محسن يونس
10-20-2009, 10:40 PM
«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»ثقافة العولمة ومؤامرة إقصاء الآخر
الحمد لله واهب النعم، ودافع النقم، الحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته فأحسن خلقهم، وفاضل بينهم بعدله وحكمته، وطالبهم بالقول الحق السديد، عندما قال سبحانه:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].
تعد ثقافتنا العربية من أغنى الثقافات العالمية وأهمها ، فبعد أن ترسّخت جذورها قبل الإسلام في لغة مشرقة ،وتفرعت حكماً وخطباً وأمثالاً وشعراً، تجلت فيها العبقرية العربية، وكانت صورة برّاقة لحياة العرب، ومرآة صادقة تجسد تفكيرهم ومشاعرهم، وأطياف خيالهم ؛ جاءنا الإسلام بذخائره الثرَّة ونفائسه المتنوعة، وحسه التنويري ، وموضوعيته الصادقة، إلى جانب القرآن الكريم، ذلك الكتاب المعجز الذي تنزّل بالعربية فأغناها، عن طريق إضفاء المعاني السامية والبيان الرائع عليها، وفتح سبل الانتشار لها في مشارق الأرض ومغاربها .
وبعد أن استقر الأمر للعرب والمسلمين؛ أقبل العرب على نقل علوم الأقدمين، ومن هنا انطلقوا في آفاق العالم، مستكشفين مبدعين في شتى العلوم عامة، إلى جانب عطائهم المستمر في الفقه والأدب وفنون القول خاصة .
وقد عبَّر هذا الحراك الفكري والعلمي عن خصوصية لهذه الثقافة العربية، ومن ثم استلزم هذا تحرير المفهوم مما تم تلبيسه به من منظور يمكن فيه معاداة الدين، أو على أقل تقدير النظر إليه بتوجس؛ كي تعود الثقافة في الاستخدام قرينة التنوير الإسلامي الحقيقي، وليس تنوير الغرب المعادي للإله، حيث أعلن على لسان نيتشه فيما يسمى "موت الإله"( متعوذين بالله من ذلك القول )؛ فأدى فيما بعد الحداثة إلى موت المطلق، وتشيؤ الإنسان؛ وهذا أدى بالضرورة إلى محاربة الثوابت الدينية التي تعطينا خصوصية، تميزنا عن غيرنا من الأمم والشعوب الأخرى، فنرجو الانتباه لتلك المؤمرات الخبيثة التي تحاك لنا في الظلام، وتحيط بنا من كل مكان .
وخلال هذه المسيرة الشاقة، تعرضت الثقافة العربية لسهام "الآخرين" من غير العرب المتربصين بها، ومن بعض العرب أنفسهم، أولئك الذين آزروهم على فعلتهم، ونادوا بما ينادي به غيرهم، غير منتبهين إلى شراك الخداع التي نصبت لهم على حين غرة، حين دس لهم السم في العسل، فتجرعوه وهم غافلون، وذلك عندما حاولوا الإساءة إلى اللغة العربية، وأقصوها عن التدريس ومجالات الحياة المختلفة، ثم حاولوا بعد ذلك إدخال مفاهيم مزيفة في الثقافة العربية، تحت مسمى العولمة،وإشاعة ثقافة الانفتاح على الآخر، ذلك الحق الذي أريد به باطلا .
زاحمت الثقافة الغربية بمغرياتها المتعددة ثقافتنا العربية في عقر دارها، وحاولت إقصاءها، كما أنها زاحمت ثقافات مختلف شعوب العالم؛ وذلك كي تجعل تلك الثقافات، ومن بينها الثقافة العربية والإسلامية، بلا حدود تحوطها، وبلا ألوان تميزها ، وبلا خطوط ترسم معالمها، وتجسد خصوصيتها، وكان ذلك تحت زريعة الانفتاح على الآخر، وذلك عن طريق إزالة الحواجز والحدود والخصوصيات؛ فأصبح العالم ساحة لشتى الثقافات التي تباع بثمن بخس/ دراهم معدودات، بل إن صح القول بلا ثمن، وأصبح العالم كذلك متجراً واسعاً، يباع فيه كل ما هو براق ولامع، حتى لو كان زائفا، وأصبح على الجانب الآخر من الأدعياء ودعاة العولمة، وغيرهم ممن ينادون بالانفتاح على الآخر، وإزالة الحواجز والحدود والخصوصيات؛ من يكدسون من وراء ذلك الادعاء أرباحاً لا تنفد، ومكاسب خيالية لا تنتهي، وذلك تم على أشلاء جثث الضحايا من الأبرياء والمناضلين والثائرين والكادحين في شتى أرجاء الأرض والمعمورة.
