د. نادر عبدالخالق
10-20-2009, 05:10 PM
مرثية أخيرة لعصفور قصيدة للدكتور حسين على محمد قراءة وتحليل الدكتور نادر أحمد عبدالخالق
مرثية أخيرة لعصفور
قصيدة للدكتور حسين على محمد
قراءة وعرض وتحليل
الدكتور
نادرأحمد عبدالخالق
مرثية أخيرة لعصفور
لم يحمل بين يديه شموس الصيف
لما يركض فى أبهاء الحلم
فلماذا تتعثر خطواته
بين "حروف المد" ؟
ولماذا تنصب فى عينيه فخاخ الخوف ؟
من ينبئه فتوح الغد
نبض لا تطلقه من مكمنه أفراس النرد
تحت جناحك
ليل غواياتك .. يطفىء توق الغد
وبالحب وبالرعديد
وتخشى حد السيف
فكيف ستقتحم ضفاف اللجة
كيف ستعبر هذا السد؟
ديرب نجم 12/4/1985
العنوان :
مرثية أخيرة لعصفور
القراءة المتأنية للعنوان تعطى دلالة أن هناك مرثيات كثيرة من قبل لأشياء متعددة حيث أفادت كلمة الأخيرة ، تعددية فعلية سبقت هذا الإعلان الصريح ، وهذه القصيدة من القصائد التى قيلت فى التصنيف الثالث "المستقر الاجتماعى " فى الوطن ، وهذا يؤكد أن عملية الاستقرار ليست محققة ، فإذا كان الرثاء هو موضوع الشاعر فى مستقره وأمنه ، فما هو موضوعه وهو خارج هذا الحيز الأمنى ، والإضافة الرمزية التى اختصت بالعصفور ، لما له فى الضمير العام من ذاتية رمزية ، وصورة تعطى علاقة البراءة والحرية والفرح والسرور ، كل هذا يجعل من المعنى القريب للعنوان ، معاينة تطبيقية ، وحالة متحولة ، وتجربة عميقة ، تعود على الشاعر الذى يرثى ذاته وأحواله وعالمه متخذا من العصفور رمزا ، وصورة عاكسة للفعل وتحوله من عمومية الإنسان المعاصر ، إلى دلالة الغير ملاءمة ، وهذا ينسحب على بنى البشر وليس مقصورا على ذات الشاعر فقط ، وذلك لصفته الأولى الإنسانية المشتركة ، وصفته الثانية المبدعة التى زادته هما على هم ، ومسؤلية دائمة يعبر بها عن نفسه وعن غيره ، أضف إلى ذلك حالة الثبات التى وردت فيها الجملة الخبرية ، والتى عمقت من المعنى ، وألصقت به صفة الديمومة ، والاسمية الاستعارية التى أحالت الاسم إلى غير حقيقته ، وكشفت عن شخصية وتجربة الشاعر الكبير فى نقل المعانى والإحساسات ، التى نتأثر بها جميعا ، وتلك خصوصية الأفكار الجيدة وميزة الأدب الهادف الذى يشارك الناس أحوالهم ، ويلتزم بهم ، ومن هنا ومن خلال تجربة الشاعر حسين على محمد يجب المناداة بأن يكون الأدب هو فهم صحيح للمجتمعات ، وتقديم رؤى وعلاقات يمكن بها ، فهم الحقيقة ، وفهم الحياة ،لا تمثيلها فقط ، وإنما قرائتها ومكاشفة أبنائها ، بما يدور حولهم .
ومن دلالات العنوان أن الاستعارة فيه ، رغم اسميتها ، إلا أنها استعانت بعلاقات بيئية قريبة ، ولم تعتمد على التغريب والغموض. والتفصيل التالى العنوان يوضح هذا المفهوم الدقيق وأطراف العملية الإبداعية:
المرثية الرثاء ــــــــ علاقة خارجية وصورة توظيفية عامة .
العصفور ــــــــ الرمز = الشاعر
الشاعر ــــــــ العلاقة الأصلية الثابتة = العالم الخارجى .
الأخيرة ــــــــ تكرار سابق وعملية متواصلة .
اللغة ــــــــ الإطار الوظيفى الذى يحتوى الشاعر
والرمز والضمير .
والدلالة الوظيفية اللغوية التى انتهت بالجملة الاسمية والعلاقة النحوية ، وما أدت إليه من ثبات العلاقة والصفة فى صورة إضافية .
النتيجة = ـــــــــ الصورة البيانية والاستعارة الاسمية .
والخلاصة أن هناك مجموعة علاقات ودلالات نتجت عن التركيبة التى تشكل منها العنوان هذه العلاقات والدلالات من مجموعها وانسجامها مع بعضها البعض ، يمكن أن تؤدى إلى ما يمكن أن ننادى به ، وهو الأهمية الخاصة للأدب فى ضوء قدرته على تمثيل الحياة والناس والعالم ، ومن ثم فتح طاقات هائلة من التحاور والحديث عن الوقائع والمشكلات الحسية والمعنوية ، وهنا يصبح للصورة مهمة داخلية وخارجية ، حيث تقدم الموضوع على المستوى الخارجى ، وتعالجه فى ضوء الأطر الفنية التى يستخدمها الشعر ، ولايختلف الحال فى الفنون الأخرى عند تمثيلها لنفسها ، وللعالم من حولها داخليا وخارجيا .
