د . محمد أيوب
03-13-2010, 01:26 AM
عقدة أوديب :
الصراع بين القديم والجديد صراع أبدي، يدخل ضمن هذا الصراع العلاقة بين الآباء والأبناء، وهي علاقة ينقصها التفاهم على الأرجح، لأن معظم الآباء يتعاملون مع أبنائهم من منطلق الحرص عليهم، ولا يستطيع الأبناء فهم مشاعر الآباء نحوهم ويعتقدون أن مواقف الآباء إنما تأتي من منطلق فرض السيطرة فقط، ولا يدركون حقيقة مشاعر آبائهم إلا في وقت متأخر بعد أن يصبحوا آباءً، ولذا فإن الصراع بين الآباء والأبناء سيظل صراعاً أزلياً أبدياً، وليس هنا مجال الحديث عن نظرة فرويد لهذا الموضوع، ولذا سيقتصر الحديث عن بعض الحالات في الرواية الفلسطينية والتي عبر الأبناء من خلالها عن مشاعرهم السلبية تجاه آبائهم ، وقد يوجه الأبناء هذه المشاعر إلى الأب وحده، وقد يوجهونها للأب والأم معا، كما أن بعض البنات يبدين المشاعر السلبية نفسها تجاه الآباء، مع أن المعروف أن المشاعر السلبية للفتاة توجه على الأغلب نحو الأم حسب وجهة نظر فرويد فيما يسمى بعقدة إلكترا. في رواية "توائم الخوف" يتحدث شريف ضابط الشرطة عن أبيه فيقول: " نظر إلى بحدة..تلك النظرة التي كانت تخيفني منه وأنا صغير، توقعت أن يشتمني كما اعتاد أن يفعل، لكنه تمالك نفسه وقال: أنت لم تعرف مشاعر الأبوة بعد "(52)، لكن شريف يوضح لنا أنه لم يكن يرغب في هذه الجفوة بينه وبين أبيه على الرغم من اعتقاده أنه على صواب وأن أباه مخطئ، وهو يحس باعتزاز أبيه به وحبه له ولأخته(53)، وقد يوجه الابن كراهيته نحو الأم والأب معاً، يقول راوي أحمد شاهين في رواية " بيت للرجم ، بيت للصلاة " لا أذكر أن أمي احتضنتني يوماً، تعاملني ببرود شديد، أرهبها وأرهب أبي، لكن أم عبده نوعية أخرى من النساء"(54) وفي رواية "المندل" يشعر وليد بالارتياح حين يختفي الحاج فجأة، وهو يعتقد أن اختفاء والده الحاج سيحل مشاكله، ولكنه يلوم نفسه على تفكيره فهو يحب أباه، ولم يخطر بباله أن يفقده بهذه الطريقة(55)، أما في رواية "وإن طال السفر" فإن سعاد تعبر عن مشاعرها تجاه والدها بقولها:"أما أبي، فإني لم أشعر نحوه إلا بالخوف .. الخوف الشديد، حتى إذا أردت منه شيئاً أطلبه عن طريق عصام أو أمي، كانت أمي خاضعة لأبي خضوعاً تاماً، ولا تتستر علينا كما تفعل الأمهات"(56)
العمل العسكري
ارتبط العمل العسكري لفصائل منظمة التحرير بالعمل السياسي، فلا يمكن لأي عمل عسكري أن يبدأ دون قرار من المستوى السياسي، وكان الاتجاه السياسي الوحيد الذي عارض العمل العسكري هم الشيوعيون، فهم يرون أن أضرار العمل المسلح أكثر من فوائده في مرحلة لم تتهيأ الجماهير فيها لاحتضان ذلك العمل وحمايته، يقول أحد كوادر الحزب الشيوعي: "هل تذكرين اللغم الذي وضعه أحد الأفراد على خط السكة الحديد بعد الاحتلال مباشرة .. ماذا كانت النتيجة؟ اعتقل المئات وقتل عشرة أشخاص منا .. هل سمعت ما قاله الناس آنذاك؟ لو عرفوا الفاعل لسلموه إلى قوات الاحتلال .. لم يكن العمل العسكري ممكناً وقتها .. أما الآن فالوضع مختلف تماماً" (62)، ولعل عبارة" أما الآن فالوضع مختلف تماماً" تحاول تبرير مشاركة الشيوعيين في العمل المسلح، من خلال الجبهة الوطنية، بعد فترة غير بعيدة عن بداية الاحتلال، بحجة عدم التخلف عن الجماهير، والحقيقة أن الثورة الفلسطينية بدأت بالعمل المسلح دون أن يتمرس عناصرها بأشكال النضال المختلفة، والتي يأتي النضال المسلح تتويجاً لها، فقد أهملت التنظيمات الفلسطينية النضال الفكري والنضال السياسي، والنضال النقابي والنضال الطلابي، ولم تلتفت إلى مثل هذه الأشكال من النضال إلا في مرحلة متأخرة، ومع ذلك فقد استنزفتهم الصراعات، وتأسست في النصف الثاني من عقد السبعينات، نقابات متصارعة فيما بينها، إلى درجة طغت فيها الخلافات بين الاتجاهات المختلفة على التناقض الرئيسي بين هذه الاتجاهات وبين الاحتلال مما أضعفهم جميعاً وأوصلهم إلى ما هم عليه الآن، وقد تعرض الفلسطينيون للكثير من العمليات العسكرية التي كانت تستهدف الحد من نشاطهم، ومن الواضح أن هناك تفاهما ضمنيا حول ضرورة تقليم أظافر الفلسطينيين العسكرية حتى لا يخرجوا عما رسم لهم في الخفاء، وقد لجأت إسرائيل إلى تنفيذ عمليات اغتيال ضد بعض العناصر الفلسطينية التي تشكل جزءاً من النواة الصلبة لمنظمة التحرير الفلسطينية، أو تلك الشخصيات التي كانت تدعو إلى السلام مغردة بذلك خارج السرب، طارحة موضوع السلام قبل الوقت المحدد لانطلاق هذه العملية، لقد كانت الدعوة المبكرة إلى السلام تحرج إسرائيل وبعض المتنفذين في منظمة التحرير، ومن هنا كان اغتيال دعاة السلام هؤلاء مصلحة مشتركة، لقد تم اغتيال العديد من الشخصيات المهمة في منظمة التحرير، فقامت إسرائيل باغتيال الزائر المهم الذي استقبله محمد، فقد تم تفخيخ السيارة التي قادها محمد، وقد انفجرت في الصباح بعد أن ركبها المسئول،(63) وهنا يبدأ محمد بربط الأمور وتتجه شكوكه نحو سيلفيا السكرتيرة في السفارة الكندية، كما تتجه شكوكه نحو فيشرمان، خصوصا بعد أن عرف من صديق له أن سيلفيا كانت قد قدمت نفسها لبعض الطلاب في الجامعة على أنها باتريشيا وأنها تعد رسالة في الفلسفة (64) ، وعندما يكتشف (جاردنر) أن (سيلفيا) تعمل لصاح إسرائيل، وأن فيشرمان الحقيقي يوجد في استراليا، يبدأ في العمل على مساعدة محمد على التخلص من فيشرمان المزيف،(ضابط المخابرات الإسرائيلي) ولكن فيشرمان كاد يسبقهم إلى اغتيال محمد، حيث أرسل له طرداً على العنوان الذي يقيم فيه، ومن حسن حظ محمد وسوء حظ (ناتالي) أنها استلمت الطرد أثناء تواجدها عند محمد، يقول محمد:
" قلت من يا ناتالي ؟
قالت: الخادم أحضر كتاباً لك .
ـ ممن ؟
ـ لا يوجد سوى عنوانك مكتوب عليه .
قلت : من الذي يهديني كتاباً ؟
قالت : أفتحه لك .
قلت : لو سمحت ..