إن الثقافة يجب أن تنظر نظرة أفقية تركيبية وليست نظرة رأسية اختزالية؛ تقدم وفق المعيار الاقتصادي - وحده- مجتمعا على آخر، أو تجعل مجتمعا ما نتيجة لتطوره المادي على رأس سلم الحضارة، وباقي المجتمعات الأخرى تابعة له، ولم يكتف هؤلاء بذلك، بل زادوا عليه ، عندما علْمَنوا مفهوم الثقافة العربية والإسلامية، وفرَّغوها من مضمونها ومحتواها العربي والإسلامي، وذلك عندما فصلوا الجذر الإسلامي عن معنى الثقافة، فأدى ذلك إلى تفريغ مفهوم الثقافة من الدين، وفك الارتباط بينهما، بل زادوا على ذلك بمسخ مضامينها وتشويهها، وصبها في قالب غربي برّاق ، فكانت كالسراب، يحسبه الظمآن ماء.
و أصبح المفهوم الجديد للمثقف يعني ذلك الشخص الذي يمتلك المعارف الحديثة، ويطالع أدب الآخر وفكره وفلسفته ، ولا يجذِّر فكره بالضرورة في عقيدته الإسلامية، إن لم يكن نقيض ذلك تمامًا، ووضع المثقف كرمز "تنويري" بالمفهوم الغربي في مواجهة الفقيه، ففي حين ينظر للأخير بأنه يرتبط بالماضي والتراث والنص المقدس، ينظر للأول -المثقف- بأنه هو الذي ينظر للمستقبل ويتابع متغيرات الواقع، ويحمل رسالة النهضة، وبذلك تم توظيف المفهوم كأداة لتكريس الفكر العلماني بمفاهيم تبدو إيجابية، ونعت الفكر الديني - ضمنًا- بالتخلف.
وهذا ما نراه واضحًا في استخدام كلمة الثقافة الشائع في المجال الفكري والأدبي في بلادنا العربية والإسلامية؛ وهو ما يتوافق مع نظرة علم الاجتماع وعلم الاجتماع الديني وعلم الأنثروبولوجيا إلى الدين،على أساس أنه صناعة إنسانية ،وليس وحيا منزلاً، وأنه مع التطور الإنساني والتنوير، سيتم تجاوز الدين..والنظر إليه على أساس أنه من الخرافات ،وهيهات هيهات لما يفعلون !!
لقد أصبح مصطلح الثقافة وفق المفهوم الغربي يشير إلى ثقافة المجتمعات الإنسانية، وهي طريقة حياة تميّز كل مجموعة بشرية عن مجموعة أخرى، وأصبحت تعني بذلك مجموعة من الأشياء المرتبطة بنخبة ذلك المجتمع أو المتأصلة بين أفراد ذلك المجتمع، بحيث تصبح قيما تتوارثها الأجيال، ومثال ذلك الكرم عند العرب، والدقة عند الأوروبيين، والمظاهر السلوكية أو المراسم التعبدية أو طرق الزواج ،عند شعب من الشعوب ، وأصبحت تعني كذلك عادات المجتمع ونشاطه الحضري مجسدا في ذلك الكيان المادي والروحي لمجتمع من المجتمعات، مستبعدين من ذلك الدين.
وتستخدم كلمة ثقافة في أوساط المجتمع، كأن تقول:" فلان مثقف سياسي" ( أي ملم بحيثيات السياسة كافة )، أو بمعنى آخر ((أن تعرف شيئا عن كل شيء ، أو أن تعرف كل شيء عن شيْء ))، أما في المنظور الإسلامي فمثقف الأمة هو المُلمُّ بأصولها وتراثها، وخلال التاريخ الغابر السابق حمل لواء الثقافة فقهاء الأمة وعلماؤها، وكان مثقفوها فقهاء.. ومن ثم أصبح التغيير لمفهوم الثقافة، لا يتناسب مع خصوصيتنا المميزة وتاريخنا المتجذِّر بثوابت الدين.
