المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القرية حاضنة المقاومة ( ملامح من شعر المقاومة د. نادرعبدالخالق)


د. نادر عبدالخالق
03-26-2010, 06:30 PM
اتحاد كتاب الشرقية ومحافظات القناة وسيناء
مؤتمر اليوم الواحد
القرية حاضنة المقاومة
من فعاليات المؤتمر
(1)
ملامح من شعر المقاومة
الدكتور نادر عبدالخالق
مؤتمر الزقازيق- 25مارس 2010م
التمهيد
المقاومة خصوصية من خصوصيات التعبير الأدبى التى شغلت حيزا كبيرا من مساحة الإبداع فى العصر الحديث على مستوى الشعر والقصة والمسرحية والمقالة، ويرجع ذلك إلى طبيعة الشخصية العربية، وإلى تكوينها الثقافى والمعرفى، وإلى تاريخها الطويل فى التعبير بالكلمة منذ العصر الجاهلى،واعتزاز العربى بنفسه وقبيلته ومأثوراته وقيمه وعاداته وتقاليده، حتى جاء الإسلام دينا وشرعا ومنهجا ومنزلة أدبية ومعنوية وحضارة إنسانية عامة، يعلى من شأن الفرد والجماعة، وكانت الكلمة المنظومة إحدى أسلحة الدعوة فمن منا لايذكر حسان بن ثابت وشعره فى الدفاع والمقاومة وقول الرسول صلى الله عليه وسلم له : أهجهم ياحسان وروح القدس تؤيدك .
منذ ذلك الحين أصبحت الكلمة والتعبير والاعتراض والمقاومة واستنفار الهمم وشحذ النفوس فى أوقات الحرب والشدة سلاحا قويا وعقيدة راسخة فى وجه الطغاة وفى وجه العتاة، ومنذ هبوب غارات الزحف الصليبى ومحاولات اجتياح المدن والبلاد الإسلامية، أصبح شعر المقاومة يؤدى دورا فعالا، فى تنمية الشعور الوطنى والحماسى، وفى رصد البطولات والأمجاد التى حققها المسلمون فى صدهم لمطامع الغرب .
وفى العصرالحديث اتجه شعر المقاومة نحو حركات التحرر التى انشغل بها العربى وظل يكافح من أجلها كثيرا، فى ظل وجود الاجتياح الامستعمارى للدول العربية لفترات طويلة منذ مطلع العصر الحديث، ومنذ أن ضعفت السيادة العربية وتفرقت الأمة، وأصبحت البطولة والفداء رمزا وحلما بعيدا، وفقد العرب والمسلمون زمام الأمور فى أوطانهم،وأصبحت الرغبة فى التحرر محورا من محاور القصيدة العربية المعاصرة، واستلهم الشاعر المعاصر أمجاد الماضى وبطولاته .
وقد زاد من ذلك وجود الكيان الصهيونى الإسرائيلى على أرض فلسطين، وقد ابتلع الأرض والوطن، وعمل على تذكية العداء والفتنة والتفرقة بين الشعوب العربية،حتى يضمن لنفسه البقاء والاستمرار طويلا، من هنا فقد اختص الشاعر المقاوم ببعث الماضى والتراث العربى البطولى، والبحث عن البطولة والفداء، وتمجيد الثورة والجلاء والاستقلال، خاصة أن المقاومة لم تقف عند حدود العدو الخارجى الظاهر فقط، وإنما امتدت لتشمل العدو المستبد فى الداخل، والعمل على إزاحته ومنعه من مواصلة مسيرته التعسفية، التى خلفت وراءها كثيرا من التراجع والتهاوى فى ظلام الجهل والفقر والتخلف المادى والمعنوى .
ولأن حركة المقاومة الأدبية تتعين بفعل الأدب وانفعاله بالحركة الخارجية العامة وعملية التمثيل والاستنباط لخصائص الاتجاه الوطنى المباشر وحركة الحياة الثقافية، فإن الشاعر المقاوم عمل على التعبير من خلال النزعة الإنسانية، التى يخاطب بها النفس، ويستقطب بواسطتها القدرالهائل من الدعم والتوجيه والمشاركة، للقضية التى يطرحها، والتى يسعى من خلالها إلى نشر الفكرالبطولى، والحد من هيمنة الفكر المقابل، وذلك فى ظل التراجع الكبير فى مجالات الحياة التى كانت تأخذ مظاهرعدة فى التوحد لنشرهذا الفكر وبث الوعى، وإيجاد المناخ الخصب لذيوع هذا اللون من الأدب الإنسانى المقاوم.
واعتقد أن الشاعر المقاوم حاليا لم يعد أمامه سوى الكلمة الشعرية ودورتها حول معادل موضوعى شامل، يضمن لها الذيوع والانتشار، ويؤكد على حقيقة الهدف البطولى واستمراريته، وعدم تراجعه أووقوفه عند منحدر تعبيرى خاص، فى ظل وجود حركة إعلامية ورقابية شديدة لاتقف عند النزعة الأولى، بل تمتد لتقوم بعمليات تأثير متواصلة مع حركة الحياة الجديدة، وفى ظل وجود مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية تجعل حركة المقاومة فى منأى من التقدم والتواصل .
والمتأمل فى حركة المقاومة الأدبية يجد أنها أفرزت توجها خاصا بها، وأفرزت شعراء مستقلين،مما يجعل شعرالمقاومة من خصائصه الاستمرارية والتجدد، ومن سماته العامة الانصهار فى القضية القومية والوطنية، والتعبير الدائم عن وجود الإنسان وذاتيته، وهو فى كل ذلك يحتاج إلى التكثيف فى المضمون ويحتاج إلى استيعاب قضايا الحاضر، واستلهام بطولات الماضى وأمجاده .
وهولايختلف عن شعرالنزعة القومية التى واكبت حركة المد الثورى فى مصر، والتى كانت فى مجملها متعلقة بالوحدة العربية كمرحلة هامة من مراحل المقاومة الشعبية الجماعية،التى لا تقف عند حدود المواجهة المباشرة، بقدر ما كانت تساهم فى بناء نهضة سياسية تقف فى وجه الغرب، وفى وجه إسرائيل وتوسعاتها الاستيطانية العدوانية .
وقد انشغل الشاعر بعمليات المد الثورى منذ مطلع القرن الماضى حتى بلغ الذروة فى منتصفه خاصة بعد نكبة فلسطين، وبعد انهيار القومية العربية بداية من نكسة يونية 1967م، وتوحد الشعر العربى الثورى القومى والوطنى والبطولى، فى ملمح واحد واتجاه عام، وهو الدفاع عن حقوق المسلمين، واستنهاض الهمم،فى الوطن العربى والإسلامى الكبير، وتلك خصوصية من خصوصيات التعبير المقاوم الذى لايقف عند حدود جغرافية فاصلة، بل يمتد ليشمل البلاد الإسلامية والعربية المنكوبة، التى يعانى أصحابها من الظلم والاستبداد .
من هؤلاء الشعراء المجيدين والمخلصين لدينهم وعروبتهم وأوطانهم وإنسانيتهم، الشاعر العربى المصرى المعاصر الدكتور صابر عبدالدايم، الذى أثرى المكتبة العربية وديوان الشعر العربى بالعديد من القصائد والمطولات والدواوين،التى تسير على نهج القصيدة المقاومة التى بدأها حسان بن ثابت، وأطلقها حقيقة راسخة فى وجه الشرك قديما .
من ذلك ديوانه " مدائن الفجر" والذى يضم مجموعة من القصائد، التى أطلقها الشاعر صرخة مدوية، فى وجه الظلم، ونداء قويا يجمع صفوف المسلمين والمحاربين، ويقدم المثل الأعلى للجهاد والنضال والمقاومة، من هذه القصائد : "واإسلاماه"، "ونقوش على جدار المسجد الأقصى"، "والشهيد"، و" أعراس الشفق" ، وغيرها .. من القصائد التى تعبر عن نزعة إيمانية ووطنية وإنسانية، استلهم فيها الشاعر العديد من عناصر البطولة والمقاومة، وتأتى قصيدة " أعراس الشفق " بروعتها واستلهامها العديد من الأفكار والموروثات، وبعثها فى أحداث معاصرة، كوقفة تأملية ونزعة بطولية، ملحمة شعرية تستدعى الدرس والتحليل الأدبى والنقدى .
