مبارك الهاجري
04-15-2006, 03:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
لا شكَّ أنّي لم أزل أقرأ هذه القصيدة الفاتنة ، ولم أزل مستطرباً مستمتعاً بهذه المشاعر الجميلة ، والنزف الأخَّاذ ، وهي من النوع الذي لا تنسه حينما تقرأه ، بل تجبرك على التطلع إلى المزيد من حسنها ، فحسنها وإن بدا ظاهراً ، فما يستدعيك إلى التردد عليها إلا ما خفي ، وهذه مزية وفخامة القريض الجزل ، والمعاني العميقة ، واللفظ المناسب .
وفي الحقيقة لا أدري لِمَ يأسرنا النَّفَسُ العراقيُّ في الشعر ، فهاهو الشاعر الشهير محمود درويش يقول مصداقيّةً على ما شعرنا به " كن عراقيّاً إذا أردتَ أن تكون شاعرا " ، وهاهو الناقد العراقي محمد صابر عبيد يقول : " الشاعر العربي لا يحسم إلا عراقيّاً " .
وحتى لا نطيل سنطرق باب هذا البغدادي ونستأذنه في (( عيون طفل )) التي رأيناها قبل فترة في الساخر ، ولنجوب بها أرض العراق معه مستأنسين بقليلٍ من فيضه ، وإن كنتَ يا قارئي العزيز ـ لا تعلم من هذا البغدادي ، فدونكَ هذا البيت مراهناً إيّاك على أن لا تترك الصفحة حتى تأتي على آخرها :
لم أعترض وأنا حيٌّ على أحدٍ
ومتُّ فانتفض الأمواتُ واعترضوا
حسناً .. أجزمُ بأنّكَ هنا الآن بالتحديد، ولا أعلم إلى أيّ الحالات تنتمي، عدى أنّك لن تحيد إلا أن تكون ما بين نشوةٍ وطرب، فقس على هذا وتعال معي هنا:
لا شك أنّي لم أزل لا أفهمك & بنيك صدقي حين ظنّك يهدمك
استهلال جميل ، ومطلع مشّوق آسر ، وأجمل ما في مثل هذه المطالع أن يكون بها لفت للانتباه بأي صيغةٍ أتت ، فـ ( لا شكّ ) هنا ، تأكيد وجزم بل هي أقوى المؤكدات وأوحدها في هذا الخبر الطلبي ، وكأن الشاعر هنا حينما يخاطب نفسه ، شاكٌّ متردد في أن يكون فاهماً نفسه أو لا ، فحاول أن يزيل عن نفسه هذا الشك بالمؤكد الذي ذكرناه .
الشطر الثاني حمل مقابلتين جميلتين في المعنى: يبني و يهدم، صدقي و ظنّك.
أخبروني عن معنىً لا يكون الصدقُ فيه بانياً ومحسّناً وبديعاً، لله درّه من شاعر لقد صدق هنا !
تبدو قوياً لا تهابُ وعندما
ترنو إليك عيون طفلٍ تهزمك
مدحٌ هذا أيها الشاعر ، فالمهابة التي تهزمها عيون الأطفال لمهابةٌ جليلة . صورٌ حسيّةٌ ترينا بوضوح ما أراد الشاعر قوله هنا ، وإنّها لفصاحة لا يأتي بها إلا النادر .
ما سحرَ لبّي ها هنا، هو منطق القوة التي لا يضنيها جلبة فكيف بنظرةٍ من طفل، وليس هي ككل نظرة، بل هي نظرةٌ بها من السكون والهدوء ما يجعلها ترنو فتهزم هذه القوة
المصطنعة !
يا صارخاً في داخلي يحتّلني
أحتار كيف وأنت صوتي أكتمك
هذا البيت محورٌ أساسي لفهم هذه القصيدة؛ إذ أنَّ به يُفهم أنَّ الشاعر فيها لا يخاطب إلا نفسه، ولعله أتى في موعده.
يأسرني النداء دائماً ، لما به من الاستنجاد والطلب لحاجة من المنادي ، أو هو التذكير بألطف حالاته من المطلوب حينما يتشكل في صورة طلب وإن كانت الحاجة للمطلوب أساساً !
تتابعت في الشطر الأول صور سمعيّة وحسيّة وبصرية ، فالسمعيّةُ في (( صارخاً )) ، والصرخة لا ترى ولا تُحس ، بل تُسمع ، والحسيّة في (( داخلي )) ، فما بالداخل محسوسٌ لا مرئيٌ ولا مسموع ، والاحتلال بين أن يكون بصريّاً مشاهداً وبين أن يكون حسّياّ يُشعر به ، ولا نراه هنا إلا حسيّاً محضا !
