المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحلقة الثانية ( دوائر الحزن وفضاءات الوطن في شعر على النعمي بقلم الدكتور البحيري)


معبر النهاري
05-14-2006, 11:45 PM
وعلى هذا فإن مداخل النصوص الرئيسية (عناوين الدواوين)، والفرعية (عناوين القصائد) توجه نظر المتلقي إلى التأويل الموضوعي لمجمل التجربة الإبداعية للشاعر، وهو اتجاه متعمد يهدف من خلاله المبدع إلى الإيهام بالتخلي عن النزعة الفردية الذاتية الضيقة، والتشبث بالتجربة الموضوعية التي تتسم بالطابع الإنساني العام، لاجتذاب تفاعل المتلقي مع النصوص، وجعله طرفاً رئيسياً في إكمال الدائرة الدلالية لمفردات التجربة الإبداعية.
تفاجئنا نصوص علي النعمي الشعرية حين نلج حرم القصائد نفسها بتغير المشهد التشكيلي واختلافه عن تشكيل المداخل الرئيسية (عناوين الدواوين)، والمداخل الفرعية (عناوين القصائد)، حيث تبرز الوظيفة الانفعالية في تشكيل النصوص، وتحتل الذات المبدعة نصف المشهد التشكيلي في صياغة مطالع القصائد وختامها- وهما أهم مواضع القصيدة عند النقاد القدماء والمحدثين(10)- وتترك النصف الباقي لحضور الموضوع، لتبرز من خلاله الوظيفة المرجعية والوظيفة الاجتماعية.
تبلغ مطالع القصائد – في الدواوين الخمسة المذكورة – التي يشير تشكليها اللغوي إلى حضور الذات المبدعة ستين (60) بيتا، نسبتها المئوية (50%).
ويظهر التشكيل اللغوي الموضوعي في مطالع ستين (60) قصيدة ، نسبتها المئوية (50%) من مجموع القصائد.
وفي ختام القصائد يزيد – قليلاً – حضور التشكيل الموضوعي ليبلغ خمسا وستين (65) قصيدة، نسبتها المئوية (54.16%) ويتقهقر التشكيل اللغوي الذي يشير إلى الذات المبدعة في ختام القصائد. ليصل إلى خمس وخمسين (55) قصيدة، نسبتها المئوية (45.84%) من مجموع القصائد.
وهذه القسمة العادلة بين الذات والموضوع في التشكيل اللغوي للنصوص تدل على أن هيمنة التشكيل الموضوعي على صياغة عناوين الدواوين والقصائد نوع من المراوغة والإغراء، وهو موجه إلى المتلقي في المقام الأول، بينما تتشكل البنية الداخلية للنصوص من عناصر ذاتية وموضوعية متلاحمة في كافة الأغراض والمعاني التي تتضمنها التجربة الإبداعية للشاعر علي النعمي .

-3-
دوائر الحزن
يشكل الحزن أهم محور تدور حوله تجربة الشاعر الكبير علي بن أحمد النعمي، وهو يلفت كل قارئ لنصوصه وقصائده، من خلال كثافة دوال الحزن، والألم، والجرح، والغربة، والدموع، والانكسار، والنزيف، والصرخة، والمرارة، والغرق، والكآبة ، والقتامة، والتأوه، والضياع، والفقد، والنهاية ، في عناوين الدواوين، والقصائد، وفي تشكيل بنية القصيدة.
يقول حجاب الحازمي :" وللنعمي شعر اجتماعي رائع يصدر عن تجربة ومعاناة تحس طعم مرارتها، وتلمس خيبة أمله في الناس، وفي الحياة في كثير من مواقفها، بل ربما لمست ذلك في الأغراض الشعرية الأخرى. ولعل مسحة الحزن والشعور بالغبن محور شعره الأساسي"(11).
وحضور الحزن وكثافة دواله يشيران إلى غياب الفرح وقلة دواله في مفردات التجربة الإبداعية لعلي النعمي وأشار إلى ذلك علي العمير قائلاً :" ولكن الفرح والسرور في حياة شاعرنا الرقيق – كما أراد – علي أحمد النعمي، يبدو أنه لا يلوح له أبدا، فلا نجده – لذلك – إلا مترعا بالأسى والشجن والمعاناة، ولابد أن تنعكس نفسيته الملتاعة على شعره الرائق "(12).
دوائر الحزن متداخلة مركزها الأساسي الشاعر نفسه بحزنه وتوتره الدائم، فهو يرى ببصيرته مالا يراه غيره، ويدرك عمق التحولات الدامية في الحاضر، ويستشرف آفاق المستقبل، فيشتد حزنه وألمه:
خُلق الشاعرُ من طينٍ له
ما يراهُ لا يراه الناسُ في
كلُّ ما في الكونِ من همٍّ ومن
عبقُ ُ مختلفُ ُ منفردُ
عيشهم فهو المعنَّى المجهدُ
رغدٍ في قلبهِ محتشدُ(13)