النص :
لم يحمل بين يديه شموس الصيف
لما يركض فى أبهاء الحلم
فلماذا تتعثر خطواته
بين "حروف المد" ؟
إن الصورة القريبة للوحة تعتمد على البحث والسؤال ،عن الحالة التى عليها ذلك الرمز ، والنفى الذى تعين بدخول ( لم – ولما ) ، وهما للجزم ويختصان بالفعل المضارع ، ويقلبان معناه إلى المضى ، والاستفهام المسبوق بالفاء فى (فلماذا) والظرفية الاستثنائية فى (بين) هذه الأساليب التى تشكلت منها اللوحة اللغوية ، تقف على زمن النص بالنسبة للشاعر ، وهو زمن سابق وحدث منتهى ، حيث تحول المضارع من معناه المستمروزمنه الدائم ، إلى واقعة ماضية ، ويأتى الاستفهام ليكشف سر من أسرار الحالة النفسية التى عليها الشاعر ومدى دهشته لهذا الرمز ، ويأتى الظرف ليحقق شيئا من التوازن الزمنى بين الاستفهام والدهشة والتعجب والماضى ، ليجعل من هذه الحالة أمرا لن يدوم بطبيعة الحال .
واللوحة هنا تحتوى على مجموعة صور ، هذه الصور متحركة غير ثابتة ، تشع بالرمز وتعتمد على الاستعارة والتشبيه ، وتعكس مدى حيرة الشاعر وانقسام مشاعره بين الوصف والدهشة والألم والأمل والاستفهام ، وقبل أن نخوض فى تفسير هذه الصور وتحليل فحواها ، يجب أن نعلم أن الصورة كما يقول إحسان عباس : خلق جديد لعلاقات جديدة " (1)
هذه العلاقات تقوم على الحس والشعور والنقل ، وهنا يصبح دور الشاعر مرهونا بالعملية النفسية فى إطار البعد الاجتماعى الذى يغذى التجربة بمجموعة الدفقات التى تحول الفعل الداخلى إلى كلمات وأفكار ورؤى تصويرية تعبيرية ، وليس من شك فى أن ذلك راجع إلى القدرة التى يتمتع بها الشاعر والفنان على حد سواء .
وهذا النص هونص (ديربى) أبدعه الشاعر فى فترة متقمة من زمنه الثقافى الأول وأقول ذلك لأن دراسة الإبداع يجب أن تكون مقسمة تقسيما زمنيا نفسيا ، حسب المراحل التى يمر بها المبدع ، لأن الرؤية تختلف من عصر إلى آخر ، ومن حياة
إلى أخرى ، تقلبا وشعورا ، اجتماعيا وفكريا وسياسيا واقتصاديا ، وقد ألمحت إلى أهمية ذلك فى مقدمة الدراسة .
والصورة التى بين أيدينا :
لم يحمل بين يديه شموس الصيف
العصفور ــــــــ لم يحمل
= نفى وتحول ــــــ والجزم بذلك
بين يديه ــــــــ تعبير مجازى يساعد فى نقل الفعل وإجازة النسبة وعدم تعيينها أوتخصيصها للعصفور الرمز ، أو للشاعرأو لغيرهما مما يجعل التأويل مفتوحا للجميع ، ولا يقف عند حدود علاقة واحدة ، ونسبة اليد ليست من قبيل الحقيقة الغامضة ، أو التشويش ، بقدر ماهى فتح وبناء علاقة تشمل عدة مدخلات ، تعبيرية واستعطافية ونفسية .
شموس الصيف
الصيغة الجمعية التى ورد فيها التركيب شموس ، والإفراد الذى جاء عليه الصيف
(جمع – وإفراد ) نسبة وتناسب ، حقيقة وخيال ، رمز ووهم ، ينفى البحث عن حقيقة التركيب بأكمله ، ولايغرى بالوصول إلى نتيجة حتمية ، وذلك راجع إلى أن العلاقة الأولى التى انبعثت من الصورة ، الأولى للعنوان ، والصورة الافتتاحية الثانية التى ندخل منها على النص ، قد أتاحت هذا التصرف ، وهذا يحسب للشاعر لا عليه ، حيث وضع القارىء فى المنطقة الشعورية التى جعلته يقبل الصورة على إطلاقها ، وهى كما يلى :
العصفور = الشموس = الصيف
------------------------
لم يحمل
------------------------
بيـن يـديــــــه
النتيجة : عدم القدرة على تحمل الأعباء والأنتقال إلى مراحل أخرى من المسؤلية فهو مازال غضا طريا لم يقو عوده
لما يركض فى أبهاء الحلم
ولما هنا تقوم على علاقتين الأولى : المعنى الحقيقى لها وهوالقائم على الوظيفة النحوية المتضمنة معنى النفى ، والعلاقة الثانية : وهى الاتصال بالحال مع تضمن معنى النفى ، ولذلك دلالة مهمة على مستوى التحليل ، وهى أنه مازال فى مقتبل الأيام
لما = يركض
-------------------
فى الماضى وفى الحال
------------------
ازدواجية الزمن مع أحادية الفعل
يركض : الركض تحريك القدم والرجل وهوعلى حقيقته اللغوية ، وهذا يفتح المجال أمام الاستعارة وأهمية توظيفها فى الفعل يركض ولذلك أهمية قصوى فى حركة النص والصورة ، والا ستعارة هنا فعلية ومن خصائص هذه الاستعارة أنها كما يقول بوفيرو : يكون الفعل استعارة بفاعله اللاحى والجامد بينما ننتظر له فاعلا حيا ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية يكون من خلال طبيعة المفعول إذا كان الفعل متعديا " (2)
والمتأمل فى طبيعة العلاقة التى تربط الفعل يركض بالفاعل العصفور ، يجد أنها علاقة الملاءمة ، كما يدل على ذلك النص ، وإذا اعتبرنا أن العصفور رمز لغيره ، فإن العلاقة هنا ستأخذ بعدا آخر وهو عدم الملاءمة ، إذن نحن أمام نوعين من العلاقات ، هذا التباين يفتح المجال أمام التأويل ، وأمام النص ليكون أكثر مراوغة وأكثر انقساما ، ويجعل من انعكاس الحدث والنتيجة ، حالة عامة تعود على الفاعل وعلى الضمير وعلى الرمز .
