مشاهدة النسخة كاملة : نقاش هادئ في جدل مشتعل - قراءة نقدية في جريدة الجريدة الكويتية
د. مصطفى عطية جمعة
02-18-2010, 09:41 AM
الإخوة والأخوات الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه قراءة نقدية جديدة للدكتور مصطفى عطية ، نشرت اليوم الخميس في جريدة الجريدة الكويتية ويتناول الجدل المشتعل على صفحات صحف الكويت حول ما ذكره البعض أن هناك تشابها بين رواية الثوب لطالب الرفاعي ورواية " ليلة الجنون" لمنى الشافعي ، إنها قراءة نقدية مقارنة بين الروايتين تحاول أن تناقش بهدوء ما يدعيه البعض بأنه سرقة ، أو تشابه أو تأثر ، وتنزع فتيل الخلاف عن قضية ليست محل خلاف .
تحياتي إليكم
د. مصطفى عطية
الكويت
وإليكم رابط الدراسة
http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=148303
د. مصطفى عطية جمعة
02-18-2010, 09:47 AM
نص القراءة النقدية :
حول التشابه بين روايتي " ليلة جنون " لمنى الشافعي ، والثوب لطالب الرفاعي ، قراءة في المعركة المثارة :
نقاش هادئ في جدل مشتعل
د. مصطفى عطية جمعة
اشتعل خلاف مؤخرا على صفحات بعض الصحف حول اتهام البعض للأستاذ طالب الرفاعي الذي ألّف رواية " الثوب " ( دار المدى – دمشق، 2009 ) ، مشيرين إلى أن روايته المذكورة بها بعض التشابه مع رواية الأديبة منى الشافعي المعنونة بـ " ليلة الجنون" ( المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 2008م ) ، وذهب البعض في رده إلى أن هناك تشابها يصل إلى درجة التطابق بين الروايتين ، وبعضهما يرى أنه مجرد تشابه في المحور وبعض أجواء الروايتين .
بداية نؤكد أن الناقد المتمرس ( الموضوعي ) لا يقف عند حيلة فنية أو قالب قد يلجأ إليه هذا الكاتب أو ذاك باحثا عن التشابه في هذه الحيل والقوالب، لأنه من الوارد وجود دائرة تأثير مشتركة بين الأدباء في العالم في القوالب الفنية ، وإنما يتناول الناقد العمل الأدبي بشكل كلي ، يتجاوز فيه الكلمات والجمل، وأيضا المشاهد الجزئية التفصيلية ، لصالح النص بشكل عام ، وما يطرحه النص ، وشخصيات النص وأحداثه ، والرسالة التي يروم السارد توصيلها .
وحقيقة الأمر ، عندما نتأمل الروايتين – موضع الجدل - وبشكل محايد وبنقاش هادئ، نجد أن هناك اختلافا أساسيا وجوهريا بين أجواء الروايتين ، فرواية " ليلة الجنون " لمنى الشافعي تقدم لنا عالما رومانسيا عن مجتمع الجامعة الكويتي من خلال شخصية البطلة "سارة "التي هي نموذج للفتاة الطامحة إلى الاستقلال الذاتي ، والتفوق العلمي والأكاديمي ، وأنها نموذج في كتابة الشعر ، وقد استعارت مقاطع شعرية من نصوص الشاعرة سعدية مفرح ، ونرى بين ثنايا الرواية الكثير من اللقطات عن الصراع بين الاتجاهات الفكرية والثقافية في المجتمع الجامعي : اليسار والإسلاميين والقبليين ونرى على ضفاف الرواية كثيرا من ملامح الجامعة ، والخلافات الاجتماعية التقليدية التي تفرض نفسها بقوة في حياة الشباب ، وتحاول البطلة / الشاعرة/ الأكاديمية أن تتحداها ، وتقدم طرحها المستقل حولها، وهو طرح في مجمله ينطلق من مفاهيم حرية المرأة ورغبتها في إثبات ذاتها ، وعدم الاستسلام لنمطية الحياة : الزواج والأولاد والرغبة في الزوج الثري ، لتكون طامحة إلى عالم ثقافي وعلمي متميز، ولها الحق في اختيار شريك حياتها ، وأن تتزوج في الوقت الذي تريده ، ومن الشخص الذي تريده . كل هذا يتم على لسان شخصية سارة ، التي حمّلتها الساردة / المؤلفة الكثير من أفكارها ورؤاها حول المرأة الجديدة ، فتاة المستقبل، فيمكن أن نطلق عليها رواية " المرأة الكويتية الجديدة" التي تخالف النظرات التقليدية حول المرأة : قعيدة المنزل ، بسيطة التفكير ، طموحاتها مادية، وفي أحسن الأحوال طموحات متعلقة بما ينجزه الزوج وما يحققه الأبناء.