فانظر إلى هذه المعاناة كيف بدأت في داخله، وشى عليها ذلك الصوت القلق الذي أحدث في أذنه ما جعله يشعر بالاضطراب إزاء هذا الصخب الذي أودى به إلى الحيرة. ليس يعلم من طريقةٍ لكتمان هذا الصوت، ولكن ما هذا الصوتُ يا ترى ؟
ثمَّ إن تقديم (( وأنت صوتي ))، أقرب إلى موضع الاستغراب منها إلى قيد القافية !
أحتار في : هل لم تزل مستنفَراً
تغلي بالآم الحياة جهنّمك ؟
هنا استطراد لحيرته ، وصورةٌ جميلة لهذا الاستنفار الذي لم يكن إلا من غليان جهنّمه بالآم الحياة ، ولنرَ الفصل في ( أحتار في ) ثم الاستئناف ( هل لم تزل مستنفراً ) ، فبها بدأ الإنشاء ، والاستفهام هنا تعجبي !
وها هنا تناسب الألفاظ مع ما أراد من معنىً في ذلك الجحيم الذي يحترق به ، فأتى بـ (( استنفار )) ، (( وغليان )) . إشارة منه إلى بلوغ الأمر مبلغاً لا يطيق أن يبقى في مكانه من هول ما يشعر به !
أم هل تركتَ الأرض تُغرقُ نفسها
وظننتَ أنّ جبال صمتك تعصِمُك
" أم " هنا يستأنف بها سؤاله واستفهامه .
يلوم نفسه إذ اعتصم بصمته وهو الذي لا يعصم ولا يغني من ماذا ؟ .. لا نعلم ربما لما يمر عليه من الحوادث التي لن ينأى عنها بالتغافل !.
استعار هنا ( الجبال ) المحسوسة، لـ ( الصمت ) المعقول، وهي كناية عن الكثرة في الجمع " جبال " وليس " جبل "، وعن الشموخ المنجي في أصل هذا الشيء " الصمت " !
يا أيها الباكي عليك متاهةٌ
حملت وريدك أن يغادره دمك
أنظر إلى الدقة في التحوير ، أو التعميم ، حينما تلد بحيرة ، وتترعرع وتنمو بمتاهة ، ثم التبيان لنتيجة هذا المتاهة في أنّها سببٌ إلى الموت ، فحينما يغادر الدم من الوريد ، كيف له أن يعيش ! . بيان جميل هنا ، ولننظر إلى التعقيب في البيت الذي يليه :
فنشرتَ جلدك للرياحِ دريئةً
إذ كان جلدكَ ملءَ سمعِكَ يشتمك
أي : بسطتَ جلدكَ للرياح ، لتشتت أجزاؤه فما من جلد بعدها ، وهذا صورة تؤكد ما قبلها من الاستحالة ، وهنا محال أن يقيه جلده من الرياح ، وهي ـ أي : الرياح ـ إن لم يخب ظنّي كما المتاهة إن لم تكن هي ؛ لذا فالبيت جاء مساقاً لما قبله في المعنى ، ولكن الشطر الثاني قلل من جمال الاسترسال في الشطر الأول برأيي ، فأبهم علينا ما ننتظر وضوحه لنا !
وقطعت فيك لسانك الحرَّ الذي
لم يدرِ بين يديك كيف يكلمك
عودة إلى الاستئخاذ بهذه الصورة الجميلة التي أوردها الشاعر هاهنا ، وما زالت الحيرة تترأس الأبيات من الأول إلى هذا ، فهو إن قطع ما لم يجرؤ على الحديث معه ، فإنّها تقيّة لما سيحدث ، أي أنّه ذاهبٌ إلى أشد حالات الصمت " البكم " ، ما أعذب الشاعر هاهنا !
وأخذت تستجدي فماً وتلحُّ في اسـ
تجدائه ويّلُح وهو فمٌ فمك !
المعنى هنا يقرب مما جرى في سابقه ويوضحه. يلح على فمه بالتحدث، وكيف ذلك وقد قطع لسانه قبلاً، وهوـ أي: الفم ـ هل يلّح على الكلام أم الإمساك عنه، لم يتضح هذا، ثم إنَّ " فمٌ فمك " أشعر بأنها قلقة موغِلة في التعقيد !
وبقيتَ ... تنطفئ النجوم جميعها
ويموتُ فيها الضوء لكن أنجمك
عودةٌ إلى المعاني الغائصة، عمق لكن من ذا يحب العمق هنا، وهو على شفا فهمٍ، فلِمَ هذا التصاعد في الإبهام ؟
ما يشفع لغموض هذا النص أنّه يبحث عن خفايا الغوص الذاتي، إلا أنّ لكلٍّ طريقته في الإفصاح عن هذا الشيء، فهناك من يحاول أن يجلّي ليتبين، وهناك من يكشف رأس حرفٍ فقط، كاسياً ما تبقى بطرف عينه !
