د.حمزة رستناوي
03-18-2010, 01:22 AM
النص الشعري الفعَّال
حمزة رستناوي
أولا ً : ما المقصود بالنص الشعري الفعَّال؟
للإجابة على هذا السؤال:
1- هو النص الشعري الفعال عبر الزمن" المعمِّر"
أي النص الشعري الذي يعمِّر طويلا ً , فهناك نصوص شعرية قيلت منذ ما يزيد عن ألف عام و ما زالت متداولة على الألسن و بين الدارسين كقصائد المعلقات , و بعض شعر أبو نواس و أبو تمام و جرير على سبيل المثال
2- هو النص الشعري الفعال عبر مساحة التلقي"الشعبي"
أي النص الشعري الذي يحظى بشريحة تلقي واسعة نسبيا ً, كبعض أبيات أو قصائد للمتنبي و نزار قباني و مظفر النواب على سبيل المثال
3-هو النص الشعري الفعال في نصوص شعرية أخرى , أو النص الذي يشكل حافزا ً لكتابة نصوص شعرية أخرى , كالمعارضات الشعرية أو تشطير بعض الأبيات الشعرية مثلا ً
و يمكن أن نذكر مثال على ذلك قصيدة كعب بن زهير حينما خلع عليه النبي بردته و التي مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ
متيم أثرها لم يفد مكبولُ
و فعاليتها في قصيدة البوصيري : "البردة" التي مطلعها:
أمن تذكر جيران بذي سلم ِ
مزجت دمعا ً جرى من مقلة بدم ِ
و فعاليتها في قصيدة شوقي "نهج البردة"
ريم على القاع بين البان و العلم ِ
أحل سفك دمي في الأشهر الحرم ِ
فقصيدة البوصيري عارضها أكثر من مئة شاعر و شاعر و إن اشتهرت قصيدة شوقي .
و نذكر من النصوص الشعرية الفعالة في نصوص أخرى, نصوص محمود درويش التي نجد تضمينات كثيرة منها و تأثيرها في قصائد أجيال شعراء الحداثة اللاحقين
4- هو النص الشعري الفعال في نصوص نقدية
أي النص الذي يحظى بالدراسة و الاهتمام من قبل المشتغلين بعلوم اللغة و النقد
كقصيدة أنشودة المطر و حفار القبور للسياب , و تائية ابن الفارض, و قصيدة المواكب لجبران, و غيرها
5- هو النص الشعري الفعال في نصوص تنتمي لثقافات أخرى, أي النص الشعري المهاجر بين الثقافات كقصيدة الأرض اليباب ل: ت س اليوت , و رباعيات عمر الخيام.
و لربما كانت النصوص الشعرية العربية أقل فعالية من النصوص الشعرية الانكليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الفارسية
و ذلك لضعف حركة الترجمة من العربية و تدني الفعالية الحضارية للعرب في العصور الحديثة .
إذا ً:
النص الشعري الفعال هو النص النجم المشهور الذي يمارس فعاليته في الحياة الثقافية للجماعة
و ليس بالضرورة أن يكون النص الشعري الفعال هو النص الجيد. فقد يكون النص الفعال نصا ً جيدا ً أو نصا ً رديئا ً من وجهة نظر فنية جمالية.
