المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : االأدب بين الفلسفة والإسلام


محمد علي الرباوي
07-21-2010, 04:17 PM
الأدب بين الفلسفة والإسلام

بقلم : م ع الرباوي

يَقومُ هذا البحثُ، بَعْدَ الْمُقَدِّمَةِ، والْمَدْخلِ، على فصلين اثنين. الفصلُ الأولُ عنوانُه: الأدبُ والفلسفةُ. وهو في مبحثين. الأولُ موضوعُه: الفلسفةُ والواقعُ. والثاني موضوعُه: الأدبُ والواقع. أما الفصلُ الثاني، فَعُنْوَانُهُ الأدبُ والإسلامُ. وقد تَمَّتْ مُعَالَجَتُهُ من خلال مبحثين؛ اِهْتَمَّ الأولُ بالنص الدِّينِي والثانِي بالنص الأدبِي.


المقدمة:

يَتَألّف عنوانُ هذا البحث من ثلاثةِ عناصرَ: الأدبُ، والفلسفةُ، والإسلامُ. فماذا نَعْنِي بِهذه العناصر؟
إنَّ تَحْديدَ مفهومِ الأَدَبِ يتطلبُ بَحْثاً خاصا؛ لِهَذَا سنقتصر على ما يلي:
لا ينبغي النظرُ إلَى هذا المصطلح العربي باعتباره مقابلا للمصطلح الفرنسيLa Littérature وإنّما لا بد من النظر إليه من خلالِ دلالته اللغوية ،ودلالته الدينية ،ودلالته الأدبية . وَرَبْطِ كلِّ هذا بِما اصْطَلحَ عليه أهلُ هذا الفن من كون الأدبِ هو القولَ القائمَ على البيان. والبيانُ سترد دلالتُه في ثنايا هذا البحث.
أما العنصرانِ الآخَرَانِ، فَيُمْكِنُ أن يَحُلَّ مَحَلَّهُما عنصران آخران هُما: اَلْحَضارةُ الغربيةُ، والْحَضَارةُ الإسلاميةُ. فهذه الأخيرةُ لَمْ تُنتج فلسفةً ؛ لأنّها لَمْ تكن بِحاجةٍ إليها؛ لأن الإسلامَ تَوَلّى الإجابةَ عن الأسئلة التِي كانت، وما تزال، تُطرح على الإنسان، سواءٌ أكانت مرتبطةً بالْمِيتافيزيقا، أم كانت مرتبطةً بالإنسان، فِي علاقته بأخيه الإنسان، أو بالحياة، أو بالواقع.
ولِهَذا فالإسلامُ أمدَّ الْمُسْلِمَ بالْمَعْرفَةِ اليقينية التِي جَنَّبَتْهُ الدخولَ في متاهات لا نهايةَ لها، لارتباط هذه المتاهاتِ بأهواءِ الإنسان. بينما حاولت الحضارةُ الغربيةُ حلَّ المشاكلِ التِي تُداهم الإنسانَ في ظل هذه الحضارةِ بالتأملِ الفلسفي، حيث إن هذه الفلسفةَ كانت، منذ نَشْأَتِها مُجَمَّعَ العلومِ التي لم تستقلَّ عنها إلا بعد ظهورِ الكشوفاتِ العلميةِ؛ وذلك ابتداءً من القرن السادسِ عشرَ الميلادي.
ولهذه الفلسفةِ خصائصُ أهَمُّها: أن الأسئلةَ فيها أهمُّ من الأجوبة، وأنَّ كل جواب يُصبح سؤالا جديدا. ويَنْتِجُ عن هذا أنَّ لكلِّ فيلسوف فلسفتَه، وأن هذا الفيلسوفَ يستمر في التساؤل. ولعل هذا ما جعل أحدَ المفكرين الغربيين يقول بأن «تاريخَ الفلسفة هو تاريخُ مُشْكِلَةٍ تَتَغَيَّرُ على الدوام، كما يَتَغَيَّرُ حلُّها» . وبِهذا نقول: إن الفلسفةَ، بِخلاف الإسلامِ، لا تقدمُ للعالِمِ مَعْرِفَةً يَقينية.







المدخل:

لنقرأَ النصوصَ التالية:
يقول شاعر فرنسي:
La terre est bleue comme une orange
الأرضُ زرقاءُ كبرتقالة.

ويقول شاعر عربي:
أَلاَ تَأْتِي الْقُبُورَ صَبَاحَ يَوْمٍ
فَتَسْمَعَ مَا تُخَبِّرُكَ الْقُبُورُ
فَإِنَّ سُكُونَهَا حَرَكٌ تَنَادَى
كَأَنَّ بُطُونَ غَائِبِهَا ظُهُورُ

ويقول آخر:
تطَاوَلَ لَيْلُ النَّـازِعِ الْمُتَهَيِّـجِ
أَمَا لِضِيَاءِ الصُّبْـحِ مِـنْ مُتَبَلَّجِ
وَلا لِظَـلامِ الليْلِ مِنْ مُتَزَحْزَحٍ وَلَيْسَ لِنَجْمِ مِنْ ذَهَابٍ وَلا مَجِي
فَيَا مَنْ لِلَيْلٍ لا يَــزُولُ كَأَنَّمَا تُشَدّ ُهَوَادِيهِ إِلَى هَـضْبَـتَيْ إِج
كَأَنَّ بِهِ الْجَـْوزَاءَ وَالنَّجْمَ رَبْرَبٌ فَرَاقِـدُهَـا فِي عُنَّـةٍ لَمْ تُفَرِّجِ

وقال آخر:
هَجَرْتَ أُمَامَةَ هَجْراً طَوِيلا وَحَمَّلَكَ النَّـأْيُ عِبْئـاً ثَقِيـلا
وَحُمِّلْـتَ مِنْهَا عَلَى نَأْيِهَـــا
خَيَالاً يُــوَافِي وَنَيْـلاً قَلِيـلا
وَنَظْـرَةَ ذِي شَجَنٍ وَامِـــقٍ
إِذَا مَــا الرَّكَائِبُ جَاوَزْنَ مِيلا
وقال آخر:
أُحِبُّكِ يَا لَيْلاَيَ لاَ الْقَلْبُ غَـادِرٌ
هَوَاهُ وَلاَ الأَيَّـامُ مُسْعِفَـةٌ حُبِّي
وَأَنْتِ عَلَى الْبَيْنِ الْمُشِتِّ وَشِيكَـةٌ
وَلَمَّا تُقَضَّ الْحَـاجُ لِلْوَالِهِ الصَّبِّ
وَكَيْفَ احْتِمَالِي الْبُعْدَ وَالْبُعْدُ لَوْعَةٌ
وَكَيْفَ مُقَامِي وَالْهَوَى نَازِعٌ لُبِّـي

