كريمة ثابت
03-12-2010, 02:27 PM
حزن البرتقال .. وتعب اليمام
قراءة في شعر:كريمةثابت
بقلم:درويش الأسيوطي
تقديم :
[ مساء البرتقال الحزين ] ،الديوان الذي صدر مؤخرا للشاعرة كريمة ثابت ، عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة هوأقرب للمختارات الشعرية منه إلى ديوان الحالة ، بمعنى أن الديوان لا يعبر عن مرحلة وجدانية معينة في حياة الشاعرة ، بل هو تجميع لحالات وجدانية متباينة . وقدمت في صفحاته أطياف تجاربها الشعرية ، من قصيدة التفعيلة الأسـاس في تجربة الشاعرة ، وحتى تجربة القصيدة الومضة ، وما يسمى بقصيدة النثر أيضا .
وقد انصفت الشاعرة حين قسمت ديوانها [ مساء البرتقال الحزين ] إلى كراسات : [
مساء البرتقال الحزين ـ مرثية لليمام التعب ، أسيوط تغادرني ـ من يوميات الأحمدي .. ثم كراسة الأيقونات .
ولعنا ندرك صعوبة القراءة التأويلية لحالات وجدانية متعددة ، وربما متعارضة أيضا . لهذا اخترت ـ لسببين ـ أن أقرأ معكم من قصائد الديوان كراستين فقط هما : مساء البرتقال الحزين ثم مرثية لليمام التعب . السبب الأول : أني رأيت من القراءة الأولى للديوان كله مرة واحدة ـ والقراءة المنجمة قبل ذلك ـ أن الكراستين تدوران في فلك حـالة وجدانية واحدة ، والسبب الثاني : يتعلق بشحنة الشجن التي تعكسها بقية الكراسـات على القارئ ، وأنا شيخ ضعيف ودرويش بكاء لا أتحمل معاودة القراءة .
كريمة ثابت وردة فقدت شوكها حين فاض بين ضلوعها ألق الشعر ، وبهـاء العشق الفطري ، يمامة التعب التي حينما غنت مواجعها بل مواجدنا ، غنت مواجع كل البرتقال الناعم الحزين( المرأة العاشقة ) . وأخيرا كريمة ثابت الشاعرة ـ لا أغامر إن قلـ ت ـ أنها أينع برتقالات الشعر في حدائق شعرنا العربي الحديث ، أو هي على الأقل من أهم الأصوات الشعرية العربية . هيا نقرأ معا .. عن حزن البرتقال .. وتعب اليمام .
• القراءة :
يمامة تعبة حطت على غصن الشعر ، فأشعلت حزنه ، ليستدفيء بالشعر قلب
مقرور ، أحاطه ثلج الغربة ، وثلج العلاقات ، بحثا عن ترجمان لشعر لا يترجمه الدم وحقائق القصائد . اليمامة التعبة في كراريسها لم تنشدنا البرتقال ، ولكنهاأنشدتنا الحزن .
يجمع عنوان الديوان والكراسة الأولى بين مفردات الحزن والبرتقال والمساء ، والمساء
كما نعرف هو نهاية الزمن اليومي ، يشيخ اليوم متى غاب دفء شمس البوح ، ويتلبد البياض بالسواد ، فلا ندري كيف توصف الألوان ، فإذا الزمن الشيخ يكشـف عن أوراق تفـيء إليها الروح ، أوراق تأمل الروح الشاعرة أن تكون ظلا لأغان ، ومرافيء آمنة ، تطمح أن تفيء إليها روح اليمام التعب المكدودة .
لكن كل شيء يأتي في غير وقته ، حتى الحب ، وكل الأمنيات مجرد أدعية تأمل أن يستجاب لها :
[ من يتعارك والروح
إذا امتلأت أركان الكون بهمٍّ مِلْحَاحٍ ..
وعوى في القلب صراخُ الغربة ؟!!
في هذا الزمن الشيخ ..
ترانيم أغاني فيروز
تقاسمها صوتي .. ووريدُك ]
إنه الدم في مقابل الترانيم والقصائد ، في هذا الواقـع الشائخ تحتـاج الروح الشـاعرة إلى
[ انتفاضة ] يقودها الدم في العروق لكي تنتهي مواسم الركود ، ويبدأ السفر .
[ أحتاجُ لانتفاضةٍ يقودُها دمي
[ يعوزني حجر ..]
أعبيء احتراقهُ بعطري
وساعةٍ للصفر
كي أبدأ الإيناع
وتنتهي مواسم الركود ..