فمثال للفعال الجيد هذا البيت لجبران خليل جبران:
فالأرض خمارة و الدهر صاحبها
و ليس يرضى بها غير الألى سكروا
و كمثال للفعال الرديء هذا البيت للمتنبي:
لا تشتري العبد إلا و العصا معه
إن العبيد لأنجاس ٌ مناكيد ُ
ثانيا ً:لماذا كان هذا النص الشعري فعال ٌ دون غيره من النصوص؟
إن النص الشعري الفعَّال يستجيب لحاجة نفسية شعورية عند الإنسان المتلقي, و الذي بدوره يعبِّر عن هذه الفعالية,
فالشعر وليد الغريزة , غريزة التلقي و المشاركة الوجدانية و المواساة الإنسانية و لذلك كانت النصوص الشعرية الفعالة – على الأقل في مجال الثقافة العربية – هي نصوص ذاتية تتحتوي على قدر كبير من الرومانسية و التماهي مع التجربة الإنسانية المتشابهة /المختلفة بين البشر , فالإنسان الذي يعتز بنفسه و عشيرته و قومه في لحظات تعرضه و تعرضهم للخطر و للاعتداء سوف تكون نصوص المتنبي و عمر بن كلثوم نصوص فعالة لديه يستخدمها في حديثه
ألا لا يجهلن أحد ٌ علينا فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا
و الإنسان العاشق الذي يعيش تجربة عاطفية سوف تكون نصوص جميل بثينة و نزار قباني و مجنون ليلى فعاله لديه كما في هذين البيتين لقيس بن الملوح:
أراني إذا صليت يممت ُ نحوها
بوجهي و إن كان المصلى ورائيا
و ما بيَ إشراكٌ و لكن حبنا
عظيم الجوى أعيا الطبيب المداويا
فالفعالية وليدة حاجة نفسية تتوافق مع قابلية التلقي الخاصة بمزاج الفرد و الجماعة
فرجال الدين لديهم نصوص شعرية فعالة لديهم يستخدمونها في خطبهم و تراها مبثوثة في كتبهم
كقول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ
و كل نعيم لا محالة زائل ُ
و المقاتلون لديهم نصوص شعرية فعالة لديهم تفيد الشجاعة و التحريض
كالشطر الأول من بيت للمتنبي:
أعز مكان في الدنا سرج سابح ٍ
و خير جليس في الأنام كتاب ُ
و المثقفون لديهم نصوص فعالة لديهم تركز على الحرية و العلم و التغيير الاجتماعي و غيره؟
و الإنسان المتشائم يحظى بأبيات شعرية فعالة خاصة به مثل قول المعري:
غير مجد في ملتي و اعتقاديْ
نوح ُ باك ٍ ولا ترنم شاد ِ
يختلف عن النصوص الشعرية الفعالة عند المتفائلين كقول الشاعر:
قال السماء كئيبة و تجهما قلت ابتسم : يكفي التجهم في السما
كن بلسما ً إن صار دهرك أرقم و حلاوة إن صار غيرك علقما
و العاشق الفاشل كذلك لديه أبيات فعالة خاصة به تختلف عن العاشق الناجح ...الخ
فالنص الفعال ليس نصا ً فعالا ً على الإطلاق, و لكنه نص ٌ فعال ٌ في حقل معين و شريحة معينة
ثالثا ً: كيف أصبح هذا النص الشعري نصا ً فعالا ً؟
الفعالية وليدة صيرورة تاريخية احتمالية نسبية حركية
فقد يولد النص الشعري فعالا ً في حال توفرت عوامل متعددة تيسِّر فعاليته عند لحظة التلقي الأولى, كأن يصدر هذا النص عن شاعر نجم و مشهور فهذا بحد ذاته عامل مهم و منه أن يقول لكَ أحدهم : اسمع أو اقرأ هذه القصيدة
لأدونيس...... أو نزار قباني ...الخ
أو أن يقال هذا النص الشعري في مواقف أو لحظات تاريخية حاسمة :
كقصيدة صفي الدين الحلي عند سقوط القدس بيد الصليبيين التي مطلعها:
سلي الرماح العوالي عن مغانينا
و استشهدي البيض هل خاب الرجا فينا
بيض صنائعنا خضر مرابعنا
سود مواقعنا حمر مواضينا
أو كرثاء أحمد شوقي لعمر المختار عقب إعدامه التي يقول فيها :
ركزوا رفاتك في الرمال لواء
يستنهض الوادي صباح مساء.