لقد تَعَلَّمْنَا فِي الجامعة، ومن خلالِ دراساتٍ أدبيةٍ عديدة، أن لكل عصرٍ أسلوبَه الشعري الخاص. فهل نَستطيعُ، بناءً على ما تعلمناه، أن نُحَدِّدَ عَصْرَ كل نص من هذه النصوص؟
إذا نَظَرْنا في النص الأول، وجَدْنا أنفسنا أمام صورةٍ شعرية غيرِ خاضعةٍ للمنطق، وغيرِ خاضعة للعقل، إذ كيف تكون الأرضُ زرقاء؟ وهل الأرضُ في حالة كَوْنِها زرقاءَ تشبه البرتقالةَ؟ أم هل البرتقالةُ التِي تشبهها الأرضُ زرقاءُ اللونِ؟ وهل الزرقةُ هي اللونُ الذي نُدْرِكُهُ جَميعا، أم أنه لونٌ مرتبط بِعَالَمٍ لا شعوري ،يَتَحَكَّمُ فِي الشاعر عند كتابته هذا البيتَ؟
ثم إن الشاعرَ لَمْ يَكْتَفِ بوصف الأرضِ على أَنَّها زرقاءُ. بل شَبَّهَ هذه الزرقةَ بالبرتقالة ! فأين وَجْهُ الشَّبَهِ؟ إن العقل غائبٌ في هذه التجربة الشعرية؛ لأنه سَمَحَ للغة اللاشعور، ولِلُغَةِ الْحُلْمِ بالتسرب إلى هذا البيت الشعري.
ففي أيِّ عَصْرٍ من عصورِ الأدبِ الفرنسي عُرفت هذه اللغةُ؟ أَيُمْكِنُ أن يكون هذا البيتُ قد قيل فِي القرن السابعِ عَشَرَ الْمِيلادي؟ وهو قرن ساد العقلُ في ما أُنْجِزَ من أدب خِلاَلَه؟ فَلَوْ افترضنا أن هذا البيتَ قيل في هذا القرن، فإن النقدَ الأدبي قَرْنَئِذٍ سَيَرْفُضُهُ، وسَيَتَّهِمُ صاحبَه بالجنون.
فالصورةُ الشعرية التِي يقوم عليها هذا البيتُ الشعري، لا يُمكن أن تَظْهَرَ إلا مع ظهور التحليل النفسي، على يد فرويد Freud . فالنصُّ يُمَثِّلُ المدرسةَ السُّرْيَالِيةَ التي ظهرت في الغرب، باعتبارها رَدَّ فِعْلٍ على الحرب العالمية الأولى.
أما النصوصُ الشعرية العربية، فَيَصْعُبُ تَحْدِيدُ الْعَصْرِ الذي ظهر فيه كلُّ نص. فالنصُّ الأول يُمْكِنُ أن يكون حديثا ،أو معاصرا لنا. بينما يُقَدِّمُ النصُّ الثاني لغةً تُذكرنا بلغةِ الشعْرِ الجاهلي ،نَظَراً لِجَزالتها. والحقُّ أن هذا النصَّ لشاعرٍ حديثٍ ، من المغرب الأقصى . مِمَّا يُثبت أن الْجَزالَةَ باعتبارها مَلْمَحاً فنيا لا تخص الشعر الجاهلي وحده.
أما النصُّ الثالثُ فكُتب بلغة سهلة. وهذه السهولةُ ليست ، في حضارتنا ،مقصورةً على عصر أَدبِيٍّ دون غيره. في حين يُذكرنا معجمُ النصِّ الأخيرِ

بِمعجم مجنونِ ليلى. لكنَّ صاحِبَهُ شاعرٌ من رُوَّادِ القصيدةِ الْحُرَّةِ .
بعد هذا العرضِ الْمُوجَزِ، نَطْرَحُ السؤالَ التالِي: لِمَاذا نستطيعُ - فِي الغالب- أن نُحَدِّدَ عَصْرَ أَيِّ نَصٍّ شعري فِي التراثِ الأدبي الغربي، ولا نَسْتَطِيعُ أن نَفْعَلَ الشيءَ نفسَه مع النصوص الشعرية العربية ،التِي قيلت مِن الجاهلية إلى مشارفِ ما يسمى بالنهضة؟ هذا ما سيحاول البحثُ الإجابةَ عنه.



الفصل الأول: الأدب والفلسفة:

1- الفلسفةُ والواقِع:
إِنَّ الفلسفةَ ،كما عَرَفَتْهَا الْحَضَارةُ الغربيةُ، مشروطةٌ بروح عصرها. فهي انعكاسٌ للوضعيةِ الاجتماعيةِ القائمة. ويَخْدُمُ جانبٌ مهمٌّ منها هذه الوضعيةَ. وجانبٌ آخَرُ منها يُمَهِّدُ لقيام وضعيةٍ مناقضة. فإذا نظرنا إلى تاريخ هذه الفلسفةِ الطويلِ اكتشفنا أنه تاريخُ تَسَلْسُلِ الْمَذاهِبِ الفكرية والفلسفية.
وهذا ما أَكَّدَهُ هيجل عندما قال: " إِنَّ إبدالَ مذهبٍ بآخَرَ إِنَّما يَعْكِسُ التَّسَلْسُلَ التاريخي لِمراحلِ التطورِ الاجتماعي المختلفة. إِنّ كلَّ مذهبٍ حقيقةٌ حيويةٌ في العصر الذي يظهر فيه، حقيقةٌ يَجِبُ أن تُدْرَكَ في علاقتها بالمرحلة التي بَلَغَتْهَا رُوحُ العالم، كما تتجلّى في وقت واحد، في مجالات السياسة، والدين، والأخلاق، والقانون، والأدب، والفلسفة."
فإذا فَحَصْنَا مثلا فلسفةَ أفلاطون اكتشفنا أَنّها فلسفةٌ تَعْكِسُ الوضعيةَ الاجتماعية ،التِي نَشَأَتْ فيها. ذلك بأن مَدِينَتَهُ الفاضلةَ تَقوم على أساسٍ طبقيٍّ، تكون السيادةُ فيه للنخبة. ونظامُ العبيد فيها أمرٌ طبيعي ينبغي الْمُحافظةُ عليه؛ لأنَّ من شأن هذه المحافظة أن يَبْقَى الْمُجتمعُ بعيدا عن أيِّ تَغْيِيرٍ. وليستْ فلسفةُ أرسطو بَعْدَهُ إلا صياغةَ دولةٍ عبوديةٍ في صورة عقلية." فلو لم يكن ثَمَّةَ نظامٌ إقطاعي في اليونان عَصْرَ هذين الفيلسوفين لَمَا كان لفلسفتهما مَحَلٌّ من الإعراب.
وإذا نظرنا في العصر الحاضر، إلى فلسفة كل من سارترSartre وماركوز Marcuseمثلا وجدنا أن فلسفةَ الأول تَعْكِسُ وضعية الإنسان الغربي الذي خرج مُمَزَّقا وقلقا ،بعد الدمار الذي خَلَقَتْهُ الْحَرْبَان العالميتان. وأن فلسفةَ الثانِي تعكس وضعيةَ الإنسان الأمريكي الذي يعيش في دَوَّامَةِ الحضارة التقنية. هذا معناه أنه لَوْلا الْحَرْبُ العالَمِيةُ، وما خَلَّفَتْهُ مِن آثارٍ في النفوس ، لَمَا عرف الغربُ القلقَ الذي عَبَّرَتْ عنه الفلسفةُ الوجودية، ولو لَمْ تُصبح التقنيةُ حضارةً تَقْمَعُ الإنسانَ الْمُعاصرَ لَما كان لفلسفة ماركوز مَحَلٌّ من الإعراب.