التطبيق
النص
أعراس الشفق (1) :
قصيدة للدكتور صابر عبدالدايم

مالت إلى الغرب المآذن
ودم الأهلة فى المساء يقيم أعراس الشفق
وتصدعت رؤيا النبوءات العقيم
ويطل أحمد فى يديه الآى والذكر الحكيم
يلقى إلينا نار آيات القتال
يتلو علينا سورة المجد الكليم
صوت المآذن فى سراييفو تجمد
وإلى ربا الفردوس
قد صعد ت عناصر أمة
لتعود بالقرآن كونا قد توحد
كل المحاريب انتفاضة أمة تهوى محمد
كل الدماء حدائق
تهدى عطاياها محمد
2- الشيخ كالطود الأشم
يطل من برك الدماء
يهل فى ثوب الإباء
سيف العقيدة فى يديه يحز أعناق الطريق
أمام من يلقى الصخور
على ضياء القبلتين
تنمو بعينيه الحقول المثمرات
أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب
والطفل ينفض عن جناحيه الموات
يصير شمسا فى نداء المصطفى الأتى
بإحدى الحسنيين
والشيخ فى سراييفو فتى
يتسلق الجبل المسافر فى منارات الفداء
ويشب فى قلب اللهيب لواء ثأر
يستوى غصنا من النار
الحياة تدب فى أوراقه
هذى سراييفو تزف إلى السماء
وتحتمى بالعرش
تدخل ساحة الملكوت
تقهر سطوة الرهبوت
تهدم سدة الطاغوت
ترفع فى سماء الله قصة امة
وهبت ألى القرآن كل زمانها
سكنت هويتها ذرا إيمانها
دفنت نفايات الهزائم فى ضحى أحزانها
والخيل خيل الله تركض فى صدى أشجانها
ودماؤها تغلى
وما يبست على جدرانها
رسمت على الطلل الموحد
صورة الوحش البدائى
استحال الصرب فى فكيه جنا كافرا
بالله والإنسان والكون الضئ بشمس آيات المحبة
وعلى الشوارع و النوافذ والزوايا
فى سراييفو الجماجم شكلت سحب الدماء الداكنة
شادت من الأشلاء مئذنة وقبة
هى لم تزل حبلى بماء النار
فيها تستثار أجنة الشهداء
حين مخاضها مطر الحياة يهل
يصرخ
والوليد بحجم هذا الكون
يحمل فى اليمين شموس توحيد وميلاد العقيدة
وعلى اليسار تضوع أقمار الوجود
وتولد الدنيا الجديدة
وتعود تصهل فى سراييفو المآذن تلتقى
بالعاديات ضبحا
والموريات قدحا
وتثير نقع الفتح تشهد ضوء خيل الله صبحا
ويطل أحمد فى يديه الآى و الذكر الحكيم
ويبث فى يبس الشرايين الإرادة
نبض آيات الجهاد
يتلو علينا سورة المجد الكليم
وعلى يديه الراية الخضراء تطعن كل شيطان رجيم
وإلى ربا الفردوس كل قوافل الشهداء
كالأشجار تصعد
لتعود بالقرآن كونا قد توحد
كل المسافات انتفاضة أمة تهوى محمد
كل الدماء حدائق
تهدى عطاياها محمد
2- العنوان :
يعد العنوان من أهم محاور النص الأدبى الذى يعطى بعدا اكتنازيا دلاليا،لايقف عند وظيفته الإدراكية الأولى كعتبة تقود القارىء حتميا إلى ما بعدها مباشرة،بل يشمل عدة توصيفات أهمها أنه صورة مصغرة تحتوى فى داخلها النص،وتشير إلى أجزائه وتراكيبه المختلفة، وأنه الدافع الأول للقارىء للدخول إلى عالم الشاعر وتجربته الموضوعية ومتابعة صوره المتعاقبة،وهو كذلك من عوامل ضبط الإيقاع التصويرى للنص، حيث ينطلق منه الشاعر بداية، ويسير وفق محاور تتوالد وتتنامى نتيجة لتشكيل الفكرة الأولى التى يتمخض عنها ويدور فى فلكها .
وفى قصيدة الدكتور صابر عبد الدايم " أعراس الشفق" يتمتع العنوان بخصوصية تعبيرية ذات أثر بعيد فى تكوين القاسم المشترك بين القارىء والنص، وبين الفكرة وتداعياتها وانتقالاتها من الدلالة الرمزية والبلاغية إلى حقائق موضوعية وعلاقات أسلوبية تكتنز بأسرار الفعل المقاوم، ومن ثم يصبح العنوان من العناصر التى جاء توظيفها جديدا ومغايرا حيث لاينتهى بقراءاته الأولية، ولايقف مده عند الانتهاء من الصورة الأخيرة فى النص، فهو وحدة مستقلة بذاتها ينهل منها النص،عبرصوره المتعددة الكلية والجزئية،ويتواصل عطائه دون أن ينفذ، ودون أن ينتهى حواره الداخلى، وذلك لوجود تركيب بلاغى انحرافى يشمل المتخيل النفسى والمعادل الموضوعى للفكرة الحقيقية المباشرة التى يتقابل معها البعد التصويرى القائم على جدلية التشبيه والاستعارة ووظائفهما العديدة .
والمتأمل فى الدلالة اللغوية لجملة " أعراس الشفق" يجد أن كلمة أعراس وردت فى الصيغة الجمعية المباشرة ذات الدلالة الواضحة، " والعروس" نعت يستوى فيه الرجل والمرأة ما داما فى إعراسهما، يقال رجل عروس، ورجال عُرُسُ بضمتين وامرأة عَرُوسُ ، ونساء عَرَائِسُ، والعِرسُ بالكسرامرأة الرجل والجمع أعرَاسُ.
والعُرسُ : بوزن القفل طعام الوليمة يذكر ويؤنث وجمعه أعراسُ وعُرُساتُ بضم الراء، والعِرَّيسُ والعِرَّيسَةُ : مكسورتين مشددين مأوى الأسد " (1)
الدلالة اللغوية المباشرة للكلمة تنفتح على عدة علاقات تشيرإلى بناء تصويرى متشعب يحتوى فى داخله عدة اتجاهات منها مايعودعلى ضميرالشاعر، ومنها ما يعود على عملية التقريب التى يجب أن ينفعل بها النقد التحليلى، ومنها ما يتعلق بالمعنى الدلالى المباشر الذى يوحى به النص المصغر مباشرة،وهوهنا أشد عمقا ودلالة من التقريبات الموضوعية الأخرى، ولك أن تتخيل معنى " العرس" ودلالته المعروفة ، ومعنى الوليمة واستعارتها وبناء معادل موضوعى ومتخيل نفسى خارجى، يبحث عن ثمة مقاربة بين الاستلهام والحقيقة والمباشرة، وكذلك معنى المكان ودلالته الرمزية التى تتعلق بالمرجعية البطولية، حينما ترتبط اللفظة مباشرة بمأوى الأسد كمكان ونقطة انطلاق وتجمع، تشيرإلى عدة استنباطات نفسية ومعنوية ورمزية تتعلق بالموضوع والقضية .
الشفق: بقية ضوء الشمس وحمرتها فى أول الليل إلى قريب من العتمة، وقال الخليل: الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الأخير، فإذا ذهب قيل غاب الشفق، وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول : عليه ثوب كأنه الشفق وكان أحمر، والشفقة الاسم من الإشفاق وأشفق عليه فهو مشفق" (2)
والدلالة اللغوية للكلمة وتعبيراتها تشير إلى عدة صور اكتنزتها الفكرة الموضوعية والدلالة التصويرية، منها الصورة البصرية اللونية ذات التركيب الرمزى، الذى يشير إلى وجود الزمن وإلى التحليق فى العتمة والظلام كدلالة نفسية حقيقية، تنفعل بها الصورة وتحمل فى طياتها العديد من التأويلات، فهى (صورة ورمز وظلام) الصورة تكمن فى التركيب الكلى الاستعارى، والرمز دليل على محاولة الشاعر جذب وبناء العديد من الأفكارالتى تساعد فى احتمال تجربته وتمثيلها، والظلام حالة من الاستقرارالتى يشيرإليها النص، ويود الخروج من دائرتها، وذلك كله يؤكد على أن العنوان هنا حالة استدعاها الشاعر، أراد من خلالها التنبيه إلى الفكرة والصورة الخارجية التى يمور بها الواقع .
كذلك الزمن وتماوجه وانحساره فى وقت الشفق بداية من الغروب حتى وقت العشاء، يشير إلى فرضية خاصة جدا، تتعلق بوداع النهار واستقبال الليل، وما بينهما من تفاوت واختلاف، فى الدلالة والرمز، وحقيقة الانحراف الموضوعى، عندما ننسب العرس إلى الشفق، كتوصيف استعارى تشبيهى، يقوم ببناء علاقة نفسية وموضوعية عميقة، تقدم البعد المتصارع فى الصورة، وتقدم انفعال الشاعر فى تجربته وفى تمثيله للمعادل الموضوعى والمتخيل النفسى المدرك .
كل ذلك يشير إلى أن العنوان بوحدتيه اللغويتين، هو بداية لتقديم ملحمة موضوعية شعرية تتآزر معها الفكرة والصورة الخارجية والداخلية، وهذه الملحمة تتعين بتعيين البعد التراثى للتمثيل الثقافى الذى يشيع فى العنوان عندما نقف على حقيقة المواجهة بين الشفق كدلالة زمنية رمزية، وبين حقيقة العرس، مما يجعل الاستفهام والتفسيرعلاقات يقدمها التصوير، حول الدال والمدلول، وحول التقريب القائم على الفرح والسرور، والرحيل والغروب من زمن النهار، إلى زمن الليل والعتمة، وغير خاف ما بين الزمنين من اختلاف وتفاوت موضوعى ورمزى بعيد، لايمكن تأويله إلا بالبحث عن الأسباب التى أدت إلى ذلك.
وتشير الدلالة الزمنية إلى وجود علاقة أخرى لاتبعد عن تمثيل الحقيقة التى يود الشاعر إزاعتها، وهى تتضمن معنى المكان والقوة واستحالة الاقتراب، وتلك دلالة استعارية وتشبيهية بعيدة الأثر فى تكوين الصورة، وبناء العلاقة الرمزية التى تتعين فى حقيقة الليل ثم تعود من جديد مع النهار .
وللدلالة البنائية النحوية تأويلات لاتبعد عن ذلك فالتركيبة الاسمية للجملة تشير إلى حالة الثبات والاستقرار التى تتصف بها الجملة، وذلك يخالف الحقيقة الملحمية التى تقدمها الصورة،حيث الانتقالات الزمنية والنفسية والموضوعية، التى كانت بمثابة الإيقاع التصويرى للنص المصغر، والتى تعتمد على البناء والإشارة إلى الفعل المستتر، وإلى الحوار الداخلى للنص والصورة، مما يجعل عملية التقابل بين النص وأجزائه قد تحققت، ونتج عنها عدة أفكار وخيالات .
والمتأمل فى الحالة البنائية يجد أن العنوان جملة خبرية، ذات علاقات وانفعالات موضوعية ورمزية، فالمبتدأ نفسه علاقة تقديرية مستقلة بذاتها، وكذلك الخبر علاقة مستقلة هى الأخرى، وتوحد هاتين العلاقتين يجعل الانفعال بالنص خبرا أكيدا،ويجعل الدخول فى عالم النص قائم على أساسين الأول: أن العنوان بوحدتيه خبرا،وهو أيضا علاقة أحادية ابتدائية، النص خبرها، وهو كذلك علاقة تقوم على تقدير لمبتدأ محذوف يمكن تسميته باسم إشارة أو ضمير شأن وقصة، فتكون الملحمة الموضوعية الشعرية، "هذه أعراس الشفق" و" هى أعراس الشفق"، ومن بين الدلالة الإشارية والضمير ، تبدو عوالم بعيدة من التحليل والتأويل قد فرضها النص المصغر، بالإضافة إلى الملمح الإضافى الذى يعد بعدا استعاريا مستقلا يمد النص والفكرة بالعديد من الدلالات والرموز .