ويبدأ السفر ]
والسفرهنا ليس هومفتتح الغربة ، بل هو الطريق لشاطيء متسع من الوريد للوريد .
تتناثر في خلايا قصائدكريمة ثابت مفردات المعاناة والتعب لترسم لنا حياة حزينة مرهقة ،
بلا معنى ، حتى يصير العمر كله وطنا للهلام واللاشيء :
[ ماأنت يا وطن الهلام ؟
ويا مناديلا مذيلة بأرقي ..
يا دماً منقوشة من فوق أحرفه ملامحي المراقة ؟
ماأنت يا وجعًا وسيمًا
ماثلا في كل ناصيةٍ
ومفتاحًا لكل الأروقة ]
هكذا يصبح الوطن / الشعر مفتاحا لكل الدهاليز والأروقة المعبأة بأحزان البرتقال . قصائد كريمة ثابت في هذا الديوان حالة من التوجع ـ يصعب تحملها ـ تسود قصائد البرتقال ، فالعطر يتيم ، محاصر بالريح ، والروح تأفل ، والحائط المتربص يمتص مسجونه ، وما يطلق عليه البيت لم يعد بيتا بعد أن هجر [ البيت المعنى ] جدرانه وعادمجرد أحجارتسجننا .
وبرغم كل هذاالحزن والتعب ، تظل هناك مساحة للحلم ، لو على سبيل الاسترجاع بالمعنى الدرامي ، حلم مستعاد تضع الشاعرة شروطه ، وتحاول أن ترسم ملامح سندبادها ، فهي لا تريد فتى أحلامها مجرد رجل ، فهي ليست مجرد امرأة ، لذا هي تريده سندبادا دائم السفر منها وإليها، وهي تدرك أن هذا الرجل /الحلم لم يعد في زمنه الطبيعي فتبدأ قصيدة الحلم بلفظة دالة ومؤلمة أيضا [ كنتُ] . التي تحمل دلالة بينونة الفعل وبينونة الزمن :
[ كنتُ أريد سندبادًا
يشيلُ قلبَهُ فوق يديه
كعكة للفقراء ..
يخشُّ كل ليلية
سَفرًا جديدا ...
ويحكي لي دماءه
إذا جاء المساء ..]
هذا الحلم المتردد الأصداء عبر معظم قصائد الشاعرة يعيدنا إلى المفتاح [الوطن/الشعر] فالشاعرة ترغب في أن تقيم عالما من الحلم ، هي أول من يعرف أنه غير حقيقي، لكنها تأمل أن تحتمي به من هجير حياتها حتى ولو فاض الشعر سوسنا مثلجا فلا فائدة :
[ أهرول ..
وأحتمي بدفاتر الأشعار
دون فائدة
أفيض سوسنا مثلجا
وأنزف ارتعاشا ذابلا ..
أغيب ..
دون فائدة ]
في قصيدة [ مساء البرتقال الحزين ] تتبدى صور الإحساس بنزيف الزمن ، وتسربه من بين أصابع الشاعرة ، ذلك الزمن الذي صار موسما واحدا هو الخريف . وهو خريف غريب الملامح ، ليس بالتأكيد هو الخريف بالمعنى المتعارف عليه ، بل هو الحبيب / الخريف ، موسم ممتد للفقد ، والبرودة والوحدة ، التي تعبر عنهما الشاعرة بمفردة الثلج ، فـ [ الحبيب / الخريف] عندما يطأ القلب العاشق ، يُساقطُ القلبُ ثلوجهُ ويذبل ، كما تساقط الأشجار أوراقها وتذبل في خريفها . تموت الابتسامة قتلا وتسمل عين الورود ، ويحترق الإخضرار ، وبدلا من أن يفيض سوسنا ، يفيض سوسنامثلجا وتصير الشعر ماردا من الثلج وتصير الشاعرة جبلا من القش سماء من عبير الحزن ، ماء عطنا وتربة عقيمة لا تنتظر موسما للإنبات .
في هذه القصيدة تتردد مفردة الخريف بشكل لافت ، حتى أنك تحس أنها المفردة المفتاح ولا يشاركها هذا التأثير سوى مفردة المساء التي تحول مساء البرتقال إلى مساءات من الحزن
والجفاف والغربة .