ثم خطر ببالي خاطر كالبرق، صرخت: لا تفعلي يا ناتالي، لكن الانفجار أضاع صرختي في الهواء"(65)
بعد ذلك رتب جاردنر موعداً بين فيشرمان وبين شخص وهمي، على أن يذهب محمد بدل الشخص الوهمي وتتم عملية الاغتيال دون أن يشعر أحد(66)، يخبر محمد أصدقاءه في مكتب المنظمة في باريس بنيته في اغتيال فيشرمان، وقد قام هؤلاء، على الرغم من القرار الذي اتخذوه بنقل محمد إلى القاهرة، بمد يد المساعدة له لينفذ العملية في أسبانيا قبل موعد مغادرة الطائرة التي حجز عليها محمد بوقت قصير، وحين وصل محمد إلى المكان المحدد في الموعد المحدد، يقول محمد،" امتقع وجهه تماماً، أصبح لونه كتمثال من شمع، جلست في مواجهته، مددت يدي في جيب معطفي، المسدس جاهز، أخرجته بسرعة وأطلقت، بان الذعر على وجهه، أطلقت مرة ثانية، رفع يده .. كفه في مواجهتي، أطلقت عليه الطلقة الثالثة، سقطت يده على المنضدة، تركت المسدس أمامه، غطيته بطرف المفرش بعد أن مسحته به، نهضت ببطء، لم يلحظ أحد ما حدث، أو بالأحرى، لم يكن هناك أحد بعد." (67)
ولعل كل ما عاناه الفلسطينيون يرجع إلى رفضهم الانخراط في عملية السلام في الشرق الأوسط، فقد قابل الفلسطينيون زيارة الرئيس السادات للقدس بشعور من الذهول والصدمة، فحتى آخر لحظة كان أبناء الشعب الفلسطيني يتوقعون ألا يطل السادات من الطائرة وأن يكون الأمر مجرد مزحة، أو مجرد خبر كاذب، بكى بعضهم عندما أطل السادات من الطائرة التي تقله(70)، لقد كان ما حدث شيء يندرج في خانة اللامنطق واللامعقول بالنسبة للعقلية العربية عموما والعقلية الفلسطينية خصوصاً، فلم تكن العقلية العربية قد تهيأت لما حدث على الرغم من انتصارات أكتوبر المجيدة، التي أعادت للمقاتل العربي على جميع الجبهات ثقته بنفسه وثقة العرب به، وعليه فإن العرب قابلوا مبادرة السادات بالرفض، ولو ظاهرياً على الأقل، وتم نقل مقر الجامعة العربية من مصر، وقد أثبتت الأيام صحة المقولة التي تؤكد أنه لا حرب دون مصر، وفي الوقت نفسه أثبتت الأيام فشل المقولة التي تقول أن لا سلام دون سوريا، فقد وقعت الأردن معاهدة سلام مع إسرائيل، ووقع الفلسطينيون اتفاقية الحكم الذاتي الذي كانوا يرفضونه، وتم الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير، والعجيب في الأمر أن لبنان صمد في وجه إسرائيل أكثر من الفلسطينيين أصحاب القضية الرئيسية، لقد ساءت العلاقات بين منظمة التحرير والرئيس السادات؛ مما أدى إلى ترحيل الفلسطينيين عن مصر، وتم تجميع الفلسطينيين من كتاب وشعراء ومترجمين وسياسيين تمهيدا لترحيلهم عن مصر، ولم يكن هناك مكان في العالم العربي يقبل دخول الفلسطينيين دون تأشيرة سوى بغداد، ذلك أن جميع السفارات العربية كانت في عطلة العيد(71)، ونظراً لما عاناه الفلسطينيون في الشتات؛ فقد أصبحت العودة إلى الوطن حلماً بل هاجساً لكلٍ منهم، فكر عبد الله في العودة، وحين سئل: وكيف ستعود؟ أجاب إن كثيراً من الفدائيين يتسللون إلى الأرض المحتلة عن طريق البحر، ويقول: "قررت العودة عن طريق بور سعيد معهم إلى غزة "(72) وقد أسهم الاحتلال في تغيير أفكار الشباب ، يقول راوي أحمد عمر شاهين: " كم يتغير المرء.. هل كنت أظن أو أفكر أن كل هؤلاء الشباب الضائعين قبل الحرب، من الممكن أن يكونوا بهذه القوة والعنف، إنه التحدي على رأي سلطان، الشعب تحت الاحتلال يكون أشرس وأكثر تمرساً بأساليب الحرب.. الحرب الشعبية" (73)، والواقع لا يؤيد ذلك، لأن الكفاح المسلح في المناطق المحتلة لم يصل في أي وقت من الأوقات إلى مستوى الحرب الشعبية، إلا إذا كان الرواي يقصد بالحرب الشعبية، كون أبناء الشعب قد أخذوا زمام المبادرة بأيديهم، لشن حرب العصابات المحدودة ضد جنود الاحتلال، أما في الخارج، وفي الأردن بالتحديد، فإن الكفاح المسلح كاد يصل إلى مستوى الحرب الشعبية خلال سلسلة المواجهات العسكرية بدءاً بمعركة الكرامة، وصولاً إلى معارك الحزام الأخضر في منطقة بيسان والأغوار، لكن الظروف التي أحاطت بالمقاومة في الأردن من ممارسات سلبية لبعض العناصر المدسوسة على المقاومة، إلى عمليات خطف الطائرات، إلى الاشتباكات بين الفلسطينيين والأردنيين، كل هذه الظروف أدت إلى إبعاد المقاومة عن أطول خط للمواجهة مع إسرائيل.
وقد لجأت إسرائيل ضمن حربها السياسية ضد العرب والفلسطينيين إلى ترويج المخدرات بين الشباب العربي، فقد اكتشف راوي أحمد عمر شاهين أن خاله بالاشتراك مع شلومو اليهودي يتاجران بالمخدرات (74)، كما أن المخابرات الإسرائيلية تقوم بواسطة عملائها بتهريب المخدرات إلى مصر لتدمير الشباب في أكبر دولة عربية يحسبون لها ألف حساب، "حكى (الراوي) لمصطفى عن الرجل العربي الذي اشترى المخدرات وعن عملية التهريب التي ستتم غداً، والمكان الذي سيتم فيه تسليم البضاعة، قال لمصطفى وهو يختم حديثه: قل لهم إن الرجال في داخل الوطن المحتل 48، يطلبون منكم التخلص من تاجر المخدرات، وأن تبلغوا السلطات المصرية عن عملية التهريب"(75)، والمخدرات هي الضلع الثاني من أضلاع مثلث الانحراف في أي بلد يقع تحت الاحتلال أو يكون في حالة حرب تسهم في خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أما الضلع الثالث، وهو الضلع الأخطر، بعد الجنس والمخدرات، فهو التعاون مع العدو، وقد حاولت المنظمة أثناء الانتفاضة وضع حد لقتل المتعاونين دون تثبت، ولم تحاول الذهاب إلى أبعد من ذلك، فقد كان من واجبها دراسة هذه الظاهرة وفهمها من أجل وضع خطة لعلاجها(77)، وقد لجأ ضباط مخابرات الاحتلال إلى إثارة الشبهات حول بعض الشباب لتوريطهم، فقد أطلق ضابط المخابرات سراح سامي الذي يتساءل "لماذا تركوه يمضي دون أن يحتجز؟ قد يقول الناس إنه برئ، لم يثبت عليه شيء، لكن زملائه(كذا)، ماذا سيقولون؟ إنهم يعرفون أنه ألقى القنبلة، هل يعقل أن يصدقوا أنهم تركوه يذهب دون تحقيق وحجز على الأقل بضعة أيام، إنه في ورطة، يجب أن يتصرف بسرعة، يريد نصيحة صديق مخلص."(78) ولكن الراوي يكشف لنا هدف (حاييم) ضابط المخابرات من إطلاق سراح سامي، إنه يريد أن يأخذه إلى الدكتور اسحق ليقوم بإجراء تجربة عليه، دون علمه، وبعد تخديره، يفكر الدكتور اسحق في إجراء عملية زرع رأس يهودي قتل حديثا على جسد سامي القوي، وذلك يضمن أن يعمل الجسد العربي القوي بعقل يهودي، يقول اسحق لحاييم لإقناعه بالفكرة: "المهم العقل المركب على الجسم.. المهم المخ الذي يفكر ويتصرف .. المهم هذا يا حاييم .. الرأس .. ما دام الرأس يهودياً .. فليس مهما الجسم الذي يركب عليه ما دام جسماً سليماً فتياً.. إنها ثورة في العلم يا حاييم .. ولن نفقد الكثير من أبنائنا إلا إذا كانت إصاباتهم في الرأس تماماً .. سيعيشون يهوداً بعقلياتهم وعرباً بأجسادهم"(79) وعليه فقد طلب حاييم من سامي أن يقابله في تل أبيب، وتحت ضغط الخوف؛ وافق والده على أن يذهبا معا، يزوران يافا، ويقابلان حاييم، يذهب والد سامي مع ابنه بعد أن أخبر أخاه الذي يعمل مع المقاومة بنيته، وبعد وصولهما يقرر(حاييم) أن يأخذ سامي وحده بحجة أنه سيناقشه في بعض الأمور، وفي بيت الدكتور اسحق يقدم له شراباً مخدراً ويتركه هناك، فهو مشغول بأشياء أخرى، يريد تدمير المقاومة من الداخل عن طريق زرع الخلافات وتنفيذ عمليات الاغتيال ضد بعض العناصر النشيطة في المقاومة، فقد " عاد (حاييم) إلى منزله بعد أن ترك سامي في بيت الدكتور اسحق مخدراً، سيقوم اسحق بالباقي، فكر في أن يمر عليه في بيته في رامات جان، لكن العملية التي يشرف على تنفيذها تشغل أفكاره، سليمان وإبراهيم يسيران حسب الخطة، التقطت السمكة الطعم، وبسهولة، لن يطول الانتظار حتى يصل النصل إلى القلب، وضع الخطة بعد أن وقع في يده عدد من الخطابات المرسلة من الخارج إلى أناس في الداخل"(80) ولكن سامي ينجو مما دبر له بفضل يقظة رجال المقاومة الذين تابعوه عن بعد واقتحموا بيت الدكتور إسحق وأنقذوه، بعد ذلك بدأ سامي في التفكير في قتل ضابط المخابرات بإلقاء قنبلة على عربته، وحينما يحاول إقناع زملائه بذلك، يبلغوه بقرار تجميد عضويته في التنظيم.(81)
