المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة إلى صديقي !


إبراهيم النملة
05-13-2006, 11:34 PM
رسالة إلى صديقي ...

حينما جرفنا العمر نحو المسؤولية ... أضاع كل منا الآخر !!!...


صديقي العزيز ...

لا أريد أن أحرك الماضي وأبعثره من ذاكرتي ... فهو لا يزال يمدني بوهج الحياة ...
تلك الطفولة التي تقاسمنا شقاوتها وبراءتها معاً ...
حين كنا في المراحل الدراسية الأولى ...
لا أعتقد أن الحياة يا صديقي قد جرفت ذاكرتك بعيداً عنها ...
فقد كنا طلاب ... نسلك الأبواب الأمامية ...
لم يكن الهروب ديدناً لنا حين دخلنا الفصل الدراسي وفقدنا وجوهاً كانت معنا في الطابور الصباحي ...
لتبدأ الحصة الأولى في ذلك المبنى المستأجر الذي علق عليه لوحة خضراء كتبت بالبند العريض اسم مدرستنا الابتدائية " مدرسة الأصمعي " في حي الملز بالرياض ، كان الأستاذ عبدالله بعدما تخلو الساحة من أقدامنا ويتفقد كل زواياها بحثاً عن عين دامعة في ذاك الصباح يدس رأسه من فتحة باب الفصل الضيقة ويترك جسمه خلف الباب ليسألنا عن الطالب الذي لم يحضر وعينه على وجه مدرسنا ...
كان مدرس الفصل يمسح المقاعد الخالية وقبل أن تنتهي عينه من المسح كنا قد صرخنا باسم الطالب الغائب
يشير مدرسنا إلى الأستاذ عبدالله وكأنه يقول له ما قلنا ... يسحب الأستاذ عبدالله رأسه من فتحة الباب لنسمع بعد لحظات قصيرة سؤاله قادم من الفصل الآخر ونتخيل رأسه المحشور بين فتحتي الباب ...
أنسيت هذا يا صديقي ؟!!! ...
ذاك الماضي الجميل الذي لن ترسم الحياة لوحة تشبهه في جميع مراحل عمرنا ...
أنسيت عصا الأستاذ مشاري ؟!!!....
تلك العصا التي تطرد رواسب النعاس من أعيننا في الطابور الصباحي المستقيم في أوله والمتمايل في آخره وكأن النوم قد أستبدَّ بالطلاب المتأخرين الذين لم يغسلوا وجوههم وحملوا معهم أحلام ليلهم لهذا الطابور لتكون عصا الأستاذ مشاري في انتظارهم ...
كان الطابور الصباحي يستقيم بانضباط تام حينما تمر الصفوف أمام يد الأستاذ مشاري المتخمة بالشعر الأسود الكثيف ...
كل الأمور كانت بيده ...
فهو يصنع مكان الوكيل ...
والمدير ...
أتذكر ياصديقي مدرس التربية البدنية ؟!! ...
ذلك المدرس النحيف والطويل ...
كان يعشق نادي الهلال بجنون ...
وكنا نعشق ما يعشقه ... خوفاً من عصاه ...
لقد زرع فينا منذ الصغر حب نادي الهلال ...
أذكره حينما كان يشاركنا لعب كرة القدم في حصة الرياضة ...
وعند انتهاء الحصة تسوقنا خطواتنا مباشرة إلى برادة الماء ...
لتبدأ مشاغبات الطفولة ...
نتراشق بقطرات الماء الباردة إلى أن تتبلل ملابسنا ...
وضحكاتنا تعلو حتى لتكاد أن تصافح السماء ...
وبعلو صيحاتنا وبراءة طفولتنا تأتي عصا الأستاذ مشاري طائرة في الهواء لتكتب كل حكايات الخوف في عيوننا حينما ترتطم بظهر أحد الطلاب ...
وتنصاع أقدامنا للهروب نحو الفصل ...
نصل الفصل وقد انقطعت أنفاسنا والحمرة صبغت وجوهنا وخيوط العرق ترسم تضاريسها على أجسادنا ...
طفولتنا يا صديقي لا تشبه الطفولة التي نراها في أعين أطفالنا اليوم ...