أبهاء الحلم :
فى هذا المقام العجيب والبديع تأتى كلمة أبهاء فى صيغة الجمع التى وردت فيها وهى تعنى تعددية المكان ، والمكان هنا إذا نسب إلى العصفور فتلك استعارة دقيقة لاتقبل التنازل عن حقيقتها وقيمتها ، ووإذا نسب المكان إلى رمزية العصفور فتلك استعارة أخرى ، لأن البهو فى اللغة البيت المقدم أمام البيوت كما ورد فى مختار الصحاح مادة "بهو" (3) ونسبة البهو فى حالتها الجمعية إلى الحلم التى تعنى الأناة والتريث ، تعطى انطباعا عن حقيقة الملاءمة ، بين المشبه والمشبه به ، ودلالة التركيب كاملا تعطى تصويرا عاما عن هذا العصفور الرمز ومدى صغره ، وخلاصة ذلك أننا أمام صورة ووظيفة ، الصورة هى العلاقات المركبة تركيبا انفعاليا وشعوريا بواسطة اللغة المستعملة ، والوظيفة هى تلك المسؤلية التى يحاول الشاعر تأديتها وهوهنا قام بأمرين الأول إدراكى والثانى شعورى انفعالى ، ودلالة الدهشة تكمن فى عملية التقسيم للحلم إلى مراتب زمنية ، وأماكن استعارية ، جاءت " أبهاء " أولى هذه المراتب ، وإحدى الأماكن الطفولية الأولى ، وتلك رؤية رمزية مركبة من وجدان الشاعر ، ومن رؤيته وإحساسه العميق ، بالحياة التى يحياها والمشاهذ التى يلتقطها ويبعثها تجارب تنتج صورا دقيقة مرتبة .
والصورة هنا صورة حركية منقولة من الحسى إلى المعنوى ، ومن المادى إلى الوجدانى الذى يخاطب النفس أولا ، واعتقد أن ذلك من طبيعة التجربة عند الشاعر حسين على محمد حيث تتعلق بالصورة ، وتنبع من تشكيلات وعلاقات يمكن تأويلها فى اتجاهات متعددة .
والمتأمل فى قراءة الاستفهام التالى وسرعة انتقاله المفاجىء من الحس المادى الحركى إلى المعنوى الوجدانى ، يجزم بأن التجربة عند شاعرنا ، تجربة وجدانية ترصد وتنقل وتحول المدرك إلى انفعال وشعور وهى تجربة لا تقوم بغير الصورة ، إذ هى إحدى تكويناتها تأمل معى :
فلماذا تتعثر خطواته
بين "حروف المد" ؟
الاستعارة هنا فى " تتعثرخطواته " والتى تمثل صورة جزئية مكتملة الأركان جاءت فى صيغة الاستفهام ، وتحققت لها العلاقة الملائمة ، من كون التعثر يكون فى الخطو الذى يعنى المشى ، وبعد ذلك يطرح الشاعر ذلك جانبا حينما يعتمد على الظرف ، وكأن تلك الحالة طارئة ، وأكثر من ذلك حينما ينسب هذا إلى حروف المد المقروءة بصريا ، والتى لاتحتاج إلى خطو حركى
وقوله :
ولماذا تنصب فى عينيه فخاخ الخوف ؟
والعطف موصول هنا والوصل قائم بين الجمل وبالتالى قائم بين الشعور والوجدان والجواب هنا موجه إلى خارج النص ، مما يعنى أن هناك استدعاء للصورة الخارجية التى كانت وراء ، انفعال النص ، وتكوين الصورة .
الاستفهام ـــــــــــ فكان الجواب
الاستعارة ــــــــــــ علاقة انحرافية غير ملاءمة
تنصب ـــــــــــ فعل مضارع له دلالة خاصة وطبيعة استعارية تدل على فعل الشىء وإقامته عنوة وفى غير مكانه مما يجعل الاستعارة هنا لا تقوم على الملاءمة ويجعلها حالة من الحركة التى تتناسب مع فخاخ عند إزاحة الستار عنها وكشف حقيقتها الأمنية المفقودة .