و كذلك قصيدة ابن زريق البغدادي التي مطلعها :
لا تعذليه ِ فإن العذلَ يولعه ُ
قد قلت ِ حقا ً و لكن ليس يسمعه ُ
و قصته المحزنة مع ابنة عمه التي عشقها, و كان في فاقة, فهجر بغداد في طلب الرزق و توجه للأندلس قاصدا ً أميرها فمدحه بقصيدة لم يحصل منه إلا على عطاء قليل , فأكل الندم قلب ابن زريق على مفارقته ابنة عمه بدون طائل, فاعتل و مات , و عندما تفقدوه في ذات صباح في الخان الذي نزل فيه وجدوه ميتا , ً و تحت وسادته قصيدته المشهورة هذه, و التي أصبح كثير من أبياتها أمثالا ً سائرة منها :
أعطيتُ ملكا ً فلم أحسنْ سياسته ُ
و كلُّ منْ لا يسوسُ المُلكَ يخلعهُ
بغض النظر عن صحة هذه القصيدة و توثيقها ,لو جردنا قصيدة ابن زريق عن مناسبتها و سياقها لفقدت الكثير الكثير من فعاليتها كنص شعري ما زال يتردد على ألسن الناس و دارسي الأدب بعد ألف عام على قوله؟؟
و كذلك يصبح النص الشعري نصا ً فعالا ً, عند وجود ايديلوجيات و فئويات تتقاطع مصالحها المادية و المعنوية مع مصالح النص الشعري المقصود و خاصة عندما تعيش هذه الايديلوجيات فترة ازدهار و فوران
ففي مرحلة المد الايديلوجي في الخمسينات و الستينات و تنامي المد القومي و اليساري كانت كل ايديلوجيا تسوق لشعراء معينين و تتبناهم, و تطلق عليهم ألقاب من مثل : شاعر الحزب, أو شاعر الثورة, أو شاعر البروليتاريا أو شاعر..... و قد لا ترتبط مصالح النصوص المفعَّلة بايديلوجيات و أحزاب و لوبيات سياسية, بل قد تكون محصلة تقاطع مصالح لتأملات ووجهة نظر معينة للوجود و الحياة
فمن يؤمن بوحدة الوجود و وحدة الأديان
سوف يكون هذا البيت الشعري لابن عربي فعال لدية و مؤثر
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركائبه فالحب ديني و إيماني
و الفعالية كما ذكرت هي طريقة تشكل احتمالية كان من الممكن أن تكون أقل فعالية أو عديمة الفعالية, حيث يمكن البرهنة على وجود نصوص شعرية لم تصل إلينا , و هي جيدة لعدم توفر راو ٍ جيد للشاعر يزيد من احتمالية فعاليتها
أو توفر وسائل إعلام تروج للشاعر تزيد من احتمالية فعاليته نصوصه الشعرية , وهنا يمكن مناقشة ظاهرة الشاعر النجم أو النص الشعري النجم؟
فقد يكون نص شعري مشغول عليه ترويجيا و تسويقيا مع قليل من الفعالية بمعنى الشعبية و الاستمرارية
و قد يكون نص شعري مشغول عليه ترويجيا و تسويقيا ً مع كثير من الفعالية
و تزداد احتمالية وجود النص الشعري الفعال عند تداوله و تصديقه من قبل السلطات السياسية و الثقافية السائدة كأن يوضع مقررا دراسيا, أو يكون مهمَّشا ً قسريا
فالمقررات الدراسية قادرة على تحويل نصوص خاملة إلى نصوص فعالة و لو إلى حين.
و تزداد احتمالية وجود النص الشعري الفعال عند تحويله إلى صيغ فنية أخرى كقصيدة مغناة" قصائد نزار قباني التي غناها عبد الحليم و نجاة و ماجدة الرومي و كاظم الساهر", أو فيديو كليب, أو تسجيل صوتي كاسيت متوافر" قصائد مظفر النواب و محمود درويش و عمر الفرا", أو تضمينه في مسلسل تاريخي: كبعض قصائد المهلهل عقب عرض مسلسل الزير سالم واسع الشعبية و كذلك بعض قصائد شوقي بعد عرض مسلسل مصري يؤرخ لحياته منذ سنوات ...الخ
كما ذكرت فالفعالية وليدة صيرورة تاريخية نسبية
فنصوص شعرية فعالة مقارنة بنصوص أخرى و أقل فعالية من نصوص أخرى
و في نتاج الشاعر الواحد أو القصيدة الواحدة يمكن الإشارة إلى أبيات شعرية أكثر فعالية نسبيا ً
فأبيات مطالع القصائد أكثر فعالية عادة
و الأبيات سهلة الفهم متدفقة الوجدان أكثر فعالية, و الأبيات الأكثر غنائية أكثر فعالية من غيرها
فالفعالية قضية نسبية
و مختلفة بين شخص و آخر
و ضمن شريحة المثقفين هناك أبيات و نصوص شعرية أكثر فعالية مقارنة بالمتلقي العام
و ضمن النخبة المتذوقة للشعر هناك نصوص شعرية أكثر فعالية من نصوص , فجرير أكثر فعالية عند العوام و الفرزدق أكثر فعالية عند متذوقي الشعر, و صرخة جرير المشهورة التي يقول فيها :" غلبته و رب الكعبة تدل على ذلك "!