منها أن الخبر فى الجملة الاسمية صفة دائما ، وهو مسند، والمبتدأ مسند إليه، وذلك من أجل قيام علاقة يتضح بها المعنى، ويقوم عليها البناء النحوى، وهذا يشير إلى تعيين الاستعارة التى تكون دائما فى لفظ الخبر، وهذا يوضح علاقة غير الملاءمة التى تضم المسند والمسند إليه، المبتدأوالخبر، تأمل معى هذا التركيب:
" أعراس الشفق" خبر لصورة مركبة، والعلاقة بينه وبين المبتدأ هى انحراف وعدم ملائمة، فى الدلالة والبناء المعنوى، لكنه يقود إلى حقيقة التجربة لدى الشاعر، ويشير إلى تركيب الصورة وإيقاعها وبنائها لدلالات تسير وفق حالات النص وأفكاره :
1- أعراس = فرح وسرور ودلالة إنسانية حركية بنائية
2- الشفق = توصيف استعارى ومركب تصويرى متعدى
3- صورة خارجية = حوارداخلى وصورة ملحمية داخلية
4- صورة داخلية = قراءة خارجية واستلهام تاريخى واقعى
5- حوار داخلى = حكى قصصى قائم على تداخلات الصورة البصرية اللونية
النتيجة : وجود علاقة قائمة بين المعنى الدلالى وبين المعادل الموضوعى، الذى يتيح عملية التأويل ويفرض عدة قراءات تشكيلية، تفتح النص على عالم من الحكى والقص الرمزى المتداخل، وتصف تأملات الشاعر وتجربته النفسية والبطولية، وعلى ذلك فإن النص المصغر الذى يتضمنه العنوان، يقوم على تقابلات منطقية عند تأويلها، غير ملائمة فى طبيعتها الخارجية
1- أعراس الشفق = (صورة خارجية) (إضافة)
ــــــــ + ـــــــ
إضافة = صورة داخلية ( استعارة)
توضح كثيرا من التفاوت بين النكرة والمعرفة وبين الدلالة الاستعارية للمضاف إليه، وتلك السمة الرمزية تقود النص المصغر إلى مجموعة حقائق أهمها، الوقوف على العلاقة بين الحوار الداخلى وبين الصورة الكلية المركبة وبين الحكى القصصى الذى يشيع فى النص العنوانى المصغر، والذى يمكن توضيحه من خلال التركيب التالى:
2- حوار داخلى + صورة بصرية لونية = حكى قصصى
ـــــــــــــــــــــــــــ
أ- ملامح التجربة ب – تكوين الصورة الكلية
أنت تلاحظ أن دلالة الحوار النفسى الداخلى تشير إلى تفسيرات الصورة والنص، وتقود إلى تعيين الحقيقة التى تمثلها التجربة الشعرية وهى فكرة المقاومة الموضوعية والتأويل التاريخى لها فى واقع النص المعاصر،وقياس الحقيقة التاريخية على أهداف الواقع المعاصر، ومن ثم الوصول إلى مركب جدلى يربط بين دلالة الماضى وحقيقة الحاضر فى نمذجة المقاومة تاريخيا وأنسنة النضال فى ظل تهاوى وتردى الضمير الخارجى، مقابل يقظة الوعى الإبداعى الحقيقى الإنسانى المعاصر الذى يمثله الشاعر، ونخلص من ذلك كله إلى ان الصورة النفسية لتركيب أعراس الشفق" هى المعول الرئيسى الذى استدعاه الشاعر، وقدم من خلاله رؤيته لهذا الصراع، وهى رؤية تنبؤية حقيقية قائمة على عقيدة ثابتة من أصل الإيمان وراسخة من رسوخ الحق واليقين، وهى صورة للواقع الحى فى سراييفو، القتلى هناك تشبه لحظات الغروب عند رحيلها فى عرس من النور الذى يمكن أن تراه، وتعجب من جماله .
3-النص :
النص الأدبى بنية من العلاقات التركيبية التى تؤدى وظيفة بلاغية معقدة تقوم على فكرة التصوير وتعتمد على مخاطبة الوجدان والعقل معا،هذه البنية الدلالية " تنتجها ذات "فردية أو جماعية" ضمن بنية نصيّة منتجة، وفي إطار بنيات ثقافية واجتماعية محدّدة" (3). وتلك الخصوصية تجعل من النص الأدبى قيمة نفسية وموضوعية ترقى وتتمايزعن غيرها، وتصبح محلا للنظر والتوصيف فى ظل معطيات الفكرالتصويرى،الذى ينطلق منه النص، ولعل ذلك يجعل فعاليات النص لاتقف عند رؤية قرائية واحدة، بل تتسع لتشمل أزمانا مختلفة، وأفكارا متعددة، مما يؤدى فى النهاية إلى تأويلات عديدة، يمكن بواستطها أن ينفتح النص على قضايا مختلفة فكرا وثقافة، من هنا فإن تقسيم الصورة عملية بنائية تقوم على القراءة والاستنباط وتقديم المكون الثقافى للنص، وتقوم على استلهام التجربة الموضوعية للشاعر .
4- الصورة الافتتاحية :
الصورة الافتتاحية فى النص الأدبى عامة تقوم على فكرة الشاعر وعرضه المباشرلبناءات النص، وانتقاله من زاوية العنوان إلى ترجمة هذه البناءات كمااستدعتها التجربة، وفى النص المقاوم، تقوم الصورة الأولى على فكرة التقاء الصورة الخارجية مع المتخيل الحماسى للشاعر وتكويناته الثقافية التاريخية والواقعية، واهتمامه الإنسانى بقضايا الواقع،ولايكون انتقاله عبر الصور ومراحلها المختلفة خاليا من التأثير واستقطاب الوجدان، وهذا يجعل من النص الحماسى شحنة ودفقة تعبيرية،لاينقطع مدها ولايقف تأثيرها عند فكرة موضوعية محددة، واعتقد أن ذلك كله يتعلق بفكرة التمثيل الثقافى والمعرفى الذى يقدمه الشاعر والأديب عامة، ويظل ذلك مرهونا بعملية البناء والتكوين الفكرى، الذى يستمر حتى الدخول فى عالم النص الموضوعى .
وفى نص الدكتور صابر عبد الدايم " أعراس الشفق" تقوم الصورة الافتتاحية على فكرة التقابل التصويرى بين الواقع واستلهام التاريخ البطولى والدينى مباشرة، مما يجعل التركيب النفسى والموضوعى، يمتد انفعاله واستلهامه ليشمل عدة بناءات تنطلق من الواقع، ومن فكرة النص لتصل إلى قمة التقابل بين الرمز وبين الحقيقة التى يمثلها الشاعر، وتلك عملية بنائية تعتمد على ثقافة الشاعر الأصيلة، وصلته بالحاضر وقضاياه والماضى وتراثه البطولى المجيد .
يقول الشاعر:
مالت الى الغرب المآذن
ودم الأهلة فى المساء يقيم أعراس الشفق
وتصدعت رؤيا النبوءات العقيم
تعتمد الفكرة التصويرية فى المفتتح على الحركة التقابلية بين الفعل والرؤية البصرية السمعية،التى لاتقف عند المرحلة الأولى من التقابل، بل تلفت الانتباه إلى البحث عن السبب، واستكشاف الحقيقة التى يقدمها النص، والتى تبحث عن التأويل والانفتاح على الواقع، وتقديم المعادل الموضوعى ، والمتأمل يجد أن الفعل " مالت" صورة حركية فعلية ذات حدث وفكرة وزمن انتهت دورته عند الحدثية، ولم تتوقف وظيفته التصويرية فجاءت جملة " إلى الغرب المآذن" فكرة واستلهام تصويرى، ونتيجة أسلوبية تجمع بين ذكاء الالتقاط وبراعة الالتفات وحدة التنبيه على عملية التقابل بين دلالة الصورة السمعية الندائية ذات التأويل المعنوى والموضوعى المتعدد، وبين الصورة الكلية التى افتتح بها الشاعر النص .
وهذا يشير إلى سرعة التلبية وسرعة التوجيه، وعملية التشكيل التصويرى التى قدمها الشاعر، معتمدا على بناءات عديدة من الصور الحركية والبصرية والسمعية، والكناية هنا تقدم جانبا من الفكرة التصويرية استنادا إلى وظيفتها وتشكيل النص، وهى هنا عملية انتقال من الدلالة الأولى المعروفة إلى الدلالة الثانية الغير معلومة، والتى تعتمد على الاستنباط فمثلا القراءة الدلالية للجملة الفعلية والأسلوب بواسطة الدال والمدلول تصبح قائمة على التقسيم الداخلى :

مالت إلى الغرب 1- ( دال)
المــــآذن 2- (مدلول)
الدال = فكرة وبناء استعارى متعدى
المدلول الأول = فكرة وبناء استعارى متعدى
والنسبة بين الدال والمدلول لاتتحقق إلا بتعيين الكناية التى تفرز مدلولا خاصا، هذا المدلول يجمع فى طياته ما سترته الكناية من تلاحم وانفعال مشترك بين الشاعر والحقيقة والواقع .
المدلول الثانى الاستنتاجى :
يقوم على فكرة المستعار واستنتاج الفكرة الرمزية التى يريد الشاعر تقديمها، وهى ذات قسمين الأول: صورة وصفية حسية منقلبة عن واقع جاء به الشاعر فى نص شعرى حكائى ملحمى، الثانى : الدعوة إلى الجهاد واحتمال المواجهة بين المتحاورين فى فضاء الصورة النصية، بناء على فكرة ترديد الصوت واقترانه بالآذان، الذى يشير إلى الإعلام والتنبيه لفريضة وزمن وفكرة وحدث .