ترى الشاعرة نفسها في [ ندى ] الطفلة ، فـ [ ندى ] تعيد إليها وإلينا كريمة الطفلة
البراءة والحلم ، أو ندى هي المعادل للأنثى الشاعرة قبل أن تخوض تجاربها الثلجية ، هي التي حلمت فيما مضى ، ولم تتحقق أحلامها فهي حينما تتحدث عن ندى تستخدم الأفعال الماضية :
[ شاطئا .. وردة ..
ذاك كل ما تمنتْهُ ندى ..!!
لم تطلب النجوم في السما ،
ولا أن تغتدي أميرةً
وقصرها المدى ..
قلبٌ دفيءٌ كان يكفي ..!!
وبرتقالةٌ ضحوك ..
ودفترٌ من الأشعار
يؤنس الفؤاد في سواد الاغتراب ..
.............
لم تظن أن حلمها البريء..
دونه الردى ]
ندى هي الشاعرة / الطهر الذي لم يكن قد لوثه الغدر ، نحن أمام حلم مقتول عمدا ، يمتد فتاها خيطا في الذاكرة الشاعرة يفضح حجم المسافة ما بين الحلم والواقع ، هي عينها المسافة بين النهر والرزازالذي لا تتوضأ منه شقوق الأرض ولا يطفيء غلة . وتبدو لنا المشكلة أعمق حينماتحاول الشاعرة أن تعيد صياغة الواقع ليصير حلما أو أن ينصاع لمقاييس الحلم ، حينئذ تتحول الحياة إلى جحيم ، والحلم إلى مسخ ، وتصبح الحياة والشعر بلا قيمة :
[ فعندما بترت ساعديك ..
فقأت عينيك ،
زرعت جمرتين بدلا منهما
عندما صرت مسخا
تحولت كل الملائكة إلى مسوخ ،
وكل الزهر إلى شوك ..
.........................
لماذاإذن أغني ؟!!]
تدرك الشاعرة أنها تحاول أن تعيد بناء حلم شاخ ، وأن الشيخوخة تستعصى لا على العلاج فقط بل وعلى الجراحة أيضا :
[ يا له من سحابٍ
يجيدُ ارتداء شجونِ يمامٍ تَعِب ..!!
لم يعد للقصيدة بهجتها ..
لم تعد موطئا للبكاء ..
ولا واحة للعب ..!!
...............................
سقطت في الطريق ملامحها ،
ضاع منها الرحيق ،
احتواها الذبول
فراحت تفتش عن سحرها في كهوف المساءات
وارتعدت حين واجهها زيف أحلامنا
واصفرار الكتب ..
شاخت الأوردة
لم يعد للجراحة فائدة ..
كيف لي أن أعبيء بالضوء قلبا خرابا ..
وذاكرة مظلمة ..؟!!]
اليمامة الشاعرة ، بعد أن مارست كل حيل الإيهام الشعري حول التجربة المرة ، تحاول أخيراأن تخدع نفسها حين تعلن بوضوح تحديها الطفولي والأنثوي للمعشوق الأول :
[ سأهيم بغيرك ..
وأزين بيداء مشاعره بعناقيد الشعر ..
أقيم له بدمي
بستان العاطفة البكر ]
اليمامةتعلم تماما أن العاطفةالبكر التي تتحدث عنها فضت بكارتها في زمن مضى ، وأن العشق ليس من خيارات القلوب ، لهذا لم أتوقف أمام هذه القصيدة المرة إلا باعتبارها محاولات ثأر طفولية ، ومشاكسة من يمام مشاكس ، أدمى قلبه العشق لمن لا يستحق العشق . فعشق يزرع خنجر غدره المر بين حدائق السكر لا يستحق أن يبقى ، لو أن هذا كان باختيارنا أو بملكنا ، لكن :
[ ماذا لو أنا نختار ؟!!
هل قدر أن نحيا ما نبغض ..
ونمارس ما نلعن
نتجرع كأسا مرا
ويضيع العمر كوابيسا
ملأى بالأشباح
ونحلم باللايأتي ...
ماذا لو أنا نختار ..؟!!]
يمامتنا المشاكسة رغم حزن البرتقال ، وشيخوخة الزمن ، وخنجر الغدر ، لا تستسلم ، تحلم وترفض واقعها حتى ولو كان الوطن .. أوالوطن / الشعر :
[ لي أن أبحث عن وطن
يعزف تفاح البوح
يصون هراءاتي في القلب ،
لا يضرب فوق أنامل أطفالي
حين يخطون الفوضى ،
أو يمتلئون بحلم اللون
ولون الحلم
وفاكهة الإبداع ...]