رابعا ً: النص الشعري الفعال أم الشاعر الفعال؟
درجت العادة على وصف الشاعر بالفعال و قديما ً " بالفحولة" عندما يكتب هذا الشاعر نصوص شعرية فعالة " جيدة أو جماهيرية " و هذه هي القاعدة
فالذي يجعل امرؤ القيس شاعرا ً فعالا , ً هو أنه كتب معلقته التي ما تزال تحتفظ بفعالية و فق الشروط التي طرحناها في مقدمة الدراسة و ليس العكس
فالمعلقة فعالة زمنيا ً فعالة جماهيريا ً فعالة في نصوص شعرية و نقدية لاحقة...
و لكن هناك حالات عديدة يختل فيها هذا التوازن
فقد نعثر على نصوص شعرية فعالة لشعراء مجهولين أو مغمورين
كهذه الأبيات:
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمُ
و حمَّلوها وسارت بالدمى الإبلُ
و أبرزتْ من خلال السجف ِ ناظرها
ترنو إلي َ و دمع العين ينهملُ
وودعت ْ ببنان ٍ زانه ُ عَنم ًٌ
فقلتُ لا حملتْ رجلاكَ يا جملُ
و يليْ من البين ِ ما ذا حلَّ بيْ و بها
منْ باذخ ِ الوجد ِ حلَّ البينُ فارتحلوا
يا حاديَ العيس ِ عرِّجْ كي أودّعهم ْ
يا حادي العيس في ترحالكَ الأجلُ
فقلة قليلة من الناس الذين يحفظون و يعرفون هذه الأبيات و الذين سمعوا صباح فخري يغنيها أو قلة قليلة منهم تعرف أن هذا النص الشعري لشاعر عباسي اسمه: ماني الموسوس.
و كثيرا ً ما تعثر في كتب الإخباريين العرب على عبارة قال أحدهم:....
أو قد يلتبس نسبة بيت شعري إلى شاعر محدد , و ينسب إلى أكثر من شاعر
فهذا النص الشعري – البيت الشعري-:
فأمطرتْ لؤلؤا من نرجس و سقت وردا ً و عضَّتْ على العنَّاب بالبرد ِ
"هو نص شعري فعال لأكثر من شاعر" فمنهم من ينسبه إلى يزيد بن معاوية و منهم من ينسبه إلى الوأواء الدمشقي و قد نسب لآخريين
و هناك حالات معاكسة فقد يكون الحضور الثقافي و الوزن الأكبر للشاعر أكبر مقارنة بنصوصه, فنصوص أدو نيس مثلا ً أقل فعالية من شخصه, و ما عليك إلا أن تسأل أحد المثقفين أن يقرأ عليك أبيات قليلة لأدونيس؟
سيجيبك الإجابة المعتادة
قرأت أعمالة الكاملة, و لكني لا أحفظ له؟
و لو أصريّت على ذكر مقطع صغير, ربما يقول لك قاتل الله النسيان؟؟
فلماذا أصبح النص الشعري الحدائي أقل فعالية من النص الشعري القديم
يمكن توقع عدة إجابات
1- تراجع مكانة الشعر ضمن الخارطة الأدبية و الثقافية للعربية و بالتالي الشعر عموما ً أصبح أقل فعالية
2- ميل الحداثة للتكثيف و الذهنية و ظاهرة الغموض و النخبوية و طرحها لقضايا فلسفية بعيدة عن المتلقي بشرائحه الشعبية, و هذا قليل التواجد في الشعر القديم
3- ظاهرة الإعجاب بالقديم و النكوص الماضوي بما فيه الشعري فالأقدمون عظماء و هم على حق دائما ً؟!!!!!