يبدو أنّه في هذا البيت ما زال مضيئاً في شيء ما ، ولا أظنّ أنّه في الجانب الذي يتمنى أن يصل إليه ، وقد حنق على ما بدا له منه فيما سبق !
وبقيتَ تبحث عن مياهك في المدى
أوقف جنونك إنّ وهمك زمزمك
حقّاً مجنون، وهل عقل الشعراء يوما !
هناك أبيات جمالها يستحوذ على مكامن النطق منك حتى تظل مترنِّماً طَرِباً وهذا عين البلاغة، الأمر الذي يغني المستمع ـ القارئ ـ عن أي حرف يزاد بشأن ما وقع في روعه من مزية لذات البيت وفخامة !
ويبدو أننّا سنكون تقليديين مملين في الحديث هنا ، ولكن باختصار ، ولننظر إلى الشطر الثاني كيف حوى على معنىً إنشائي خرج عن غرض الاستعلاء ليكون تنبيهاً وما أجمل التنبيه الناشئ المردف بخبرٍ طلبي مؤكد بـ ( إنّ ) ، وهو لغرض الإخبار بمعلومة جديدة لم يعرفها ذاك الذي يبحث عن مياهه ، فناسب التأكيد هنا عقله الشاك المتردد في الأمر ، كيف لا وهو من استجنّ في البحث !
لن يجدي البحث شيئاً، فلن تجد إلا مزيداً من الوهم، فالأمر كله مبني على ذلك، فعن ماذا تبحث ؟ .. أعن وهمٍ صدقته ، أم ... سيجيء هذا التفصيل في بيت آخر !
أوقف جنونك حيث أنت.. وعد إلى
ماضيك وانكأ أيَّ جرحٍ يؤلمك
سترى رمال الكبتِ تطمر جذوةً
وترى طموحك كل يومٍ يضرمك
ثلاثُ جمل فعليّة آمرة تزيد من استعار معاني هذا البيت ومقصد الشاعر هاهنا في الذروة لا يخفى، وهي استرسال لما سبق، بيد أنّ بها لهجة هي أغلظ من السابقة !
يُوخِزُ النبض بـ " أوقف جنونك " في " حيث أنت " ، ثم يتراءى مشهد العودة لنا إلى ما لا يعود عقلاً ، بيد أنّ الـ ( الماضي ) كلمة معقولة لا تُحس ، غير أنّ الأمر لا يستحيل إذا ما عاد إلى المعقول ِ معقول ـ وهو العقل ـ بذاكرته البصرية في الذهاب ، فالحسية بالـ ( النكء ) و( ألم الجرح ) .
الكلام بعمومه في هذا البيت يفضي إلى تساؤل جوابه في البيت الذي يليه ، إلا أن هذا لم يكُ تضميناً إذ أنّ البيت اكتفى بذاته ؛ أو بعبارة أخرى معناه وافٍ ، وما هذا الارتباط إلا تعليقٌ معنوي ! .
أمّا الصورة في البيت الآخر فهي بديعةٌ وذات حسنٍ باهر، فما هو إلا تصوير لما يفعله الكبت بمن يشتعل داخلاً سواءً أشعر بذلك أم لم يشعر، وما أحسن الألفاظ التي انتقاها الشاعر في هذا البيت " تطمر "، " جذوة " يقابلها " طموح مُضرِم ".
لأن الرمال عميقة متعرجة استعيرت لتناسب كيفية إخماد نار الكبت لكل شمعة بوح ، فها هو الكبت يدفن تلك الجذوة المشتعلة بداخلة ، والأدهى أن الطموح يحرقه ؛ ليفسد عليه مصالح له لم يعرها اهتماماً ، هكذا أرى ما أراد هنا ، وإنها لجميلةٌ حتى لو أخطأت التفسير !
والآن كالمرآة أنت .. تكون صو& رة من تراه وأنت سوف تحطمك
لك الله يا بغدادي، ما أجمل شفافيتك هنا، وهل أوضح من هذا البيت ؟!.
لنرَ (( والآن )) ، ليُسلب منّا اهتمامنا فيما سبق ، وننظر إلى هذا الحاضر الذي أومأ إليه الشاعر بـ (( والآن )) ، ثم التشبيه الجميل الذي يقرب لنا المعنى ويبين لنا حاله الشفاف الذي استطاع أن يتصف به الآن وهو قادرٌ على الرؤية به أكثر ، ولذلك سوف يحطمه !
شظّتك فأس الشعرِ حين حملتها
من .. يا شظايا .. من تراه يلملمك
لا غبش هنا . أصبح بقايا متناثرة بسبب القصيد، ربما حاول أن يجمع نفسه يوماً، وإذا به يرى أنّ الشعر أقسى من بدد له نفساً.