يقرر عبد الله اغتيال عبد الكريم بعد نشر الإشاعات ضده واتهامه واتهام أخيه بالعمالة، وفعلا يقوم بتكليف العميلين إبراهيم وسليمان بقتل عبد الكريم، وحين تصل صورة عبد الكريم قبل قتله إلى حاييم يضحك قائلاً:"الصورة ليست لأحد أعواننا..لقد بدءوا يأكلون بعضهم..أرسل لهما(إبراهيم وسليمان) أن يتما العمل بنجاح .. بذلك يكسبون ثقة أكبر عند عبد الله، وسنعرف الكثير عن طريقهما."(82)
كما وجه بعض الكتاب النقد للمنظمة وبعض العناصر السيئة والمتنفذة فيها، فقد كان بعض هؤلاء لا يتورعون عن السرقة المكشوفة، كانت دار التحرير المسئولة عن توزيع كتب مركز الأبحاث الفلسطيني تقدم فواتير قيمتها أكبر من أثمان الكتب المباعة، وكان على المركز أن يدفع الفرق(87)، لقد أبدى بعض المخلصين قلقهم على الثورة، فقد فقدت بوصلتهم اتجاهها السليم، يقول حمزة مجيباً عن سؤال أحمد شرقاوي:"لا أدري أين أذهب. لا أدري إلى أين تفضي هذه الطرق. الدروب موحشة والزاد قليل، والرؤية غير واضحة .. الضباب ينتشر، والأرواح تتعذب، ويعلو صوت خسيس القوم على أصواتنا، الجبان يزأر، والرعديد يرفع رأسه عالياً، يتعاظم القلق، ويزداد العبث، ويكثر التخريب. الأشياء تتآكل أو تتلف أو تتداعى. تحت الخيمة مقاتل ولص، تحت سقف النار مقاتل وانتهازي. فمتى تزلزل الأرض زلزالها، وتنفجر براكين القهر، وتنتهي إلى الأبد سياسة إذلال الرجال" ( 88) ، وعلى الرغم من أن مسئول الأمن في الثورة هو الذي سرق منزل الخواجا ألبير، فإن أحدا لم يعد يتحدث عن الموضوع، بعد أن استدعي الشاهد الوحيد ضد المسئول إلى اللجنة الأمنية وضرب ضرباً مبرحاً، مما دفع بالخواجا ألبير إلى الذهاب إلى اللجنة الأمنية في بيروت وإسقاط شكواه خوفاً وهلعاً.(89)
أما المستقلون من أبناء الشعب الفلسطيني فليست لهم أية حقوق بسبب عدم انتمائهم إلى أحد التنظيمات الفلسطينية العاملة على الساحة، كل تنظيم يهتم بإبراز عناصره وكوادره حتى ولو كانوا أقل كفاءة من غيرهم من المستقلين، فقد أخفى أعضاء التنظيمات هؤلاء عن راوي أحمد عمر شاهين كتاباً جاء من بيروت يطلب المجموعات الشعرية والقصصية من إبداع أعضاء الاتحاد لنشرها عن وزارة الثقافة في العراق، ورغم عضويته في اتحاد الكتاب، فقد"فوجئ بكتب تصدر، ولم يعرف بأمر الخطاب إلا حين أخبره الصاحب بعد سنة من نشر الكتب، لم يحزن لأن مجموعته لم تنشر، بل حزن للتصرف ذاته، لم يعرف المخلص من الزائف منهم، فليس هناك معركة حقيقية تفرز كل هذه المعادن، حديثهم كله حول القضية، ظاهرهم كله يعمل للقضية، أما الحقيقة فغائبة، لمسها بقلبه، فمعظمهم يعمل لنفسه"(90)، وحين رشح راوي أحمد عمر شاهين نفسه باعتباره مستقلاً لانتخابات اتحاد الكتاب، وتساوت الأصوات التي حصل عليها مع الأصوات التي حصل عليها المرشح الآخر، ضغط الجميع عليه ليتنازل للمرشح الآخر، ولم يقف أحد بجانبه.(91)
كما تطرق سارد أحمد شاهين إلى صمود مدينة خان يونس أثناء العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 م ، وأنها ما زالت تقاوم على الرغم من وصول قوات العدو إلى مشارف قناة السويس (94) ،
2/1 الزمن:
وفي رواية أحمد عمر شاهين"وإن طال السفر" يحدثنا السارد عن بداية الحرب، فقد تركه والده مع أخيه في دكانه الكبير، وقد أغلق الدكان عليهما، فالتصق السارد بأخيه بعدما سمعا أصوات رصاص تأتي من بعيد، يقول السارد:" لم نكن نعرف لماذا أقفل والدنا الدكان علينا، لماذا لم يأخذنا إلى البيت كعادته؟ ولماذا تأخر حتى هذه الساعة؟ وأسكت الخوف ألسنتنا، وبدأ عصام يبكي، لم أكن أقل رغبة منه في البكاء، وكم تهللت وجوهنا حينما فتح الدكان فجأة، وتسلل ضوء الشمس باهراً قوياً يبدد كل مخاوفنا، دخل أبي ووجهه يقطر حزناً."(77) وقد تكرر ذكر عملية النزوح في أكثر من رواية من روايات أحمد عمر شاهين.
وبعد هذا النزوح الكبير تنتشر الخيام فوق رمال خان يونس وغيرها من مناطق قطاع غزة، ويستمر هذا الوضع حتى عام 1952م حيث قامت الوكالة ببناء مساكن طينية للاجئين تتكون من غرف متلاصقة، وسلمت لكل أسرة غرفة واحدة دون فناء، ثم ينتقل السارد إلى حرب حزيران سنة 1967م، حيث تطورت الأحداث بسرعة، وانسحبت قوات الطوارئ من سيناء، واستبشر الناس بقرب العودة إلى الوطن.(79) وتسيطر أجواء الحرب على المدينة التي تبدو كأنها بلدة أشباح، وقد طليت مصابيح السيارات باللون الأزرق، كان الجو يبعث على الرهبة ولكنه كان جواً مفرحاً.(80)وبعد النكسة أو الهزيمة، قام جنود الاحتلال بتجميع الرجال في شارع البحر أمام مستشفى ناصر في خان يونس، وأخذوا الشباب منهم إلى الإستاد الرياضي وأمروهم بالانبطاح على وجوههم، ثم أحضروا سيارات كبيرة نقلتهم إلى سجن بئر السبع، كما تم جمع السكان مرة ثانية في الشارع أمام سينما الحرية في مدينة خان يونس واختاروا الشباب وخصوصاً المعلمين والمتعلمين منهم، ونقلوهم إلى السبع، ومن هناك تم ترحيلهم إلى مصر عبر سيناء، وعند شاطئ القناة هدد الجنود الإسرائيليون بإطلاق النار عليهم؛ فتم نقلهم تحت رايـة الصليب الأحمر إلى الضفة الغربيـة للقناة، ومن هناك نقلوا إلى مديرية التحرير، حيث هرب السارد منها إلى القاهرة التي غادرها قبل أقل من عشرين يوماً فقط.(81)
وفي رواية الآخرون تطرق السارد إلى قضية ترحيل الشباب الفلسطينيين إلى مصر من خلال الاسترجاع، يقول:" نمنا تلك الليلة في مدرسة إعدادية في الإسماعيلية، ونقلنا في اليوم التالي إلى مديرية التحرير، الموظفون التابعون لإدارة الحاكم العام لقطاع غزة نقلوا إلى القاهرة لتوزيعهم على ما يناسبهم من أعمال، وظل الآخرون في مديرية التحرير."(82)