أما رواية الثوب للأستاذ طالب الرفاعي ، فهي تنحو في عالم مختلف تماما، فهو يكتب بشكل صريح ، واضح ، صادما القراء منذ الصفحات الأولى بأنه يكتب عن جزء من حياته الخاصة فيذكر اسمه الصريح منذ البدء فهي رواية تتقاطع مع بعض السيرة الذاتية لمؤلفها ، أو يمكن القول إنها رواية شفافة الطرح ، تمزق علاقة الإيهام المفترضة بين المتلقي والسارد ، فكأنها لعب على المكشوف، فنجد أسماء : زوجة طالب ، وابنته فرح وابن أخيه الذي عاش معه في المنزل منذ نعومة أظفاره ، وتزوج مبكرا من فتاة أحبها ، وأنجب طفلة صغيرة ، ولكن زوجته / حبيبته استرابت في بعض سلوكه ، فوصل الأمر بينهما إلى حافة الطلاق ، وتتقاطع مع هذه الحكاية عرضٌ مغرٍ للروائي المعروف من قِبَل أحد رجال الأعمال ؛ يتمثل في أن يقوم السارد ( طالب ) بكتابة رواية عن حياة رجل الأعمال ، في مقابل مكافأة مالية كبيرة ، داعبت خيال الروائي ، كي يسدد ما تبقى من أقساطه ، ويؤمن بعضا من مستقبله المادي . وفي ثنايا الرواية ، نجد آراء السارد / المؤلف حول واقع المجتمع الكويتي وهو يعود بذاكرته إلى سنوات السبعينيات حيث كانت الاتجاهات الفكرية تقدمية الطابع ، وحيث كانت الحياة – كما يرى – أكثر إشراقا ، وأخصب ثقافة.
ويأتي مكمن التشابه المزعوم في طبيعة شخصية البطلة ( سارة ) في رواية ليلة الجنون والبطل ( طالب ) في رواية الثوب ، حيث يرى البعض أن لكل منهما رديفا أو صاحبا خفيا أو ظلا يصاحبه ، ويحاوره .
في رواية " ليلة الجنون " تسللت الشخصية / إلى جسد البطلة ( في رواية ليلة الجنون ) ، وأن أمها أخبرتها بتسلل هذه الشخصية منذ الميلاد ، فهي تحاور البطلة ، وتطلُ في ثنايا السرد الروائي بصوت خفي ، يحاول أن يشكل صوتا مضادا أو معارضا أو ناصحا أو موضحا لمسيرة وحركات البطلة ، فهي تقترب هنا من عالم الفانتازيا بعض الشيء ، وفي كلتا الروايتين ولدت الشخصية عقب ميلاد البطل.
أما في رواية " الثوب " فإن هناك شخصية " عليان " الذي يصاحب البطل المؤلف ، وينافحه ، فهي أشبه بصوت الضمير في ثنايا النفس ، عندما يرفع عقيرته محذرا من مغبة بعض التصرفات .
إن الفرق بين هاتين الشخصيتين واضح ، فنجد لدى منى الشافعي الشخصية / الظل ، غير محددة المعالم ، إنها مجرد صوت يظهر على هيئة منولوج داخلي بين الساردة وظلها ، فهي أشبه بالتوأم / المحاور / الكائن المصاحب .
بينما هي شخصية محددة الاسم لدى طالب الرفاعي ، تحاوره وتناصحه فهي أشبه بالشخصية المحاورة . وبينما تمعن الشخصية المصاحبة لسارة في الفانتازيا في حوارها مع هذه الساردة ، عبر صوت داخلي يقترب أحيانا من المونولوج ، فإن السارد " طالب " يمعن في الواقعية مع شخصيته عليان .
والحق يقال ، إن هذه الفكرة أو الحيلة أو القالب موجود بشكل أو بآخر في الكثير من الأعمال الأدبية : شعرا وقصا ، وعلى سبيل المثال ، هناك رواية الأديب المصري خليل الجيزاوي ( الصادرة عام 2006 عن الدر العربية للعلوم - ناشرون ) بعنوان "مواقيت الصمت " ، ونرى فيها الشخصية لها توأم يحاورها منذ الميلاد وإلى الموت ، في عالم فانتازي ، وتتناول ظاهرة عمالة الأطفال وأبناء الشوارع .
وهي أيضا فكرة منبثة في كثير من العوالم الشعرية ، أساسها وجود ذات أخرى تحاور الذات المبدعة ، وتناقشها ، وهو ما يسمى استحضار ذوات جدلية، كما في بعض قصائد الشاعر محمد عفيفي مطر ، وصلاح عبد الصبور ، وأمل دنقل ومحمد يوسف وغيرهم .
فاستحضار ذات أخرى بشكل فانتازيّ أمر شائع ومطروق في الروايات الأدبية ، وفي الكويت مثلا نجد في رواية " الكائن الظل " لإسماعيل فهد إسماعيل الصادرة منذ ما يزيد على عشر سنوات ، نجد فيها استحضارا أو استدعاء لشخصية تاريخية يحاورها البطل ويقيم معها علاقة ، وتلازمه كظله ، ويرحل معها في أعماق الزمان .
كما أن طبيعة المجتمع الكويتي وصغر حجمه النسبي ، وكون شخصية البطلين في الروايتين أديبين ، يجعل هناك بعض الأحداث المتشابهة بين الروايتين ، وهذا أمر لا يستوجب تهمة التأثر أو الاتهام ، فقراءة الأعمال الروائية لا تقف عند الجزئيات ، وإنما عند مضمون العمل ، وأجوائه ، وشخصياته ، وأحداثه ، والدلالات المتولدة من هذا المزيج الفني .
إذن ، شتان بين عالمي الروايتين ، وفرق كبير بين أجوائهما ، وإن كانت الرسالة مشتركة بينهما ، وهي رسالة كل أديب يتعايش مع قضايا المجتمع ، ويرغب في المزيد من التحرر ، والانطلاق الفكري والثقافي ، للمجتمع .
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir