صالح سعيد الهنيدي
08-15-2005, 12:20 AM
محمود شاكر
ولد الأستاذ محمود شاكر عام 1909 لعائلة من العلماء فأبوه هو الشيخ محمد شاكر الشخصية الأزهرية المعروفة ومن رجال حاشية الخديوي عباس الثاني وأخوه الشيخ أحمد شاكر عالم الحديث المشهور وصاحب الأعمال الكثيرة تأليفاً وتحقيقاً وقد كان رحمه الله من رموز الحركة السلفية البارزة في مصر والعالمين العربي والإسلامي.
--وهو يقول إنه أولع بالرياضيات بين الثالثة عشرة والسابعة عشر من عمره لذلك دخل القسم العلمي في "المدرسة الخديوية الثانوية" على أنه كان مع ذلك شغوفاً بالشعر والأدب والتاريخ فلما أنشئت الجامعة المصرية خالف اتجاهه العلمي وتوسط له الدكتور طه حسين فقبل في كلية الآداب عام 1927 وكان قد قرأ على شيخه وشيخ طه حسين سيد بن علي المرصفي ("المتنبي"-ص11 وانظر ما يقوله طه حسين عن هذا الأديب الناقد في مطلع كتابه "في الأدب الجاهلي") ونتج عن هذه القراءة عنده (كما عند طه حسين) إجلال للشعر الجاهلي واحتقار لشعر "المحدثين" (أي شعر العصر العباسي وما تبعه) وقاده ذلك إلى قراءة طويلة عميقة في الشعر الجاهلي فوجد كما يقول فرقاً واضحاً بين الشعر الجاهلي وكل من الشعر الأموي والشعر العباسي على ضآلة ما يفصل العصر الجاهلي عن العصرين الأموي والعباسي من الزمن مقارنة بما يفصله عن عصرنا. وقد اهتدى للوصول إلى هذه النتيجة باتباع منهاج خاص في التذوق يصفه في كتابه عن المتنبي ولأنه ليس من موضوع هذا المقال فنكتفي بالإشارة إليه هنا.
وفي عام 1925 أطلعه الأستاذ أحمد تيمور على مقالة مرجليوث التي أصبحت فيما بعد مشهورة بعد أن أخذ طه حسين فكرتها الجوهرية وبنى على هذه الفكرة نظريته في الشعر الجاهلي التي نشرها في كتاب بهذا الاسم أثار ضجة كبرى عام 1926.
الأستاذ محمود شاكر تلقى دراسة عميقة الأثر باللغة الإنجليزية في طفولته وهذه الدراسة كانت وفق النظام الذي أدخله الإنجليزي "دنلوب" على المدارس المصرية (17 مارس 1897) وبهذا النظام انتقل الغزو الثقافي من مرحلة البعثات التي تعتمد على تبشير المبعوثين بالحضارة الغربية إلى مرحلة أبعد منها أثراً هي قولبة التعليم المحلي لإنتاج شريحة محلية مرتبطة ثقافياً بالغزاة ويصف لنا شاكر المرحلتين على التتابع: "كان الغزاة يقنعون من المبعوثين بأن يعودوا إلى بلادهم ببضعة أفكار يرددونها ترديد الببغاوات، تتضمن الإعجاب المزهو ببعض مظاهر الحياة الأوروبية مقروناً بنقد بعض مظاهر الحياة في بلادهم، وبأن يكاشفوا أمتهم بأن ما أعجبوا به هو سر قوة الغزاة وغلبتهم، وأن الذي عندنا هو سر ضعفنا وانهيارنا. وقد وجدت ذلك ظاهراً ممثلاً أحسن تمثيل عند رفاعة الطهطاوي وأشباهه. ولكن لما جاء عهد "دنلوب" كان أمر المبعوثين وحده لا يكفي، وأصبح الأمر محتاجاً إلى ما هو أكبر وأوسع انتشاراً، فكان الرأي أن تنشأ أجيال متعاقبة من "تلاميذ المدارس" في البلاد، يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بهذا التحول، عن طريق تفريغهم تفريغاً كاملاً من ماضيهم كله، مع هتك أكثر العلائق التي تربطهم بهذا الماضي اجتماعياً وثقافياً ولغوياً، ومع ملء هذا الفراغ بالعلوم والآداب والفنون، ولكنها فنونهم هم، وآدابهم هم، وتاريخهم هم، ولغاتهم هم، أعني الغزاة" (مقدمة "المتنبي"-ص29).
وبحسب تحليل محمود شاكر فإن "هذا الجيل المفرغ من ماضيه" الذي ينتمي هو إليه قد تم ملء فراغ ماضيه بماض غامض بائد ليزاحم ماضيه الحي الإسلامي فظهرت الدعوات إلى الفرعونية والفينيقية وأيضاً: "في ظل هذا التفريغ المتواصل، وهذا التمزيق للعلائق، وهذه الكثرة التي تخرج مفرّغة أو شبه مفرّغة إلى "البعثات"، وهذا التحوّل الاجتماعي والثقافي والسياسي المضطرب، وهذا التغليب المتعمّد للثقافة الغازية، بلا مقابل في النفوس من ثقافة ماضية حيّة حياة ما، وباقية على تماسكها وتكاملها، في ظل هذا كله انتعشت الحركة الأدبية والثقافية انتعاشاً غير واضح المعالم، ولكنه يقوم على أصل واحد في جوهره، هو ملء الفراغ بما يناسب آداباً وفنوناً غازية كانت قد ملأت بعض هذا الفراغ، فهي تحدث في النفوس تطلعاً إلى زاد جديد معها" (مقدمة "المتنبي"-ص30).
ومن أبرز كتبه :
1-"المتنبي" في جزئين: "السفر الأول" وصدر عن مطبعة المدني في القاهرة وأرّخ شاكر مقدمته في نوفمبر 1977 وهو يحتوي على هذه المقدمة الطويلة الهامة وعلى كتاب "المتنبي" الذي صدر كعدد من مجلة "المقتطف" خاص في عام 1936."السفر الثاني"وصدر عن مطبعة المدني في القاهرة في عام 1977 وتضمن جملة مساجلات مع طه حسين كان كتبها في عام 1937 في جريدة "البلاغ" بعنوان "بيني وبين طه" عن موضوع المتنبي وتضمن أيضاً مساجلات أخرى مع سعيد الأفغاني رحمه الله وثلاثة تراجم للتنبي (علاوة على تقريظ لمصطفى صادق الرافعي)
2-"أباطيل وأسمار" وصدرت طبعته الثانية التي نعتمد عليها هنا في جزئين عام 1972 وهو مجموعة من المقالات السجالية ضد لويس عوض نشرها شاكر في مجلة الرسالة عام 1964.
المصدر
http://www.khayma.com/taasil/shaker.htm (http://www.khayma.com/taasil/shaker.htm)
ولد الأستاذ محمود شاكر عام 1909 لعائلة من العلماء فأبوه هو الشيخ محمد شاكر الشخصية الأزهرية المعروفة ومن رجال حاشية الخديوي عباس الثاني وأخوه الشيخ أحمد شاكر عالم الحديث المشهور وصاحب الأعمال الكثيرة تأليفاً وتحقيقاً وقد كان رحمه الله من رموز الحركة السلفية البارزة في مصر والعالمين العربي والإسلامي.
--وهو يقول إنه أولع بالرياضيات بين الثالثة عشرة والسابعة عشر من عمره لذلك دخل القسم العلمي في "المدرسة الخديوية الثانوية" على أنه كان مع ذلك شغوفاً بالشعر والأدب والتاريخ فلما أنشئت الجامعة المصرية خالف اتجاهه العلمي وتوسط له الدكتور طه حسين فقبل في كلية الآداب عام 1927 وكان قد قرأ على شيخه وشيخ طه حسين سيد بن علي المرصفي ("المتنبي"-ص11 وانظر ما يقوله طه حسين عن هذا الأديب الناقد في مطلع كتابه "في الأدب الجاهلي") ونتج عن هذه القراءة عنده (كما عند طه حسين) إجلال للشعر الجاهلي واحتقار لشعر "المحدثين" (أي شعر العصر العباسي وما تبعه) وقاده ذلك إلى قراءة طويلة عميقة في الشعر الجاهلي فوجد كما يقول فرقاً واضحاً بين الشعر الجاهلي وكل من الشعر الأموي والشعر العباسي على ضآلة ما يفصل العصر الجاهلي عن العصرين الأموي والعباسي من الزمن مقارنة بما يفصله عن عصرنا. وقد اهتدى للوصول إلى هذه النتيجة باتباع منهاج خاص في التذوق يصفه في كتابه عن المتنبي ولأنه ليس من موضوع هذا المقال فنكتفي بالإشارة إليه هنا.
وفي عام 1925 أطلعه الأستاذ أحمد تيمور على مقالة مرجليوث التي أصبحت فيما بعد مشهورة بعد أن أخذ طه حسين فكرتها الجوهرية وبنى على هذه الفكرة نظريته في الشعر الجاهلي التي نشرها في كتاب بهذا الاسم أثار ضجة كبرى عام 1926.