وفي روايته " بيت للرجم .. بيت للصلاة " يتحدث الشيخ يوسف مصباح إلى أحمد بعد عشرين عاما من حرب 1948 م عما تركته الحرب من آثار مدمرة على مدينة يافا أجمل مدن فلسطين ، فقد دمر جزء كبير من المدينة التي أهملت لتنمو مدينة تل أبيب على حسابها، وتحولت مبانيها الجميلة إلى نواد ليلية وبيوت للدعارة وفنادق تسمع فيها كل لغات العالم إلا اللغة العربية.(83) و"بعد أن كانت صيحات الأطفال في الشوارع محمد وعلي، وكم الساعة الآن، والسلام عليكم، وصباح الخير، ولو سمحت وعفواً، وآسف، لا يسمع الآن سوى أسماء عزرا وأبراهام وديفيد، وما هشاعه أخشاف، وشالوم، وبوقر طوف، وعيريف طوف، وبيفكشا، سليحا، أني مستعير."(84)، لقد أصبح الفلسطيني غريبا في بلده، وعاش على هامش الحياة في إسرائيل. وقد حدثنا السارد في هذه الرواية عن لحظة الرحيل ومغادرة الوطن، وكيف تسلل عائداً إلى البيت لإحضار كتبه ولعبه، ولما أحضرها وعاد إلى السيارة وجد أنها قد غادرت المكان دون أن ينتبه أهله إلى عدم وجوده؛ مما اضطره إلى العودة إلى البيت والبقاء وحيداً فيه بانتظار أن يتذكروه وأن يعودوا لأخذه، ولكنهم لم يعودوا لأنهم لم يتذكروه إلا بعد أن أصبحت العودة إليه مستحيلة، والمؤلف هنا ينشئ تناصاً معكوسا مع رواية غسان كنفاني"عائد إلى حيفا" ، فالطفل خلدون لم يكن واعياً لما يدور حوله، وقد عاد أبواه بعد عشرين عاماً آملين أن يسترجعوه، والسارد هنا كان متعلقاً بأشيائه التي يحبها، مما جعله يعود لإحضارها، وبعد عشرين عاما قرر هو البحث عن أهله في مخيم خان يونس، لقد بقيت جذوره حية ولم ينس أصله الذي انحدر منه، وهي معارضة ذكية لما ورد في رواية غسان من أن خلدون تنكر لواديه وتمسك بمربيته اليهودية لأنه لم يع الظروف القهرية التي جعلت أمه تتركه مكرهة، فهي لم تتمكن من العودة إليه. يقول السارد:" لا بد من الاتصال بالأهل بغزة إذا أردت لهذا الأمر أن يتم، وأنا أريده أن يتم، كيف يمكنني الاتصال بهم ؟ لقد مضى على حرب الأيام الستة أكثر من سنة، لم يفكر أحدهم بالمجئ والسؤال عني."(85)
وقد وصف لنا السارد "أحمد" كيف خرج من غرفة النوم بعد انقطاع صوت القذائف والرصاص، وكيف وجد قنبلة صغيرة أمام البيت، وكيف كان اليهود يعربدون في الشوارع، وكيف انطلقت المجندات اليهوديات يهتفن في الشوارع:
إحنا بنات الهاجاناه فين العرب تلقانا (86)
وبعد أن أصبح السارد رجلا عمل في صيدلية خاله، وأقام صداقات مع بعض المجندين اليهود، وبدأ يشتري منهم السلاح للمنظمات في مقابل المخدرات التي يقدمها من الصيدلية للمجندين والمجندات، كما أن مصطفى أبو العينين الملقب ب "النص" شارك في المقاومة وروع المدمنين العرب وقتل ثلاثة من اليهود.(87)
وقد قدم السارد وصفا لاستيلاء اليهود على المنازل العربية، ولم تنج من ذلك تلك المنازل التي بقي فيها أصحابها، يقول السارد:"فوجئنا ذات يوم بمن يحاول فتح الباب علينا، جرت أم عبده(مربية السارد وقد جاءت من إجازتها لتطمئن على أهله فوجدته وحيدا وقررت البقاء معه)، ولما سمعت طرقا على الباب خرجت:" لتفتح وشهقت، عائلة يهودية ومعها مندوب دائرة الاستيعاب والهجرة كما قدم نفسه ويريدون الاستيلاء على الشقة" ويستطرد السارد قائلاً :"ضاعت الشقة وضاع البيت، وكأني هاجرت تماما، كأن أبي كان يشتري الأرض ويبني البيت كي نهديه إلى أسرة يهودية أتت من آخر الدنيا لتطردنا وتسكن فيه."(88) والفلسطيني الذي لم يستطع تحقيق العودة في حياته يحققها بعد موته، فقد أوصى الأب أبناءه بأن يدفنوه في قريته التي طرد منها، وقد تحقق له ذلك بالتفاهم بين السارد وبين صديق له من قوات الطوارئ الدولية المرابطة على حدود قطاع غزة، والتي كانت تعرف مواعيد مرور الدوريات الإسرائيلية، وبالتالي تستطيع تحديد أنسب الأوقات للتسلل بالجثمان إلى قرية دير سنيد ودفنه هناك أثناء الليل.(89)
وفي رواية "المندل" يتحدث سارد أحمد عمر شاهين عن الغارة التي شنتها القوات الإسرائيلية على مركز شرطة خان يونس في يوم 31 / 8 / 1955م، والتي قتل فيها 38 شرطياً فلسطينيا، يقول السارد: "قوات الصهاينة أغارت على خان يونس، ودكت مركز البوليس فوق رءوس من فيه، وأثناء عودتها سالمة مرت بقرى بني سهيلا وعبسان الكبيرة وعبسان الصغيرة وخزاعة."(90)
والثورة تواجه العدو في كل مكان، فقد كان عملاء المخابرات الإسرائيلية يلاحقون عناصر منظمة التحرير في أوروبا ويغتالون النشيطين منهم، في رواية أحمد عمر شاهين"الآخرون" نقرأ عن الاغتيالات والاغتيالات المضادة، يلجأ العاملون في المخابرات الإسرائيلية إلى التخفي وراء واجهات غير مشبوهة مثل دور النشر أو المحال التجارية يديرون نشاطهم من خلالها، يتعرض الراوي في رواية الآخرون إلى محاولة اغتيال، ولكنه ينجو منها بأعجوبة، فيقرر اغتيال فيشرمان المزيف الذي استغل اسم فيشرمان الحقيقي والموجود في أستراليا. يصف الراوي وضع فيشرمان لحظة اغتياله بقوله:"امتقع وجهه تماماً وأصبح وجهه كتمثال من شمع، جلست في مواجهته، مددت يدي في جيب معطفي، المسددس جاهز، أخرجته بسرعة وأطلقت، بان الذعر على وجهه، أطلقت مرة ثانية، رفع يده .. كفه في مواجهتي، أطلقت عليه الطلقة الثالثة، سقطت يده على المنضدة، تركت المسدس أمامه، غطيته بطرف المفرش، بعد أن مسحته به، نهضت ببطء، لم يلحظ أحد ما حدث، أو بالأحرى لم يكن هناك أحد بعد." (108)
وقد ناقش أحمد شاهين في روايته "زمن اللعنة" قضية من أخطر القضايا التي عاشها الشعب الفلسطيني، هي قضية سرقة أعضاء الشباب الفلسطيني الأصحاء، بعد قتلهم، وزرعها لأشخاص من اليهود، تكرر ذلك الفعل مع أكثر من شهيد، يسرقون أعضاءهم الداخلية كالقلب والكلى والكبد، وعيونهم وغير ذلك من الأعضاء، وقد صور لنا أحمد شاهين بواسطة السارد كيف وصل الأمر بأحد ضباط المخابرات الإسرائيليين إلى حد الاتفاق مع أحد الأطباء على اعتقال أحد الشباب الفلسطينيين دون تسجيله في السجلات الرسمية للمعتقلين، ونقله إلى غرفة العمليات الخاصة بالدكتور اسحق، ليقوم باستبدال رأسه برأس يهودي من الذي يقتلون أثناء الاشتباكات، يحاول اسحق إقناع حاييم يقول:"المهم العقل المركب على الجسم.. المهم العقل الذي يفكر ويتصرف.. المهم هذا يا حاييم.. الرأس.. ما دام الرأس يهودياً .. فليس مهما الجسم الذي يركب عليه، ما دام جسما سليماً فتياً.. إنها ثورة في العلم يا حاييم ولن نفقد الكثيرين من أبنائنا إلا إذا كانت إصاباتهم في الرأس تماماً.. سيعيشون يهوداً بعقلياتهم وعرباً بأجسادهم."(136) يقول حاييم للدكتور اسحق بعد أن طلب أن يعطيه أحد المعتقلين لإجراء تجربة علمية عليه:"لا أستطيع أن أعطيك أحد المعتقلين.. فهؤلاء لهم قضايا.. ومسجلين (كذا) بعد التجربة الأولى قد نفكر في عمليات اختطاف..لكن ليس الآن..ليس الآن."(137)
بعد اعتقال سامي يقوم ضابط المخابرات حاييم بالإفراج عنه، وبالضغط عليه من أجل التعاون معه، ولما لم ينجح، يقوم بإقناع والده بأنه يريد مقابلة ابنه في يافا، يصر الأب على الذهاب مع ابنه، والهدف المعلن من زيارة يافا هو زيارة منزل العائلة هناك، وهناك يطلب الضابط من عدنان والد سامي أن يتركه مع سامي على انفراد، يقوم حاييم بتخدير سامي ونقله إلى بيت الدكتور اسحق، ولولا يقظة رجال المقاومة ومتابعتهم لعدنان وسامي وحاييم لكان سامي في عداد الموتى، فقد اقتحم رجال المقاومة المختبر بعد خروج اسحق منه أخذوا سامي في سيارتهم وأعادوه إلى بيته.