إن ثقافة العولمة يجب أن تنظر نظرة أخرى للمجتمعات ذات الخصوصية الثقافية،وتراعي ذلك الفكر المتجذِّر المتمثل في ثوابتنا وشعائرنا الدينية وعاداتنا وتقاليدنا المتعارف عليها، وتحترم تلك الخصوصية، وتراعي فكر الآخر و أدبه وفلسفته،وذلك عن طريق تكامل الثقافات، وليس نسف الحضارات، وهذا لا يعني بالضرورة التقوقع والانعزالية وعدم الانفتاح على الآخر خشية الذوبان فيه، وإنما تعني التكامل والحوار وقبول الآخر دون أن يتهم هذا ذاك في أبسط خصوصياته، وذلك يتم مع التغيير والتطوير والتجديد لتلك المظاهر السلوكية السيئة والعادات الضارة المهلكة ، متحلين في ذلك بالصدق مع النفس، ومحافظين عل ذلك الكيان المادي والروحي لمجتمعنا العربي والإسلامي، ولكن شريطة عدم المساس بثوابت الدين التي تمثل جل ثقافتنا ومعتقداتنا.
إن قدر لغتنا العربية أن تقاوم الإقصاء والتشويه، وقدر أمتنا أن تحافظ على هويتها ،وترد َالطامعين بها، وليس هذا من قبيل تأصيل مفهوم المؤامرة والكيل بمكيالين، ولكنه من قبيل الإنصاف والعدل الإلهي بين البشر والكون، في زمن ساد فيه الظلم والقهر،وعز فيه قول الحق ،وأصبح البقاء للأقوى، حتى لو كان ظالما .
ويكون لزاما علينا أن نهمس في آذان أولئك الذين ينشدون التغيير، ويعبثون في أركان الدين وثوابته، ظنا منهم أنهم يحسنون صنعا، ولهؤلاء نقول :التغيير لا يكون في ثوابت الدين والعقيدة التي لا سبيل لتحريكها وخلخلتها؛ لأن الزبد يذهب جفاء، أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وثوابت الدين والعقيدة مما ينفع الناس، فما خلق الإنس والجن في هذه الدنيا إلا للعبادة وعمارة الكون، فالعبادة تخص الدين والعقيدة بثوابتها، حتى لو ظن الكافرون والملحدون والمشركون غير ذلك، وعمارة الكون تخص الإنسان ، وتتوقف على جده واجتهاده وعمله، وكما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "أنتم أعلم بشئون دنياكم،وإذا أردنا التغيير علينا بتغيير أنفسنا، وأساليب تفكيرنا العقيمة التي جعلتنا نتخلف قرونا طويلة عن ركب الحضارة ، بعد أن كنا سادة العالم وحكامه.
وفي هذا الصدد يحضرني رد لـعلي بن أبي طالب "رضي الله عنه" عندما قال له رجل: ( لماذا كثرت الفتن في عهدك ولم تكن كذلك في عهد عمر ؟ قال: لأن عمر كان أميراً على مثلي، وأنا أمير على مثلك ) فأشار بقوله هذا إلى نوعية المحكومين، والفوارق الجوهرية بينهم، وهنا يحضرني ذلك المعنى القرآني الجميل الذي يشير إلى أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لقد عشنا قروناً متطاولة في الفوضى، والبعد عن مصدر عزتنا، فنحتاج إلى قرن على الأقل، إن لم نقل قروناً؛ حتى نصل إلى التقدم والازدهار اللذين ننشدهما، فالهوة للأسف سحيقة بيننا وبين الغرب، فهم في أعلى عليين الدنيا، ونحن في أسفل سافليها؛ لأنهم خططوا ورسموا وعملوا، ونحن تخاذلنا وتكاسلنا وتواكلنا، وشتان بين هذا وذاك.
إن إرادة الحياة هي الأقوى، والحقَّ هو الأبقى ، والمستقبل لمن صبر؛حتى يظفر بما تمنى إن شاء الله ، فطوبى للعاملين.