" شظتك " مناسبة للغلظة التي بدت في البيت ، وُفِّق في اختيارها ، وهي على وزن " فعّل" وتدل على الكثرة !
يا كذبةً صدقتها ورضيت أن
ترضى فيهزأ من رضاك توهمك
هذا البيت هو ذات قولنا المتعارف (( كذب كذبة وصدقها )).
جميل التسلسل في هذا البيت ، فتعاقب جمله حسنٌ ، وهو هنا يتهم نفسه بأنها كذبة صدقها ، ورضي بتصديقه أو باعتباره لنفسه ، فهزأ منه وهمه الذي هو من أجرى له هذا الاعتبار !
هنا قرعٌ بتحقير لا ينبئ إلا على صدقٍ في التعبير ، ولا يكون ذاك إلا إذا طغى الحس على كل من عداه في توصيل هذا التقرير ، وهذا ما ظهر من أدوات الشاعر الحسية في هذا البيت
من: " كذبة " و" صدقتها " والرضا " والاستهزاء " " والوهم "، فكانت بشكلها هذا أبلغ مما لو عمد إلى صورة بصرية وصفية يشبه بها حاله هذا.
كم فُلَّ في رهج المعارك مِخْذَمُك
وكبا على أعتاب نصرك أدهمك
كم انهزم في معمعة القتال سيفك، ولم يكبُ جوادك إلا على مشارف نصرك، ما أسوأ هذا الحظ، وما أبرع فصاحة الشاعر في نقله لهذا. صورتان جميلتان تكني عن انهزام ما ظن أنّ في جلبه له نصرةً ومعونة !
ولكم شددت القوس كم أرخيته
ورميت ثم تصيب صدرك أسهمك
المعنى مكرر، ولكنه بصورة أخرى هاهنا، وليس ذاك إلا لتأكيد هذا الشيء. الشاعر يريد أن يبين بأنه هو من قذف نفسه في هذه المهالك، وهو من سول لنفسه أن يقع فيما يحاسب عليه نفسه الآن.
تعاقب جميل لهذا البيت بسابقه ، ومقابلة جميلة بين " شددت " و " أرخيت " ، فالرمي والإصابة من " القوس " بـ " الأسهم " .
ياللمفارقة .. انطلقت .. عدوت ثم ..
عدوت ..ثم .. طغى وفار عرمرمك
فإذا به لا شيء كل عطائك الـ
مجنون.. بل هو سيف من لا يرحمك !!
يا للمفارقة ، وتمهيدٌ جميل للنهاية . كأنه يخبر نفسه بأنه عالم ٌ بهذا الشيء فلا هو بالجديد ولا هو بالمجهول، إنما هذا نتاج ما اقترفتِه يا نفس فيما مضى.
الانطلاق والعدو بينّا وقربا لنا مفهوم كيفية حال من يجري خلف سراب يحسبه الظمآن ماء.
نجهد حينما ننسب هذا السيف ، ولكنه أقرب إلى أن يكون ذات الذي فُلَّ في رهج المعارك.
وبما أنّ بداية القصيدة غلبت عليها الصورة الحسية، فمن الطبيعي أن يكون هناك تقابل في النهاية، وهذا ما حصل !
ما أهنأ هذه القصيدة بشاعرها ، وما أفحل هذا الشاعر بقصيدته . سلاسةٌ في النظم، وبلاغة في القول، وعمقٌ في المعنى، وقافية الكاف لا أنسب منها هنا؛ إذ أن " الكاف " للمخاطبة، وما مضمون هذا النص إلا الخطاب !
وهانحن على أعتاب الخروج من أرض هذا البغدادي ، فما أرحبها من أرض ، وما أجود سماءها ، وما أطول يد صاحبها ؛ وإنّا لنرجو أن لا نكون ممن طاشت أيديهم في الصحفة ، أو ضاق بهم المكان ، أو عدهم صاحبه من الثقلاء ! .
وبقي أن نقول أن هذه القصيدة ذاتُ معانٍ عميقة غائصة في لجج النفس ، غائرة في التواري ، فإن أشكل عليك شيءٌ أيها القارئ ، فاعمد إلى ما ظهر عليك إشكاله ، وابتدر ما كتبتُه أنا فالأولى أن يكون الغلط من قراءتي التي أوغلتها في هذا النص ، وما زعمتُ حين فعلتُ ما فعلت بتقييم ولا بنقد ، وإنما هي كشفٌ لما تذوقتُه أنا ، ولا أجزم بأنني أفصحت تمام الإفصاح عنه ؛ إن كان له نَفَسٌ عندك ، وإلا فالأذواق لا تتواءم !