يتبع 3
الزمن العربي :
الصراع بين القديم والجديد صراع أبدي، يدخل ضمن هذا الصراع العلاقة بين الآباء والأبناء، وهي علاقة ينقصها التفاهم على الأرجح، لأن معظم الآباء يتعاملون مع أبنائهم من منطلق الحرص عليهم، ولا يستطيع الأبناء فهم مشاعر الآباء نحوهم ويعتقدون أن مواقف الآباء إنما تأتي من منطلق فرض السيطرة فقط، ولا يدركون حقيقة مشاعر آبائهم إلا في وقت متأخر بعد أن يصبحوا آباءً، ولذا فإن الصراع بين الآباء والأبناء سيظل صراعاً أزلياً أبدياً، وليس هنا مجال الحديث عن نظرة فرويد لهذا الموضوع، ولذا سيقتصر الحديث عن بعض الحالات في الرواية الفلسطينية والتي عبر الأبناء من خلالها عن مشاعرهم السلبية تجاه آبائهم ، وقد يوجه الأبناء هذه المشاعر إلى الأب وحده، وقد يوجهونها للأب والأم معا، كما أن بعض البنات يبدين المشاعر السلبية نفسها تجاه الآباء، مع أن المعروف أن المشاعر السلبية للفتاة توجه على الأغلب نحو الأم حسب وجهة نظر فرويد فيما يسمى بعقدة إلكترا. في رواية "توائم الخوف" يتحدث شريف ضابط الشرطة عن أبيه فيقول: " نظر إلى بحدة..تلك النظرة التي كانت تخيفني منه وأنا صغير، توقعت أن يشتمني كما اعتاد أن يفعل، لكنه تمالك نفسه وقال: أنت لم تعرف مشاعر الأبوة بعد "(52)، لكن شريف يوضح لنا أنه لم يكن يرغب في هذه الجفوة بينه وبين أبيه على الرغم من اعتقاده أنه على صواب وأن أباه مخطئ، وهو يحس باعتزاز أبيه به وحبه له ولأخته(53)، وقد يوجه الابن كراهيته نحو الأم والأب معاً، يقول راوي أحمد شاهين في رواية " بيت للرجم ، بيت للصلاة " لا أذكر أن أمي احتضنتني يوماً، تعاملني ببرود شديد، أرهبها وأرهب أبي، لكن أم عبده نوعية أخرى من النساء"(54) وفي رواية "المندل" يشعر وليد بالارتياح حين يختفي الحاج فجأة، وهو يعتقد أن اختفاء والده الحاج سيحل مشاكله، ولكنه يلوم نفسه على تفكيره فهو يحب أباه، ولم يخطر بباله أن يفقده بهذه الطريقة(55)، أما في رواية "وإن طال السفر" فإن سعاد تعبر عن مشاعرها تجاه والدها بقولها:"أما أبي، فإني لم أشعر نحوه إلا بالخوف .. الخوف الشديد، حتى إذا أردت منه شيئاً أطلبه عن طريق عصام أو أمي، كانت أمي خاضعة لأبي خضوعاً تاماً، ولا تتستر علينا كما تفعل الأمهات"(56)
العمل العسكري
ارتبط العمل العسكري لفصائل منظمة التحرير بالعمل السياسي، فلا يمكن لأي عمل عسكري أن يبدأ دون قرار من المستوى السياسي، وكان الاتجاه السياسي الوحيد الذي عارض العمل العسكري هم الشيوعيون، فهم يرون أن أضرار العمل المسلح أكثر من فوائده في مرحلة لم تتهيأ الجماهير فيها لاحتضان ذلك العمل وحمايته، يقول أحد كوادر الحزب الشيوعي: "هل تذكرين اللغم الذي وضعه أحد الأفراد على خط السكة الحديد بعد الاحتلال مباشرة .. ماذا كانت النتيجة؟ اعتقل المئات وقتل عشرة أشخاص منا .. هل سمعت ما قاله الناس آنذاك؟ لو عرفوا الفاعل لسلموه إلى قوات الاحتلال .. لم يكن العمل العسكري ممكناً وقتها .. أما الآن فالوضع مختلف تماماً" (62)، ولعل عبارة" أما الآن فالوضع مختلف تماماً" تحاول تبرير مشاركة الشيوعيين في العمل المسلح، من خلال الجبهة الوطنية، بعد فترة غير بعيدة عن بداية الاحتلال، بحجة عدم التخلف عن الجماهير، والحقيقة أن الثورة الفلسطينية بدأت بالعمل المسلح دون أن يتمرس عناصرها بأشكال النضال المختلفة، والتي يأتي النضال المسلح تتويجاً لها، فقد أهملت التنظيمات الفلسطينية النضال الفكري والنضال السياسي، والنضال النقابي والنضال الطلابي، ولم تلتفت إلى مثل هذه الأشكال من النضال إلا في مرحلة متأخرة، ومع ذلك فقد استنزفتهم الصراعات، وتأسست في النصف الثاني من عقد السبعينات، نقابات متصارعة فيما بينها، إلى درجة طغت فيها الخلافات بين الاتجاهات المختلفة على التناقض الرئيسي بين هذه الاتجاهات وبين الاحتلال مما أضعفهم جميعاً وأوصلهم إلى ما هم عليه الآن، وقد تعرض الفلسطينيون للكثير من العمليات العسكرية التي كانت تستهدف الحد من نشاطهم، ومن الواضح أن هناك تفاهما ضمنيا حول ضرورة تقليم أظافر الفلسطينيين العسكرية حتى لا يخرجوا عما رسم لهم في الخفاء، وقد لجأت إسرائيل إلى تنفيذ عمليات اغتيال ضد بعض العناصر الفلسطينية التي تشكل جزءاً من النواة الصلبة لمنظمة التحرير الفلسطينية، أو تلك الشخصيات التي كانت تدعو إلى السلام مغردة بذلك خارج السرب، طارحة موضوع السلام قبل الوقت المحدد لانطلاق هذه العملية، لقد كانت الدعوة المبكرة إلى السلام تحرج إسرائيل وبعض المتنفذين في منظمة التحرير، ومن هنا كان اغتيال دعاة السلام هؤلاء مصلحة مشتركة، لقد تم اغتيال العديد من الشخصيات المهمة في منظمة التحرير، فقامت إسرائيل باغتيال الزائر المهم الذي استقبله محمد، فقد تم تفخيخ السيارة التي قادها محمد، وقد انفجرت في الصباح بعد أن ركبها المسئول،(63) وهنا يبدأ محمد بربط الأمور وتتجه شكوكه نحو سيلفيا السكرتيرة في السفارة الكندية، كما تتجه شكوكه نحو فيشرمان، خصوصا بعد أن عرف من صديق له أن سيلفيا كانت قد قدمت نفسها لبعض الطلاب في الجامعة على أنها باتريشيا وأنها تعد رسالة في الفلسفة (64) ، وعندما يكتشف (جاردنر) أن (سيلفيا) تعمل لصاح إسرائيل، وأن فيشرمان الحقيقي يوجد في استراليا، يبدأ في العمل على مساعدة محمد على التخلص من فيشرمان المزيف،(ضابط المخابرات الإسرائيلي) ولكن فيشرمان كاد يسبقهم إلى اغتيال محمد، حيث أرسل له طرداً على العنوان الذي يقيم فيه، ومن حسن حظ محمد وسوء حظ (ناتالي) أنها استلمت الطرد أثناء تواجدها عند محمد، يقول محمد:
" قلت من يا ناتالي ؟
قالت: الخادم أحضر كتاباً لك .
ـ ممن ؟
ـ لا يوجد سوى عنوانك مكتوب عليه .
قلت : من الذي يهديني كتاباً ؟
قالت : أفتحه لك .
قلت : لو سمحت ..
ثم خطر ببالي خاطر كالبرق، صرخت: لا تفعلي يا ناتالي، لكن الانفجار أضاع صرختي في الهواء"(65)
بعد ذلك رتب جاردنر موعداً بين فيشرمان وبين شخص وهمي، على أن يذهب محمد بدل الشخص الوهمي وتتم عملية الاغتيال دون أن يشعر أحد(66)، يخبر محمد أصدقاءه في مكتب المنظمة في باريس بنيته في اغتيال فيشرمان، وقد قام هؤلاء، على الرغم من القرار الذي اتخذوه بنقل محمد إلى القاهرة، بمد يد المساعدة له لينفذ العملية في أسبانيا قبل موعد مغادرة الطائرة التي حجز عليها محمد بوقت قصير، وحين وصل محمد إلى المكان المحدد في الموعد المحدد، يقول محمد،" امتقع وجهه تماماً، أصبح لونه كتمثال من شمع، جلست في مواجهته، مددت يدي في جيب معطفي، المسدس جاهز، أخرجته بسرعة وأطلقت، بان الذعر على وجهه، أطلقت مرة ثانية، رفع يده .. كفه في مواجهتي، أطلقت عليه الطلقة الثالثة، سقطت يده على المنضدة، تركت المسدس أمامه، غطيته بطرف المفرش بعد أن مسحته به، نهضت ببطء، لم يلحظ أحد ما حدث، أو بالأحرى، لم يكن هناك أحد بعد." (67)
ولعل كل ما عاناه الفلسطينيون يرجع إلى رفضهم الانخراط في عملية السلام في الشرق الأوسط، فقد قابل الفلسطينيون زيارة الرئيس السادات للقدس بشعور من الذهول والصدمة، فحتى آخر لحظة كان أبناء الشعب الفلسطيني يتوقعون ألا يطل السادات من الطائرة وأن يكون الأمر مجرد مزحة، أو مجرد خبر كاذب، بكى بعضهم عندما أطل السادات من الطائرة التي تقله(70)، لقد كان ما حدث شيء يندرج في خانة اللامنطق واللامعقول بالنسبة للعقلية العربية عموما والعقلية الفلسطينية خصوصاً، فلم تكن العقلية العربية قد تهيأت لما حدث على الرغم من انتصارات أكتوبر المجيدة، التي أعادت للمقاتل العربي على جميع الجبهات ثقته بنفسه وثقة العرب به، وعليه فإن العرب قابلوا مبادرة السادات بالرفض، ولو ظاهرياً على الأقل، وتم نقل مقر الجامعة العربية من مصر، وقد أثبتت الأيام صحة المقولة التي تؤكد أنه لا حرب دون مصر، وفي الوقت نفسه أثبتت الأيام فشل المقولة التي تقول أن لا سلام دون سوريا، فقد وقعت الأردن معاهدة سلام مع إسرائيل، ووقع الفلسطينيون اتفاقية الحكم الذاتي الذي كانوا يرفضونه، وتم الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير، والعجيب في الأمر أن لبنان صمد في وجه إسرائيل أكثر من الفلسطينيين أصحاب القضية الرئيسية، لقد ساءت العلاقات بين منظمة التحرير والرئيس السادات؛ مما أدى إلى ترحيل الفلسطينيين عن مصر، وتم تجميع الفلسطينيين من كتاب وشعراء ومترجمين وسياسيين تمهيدا لترحيلهم عن مصر، ولم يكن هناك مكان في العالم العربي يقبل دخول الفلسطينيين دون تأشيرة سوى بغداد، ذلك أن جميع السفارات العربية كانت في عطلة العيد(71)، ونظراً لما عاناه الفلسطينيون في الشتات؛ فقد أصبحت العودة إلى الوطن حلماً بل هاجساً لكلٍ منهم، فكر عبد الله في العودة، وحين سئل: وكيف ستعود؟ أجاب إن كثيراً من الفدائيين يتسللون إلى الأرض المحتلة عن طريق البحر، ويقول: "قررت العودة عن طريق بور سعيد معهم إلى غزة "(72) وقد أسهم الاحتلال في تغيير أفكار الشباب ، يقول راوي أحمد عمر شاهين: " كم يتغير المرء.. هل كنت أظن أو أفكر أن كل هؤلاء الشباب الضائعين قبل الحرب، من الممكن أن يكونوا بهذه القوة والعنف، إنه التحدي على رأي سلطان، الشعب تحت الاحتلال يكون أشرس وأكثر تمرساً بأساليب الحرب.. الحرب الشعبية" (73)، والواقع لا يؤيد ذلك، لأن الكفاح المسلح في المناطق المحتلة لم يصل في أي وقت من الأوقات إلى مستوى الحرب الشعبية، إلا إذا كان الرواي يقصد بالحرب الشعبية، كون أبناء الشعب قد أخذوا زمام المبادرة بأيديهم، لشن حرب العصابات المحدودة ضد جنود الاحتلال، أما في الخارج، وفي الأردن بالتحديد، فإن الكفاح المسلح كاد يصل إلى مستوى الحرب الشعبية خلال سلسلة المواجهات العسكرية بدءاً بمعركة الكرامة، وصولاً إلى معارك الحزام الأخضر في منطقة بيسان والأغوار، لكن الظروف التي أحاطت بالمقاومة في الأردن من ممارسات سلبية لبعض العناصر المدسوسة على المقاومة، إلى عمليات خطف الطائرات، إلى الاشتباكات بين الفلسطينيين والأردنيين، كل هذه الظروف أدت إلى إبعاد المقاومة عن أطول خط للمواجهة مع إسرائيل.
وقد لجأت إسرائيل ضمن حربها السياسية ضد العرب والفلسطينيين إلى ترويج المخدرات بين الشباب العربي، فقد اكتشف راوي أحمد عمر شاهين أن خاله بالاشتراك مع شلومو اليهودي يتاجران بالمخدرات (74)، كما أن المخابرات الإسرائيلية تقوم بواسطة عملائها بتهريب المخدرات إلى مصر لتدمير الشباب في أكبر دولة عربية يحسبون لها ألف حساب، "حكى (الراوي) لمصطفى عن الرجل العربي الذي اشترى المخدرات وعن عملية التهريب التي ستتم غداً، والمكان الذي سيتم فيه تسليم البضاعة، قال لمصطفى وهو يختم حديثه: قل لهم إن الرجال في داخل الوطن المحتل 48، يطلبون منكم التخلص من تاجر المخدرات، وأن تبلغوا السلطات المصرية عن عملية التهريب"(75)، والمخدرات هي الضلع الثاني من أضلاع مثلث الانحراف في أي بلد يقع تحت الاحتلال أو يكون في حالة حرب تسهم في خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أما الضلع الثالث، وهو الضلع الأخطر، بعد الجنس والمخدرات، فهو التعاون مع العدو، وقد حاولت المنظمة أثناء الانتفاضة وضع حد لقتل المتعاونين دون تثبت، ولم تحاول الذهاب إلى أبعد من ذلك، فقد كان من واجبها دراسة هذه الظاهرة وفهمها من أجل وضع خطة لعلاجها(77)، وقد لجأ ضباط مخابرات الاحتلال إلى إثارة الشبهات حول بعض الشباب لتوريطهم، فقد أطلق ضابط المخابرات سراح سامي الذي يتساءل "لماذا تركوه يمضي دون أن يحتجز؟ قد يقول الناس إنه برئ، لم يثبت عليه شيء، لكن زملائه(كذا)، ماذا سيقولون؟ إنهم يعرفون أنه ألقى القنبلة، هل يعقل أن يصدقوا أنهم تركوه يذهب دون تحقيق وحجز على الأقل بضعة أيام، إنه في ورطة، يجب أن يتصرف بسرعة، يريد نصيحة صديق مخلص."(78) ولكن الراوي يكشف لنا هدف (حاييم) ضابط المخابرات من إطلاق سراح سامي، إنه يريد أن يأخذه إلى الدكتور اسحق ليقوم بإجراء تجربة عليه، دون علمه، وبعد تخديره، يفكر الدكتور اسحق في إجراء عملية زرع رأس يهودي قتل حديثا على جسد سامي القوي، وذلك يضمن أن يعمل الجسد العربي القوي بعقل يهودي، يقول اسحق لحاييم لإقناعه بالفكرة: "المهم العقل المركب على الجسم.. المهم المخ الذي يفكر ويتصرف .. المهم هذا يا حاييم .. الرأس .. ما دام الرأس يهودياً .. فليس مهما الجسم الذي يركب عليه ما دام جسماً سليماً فتياً.. إنها ثورة في العلم يا حاييم .. ولن نفقد الكثير من أبنائنا إلا إذا كانت إصاباتهم في الرأس تماماً .. سيعيشون يهوداً بعقلياتهم وعرباً بأجسادهم"(79) وعليه فقد طلب حاييم من سامي أن يقابله في تل أبيب، وتحت ضغط الخوف؛ وافق والده على أن يذهبا معا، يزوران يافا، ويقابلان حاييم، يذهب والد سامي مع ابنه بعد أن أخبر أخاه الذي يعمل مع المقاومة بنيته، وبعد وصولهما يقرر(حاييم) أن يأخذ سامي وحده بحجة أنه سيناقشه في بعض الأمور، وفي بيت الدكتور اسحق يقدم له شراباً مخدراً ويتركه هناك، فهو مشغول بأشياء أخرى، يريد تدمير المقاومة من الداخل عن طريق زرع الخلافات وتنفيذ عمليات الاغتيال ضد بعض العناصر النشيطة في المقاومة، فقد " عاد (حاييم) إلى منزله بعد أن ترك سامي في بيت الدكتور اسحق مخدراً، سيقوم اسحق بالباقي، فكر في أن يمر عليه في بيته في رامات جان، لكن العملية التي يشرف على تنفيذها تشغل أفكاره، سليمان وإبراهيم يسيران حسب الخطة، التقطت السمكة الطعم، وبسهولة، لن يطول الانتظار حتى يصل النصل إلى القلب، وضع الخطة بعد أن وقع في يده عدد من الخطابات المرسلة من الخارج إلى أناس في الداخل"(80) ولكن سامي ينجو مما دبر له بفضل يقظة رجال المقاومة الذين تابعوه عن بعد واقتحموا بيت الدكتور إسحق وأنقذوه، بعد ذلك بدأ سامي في التفكير في قتل ضابط المخابرات بإلقاء قنبلة على عربته، وحينما يحاول إقناع زملائه بذلك، يبلغوه بقرار تجميد عضويته في التنظيم.(81)