ويظل قدر الشاعر مرهوناً بحزنه، وحزنه رفيق دربه ورؤيته الثقافبة، وينقلب الشعر من سلوى تخفف معاناة الشاعر إلى سجن كئيب يزيد حزنه وألمه:
للشاعر البأساءُ في ترحاله
حتى ولو تبسمت له أيامه
أنا لو صبحتُ حياة غيرك لم أعش
لكنه قدري، وكيف أفرّمن
حتى ولو لاقي وميض صباحِ
فهو ابتسامُ ُفيه طعن رماح
هذا الرحيل بعالم الأشباحِ
قدري وتلك مشيئة الفتاح


لا تسألاني الآن كيف وما الذي
ودعا فؤادي يغتلي بنزيفه
وستدركان بذات يوم أن لي
ألقي بدنيا الشعر كلَّ رحالهِ
فحبته منها آهة مكلومة
فهو السجينُ بها، وليس لسجنه
فلكم ركبتُ الصعبَ عبر كفاحي
وأساه في الدنيا أليف نواحِ
قلبا تعذَّب في مساً وصباحِ
كي يستريح من الأسى الملحاحِ
أو دمعةً من مدمعٍ سحَّاحِ
حدُّ ُ، ويصرخُ من يفكُّ سراحي(14)


يعبن الشاعر الثورة على أسباب حزنه الرئيسية (الشعر، والوعي، والثقافة)، ولكن التخلص منها يصبح أمنية مستحيلة وحزنا مضافاً إلى أحزانه المستقرة في قلبه، فيعتصم بالصبر والرضا بالقضاء والقدر:
قال في غضبةِ الليوث القساور
ليتني ما حملتُ قلبا رقيقا
ليتني ما قرأتُ سِفر الأغاني
ليتني كنتُ في الحياة عميًّا
عجزتْ "ليت" أن تهدهد أحلا
آه من ليتني، ويا نفس قرِّي
ليتني لم أعش حياتي كشاعرْ
يحرق الحرف نبضه والمحابر
والبيان الضافي، وعقد الجواهر
لا يرى ما يدوسُ عزَّ الأكابر
ماً كثارا بعاثر الحظ حائر
واطمئني، فتلك قدرة قادرْ(15)


تكرار أداة التمني "ليت" تجسد رغبة المبدع الملحة في الثورة على ميراث الماضي الذي وجه مسيرته توجيها مأساويا حزينا، ولكن هذه الرغبة المحبوبة تتلاشى، لأنها تدخل في دائرة المحال الذي لا يمكن الحصول عليه، فيكون التسليم بالأمر الواقع، والرضا بالقدر هو الطريق الوحيد المتاح للاستقرار النفسي.

الدائرة الأولى: الفقد.
فقد الأحبة (الأب- الأم – الصديق الوفي ) أهم أسباب زيادة الحزن، لأن أمواج الألم إذا طغت وحاصرت المبدع، فإنه يأوي إلى أحضان الأحبة ليجد السلوى، والراحة، والأمان، فإذا رحل الأحبة، وافتقد المبدع أحضانهم، تزداد لوعته، ويتفاقم حزنه وألمه.
كان موت "الأب" الصدمة الأولى القاسية التي تلقاها الشاعر في صغره، ففقد الحاني والحامي، والدليل، والمعين في بداية مسيرته، وهاجمه الخوف، والشرود، والذهول، والأسى وتحمل وحده عبء الحياة وقهرها:
يا أبي والحياةُ عبء تثقيل
كيف غادرت عالمي يا حبيبي
من سيحنو عليَّ؟ من يصطفيني؟
ويعود الصغير للأم يبكي
ومضى في الخضمِ يمخرُ فردا
شاردَ اللبِّ، والخضمُّ مخيفُ ُ
واحتواه العبابُ والموج غطا
واعتراه الذهولُ، وانتابه الخو
فتهاوَى إلا بقايا بقايا
كيف أسلمتني لقهر الحياةِ
في ثوان قضيت في لحظاتِ
من يبثُّ السرور في قسماتي
واجف القلب شارد النظرات
زاده حفنة من الدعواتِ
وصغارُ الأمواج كالراسياتِ
هُ، وسدَّت عليه كل الجهات
فُ، وجذَّ الأسى حزامَ النجاةِ
نغماتٍ غريقةِ النبراتِ(16)