4- الإيقاع الموسيقي الخافت و الاتجاه بالشعر بعيدا ً عن الغنائية
5- ابتعاد شعراء الحداثة عن المتعة و مشاغل الناس و انشغالهم بجوانب أخرى كالتجريب و التأمل الفكرية ..الخ
و على كل حال هذا سؤال كبير يحتاج بحثه إلى استفاضة و مقاربات متعددة المستويات ليس هنا مكانها
حمزة رستناوي
أولا ً : ما المقصود بالنص الشعري الفعَّال؟
للإجابة على هذا السؤال:
1- هو النص الشعري الفعال عبر الزمن" المعمِّر"
أي النص الشعري الذي يعمِّر طويلا ً , فهناك نصوص شعرية قيلت منذ ما يزيد عن ألف عام و ما زالت متداولة على الألسن و بين الدارسين كقصائد المعلقات , و بعض شعر أبو نواس و أبو تمام و جرير على سبيل المثال
2- هو النص الشعري الفعال عبر مساحة التلقي"الشعبي"
أي النص الشعري الذي يحظى بشريحة تلقي واسعة نسبيا ً, كبعض أبيات أو قصائد للمتنبي و نزار قباني و مظفر النواب على سبيل المثال
3-هو النص الشعري الفعال في نصوص شعرية أخرى , أو النص الذي يشكل حافزا ً لكتابة نصوص شعرية أخرى , كالمعارضات الشعرية أو تشطير بعض الأبيات الشعرية مثلا ً
و يمكن أن نذكر مثال على ذلك قصيدة كعب بن زهير حينما خلع عليه النبي بردته و التي مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ
متيم أثرها لم يفد مكبولُ
و فعاليتها في قصيدة البوصيري : "البردة" التي مطلعها:
أمن تذكر جيران بذي سلم ِ
مزجت دمعا ً جرى من مقلة بدم ِ
و فعاليتها في قصيدة شوقي "نهج البردة"
ريم على القاع بين البان و العلم ِ
أحل سفك دمي في الأشهر الحرم ِ
فقصيدة البوصيري عارضها أكثر من مئة شاعر و شاعر و إن اشتهرت قصيدة شوقي .
و نذكر من النصوص الشعرية الفعالة في نصوص أخرى, نصوص محمود درويش التي نجد تضمينات كثيرة منها و تأثيرها في قصائد أجيال شعراء الحداثة اللاحقين
4- هو النص الشعري الفعال في نصوص نقدية
أي النص الذي يحظى بالدراسة و الاهتمام من قبل المشتغلين بعلوم اللغة و النقد
كقصيدة أنشودة المطر و حفار القبور للسياب , و تائية ابن الفارض, و قصيدة المواكب لجبران, و غيرها
5- هو النص الشعري الفعال في نصوص تنتمي لثقافات أخرى, أي النص الشعري المهاجر بين الثقافات كقصيدة الأرض اليباب ل: ت س اليوت , و رباعيات عمر الخيام.
و لربما كانت النصوص الشعرية العربية أقل فعالية من النصوص الشعرية الانكليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الفارسية
و ذلك لضعف حركة الترجمة من العربية و تدني الفعالية الحضارية للعرب في العصور الحديثة .
إذا ً:
النص الشعري الفعال هو النص النجم المشهور الذي يمارس فعاليته في الحياة الثقافية للجماعة
و ليس بالضرورة أن يكون النص الشعري الفعال هو النص الجيد. فقد يكون النص الفعال نصا ً جيدا ً أو نصا ً رديئا ً من وجهة نظر فنية جمالية.