درويش الأسيوطي
قراءة في شعر:كريمةثابت
بقلم:درويش الأسيوطي
تقديم :
[ مساء البرتقال الحزين ] ،الديوان الذي صدر مؤخرا للشاعرة كريمة ثابت ، عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة هوأقرب للمختارات الشعرية منه إلى ديوان الحالة ، بمعنى أن الديوان لا يعبر عن مرحلة وجدانية معينة في حياة الشاعرة ، بل هو تجميع لحالات وجدانية متباينة . وقدمت في صفحاته أطياف تجاربها الشعرية ، من قصيدة التفعيلة الأسـاس في تجربة الشاعرة ، وحتى تجربة القصيدة الومضة ، وما يسمى بقصيدة النثر أيضا .
وقد انصفت الشاعرة حين قسمت ديوانها [ مساء البرتقال الحزين ] إلى كراسات : [
مساء البرتقال الحزين ـ مرثية لليمام التعب ، أسيوط تغادرني ـ من يوميات الأحمدي .. ثم كراسة الأيقونات .
ولعنا ندرك صعوبة القراءة التأويلية لحالات وجدانية متعددة ، وربما متعارضة أيضا . لهذا اخترت ـ لسببين ـ أن أقرأ معكم من قصائد الديوان كراستين فقط هما : مساء البرتقال الحزين ثم مرثية لليمام التعب . السبب الأول : أني رأيت من القراءة الأولى للديوان كله مرة واحدة ـ والقراءة المنجمة قبل ذلك ـ أن الكراستين تدوران في فلك حـالة وجدانية واحدة ، والسبب الثاني : يتعلق بشحنة الشجن التي تعكسها بقية الكراسـات على القارئ ، وأنا شيخ ضعيف ودرويش بكاء لا أتحمل معاودة القراءة .
كريمة ثابت وردة فقدت شوكها حين فاض بين ضلوعها ألق الشعر ، وبهـاء العشق الفطري ، يمامة التعب التي حينما غنت مواجعها بل مواجدنا ، غنت مواجع كل البرتقال الناعم الحزين( المرأة العاشقة ) . وأخيرا كريمة ثابت الشاعرة ـ لا أغامر إن قلـ ت ـ أنها أينع برتقالات الشعر في حدائق شعرنا العربي الحديث ، أو هي على الأقل من أهم الأصوات الشعرية العربية . هيا نقرأ معا .. عن حزن البرتقال .. وتعب اليمام .
• القراءة :
يمامة تعبة حطت على غصن الشعر ، فأشعلت حزنه ، ليستدفيء بالشعر قلب
مقرور ، أحاطه ثلج الغربة ، وثلج العلاقات ، بحثا عن ترجمان لشعر لا يترجمه الدم وحقائق القصائد . اليمامة التعبة في كراريسها لم تنشدنا البرتقال ، ولكنهاأنشدتنا الحزن .
يجمع عنوان الديوان والكراسة الأولى بين مفردات الحزن والبرتقال والمساء ، والمساء
كما نعرف هو نهاية الزمن اليومي ، يشيخ اليوم متى غاب دفء شمس البوح ، ويتلبد البياض بالسواد ، فلا ندري كيف توصف الألوان ، فإذا الزمن الشيخ يكشـف عن أوراق تفـيء إليها الروح ، أوراق تأمل الروح الشاعرة أن تكون ظلا لأغان ، ومرافيء آمنة ، تطمح أن تفيء إليها روح اليمام التعب المكدودة .
لكن كل شيء يأتي في غير وقته ، حتى الحب ، وكل الأمنيات مجرد أدعية تأمل أن يستجاب لها :
[ من يتعارك والروح
إذا امتلأت أركان الكون بهمٍّ مِلْحَاحٍ ..
وعوى في القلب صراخُ الغربة ؟!!
في هذا الزمن الشيخ ..
ترانيم أغاني فيروز
تقاسمها صوتي .. ووريدُك ]
إنه الدم في مقابل الترانيم والقصائد ، في هذا الواقـع الشائخ تحتـاج الروح الشـاعرة إلى
[ انتفاضة ] يقودها الدم في العروق لكي تنتهي مواسم الركود ، ويبدأ السفر .
[ أحتاجُ لانتفاضةٍ يقودُها دمي
[ يعوزني حجر ..]
أعبيء احتراقهُ بعطري
وساعةٍ للصفر
كي أبدأ الإيناع
وتنتهي مواسم الركود ..