وجاء فقد " الأم " موجعاً ومؤلما، أحس الشاعر بعدها باليتم الحقيقي، وضاع منه آخر سند ومعين، وافتقد أهم مظلة راحة وأمان عاش في كنفها طوال حياته، وعبر عن مشاعره الحزينة بسبب موت أمه في مقدمة قصيدته "وصرخت يا أماه" ، قائلا: " في شهري رمضان وشوال عام 1396هـ كنت مرافقاً لوالدتي في رحلة علاجية إلى "لندن"، وهناك لاقت وجه ربها مخلفة الحسرة والألم في نفسي، وأقسم أنني ما شعرت بالضياع، ولا اليتم إلا بعد رحيلها، فلقد كانت هي كل شيء في حياتي، كانت الوالد، والأم، والأخ، والصديق. وهناك هزتني المأساة، وسبحت في بحر عميق من الدموع والزفرات، وتصورت ذلك البيت الذي فقد بفقدها آخر وأهم مظلة أمان، وسند رعاية، وقيِّم أسرة. فإليها يرحمها الله صدى صرخة ابن بار"
بيت حوى شرفاً وعاش سعيداً
بيت يضمُّ كأيِّ بيتٍ أسرةً
سلبَ الزمانُ عميدها ورئيسها
لا شيء غيرُ الأم حول صغارها
تبكي، فتمتزج الدموعُ بآهةٍ
لكنها اشتدت لتجعلَ عيشنا
لله كم ضحت لأجل حياتنا
أبلت نضير شباب وتجشمت
حتى ترينا أننا في نعمةٍ
دبَّ الأسى في جسمها فتألمت
أماهُ كنتِ أهم ركن أحتمي
كنت الأب الحاني، وكنت أخا الوفا
بل كنت لي الأملَ المشعَّ، وكنت لي
ماذا أقولُ وأنت حولي جثةُ ُ
لله ما قدَّمتِ يا أماه من
ومشى به خطو الزمان وئيدا
تسعى لتثبت في الحياة وجودا
في حين كان لواؤها معقودا
تخفي جراحاً في الضلوع عميدا
مقهورة لتزيدها تنكيدا
رغدا وتسعدَ طفلة ووليدا
بحياتها لم تدخر مجهودا
درب الصعاب وعانت التسهيدا
لم نلف شيئا نبتغي مفقودا
وتحملت ألم الجراح شديدا
بحماة إن كان الزمان عنيدا
كنت الصديق الشهمَ، كنت العيدا
حصنا من الحب العميق مشيدا
همدتْ ولاقت يومها الموعودا
جهد يظلُّ مدى الزمانِ فريدا(17)


يتساوى فقد الصديق الوفي لدى الشاعر مع فقد معنى الحياة، وضياع جدوى الاستمرار فيها، لأن الصداقة الحقيقية شيء غال ونفيس ونادر الوجود، ولذلك يقول الشاعر في رثاء صديقه الشاعر محمد بن علي السنوسي :
ما نعاكَ الناعي، ولكن نعانا
لا تسَلْنا وكيفَ ذاك؟ فإنا
والبلى ما طواك لكن طوانا
في زمان تحار فيه خطانا(18)


وكل صديق مخلص يموت يمثل رحيله فجيعة مؤلمة تزيد قسوة الحياة وقتامتها، وتضيف مأساة جيدة إلى مآسي الشاعر المتراكمة:
فجعنا فيك يا زين الخلال
فجعنا فيك في زمن نعَاني
فجعنا فيك والآمال شتى
فجعنا فيك خير أخٍ كريم
ويا خيرَ الأحبة في الكَفَال
كثيرا من مآسيه الثقال
وأطياف المنى خضر المجالي
وفيَّا للصحابِ وللمعالي(19)

ويؤكد الشاعر المعنى نفسه في قصيدة رثاء أخرى :
فجعنا فيك يا زين الشبابِ
أذوبُ أذوبُ لا جزعاً، ولكن
وأن فراقك القاسي علينا
ويا خيرَ الأحبةِ والصحابِ
أرى أن الرحيل بلا إيابِ
يزيد بنا محطات العذابِ(20)

صالح سعيد الهنيدي
05-14-2006, 11:54 PM
الجميل
معبر النهاري
لا زلنا نستمتع بهذا الهطول الجميل
واصل أشرق قلبك

مريم الجابر
05-15-2006, 08:52 AM
أستاذي معبر النهاري00
دوائر الحزن من فقد وألم00لشاعرنا النعمي 00
أعطتنا رؤية شخصية لروح هذا الشاعر00
شكرا لك 00ونأمل منك إتحافنا بالمزيد0
دمت بود0