يقرر عبد الله اغتيال عبد الكريم بعد نشر الإشاعات ضده واتهامه واتهام أخيه بالعمالة، وفعلا يقوم بتكليف العميلين إبراهيم وسليمان بقتل عبد الكريم، وحين تصل صورة عبد الكريم قبل قتله إلى حاييم يضحك قائلاً:"الصورة ليست لأحد أعواننا..لقد بدءوا يأكلون بعضهم..أرسل لهما(إبراهيم وسليمان) أن يتما العمل بنجاح .. بذلك يكسبون ثقة أكبر عند عبد الله، وسنعرف الكثير عن طريقهما."(82)
كما وجه بعض الكتاب النقد للمنظمة وبعض العناصر السيئة والمتنفذة فيها، فقد كان بعض هؤلاء لا يتورعون عن السرقة المكشوفة، كانت دار التحرير المسئولة عن توزيع كتب مركز الأبحاث الفلسطيني تقدم فواتير قيمتها أكبر من أثمان الكتب المباعة، وكان على المركز أن يدفع الفرق(87)، لقد أبدى بعض المخلصين قلقهم على الثورة، فقد فقدت بوصلتهم اتجاهها السليم، يقول حمزة مجيباً عن سؤال أحمد شرقاوي:"لا أدري أين أذهب. لا أدري إلى أين تفضي هذه الطرق. الدروب موحشة والزاد قليل، والرؤية غير واضحة .. الضباب ينتشر، والأرواح تتعذب، ويعلو صوت خسيس القوم على أصواتنا، الجبان يزأر، والرعديد يرفع رأسه عالياً، يتعاظم القلق، ويزداد العبث، ويكثر التخريب. الأشياء تتآكل أو تتلف أو تتداعى. تحت الخيمة مقاتل ولص، تحت سقف النار مقاتل وانتهازي. فمتى تزلزل الأرض زلزالها، وتنفجر براكين القهر، وتنتهي إلى الأبد سياسة إذلال الرجال" ( 88) ، وعلى الرغم من أن مسئول الأمن في الثورة هو الذي سرق منزل الخواجا ألبير، فإن أحدا لم يعد يتحدث عن الموضوع، بعد أن استدعي الشاهد الوحيد ضد المسئول إلى اللجنة الأمنية وضرب ضرباً مبرحاً، مما دفع بالخواجا ألبير إلى الذهاب إلى اللجنة الأمنية في بيروت وإسقاط شكواه خوفاً وهلعاً.(89)
أما المستقلون من أبناء الشعب الفلسطيني فليست لهم أية حقوق بسبب عدم انتمائهم إلى أحد التنظيمات الفلسطينية العاملة على الساحة، كل تنظيم يهتم بإبراز عناصره وكوادره حتى ولو كانوا أقل كفاءة من غيرهم من المستقلين، فقد أخفى أعضاء التنظيمات هؤلاء عن راوي أحمد عمر شاهين كتاباً جاء من بيروت يطلب المجموعات الشعرية والقصصية من إبداع أعضاء الاتحاد لنشرها عن وزارة الثقافة في العراق، ورغم عضويته في اتحاد الكتاب، فقد"فوجئ بكتب تصدر، ولم يعرف بأمر الخطاب إلا حين أخبره الصاحب بعد سنة من نشر الكتب، لم يحزن لأن مجموعته لم تنشر، بل حزن للتصرف ذاته، لم يعرف المخلص من الزائف منهم، فليس هناك معركة حقيقية تفرز كل هذه المعادن، حديثهم كله حول القضية، ظاهرهم كله يعمل للقضية، أما الحقيقة فغائبة، لمسها بقلبه، فمعظمهم يعمل لنفسه"(90)، وحين رشح راوي أحمد عمر شاهين نفسه باعتباره مستقلاً لانتخابات اتحاد الكتاب، وتساوت الأصوات التي حصل عليها مع الأصوات التي حصل عليها المرشح الآخر، ضغط الجميع عليه ليتنازل للمرشح الآخر، ولم يقف أحد بجانبه.(91)
كما تطرق سارد أحمد شاهين إلى صمود مدينة خان يونس أثناء العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 م ، وأنها ما زالت تقاوم على الرغم من وصول قوات العدو إلى مشارف قناة السويس (94) ،
2/1 الزمن:
وفي رواية أحمد عمر شاهين"وإن طال السفر" يحدثنا السارد عن بداية الحرب، فقد تركه والده مع أخيه في دكانه الكبير، وقد أغلق الدكان عليهما، فالتصق السارد بأخيه بعدما سمعا أصوات رصاص تأتي من بعيد، يقول السارد:" لم نكن نعرف لماذا أقفل والدنا الدكان علينا، لماذا لم يأخذنا إلى البيت كعادته؟ ولماذا تأخر حتى هذه الساعة؟ وأسكت الخوف ألسنتنا، وبدأ عصام يبكي، لم أكن أقل رغبة منه في البكاء، وكم تهللت وجوهنا حينما فتح الدكان فجأة، وتسلل ضوء الشمس باهراً قوياً يبدد كل مخاوفنا، دخل أبي ووجهه يقطر حزناً."(77) وقد تكرر ذكر عملية النزوح في أكثر من رواية من روايات أحمد عمر شاهين.
وبعد هذا النزوح الكبير تنتشر الخيام فوق رمال خان يونس وغيرها من مناطق قطاع غزة، ويستمر هذا الوضع حتى عام 1952م حيث قامت الوكالة ببناء مساكن طينية للاجئين تتكون من غرف متلاصقة، وسلمت لكل أسرة غرفة واحدة دون فناء، ثم ينتقل السارد إلى حرب حزيران سنة 1967م، حيث تطورت الأحداث بسرعة، وانسحبت قوات الطوارئ من سيناء، واستبشر الناس بقرب العودة إلى الوطن.(79) وتسيطر أجواء الحرب على المدينة التي تبدو كأنها بلدة أشباح، وقد طليت مصابيح السيارات باللون الأزرق، كان الجو يبعث على الرهبة ولكنه كان جواً مفرحاً.(80)وبعد النكسة أو الهزيمة، قام جنود الاحتلال بتجميع الرجال في شارع البحر أمام مستشفى ناصر في خان يونس، وأخذوا الشباب منهم إلى الإستاد الرياضي وأمروهم بالانبطاح على وجوههم، ثم أحضروا سيارات كبيرة نقلتهم إلى سجن بئر السبع، كما تم جمع السكان مرة ثانية في الشارع أمام سينما الحرية في مدينة خان يونس واختاروا الشباب وخصوصاً المعلمين والمتعلمين منهم، ونقلوهم إلى السبع، ومن هناك تم ترحيلهم إلى مصر عبر سيناء، وعند شاطئ القناة هدد الجنود الإسرائيليون بإطلاق النار عليهم؛ فتم نقلهم تحت رايـة الصليب الأحمر إلى الضفة الغربيـة للقناة، ومن هناك نقلوا إلى مديرية التحرير، حيث هرب السارد منها إلى القاهرة التي غادرها قبل أقل من عشرين يوماً فقط.(81)
وفي رواية الآخرون تطرق السارد إلى قضية ترحيل الشباب الفلسطينيين إلى مصر من خلال الاسترجاع، يقول:" نمنا تلك الليلة في مدرسة إعدادية في الإسماعيلية، ونقلنا في اليوم التالي إلى مديرية التحرير، الموظفون التابعون لإدارة الحاكم العام لقطاع غزة نقلوا إلى القاهرة لتوزيعهم على ما يناسبهم من أعمال، وظل الآخرون في مديرية التحرير."(82)
