ البسماتِ إن لاقيتُه
فإذا اختفى عني تحوَّل حبُّه
ليحطَّ من قدري، ورفعةِ شاني
ويطيبُ بي نفسا إذا لاقاني
كرها، وظاهرَ بالعِدا ولحاني(21)
وعندما يصبح التلون، والخداع، والتوحش، واغتيال البراءة، صفات شائعة في الحياة المعاصرة، لا يجد الكريم النبيل متنفساً في تلك الحياة القاتمة، ولا يفوز إلا بالقهر والمعاناة والغربة، فيصب غضبه ونقمته على عناصر الجمال في الطبيعة من حوله، متمنيا لها القبح والعيوب، لتناسب لون الحياة الكئيب:
يا لحالِ الكريم يجتاحه القهــ
في زمانٍ تحوَّل الناس فيه
تخدشُ الطيبَ والحياء وتوحى
وزمان فيه الاصيلُ يلاقي
ويلاقي دسا رخيصا ويُرمى
جفوة الأرض إيه ياجفوة الأرْ
ليت أن السحَاب لم يسكب المـا
وطيورَ الروض منتوفة الريـ
ـرُ يعاني من همِّه ما يُعاني
لوحوش تعدو بكلِّ مكان
للخَبَالى بأنها ذاتُ شان
طعناتٍ من غادرٍ وجبانِ
من وضيعٍ فدْم بطول لسانِ
ضِ كفاني من شقوتي ما كفاني
ءَ، وليت الظلال أسرى لجان
شِ، وليت الورود غير حسانِ(22)
الدائرة الثالثة: الإحباط :
يشقى الأديب– مع ثقته بنفسه، وإيمانه بموهبته – حينما يلقي تجاهلاً من الناس، وحينما يحس بعدم تقدير المجتمع له، وبخاصة إذا وقع في شدة، أو ألمت به ملمة، فإنه يكون في أشد الحاجة إلى المواسي والمعين، وإذا افتقد تعاطف الناس، وتقدير المجتمع في أزمته، تشتد محنته، وتسود الدنيا في عينيه:
صَغَّرتْ قيمة الأديبِ المصاعب
فإذا صاحَ في الدُّجى من مُغيثى
لم يجدْ مُصغيا، فأيُّ ارتماءٍ
حسبُه الحرفُ صادقاً ونزيها
ورمتْهُ قسراً لسودِ الغياهبْ
ومُعيني على اجتياز النوائب
وانكفاءٍ على رَغام الرغائب؟
وسيغنيه عن نفيس النجائب(23)
ويزداد الشقاء بالشاعر إلى أن يصل إلى درجة اليأس والإحباط، حينما يرى تقدير المجتمع، وتكريم الناس لنجوم العصر الحديث (المغني – الممثل – لاعب الكرة)، وإقبال الدنيا عليهم، وتمتعهم بالملذات، وتنعمهم بكل غال ونفيس، والشاعر قدره الإهمال والنسيان والشقاء والمعاناة من انقلاب الأوضاع، وعلو الغثاء:
كم شاعرٍ في الناسِ قال بُحرقةٍ
لهفي علي عُمري الذيِ أفنيته
مالي إذا قلتُ القصيدة لم أجد
كلُّ البحورِ مخرتُها في زورقي
ولوَ أنني أخترت الغناءَ لكان لي
يا أيها الشعراءُ مثلى حسبُكم
ديوانُ شعرِ الشاعرِ الفحلِ الذي
رهنُ الكسادِ، وللأغاني ميزةُ ُ
غنَّى المغنى فاستطابَ العيش َ في
حرَّى تعى زفراتها الجدرانُ
في الشعرِ حتى هدَّني الدوران
عونا، ومن غنَّى النشازَ يعانُ
فإذا حصيلةُ رحلتي خسرانُ
شرف، وذكر في الحياةِ وشانُ
ما الشعرُ؟ إن شداته قد هانوا
تزهو بكل سطوره الأزمانُ
معروفةُ ُ، ومواقف ومكانُ
ظلِّ الغِنا، والشاعر الحيرانُ(24)
وهذا الوضع المقلوب شائع منتشر في جميع أنحاء وطننا العربي "يعتزل الكرة (أو الفن)، أو يحاول اعتزالها لاعب، فتقوم الدنيا ولا تقعد، لتكريمه. ويحالً أديب(أو عالم) للتقاعد، ويتفرغ للبحث والتأليف، والابتكار، فلا يجد من يحتفي به أو يدعو لتكريمه. فمن الأحق بالتكريم؟ الأديب أم لاعب الكرة؟ "(25)
وهذا السؤال وإجابته وجع وإحباط لكل من يتفكر في حال الأمة العربية، ويحرص على مستقبلها بين الأمم.
ويثير الشاعر هذا الجرح المؤلم الذي يضع علامة استفهام كبيرة حول آفاق المستقبل في وطن أوضاع حاضره مقلوب، فيقول في "قصيدته بين القلم والقدم":
إنّ الأديب يعيش صمتَ المقبرهْ
يحيا الكفافَ، ويمنح الدنيا سنا
آمالُ أمَّته، ونازف جرحها
كم لاعب أثرى، ونال مكانةً
ولكم أديبٍ ظلَّ يعصرُ فكرَه
يا أيها الشعراءُ مثلى حسبُكم
المجدُ للقدمِ القوىَّ، وليس في
من بعد ماسحقتُه أضواء الكُرَه
أفكاره، ويظل يخدم معشره
ميدانهُ، وبه يحمحمُ أبجرَه
عُليا، وعاش معيشة متطوره
ألقاً يضيءُ، ولم يجدْ من يشكره
ما عادَ يذكرُ في المحافل عنتره
قلمِ الأديبِ سوىَ الرؤى المتعثرهُ(26)
الدائرة الرابعة : أحزان الأمة العربية والإسلامية :
عاش الشاعر أحداث أمته الدامية، وتجرع أحزانها ومآسيها المتوالية، بداية من قضية فلسطين، جرح المسلمين النازف دوما، عاصر الشاعر تطوراتها، وتحولاتها الدامية، وتساءل حائرا عن أسباب نكبتها وضياعها، وبقاء الدموع والأسى، تلهب المشاعر، وتجعل الجرح نازفاً غير ملتئم:
القدسُ أين القدس؟ أين جلالها
أين الجموع تسير نحو رحابها
أين الخليل، وغزة؟ أين السنا
أين المؤذن داعيا، متبتلا
لا شيء غير الدمع في أحداقنا؟
أين الشموعُ تضاء في المحراب؟
بخشوع قلبِ المؤمن الأواب؟
من قبةٍ تواقةٍ لقبابِ
الله أكبر يا أولى الألباب؟
يلهو بها كالنار في الأعشاب(27)
وحين تندمج الذات الفردية مع الذات الجمعية، يحس المبدع بآلام أمته، ويهوله ضياع الأوطان والمقدسات، وتشتت الأهل والإخوان، وفرقة المسلمين، وتمزقهم، وجدالهم، وتناحرهم مع أن قوتهم في وحدتهم وتجمعهم، وضعفهم وهوانهم في تفرقهم. كل هذه المآسي تثقل حاضر المسلمين بالألم والشقاء ، وتضاعف الأحزان في قلب الشاعر:
عظُمَ المصابُ فأيّ قلبٍ مؤمن
رباه هذا لا يطاق وأنَّنا
فاملأ بصائرنا يقينا وأتنا
إنا نعيشُ حياتنا في فرقةٍ
نسعى إلى من لا يسرُّ بسعينا
ونظل نلهثُ ضائعين وإنما
يا رب إني قد أطلت تأملي
وأطلتُ تفكيري بنظرة مؤمنٍ
تتحكم الأطماعُ في تسييره
فرجعتُ أعظم ما يكون شقاوة
يرضى الهلاكَ لمسلم ذي بالِ
شتى على الغدوات والآصالِ
عونا فإنك دائمُ الأفضال
وتمزق، وتناحر، وجدال
ونريد جرعة سلسل من آلِ
كان الضياع نهاية الآمالِ
في الحاضر المملؤ بالأثقالِ
ألفَي الوجودَ مزعزعَ الأوصال
فإذا قدرتَ ، فأنت أنت الوالي
ورجعتُ أرمي خافقي بنبالي(28)
تداخلت دوائر الحزن وتضاعف تأثيرها القاسي في قلب الشاعر، وتفاعلت مع نفسه الحزينة في رسم صورة قاتمة كئيبة طغت قسوتها على الماضي، وملأت الحاضر باللوعة والمرارة، وشكلت صورة ضبابية مخيفة لملامح المستقبل.