وفى المقطع التالى تبدأ عملية الالتفات التصويرى تتحقق وتتعين فى صور حسية ومعنوية ذات دلالة تشير إلى واقع متصارع يقبع فى هوة بعيدة قام المعادل الموضوعى بتقريبها، والتنبيه على دقائقها تنبيها نفسيا وتصويريا يقول الشاعرالدكتور صابر عبدالدايم فى تركيب حسى مزدوج الدلالة :
ودم الأهلة/ فى المساء/ يقيم/ أعراس الشفق
والقراءة الاستدلالية الأسلوبية تقف عند مدلول العطف والفاعل وحركة الجملة، وهى كلها تؤكد العملية البنائية الحسية التى قامت عليها الصورة، فالفاعل " دم الأهلة" تتوافق تكويناته مع الدلالة الظرفية الزمنية " فى المساء" التى تشير إلى حركة التشكيل الداخلى وزمنه، وهى هنا أشد ارتباطا فى فكرة الزمن، والكناية التى عمقت بين "الأهلة" ودلالة "الدم" بطريقة زمنية مستمرة تجعل الحضور موصولا ومقترنا بحقيقة المتخيل النفسى والوجدانى الذى استدعته التجربة،وهو منسوب حقيقة إلى جنس الشاعر، وإلى القاسم المشترك بين المسلم والمسلم، وبين الشاعر وعناصر المقاومة .
والفعل وزمنه المضارع "يقيم" والمفعول التصويرى المركب "أعراس الشفق" عناصر تركيبية تتشكل منها الصورة اللونية البصرية التى ترمز إلى القتال وزمنه وجديته، وتلك حالة من التركيب التصويرى المتكامل بطريق الحس والشعور، وقوله : " تصدعت" التى تتكفل بتحليل الرؤية النفسية الموضوعية للفكرة وتُسلم الصراع إلى معادل موضوعى دينى، وقد استخدمت فى غير معناها لتعين الفعل الحقيقى وراء هذا التهاوى، وذلك على سبيل الاستعارة الرمزية.
ويتواصل المد الشعرى المتداخل فيقدم صورا تفسيرية للموقف، ويستدعى معجما قرأنيا بنائيا ينشأ الصور، ويقيم العلاقات والدلالات، ويستدعى موروثا مباشرا، يستمد حيويته وتدفقه من جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكأن الموقف والصراع يستنهض بدرا وأحدا وغيرها من الغزوات كالخندق وحنين، حتى تصبح الدلالة الأسلوبية والمعجمية، هى دلالة البناء والاستلهام للموروث الدينى والعسكرى والحربى والفدائى يقول الشاعر الدكتور صابر عبدالدايم :
ويطل أحمد فى يديه الآى والذكر الحكيم
يلقى الينا نار آيات القتال
يتلو علينا سورة المجد الكليم
والمتأمل فى حركة الفعل وزمنه يقف على أمرين الأول: الزمن المضارع والتنوع التصويرى فى توظيف المعادل الموضوعى فى وظائف مختلفة، مما يؤكد على أن عملية الاستلهام قامت على استقطاب الحس التصويرى، والقصد والمباشرة فى الاستدعاء، فالفعل " يطل – يلقى – يتلو" تتفاوت بينهما الوظيفة الإدراكية، فتصبح الصورة تحاورية أكثر منها استقرارية، هذا التحاور التصويرى يقودنا إلى تفسيرات الفعل بعد أن اتحد الزمن واتحدت دلالته الأولى،فى الفضاء التصويرى والمحيط النصى،وأصبح المتخيل التصويرى هو المنوط بتفسير وتأويل الرمزالأدبى والنفسى، فالفعل "يطل" صورة حسية بصرية تستدعى المشاهدة، والفاعل النورانى " أحمد" هو المحرك للحدث الداخلى للصورة، واقتران الذكر والآى بأحمد من دعائم التصوير فى النص، ومن البناءات التى استمر حضورها ورمزها ودلالتها فى التركيب العام للصورة، وقد انتسبت الصورة التالية إلى هذا الحضور، فالفعل " يلقى ويتلو" تعلق بالمفعول الأول فى الصورة، وارتبط بالفاعل النورانى "أحمد" وهذا الترابط أدى إلى توثيق الصورة، والفعل والفاعل، وتقديم حالة من التوجيه النفسى الدلالى المباشر للفكرة التى طرحها الشاعر مباشرة فى مفتتح النص .
وهنا تتجلى حكمة الشاعر فى عملية الحضور المحمدى النورانى، حيث ينوب بحضوره هذاعن التواصل والاعتماد على المتخيل الشعرى المباشر، فيصبح الصوت والضمير هو صوت النبوة وضمير الرسالة المحمدية، وتصبح عملية الاستلهام هى قوة الحق وصراخ الواقع،وتتحول الصورة الشعرية مباشرة من مخاطبة الصراع الدائر، إلى مخاطبة الضمير والرؤيا من زاوية الحس الجهادى المحمدى، واختتم الشاعر الصورة الافتتاحية وقد أطلق فى جنباتها الصور الجزئية الفعلية، المتضمنة معنى الاستعارة فى الفعل "يتلو" كحقيقة وفضاء سمعى، هذا الحضوريعد استنفارا تحققت فعاليته بواسطة الحضور النبوى الكريم والذكرالمتمثل فى الآى الشريف، وأدى ذلك إلى أن أصبحت تلك السمة الاستدعائية هى فكرة ومحور الصورة الموضوعية، ومع ذلك فالاقتصاد فى التعبير كان هو سمة الصورة الافتتاحية وهو العامل الأساسى فى بناء واستلهام الأحداث والرؤى التصويرية، حيث وردت هذه الصورة فى مقطعين فقط، مما يؤكد أن عملية البناء داخلية إبداعية تأسست بفضل استيعاب التجربة، والقدرة على تمثيلها وترجمتها حركة وصراعا واستلهاما أدبيا تراثيا إسلاميا يربط بين الماضى والحاضر،فى تواصل زمنى قائم ومدرك.
5- الصورة الموضوعية :
الصورة الموضوعية فى نص " أعراس الشفق" للدكتور صابر عبدالدايم،تتشكل من لجة الصراع والحدث النفسى داخل النص، واللذان يصوران النسق العام الذى يتكون منه فضاء النص، ويمكن تعيينها فى المكان والزمان اللذان تستظل بهما الدلالة النصية، وكذلك العناصر التراثية المتعددة التى ساعدت فى تشكيلهاعمليات الحضور المتواصل للعلاقات المتداخلة فى التجربة الشعرية، من هنا فإن بناء الصورة اعتمد على حضور المتخيل الخارجى أو ما يسمى بالصورة الخارجية، والتى أصبحت معادلا موضوعيا يمد النص بالعديد من الرؤى والأفكار النفسية والفكرية، التى تتوافق مع طبيعة النص الحماسى المقاوم .
يقول الدكتور الشاعر صابر عبدالدايم:
صوت المآذن فى سراييفو تجمد
وإلى ربا الفردوس
قد صعد ت عناصر أمة
لتعود بالقرآن كونا قد توحد
كل المحاريب انتفاضة أمة تهوى محمد
كل الدماء حدائق
تهدى عطاياها محمد
الدلالة الموضوعية هنا تشمل عدة صور منها الصورة السمعية الصريحة المباشرة، والظرف وتحديد المكان وبعثه صراعا وانتفاضة حسية، مقابل حالة الجمود التى أصابت الحياة التى ترمز لها المدينة " سراييفو" ثم انتقال الدلالة من الوصف الحسى المباشر، إلى خطاب الروح والمناجاة ووصف الصمود وقوة الإيمان، والرباط المقدس الذى يجمع بين صوت الحق وصدق العقيدة، والانتساب إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
من هنا فإن المقطع الشعرى الموضوعى يشير إلى بناء تصويرى قائم على استحضار الدلالة السمعية كصورة واستعارة مكنية، تنضوى تحتها كل رموز الحياة فى سراييفو وقد تجمدت، والصورة هنا صورة حياة وصفة أمة تناوب عليها العدو فأخمد صوت الحق فيها محاولا تبديل عقيدتها.
كذلك يشير التركيب إلى استحضار الصورة المقابلة والتى تعين صفات هذه الأمة وقد تجلت فى قوله: "وإلى ربا الفردوس" وهى أعلى قمة فى الجنة وتلك إشارة إلى منزلة الشهيد، وفى ارتباطها بالقرآن، وحب محمد صلى الله عليه وسلم، يظل الارتباط من تداعيات التداخل التصويرى، فى النص يسير على هذه الطريقة التقابلية، التى تجمع بين صراع الحاضر، وفلسفة هذا الصراع ونتيجته، التى تتعلق بالمنزلة والدرجة الرفيعة فى الجهاد، وتقوم الصورة على جدلية التقريب بواسطة التشبيه، الذى يؤدى دورا تصويريا فعالا يرتبط بتاريخ الجهاد وصوره فى سراييفو، يقول الدكتور صابر عبدالدايم مقدما النموذج البطولى :
- الشيخ كالطود الأشم
يطل من برك الدماء
يهل فى ثوب الإباء
سيف العقيدة فى يديه يحز أعناق الطريق
أمام من يلقى الصخور
على ضياء القبلتين
تنمو بعينيه الحقول المثمرات
أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب
والطفل ينفض عن جناحيه الموات
يصير شمسا فى نداء المصطفى الأتى
بإحدى الحسنيين
والشيخ فى سراييفو فتى
يتسلق الجبل المسافر فى منارات الفداء
ويشب فى قلب اللهيب لواء ثأر
يستوى غصنا من النار
الحياة تدب فى أوراقه
والمتأمل فى تكوين الصورة والمعادل الموضوعى الذى ساعد فى بناء أركانها يجد أن عمليات الارتباط التى قامت عليها لم تخرج عن مسار الرؤية الموضوعية، التى ربط فيها الشاعر بين الحاضر واستلهام الموروث البطولى القتالى للمسلمين، فى قوله : أنا النبى لاكذب أنا ابن عبدالمطلب، وهو نداء ألقاه الرسول صلى الله عليه وسلم فى غزوة حنين، حينما اهتزت صفوف المسلمين فى بداية المعركة، وردده العباس رضى الله عنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم،فتجمع المسلمون مرة أخرى وكانت لهم العاقبة والنصر،وتلك رؤية ومعالجة من الشاعر يحاول فيها جمع المسلمين مرة أخرى على غرار ما حدث فى غزوة " حنين"، وتلك نزعة استلهامية، موازية للحدث، وشاملة للموقف، تجمع بين دلالة التعبير، وصدق التمثيل الوجدانى، مما يجعل النص حركة ملحمية متواصلة تجمع بين السابق واللاحق .