د/ محسن يونس
أستاذ الأدب والنقد المساعد
كلية العلوم والآداب
جامعة القصيم
«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»
الحمد لله واهب النعم، ودافع النقم، الحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته فأحسن خلقهم، وفاضل بينهم بعدله وحكمته، وطالبهم بالقول الحق السديد، عندما قال سبحانه:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].
تعد ثقافتنا العربية من أغنى الثقافات العالمية وأهمها ، فبعد أن ترسّخت جذورها قبل الإسلام في لغة مشرقة ،وتفرعت حكماً وخطباً وأمثالاً وشعراً، تجلت فيها العبقرية العربية، وكانت صورة برّاقة لحياة العرب، ومرآة صادقة تجسد تفكيرهم ومشاعرهم، وأطياف خيالهم ؛ جاءنا الإسلام بذخائره الثرَّة ونفائسه المتنوعة، وحسه التنويري ، وموضوعيته الصادقة، إلى جانب القرآن الكريم، ذلك الكتاب المعجز الذي تنزّل بالعربية فأغناها، عن طريق إضفاء المعاني السامية والبيان الرائع عليها، وفتح سبل الانتشار لها في مشارق الأرض ومغاربها .
وبعد أن استقر الأمر للعرب والمسلمين؛ أقبل العرب على نقل علوم الأقدمين، ومن هنا انطلقوا في آفاق العالم، مستكشفين مبدعين في شتى العلوم عامة، إلى جانب عطائهم المستمر في الفقه والأدب وفنون القول خاصة .
وقد عبَّر هذا الحراك الفكري والعلمي عن خصوصية لهذه الثقافة العربية، ومن ثم استلزم هذا تحرير المفهوم مما تم تلبيسه به من منظور يمكن فيه معاداة الدين، أو على أقل تقدير النظر إليه بتوجس؛ كي تعود الثقافة في الاستخدام قرينة التنوير الإسلامي الحقيقي، وليس تنوير الغرب المعادي للإله، حيث أعلن على لسان نيتشه فيما يسمى "موت الإله"( متعوذين بالله من ذلك القول )؛ فأدى فيما بعد الحداثة إلى موت المطلق، وتشيؤ الإنسان؛ وهذا أدى بالضرورة إلى محاربة الثوابت الدينية التي تعطينا خصوصية، تميزنا عن غيرنا من الأمم والشعوب الأخرى، فنرجو الانتباه لتلك المؤمرات الخبيثة التي تحاك لنا في الظلام، وتحيط بنا من كل مكان .
وخلال هذه المسيرة الشاقة، تعرضت الثقافة العربية لسهام "الآخرين" من غير العرب المتربصين بها، ومن بعض العرب أنفسهم، أولئك الذين آزروهم على فعلتهم، ونادوا بما ينادي به غيرهم، غير منتبهين إلى شراك الخداع التي نصبت لهم على حين غرة، حين دس لهم السم في العسل، فتجرعوه وهم غافلون، وذلك عندما حاولوا الإساءة إلى اللغة العربية، وأقصوها عن التدريس ومجالات الحياة المختلفة، ثم حاولوا بعد ذلك إدخال مفاهيم مزيفة في الثقافة العربية، تحت مسمى العولمة،وإشاعة ثقافة الانفتاح على الآخر، ذلك الحق الذي أريد به باطلا .
زاحمت الثقافة الغربية بمغرياتها المتعددة ثقافتنا العربية في عقر دارها، وحاولت إقصاءها، كما أنها زاحمت ثقافات مختلف شعوب العالم؛ وذلك كي تجعل تلك الثقافات، ومن بينها الثقافة العربية والإسلامية، بلا حدود تحوطها، وبلا ألوان تميزها ، وبلا خطوط ترسم معالمها، وتجسد خصوصيتها، وكان ذلك تحت زريعة الانفتاح على الآخر، وذلك عن طريق إزالة الحواجز والحدود والخصوصيات؛ فأصبح العالم ساحة لشتى الثقافات التي تباع بثمن بخس/ دراهم معدودات، بل إن صح القول بلا ثمن، وأصبح العالم كذلك متجراً واسعاً، يباع فيه كل ما هو براق ولامع، حتى لو كان زائفا، وأصبح على الجانب الآخر من الأدعياء ودعاة العولمة، وغيرهم ممن ينادون بالانفتاح على الآخر، وإزالة الحواجز والحدود والخصوصيات؛ من يكدسون من وراء ذلك الادعاء أرباحاً لا تنفد، ومكاسب خيالية لا تنتهي، وذلك تم على أشلاء جثث الضحايا من الأبرياء والمناضلين والثائرين والكادحين في شتى أرجاء الأرض والمعمورة.