فمثال للفعال الجيد هذا البيت لجبران خليل جبران:
فالأرض خمارة و الدهر صاحبها
و ليس يرضى بها غير الألى سكروا
و كمثال للفعال الرديء هذا البيت للمتنبي:
لا تشتري العبد إلا و العصا معه
إن العبيد لأنجاس ٌ مناكيد ُ
ثانيا ً:لماذا كان هذا النص الشعري فعال ٌ دون غيره من النصوص؟
إن النص الشعري الفعَّال يستجيب لحاجة نفسية شعورية عند الإنسان المتلقي, و الذي بدوره يعبِّر عن هذه الفعالية,
فالشعر وليد الغريزة , غريزة التلقي و المشاركة الوجدانية و المواساة الإنسانية و لذلك كانت النصوص الشعرية الفعالة – على الأقل في مجال الثقافة العربية – هي نصوص ذاتية تتحتوي على قدر كبير من الرومانسية و التماهي مع التجربة الإنسانية المتشابهة /المختلفة بين البشر , فالإنسان الذي يعتز بنفسه و عشيرته و قومه في لحظات تعرضه و تعرضهم للخطر و للاعتداء سوف تكون نصوص المتنبي و عمر بن كلثوم نصوص فعالة لديه يستخدمها في حديثه
ألا لا يجهلن أحد ٌ علينا فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا
و الإنسان العاشق الذي يعيش تجربة عاطفية سوف تكون نصوص جميل بثينة و نزار قباني و مجنون ليلى فعاله لديه كما في هذين البيتين لقيس بن الملوح:
أراني إذا صليت يممت ُ نحوها
بوجهي و إن كان المصلى ورائيا
و ما بيَ إشراكٌ و لكن حبنا
عظيم الجوى أعيا الطبيب المداويا
فالفعالية وليدة حاجة نفسية تتوافق مع قابلية التلقي الخاصة بمزاج الفرد و الجماعة
فرجال الدين لديهم نصوص شعرية فعالة لديهم يستخدمونها في خطبهم و تراها مبثوثة في كتبهم
كقول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ
و كل نعيم لا محالة زائل ُ
و المقاتلون لديهم نصوص شعرية فعالة لديهم تفيد الشجاعة و التحريض
كالشطر الأول من بيت للمتنبي:
أعز مكان في الدنا سرج سابح ٍ
و خير جليس في الأنام كتاب ُ
و المثقفون لديهم نصوص فعالة لديهم تركز على الحرية و العلم و التغيير الاجتماعي و غيره؟
و الإنسان المتشائم يحظى بأبيات شعرية فعالة خاصة به مثل قول المعري:
غير مجد في ملتي و اعتقاديْ
نوح ُ باك ٍ ولا ترنم شاد ِ
يختلف عن النصوص الشعرية الفعالة عند المتفائلين كقول الشاعر:
قال السماء كئيبة و تجهما قلت ابتسم : يكفي التجهم في السما
كن بلسما ً إن صار دهرك أرقم و حلاوة إن صار غيرك علقما
و العاشق الفاشل كذلك لديه أبيات فعالة خاصة به تختلف عن العاشق الناجح ...الخ
فالنص الفعال ليس نصا ً فعالا ً على الإطلاق, و لكنه نص ٌ فعال ٌ في حقل معين و شريحة معينة
ثالثا ً: كيف أصبح هذا النص الشعري نصا ً فعالا ً؟
الفعالية وليدة صيرورة تاريخية احتمالية نسبية حركية
فقد يولد النص الشعري فعالا ً في حال توفرت عوامل متعددة تيسِّر فعاليته عند لحظة التلقي الأولى, كأن يصدر هذا النص عن شاعر نجم و مشهور فهذا بحد ذاته عامل مهم و منه أن يقول لكَ أحدهم : اسمع أو اقرأ هذه القصيدة
لأدونيس...... أو نزار قباني ...الخ
أو أن يقال هذا النص الشعري في مواقف أو لحظات تاريخية حاسمة :
كقصيدة صفي الدين الحلي عند سقوط القدس بيد الصليبيين التي مطلعها:
سلي الرماح العوالي عن مغانينا
و استشهدي البيض هل خاب الرجا فينا
بيض صنائعنا خضر مرابعنا
سود مواقعنا حمر مواضينا
أو كرثاء أحمد شوقي لعمر المختار عقب إعدامه التي يقول فيها :
ركزوا رفاتك في الرمال لواء
يستنهض الوادي صباح مساء.