فى ــــــــــــ العلاقة الظرفية التى تخفف من حدة التوتر .
فخاخ ــــــــــــ كلمة مجموعة تؤكد أن الحالة متعددة شعوريا
ووجدانيا وانفعاليا .
الخوف ـــــــــــــ وهو أصل العلاقة ومنتهى الشعور وحقيقة المعالجة التى يريد الشاعر أن ينبه إليها فى ظل المعطيات التى أفرزتها الصورةالتشكيلية :
تنصب
فى عينيه
فخاخ الخوف
هذا التركيب يأخذنا إلى طبيعة الصورة عندالشاعر وهى طبيعة تجمع بين الحس والوجدان بين الشعور العميق والمادى المطلق ، ليس بغرض المحاكاة ، وإنما بقصد النقل والمشاركة ، فهو يريد منك ألا تكون قارئا فقط ، وإنما يريد منك ، أن تبذل قصارى جهدك لتعرف حقيقة الأمور ، ولا تنسى وأنت فى أثناء ذلك أن تنمى الشعور والوجدان ، وأن تنشأ الصور أنت أيضا ، ولا تركن إلى الصور الجاهزة ، التى تعطيك النتائج كما كان يفعل كتاب الواقعية من قبل ، حينما كانوا يحاكون الواقع ، دون أن يكون هناك قاسما مشتركا ، بين النص والقارىء ، وبين النص والشاعر ، وبين النص والواقع ، إلا الهموم والأحزان ،والبؤس والتشاؤم ،
واعتقد أن الفن عموما والشعر خاصة يستطيع أن ينمى تلك الحاسة ، وأن يجمع بين الحقائق والمعارف ، ويوقف القارىء عند ذاته مشاركا متعلما ، يقبل الا رتقاء بوجدانه ومشاعره ، وقد أدى حسين على محمد ذلك بنجاح حينما جمع بين الإبداع والتعبير وفن القول والتصوير ، وبين مايسمى بتنمية الصورة ، وتصدير التجربة إلى القارىء الذى يحتويه جيدا ، فجعله مشاركا فعالا متحركا لاساكنا
من ينبئه فتوح الغد
نبض لا تطلقه من مكمنه أفراس النرد
تحت جناحك
ليل غواياتك .. يطفىء توق الغد
وبالحب وبالرعديد
وتخشى حد السيف
فكيف ستقتحم ضفاف اللجة
كيف ستعبر هذا السد؟
هذه الانفراجة التى تحملها الصورة والتى تقوم على مغادرة حالة شعورية إلى حالة أخرى من الأمل والرجاء والحرية ، هى الأخرى تقف على الحقيقة التى أحاول التنبيه عليها فى شعر الدكتور حسين ، وهى هنا تتشكل فى عملية البحث التى أطلقها الاستفهام ، عن البعد البطولى المنتظر فى حياة العصفور الرمز المنقول والمتحول من حقيقته إلى حقيقة جديدة ، وهى خلق الصورة المتقابلة والتى تمثل قاسمامشتركا بين القارىء وبين الشاعر والنص والمتتبع لفعاليات الصورة أيضا يمكنه أن يقف على بعض التراكيب المصورة والتى يؤكد عليها الشاعر من قصيدة إلى أخرى ، كنوع من التنبيه المستمر دون ، أن يلجأ لمعادل خارجى مستعار من ذلك قوله :
أفراس النرد
وبالحب وبالرعديد
وهى صورا لاتخلو من الرشاقة والجدة والنبؤة التى يتميز الشاعر بتوظيفها والاستفادة منها ، على مستوى النص ، وعلى مستوى الفكر الاجتماعى المتطور ، وهى لاتقف عند حدود ذلك فحسب ، بل تتعداه إلى خلق حالة من التجديد والاستعداد لهذا المتغير الدخيل .
وتلك رؤية اعترافية من الشاعر بأن الرثاء عام وليس مخصصا للعصفور ، مما يجعل فضاء الرمز قائما ينفى مانتج عن التكرار.
وينهى الشاعر مأثورته بالاستفهام والخوف من القادم يقول:
فكيف ستقتحم ضفاف اللجة
كيف ستعبر هذا السد؟
والاقتحام والعبور هنا على غير حقيقته وعلى غير طبيعته وهوهنا ليس للعصفور وإنما هو للرمز، كما فى الصورة السابقة
وهذا التحليل يدل على أن الشاعر دائما وأبدا على علاقة بمجتمعه وعالمه الذاتى الداخلى والخارجى هذه العلاقة تتصف بالجدل العميق ، وبالرؤيا الدقيقة للأمور ،
ومن خلالها تنشأ الأفكار والصور ، مما يجعل لكل شاعر خصوصيته فى التعبير ،التى تجعل من تجربته حالة فريدة ، ليس على مستوى الموضوع ، وإنما على مستوى التعبير والشعور ، وهذا بطبيعته ينطبق على الصورة ، حيث تتعين صفاتها تبعا للتجربة ، وتبعا لمعطيات هذه التجربة ، من هنا فإن دراسة الصورة من خلال التجربة أمر أصبح يفرض نفسه ، وهذا ما أقوم به إستنادا إلى الأراء التى وردت فى هذا الشأن .