ويقدم الشاعر صورا من النضال والجهاد معتمدا على التشخيص والجمع بين الشيخ والطفل، فى دلالة تقريبية تؤكد على شمولية التجربة وإحاطة الشاعر بعناصر الفكرة المقاومة، فى هذه المعركة، كذلك تطفوعلى محيط النص وفضاء الصورة، قوة التمثيل والتخيل وبناء المعادل النفسى الذى يجمع فى دلالته الجوانب الزمنية الإدراكية للفعل والمقاومة، والتأثير الموضوعى فى وجدان القارىء، وهنا ينتقل بالنص من وظيفته الأساسية الأولى إلى وظيفة أخرى جديدة، يعتمد فيها الشاعر على النص التراثى الموازى، فى توصيل الفكرة الجهادية كبلاغ عام يستجمع الصورة الموضوعية، ويرسل الصورة القتالية، ويقيم جسرا من التفاعل مع القارىء والمتلقى عموما .
وينتقل الشاعر من التشخيص التمثيلى النفسى الخاص،إلى التشخيص المكانى العام الذى يتناول فيه الخصوصية القتالية للمكان كرمز للحياة والنضال والاحتماء والعون من الله تعالى يقول:
هذى سراييفو تزف الى السماء
وتحتمى بالعرش
تدخل ساحة الملكوت
تقهر سطوة الرهبوت
تهدم سدة الطاغوت
ترفع فى سماء الله قصة أمة
وهبت الى القرآن كل زمانها
سكنت هويتها ذرا إيمانها
دفنت نفايات الهزائم فى ضحى أحزانها
والخيل خيل الله تركض فى صدى أشجانها
ودماؤها تغلى
وما يبست على جدرانها
رسمت على الطلل الموحد
صورة الوحش البدائى
استحال الصرب فى فكيه جنا كافرا
بالله والإنسان والكون الضئ بشمس آيات المحبة
وعلى الشوارع و النوافذ والزوايا
فى سراييفو الجماجم شكلت سحب الدماء الداكنة
شادت من الأشلاء مئذنة وقبة
هى لم تزل حبلى بماء النار
فيها تستثار أجنة الشهداء
حين مخاضها مطر الحياة يهل
يصرخ
ولعل انتقال الصورة من التشخيص المعنوى إلى تشخيص المحسوس وبعث الواقع يجعل من النص الموضوعى حركة دائبة، تفوق الحياة التى يمكن وصفها خبرا وقصة تروى، والتشبيه هو مدار النص التصويرى، وهو قصة الانفعال التى جادت بتلك الرؤية المزدوجة،رؤية الشاعر ورؤية النص، والخروج برؤية موحدة، تشير إلى قراءة الصورة من زاوية الترجمة وانعكاس الحال والواقع، على مسيرة المدينة، التى استطاع الشاعر أن يقدم لها تشخيصا وتشبيها موحدا، تجتمع فيه كل عناصر القتال الحقيقية، التى تبنى وتقود إلى الواقع والنتيجة الضمنية النفسية لتلك الواقعة ولعل قول الشاعر : " فى سراييفو الجماجم شكلت سحب الدماء الداكنة " تعبير وتشبيه وإدراك للصورة الموضوعية التى يحاول الشاعر تقريبها وتصوير الحياة القتالية من خلالها، والصورة انتقال من المحسوس الحقيقى إلى التصوير التشخيصى، الذى يجمع خصوصية المكان،ويحكى النتيجة التصويرية، والصورة تتوزع بين الإشارة الظرفية والصورة الحسية والحركة واللون والرمز، وكلها تصف وتجسد ما كان فى تلك البلاد من اجتياح وتبديل، وفى نفس الوقت تصف حال أمة تقاوم وتبنى تاريخا ونضالا وشهادة .
6- الصورة الأخيرة :
فى نص الدكتور صابر عبدالدايم " أعراس الشفق" تتشكل الصورة الأخيرة بناء على فكر ووعى الشاعر وقدرته فى تقديم النموذج النفسى الذى يقوم على توازن القوى التعبيرية النصية التى تمثلها الصورة الداخلية بكل تكويناتها،وانتقالاتها التشخيصية والتمثيلية المتدفقة حركة وحياة ، كما تقوم الصورة الأخيرة أيضا على المتخيل الحضارى الموضوعى الذى يجمع بين دلالة الفكرة، وعدم الاهتمام بالصورة التقليدية لفنية المقاومة، ومن ثم الجمع بين عدة تمثلات وحقائق هى من صميم الفعل الإيمانى المقاوم، الذى يعد مرجعية مباشرة تتلاقى عندها الصورة الخارجية بكل أبعادها وتمثلاتها المختلفة .
وتلك المعالجة الإبداعية من دلالات النص المقاوم الجديد، ومن تكوينات الشاعر المعاصر صاحب الفكر والثقافة، والقضية التى تفوق التعبير إلى مراحل أخرى من مخاطبة الوجدان والواقع، الذى ينتقل بالنص إلى مراحل من التعبير الإدراكى عكس ماكان يحدث سابقا، فى تجربة الشاعر البطولى واتجاهاته المختلفة،فأنت ترى البشارة تخرج من دلالة الفكرة، وترى النصر قرين النضال، وترى الرمز وتخيلاته المتعددة نتيجة من نتائج التجربة فى الشعر القومى المعاصر، وفى شعر الدكتور صابر عبدالدايم الذى يقول معبرا عن اللمحة الأخيرة، ومستدعيا تراثا حضاريا حقيقيا، ترى تمثيلا نفسيا يحتوى الصورة التشاركية، التى تؤكد حقيقة الفعل، وتؤكد اهمية المشاركة، ولاتقف عند حدود التعبير الأولى، وتجد توازنا إبداعيا بين الفكرة والوظيفة والنتيجة التى تحكى قصة المآذن التى مالت إلى الغرب، فى أعراس الشفق :
والوليد بحجم هذا الكون
يحمل فى اليمين شموس توحيد وميلاد العقيدة
وعلى اليسار تضوع أقمار الوجود
وتولد الدنيا الجديدة
وتعود تصهل فى سراييفو المآذن تلتقى
بالعاديات ضبحا
والموريات قدحا
وتثير نقع الفتح تشهد ضوء خيل الله صبحا
والمتامل يجد أن الموروث الدينى القرأنى كان من دواعى التذكير ليس للنص والتجربة وإنما للفعل الحركى البطولى وتداعياته على مستوى التجربة وعلى مستوى الصورة الخارجية وعلى مستوى فضاء النص التعبيرى، وكان من نتيجة ذلك قدرة الشاعر على اختراق الوهم واجتنابه فى ضوء المعادل الإيمانى الذى سار عليه النص، مما ساعد فى دفع النص مباشرة فى واقع الحقيقة التى تمتد امتدادا من الصورة القرانية ذات الحضور والانفعال ، ويظل هذا الانفعال الحضارى والفكرى البنائى، متواصلا مع القرآن ومع أحمد النبى صلى الله عليه وسلم فى أشكال تعبيرية تصويرية ذات رؤية استشرافية يستقرأ الشاعر بها الواقع والماضى ويحلق فى آفاق المستقبل، وكأن الجهاد والقتال والمقاومة والجنة والنعيم المقيم حلقات متواصلة يبدأها المسلم ثم ما تلبث أن تعود وتتكرر مرارا وتكرارا، ثم يطل أحمد من جديد، مرات ومرات يبعث العزم ويقيم النصر ويبث الجهاد قيمة وحياة وفلسفة إيمانية متجددة بتجدد الدين والحق والخير، دائما يقول الشاعر الدكتور صابر عبدالدايم:
ويطل أحمد فى يديه الآى و الذكر الحكيم
ويبث فى يبس الشرايين الإرادة
نبض آيات الجهاد
يتلو علينا سورة المجد الكليم
وعلى يديه الراية الخضراء تطعن كل شيطان رجيم
وإلى ربا الفردوس كل قوافل الشهداء
كالأشجار تصعد
لتعود بالقرآن كونا قد توحد
كل المسافات انتفاضة أمة تهوى محمد
كل الدماء حدائق
تهدى عطاياها محمد

والمتأمل فى دلالة هذه الصورة يجد أن الشاعر قد استدعاها فكرة معنى ومعادلا موضوعيا من بداية النص وبداية التكوين التصويرى ثم أنهى بها ذلك الحضور الاستشرافى المقاوم، مما يدل على فكرة التمثيل القتالى والبناء الحضارى والقدرة على بناء التجربة فى ظل الصورة التجديدية التى تستمر فى فضاء النص، وتبنى عليها المراحل التعبيرية الإبداعية التطورية .
من هنا فإن شعر المقاومة فى الإبداع الشعرى المعاصر شهد تطورا كبيرا فى اعتماده على المعادل الموضوعى الحضارى، الذى يجمع فى داخله صورا تركيبية تؤكد الفعل والحقيقة، وتقدم المنحى الفنى المتداخل الذى يرمز إلى حركة الحياة المعاصرة، والتى لن يتوقف مدها وانفعالها مادام هناك قلبا ينبض بالمقاومة، وهناك عقيدة راسخة عامرة بالحق واليقين والأمل والرجاء، وهذا ما قدمه الشاعر الدكتور صابر عبد الدايم حينما جمع بين حقيقة الفعل المقاوم، والتواصل الحضارى لرسالة المقاومة منذ فجرالدعوة الإسلامية الخالدة .