يقول الشاعر في قصيدته " نغمات كئيبة":
يا ظلماتِ البؤسِ لا تعتدى
ويا رعود اليأس لا تهدرى
ويا أعاصيرَ الشقاءِ اغربى
حسبى جراحاتي فإني امرؤ
جئتُ إلي الدنيا ولي مأملُُ
تحطمتْ قيثارتي وانمحت
أراقب الأفلاك، أستلّ من
أرنو إلى الضوء الشفيفِ الرؤى
فأنثني أبحث عن سلوةٍ
أحسُّ في روحي دبيب الأسى
أعايش الأناتِ في هولها
غير كوؤس الآه ما أحتسى
وصورة المقدورِ يا شؤمَها
على فؤادي الوجفِ المجهدِ
أمام طرفي الحائر المسهدِ
في عمق عمق الليلي. أو فاخمدي
لا تشرق الأحلام في مرقدى
فغالة الدهر ولم أسعد
أسطورة الأضواء عن معهدى
خيوطها ذكرى شبابي الندى
يحنو على الزهر حنوَّ الصَّدِى
وإن تكن في حظىَ الأسودِ
ورعشة الآلامِ تعلو يدى
وفي عبابِ الشقوةِ المزبدِ
وغير ثوبِ الحزنِ لم أرتدِ
تدوس يومى، ثم تخفى غدى(29)
- 4 -
مقاومة الحزن
الإيمان بالله :
لجأ المبدع إلى عدة وسائل لمقاومة أمواج الألم المتلاحقة، ومحاولة الخروج من دوائر الحزن المطبقة على قلبه ووجدانه، واستمسك بهذه الوسائل المناهضة لطغيان الألم والحزن، ليحقق التوازن النفسي الذي يحميه من الانسحاق، أو الانسحاب من الحياة.
يأتي الإيمان العميق بالله، واللجوء إلى حماه، وطلب العون، والغوث، والرحمة، والرزق، والصبر من الحق سبحانه وتعالى، يأتي في مقدمة وسائل المقاومة، وكلما عزت الأسباب، وأحاطت دوائر الحزن بالشاعر من كل ناحية، يلجأ إلى مسبب الأسباب. ولذلك نجد المقاطع الأخيرة في معظم القصائد الذاتية الحزينة تحتشد بأسلوب النداء ( يا إلهي – يا رب) الذي يفيد التضرع والدعاء، وطلب العون، وأسلوب الأمر الدال على الدعاء. كقوله:
يا إلهي عمقتُ حبك في ذا
أنت ربي، وأنت مالك أمري
فلتكنْ لي، ومن سواك عزائي
تي وأعلنته بأنقى المشاعر
وملاذي من موجعات المخاطر
في ارتطامي، وأنت للكون فاطر(30)
وقوله :
يا إلهي إليك فوضتُ أمري
أنت أوجدتني، وقدرت رزفي
واعف عني، وعافني، وأنلني
فرجائي سواكَ ليس بمجدِ
فانتشلني من قعر جب التردى
رحمة من يدي مليكٍ لعبدِ(31)
وقوله :
وما درى ما بأعماقي أكابده
إلاك يا من إذا ناداك مكترب
أجبته وكشفت الضرَّ فانقشعت
فأمنن عليَّ بجود منك منهمر
أنت الملاذُ، وأنت المستعان ومن
يا رب من سوء أحوالي وأكرعُه
يحدو إليك أمانيه تضرعُه
آلامه ، وإذا ما جاع تشبعه
يميتُ همي الذي استشرى ويقمعه
جزيل فضلك يحيا الكون أجمعه(32)
الصبر والثبات :
يستمد المبدع من إيمانه العميق بالله طاقة هائلة، وقوة دافعة تساعده على الصبر على الشدائد، وتحثه على التغلب عليها، والثبات على المبادئ والقيم التي غرست في نفسه، مهما حاولت الآلام والأحزان أن تفت في عضده، وأن تقذف اليأس والإحباط في قلبه، فيقول:
يا فؤادي كيف الخلاص من اليأ
بعد أن أمطرتك سودِ الليالي
عدتَ شلواً تئن من ألم الجر
غير أن الأبيَّ لا يرهبُ الهو
لا تبالي الجراح، والألم الطا
والتواءَ الدروب، والمشربَ المرَّ
إنها سلم الحياةِ إلى المجـ
إنها تصهرُ النفوسَ، وتجلو
سِ، وكيف الفكاك مما تقاسى
برزايا تميد منها الرواسي
حِ، وتذوي على شفار ابتئاسِ
لَ، فجالدْ رغم اشتد المآسي
غي، وعسف النبالِ إثرَ النبالِ
وزحف الآلامِ والأهوالِ
ـدِ، وسامُ ُ على صدورِ الرجالَ
ها، وبالصهر تستبين اللآلي(33)
يوقن الشاعر أن مواجهة الآلام، والتغلب عليها طريق المجد، والنبوغ، ووسيلة الإتقان والتجويد، فهو يستمد من الأحزان زادا يقويه ويجلو مشاعره، ويعلو على صغائر الحسد والحقد لترفعه إلى قمم الإبداع والخلود، فيقول:
يا أيها الحسادُ شُبوا نارَكم
فبناركم أجلو روائع حكمتي
فلقد نشرتُ على الخضم شراعي
وبناركم أفتن في إبداعَي(34)