الهوامش :
(1) فن الشعر إحسان عباس صـ 260
(2) الصورة الشعرية د.صبحى البستانى صـ 82-83
(3) مختار الصحاح مادة بهو
مرثية أخيرة لعصفور
قصيدة للدكتور حسين على محمد
قراءة وعرض وتحليل
الدكتور
نادرأحمد عبدالخالق
مرثية أخيرة لعصفور
لم يحمل بين يديه شموس الصيف
لما يركض فى أبهاء الحلم
فلماذا تتعثر خطواته
بين "حروف المد" ؟
ولماذا تنصب فى عينيه فخاخ الخوف ؟
من ينبئه فتوح الغد
نبض لا تطلقه من مكمنه أفراس النرد
تحت جناحك
ليل غواياتك .. يطفىء توق الغد
وبالحب وبالرعديد
وتخشى حد السيف
فكيف ستقتحم ضفاف اللجة
كيف ستعبر هذا السد؟
ديرب نجم 12/4/1985
العنوان :
مرثية أخيرة لعصفور
القراءة المتأنية للعنوان تعطى دلالة أن هناك مرثيات كثيرة من قبل لأشياء متعددة حيث أفادت كلمة الأخيرة ، تعددية فعلية سبقت هذا الإعلان الصريح ، وهذه القصيدة من القصائد التى قيلت فى التصنيف الثالث "المستقر الاجتماعى " فى الوطن ، وهذا يؤكد أن عملية الاستقرار ليست محققة ، فإذا كان الرثاء هو موضوع الشاعر فى مستقره وأمنه ، فما هو موضوعه وهو خارج هذا الحيز الأمنى ، والإضافة الرمزية التى اختصت بالعصفور ، لما له فى الضمير العام من ذاتية رمزية ، وصورة تعطى علاقة البراءة والحرية والفرح والسرور ، كل هذا يجعل من المعنى القريب للعنوان ، معاينة تطبيقية ، وحالة متحولة ، وتجربة عميقة ، تعود على الشاعر الذى يرثى ذاته وأحواله وعالمه متخذا من العصفور رمزا ، وصورة عاكسة للفعل وتحوله من عمومية الإنسان المعاصر ، إلى دلالة الغير ملاءمة ، وهذا ينسحب على بنى البشر وليس مقصورا على ذات الشاعر فقط ، وذلك لصفته الأولى الإنسانية المشتركة ، وصفته الثانية المبدعة التى زادته هما على هم ، ومسؤلية دائمة يعبر بها عن نفسه وعن غيره ، أضف إلى ذلك حالة الثبات التى وردت فيها الجملة الخبرية ، والتى عمقت من المعنى ، وألصقت به صفة الديمومة ، والاسمية الاستعارية التى أحالت الاسم إلى غير حقيقته ، وكشفت عن شخصية وتجربة الشاعر الكبير فى نقل المعانى والإحساسات ، التى نتأثر بها جميعا ، وتلك خصوصية الأفكار الجيدة وميزة الأدب الهادف الذى يشارك الناس أحوالهم ، ويلتزم بهم ، ومن هنا ومن خلال تجربة الشاعر حسين على محمد يجب المناداة بأن يكون الأدب هو فهم صحيح للمجتمعات ، وتقديم رؤى وعلاقات يمكن بها ، فهم الحقيقة ، وفهم الحياة ،لا تمثيلها فقط ، وإنما قرائتها ومكاشفة أبنائها ، بما يدور حولهم .
ومن دلالات العنوان أن الاستعارة فيه ، رغم اسميتها ، إلا أنها استعانت بعلاقات بيئية قريبة ، ولم تعتمد على التغريب والغموض. والتفصيل التالى العنوان يوضح هذا المفهوم الدقيق وأطراف العملية الإبداعية:
المرثية الرثاء ــــــــ علاقة خارجية وصورة توظيفية عامة .
العصفور ــــــــ الرمز = الشاعر
الشاعر ــــــــ العلاقة الأصلية الثابتة = العالم الخارجى .
الأخيرة ــــــــ تكرار سابق وعملية متواصلة .
اللغة ــــــــ الإطار الوظيفى الذى يحتوى الشاعر
والرمز والضمير .
والدلالة الوظيفية اللغوية التى انتهت بالجملة الاسمية والعلاقة النحوية ، وما أدت إليه من ثبات العلاقة والصفة فى صورة إضافية .
النتيجة = ـــــــــ الصورة البيانية والاستعارة الاسمية .
والخلاصة أن هناك مجموعة علاقات ودلالات نتجت عن التركيبة التى تشكل منها العنوان هذه العلاقات والدلالات من مجموعها وانسجامها مع بعضها البعض ، يمكن أن تؤدى إلى ما يمكن أن ننادى به ، وهو الأهمية الخاصة للأدب فى ضوء قدرته على تمثيل الحياة والناس والعالم ، ومن ثم فتح طاقات هائلة من التحاور والحديث عن الوقائع والمشكلات الحسية والمعنوية ، وهنا يصبح للصورة مهمة داخلية وخارجية ، حيث تقدم الموضوع على المستوى الخارجى ، وتعالجه فى ضوء الأطر الفنية التى يستخدمها الشعر ، ولايختلف الحال فى الفنون الأخرى عند تمثيلها لنفسها ، وللعالم من حولها داخليا وخارجيا .