الدكتور نادر أحمد عبدالخالق
من فعاليات مؤتمر الزقازيق 2010م

د. نادر عبدالخالق
03-26-2010, 06:36 PM
القرية حاضنة المقاومة ( ملامح من شعر المقاومة د. نادر عبد الخالق )
الجزء الثانى
فعاليات مؤتمر الزقازيق مارس 2010م
وإذا انتقلنا إلى تجربة أخرى من تجارب شعر المقاومة نجد قصيدة الدكتور حسين على محمد"الحصار يليق بالشاعر" * وهى من القصائد التى يمكن أن يطلق عليها قصيدة الصورة، وقصيدة الومضة، أو الصورة القصيدة، وهى لقطة تأملية نفسية تجمع بين قوة التصوير وموضوعية التمثيل، وهى تقف فى جانب الشعر النفسى الذى يعبر عن صاحبه ويكشف عن ملامح تكوينه الإبداعى، خاصة انها من قصائده اليمنية التى قالها فى رحاب الغربة، والتى تمثل اتجاها تعبيريا خاصا يتميز به الشاعر فى رحلته الإبداعية، يقول الشاعر الدكتور حسين على محمد فيها :
في الشارعِ يقفُ السمسارْ
في النّافذةِ المُخبرُ
في الذاكرةِ بقايا النّارْ
كيْفَ تُخاطبُكَ الأشجارْ
يا رجلَ الأقدارْ
ـ أنت مجرَّدُ فرْضٍ
.. في ذاكرةِ الطينِ
وقبرُكَ محفورٌ
في الأشعارْ
صنعاء 8/11/1986
والمتأمل فى هذا النص التصويرى يقف على عدة اتجاهات فنية وموضوعية تتعلق بعملية التمثيل النفسى الداخلى للشاعر، وترتبط بدلالة التعبير وأهمية المقاومة على مستوى العلاقة التى يحاول الشاعر أن يقيم طرفاها بين النفس والذات وبين عموم الصورة الخارجية، فالعنوان يطلق حوارا نفسيا عميقا يجمع بين طرفى الصورة الكلية،الصورة الخارجية التى تتعين فى دلالة الحصار،والصورة الداخلية التى يقدمها الشاعرفى دلالته المباشرة .
فالجملة العنوانية " الحصار يليق بالشاعر" جملة خبرية مركبة من المعنى ومعنى المعنى،الذى يفرض جدلا وحوارا ذاتيا متعديا إلى أصل الفكرة والبحث عنها فى الواقع، فـ "الحصار" بمعناه المعروف هو قسرللنفس وقهرللجسد، واحتكارللفكرعندمايرتبط المعنى الدلالى بالشاعر، و"يليق" لفظ يدل على تعلق الأمر بالمسند إليه على سبيل المعاناة والتعبير ومقاومة الفكرة الداخلية والتعبير عنها ومن ثم عرض القضية القومية، التى يدور حولها المعادل الموضوعى للصورة العنوانية، بطريقة تجمع بين جدلية الواقع ودلالة التحاور لدى الشاعر .
والمقابلة بين (الحصار- والشاعر) تضفى على الصورة ملمحا توافقيا، هذا الملمح يفسره النص، وتفسره الاستعارة الداخلية التى جمعت بين أطراف الصورة الكلية فى فضاء متعدد الاتجاهات يجمع بين الفكرة الحسية والدلالة المعنوية،من هنا فإن الدلالة الخبرية التى تقوم على الوظيفة الإسنادية للفعل وحركة الصورة، هى باطن الشاعر وفلسفته فى معالجة الفكرة الإبداعية والوظيفة الاجتماعية التى تتعين فى المقاومة، مما يجعل العملية الإبداعية قرينة المقاومة فى بداياتها، وأن المقاومة هى إحدى صور الشاعر، والتى تجلت هنا فى دلالة الحصار ووظيفة المعنى .
ويصبح العنوان مفاجأة يلقى بها الشاعر فى وجه الشاعر، ويصبح كذلك إقرارا ضمنيا لوظيفة الشعر، فهو يرسم فضاء للنص المنطلق من خلال الواقع الذى يمثله الشاعر، ويطرح بعدا أخر للمقاومة، وهنا ندرك أن الحصار سمة من سمات الوظيفة الشعرية،وندرك عملية الانسجام التى يعتمد عليها التزاوج النفسى والدلالى بين النص والعنوان بصفته خبرا لمبتدأ يمكن تقديره بمعرفة ودلالة تتعلق بأهمية الإسناد .
ويقوم النص بناء على ماسبق من دلالات وإيحاءات يفسرهاالواقع ويقدمها الضمير النفسى الذى يصبح معادلا موضوعيا يحكم محاور النص بداية من الدلالة التصويرية الأولى، فالمتامل يجد أن محور الرمز المكانى ودلالة الظرفية فى حرف الجر" فى" تجعل من الدلالة المكانية سمة رمزية تسيطر على محور الصورة الأولى فى النص، يقول الشاعر الدكتور حسين على محمد:
في الشارعِ يقفُ السمسارْ
في النّافذةِ المُخبرُ
في الذاكرةِ بقايا النّارْ
هذه الصورة التفسيرية للفعل المقاوم المضمر فى وجدان الشاعر تطرح فكرة المقاومة من اتجاهات عديدة أهمها الاتجاه النفسى، والاتجاه الاجتماعى، والاتجاه السياسى التاريخى لمقاومة المقاومة وانتقالها من دلالتها الحسية المباشرة إلى دلالتها المعنوية الرمزية، ووقوفها عند هذا الحد من التعبير، والمتأمل يجد أن التوظيف المكانى انحصر فى ( الشارع والنافذة والذاكرة) وهذه الأماكن أسندت مجازيا إلى ( السمسار والمخبر والنار) وهى رموز ودرجات من التعبير والمقاومة تتعلق بالنفس وتتعلق بقصة المقاومة فى وجدان الشاعر، وترتبط بفكرة الحصار التى انطلق منها فى بداية النص المصغر فى العنوان، والملاحظ أن التشبيه يقوم بوظيفة نفسية ضمنية تتوافق مع نزعة الشاعر، وتمثل مرجعية وحالة من التعبير الذى يشرح المقاومة بداية ونهاية .
ويقدم الاستفهام وظيفة توضيحية للمعادل الموضوعى الذى قامت عليه الصورة الأولى ، وهوهنا يرتبط بالشخصية وفاعل المقاومة الذى ينحصر فى دلالة الشاعر كوظيفة وتعبير، يقول الشاعر الدكتور حسين على محمد :
كيْفَ تُخاطبُكَ الأشجارْ
يا رجلَ الأقدارْ
ـ أنت مجرَّدُ فرْضٍ
.. في ذاكرةِ الطينِ
وقبرُكَ محفورٌ
في الأشعارْ
والاستفهام متعلق بالشاعرومرتبط بمحرك المقاومة والنداء يخصص الرمز ويطمح لبناء فرضية انتفاء الجدوى من الفعل المقاوم، مقابل ذاكرة الطين والقبر المحفور فى دلالة الأشعار، والشاعر هنا ينقلب على ذاته فيحاورها من خلال الاستفهام،ويقيم جدلا داخليا بين الرغبة فى المقاومة والأمل فى تحقيقها، وبين المصير النفسى الذى يسيطر على ضمير الفكرة، والصورة هنا ترتبط بوضوح النزعة الداخلية التى يحاول الشاعر تقديمها وبناء جسرٍ من الرهبة والرغبة والحلم مقابل المصير وتشير الصورة الداخلية فى المحيط النصى إلى أن الشاعر يعتمد على الدلالة الاسمية ذات الثبات الداخلى وذات الشعور النفسى المتوافق مع طبيعة الحصار، فالثبات على تلك الحالة سمة من سمات التعبير، ودلالة من دلالات التوافق الداخلى مع صور النص الكلية .
وفى قصيدة الشاعر رضا عطية " فصول من الاستسلام والمقاومة " تموت الكلمات وتصبح المقاومة حلما بعيد المنال يقول الشاعر فى قصيدته التى تحمل اسم الديوان:
1- مادامت الكلمات قد ماتت على شفاهنا
وصمتنا الكسيح خبز جبننا
وحلمنا "ذرته ريح صرصر عاتية"
وصارت شمش تجلدنا سياط الطاغية
فلتنتظر ياصاحبى أن تسقط الداهية
2- كنا قديما نكره التتار
ونرفض الحصار
لأننا كنا كبار
واليوم نعشق التتار
ونقبل الحصار
لأننا ...!!
3- قد أوهمونا أننا وحوش
وأن غضبة لنا تفتت الجيوش
وحينما أفقت من غيبوبتى
عرفت أننا – ياحسرتا – (4)
وتبلغ مقاطع هذه القصيدة سبعة مقاطع من التصوير الشعرى المتدرج الذى يحكى قصة المقاومة ويحكى حركتها فى العصر الحديث، مقابل صمودها قديما، وتأتى أهمية هذا النص من كونه مفتتح الديوان والصورة الأولى التى تقدم لمفهوم الفعل المقاوم، ومن الناحية الموضوعية فإن الصورة الحركية فى النص تسير وفق تسلسل درامى يقدم الفكرة ويشير إلى الحدث، وينتقل الشاعر من لوحة إلى أخرى فى رشاقة وانسيابية معتمدا على الحكى وحوارات النص الداخلية التى تقوم بناء على معطيات الواقع والصورة الخارجية .
والمتأمل فى جدلية العنوان يجد أن النص يحتوى على محاور تصويرية تتشكل منها الصورة الكلية، بداية من التركيب اللغوى والدلالى لحركة المبتدأ والخبر ودلالة الإضافة ، ولعل التقابل بين (الاستسلام والمقاومة) يقف على كثير من علاقات النص التى توضح كثيرا من الفكرة الرئيسية التى يتشكل منها الموضوع، والملاحظ أن الصورة الكلية هى صورة النقد الموضوعى العام الذى يقف عند حدود الظاهرة من الخارج ولايتغلغل فى ثنايا الفكرة، مما جعل الصورة فى عمومها صورة كلية مباشرة، وهذا يجعل من الدلالة التعبيرية فى نص " فصول من الاستسلام والمقاومة" هى دلالة العرض والتنبيه لمقتضيات السلبية فى الفعل المقاوم، وانسحابها على الشخصية العامة .