لا شكَّ أنّي لم أزل أقرأ هذه القصيدة الفاتنة ، ولم أزل مستطرباً مستمتعاً بهذه المشاعر الجميلة ، والنزف الأخَّاذ ، وهي من النوع الذي لا تنسه حينما تقرأه ، بل تجبرك على التطلع إلى المزيد من حسنها ، فحسنها وإن بدا ظاهراً ، فما يستدعيك إلى التردد عليها إلا ما خفي ، وهذه مزية وفخامة القريض الجزل ، والمعاني العميقة ، واللفظ المناسب .
وفي الحقيقة لا أدري لِمَ يأسرنا النَّفَسُ العراقيُّ في الشعر ، فهاهو الشاعر الشهير محمود درويش يقول مصداقيّةً على ما شعرنا به " كن عراقيّاً إذا أردتَ أن تكون شاعرا " ، وهاهو الناقد العراقي محمد صابر عبيد يقول : " الشاعر العربي لا يحسم إلا عراقيّاً " .
وحتى لا نطيل سنطرق باب هذا البغدادي ونستأذنه في (( عيون طفل )) التي رأيناها قبل فترة في الساخر ، ولنجوب بها أرض العراق معه مستأنسين بقليلٍ من فيضه ، وإن كنتَ يا قارئي العزيز ـ لا تعلم من هذا البغدادي ، فدونكَ هذا البيت مراهناً إيّاك على أن لا تترك الصفحة حتى تأتي على آخرها :
لم أعترض وأنا حيٌّ على أحدٍ
ومتُّ فانتفض الأمواتُ واعترضوا
حسناً .. أجزمُ بأنّكَ هنا الآن بالتحديد، ولا أعلم إلى أيّ الحالات تنتمي، عدى أنّك لن تحيد إلا أن تكون ما بين نشوةٍ وطرب، فقس على هذا وتعال معي هنا:
لا شك أنّي لم أزل لا أفهمك & بنيك صدقي حين ظنّك يهدمك
استهلال جميل ، ومطلع مشّوق آسر ، وأجمل ما في مثل هذه المطالع أن يكون بها لفت للانتباه بأي صيغةٍ أتت ، فـ ( لا شكّ ) هنا ، تأكيد وجزم بل هي أقوى المؤكدات وأوحدها في هذا الخبر الطلبي ، وكأن الشاعر هنا حينما يخاطب نفسه ، شاكٌّ متردد في أن يكون فاهماً نفسه أو لا ، فحاول أن يزيل عن نفسه هذا الشك بالمؤكد الذي ذكرناه .
الشطر الثاني حمل مقابلتين جميلتين في المعنى: يبني و يهدم، صدقي و ظنّك.
أخبروني عن معنىً لا يكون الصدقُ فيه بانياً ومحسّناً وبديعاً، لله درّه من شاعر لقد صدق هنا !
تبدو قوياً لا تهابُ وعندما
ترنو إليك عيون طفلٍ تهزمك
مدحٌ هذا أيها الشاعر ، فالمهابة التي تهزمها عيون الأطفال لمهابةٌ جليلة . صورٌ حسيّةٌ ترينا بوضوح ما أراد الشاعر قوله هنا ، وإنّها لفصاحة لا يأتي بها إلا النادر .
ما سحرَ لبّي ها هنا، هو منطق القوة التي لا يضنيها جلبة فكيف بنظرةٍ من طفل، وليس هي ككل نظرة، بل هي نظرةٌ بها من السكون والهدوء ما يجعلها ترنو فتهزم هذه القوة
المصطنعة !
يا صارخاً في داخلي يحتّلني
أحتار كيف وأنت صوتي أكتمك
هذا البيت محورٌ أساسي لفهم هذه القصيدة؛ إذ أنَّ به يُفهم أنَّ الشاعر فيها لا يخاطب إلا نفسه، ولعله أتى في موعده.
يأسرني النداء دائماً ، لما به من الاستنجاد والطلب لحاجة من المنادي ، أو هو التذكير بألطف حالاته من المطلوب حينما يتشكل في صورة طلب وإن كانت الحاجة للمطلوب أساساً !
تتابعت في الشطر الأول صور سمعيّة وحسيّة وبصرية ، فالسمعيّةُ في (( صارخاً )) ، والصرخة لا ترى ولا تُحس ، بل تُسمع ، والحسيّة في (( داخلي )) ، فما بالداخل محسوسٌ لا مرئيٌ ولا مسموع ، والاحتلال بين أن يكون بصريّاً مشاهداً وبين أن يكون حسّياّ يُشعر به ، ولا نراه هنا إلا حسيّاً محضا !
فانظر إلى هذه المعاناة كيف بدأت في داخله، وشى عليها ذلك الصوت القلق الذي أحدث في أذنه ما جعله يشعر بالاضطراب إزاء هذا الصخب الذي أودى به إلى الحيرة. ليس يعلم من طريقةٍ لكتمان هذا الصوت، ولكن ما هذا الصوتُ يا ترى ؟
ثمَّ إن تقديم (( وأنت صوتي ))، أقرب إلى موضع الاستغراب منها إلى قيد القافية !
أحتار في : هل لم تزل مستنفَراً
تغلي بالآم الحياة جهنّمك ؟
هنا استطراد لحيرته ، وصورةٌ جميلة لهذا الاستنفار الذي لم يكن إلا من غليان جهنّمه بالآم الحياة ، ولنرَ الفصل في ( أحتار في ) ثم الاستئناف ( هل لم تزل مستنفراً ) ، فبها بدأ الإنشاء ، والاستفهام هنا تعجبي !
وها هنا تناسب الألفاظ مع ما أراد من معنىً في ذلك الجحيم الذي يحترق به ، فأتى بـ (( استنفار )) ، (( وغليان )) . إشارة منه إلى بلوغ الأمر مبلغاً لا يطيق أن يبقى في مكانه من هول ما يشعر به !
أم هل تركتَ الأرض تُغرقُ نفسها
وظننتَ أنّ جبال صمتك تعصِمُك
" أم " هنا يستأنف بها سؤاله واستفهامه .
يلوم نفسه إذ اعتصم بصمته وهو الذي لا يعصم ولا يغني من ماذا ؟ .. لا نعلم ربما لما يمر عليه من الحوادث التي لن ينأى عنها بالتغافل !.
استعار هنا ( الجبال ) المحسوسة، لـ ( الصمت ) المعقول، وهي كناية عن الكثرة في الجمع " جبال " وليس " جبل "، وعن الشموخ المنجي في أصل هذا الشيء " الصمت " !
يا أيها الباكي عليك متاهةٌ
حملت وريدك أن يغادره دمك
أنظر إلى الدقة في التحوير ، أو التعميم ، حينما تلد بحيرة ، وتترعرع وتنمو بمتاهة ، ثم التبيان لنتيجة هذا المتاهة في أنّها سببٌ إلى الموت ، فحينما يغادر الدم من الوريد ، كيف له أن يعيش ! . بيان جميل هنا ، ولننظر إلى التعقيب في البيت الذي يليه :
فنشرتَ جلدك للرياحِ دريئةً
إذ كان جلدكَ ملءَ سمعِكَ يشتمك
أي : بسطتَ جلدكَ للرياح ، لتشتت أجزاؤه فما من جلد بعدها ، وهذا صورة تؤكد ما قبلها من الاستحالة ، وهنا محال أن يقيه جلده من الرياح ، وهي ـ أي : الرياح ـ إن لم يخب ظنّي كما المتاهة إن لم تكن هي ؛ لذا فالبيت جاء مساقاً لما قبله في المعنى ، ولكن الشطر الثاني قلل من جمال الاسترسال في الشطر الأول برأيي ، فأبهم علينا ما ننتظر وضوحه لنا !
وقطعت فيك لسانك الحرَّ الذي
لم يدرِ بين يديك كيف يكلمك
عودة إلى الاستئخاذ بهذه الصورة الجميلة التي أوردها الشاعر هاهنا ، وما زالت الحيرة تترأس الأبيات من الأول إلى هذا ، فهو إن قطع ما لم يجرؤ على الحديث معه ، فإنّها تقيّة لما سيحدث ، أي أنّه ذاهبٌ إلى أشد حالات الصمت " البكم " ، ما أعذب الشاعر هاهنا !
وأخذت تستجدي فماً وتلحُّ في اسـ
تجدائه ويّلُح وهو فمٌ فمك !
المعنى هنا يقرب مما جرى في سابقه ويوضحه. يلح على فمه بالتحدث، وكيف ذلك وقد قطع لسانه قبلاً، وهوـ أي: الفم ـ هل يلّح على الكلام أم الإمساك عنه، لم يتضح هذا، ثم إنَّ " فمٌ فمك " أشعر بأنها قلقة موغِلة في التعقيد !
وبقيتَ ... تنطفئ النجوم جميعها
ويموتُ فيها الضوء لكن أنجمك
عودةٌ إلى المعاني الغائصة، عمق لكن من ذا يحب العمق هنا، وهو على شفا فهمٍ، فلِمَ هذا التصاعد في الإبهام ؟
ما يشفع لغموض هذا النص أنّه يبحث عن خفايا الغوص الذاتي، إلا أنّ لكلٍّ طريقته في الإفصاح عن هذا الشيء، فهناك من يحاول أن يجلّي ليتبين، وهناك من يكشف رأس حرفٍ فقط، كاسياً ما تبقى بطرف عينه !
يبدو أنّه في هذا البيت ما زال مضيئاً في شيء ما ، ولا أظنّ أنّه في الجانب الذي يتمنى أن يصل إليه ، وقد حنق على ما بدا له منه فيما سبق !
وبقيتَ تبحث عن مياهك في المدى
أوقف جنونك إنّ وهمك زمزمك
حقّاً مجنون، وهل عقل الشعراء يوما !
هناك أبيات جمالها يستحوذ على مكامن النطق منك حتى تظل مترنِّماً طَرِباً وهذا عين البلاغة، الأمر الذي يغني المستمع ـ القارئ ـ عن أي حرف يزاد بشأن ما وقع في روعه من مزية لذات البيت وفخامة !
ويبدو أننّا سنكون تقليديين مملين في الحديث هنا ، ولكن باختصار ، ولننظر إلى الشطر الثاني كيف حوى على معنىً إنشائي خرج عن غرض الاستعلاء ليكون تنبيهاً وما أجمل التنبيه الناشئ المردف بخبرٍ طلبي مؤكد بـ ( إنّ ) ، وهو لغرض الإخبار بمعلومة جديدة لم يعرفها ذاك الذي يبحث عن مياهه ، فناسب التأكيد هنا عقله الشاك المتردد في الأمر ، كيف لا وهو من استجنّ في البحث !
لن يجدي البحث شيئاً، فلن تجد إلا مزيداً من الوهم، فالأمر كله مبني على ذلك، فعن ماذا تبحث ؟ .. أعن وهمٍ صدقته ، أم ... سيجيء هذا التفصيل في بيت آخر !
أوقف جنونك حيث أنت.. وعد إلى
ماضيك وانكأ أيَّ جرحٍ يؤلمك
سترى رمال الكبتِ تطمر جذوةً
وترى طموحك كل يومٍ يضرمك
ثلاثُ جمل فعليّة آمرة تزيد من استعار معاني هذا البيت ومقصد الشاعر هاهنا في الذروة لا يخفى، وهي استرسال لما سبق، بيد أنّ بها لهجة هي أغلظ من السابقة !
يُوخِزُ النبض بـ " أوقف جنونك " في " حيث أنت " ، ثم يتراءى مشهد العودة لنا إلى ما لا يعود عقلاً ، بيد أنّ الـ ( الماضي ) كلمة معقولة لا تُحس ، غير أنّ الأمر لا يستحيل إذا ما عاد إلى المعقول ِ معقول ـ وهو العقل ـ بذاكرته البصرية في الذهاب ، فالحسية بالـ ( النكء ) و( ألم الجرح ) .
الكلام بعمومه في هذا البيت يفضي إلى تساؤل جوابه في البيت الذي يليه ، إلا أن هذا لم يكُ تضميناً إذ أنّ البيت اكتفى بذاته ؛ أو بعبارة أخرى معناه وافٍ ، وما هذا الارتباط إلا تعليقٌ معنوي ! .
أمّا الصورة في البيت الآخر فهي بديعةٌ وذات حسنٍ باهر، فما هو إلا تصوير لما يفعله الكبت بمن يشتعل داخلاً سواءً أشعر بذلك أم لم يشعر، وما أحسن الألفاظ التي انتقاها الشاعر في هذا البيت " تطمر "، " جذوة " يقابلها " طموح مُضرِم ".
لأن الرمال عميقة متعرجة استعيرت لتناسب كيفية إخماد نار الكبت لكل شمعة بوح ، فها هو الكبت يدفن تلك الجذوة المشتعلة بداخلة ، والأدهى أن الطموح يحرقه ؛ ليفسد عليه مصالح له لم يعرها اهتماماً ، هكذا أرى ما أراد هنا ، وإنها لجميلةٌ حتى لو أخطأت التفسير !
والآن كالمرآة أنت .. تكون صو& رة من تراه وأنت سوف تحطمك
لك الله يا بغدادي، ما أجمل شفافيتك هنا، وهل أوضح من هذا البيت ؟!.
لنرَ (( والآن )) ، ليُسلب منّا اهتمامنا فيما سبق ، وننظر إلى هذا الحاضر الذي أومأ إليه الشاعر بـ (( والآن )) ، ثم التشبيه الجميل الذي يقرب لنا المعنى ويبين لنا حاله الشفاف الذي استطاع أن يتصف به الآن وهو قادرٌ على الرؤية به أكثر ، ولذلك سوف يحطمه !
شظّتك فأس الشعرِ حين حملتها
من .. يا شظايا .. من تراه يلملمك
لا غبش هنا . أصبح بقايا متناثرة بسبب القصيد، ربما حاول أن يجمع نفسه يوماً، وإذا به يرى أنّ الشعر أقسى من بدد له نفساً.
" شظتك " مناسبة للغلظة التي بدت في البيت ، وُفِّق في اختيارها ، وهي على وزن " فعّل" وتدل على الكثرة !
يا كذبةً صدقتها ورضيت أن
ترضى فيهزأ من رضاك توهمك
هذا البيت هو ذات قولنا المتعارف (( كذب كذبة وصدقها )).
جميل التسلسل في هذا البيت ، فتعاقب جمله حسنٌ ، وهو هنا يتهم نفسه بأنها كذبة صدقها ، ورضي بتصديقه أو باعتباره لنفسه ، فهزأ منه وهمه الذي هو من أجرى له هذا الاعتبار !
هنا قرعٌ بتحقير لا ينبئ إلا على صدقٍ في التعبير ، ولا يكون ذاك إلا إذا طغى الحس على كل من عداه في توصيل هذا التقرير ، وهذا ما ظهر من أدوات الشاعر الحسية في هذا البيت
من: " كذبة " و" صدقتها " والرضا " والاستهزاء " " والوهم "، فكانت بشكلها هذا أبلغ مما لو عمد إلى صورة بصرية وصفية يشبه بها حاله هذا.
كم فُلَّ في رهج المعارك مِخْذَمُك
وكبا على أعتاب نصرك أدهمك
كم انهزم في معمعة القتال سيفك، ولم يكبُ جوادك إلا على مشارف نصرك، ما أسوأ هذا الحظ، وما أبرع فصاحة الشاعر في نقله لهذا. صورتان جميلتان تكني عن انهزام ما ظن أنّ في جلبه له نصرةً ومعونة !
ولكم شددت القوس كم أرخيته
ورميت ثم تصيب صدرك أسهمك
المعنى مكرر، ولكنه بصورة أخرى هاهنا، وليس ذاك إلا لتأكيد هذا الشيء. الشاعر يريد أن يبين بأنه هو من قذف نفسه في هذه المهالك، وهو من سول لنفسه أن يقع فيما يحاسب عليه نفسه الآن.
تعاقب جميل لهذا البيت بسابقه ، ومقابلة جميلة بين " شددت " و " أرخيت " ، فالرمي والإصابة من " القوس " بـ " الأسهم " .
ياللمفارقة .. انطلقت .. عدوت ثم ..
عدوت ..ثم .. طغى وفار عرمرمك
فإذا به لا شيء كل عطائك الـ
مجنون.. بل هو سيف من لا يرحمك !!
يا للمفارقة ، وتمهيدٌ جميل للنهاية . كأنه يخبر نفسه بأنه عالم ٌ بهذا الشيء فلا هو بالجديد ولا هو بالمجهول، إنما هذا نتاج ما اقترفتِه يا نفس فيما مضى.
الانطلاق والعدو بينّا وقربا لنا مفهوم كيفية حال من يجري خلف سراب يحسبه الظمآن ماء.
نجهد حينما ننسب هذا السيف ، ولكنه أقرب إلى أن يكون ذات الذي فُلَّ في رهج المعارك.
وبما أنّ بداية القصيدة غلبت عليها الصورة الحسية، فمن الطبيعي أن يكون هناك تقابل في النهاية، وهذا ما حصل !
ما أهنأ هذه القصيدة بشاعرها ، وما أفحل هذا الشاعر بقصيدته . سلاسةٌ في النظم، وبلاغة في القول، وعمقٌ في المعنى، وقافية الكاف لا أنسب منها هنا؛ إذ أن " الكاف " للمخاطبة، وما مضمون هذا النص إلا الخطاب !
وهانحن على أعتاب الخروج من أرض هذا البغدادي ، فما أرحبها من أرض ، وما أجود سماءها ، وما أطول يد صاحبها ؛ وإنّا لنرجو أن لا نكون ممن طاشت أيديهم في الصحفة ، أو ضاق بهم المكان ، أو عدهم صاحبه من الثقلاء ! .
وبقي أن نقول أن هذه القصيدة ذاتُ معانٍ عميقة غائصة في لجج النفس ، غائرة في التواري ، فإن أشكل عليك شيءٌ أيها القارئ ، فاعمد إلى ما ظهر عليك إشكاله ، وابتدر ما كتبتُه أنا فالأولى أن يكون الغلط من قراءتي التي أوغلتها في هذا النص ، وما زعمتُ حين فعلتُ ما فعلت بتقييم ولا بنقد ، وإنما هي كشفٌ لما تذوقتُه أنا ، ولا أجزم بأنني أفصحت تمام الإفصاح عنه ؛ إن كان له نَفَسٌ عندك ، وإلا فالأذواق لا تتواءم !