2- الأدب والواقع
مَرَّ الأدبُ الغربي، في تاريخه الطويل، بِمَراحِلَ عديدةٍ. ساد في كل مرحلةٍ تيارٌ، أو مَذهبٌ أدبي. وهذا المذهب، كالفلسفة، مرتبطٌ ظهورُه بطبيعة الحياة الاجتماعية التي نشأ فيها. ذلك بأن طبيعةَ هذه الحياة "تُؤَثِّرُ في كل شعب تأثيرا عميقا، أو هي تَخلقه تقريبا. وهذه الطبيعةُ نفسُها تتوقف على الْمُناخ، والنُّظُمِ السياسيةِ، والديانةِ، والقوانين. فإذا تغيرت هذه الأوضاعُ بِمجموعها، فإن على الأدبِ الذي يتوقف هو نفسُه على عقليةِ الْجُمهور، وخصوصاً على عقلية الطبقاتِ الْمُوَجِّهَةِ، أَنْ يَتَطَوَّرَ بِدَوْرِهِ هو أيضا" .
وتفرض هذه الطبقاتُ ذَوْقَها على الأدب. وَبِما أن الحياةَ الاجتماعيةَ في الغربِ حياةٌ تقوم على الصٍّراع بين الطبقات، فإن الطبقةَ الْمِنْتَصِرَةَ هي التِي تَتَوَلَّى الحكمَ، فتسودُ قِيَمُهَا في المجتمع. ولهذا ظهرتْ بالغرب المدارسُ الأدبية التِي جاءتْ "استجابـــةً لحاجات جمالية في واقعٍ تاريخي اجتماعي مُحدد. فالمدرسة الأدبية –والفنية عامة- لا تَنْشَأُ بإرادةِ فنانٍ فَرْدٍ، ولا باتفاقِ مجموعة من الفنانين، وإنّما هي جزءٌ من بناءٍ ثقافي عامٍّ مُعَبِّرٍ عن مرحلة اجتماعية من مراحلِ تطور المجتمع. أي إن الْمَدْرسةَ الأدبيةَ تستجيب في مضمونِ نِتَاجِها الأدبي لِلْمُثُلِ العُلْيَــا الفكرية والروحية في مرحلتها الاجتماعية، كما أنها تستعين في طرائقِ التعبير، والأداء ،بالخبرة الجماليةِ والذوقيةِ والتكنيكية في هذه المرحلة".
فالأديبُ في المجتمع الغربي مُقَيَّدٌ أداؤه الجمالي، والذوقي، والتكنيكي، بِما تفرضه عليه المرحلةُ التِي يعيشها. وفي هذا خَنْقٌ لروح المغامرة فيه.
لكن الذوقَ الجمالي مرتبطٌ بالفلسفة السائدة في المجتمع؛ لأن "الفكرَ الأدبي وجهٌ من وجوه الفلسفة العامة السائدة في المجتمع، وهو جزءٌ من الروح العام في المجتمع، وعنصرٌ من عناصر البناء الثقافي في هذا المجتمع" وبما أن الفلسفةَ الغربية متعددةٌ ومتحولة، فإن الفكرَ الأدبي المرتبطَ بِها هو أيضا متعددٌ ومتحول.
فكل مدرسة أدبية، لا بد أن تَسْتَنِدَ إلَى نظريةٍ فلسفية بعينها.
تستندُ نظريةُ المدرسة الكلاسيكية إلى نظريةِ المحاكاة، وتستندُ المدرسة الرومانسية إلى نظرية التعبير، وتستند المدرسة الواقعية إلى نظرية الانعكاس." وكل نظرية إنّما هي تعبير عن روح مرحلتها. وسَيَتَّضِحُ هذا أكثر حين نستعرض مدرستين أدبيتين هما الكلاسيكية والرومانسية:
أ-المدرسة الكلاسيكية.
تقوم المدرسة الكلاسيكية على احترام العقل؛ لأنه الآلةُ الوحيدة القادرة على كبح جماح الفرد، وربطِهِ بتقاليدِ مجتمعِهِ. فالعقل في هذا المذهب مرادف للذوق السليم ،أو صوابِ الْحُكْمِ "ولا تتوافر السلامةُ، أو الصواب، إلا إذا اتفق الْحُكْمُ وما تَوَاضَعَ عليه المجتمعُ، وما ساد من تقاليدَ... فيجب أن تُقادَ العبقريةُ الفرديةُ بزِمامِ الحكم الجماعي الرشيد عندهم دائما" .
وأدى احترامُ العقل إلى ضرورةِ التمسكِ بالقواعدِ التِي اسْتُنْبِطَتْ من الإنْجَاز الأدبي اليوناني، وتَمَّ ترسيخُها في الأذهان من خلال فن الشعر لأرسطو. وكلُّ خروج عن القواعد يُعَدُّ خروجا عن الأدب الرفيع، فلا يَحِقُّ للأديب أن يستسلم لهواجس خياله، لأن هذا الاستسلامَ سيؤدي إلى خلق عَوَالِمَ تُكَدِّرُ صَفْوَ المجتمع الذي يُرَادُ له أن يَظَلَّ مُسْتَقِرّا وثابتا. ولهذا كان لابد من العناية بالصنعة، بدل التلقائية في الأداء الأدبي.
وحين يُركز الأدبُ على الصنعة ،لا يكون أدبا في متناوَل عامةِ الناس؛ وإنّما يكون جمهورُه مُمَثّلا في النخبة، لأن هذا لأدبَ صِيغَ طِبْقاً لذوقهم المفروض على الأدباء، ولهذا لا نستغربُ، حين نَعْلَمُ أن رونسار Ronsard يرى أن العملَ الأدبي ينبغي ألا يكون مفهوما من العامة، فوجب من أجل ذلك خَلْقُ نَوْعٍ من اللغة الجديدة تُقْصِي بغرائبها الذين لَمْ يَطَّلِعُوا على أسرارها." لكن لابد لِهذا الأدب، إلى جانب تحقيقه المتعةَ الفنية، أن تكون له غايةٌ أخلاقية. والمقصودُ بالأخلاق هنا، ما يُرضي النخبةَ الحاكمة؛ إذ على الأدب أن يجعل هذه الأخلاقَ تَتَسَرَّبُ بين عامة الناس ،عسى أن يساهم هذا في الإبقاء على الثبات داخلَ المجتمع؛ فلا يَحلمُ العبدُ بأن يصبح نبيلا. هذا ما يفسر إصرارَ الفكر الأدبي على أن يكون لكلِّ جنس أدبي خصائصُ تُمَيِّزُهُ عن غيره.