والمتامل فى دلالة الاستعارة فى التراكيب الأولى للصورة الافتتاحية يجد أن الشاعر يغوص فى أعماق بعيدة من الرمز ومن التوظيف الدلالى الذى يطوى العديد من القضايا والأفكار من ذلك " موت الكلمات " وصمتنا الكسيح" وحلمنا " وتجلدنا" وهى صور فى ذاتها تتضمن إسنادا مباشرا، وتعكس انحرافا توظيفيا يكشف عن قدرة فى التعبير وفى صوغ الأفكار واستخلاص العلاقات التى تساعد فى بناء الصورة الكلية .
ويتواصل المد التعبيرى للشاعر فى نسج الصورة الكلية التى تقف فى مقدمة النص والحقيقة وتكشف عن ملامح النفس فى العصر الحديث مقارنة بالشخصية الماضية التى قامت عليها البطولات، والشاعر يلخص الموقف تلخيصا حسيا معتمدا على دلالة التعبير الوجدانى النفسى فيقول:
كنا قديما نكره التتار
ونرفض الحصار
لأننا كنا كبار
واليوم نعشق التتار
ونقبل الحصار
لأننا ...!!
والمتأمل فى الدلالة الزمنية للصورة يجد أن الزمن الماضى هو مفتتح الصورة والزمن المضارع هو نهاية الصورة، ومن بين المفتتح والدلالة النهائية الزمنية، نقف على أهمية الواقع النفسى القائم على جدلية الكره والحب والعاطفة، وهذا يفتح أمام النص مساحات واسعة من التأويل والإدراك لمعطيات الحقيقة، التى تترجم تدنى الفعل المقاوم، وتراجع الفكرة القومية، والصورة فى عمومها هى صورة النقد الاجتماعى الذى يقدم القضية ويطرح الفكرة بطريق الصورة الكلية.
وفى المقطع الأخير تتضح الدلالة التى هى أصل الفكرة وأصل التفسير النفسى لحركة التوجيه البطولى فى العصر الراهن وتبدو العلاقة مشتركة بين الشخصية المتراجعة، وبين الدلالة الخارجية البعيدة التى كانت من عوامل التخاذل الفكرى والوطنى، وقد تعينت الدلالة فى الاستعارات التى تصف الفعل والحركة من ذلك الفعل " أوهمونا " والنتيجة "غيبوبتى" ومقتضياتها المتلعقة بالحسرة، والملاحظ ان التمثيل النفسى الذى قدمه الشاعر انصب على حركة الفعل الخارجى، وتعلق بعملية المد المتوارثة، مما يؤكد على أن الشاعر رضا عطية من شعراء البناء التصويرى الخارجى الذى يقدم النتيجة والحركة والدلالة والعلاقة دون أن يقوم ببناء الصورة الجزئية .
وفى قصيدة الشاعر محمد سليم الدسوقى " شال القطيفة والبندقية" والتى تحمل اسم الديوان الذى تعين فى المقاومة وبلغت قصائده نحو عشرين لوحة تصويرية، تترجم حياة البطولة والفداء فى العصر الحديث، وتأخذ من فلسطين منارا ومعبرا للتمثيل النفسى والبطولى، نجد أن الشاعر يقف على ملامح من التصوير والتمثيل المتنامى للفعل والحركة،ويجعل من اللوحة المشاهدة مباشرة قصة درامية شعرية تتنامى أطرافها، وتتفاعل حركاتها الداخلية مما يجعلها صورة مزدوجة تشمل المتخيل التمثيلى، وتقف على حقيقة الواقع الذى يعد معادلا نفسيا للشاعر والنص، ومن يتأمل الدلالة الموضوعية للعنوان يجد بساطة فى التركيب ودقة فى التصوير، وطرافة فى المعنى، مما يؤكد على فعالية اللقطة وحركة الثبات حينما يتحول من الجمود إلى التغير والتبدل والتلون من هيئة وصفة ووظيفة إلى أخرى، تجعله يفقد خصوصيته ويصير فعلا بطريق المشاهدة التى تحققت بفضل براعة الشاعر فى الالتقاط، ومن يتأمل دلالة "الشال" ووظيفته ومجاورته للصورة الرمزية الفدائية " البندقية" وخصوصية الوصف فى كلمة " القطيفة" التى نعتته بالأنوثة، يدرك اتجاه البطولة والفداء وتعيين المقاومة بداية فى فلسطين عامة، وفى إحدى فتياتها خاصة، ومن يتأمل كذلك الدلالة البنائية النحوية للتصوير النفسى العنوانى وتراكيبه يدرك أن الدلالة الاسمية هى المسيطرة على فضاء النص المصغر، وذلك تفسير للعلاقة التى يتشكل منها التوجيه البطولى الذى يريد الشاعر أن يبثه فى نفوسنا جميعا، وهو حالة الثبات الفدائى لحركة المقاومة فى أرض فلسطين، وحالة العطف والجمع بين دلالات لاتشترك فى صفة إدراكية حسية واحدة، تأول الوظيفة الخاصة بـ البندقية" فى جانب الوظيفة المتعلقة بحقيقة " الشال"، فالأولى وظيفتها الدفاع والمقاومة، والثانية وظيفتها الحجاب والاستتار وطلب العفة، وغير خاف ما بين الوظيفتين من تلاق واتفاق فى المعنى، رغم تباعد الوظيفة الخارجية الحقيقية.
وهذا التأويل يجعل من العلاقة الاستعارية التى تتعين فى الصورة العنوانية وظيفة واستدعاء، الوظيفة تدرك بواسطة الجمع بين المتناقضات فى التصوير والتلميح المتتعدد الاتجاهات اللونية والبصرية والحسية والمعنوية، والاستدعاء يتعين فى الدهشة والتعجب من بناء هذه الأفكار والملامح فى صعيد واحد، يتحول من صفته الأصلية المعنوية إلى الصفات الحسية المدركة بواسطة الفعل البطولى والنداء الباطنى فى محور الصورة، والذى يتحول إلى صرخة ومراقبة للفعل وحركة التخيل النفسى التى تقدمها اللقطة التصويرية .
.ويمكن القول أن الصورة لدى الشاعر محمد سليم الدسوقى تبدأ من بناء واستدعاء الجزئيات الدقيقة التى تتحول من خصوصيتها إلى عملية التآزر والتلاحم وتكوين الصورة الكلية التى تأتى نتيجة حتمية، لدلالة الصورة الأولى الجزئية، وهذا يفسر كثيرا من حالة المراقبة والمعاينة التى يتمتع بها الشاعر، وتجعله يلتقط المشهد التصويرى التقاطا، ثم ما يلبث أن يتحول إلى لوحة كلية وملحمة إبداعية، تتدفق شعرا عذبا رقراقا يحتوى القضية والفكرة، ويشير إلى التجربة وعلاقاتها النفسية والإنسانية .
يقول الشاعر فى الصورة الافتتاحية :
تمور على شفتيك الهوية
ويستشهد السحر ...
والعطر...
والبحر ...
والدهر ..
والريح ، والروح ، والأمنيات
وتبقى هنا ...
عندنا ...
فوقنا ...
بيننا الذكريات
وشدو القضية
يامجدلية
الصورة الافتتاحية :
إن الصورة الفنية الافتتاحية فى النص تقف على ملامح من التكوين النفسى الحسى والمعنوى، وتقدم جانبا من التمثيل الإدراكى للشاعر والقضية، فنرى الشاعر يندمج فى ذات النص، ونرى الصورة تتقاذفها بناءات من الرؤية الموضوعية والفكرية التى تقف على أطراف اللمحة التعبيرية فى محيط النص وفضائه، ولاتبعد عن أصل الصورة ومصدر التكوين النفسى والموضوعى لها، فالفعل "تمور " وتستشهد" وتبقى" من سمات الاستشراف بالصورة والبناء بالمتخيل النفسى، حيث تتماهى وتتماوج هذه المدركات أمام البطولة والرغبة فى الفداء، ومن يقف على حقيقة الإسناد لهذه الأفعال كزمن متعدى إلى مابعد الواقع يجد أن متعلقات الفعل، تكشف عن انحراف موضوعى وفنى فى التوظيف، هذا الانحراف يؤكد عملية التمثيل التى يقدمها الشاعر، ويؤكد حقيقة الاعتماد على المصدر التأويلى للصورة وأوصافها الحسية والمعنوية المتماثلة فى الذهن، والتى تتوافق مع عطاء الواقع وتنسجم مع رؤية الواقع، فمثلا: تتعلق الهوية وتماوجها وتكافؤها باستعارة الدلالة الوظيفية للمتخيل التصويرى الذى تتصدره دلالة الشفاه،وكذلك : السحر ...والعطر... والبحر ... والدهر .. والريح ، والروح ، والأمنيات ... ، وكلها علاقات وأفكار ودلالات لاتتفق مع أصل الفعل "يستشهد" وإنما تقدم جانبا رمزيا لحركة الصورة واعتمادها المباشرة، وتوصيفها توصيفا أنثويا يجسد المعادل الموضوعى والنفسى فى النص ويحيله إلى ذات العنوان" شال القطيفة والبندقية"، وكذلك الفعل " تبقى" بإسقاطاته الزمنية والتاريخية حين يرتبط بحقيقة المجدلية كرمز تتوزعه الدلالات والعلاقات دون أن يتعين فى حركة نفسية واحدة، وما يهمنا هو تطابق الوصف والرمز والدلالة المعنوية فى المعنى الفدائى والمعنى البطولى، وتلك إشارة إلى دلالة المقاومة وانتسابها إلى القرية الفلسطينية والشخصية التى تتواصل عطاءاتها منذ عهد المجدلية .
الصورة الموضوعية :
فى الصورة الموضوعية تتواصل عمليات البناء النفسى والبطولى للصورة الجزئية التى تؤدى دورا تكامليا فى بناء الصورة الكلية،وفى تقديم الجانب البطولى التاريخى للمكان والشخصية، والشاعر فى هذه الصورة يقف على مصدرية الفعل البطولى، دون أن يفقد حقيقة الدافع التعبيرى، ودون أن يفقد الشحن النفسى والمعنوى للقضية، وتداعياتها الموضوعية والنفسية والأخلاقية،وهو فى كل ذلك يستحضر الرمز والبطولة والتاريخ فى رمزية "المجدلية" يقول الشاعرمحمد سليم الدسوقى:
صبوت ...
وصبوك عندى مضاء...