النص :
لم يحمل بين يديه شموس الصيف
لما يركض فى أبهاء الحلم
فلماذا تتعثر خطواته
بين "حروف المد" ؟
إن الصورة القريبة للوحة تعتمد على البحث والسؤال ،عن الحالة التى عليها ذلك الرمز ، والنفى الذى تعين بدخول ( لم – ولما ) ، وهما للجزم ويختصان بالفعل المضارع ، ويقلبان معناه إلى المضى ، والاستفهام المسبوق بالفاء فى (فلماذا) والظرفية الاستثنائية فى (بين) هذه الأساليب التى تشكلت منها اللوحة اللغوية ، تقف على زمن النص بالنسبة للشاعر ، وهو زمن سابق وحدث منتهى ، حيث تحول المضارع من معناه المستمروزمنه الدائم ، إلى واقعة ماضية ، ويأتى الاستفهام ليكشف سر من أسرار الحالة النفسية التى عليها الشاعر ومدى دهشته لهذا الرمز ، ويأتى الظرف ليحقق شيئا من التوازن الزمنى بين الاستفهام والدهشة والتعجب والماضى ، ليجعل من هذه الحالة أمرا لن يدوم بطبيعة الحال .
واللوحة هنا تحتوى على مجموعة صور ، هذه الصور متحركة غير ثابتة ، تشع بالرمز وتعتمد على الاستعارة والتشبيه ، وتعكس مدى حيرة الشاعر وانقسام مشاعره بين الوصف والدهشة والألم والأمل والاستفهام ، وقبل أن نخوض فى تفسير هذه الصور وتحليل فحواها ، يجب أن نعلم أن الصورة كما يقول إحسان عباس : خلق جديد لعلاقات جديدة " (1)
هذه العلاقات تقوم على الحس والشعور والنقل ، وهنا يصبح دور الشاعر مرهونا بالعملية النفسية فى إطار البعد الاجتماعى الذى يغذى التجربة بمجموعة الدفقات التى تحول الفعل الداخلى إلى كلمات وأفكار ورؤى تصويرية تعبيرية ، وليس من شك فى أن ذلك راجع إلى القدرة التى يتمتع بها الشاعر والفنان على حد سواء .
وهذا النص هونص (ديربى) أبدعه الشاعر فى فترة متقمة من زمنه الثقافى الأول وأقول ذلك لأن دراسة الإبداع يجب أن تكون مقسمة تقسيما زمنيا نفسيا ، حسب المراحل التى يمر بها المبدع ، لأن الرؤية تختلف من عصر إلى آخر ، ومن حياة
إلى أخرى ، تقلبا وشعورا ، اجتماعيا وفكريا وسياسيا واقتصاديا ، وقد ألمحت إلى أهمية ذلك فى مقدمة الدراسة .
والصورة التى بين أيدينا :
لم يحمل بين يديه شموس الصيف
العصفور ــــــــ لم يحمل
= نفى وتحول ــــــ والجزم بذلك
بين يديه ــــــــ تعبير مجازى يساعد فى نقل الفعل وإجازة النسبة وعدم تعيينها أوتخصيصها للعصفور الرمز ، أو للشاعرأو لغيرهما مما يجعل التأويل مفتوحا للجميع ، ولا يقف عند حدود علاقة واحدة ، ونسبة اليد ليست من قبيل الحقيقة الغامضة ، أو التشويش ، بقدر ماهى فتح وبناء علاقة تشمل عدة مدخلات ، تعبيرية واستعطافية ونفسية .
شموس الصيف
الصيغة الجمعية التى ورد فيها التركيب شموس ، والإفراد الذى جاء عليه الصيف
(جمع – وإفراد ) نسبة وتناسب ، حقيقة وخيال ، رمز ووهم ، ينفى البحث عن حقيقة التركيب بأكمله ، ولايغرى بالوصول إلى نتيجة حتمية ، وذلك راجع إلى أن العلاقة الأولى التى انبعثت من الصورة ، الأولى للعنوان ، والصورة الافتتاحية الثانية التى ندخل منها على النص ، قد أتاحت هذا التصرف ، وهذا يحسب للشاعر لا عليه ، حيث وضع القارىء فى المنطقة الشعورية التى جعلته يقبل الصورة على إطلاقها ، وهى كما يلى :
العصفور = الشموس = الصيف
------------------------
لم يحمل
------------------------
بيـن يـديــــــه
النتيجة : عدم القدرة على تحمل الأعباء والأنتقال إلى مراحل أخرى من المسؤلية فهو مازال غضا طريا لم يقو عوده
لما يركض فى أبهاء الحلم
ولما هنا تقوم على علاقتين الأولى : المعنى الحقيقى لها وهوالقائم على الوظيفة النحوية المتضمنة معنى النفى ، والعلاقة الثانية : وهى الاتصال بالحال مع تضمن معنى النفى ، ولذلك دلالة مهمة على مستوى التحليل ، وهى أنه مازال فى مقتبل الأيام
لما = يركض
-------------------
فى الماضى وفى الحال
------------------
ازدواجية الزمن مع أحادية الفعل
يركض : الركض تحريك القدم والرجل وهوعلى حقيقته اللغوية ، وهذا يفتح المجال أمام الاستعارة وأهمية توظيفها فى الفعل يركض ولذلك أهمية قصوى فى حركة النص والصورة ، والا ستعارة هنا فعلية ومن خصائص هذه الاستعارة أنها كما يقول بوفيرو : يكون الفعل استعارة بفاعله اللاحى والجامد بينما ننتظر له فاعلا حيا ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية يكون من خلال طبيعة المفعول إذا كان الفعل متعديا " (2)
والمتأمل فى طبيعة العلاقة التى تربط الفعل يركض بالفاعل العصفور ، يجد أنها علاقة الملاءمة ، كما يدل على ذلك النص ، وإذا اعتبرنا أن العصفور رمز لغيره ، فإن العلاقة هنا ستأخذ بعدا آخر وهو عدم الملاءمة ، إذن نحن أمام نوعين من العلاقات ، هذا التباين يفتح المجال أمام التأويل ، وأمام النص ليكون أكثر مراوغة وأكثر انقساما ، ويجعل من انعكاس الحدث والنتيجة ، حالة عامة تعود على الفاعل وعلى الضمير وعلى الرمز .