إن الثقافة يجب أن تنظر نظرة أفقية تركيبية وليست نظرة رأسية اختزالية؛ تقدم وفق المعيار الاقتصادي - وحده- مجتمعا على آخر، أو تجعل مجتمعا ما نتيجة لتطوره المادي على رأس سلم الحضارة، وباقي المجتمعات الأخرى تابعة له، ولم يكتف هؤلاء بذلك، بل زادوا عليه ، عندما علْمَنوا مفهوم الثقافة العربية والإسلامية، وفرَّغوها من مضمونها ومحتواها العربي والإسلامي، وذلك عندما فصلوا الجذر الإسلامي عن معنى الثقافة، فأدى ذلك إلى تفريغ مفهوم الثقافة من الدين، وفك الارتباط بينهما، بل زادوا على ذلك بمسخ مضامينها وتشويهها، وصبها في قالب غربي برّاق ، فكانت كالسراب، يحسبه الظمآن ماء.
و أصبح المفهوم الجديد للمثقف يعني ذلك الشخص الذي يمتلك المعارف الحديثة، ويطالع أدب الآخر وفكره وفلسفته ، ولا يجذِّر فكره بالضرورة في عقيدته الإسلامية، إن لم يكن نقيض ذلك تمامًا، ووضع المثقف كرمز "تنويري" بالمفهوم الغربي في مواجهة الفقيه، ففي حين ينظر للأخير بأنه يرتبط بالماضي والتراث والنص المقدس، ينظر للأول -المثقف- بأنه هو الذي ينظر للمستقبل ويتابع متغيرات الواقع، ويحمل رسالة النهضة، وبذلك تم توظيف المفهوم كأداة لتكريس الفكر العلماني بمفاهيم تبدو إيجابية، ونعت الفكر الديني - ضمنًا- بالتخلف.
وهذا ما نراه واضحًا في استخدام كلمة الثقافة الشائع في المجال الفكري والأدبي في بلادنا العربية والإسلامية؛ وهو ما يتوافق مع نظرة علم الاجتماع وعلم الاجتماع الديني وعلم الأنثروبولوجيا إلى الدين،على أساس أنه صناعة إنسانية ،وليس وحيا منزلاً، وأنه مع التطور الإنساني والتنوير، سيتم تجاوز الدين..والنظر إليه على أساس أنه من الخرافات ،وهيهات هيهات لما يفعلون !!
لقد أصبح مصطلح الثقافة وفق المفهوم الغربي يشير إلى ثقافة المجتمعات الإنسانية، وهي طريقة حياة تميّز كل مجموعة بشرية عن مجموعة أخرى، وأصبحت تعني بذلك مجموعة من الأشياء المرتبطة بنخبة ذلك المجتمع أو المتأصلة بين أفراد ذلك المجتمع، بحيث تصبح قيما تتوارثها الأجيال، ومثال ذلك الكرم عند العرب، والدقة عند الأوروبيين، والمظاهر السلوكية أو المراسم التعبدية أو طرق الزواج ،عند شعب من الشعوب ، وأصبحت تعني كذلك عادات المجتمع ونشاطه الحضري مجسدا في ذلك الكيان المادي والروحي لمجتمع من المجتمعات، مستبعدين من ذلك الدين.
وتستخدم كلمة ثقافة في أوساط المجتمع، كأن تقول:" فلان مثقف سياسي" ( أي ملم بحيثيات السياسة كافة )، أو بمعنى آخر ((أن تعرف شيئا عن كل شيء ، أو أن تعرف كل شيء عن شيْء ))، أما في المنظور الإسلامي فمثقف الأمة هو المُلمُّ بأصولها وتراثها، وخلال التاريخ الغابر السابق حمل لواء الثقافة فقهاء الأمة وعلماؤها، وكان مثقفوها فقهاء.. ومن ثم أصبح التغيير لمفهوم الثقافة، لا يتناسب مع خصوصيتنا المميزة وتاريخنا المتجذِّر بثوابت الدين.