الأستاذ محمود شاكر تلقى دراسة عميقة الأثر باللغة الإنجليزية في طفولته وهذه الدراسة كانت وفق النظام الذي أدخله الإنجليزي "دنلوب" على المدارس المصرية (17 مارس 1897) وبهذا النظام انتقل الغزو الثقافي من مرحلة البعثات التي تعتمد على تبشير المبعوثين بالحضارة الغربية إلى مرحلة أبعد منها أثراً هي قولبة التعليم المحلي لإنتاج شريحة محلية مرتبطة ثقافياً بالغزاة ويصف لنا شاكر المرحلتين على التتابع: "كان الغزاة يقنعون من المبعوثين بأن يعودوا إلى بلادهم ببضعة أفكار يرددونها ترديد الببغاوات، تتضمن الإعجاب المزهو ببعض مظاهر الحياة الأوروبية مقروناً بنقد بعض مظاهر الحياة في بلادهم، وبأن يكاشفوا أمتهم بأن ما أعجبوا به هو سر قوة الغزاة وغلبتهم، وأن الذي عندنا هو سر ضعفنا وانهيارنا. وقد وجدت ذلك ظاهراً ممثلاً أحسن تمثيل عند رفاعة الطهطاوي وأشباهه. ولكن لما جاء عهد "دنلوب" كان أمر المبعوثين وحده لا يكفي، وأصبح الأمر محتاجاً إلى ما هو أكبر وأوسع انتشاراً، فكان الرأي أن تنشأ أجيال متعاقبة من "تلاميذ المدارس" في البلاد، يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بهذا التحول، عن طريق تفريغهم تفريغاً كاملاً من ماضيهم كله، مع هتك أكثر العلائق التي تربطهم بهذا الماضي اجتماعياً وثقافياً ولغوياً، ومع ملء هذا الفراغ بالعلوم والآداب والفنون، ولكنها فنونهم هم، وآدابهم هم، وتاريخهم هم، ولغاتهم هم، أعني الغزاة" (مقدمة "المتنبي"-ص29).
وبحسب تحليل محمود شاكر فإن "هذا الجيل المفرغ من ماضيه" الذي ينتمي هو إليه قد تم ملء فراغ ماضيه بماض غامض بائد ليزاحم ماضيه الحي الإسلامي فظهرت الدعوات إلى الفرعونية والفينيقية وأيضاً: "في ظل هذا التفريغ المتواصل، وهذا التمزيق للعلائق، وهذه الكثرة التي تخرج مفرّغة أو شبه مفرّغة إلى "البعثات"، وهذا التحوّل الاجتماعي والثقافي والسياسي المضطرب، وهذا التغليب المتعمّد للثقافة الغازية، بلا مقابل في النفوس من ثقافة ماضية حيّة حياة ما، وباقية على تماسكها وتكاملها، في ظل هذا كله انتعشت الحركة الأدبية والثقافية انتعاشاً غير واضح المعالم، ولكنه يقوم على أصل واحد في جوهره، هو ملء الفراغ بما يناسب آداباً وفنوناً غازية كانت قد ملأت بعض هذا الفراغ، فهي تحدث في النفوس تطلعاً إلى زاد جديد معها" (مقدمة "المتنبي"-ص30).
ومن أبرز كتبه :
1-"المتنبي" في جزئين: "السفر الأول" وصدر عن مطبعة المدني في القاهرة وأرّخ شاكر مقدمته في نوفمبر 1977 وهو يحتوي على هذه المقدمة الطويلة الهامة وعلى كتاب "المتنبي" الذي صدر كعدد من مجلة "المقتطف" خاص في عام 1936."السفر الثاني"وصدر عن مطبعة المدني في القاهرة في عام 1977 وتضمن جملة مساجلات مع طه حسين كان كتبها في عام 1937 في جريدة "البلاغ" بعنوان "بيني وبين طه" عن موضوع المتنبي وتضمن أيضاً مساجلات أخرى مع سعيد الأفغاني رحمه الله وثلاثة تراجم للتنبي (علاوة على تقريظ لمصطفى صادق الرافعي)
2-"أباطيل وأسمار" وصدرت طبعته الثانية التي نعتمد عليها هنا في جزئين عام 1972 وهو مجموعة من المقالات السجالية ضد لويس عوض نشرها شاكر في مجلة الرسالة عام 1964.
المصدر
http://www.khayma.com/taasil/shaker.htm (http://www.khayma.com/taasil/shaker.htm)