أبهاء الحلم :
فى هذا المقام العجيب والبديع تأتى كلمة أبهاء فى صيغة الجمع التى وردت فيها وهى تعنى تعددية المكان ، والمكان هنا إذا نسب إلى العصفور فتلك استعارة دقيقة لاتقبل التنازل عن حقيقتها وقيمتها ، ووإذا نسب المكان إلى رمزية العصفور فتلك استعارة أخرى ، لأن البهو فى اللغة البيت المقدم أمام البيوت كما ورد فى مختار الصحاح مادة "بهو" (3) ونسبة البهو فى حالتها الجمعية إلى الحلم التى تعنى الأناة والتريث ، تعطى انطباعا عن حقيقة الملاءمة ، بين المشبه والمشبه به ، ودلالة التركيب كاملا تعطى تصويرا عاما عن هذا العصفور الرمز ومدى صغره ، وخلاصة ذلك أننا أمام صورة ووظيفة ، الصورة هى العلاقات المركبة تركيبا انفعاليا وشعوريا بواسطة اللغة المستعملة ، والوظيفة هى تلك المسؤلية التى يحاول الشاعر تأديتها وهوهنا قام بأمرين الأول إدراكى والثانى شعورى انفعالى ، ودلالة الدهشة تكمن فى عملية التقسيم للحلم إلى مراتب زمنية ، وأماكن استعارية ، جاءت " أبهاء " أولى هذه المراتب ، وإحدى الأماكن الطفولية الأولى ، وتلك رؤية رمزية مركبة من وجدان الشاعر ، ومن رؤيته وإحساسه العميق ، بالحياة التى يحياها والمشاهذ التى يلتقطها ويبعثها تجارب تنتج صورا دقيقة مرتبة .
والصورة هنا صورة حركية منقولة من الحسى إلى المعنوى ، ومن المادى إلى الوجدانى الذى يخاطب النفس أولا ، واعتقد أن ذلك من طبيعة التجربة عند الشاعر حسين على محمد حيث تتعلق بالصورة ، وتنبع من تشكيلات وعلاقات يمكن تأويلها فى اتجاهات متعددة .
والمتأمل فى قراءة الاستفهام التالى وسرعة انتقاله المفاجىء من الحس المادى الحركى إلى المعنوى الوجدانى ، يجزم بأن التجربة عند شاعرنا ، تجربة وجدانية ترصد وتنقل وتحول المدرك إلى انفعال وشعور وهى تجربة لا تقوم بغير الصورة ، إذ هى إحدى تكويناتها تأمل معى :
فلماذا تتعثر خطواته
بين "حروف المد" ؟
الاستعارة هنا فى " تتعثرخطواته " والتى تمثل صورة جزئية مكتملة الأركان جاءت فى صيغة الاستفهام ، وتحققت لها العلاقة الملائمة ، من كون التعثر يكون فى الخطو الذى يعنى المشى ، وبعد ذلك يطرح الشاعر ذلك جانبا حينما يعتمد على الظرف ، وكأن تلك الحالة طارئة ، وأكثر من ذلك حينما ينسب هذا إلى حروف المد المقروءة بصريا ، والتى لاتحتاج إلى خطو حركى
وقوله :
ولماذا تنصب فى عينيه فخاخ الخوف ؟
والعطف موصول هنا والوصل قائم بين الجمل وبالتالى قائم بين الشعور والوجدان والجواب هنا موجه إلى خارج النص ، مما يعنى أن هناك استدعاء للصورة الخارجية التى كانت وراء ، انفعال النص ، وتكوين الصورة .
الاستفهام ـــــــــــ فكان الجواب
الاستعارة ــــــــــــ علاقة انحرافية غير ملاءمة
تنصب ـــــــــــ فعل مضارع له دلالة خاصة وطبيعة استعارية تدل على فعل الشىء وإقامته عنوة وفى غير مكانه مما يجعل الاستعارة هنا لا تقوم على الملاءمة ويجعلها حالة من الحركة التى تتناسب مع فخاخ عند إزاحة الستار عنها وكشف حقيقتها الأمنية المفقودة .
فى ــــــــــــ العلاقة الظرفية التى تخفف من حدة التوتر .