لقد جاء هذا المذهبُ تلبيةً لهيمنة النظام الإقطاعي، الذي كان سائدا ،خلال القرنِ السابعِ عَشَرَ الميلادي. ويَحْلُمُ هذا النظامُ بأن يظل المجتمع قائما على العبيد والنبلاء. وأن خَيْرَ المجتمعِ هو أن يبقى الأمرُ على ما هو عليه. ولهذا احْتَرَمَ الأدبُ الثباتَ عن طريق احترامِه القواعدَ. على أن الأديبَ الكلاسي لا ينتمي بالضرورة إلى هذا النظام، وإنّما هو أديبٌ يعيش على هامش الطبقة الأرستقراطيـة،
ويُحاول إرضاءها، لأنها هي التي تستهلك إنتاجَه.
ولهذا حين أحست فيدر Phédreبالنَّدَمِ يُعَذِّبُها، وبأن الحقيقةَ أَخَذَتْ تَنْكَشِفُ لَمْ يشأْ راسين Racine أن يَجعلها تعترفُ بذنبها، ثُم تَرْقُبُ إما عفوَ زوجها تيزي Théséأو عِقَابَهُ. ولكن، بِما أن هذه الشخصيةَ تُمثل الطبقةَ الأرستقراطية؛ فلا يَحِقُّ للشاعر أن يختار لها نِهايةً تسيء إلى مكانةِ النبلاء في المجتمع.
لهذا جعل الشاعرُ Phédre تَختار نِهايةً مأساوية، تَمثلتْ في انتحارها عن طريقِ تَنَاوُلِ السُّمّ. وهذا الاختيارُ هو ما يُرْضِي ذَوْقَ النُّخْبَةِ ويُمثل أخلاقَها.
لِهذا المذهب الأدبي خلفية فلسفية، ساهم في إنجازها مجموعةٌ من الفلاسفة، أبرزُهم أفلاطون، وأرسطو، وديكارت.
ففلسفة أفلاطون تنظر إلى العالم على اعتباره يقوم على أصلين اثنين: المحسوس الذي يمثل المدنسَ، والمعقول الذي يمثل المقدس. وانطلاقا من هذين الأصلين ، أَسَّسَ جمهوريتَه. فالعمّال يُمثلون المحسوس، والفلاسفةُ يمثلون المعقول. وينبغي أن يخضع المحسوسُ للمعقول. وتغييرُ هذه التركيبة الاجتماعية يؤدي إلى أن يضطرب الْمُجتمع ،وإلى أن يَخْتَلَّ بناؤه، فينهار.
وعنده أن هذه التركيبة إنّما هي إرادةٌ إلاهية. فالإله في فلسفة أفلاطون ،صَنَعَ الناسَ على ثلاثة أصناف. صِنْفٌٍ صَنَعَهُ مِنَ الذَّهَبِ، وصنفٌٍ من الفضة، وصنفٌٍ ثالث، ويمثله المزارعون والعمال والحرفيون، صَنَعَهُ من نحاس وحديد . وعلاقةُ العبد بسيده عند أرسطو، هي علاقةُ الجسد بالعقل. وعليه وَجَبَ على العبد أن يَخْضَعَ لسيده. فأرسطو كأفلاطون، يخشى أن يتطور المجتمع ؛ لهذا تراه يدعو إلى ضرورة التمسك بالنظام. فالتطورُ عند هذين الفيلسوفين يعنِي الإنْهيار. والعدالةُ هي اللامساواة.
ويأتي ديكارت لِيُهَوِّن من شأن الخيال، وليعطي العقلَ القوةَ، والقدرةَ على إدراك المعرفة. فالهدفُ من العلم عنده، هو اكتشافُ قوانينِ الحركةِ التِي هي أساسُ كلِّ الأحداث، والظواهر. واكتشافُ القوانين يعنِي الإقرارَ بِما هو قائم. وهذه هي أهم مَلْمَحٍ في الأدب الكلاسيكي، خلال القرن السابع عشر الميلادي.
ب-المدرسة الرومانسية:
تقوم الرومانسيةُ التي ظهرت أواخرَ القرنِ الثامنِ عَشَرَ الميلادي، وأوائلِ القرن التاسع عشر، على الخيال، وعلى الوجدان، وعلى العاطفة الجياشة. وهذا دفع بها إلى الثورة على القيود التي كَبَّلَتْ الأدبَ خلال القرن السابع عشر الميلادي. فدعا هذا المذهبُ إلى الحرية في الفن، مع الاهتمام بمصالح الفرد، مناديا بحق العبقرية. وأصبحت الْمَعرفةُ، في ظل الرومانسية، تَنْبُعُ من ذات الأديب، لا من نموذج أَصَّلَهُ التُّراثُ اليوناني. وحين تَخَلَّصَ الأدبُ الرومانسي من الصنعة، صار يخاطب جمهورا واسعا.
ولهذا المذهب الأدبي أصلٌ اجتماعي واضح فـ"حين كانت الطبقةُ الإقطاعية تُهَيْمِنُ على النظام الاجتماعي، كان المذهبُ الكلاسيكي، بِثَبَاتِهِ، واحترامه الشديد للقواعد، هو الْمَذْهَبَ السائدَ... ثُم نشأت طبقةٌ جديدة، هي الطبقة البورجوازية ،طبقة التجارِ، والصناع، ساكنِي المدنِ.هذه الطبقةُ ،في فترة صعودها، اِتَّسَمَتْ بالمغامرة، وسَعَةِ الخيال؛ فكان المذهبُ الرومانسي تعبيرا صادقا عن طموحاتها ومُثُلِها...
أما الأصل الفلسفي، فيقوم على مجموعة من الفلاسفة، والمفكرين، منهم: روسو، وديدرو، وفولتير، ومونتسكيو، ولوك، وبيكون، وكانت. ففي عصر الأنوار، حاول فولتير أن يقلل من أهمية القديم الْمُمَثَّلِ في الآداب اليونانية، الذي قَدَّسه أدباءُ القرن السابع عشرَ، وحاول أن يُعْطِيَ الْمُحدثين الحقَّ في الإبداع"
وجاء ديدرو في دائرة المعارف، ليفسح المجال لحضور المدهش المسيحي، الذي يُقَابِل اليونان .ودعا روسو إلى العودة إلى المسيحية في الأدب، وتعنِي هذه الدعوةُ العودةَ إلى الذات . وهذا معناه أن هؤلاء الفلاسفةَ والمفكرين، أرادوا أدبا تتغلب فيه العبقريةُ على القاعدة؛ أي: أرادوا أدبا متحررا من نفوذ الآداب اليونانية. وعزز هذه الدعوةَ بيكون الذي أراد أن يُقيم فلسفةً تنحدر من سلطة أرسطو؛ أي أراد فلسفةً لا تدين إلا بالتجربة. وجاءت فلسفةُ لوك هجوما على التقاليد، وعلى سلطان الكنيسة.

من خلال استعراضنا السريع المذهبين الأدبيين الكلاسيكي والرومانسي، لاحظنا أن الأمر يقوم على الصراع بين عنصرين هما العقلُ والْحِسُّ. فحين تتهيأ الظروفُ الاجتماعيةُ الْمُسْنَدَةُ بالفلسفة، فإن عنصرا واحدا يَتَوَلّى السلطةَ فَيُنتج ذوقا فنيا معينا، يَتَوَلَّدُ عنه مذهبٌ أدبي، أو جمالي.
وكل المذاهب الأدبية التي لم نشر إليها في هذا البحث رغبةً في الاختصار، لا يَخْلو أن تقوم إما على العقلِ (الفن للفن-الواقعية)، وإما على الحس (الرمزية-السريالية).

لاحظنا مِمّا سبق، أن الفلسفةَ مشروطةٌ بروح عصرها. وأن الأدبَ نفسَه مشروط بالروح نفسها. وأن الفلسفةَ هي التِي تَرْسُمُ له السبيلَ التِي ينبغي له أن يسلكها، وتَفْرِضُ عليه التمسكَ بِهذه المكونات الجمالية أو بتلك. فَلِكَيْ يكون الأديبُ خاضعا للعقل، وللصنعة، ولكي يكونَ أدبُه أدبَ نُخبةٍ مثلاً، فإن هذا لا يَتِمُّ إلاّ في ظل فلسفةٍ، ووضعٍ اجتماعي معين. وكذلك باقي الأمورِ المتعلقة بالذوق الأدبي. فكلُّها مشروط بفلسفة، وبوضع اجتماعي. ولهذا فإن النصَّ الأول، لا يمكن أن يَصْدُرَ إلا في العصر الحديث؛ أي بعد الحرب العالمية الأولى، وبالضبط مع ظهور التحليل النفسي، أو بعده، أو قُبَيْلَهُ.
إن ارتباطَ الأدب بالوضع الاجتماعي، وبالفلسفة، خَنَقَ حريةَ الأديب، وجَعَلَهُ مضطرا للدخول إلى المدينة الفاضلة، التِي تأسستْ انطلاقا من ذوق المجتمع... وهذا يدفع بالأديب إلى الخضوع لتقاليد هذه المدينة
إذا كان الأمر على هذا الشكل في الحضارة الغربية، فكيف هي الحال في الحضارة الإسلامية؟






الفصل الثانِي: الأدب والإسلام.




بِما أن الإسلامَ دين سَمَاوي، وبِما أنه منهج حياة، فإنه لم يُقَيِّدْ الأدبَ بالنظريات كما فعلتْ الفلسفة. وإنما اقتصر على رسم مَعَالِمَ كبرى للأديب باعتبارها أمرا ثابتا؛ لكن، في الوقت ذاته، سَمَح للأدب بأن يعرف تحولاتٍ عديدةً، لكنها تحولاتٌ في إطار ثابت.
إن التحولَ في إطار الثبات هو روح الإسلام. فهذا الدينُ يُقَدِّمُ للفرد أصولا، وفروعا. تَتَّسِمُ الأصولُ بالثبات، والفروعُ بالتحول تَبَعاً للتحولات التِي تَطْرَأُ على المجتمع الإسلامي. فهذه الروح هي سِمَةُ الإنجاز الحضاري الإسلامي.
لِنأخذ على سبيل المثال اللغة. فالعربيةُ التِي نتحدث بِها اليوم، لا تختلفُ كثيرا عن اللغة العربية التي كان يتحدث بِها أسلافنا.والدليل أننا ما نزال نقرأ أمرأَ القيس ونفهمُه، بخلاف القارئ الغربي الذي لا يستطيع أن يَنْعَمَ بتراثه الأدبي انطلاقا من قدراته المعرفية الذاتية، وإنّما هو بحاجة إلى وسيط. فلكي يقرأ القارئُ الفرنسي أنشودة رولان la chanson de Rolland فإنه بحاجة إلى من يترجمها له من فرنسيتها القديمة إلى فرنسية معاصرة. وذلك لأن اللغةَ في الغرب تتطور باستمرار. وهذا لا يعنِي أن العربية جامدةٌ، بل هي لغةٌ تتطور، ولكن في إطار ثابت. وهذا الإطار الثابت هو من سِمات الحضارة الإسلامية. وقد انعكس هذا على الإنجاز الأدبي. فهذا الأدب هو أيضا يعرف تحولات في إطار ثابت. وهذا ما يُفَسّر غياب المدارس الأدبية. مِمّا يجعلنا نقول: إن دراستنا هذا الأدبَ ينبغي أن تتمَّ بشكلٍ يختلف عَمّا هو قائمٌ في الغرب، حيث يُدْرس الأدبُ حسب العصور. وقد استوردنا هذا المنهج، فتحدثنا عن أدب جاهلي، وأدبٍ إسلامي، وأدب أموي، وأدب عباسي، وأدب حديث (...) وكأن الأدبَ العربي في كل عصر من هذه العصور يُمثل تيارا متميزا .في حين أن هذا الأدب، في مختلِف عصورنا السياسية، قائم على عناصرَ ثابتة . ولم يتصرف العصرُ إلا في العناصرِ القابلةِ للتحول، وهي قليلة. فهل يَحق لنا أن نطرح الأسئلة التالية؟:

- في أي عصر سياسي ظهر أدبٌ عربي قائم على العقل، ومُخَاطِبٌ النخبةَ مع التمسك بالعقل؟
- في أي عصر ظهر أدب عربي يهتم بالخيال وبالخوض في أعماق النفس البشرية؟
- في أي عصر ظهر أدب عربي يهتم بلغة الإيحاء، والإشارة، بدل اللغة الواصفة المباشرة؟
- (...)
لو كان الأمر يتعلق بالأدب الغربي، لكان بإمكاننا أن نجيب بسهولة عن الأسئلة السابقة، وذلك بأن نحدد العصر الذي اتسم أدبه بالخضوع للعقل، والعصر الذي تأججت في آدابه روحُ الخيال... لكن هذا صعبٌ حين يتعلق الأمر بالأدب العربي لماذا؟.
إن حضارتنا الإسلامية لا تقوم على الثنائية كما في الغرب، وإنّما تقوم على الزَّوْجِيَة . فالثنائية جوهرُها الصراع، وهو من خصائص الحضارة الغربية. وتقوم الزوجيةُ على التكامل بين عنصري المادة ،والروح. وهذا من خصائص الحضارة الإسلامية.
فالعقلُ، والحس، يتكاملان في الإنتاج الأدبي العربي الإسلامي. وهذا أنتج بلاغةً مُخالفة للبلاغة الغربية. حيث تقوم البلاغةُ العربية الإسلامية على أصل ثابت؛ وهو الاهتمام بالْمُخَاطَبِ. فالتحولاتُ التي تطرأُ على النص الأدبي، مَرَدُّها إلى تحولات تطرأ على المخاطب نفسِه. وقد تَمَظْهَرَ هذا في النص الدينِي أولاً، ثُم في النص الأدبي ثانيا.


أ- النص الدينِي:

1- القرآن الكريم:
إِنَّ الْمُطَّلِعَ على القرآن الكريم، من حيث بلاغتُه، سيلاحظ أنه يقوم على أسلوبين متكاملين، أسلوبٌٍ يخاطب الوجدان، وآخَرَُ يخاطب العقل. وخصائصُ الأسلوب الأول تَختلف بالطبع عن خصائص الأسلوب الثاني. ففي الأول نَجد الإيجاز، والعنايةَ بالموسيقى اللفظية، مع لغة تتسم أكثر بالإيحاء. وقد خاطبَ الله سبحانَه وتعالى بِهذا الأسلوب المؤثِّر في الوجدان العربي الإنسانَ بِمكة، وهو أسلوبٌ مناسبٌ للحالة الانتقالية التِي عليها هذا الإنسانُ المخاطَب، الذي يستعد للانتقال من الكفر إلى الإيمان بالله. في حين اتسم الأسلوبُ الثاني بلغة العقل، وبطول الآيات، وبلغةٍ صريحة في أغلبها تناسب المخاطَب الذي انتقل إلى دور جديد في حياته الإيمانية، وأصبح في المدينة مستعدا لتلقي التشريع الإلهي، وبناء الدولة الإسلامية. وبِهذا تَحقق البيانُ في الأسلوبين معا.




2-السنة النبوية:
وقامت السنة النبوية على البيان القرآنِي، وأعطتْ المخاطَبَ الاعتبارَ اللازم له، فَكَيَّفَتْ لغتها تبعا لطبيعته ومستواه. ولتوضيح هذا الأمرِ نقرأ النصين التاليين:
(أ)-كتب  إلى أهل فارس: "مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى كِسْرَى أَبْرَوِيز عَظِيمِ فارس: سَلامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. فَأَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ اللهِ. فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللهِ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً لِيُنْذِرَ
مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ. فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِثْمُ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ."
(ب)-وكتب لِوَائِل بن حُجْر الحضرمي :"مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى الأَقْيَالِ الْعَبَاهِلَةِ مِنْ أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ بِإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ على التِّيعَةِ الشَّاةُ ، والتِّيمَةُ لِصَاحِبِهَا. وَفِي السُّيُوبِ الْخُمُسُ،

لا خِلاَطَ وَلاَ وِرَاطَ وَلاَ شِنَـــــــاقَ وَلاَ شِغَارَ . وَمَن أَجْبَى فَقَدْ أَرْبَى وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَام."
فنحن أمام نصين مختلفين من حيث اللغةُ، فانطلاقا من مسيرة الأدب في ظل الحضارة الغربية، فإن النصَّ الأول، إذا افترضنا أنه نص أدبي، لا نعرف صاحبه، ينتمي إلى عصرٍ ساد فيه ذوقٌ أدبي قائم على اللغة البسيطة، التي تُخاطب عامة الناس. بينما النص الثاني لابُدَّ أن يكون قد قِيل في عصر مختلف، يميل الذوقُ فيه إلى الجزالة في اللغة، وإلى مخاطبة النخبة كالعصر الكلاسيكي. ولكن نعلم أن النصين معا من إنجاز فرد واحد، في عصر مُحَدَّدٍ، وفي فترة زمنية واحدة. فلماذا جاءت لغةُ النص الأول بسيطةً، وسهلة. وجاءت لغةُ النص الثاني بدويةً جَزْلَةً؟
إن الأمرَ بسيط، ذلك بأن الاختلافَ بين اللغتين راجعٌ إلى الاختلاف الملموس، والواضح، في المخاطبين. فقد خاطب الرسولُ الكريمُ بالأسلوب الأولِ كسرى، وهو أسلوب مناسب لِمَقامه، يقوم على "اللغة اليومية". بينما خاطبَ بالثاني أعرابياً لا يناسبه سوى تلك اللغةِ الجزلة. فالبيانُ حاصلٌ في النصين معا، لكون بنائهما اللغوي منسجما مع المخاطب.

ب- النص الأدبِي:
لم يخرج النص الأدبي المنجَزُ في الحضارة الإسلامية عن بلاغة القرآن، والسنة. فقد قيل لبشارِ بنِ برد: "إِنَّكَ لَتَجِيءُ بِالشَّيْءِ الْهَجِينِ الْمُتُفَاوِتِ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَيْنَما تَقُولُ شِعْراً تُثِيرُ بِهِ النَّقْعَ وَتَخْلَعُ بِهِ القُلوبَ مِثْلَ قَوْلِكَ:
إِذَا مَا غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَــــرِيَّةً
هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أَوْ تُمْطِرَ الدِّمَا
إِذَا مَا أَعَرْنَا سَيِّداً مِـنْ قَبِيلَـــةٍ ذُرَى مِنْبَرٍ صَلَّى عَلَيْنَا وَسَلَّمَــا
تَقُولُ:
رَبَابَــةُ رَبَّةُ الْبَيْتِ
تَصُبُّ الْخَلَّ فِي الزَّيْتِ
لَهَا عَشْرُ دَجَاجَـاتٍ
وَدِيكٌ حَسَنُ الصَّوْتِ
فَقَالَ : لِكُلِّ وَجْهٌ وَمَوْضُوعٌ. فَالْقَوْلُ الأَوَّلُ جِدٌّ. وَهَذَا قُلْتُهُ فِي رَبَابَةَ جَارَتِي، وَأَنَا لاَ آكُلُ البَيْضَ مِنَ السُّوِقِ. وَرَبَابَةُ هَذِهِ لَهَا عَشْرُ دَجَاجَاتٍ وَدِيكٌ. فَهِيَ تَجْمَعُ لِي الْبَيْضَ وَتَحْفَظُهُ عِنْدَهَا. فَهَذَا عِنْدَهَا مِنْ قَوْلِي أَحْسَنُ مِنْ:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ"
يتضحُ من هذا النص، أَنَّ لتائيةِ بَشّارٍ، ولاميةِ أمرئ القيس، قيمةً أدبيةً واحدة، على ما بينهما من اختلافٍ واضحٍ، من حيثُ مكوناتُهما الجمالية. وهذا الاختلاف مَرَدُّهُ إلَى اختلافِ مُخَاطَبِ كلِّ نص. فلو خاطبَ بشارٌ ربابةَ بأسلوب ميميتِه، أو بأسلوب لامية امرئ القيس، لَمَا كان في التأئية بيانٌ. ومثلُ هذا الوعي لَم يكن حاضرا، في تقديري ، عند بعض المتصوفةِ الذين خاطبوا الجمهورَ بلغةِ الخاصة؛ فكانت النتيجةُ أن اتُّهم بعضُهم بالكفر. يقول الحلاج:
كَفَرْتُ بِدِينِ اللهِ وَالْكُفْرُ وَاجِبٌ
عَلَيَّ وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ قَبِيـــحُ
فالمخاطَب، من خارج دائرة القوم ، مُحِقٌّ إذا اتَّهم الشاعرَ بالكفر. فالكُفر صريح في النص. لكن أَمَجنون هذا الشاعرُ فَيُصَرِّحَ أمام الملأ بكفره؟ ! لاشك أنه كان يعلم عاقبة من يُصرح بكفره، بعد إسلامه. هذا يَجعلنا نَميل إلى أن للكفر في النص دلالةً غيرَ الدلالة المعروفة التِي جاء بِها الإسلام، وذلك بأن الشاعر استعمل "كفر" بِمعناها اللغوي فـ "يكفر بدين الله" أي: يغطيه ولا يبوحُ به. ومُخاطَبُ الحلاج لا يفهم هذا. من هنا فإن البيت ليس فيه بيانٌ؛ لكونه تَجاهَلَ الْمَقام، وتجاهل طبيعة المخاطَب .
هذا لا يعنِي أن لغةَ الإشارةِ مرفوضةٌ في حضارتنا، وإنّما هذه اللغةُ لا تحضرُ إلا حين يكون المخاطَب من أهل الإشارة.
فهذا عبدالله بن سَلاّم رأى "على رجل ثوبا مُعَصْفَراً فَقَالَ لَهُ: لَوْ أنَّ ثَوْبََكَ فِي تَنُّورِ أَهْلِكَ أَوْ تَحْتَ قِدْرِهِمْ كَان خَيْراً. فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَأَحْرَقَهُ نَظَراً إِلَى حَقِيقَةٍ قَوْلِ عَبْدِاللهِ، وَظَاهِرِ مَفْهُومِهِ. وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمَجَازَ مِنْهُ، وَهُوَ : لَوْ صَرَفْتَ ثَمَنَهُ إِلَى دَقِيقٍ تَخْبِزُهُ أَوْ حَطَبٍ تَطْبَخُ بِهِ كَاَن خَيْراً".
فعبد الله هذا، صاغ نَصَّه بلغة أدبية راقية، لكنَّ مخاطَبَه لم يكن قادرا على إدراكها.وبِهذا، فهذا النص، على ما به من مكونات بلاغية جيدة، ليس نصا مبينا؛ لأن الرسالة التِي يحملها، لم تصل إلى المتلقي المقصود.
وجاء في سِمط اللآلئ "أَنَّ بَكْراً وَتَغْلِبَ لَمَّا سَئِمُوا الْحَرْبَ وَطَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ اتَّخَذَ مُهَلْهِلُ بْنُ رَبِيعَةَ عَبْدَيْنِ، فَكَانَ يُغِيرَ بِهِمَا عَلَى قَبَائِلِ بَكْرٍ. فَسَئِمَ الْعَبْدَانِ أَيْضاً ذَلِكَ. فَأَجْمَعَا عَلَى قَتْلِ سَيِّدِهِمَا. فَلَمَّا تَيَقَّيَن مُهَلْهِلٌ أَنَّهُمَا قَاتِلاهُ، قَالَ: إِنْ كُنْتُمَا لابُدَّ فَاعِلَيْنِ فَأَبْلِغَا الْحَيَّ وَصِيَّتِي. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُول:
مَنْ مُبْلِغُ الأَحْيَاءَ أَنَّ مُهَلْهِلاً
للهِ دَرُّكُمُو وَدَرُّ أَبِيكُمُــو
فَقَتَلاهُ. ثُمَّ رَجَعَا إِلَى الْحَيِّ، فَقَالا: إِنَّ مُهَلْهِلاً مَاتَ، وَدَفَنَّاهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا. قَالُوا: فَهَلْ وَصَّى بِشَيْءٍ، قَالا:نَعَمْ. قَال: وَأَنْشَدَا الْبَيْتَ فلَمْ يَدْرِ الْقَوْمُ مَا مَعْنَى ذَلِكَ حَتَّى أَتَتْ ابْنَتُهُ، وَكَانَتْ غَائِبَةً عِنْدَ زَوْجِهَا فِي بَعْضِ الأَحْيَاءِ. فَأَنْشَدُوهَا مَا قَالَ أَبُوهَا. فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي يُخْبِرُكُمْ أَنَّ الْعَبْدَيْنِ قَتَلاهُ. ثُمَّ قَالَتْ إِنَّمَا أَراَدَ:
مَنْ مُبْلِـغُ الأَحْيَاءَ أَنَّ مُهَلْهِلاً
أَمْسَى صَرِيعاً فِي الضَّرِيحِ مُجَدَّلا

للهِ دَرُّكُــمُ وَدَرُّ أَبِيكُــمُ
لا يَبْرَحِ الْعَبْدَانِ حَتَّى يُقْتَـلا
إن المهلهلَ الذي عَرَفَ أنه سَيَمُوت، كتب وصيتَه شعرا، وبلغة إيحائية. وفي ذهنه مخاطَب معين، عالِمٌ بأسرار شعره. ولَمْ يكن هذا المخاطبُ سوى ابنتِه. فلو كَتَبَ الوصيةَ بلغةٍ واضحة لفهم العبدان المدلولَ، وكَتَمَا السِّرَّ... وبهذا ستكون الوصيةُ عاجزة عن أداء رسالتها.