وفاء ..
قضاء..
رضاب ..
خضاب ..
تأجل موسمه للحصاد الذى
قد يجىء بعيد اجتثاث سموم الأفاعى ...
صراعى ...
قراعى ..
طهارة كفى ، وصفى ..
وطاغوت حلم الأفاعى الخطية
يا مجدلية
ويقول :
تموء السنابل فى راحتيك
تموت السنابل
وتعطى البيادر أنداءها
فلها
دلها
قعقعات المناجل ، أحضانها
دفء ها
دماء الحصاد على ربعها ...
نهود القنابل
فى القادسية ...
وفى الباحة السندسية يامجدلية
ويقول :
وتبقى العصافير فوق
العشاش
العطاش
تودع أفياءها، والرياش
تقبل شالك ...
بالك ..
أغنية للصباح...
الوشاح ..
وتحضن أشياءك اليعربية
يامجدلية
إن المشهد التصويرى للصورة الموضوعية يقف على حقيقة العملية الفدائية، ويقف على تقديم الجانب الاستشهادى بحقيقته الرمزية، ودلالته التراثية،والصورة تقوم على الصراخ والندب وتعتمد على استلهام الماضى فى صورة الحاضر وكان هناك تقابلا بين الدلالات رغم اتحادها واتصافها ، بحقيقة تعبيرية واحدة، وهنا تبرز الثقافة الشخصية للفعل الحركى التصويرى، وللحقيقة التى يمثلها الشاعرفى قصيدته، فمن يتأمل الصور التالية: وفاء .. قضاء.. رضاب ..خضاب .. صراعى ...قراعى .. طهارة كفى ، وصفى ..،يدرك اهتمام الشاعر بالتخيل التراثى واعتماده عليه فى بناء الصورة الحداثية، ولولا وجود الضمير الشخصى الذى أعطى النص والصورة حضورا فعليا، لكان الإسقاط التمثيلى أكثر سيطرة على دوافع الصورة، والصور الأخرى التى تعكس حقيقة الفكرة الموضوعية، تؤكد ذلك وتؤكد عملية الاندماج التى قادها الشاعر فى النص من ذلك : تموء السنابل فى راحتيك، .. تموت..، فلها ..دلها.. قعقعات المناجل ،.. أحضانها..دفء ها.. دماء الحصاد على ربعها ...نهود القنابل.. فى القادسية ...، هذه الصور والتراكيب تفتح أمام النص متخيلا نفسيا وبعدا فكريا يجمع بين ثقافة الشاعر وصراع الواقع واستقدام التاريخ والتراث البطولى،وفى نفس الوقت يعكس لمحات من التوظيف الفنى للتشبيه والاستعارة، كحقائق تتعين منها اهمية المتخيل التمثيلى الذى يحاول الشاعر تقديمه، ومن ثم بناء العلاقات الموضوعية التى تتم من خلالها رسالة النص ورسالة الشاعر.
ويعتمد الشاعر فى نهاية المقطع التصويرى على ترديد الصوت الداخلى كنداء وحالة من التعبير والتوصيف،للرمز والعملية التوظيفية التى استند إليها فى استدعاء المجدلية، التى تشير إلى عدة رموز اعتبارية منها العقل والحكمة والصبر والنضال والجهاد، كل ذلك رغم اختلاف الواقع واختلاف الحال، وإن كان هناك تقارب فهو تقارب نفسى ومكانى، حاول الشاعر التنبيه إليه،وحاول بعثه من جديد فى ضمير الرمز الذى تمثله المجدلية .
الصورة النهائية:
الصورة النهائية فى نص "شال القطيفة والبندقية" لاتنفصل عن موضوع النص والصورة الكلية والعنوان، فهى ممتدة تزخر بالعديد من المواقف والدلالات التى تؤكد حقيقة الفكرة التى بدأها الشاعر وعمل على تأكيدها، وهى بناء الصورة الواقعية اعتمادا على المتخيل التراثى والتاريخى الذى يتوافق مع منطق النص ودلالات الصورة والفكرة،يقول الشاعر محمد سليم الدسوقى:
وذات النطاقين
تخطر فى سحجات الأهلة
وتعطى المصابيح ذوب الضياء...
الرواء
أذان العشاء ...
نداء قباء ..
تهلل للفجر ذاك الوشيك
انتصار المليك
فلول المغول ...
نداء الأبلة
عطاء اشتهاءات طرحتك المخملية
يامجدلية ...
ويامجدلية ...
ويامجد ( ليه ) (6)
مابين الدلالة الأولى للصورة ( ذات النطاقين) والدلالة الأخيرة ( يامجدلية.. – ويامجدليه) تتعين شخصية الشاعر المقاوم وتبدو أهمية الانفعال ودقة التجربة وأهمية الإسقاط والتمثيل الوجدانى والنفسى فى حياة الأمة التى يعبر عنها جهادا وألما ونضالا، بداية من ذات النطاقين، (أسماء بنت أبى بكر الصديق، وأخت عائشة أم المؤمنين وزوج الزبير بن العوام حوارى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته وأم الفارس المغوار عبدالله بن الزبير) ورمزيتها العميقة وارتباطهابالجهاد والمقاومة منذ فجر الدعوة، وقصة الغار ودورها البطولى فيها ليس ببعيد عن وجداننا ،وكذلك انتهاء الصورة بالتوافق الضمنى النفسى لاستدعاء المجدلية كرمز مساو لذات النطاقين فى المقاومة وفعل الجهاد الدينى والإنسانى والنفسى، ولعل استدعاء الرمز الساكن فى ذات النطاقين يفسر كثيرا من دلالات العنوان" شال القطيفة والبندقية" والتقابل بين النطاق والتمنطق والشال كوظيفة وحركة ومقاومة ورمز حاول الشاعر أن يقيم من خلاله مواءمة نفسية، وتواصلا تصويريا، يجمع فيه بين الجهاد فى أول الدعوة والجهاد فى تاريخ مريم المجدلية، والجهاد فى العصر الحاضر بواسطة صاحبة الشال التى تتمنطق بالبندقية والشال،وأعتقد ان الشاعر وفق كثيرا فى دمج الصورة الأخيرة مع ماقبلها بواسطة الرمز والمعادل الموضوعى،الذى تعين فى الجهاد، وتعين فى الشخصية النسائية، وحركة المقاومة فى العصر الحديث .
ولايفوتنا ان نشير إلى دلالة النداء وتوظيف البعد التشاركى الذى يعبر عن الشاعر ويعبر عن قدرته فى توظيف الصوت والصورة معا كحالة من التوصيف لواقع الحياة، حيث يجمع الشاعر فى الدلالة الأخيرة بين آماله وتطلعاته وبين المعادل الجهادى المستقر فى المجدلية، وذلك بواسطة الطباق بين اللفظين مجدلية ومجد (ليه)، وتلك نزعة نفسية حرص الشاعر على توظيفها فى ختام النص، بحثا عن التطابق بين النص ورموزه وبين أصالته فى التعبير .
وبعد فتلك إطلالة على ملامح من شعر المقاومة والتعبير النفسى البطولى المعاصر الذى يمثله شعراء الشرقية وغيرهم من شعراء العربية فى تلك الحقبة العصيبة التى تمر بها الأمة الإسلامية والعربية، نأمل أن تمر سريعا وان تعود فلسطين ويتحرر الأقصى وتعلو كلمة الحق وتنهض الأمة من جديد، وقد حاولت جاهدا أن أدخل إلى عالم النص الأدبى من منظور الصورة المتحركة التى تتعدد اتجاهاتها وتتباين تفريعاتها حسب مقتضيات التعبير الأدبى،فكانت هناك الصورة التى تتمحور فى النص المصغر العنوان، وكانت هناك الصورة الافتتاحية، والصورة الموضوعية والصورة الأخيرة، ولعل من المفيد للنص والتحليل أن يكون هناك رابطٌ يجمع بين دلالات هذه الصور، ويكون هناك قاسما مشتركا بين أجزاء الصورة والنص،حتى يمكن الخروج بنتائج موضوعية ونفسية من فكرة النص وفكرة الترابط بين أجزاء الصورة، كذلك هناك ضرورة لأهميةالوقوف على شخصية الشاعر وثقافته ودوره فى بناء الفكرة والصورة واستدعاء الرمز الأدبى دون تعدد للفكرة الواحدة، واعتقد ان قصيدة الدكتور صابر عبدالدايم قد قدمت رؤية توظيفية منتظمة جمع فيها الشاعر بين دلالة الموروث واستلهام الرمز وبعث الواقع من خلال تلك العملية المزدوجة، وكذلك نص الدكتور حسين على محمد وانطلاقه من نزعة نفسية تأملية مدركة ذات توصيف موضوعى وحركى داخلى ، ولم يبعد نص الشاعر رضا عطية عن تلك الدلالة التى تقيم الصورة وتستدعيها فى عمومها الخارجى محاولا بث العديد من الرؤى والأفكار التى يمكن ان تفسر الواقع، وفى نص الشاعر الكبير محمد سليم الدسوقى تبدو عملية الإسقاط والتمثيل والاستدعاء هى المعادل الموضوعى للنص والفكرة، وتبدو براعة الالتقاط والتصوير والتوظيف هى وسيلة الشاعر فى بناء الحكاية الشعرية




الهوامش :
1) ديوان مدائن الفجر الدكتور صابر عبدالدايم صـ 10 .رابطة الأدب الإسلامى العالمية مكتبة العبيكان 2005.
2)مختار الصحاح مادة عرس .
3)مختار الصحاح مادة شفق .
4)انفتاح النص الروائى سعيد يقطين صـ 32 .
* قصيدة الحصار يليق بالشاعر للدكتور حسين على محمد أرسلت لى بواسطة البريد الأليكترونى من الشاعر شخصيا
5)ديوان فصول من الاستسلام والمقاومة رضا عطية صـ 9.سلسلة خيول أدبية بدون تاريخ .
6) ديوان شال القطيفة والبندقية محمد سليم الدسوقى صـ 34 أصوات معاصرة إبريل 1980.
الدكتور
نادرأحمد عبدالخالق
مؤتمر الزقازيق
2010 م