فخاخ ــــــــــــ كلمة مجموعة تؤكد أن الحالة متعددة شعوريا
ووجدانيا وانفعاليا .
الخوف ـــــــــــــ وهو أصل العلاقة ومنتهى الشعور وحقيقة المعالجة التى يريد الشاعر أن ينبه إليها فى ظل المعطيات التى أفرزتها الصورةالتشكيلية :
تنصب
فى عينيه
فخاخ الخوف
هذا التركيب يأخذنا إلى طبيعة الصورة عندالشاعر وهى طبيعة تجمع بين الحس والوجدان بين الشعور العميق والمادى المطلق ، ليس بغرض المحاكاة ، وإنما بقصد النقل والمشاركة ، فهو يريد منك ألا تكون قارئا فقط ، وإنما يريد منك ، أن تبذل قصارى جهدك لتعرف حقيقة الأمور ، ولا تنسى وأنت فى أثناء ذلك أن تنمى الشعور والوجدان ، وأن تنشأ الصور أنت أيضا ، ولا تركن إلى الصور الجاهزة ، التى تعطيك النتائج كما كان يفعل كتاب الواقعية من قبل ، حينما كانوا يحاكون الواقع ، دون أن يكون هناك قاسما مشتركا ، بين النص والقارىء ، وبين النص والشاعر ، وبين النص والواقع ، إلا الهموم والأحزان ،والبؤس والتشاؤم ،
واعتقد أن الفن عموما والشعر خاصة يستطيع أن ينمى تلك الحاسة ، وأن يجمع بين الحقائق والمعارف ، ويوقف القارىء عند ذاته مشاركا متعلما ، يقبل الا رتقاء بوجدانه ومشاعره ، وقد أدى حسين على محمد ذلك بنجاح حينما جمع بين الإبداع والتعبير وفن القول والتصوير ، وبين مايسمى بتنمية الصورة ، وتصدير التجربة إلى القارىء الذى يحتويه جيدا ، فجعله مشاركا فعالا متحركا لاساكنا
من ينبئه فتوح الغد
نبض لا تطلقه من مكمنه أفراس النرد
تحت جناحك
ليل غواياتك .. يطفىء توق الغد
وبالحب وبالرعديد
وتخشى حد السيف
فكيف ستقتحم ضفاف اللجة
كيف ستعبر هذا السد؟
هذه الانفراجة التى تحملها الصورة والتى تقوم على مغادرة حالة شعورية إلى حالة أخرى من الأمل والرجاء والحرية ، هى الأخرى تقف على الحقيقة التى أحاول التنبيه عليها فى شعر الدكتور حسين ، وهى هنا تتشكل فى عملية البحث التى أطلقها الاستفهام ، عن البعد البطولى المنتظر فى حياة العصفور الرمز المنقول والمتحول من حقيقته إلى حقيقة جديدة ، وهى خلق الصورة المتقابلة والتى تمثل قاسمامشتركا بين القارىء وبين الشاعر والنص والمتتبع لفعاليات الصورة أيضا يمكنه أن يقف على بعض التراكيب المصورة والتى يؤكد عليها الشاعر من قصيدة إلى أخرى ، كنوع من التنبيه المستمر دون ، أن يلجأ لمعادل خارجى مستعار من ذلك قوله :
أفراس النرد
وبالحب وبالرعديد
وهى صورا لاتخلو من الرشاقة والجدة والنبؤة التى يتميز الشاعر بتوظيفها والاستفادة منها ، على مستوى النص ، وعلى مستوى الفكر الاجتماعى المتطور ، وهى لاتقف عند حدود ذلك فحسب ، بل تتعداه إلى خلق حالة من التجديد والاستعداد لهذا المتغير الدخيل .
وتلك رؤية اعترافية من الشاعر بأن الرثاء عام وليس مخصصا للعصفور ، مما يجعل فضاء الرمز قائما ينفى مانتج عن التكرار.
وينهى الشاعر مأثورته بالاستفهام والخوف من القادم يقول:
فكيف ستقتحم ضفاف اللجة
كيف ستعبر هذا السد؟
والاقتحام والعبور هنا على غير حقيقته وعلى غير طبيعته وهوهنا ليس للعصفور وإنما هو للرمز، كما فى الصورة السابقة
وهذا التحليل يدل على أن الشاعر دائما وأبدا على علاقة بمجتمعه وعالمه الذاتى الداخلى والخارجى هذه العلاقة تتصف بالجدل العميق ، وبالرؤيا الدقيقة للأمور ،
ومن خلالها تنشأ الأفكار والصور ، مما يجعل لكل شاعر خصوصيته فى التعبير ،التى تجعل من تجربته حالة فريدة ، ليس على مستوى الموضوع ، وإنما على مستوى التعبير والشعور ، وهذا بطبيعته ينطبق على الصورة ، حيث تتعين صفاتها تبعا للتجربة ، وتبعا لمعطيات هذه التجربة ، من هنا فإن دراسة الصورة من خلال التجربة أمر أصبح يفرض نفسه ، وهذا ما أقوم به إستنادا إلى الأراء التى وردت فى هذا الشأن .
الهوامش :
(1) فن الشعر إحسان عباس صـ 260
(2) الصورة الشعرية د.صبحى البستانى صـ 82-83
(3) مختار الصحاح مادة بهو