لم نكن محرومين ... عشناها كما ينبغي لنا في ذاك الوقت ... وحينما نحكيها بحبور لأطفالنا لا نجابه سوى بنظرة استعطاف ...
لم يبخل علينا الزمن ... فقد كان كريماً لم تلوثه يد الحضارة ...
نعيش بعد آذان العصر على مغامرات سندباد ... ونسكن الفرح أفئدتنا ...
كان كل شيء جميل كما هو ...
ومن ذكرى ذاك الجمال كتبتُ لك هذه الرسالة ...
والآن بعدما كبرنا وكبر حلمنا الصغير الذي لم يعد بريئاً كما عاش في كنفنا ...
أصبحنا نقترب من سن الشباب في المرحلة المتوسطة ...
في مدرسة التربية النموذجية بحي الملز لم يجمعنا فصل واحد ولكن ...
لم نكن بعيدين عن بعض ... كنا نلتقي في الطريق إلى المدرسة وداخلها في الفسحة وخارجها حينما تقرع الأجراس لنتدافع مع الأجساد الغضة...
وفي المرحلة الثانوية كنا بنفس المدرسة ... مدرسة اليرموك الشاملة ...
بدأت أنت يا صديقي تزف الصباح لصباحي حينما كنت أنتظرك عند الباب يومياً لنذهب إلى المدرسة في سيارتك ...
أبي لم يشتري لي سيارة رغم إلحاحي فقد تركني مع السائق التايلندي الذي أرفضه وأجلس على عتبة الباب أنتظرك مجيئك ..
كم كان وقت الانتظار جميلاً ...
أحمل كتبي الملفوفة بسجادة الصلاة وأركب معك السيارة ليعانق مسمعي ذاك الصوت الشعبي الذي يهدر من مسجل سيارتك كما هو مكينة السيارة التي لم تكن جديدة ولكنها كانت بعيوننا من أجمل السيارات ...
رحلات البر وسفراتنا عليها إلى الشرقية كانت مخطوطة كلما تقدم بها العمر زادت جمالاً والتصاقاً بذاكرتي ...
وليس للذاكرة سوى التشبت بها حينما داهمنا العمر وافترقنا ....
أتعلم يا صديقي ما الذي فرقنا؟ ...
لم تكن الكلية العسكرية التي أخذتك ثلاث سنوات متتالية مني ....
كنت أنتظر مساء كل أربعاء عند باب الكلية لتركب معي محسور الرأس والشعر ...
وبعد صلاة العصر من يوم الجمعة كنت آخر من يودعك في مدينة الرياض ...
تلك الإجازة التي أخذناها بحكايات الكلية وحكايات جامعتي كانت من أجمل الأيام يا صديقي ...
وتعينت ملازم في القطاع العسكري ...
وصرت أحرث آخر سنة لي في الجامعة ...
لم تقيم حفلة تخرج كما كان يرغب والدك ...
وإنما أجلتها حتى تخرجت أنا من الجامعة ... حينها كانت الحفلة ...
هناك ... خلف الزمن كانت وظيفتي في مال أبي رحمه الله ...
وهناك في وسط الرياض كان مكتبك ...
أفتخر جداً بك ...
فحينما أزورك في مكتبك وأرى تحيات الجنود لك في الممرات أو حين دخولهم لمكتبك ...
أو حينما تأتي لزيارتي في مكتبي بلباسك العسكري ...
كنت أرسمك في عيني كأنا ...
إلى أن بدأت أشباح الفراق تنشب أظفارها في علاقتنا الجميلة ...
أنهن النساء يا صديقي !!!...
تلك التي يضايقها الوقت الذي نقضيه مع بعض ، لا تحبذ الانتظار خلف الباب لتعود إليها ...
تريدك دائما معها.. بجانبها .. وتكره كثيرا حروف اسمي الذي لم يعترض طريقها بالشر يوماً ...
تحشو رأسك دائما بالكلمات مهددة إياك بالفراق إن استمرت علاقتنا ممتدة كماهي ...
وتحشر قسوتها بين قلبينا ...
وأنت بجد يا صديقي كنتُ ضعيفاً جداً أمام النساء ....
تقف أمامهن لاحول لك ولا قوة ...
تقبل عليّ وتصب رصاص قسوته زوجتك في أذني وأنت تتدثر بالخيبة ...
ولأني متعلقٌ بك وأكن لك محبة عظمى بدأت أفكر في حل لهذه المشكلة ...
أن نفترق هو الحل لكن كيف ينتهي كل شيء بهذه السهولة ؟!!...
أنحكم على ذكرى عمر بأكمله بالموت بسبب امرأة ؟!!
أيُعقل هذا؟!!! ...
لا أستطيع أن أتصور حياتي بدونك ...
لم أذق طعم النوم تلك الليلة كنت أخشى الفراق وكلما ارتسمت كلمة الفراق أمام عيني سرى بجسدي تيار كهربائي يقض مضجع راحتي ..
كنت أرى حروفها كعقارب سوداء تلدغ فرحتي بك ...
كل الذكريات تعرّت أمامي وبدأت تركض في ذاكرتي ...
ليس لنا سوى أن نلتقي سرا ...
جاءتني هذه الفكرة وهدأت من وحشة روحي وطمأنتني بأني سأبقى معك ...
صرنا نلتقي في ذلك المقهى الذي ضم خطواتنا المتساوية ...
كنا نلتقي وبداخل كل منا شوق لحكايا الآخر ...
لنغرف بألسننا كل مكنوناتنا ...
يضج المقهى بضحكاتنا ...
لم نكن نهتم بالأعين المتلصصة علينا ...
كل مايهمنا أن نقضي وقتا ممتعا ...
أحيانا نتفق على السفر تذهب بها إلى بيت أهلها وتخبرها بأن لديك عمل لمدة يومين أو ثلاثة كنا خلالها نسافر سويا إلى المنطقة الشرقية لنبدد رتابة أيامنا ...
وحين يرن هاتفك ويظهر رقمها ...
أعرف أن المتصل هي من ملامح وجهك حين يعلوه البؤس ...
تتلعثم كل الحروف ... نصمت ...
كنت أشعر بغصتك ياصديقي وأنت تتحدث إليها ...
((متى سينتهي عملك )) هكذا قالت .
رددت عليها فورا الليلة سأعود ...
لم نكن قد رتبنا للعودة ليلا لأننا قررنا أن نقضي ليلة جميلة على الشاطئ لكن كلماتك التي همست بها في أذنها أجبرتنا على العودة ...
إلى أن اكتشفت أمر لقاءاتنا السرية حين رآنا أخوها في إحدى المرات وأخبرها بأمرنا ...
كنت ضعيفا ياصديقي أمامها وكنتُ أنا ضعيفاً أمام ضعفك الذي قرأته في عينيك ...
لذا اختصرت عليك الطريق وحزمت أمتعتي ورحلت لأجلك أنت فقط ...
كرهت زوجتك لأنها جاءت لتنهي مشوار صداقتنا بكلماتها التي ترشقك بها كلما استقر جسدك في منزلك ...
تذكرني بحية سامة جاءت لتلدغ القدم التي حملت صداقتنا وذكرياتنا طيلة سنوات عمرنا لتلدغها فنخر على الأرض ...
وحين رحلت من عالمي كل الأشياء تغيّرت ... حتى رائحة المطر والطين لم تعد كما كانت ...
لم أعد أرى الصباح مشرقا بل باهتا موشّىً بالخيبة ...
حتى طعم القهوة التركية التي أحتسيناها ذات مساء قد تغير مذاقها كثيراً ...
هل لا زلت تذكر ذاك المساء ... حينما كنا في مدينة القاهرة
كنت معي تبحث بجد عن الكتب التي أريدها
وقبل أن ندخل إلى مكتبة "مدبولي" في وسط البلد
أستوقفتني
وسألتني عن أسماء الكتب وأسماء مؤلفينها
لتسند سؤالي للبائع
وتجد في البحث رغم أنك لا تحب القراءة
أبتعت شيء من الكتب مماأريد
وتركت ثلاث أرباع قائمة الكتب التي أبحث عنها دون أن أضع علامة (X)
قبل اسم الكتاب ...
توجهنا إلى مطعم ( هابي دولفين ) على نهر النيل
جلسنا على طاولة ذات قماش أبيض مخنوق بطبقة بلاستيك شفافة
وضعت الكتب التي أبتعتها على المقعد الخالي الذي يفصلنا
رفعتُ يدك لتطلب مشروباتنا
لم تسألني ما أريد أن أشربه
فأنت تفهمني جيداً
سجل النادل ما طلبت وتركتنا بعدما وضع علبة مناديل ورقية على الطاولة
قلت لي :-
= لم تعد القاهرة كما كانت
أنزلت كتاب "نظرية التشكيل" لبول كيلي على الطاولة
لبست نظارتي وتفحصت أسى لم أوده لك في جدول الذكريات التي تعيشها
وتنتشي بها ملامحك ، لقد صنع منك الهم تمثالاً على هيئة رجل سابق !!!...
قلت لك - بعد صمت قصير-
= يا صديقي القاهرة لم تتغير ، ولكن أنت من تغير
ابتسمتُ لي بخجل واضح ، وقد يكون ارتباك
فأنا لم اعد أفهم أبجديتك في الآونة الأخيرة
أدرتُ رأسك للخلف تستعجل النادل أن يحضر الطلبات
حينها يا صديقي أدركت أنا حرج نفسك ...
وأدركت أنت نفس ....
رجعتُ إلى كتابي لأخنق تلك اللحظات التي تبعث بسحب قاتمة
لم نأتي إلى هنا لاستدراجها ، كنت في رحلتي هذه أبحث عن روحك التي افتقدتها
وبعد ليلتين من ذلك ، وقفنا جنبا إلى جنب في صفاء الليل حينما لامس ظلام ماء النيل
كنت تعشق الذرة المشوية ، ولم أكن أنا أحبها كحبك لها ، اشترينا من البائع ذو اللباس الفضفاض
واستطعمت أنا بحبة الذرة المشوية حينما رأيتك تتلذذ بحبتك ...
لم تمتد لحظة الصمت بيننا ...
هناك شيء ما في نفسك لا أريد أن أنبشه لك وأخاف عليك منه ...
وكأننا كنا ننتظر برهبة خروج شيء ما من نهر النيل الساكن ...
وقلت لي :-
= ليتني لم أتزوج ...
لحظتها أيها الصديق النبيل أدركتُ أن التفاتك إلى النادل ذلك المساء
كان يخفي في قلبك ألماً لم أدرك حجمه وأن كنت أشعر به
صديقي الأغلى :
لهنا لم أكتب إليك لنعود كما كنا ...
لأن سعادتك تهمني كثيراً بل هي أساس راحتي ...
حروفي هنا جاءت تتوسل إليك ألا تنسى تلك الذكريات التي جمعتها وتلك المدارس و الطرق و المدن و المقاهي والأسواق التي احتضنت أجسادنا سويا ...
لا تبعثر الماضي من ذاكرتك ...
ولا تجعل سكين زوجتك تثقب ذاكرتك ...
اهمس للماضي ..
حدثه بينك وبين نفسك ...
اربت عليه ...
لا تسمح لذرات الغبار أن تتراكم صامتة عليه ليصمت معها ...
لا تلجم لسانه ...
تحدث إليه دائماً ...
بث إليه شكواك ...
واجعله متنفسا لهمومك ...
وثق تماما أن حديثك سيصلني ...
ماضينا يا صديقي كحجر كريم علينا أن نطمئن على سلامته كل لحظة وأن نعتني به خير عناية ...
أليس الماضي هو من زرع الابتسامة الصادقة على وجوهنا ؟!!
صديقي الأعز ...
هذه كلماتي حوت بعضا مما يدور بخاطري جاءتك لتصافح قلبك وتخبرك أنك لازلت حيا بذاكرتي ..
تُرى ألا زلت تذكرني أم أن قسوة زوجتك طوتني في سجل نسيانك ؟!!

طفلة المطر
05-14-2006, 05:31 AM
هي ذكريات الماضي لانملك حين يستثيرها الزمن سوى شوق وحنين لأولئك الذين جمعتنا بهم لحظات جميلة تشبثت بذاكرة ترفض النسيان ...
الصداقة الحقة المغلفة بالوفاء تظل من أندر الأشياء الآن ...

أغبطك على تلك الذكريات الجميلة ...

وأغبطني أني بدأت صباحي بحرفك

شكرا والورد

صالح سعيد الهنيدي
05-14-2006, 04:59 PM
هي الصداقة
قنديل العمر
يا إبراهيم

سلم بنانك الجميل