الْخَاتِمة:

من خلال هذا العرض اتضح أن الحضارةَ الغربية تقوم على الصراع بين عنصرين اثنين هما:
العقل/الحس
الجسد/الروح
المجتمع/الفرد
الواقعية/المثالية
النخبة/العامة
السيد/العبد
المضمون/الشكل
الثبات/التطور
القواعد/الحرية
الموضوع/الذات
الوضوح/الغموض
(...)/(...)
وهذا الصراع قائم على مستوى المجتمع، وعلى المستوى الفلسفي. والغَلَبَةُ لابد أن تكون لأحد العنصرين. فحين يغلب (أ) فإن قِيَمَهُ هي التِي تسود في المجتمع، وفي الفلسفة، وفي الأدب. وحين يَضْعُفُ يَسْتَوِلِي (ب) على السلطة، فيفرضُ قِيَمَهُ على المجتمع، والفلسفة، والفكر الأدبي. وحين يضعف يتولى الحكم من جديد (أ) ولكن في ثوب جديد. وبِهذا فإن هذه الحضارةَ تقمع المجتمعَ عامةً، والفردَ خاصة؛ لأن عليه أن يسير مع التيار، وإلا رفضته المدينةُ الفاضلة التي شَيَّدَتْهَا هذه الحضارة.
أما الحضارةُ الإسلامية فهي لا تعرف هذا الصراع؛ ذلك بأنّها تنظر إلى عنصري العقل والحس باعتبارهما زوجين. وهذا أسسته العقيدة، ذلك بأن الإسلامَ حاضر في أي نشاط يقوم به المسلم، ولأن الأمرَ كذلك، فإن الأدبَ الْمُنْجَزَ في ظل هذه الحضارة، يعرف تَحولاتٍ، لكن في إطار ثابت، وهذا ما يفسر غياب المدارس الأدبية.
ثَمَّةَ ثنائيةٌ هامة وهي الذات، والموضوع/الأنا، والآخَر. فالذات/الأنا دائما هي في صراع مع موضوعها/الآخَر. بينما هما في الحضارة الإسلامية متكاملان، والذات تدخل في زواج مع موضوعاتها المتعددة؛ أي: إن الأنا في حضارتنا الإسلامية تتكامل وذوات الآخرين.
يقدم هذا العرضُ ، بطريقة غير مباشرة ، إجابة عن ماهية الأدب الإسلامي ،كما ندعوا إليه بمجلة المشكاة . فهو الأدبُ الخاضع لروح حضارتنا الإسلامية ، كما وضحنا في ثنايا هذه الدراسة.
تحدثنا عن أهمية الْمُخَاطَب في البلاغة العربية ، وبَيَّنا أن النص الدينِي يُولي اهتماما كبيرا لِهذا الْمُخَاطَب ؛ لأن الرسالة جاءت من أجله . فَلابُدّ أن يَتَحَوَّل أسلوبُ الخطاب تبعا للمخاطَب المستهدف . وكان الشعرُ العربي الْمُنْجَزُ في ظل حضارتنا، قائما على البلاغة الدينية نفسها . ذلك بأن أغراضَ الشعر العربي، تتطلب التمسكَ بِهَذه البلاغة . فكان النقد العربي يقدم للشاعر القواعدَ التِي تساعده على تجويد صناعته؛ لتنال قَبُولَ مَنْ تُوَجَّهُ له. وهذا واضح في العمدة خاصة، حيث يقدم ابنُ رَشِيق سُبُلَ المدح . فَلِمَدْحِ الْمَلِكِ سَبِيلٌ غَيْرُ سبيلِ مَدْحِ السُّوقَة.
لكن الشعر العربي، في العصر الحديث، عرف تحولاتٍ كبرى، أَهَمُّها تَخليه عن أغراض الشعر المعروفة ، وأصبح يهتم بذات الشاعرِ في علاقتها بِذَاتِها، أو في علاقتها بالآخر . ولهذا لَم تعد هناك حاجة إلى ربط بلاغة النص الشعري بالمخاطَب، وإنما أصبحت الحاجة إلى ربط النص بالتجربة . فالتجربة هي المتحكمة في شكل النص، وبلاغته .ويتحقق البيانُ حين ينسجم النصُّ الشعري ، بِمعناه ومبناه ، والتجربةُ الْمُعَبًّرُ به عنها.

تم انجاز هذا العمل بوجدة سنة 2004

محمد علي الرباوي
08-15-2010, 03:44 PM
سقط من افتتاحية هذه الدراسة الفقرة التالية :

اِخْتَرْتُ أن أقول: الأدبُ بين الفلسفة والإسلام ،بَدَلَ الأدب بين الفلسفة والدين ؛ذلك بأن الأدبَ المرتبطَ بالدين ، كالنصرانية ، واليهودية ، مَحْدودٌ بالموضوعات الدينية .فِي حين، أن الأدب المرتبطَ بالإسلام ،أدبٌ لا يتحدد بالموضوع، وإنّما يتحدد بالرؤيا الإسلامية؛فَ Paul Claudel (1868م – 1955م ) مثلا، يكون مؤمنا في ابتهالاته، وقد لا يكون كذلك، حين يتناول قضايا الحياة .أما الأدبُ الإسلامي، فالإسلامية حاضرةٌ فِي الابتهالات ، وحاضرةٌ حين يتناول أغراضا، أو قضايا أخرى، كالقلق، والحب، والحرب، وما إلى ذلك من قضايا الإنسان.

د. نادر عبدالخالق
09-07-2010, 01:17 PM
جميل أن تتناول كل هذه القضايا والموضوعات والأفكار وان تحاول حسم ما اختلط منها لكن إياك والوقوف أمام النص القرانى أو النبوى متجردا من الخشوع والهيبة والجلال أو ان تخضعه لمذهب ادبى او تكون هناك مقارنات بين النصوص الوضعية الأخرى ..حياتى لك ولجهدك واتمنى لك التوفيق وكل عام وانت بخير

محمد علي الرباوي
09-07-2010, 07:27 PM
جميل أن تتناول كل هذه القضايا والموضوعات والأفكار وان تحاول حسم ما اختلط منها لكن إياك والوقوف أمام النص القرانى أو النبوى متجردا من الخشوع والهيبة والجلال أو ان تخضعه لمذهب ادبى او تكون هناك مقارنات بين النصوص الوضعية الأخرى ..حياتى لك ولجهدك واتمنى لك التوفيق وكل عام وانت بخير

أخي العزيز نادر عبد الحق
شكرا على تعليقك وعلى غيرتك .
هل أحسست أن بهذا العرض ما يجعلك تتخوف من أن أخضع النص القرآني والنبوي لمذهب أدبي؟القرآن ليس نصا أدبيا ، الأدب يقوم على الكذب والقرآن يقوم على الحق لأنه كلام الله، وكذلك الحديث النبوي الشريف ، لكن هذا لايمنع من أن ندرس البلاغة القرآنية لنستمتع بإعجاز القرآن ولنقترب أكثر من روح القرآن
شكرا على كلمتك

د. نادر عبدالخالق
09-07-2010, 11:10 PM
أخى محمد الرباوى
تحياتى وتقديرى يقول الله تعالى " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين " فقط اردت ان أذكرك واتفق معك فى ضرورة البحث فى القرآن الكريم والسنة النبوية عن الأسرار وعن الجواهر المكنونة وكذلك حتى نتمكن من تجويد لغتنا وآدابنا وفنونا .. كل التحية والتقدير .. وكل عام وانت بخير .. وعيد سعيد

صالح سعيد الهنيدي
10-23-2010, 10:33 AM
البحث في القرآن الكريم
هو بحث استجلاء لروعة بيانه وإبداع بلاغته

شكرًا أستاذ محمد