و كذلك قصيدة ابن زريق البغدادي التي مطلعها :
لا تعذليه ِ فإن العذلَ يولعه ُ
قد قلت ِ حقا ً و لكن ليس يسمعه ُ
و قصته المحزنة مع ابنة عمه التي عشقها, و كان في فاقة, فهجر بغداد في طلب الرزق و توجه للأندلس قاصدا ً أميرها فمدحه بقصيدة لم يحصل منه إلا على عطاء قليل , فأكل الندم قلب ابن زريق على مفارقته ابنة عمه بدون طائل, فاعتل و مات , و عندما تفقدوه في ذات صباح في الخان الذي نزل فيه وجدوه ميتا , ً و تحت وسادته قصيدته المشهورة هذه, و التي أصبح كثير من أبياتها أمثالا ً سائرة منها :
أعطيتُ ملكا ً فلم أحسنْ سياسته ُ
و كلُّ منْ لا يسوسُ المُلكَ يخلعهُ
بغض النظر عن صحة هذه القصيدة و توثيقها ,لو جردنا قصيدة ابن زريق عن مناسبتها و سياقها لفقدت الكثير الكثير من فعاليتها كنص شعري ما زال يتردد على ألسن الناس و دارسي الأدب بعد ألف عام على قوله؟؟
و كذلك يصبح النص الشعري نصا ً فعالا ً, عند وجود ايديلوجيات و فئويات تتقاطع مصالحها المادية و المعنوية مع مصالح النص الشعري المقصود و خاصة عندما تعيش هذه الايديلوجيات فترة ازدهار و فوران
ففي مرحلة المد الايديلوجي في الخمسينات و الستينات و تنامي المد القومي و اليساري كانت كل ايديلوجيا تسوق لشعراء معينين و تتبناهم, و تطلق عليهم ألقاب من مثل : شاعر الحزب, أو شاعر الثورة, أو شاعر البروليتاريا أو شاعر..... و قد لا ترتبط مصالح النصوص المفعَّلة بايديلوجيات و أحزاب و لوبيات سياسية, بل قد تكون محصلة تقاطع مصالح لتأملات ووجهة نظر معينة للوجود و الحياة
فمن يؤمن بوحدة الوجود و وحدة الأديان
سوف يكون هذا البيت الشعري لابن عربي فعال لدية و مؤثر
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركائبه فالحب ديني و إيماني
و الفعالية كما ذكرت هي طريقة تشكل احتمالية كان من الممكن أن تكون أقل فعالية أو عديمة الفعالية, حيث يمكن البرهنة على وجود نصوص شعرية لم تصل إلينا , و هي جيدة لعدم توفر راو ٍ جيد للشاعر يزيد من احتمالية فعاليتها
أو توفر وسائل إعلام تروج للشاعر تزيد من احتمالية فعاليته نصوصه الشعرية , وهنا يمكن مناقشة ظاهرة الشاعر النجم أو النص الشعري النجم؟
فقد يكون نص شعري مشغول عليه ترويجيا و تسويقيا مع قليل من الفعالية بمعنى الشعبية و الاستمرارية
و قد يكون نص شعري مشغول عليه ترويجيا و تسويقيا ً مع كثير من الفعالية
و تزداد احتمالية وجود النص الشعري الفعال عند تداوله و تصديقه من قبل السلطات السياسية و الثقافية السائدة كأن يوضع مقررا دراسيا, أو يكون مهمَّشا ً قسريا
فالمقررات الدراسية قادرة على تحويل نصوص خاملة إلى نصوص فعالة و لو إلى حين.
و تزداد احتمالية وجود النص الشعري الفعال عند تحويله إلى صيغ فنية أخرى كقصيدة مغناة" قصائد نزار قباني التي غناها عبد الحليم و نجاة و ماجدة الرومي و كاظم الساهر", أو فيديو كليب, أو تسجيل صوتي كاسيت متوافر" قصائد مظفر النواب و محمود درويش و عمر الفرا", أو تضمينه في مسلسل تاريخي: كبعض قصائد المهلهل عقب عرض مسلسل الزير سالم واسع الشعبية و كذلك بعض قصائد شوقي بعد عرض مسلسل مصري يؤرخ لحياته منذ سنوات ...الخ
كما ذكرت فالفعالية وليدة صيرورة تاريخية نسبية
فنصوص شعرية فعالة مقارنة بنصوص أخرى و أقل فعالية من نصوص أخرى
و في نتاج الشاعر الواحد أو القصيدة الواحدة يمكن الإشارة إلى أبيات شعرية أكثر فعالية نسبيا ً
فأبيات مطالع القصائد أكثر فعالية عادة
و الأبيات سهلة الفهم متدفقة الوجدان أكثر فعالية, و الأبيات الأكثر غنائية أكثر فعالية من غيرها
فالفعالية قضية نسبية
و مختلفة بين شخص و آخر
و ضمن شريحة المثقفين هناك أبيات و نصوص شعرية أكثر فعالية مقارنة بالمتلقي العام
و ضمن النخبة المتذوقة للشعر هناك نصوص شعرية أكثر فعالية من نصوص , فجرير أكثر فعالية عند العوام و الفرزدق أكثر فعالية عند متذوقي الشعر, و صرخة جرير المشهورة التي يقول فيها :" غلبته و رب الكعبة تدل على ذلك "!