ويبدأ السفر ]
والسفرهنا ليس هومفتتح الغربة ، بل هو الطريق لشاطيء متسع من الوريد للوريد .
تتناثر في خلايا قصائدكريمة ثابت مفردات المعاناة والتعب لترسم لنا حياة حزينة مرهقة ،
بلا معنى ، حتى يصير العمر كله وطنا للهلام واللاشيء :
[ ماأنت يا وطن الهلام ؟
ويا مناديلا مذيلة بأرقي ..
يا دماً منقوشة من فوق أحرفه ملامحي المراقة ؟
ماأنت يا وجعًا وسيمًا
ماثلا في كل ناصيةٍ
ومفتاحًا لكل الأروقة ]
هكذا يصبح الوطن / الشعر مفتاحا لكل الدهاليز والأروقة المعبأة بأحزان البرتقال . قصائد كريمة ثابت في هذا الديوان حالة من التوجع ـ يصعب تحملها ـ تسود قصائد البرتقال ، فالعطر يتيم ، محاصر بالريح ، والروح تأفل ، والحائط المتربص يمتص مسجونه ، وما يطلق عليه البيت لم يعد بيتا بعد أن هجر [ البيت المعنى ] جدرانه وعادمجرد أحجارتسجننا .
وبرغم كل هذاالحزن والتعب ، تظل هناك مساحة للحلم ، لو على سبيل الاسترجاع بالمعنى الدرامي ، حلم مستعاد تضع الشاعرة شروطه ، وتحاول أن ترسم ملامح سندبادها ، فهي لا تريد فتى أحلامها مجرد رجل ، فهي ليست مجرد امرأة ، لذا هي تريده سندبادا دائم السفر منها وإليها، وهي تدرك أن هذا الرجل /الحلم لم يعد في زمنه الطبيعي فتبدأ قصيدة الحلم بلفظة دالة ومؤلمة أيضا [ كنتُ] . التي تحمل دلالة بينونة الفعل وبينونة الزمن :
[ كنتُ أريد سندبادًا
يشيلُ قلبَهُ فوق يديه
كعكة للفقراء ..
يخشُّ كل ليلية
سَفرًا جديدا ...
ويحكي لي دماءه
إذا جاء المساء ..]
هذا الحلم المتردد الأصداء عبر معظم قصائد الشاعرة يعيدنا إلى المفتاح [الوطن/الشعر] فالشاعرة ترغب في أن تقيم عالما من الحلم ، هي أول من يعرف أنه غير حقيقي، لكنها تأمل أن تحتمي به من هجير حياتها حتى ولو فاض الشعر سوسنا مثلجا فلا فائدة :
[ أهرول ..
وأحتمي بدفاتر الأشعار
دون فائدة
أفيض سوسنا مثلجا
وأنزف ارتعاشا ذابلا ..
أغيب ..
دون فائدة ]
في قصيدة [ مساء البرتقال الحزين ] تتبدى صور الإحساس بنزيف الزمن ، وتسربه من بين أصابع الشاعرة ، ذلك الزمن الذي صار موسما واحدا هو الخريف . وهو خريف غريب الملامح ، ليس بالتأكيد هو الخريف بالمعنى المتعارف عليه ، بل هو الحبيب / الخريف ، موسم ممتد للفقد ، والبرودة والوحدة ، التي تعبر عنهما الشاعرة بمفردة الثلج ، فـ [ الحبيب / الخريف] عندما يطأ القلب العاشق ، يُساقطُ القلبُ ثلوجهُ ويذبل ، كما تساقط الأشجار أوراقها وتذبل في خريفها . تموت الابتسامة قتلا وتسمل عين الورود ، ويحترق الإخضرار ، وبدلا من أن يفيض سوسنا ، يفيض سوسنامثلجا وتصير الشعر ماردا من الثلج وتصير الشاعرة جبلا من القش سماء من عبير الحزن ، ماء عطنا وتربة عقيمة لا تنتظر موسما للإنبات .
في هذه القصيدة تتردد مفردة الخريف بشكل لافت ، حتى أنك تحس أنها المفردة المفتاح ولا يشاركها هذا التأثير سوى مفردة المساء التي تحول مساء البرتقال إلى مساءات من الحزن
والجفاف والغربة .
ترى الشاعرة نفسها في [ ندى ] الطفلة ، فـ [ ندى ] تعيد إليها وإلينا كريمة الطفلة
البراءة والحلم ، أو ندى هي المعادل للأنثى الشاعرة قبل أن تخوض تجاربها الثلجية ، هي التي حلمت فيما مضى ، ولم تتحقق أحلامها فهي حينما تتحدث عن ندى تستخدم الأفعال الماضية :
[ شاطئا .. وردة ..
ذاك كل ما تمنتْهُ ندى ..!!
لم تطلب النجوم في السما ،
ولا أن تغتدي أميرةً
وقصرها المدى ..
قلبٌ دفيءٌ كان يكفي ..!!
وبرتقالةٌ ضحوك ..
ودفترٌ من الأشعار
يؤنس الفؤاد في سواد الاغتراب ..
.............
لم تظن أن حلمها البريء..
دونه الردى ]
ندى هي الشاعرة / الطهر الذي لم يكن قد لوثه الغدر ، نحن أمام حلم مقتول عمدا ، يمتد فتاها خيطا في الذاكرة الشاعرة يفضح حجم المسافة ما بين الحلم والواقع ، هي عينها المسافة بين النهر والرزازالذي لا تتوضأ منه شقوق الأرض ولا يطفيء غلة . وتبدو لنا المشكلة أعمق حينماتحاول الشاعرة أن تعيد صياغة الواقع ليصير حلما أو أن ينصاع لمقاييس الحلم ، حينئذ تتحول الحياة إلى جحيم ، والحلم إلى مسخ ، وتصبح الحياة والشعر بلا قيمة :
[ فعندما بترت ساعديك ..
فقأت عينيك ،
زرعت جمرتين بدلا منهما
عندما صرت مسخا
تحولت كل الملائكة إلى مسوخ ،
وكل الزهر إلى شوك ..
.........................
لماذاإذن أغني ؟!!]
تدرك الشاعرة أنها تحاول أن تعيد بناء حلم شاخ ، وأن الشيخوخة تستعصى لا على العلاج فقط بل وعلى الجراحة أيضا :
[ يا له من سحابٍ
يجيدُ ارتداء شجونِ يمامٍ تَعِب ..!!
لم يعد للقصيدة بهجتها ..
لم تعد موطئا للبكاء ..
ولا واحة للعب ..!!
...............................
سقطت في الطريق ملامحها ،
ضاع منها الرحيق ،
احتواها الذبول
فراحت تفتش عن سحرها في كهوف المساءات
وارتعدت حين واجهها زيف أحلامنا
واصفرار الكتب ..
شاخت الأوردة
لم يعد للجراحة فائدة ..
كيف لي أن أعبيء بالضوء قلبا خرابا ..
وذاكرة مظلمة ..؟!!]
اليمامة الشاعرة ، بعد أن مارست كل حيل الإيهام الشعري حول التجربة المرة ، تحاول أخيراأن تخدع نفسها حين تعلن بوضوح تحديها الطفولي والأنثوي للمعشوق الأول :
[ سأهيم بغيرك ..
وأزين بيداء مشاعره بعناقيد الشعر ..
أقيم له بدمي
بستان العاطفة البكر ]
اليمامةتعلم تماما أن العاطفةالبكر التي تتحدث عنها فضت بكارتها في زمن مضى ، وأن العشق ليس من خيارات القلوب ، لهذا لم أتوقف أمام هذه القصيدة المرة إلا باعتبارها محاولات ثأر طفولية ، ومشاكسة من يمام مشاكس ، أدمى قلبه العشق لمن لا يستحق العشق . فعشق يزرع خنجر غدره المر بين حدائق السكر لا يستحق أن يبقى ، لو أن هذا كان باختيارنا أو بملكنا ، لكن :
[ ماذا لو أنا نختار ؟!!
هل قدر أن نحيا ما نبغض ..
ونمارس ما نلعن
نتجرع كأسا مرا
ويضيع العمر كوابيسا
ملأى بالأشباح
ونحلم باللايأتي ...
ماذا لو أنا نختار ..؟!!]
يمامتنا المشاكسة رغم حزن البرتقال ، وشيخوخة الزمن ، وخنجر الغدر ، لا تستسلم ، تحلم وترفض واقعها حتى ولو كان الوطن .. أوالوطن / الشعر :
[ لي أن أبحث عن وطن
يعزف تفاح البوح
يصون هراءاتي في القلب ،
لا يضرب فوق أنامل أطفالي
حين يخطون الفوضى ،
أو يمتلئون بحلم اللون
ولون الحلم
وفاكهة الإبداع ...]
درويش الأسيوطي