إن ثقافة العولمة يجب أن تنظر نظرة أخرى للمجتمعات ذات الخصوصية الثقافية،وتراعي ذلك الفكر المتجذِّر المتمثل في ثوابتنا وشعائرنا الدينية وعاداتنا وتقاليدنا المتعارف عليها، وتحترم تلك الخصوصية، وتراعي فكر الآخر و أدبه وفلسفته،وذلك عن طريق تكامل الثقافات، وليس نسف الحضارات، وهذا لا يعني بالضرورة التقوقع والانعزالية وعدم الانفتاح على الآخر خشية الذوبان فيه، وإنما تعني التكامل والحوار وقبول الآخر دون أن يتهم هذا ذاك في أبسط خصوصياته، وذلك يتم مع التغيير والتطوير والتجديد لتلك المظاهر السلوكية السيئة والعادات الضارة المهلكة ، متحلين في ذلك بالصدق مع النفس، ومحافظين عل ذلك الكيان المادي والروحي لمجتمعنا العربي والإسلامي، ولكن شريطة عدم المساس بثوابت الدين التي تمثل جل ثقافتنا ومعتقداتنا.
إن قدر لغتنا العربية أن تقاوم الإقصاء والتشويه، وقدر أمتنا أن تحافظ على هويتها ،وترد َالطامعين بها، وليس هذا من قبيل تأصيل مفهوم المؤامرة والكيل بمكيالين، ولكنه من قبيل الإنصاف والعدل الإلهي بين البشر والكون، في زمن ساد فيه الظلم والقهر،وعز فيه قول الحق ،وأصبح البقاء للأقوى، حتى لو كان ظالما .
ويكون لزاما علينا أن نهمس في آذان أولئك الذين ينشدون التغيير، ويعبثون في أركان الدين وثوابته، ظنا منهم أنهم يحسنون صنعا، ولهؤلاء نقول :التغيير لا يكون في ثوابت الدين والعقيدة التي لا سبيل لتحريكها وخلخلتها؛ لأن الزبد يذهب جفاء، أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وثوابت الدين والعقيدة مما ينفع الناس، فما خلق الإنس والجن في هذه الدنيا إلا للعبادة وعمارة الكون، فالعبادة تخص الدين والعقيدة بثوابتها، حتى لو ظن الكافرون والملحدون والمشركون غير ذلك، وعمارة الكون تخص الإنسان ، وتتوقف على جده واجتهاده وعمله، وكما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "أنتم أعلم بشئون دنياكم،وإذا أردنا التغيير علينا بتغيير أنفسنا، وأساليب تفكيرنا العقيمة التي جعلتنا نتخلف قرونا طويلة عن ركب الحضارة ، بعد أن كنا سادة العالم وحكامه.
وفي هذا الصدد يحضرني رد لـعلي بن أبي طالب "رضي الله عنه" عندما قال له رجل: ( لماذا كثرت الفتن في عهدك ولم تكن كذلك في عهد عمر ؟ قال: لأن عمر كان أميراً على مثلي، وأنا أمير على مثلك ) فأشار بقوله هذا إلى نوعية المحكومين، والفوارق الجوهرية بينهم، وهنا يحضرني ذلك المعنى القرآني الجميل الذي يشير إلى أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لقد عشنا قروناً متطاولة في الفوضى، والبعد عن مصدر عزتنا، فنحتاج إلى قرن على الأقل، إن لم نقل قروناً؛ حتى نصل إلى التقدم والازدهار اللذين ننشدهما، فالهوة للأسف سحيقة بيننا وبين الغرب، فهم في أعلى عليين الدنيا، ونحن في أسفل سافليها؛ لأنهم خططوا ورسموا وعملوا، ونحن تخاذلنا وتكاسلنا وتواكلنا، وشتان بين هذا وذاك.
إن إرادة الحياة هي الأقوى، والحقَّ هو الأبقى ، والمستقبل لمن صبر؛حتى يظفر بما تمنى إن شاء الله ، فطوبى للعاملين.
د/ محسن يونس
أستاذ الأدب والنقد المساعد
كلية العلوم والآداب
جامعة القصيم
«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»