وفي روايته " بيت للرجم .. بيت للصلاة " يتحدث الشيخ يوسف مصباح إلى أحمد بعد عشرين عاما من حرب 1948 م عما تركته الحرب من آثار مدمرة على مدينة يافا أجمل مدن فلسطين ، فقد دمر جزء كبير من المدينة التي أهملت لتنمو مدينة تل أبيب على حسابها، وتحولت مبانيها الجميلة إلى نواد ليلية وبيوت للدعارة وفنادق تسمع فيها كل لغات العالم إلا اللغة العربية.(83) و"بعد أن كانت صيحات الأطفال في الشوارع محمد وعلي، وكم الساعة الآن، والسلام عليكم، وصباح الخير، ولو سمحت وعفواً، وآسف، لا يسمع الآن سوى أسماء عزرا وأبراهام وديفيد، وما هشاعه أخشاف، وشالوم، وبوقر طوف، وعيريف طوف، وبيفكشا، سليحا، أني مستعير."(84)، لقد أصبح الفلسطيني غريبا في بلده، وعاش على هامش الحياة في إسرائيل. وقد حدثنا السارد في هذه الرواية عن لحظة الرحيل ومغادرة الوطن، وكيف تسلل عائداً إلى البيت لإحضار كتبه ولعبه، ولما أحضرها وعاد إلى السيارة وجد أنها قد غادرت المكان دون أن ينتبه أهله إلى عدم وجوده؛ مما اضطره إلى العودة إلى البيت والبقاء وحيداً فيه بانتظار أن يتذكروه وأن يعودوا لأخذه، ولكنهم لم يعودوا لأنهم لم يتذكروه إلا بعد أن أصبحت العودة إليه مستحيلة، والمؤلف هنا ينشئ تناصاً معكوسا مع رواية غسان كنفاني"عائد إلى حيفا" ، فالطفل خلدون لم يكن واعياً لما يدور حوله، وقد عاد أبواه بعد عشرين عاماً آملين أن يسترجعوه، والسارد هنا كان متعلقاً بأشيائه التي يحبها، مما جعله يعود لإحضارها، وبعد عشرين عاما قرر هو البحث عن أهله في مخيم خان يونس، لقد بقيت جذوره حية ولم ينس أصله الذي انحدر منه، وهي معارضة ذكية لما ورد في رواية غسان من أن خلدون تنكر لواديه وتمسك بمربيته اليهودية لأنه لم يع الظروف القهرية التي جعلت أمه تتركه مكرهة، فهي لم تتمكن من العودة إليه. يقول السارد:" لا بد من الاتصال بالأهل بغزة إذا أردت لهذا الأمر أن يتم، وأنا أريده أن يتم، كيف يمكنني الاتصال بهم ؟ لقد مضى على حرب الأيام الستة أكثر من سنة، لم يفكر أحدهم بالمجئ والسؤال عني."(85)
وقد وصف لنا السارد "أحمد" كيف خرج من غرفة النوم بعد انقطاع صوت القذائف والرصاص، وكيف وجد قنبلة صغيرة أمام البيت، وكيف كان اليهود يعربدون في الشوارع، وكيف انطلقت المجندات اليهوديات يهتفن في الشوارع:
إحنا بنات الهاجاناه فين العرب تلقانا (86)
وبعد أن أصبح السارد رجلا عمل في صيدلية خاله، وأقام صداقات مع بعض المجندين اليهود، وبدأ يشتري منهم السلاح للمنظمات في مقابل المخدرات التي يقدمها من الصيدلية للمجندين والمجندات، كما أن مصطفى أبو العينين الملقب ب "النص" شارك في المقاومة وروع المدمنين العرب وقتل ثلاثة من اليهود.(87)
وقد قدم السارد وصفا لاستيلاء اليهود على المنازل العربية، ولم تنج من ذلك تلك المنازل التي بقي فيها أصحابها، يقول السارد:"فوجئنا ذات يوم بمن يحاول فتح الباب علينا، جرت أم عبده(مربية السارد وقد جاءت من إجازتها لتطمئن على أهله فوجدته وحيدا وقررت البقاء معه)، ولما سمعت طرقا على الباب خرجت:" لتفتح وشهقت، عائلة يهودية ومعها مندوب دائرة الاستيعاب والهجرة كما قدم نفسه ويريدون الاستيلاء على الشقة" ويستطرد السارد قائلاً :"ضاعت الشقة وضاع البيت، وكأني هاجرت تماما، كأن أبي كان يشتري الأرض ويبني البيت كي نهديه إلى أسرة يهودية أتت من آخر الدنيا لتطردنا وتسكن فيه."(88) والفلسطيني الذي لم يستطع تحقيق العودة في حياته يحققها بعد موته، فقد أوصى الأب أبناءه بأن يدفنوه في قريته التي طرد منها، وقد تحقق له ذلك بالتفاهم بين السارد وبين صديق له من قوات الطوارئ الدولية المرابطة على حدود قطاع غزة، والتي كانت تعرف مواعيد مرور الدوريات الإسرائيلية، وبالتالي تستطيع تحديد أنسب الأوقات للتسلل بالجثمان إلى قرية دير سنيد ودفنه هناك أثناء الليل.(89)
وفي رواية "المندل" يتحدث سارد أحمد عمر شاهين عن الغارة التي شنتها القوات الإسرائيلية على مركز شرطة خان يونس في يوم 31 / 8 / 1955م، والتي قتل فيها 38 شرطياً فلسطينيا، يقول السارد: "قوات الصهاينة أغارت على خان يونس، ودكت مركز البوليس فوق رءوس من فيه، وأثناء عودتها سالمة مرت بقرى بني سهيلا وعبسان الكبيرة وعبسان الصغيرة وخزاعة."(90)
والثورة تواجه العدو في كل مكان، فقد كان عملاء المخابرات الإسرائيلية يلاحقون عناصر منظمة التحرير في أوروبا ويغتالون النشيطين منهم، في رواية أحمد عمر شاهين"الآخرون" نقرأ عن الاغتيالات والاغتيالات المضادة، يلجأ العاملون في المخابرات الإسرائيلية إلى التخفي وراء واجهات غير مشبوهة مثل دور النشر أو المحال التجارية يديرون نشاطهم من خلالها، يتعرض الراوي في رواية الآخرون إلى محاولة اغتيال، ولكنه ينجو منها بأعجوبة، فيقرر اغتيال فيشرمان المزيف الذي استغل اسم فيشرمان الحقيقي والموجود في أستراليا. يصف الراوي وضع فيشرمان لحظة اغتياله بقوله:"امتقع وجهه تماماً وأصبح وجهه كتمثال من شمع، جلست في مواجهته، مددت يدي في جيب معطفي، المسددس جاهز، أخرجته بسرعة وأطلقت، بان الذعر على وجهه، أطلقت مرة ثانية، رفع يده .. كفه في مواجهتي، أطلقت عليه الطلقة الثالثة، سقطت يده على المنضدة، تركت المسدس أمامه، غطيته بطرف المفرش، بعد أن مسحته به، نهضت ببطء، لم يلحظ أحد ما حدث، أو بالأحرى لم يكن هناك أحد بعد." (108)
وقد ناقش أحمد شاهين في روايته "زمن اللعنة" قضية من أخطر القضايا التي عاشها الشعب الفلسطيني، هي قضية سرقة أعضاء الشباب الفلسطيني الأصحاء، بعد قتلهم، وزرعها لأشخاص من اليهود، تكرر ذلك الفعل مع أكثر من شهيد، يسرقون أعضاءهم الداخلية كالقلب والكلى والكبد، وعيونهم وغير ذلك من الأعضاء، وقد صور لنا أحمد شاهين بواسطة السارد كيف وصل الأمر بأحد ضباط المخابرات الإسرائيليين إلى حد الاتفاق مع أحد الأطباء على اعتقال أحد الشباب الفلسطينيين دون تسجيله في السجلات الرسمية للمعتقلين، ونقله إلى غرفة العمليات الخاصة بالدكتور اسحق، ليقوم باستبدال رأسه برأس يهودي من الذي يقتلون أثناء الاشتباكات، يحاول اسحق إقناع حاييم يقول:"المهم العقل المركب على الجسم.. المهم العقل الذي يفكر ويتصرف.. المهم هذا يا حاييم.. الرأس.. ما دام الرأس يهودياً .. فليس مهما الجسم الذي يركب عليه، ما دام جسما سليماً فتياً.. إنها ثورة في العلم يا حاييم ولن نفقد الكثيرين من أبنائنا إلا إذا كانت إصاباتهم في الرأس تماماً.. سيعيشون يهوداً بعقلياتهم وعرباً بأجسادهم."(136) يقول حاييم للدكتور اسحق بعد أن طلب أن يعطيه أحد المعتقلين لإجراء تجربة علمية عليه:"لا أستطيع أن أعطيك أحد المعتقلين.. فهؤلاء لهم قضايا.. ومسجلين (كذا) بعد التجربة الأولى قد نفكر في عمليات اختطاف..لكن ليس الآن..ليس الآن."(137)
بعد اعتقال سامي يقوم ضابط المخابرات حاييم بالإفراج عنه، وبالضغط عليه من أجل التعاون معه، ولما لم ينجح، يقوم بإقناع والده بأنه يريد مقابلة ابنه في يافا، يصر الأب على الذهاب مع ابنه، والهدف المعلن من زيارة يافا هو زيارة منزل العائلة هناك، وهناك يطلب الضابط من عدنان والد سامي أن يتركه مع سامي على انفراد، يقوم حاييم بتخدير سامي ونقله إلى بيت الدكتور اسحق، ولولا يقظة رجال المقاومة ومتابعتهم لعدنان وسامي وحاييم لكان سامي في عداد الموتى، فقد اقتحم رجال المقاومة المختبر بعد خروج اسحق منه أخذوا سامي في سيارتهم وأعادوه إلى بيته.
يتبع 3
الزمن العربي :