رابعا ً: النص الشعري الفعال أم الشاعر الفعال؟
درجت العادة على وصف الشاعر بالفعال و قديما ً " بالفحولة" عندما يكتب هذا الشاعر نصوص شعرية فعالة " جيدة أو جماهيرية " و هذه هي القاعدة
فالذي يجعل امرؤ القيس شاعرا ً فعالا , ً هو أنه كتب معلقته التي ما تزال تحتفظ بفعالية و فق الشروط التي طرحناها في مقدمة الدراسة و ليس العكس
فالمعلقة فعالة زمنيا ً فعالة جماهيريا ً فعالة في نصوص شعرية و نقدية لاحقة...
و لكن هناك حالات عديدة يختل فيها هذا التوازن
فقد نعثر على نصوص شعرية فعالة لشعراء مجهولين أو مغمورين
كهذه الأبيات:
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمُ
و حمَّلوها وسارت بالدمى الإبلُ
و أبرزتْ من خلال السجف ِ ناظرها
ترنو إلي َ و دمع العين ينهملُ
وودعت ْ ببنان ٍ زانه ُ عَنم ًٌ
فقلتُ لا حملتْ رجلاكَ يا جملُ
و يليْ من البين ِ ما ذا حلَّ بيْ و بها
منْ باذخ ِ الوجد ِ حلَّ البينُ فارتحلوا
يا حاديَ العيس ِ عرِّجْ كي أودّعهم ْ
يا حادي العيس في ترحالكَ الأجلُ
فقلة قليلة من الناس الذين يحفظون و يعرفون هذه الأبيات و الذين سمعوا صباح فخري يغنيها أو قلة قليلة منهم تعرف أن هذا النص الشعري لشاعر عباسي اسمه: ماني الموسوس.
و كثيرا ً ما تعثر في كتب الإخباريين العرب على عبارة قال أحدهم:....
أو قد يلتبس نسبة بيت شعري إلى شاعر محدد , و ينسب إلى أكثر من شاعر
فهذا النص الشعري – البيت الشعري-:
فأمطرتْ لؤلؤا من نرجس و سقت وردا ً و عضَّتْ على العنَّاب بالبرد ِ
"هو نص شعري فعال لأكثر من شاعر" فمنهم من ينسبه إلى يزيد بن معاوية و منهم من ينسبه إلى الوأواء الدمشقي و قد نسب لآخريين
و هناك حالات معاكسة فقد يكون الحضور الثقافي و الوزن الأكبر للشاعر أكبر مقارنة بنصوصه, فنصوص أدو نيس مثلا ً أقل فعالية من شخصه, و ما عليك إلا أن تسأل أحد المثقفين أن يقرأ عليك أبيات قليلة لأدونيس؟
سيجيبك الإجابة المعتادة
قرأت أعمالة الكاملة, و لكني لا أحفظ له؟
و لو أصريّت على ذكر مقطع صغير, ربما يقول لك قاتل الله النسيان؟؟
فلماذا أصبح النص الشعري الحدائي أقل فعالية من النص الشعري القديم
يمكن توقع عدة إجابات
1- تراجع مكانة الشعر ضمن الخارطة الأدبية و الثقافية للعربية و بالتالي الشعر عموما ً أصبح أقل فعالية
2- ميل الحداثة للتكثيف و الذهنية و ظاهرة الغموض و النخبوية و طرحها لقضايا فلسفية بعيدة عن المتلقي بشرائحه الشعبية, و هذا قليل التواجد في الشعر القديم
3- ظاهرة الإعجاب بالقديم و النكوص الماضوي بما فيه الشعري فالأقدمون عظماء و هم على حق دائما ً؟!!!!!
4- الإيقاع الموسيقي الخافت و الاتجاه بالشعر بعيدا ً عن الغنائية
5- ابتعاد شعراء الحداثة عن المتعة و مشاغل الناس و انشغالهم بجوانب أخرى كالتجريب و التأمل الفكرية ..الخ
و على كل حال هذا سؤال كبير يحتاج بحثه إلى استفاضة و مقاربات متعددة المستويات ليس هنا مكانها