صالح سعيد الهنيدي
08-14-2005, 03:43 PM
الشاعر الشاب محمد الحمادي لم يصل للثلاثين بعد، ومع ذلك أصدر ثلاثة دواوين شعرية تحتوي على تجارب مختلفة في كتابة الشعر، لكنه يركز على الشعر العمودي بالإضافة للتفعيلة، وقد اختار الرومانسية طريقة للتعبير، فهو ذلك الشاعر العاشق الذي يهيم بشعر الحب العذري، ولا يرى سوى الرومانسية تأخذه إلى عالم الشعر، ولا يرى ضيراً في ذلك، بل هو يؤكد على الكتابة من خلالها.
ويقول لـ (اليوم): لقد وجدتني أمشي في طريق الرومانسية دون إرادة مني، فأنا لا أستطيع أن أكتب شعر المديح أو الحكمة أو الرثاء أو غيره، أتوقع أن الشعر الوجداني هو أقرب الطرق وأقصرها لقلوب الناس.
ليس ذلك فقط. بل يضيف: إن الشعر الوجداني هو أرقى أنواع الشعر على مر العصور وسيبقى كذلك، لأنه حالة طبيعية جدا في كل البشر والميل الفطري للجنس الآخر، والرومانسية شيء جميل لنحاول البعد عن عصر الماديات الذي تعبنا منه كثيراً حتى ولو كان هروباً.
ولأن أغلب الشعراء والكتاب الشباب يرون أنهم مظلومون وأن الإعلام لا يلتفت إليهم، وأن النقاد يهمشونهم، حاولنا من خلال هذا الحوار مع الشاعر محمد الحمادي أن نتعرف على تجربته في كتابة الشعر وعن رأيه في الوسط الثقافي والإعلامي..
@ لك ثلاثة دواوين وبالكاد سمعنا عنك، لماذا؟ ومن المقصر أنت أم الإعلام، أم من ؟
- هذا السؤال بالتأكيد يوجه للإعلام فما دور الصحافة وغيرها من الوسائل الإعلامية المختلفة، لستُ الوحيد في هذه الناحية بل إن هناك الكثير من الشباب المبدعين الذين حققوا نجاحاً جيداً لكن الإعلام لم يعطهم حقهم.
نعم المقصر الإعلام لأن الكثير من الإعلاميين يظهرون من يريدونه أن يظهر، أنا من واقع تجربة شخصية أحد الصحفيين قال لي بالحرف الواحد: سأظهرك لكن ما المقابل؟ صدقني نحنُ كمبدعين شباب بحاجة إلى إعلام هادف يأخذ بيدنا، صعب على الكاتب أن يتسول من أجل أن يظهر إعلامياً، في رأيي إبداعك وتميزك حتما سيوجه الأنظار نحوك.
@ لماذا من وجهة نظرك يبتعد بعض الكتاب الشباب عن الساحة الثقافية ويكتفون بطباعة مؤلفاتهم؟
- أقولها بكل صراحة أنا واحد من هؤلاء، لسبب بسيط جداً، وكأن الساحة الثقافية أصبحت حكراً على فئة معينة من الكتاب هم بالتأكيد الروّاد الذينَ قطعوا شوطاً في هذا المجال، أتوقع أن هؤلاء لا يحتاجون إلى دعم لأنهم ظهروا على الساحة وعرفهم الجميع، فمن يحتاج إلى الدعم إذا، هم بالتأكيد الشباب ونرى الكثير منهم يطبع مؤلفاته بعيداً عن ضوضاء الساحة التي تهتم فقط بفئة دونَ أخرى، وإذا ظهرَ شاب بالصدفة فحتماً يقف من خلفه مبدع له حضوره وعمره الطويل في مجال الكتابة والتأليف، حتى الملاحق الثقافية في الصحف والمجلات المحلية ذات الطابع الثقافي، تجدها تهتم بالإخوانيات بين كبار الكتاب، وتهمل الكم الإبداعي الكبير الذي يظهر كل يوم.
إذا ابتعاد الكاتب الشاب عن الساحة ليس خوفاً من النقد أبدا لأنه لم يطبع مؤلفاته إلا بقناعة تامة بها.
@ ولكن ألا تعتقد أن ذلك هو هروب من عملية النقد التي ربما وجهها بعض النقاد لكتاباتكم؟
- ليس هروباً أبداً لأن مؤلفاتنا في المكتبات في متناول الجميع بمن فيهم النقاد فأنا أقولها الآن هل من نقد بنَاء هادف،هذه أعمالنا لديكم ولكن أين أنتم؟ أم أنني وغيري مبدعون جداً ولا توجد لدينا أي أخطاء أو هفوات تستحق النقد، أنا فلم أطبع مجموعاتي الشعرية لأقرأها أنا فقط إنما تم توزيعها في كل مناطق المملكة وخارجها أيضاً، فهل أتسول من يقوم بنقدها؟ لا أستطيع ذلك، أتركها ومن يحب أن يقرأها قراءة نقدية فأنا سأتقبل ذلك. وقد قام الأديب بدر المطيري بقراءة نقدية لمجموعتين شعريتين لي هما (مسافر) و(فلسفة الحب) وكم أثلج صدري بهذه الدراسة، مع أني لا أعرفه نهائياً ولم ألتقِ به حتى الآن، لقد وجد أن كتاباتي تستحق القراءة والتأمل ولذلك كتب عنها، نعود لنقول أننا لا نهرب من عملية النقد بالعكس نريد ذلك ونتمناه، ولكن أين النقاد؟
@ هل تعتقد أن هناك خصاما بين المبدعين الشباب وبين المثقفين سواء كانوا نقادا أو مبدعين آخرين؟
- لا أعتقد أنه يوجد خصام كما أنه لا يوجد تآلف بينهما، لأن المبدعين الكبار لهم عرشهم ومن الصعب عليهم أن ينزلوا قليلا حتى لو اقتنع بإبداع ذلك الكاتب الشاب، لا أعمم هنا ولكن الكثير منهم كذلك، وأتساءل هنا: لماذا لا يقوم النقّاد بفتح ملفات المبدعين الشباب، أنا من المتابعين للصحف اليومية والمجلات المحلية، أجد أن هم الناقد الأول هو الظهور بأي طريقة على أكتاف الكبار من خلال نقدهم بصخب إعلامي واضح، هذه الجفوة الموجودة صنعت تذبذبا في العلاقة بين الشباب وغيرهم من النقاد أو الكبار، والإعلام اليومي أكبر شاهد على إهمال المبدعين الشباب والبحث دائماً عن أماكن الضوضاء والفلاشات المثيرة، فهل نحن من نلام لأننا ابتعدنا!
@ ألا تعتقد أنك مبالغ في وصف بعض النقاد بهذا الوصف.. وهل تعتقد أن تجربتكم ستسير في طريق صحيح، دون أن تمر على محك التجربة النقدية؟
- ليست مبالغة أبداً وهذه هي الحقيقة، وأستثني النقاد المخلصين لمهنتهم وقلمهم، وكأن النقد مبني على الصداقات فقط، فمن الممكن أن يرفعك الناقد إلى السماء لمجرد أنك صديقه، ومن الممكن أن يدفنك تحت الرمل لأنك اختلفت معه في شيء ما أو لا تربطك بهِ علاقة جيدة. والأغلب أنه لن يهتم بك حتى لو كنتَ مبدعاً تستحق أن يتم الوقوف على إبداعك. عموما للنقد دور مهم جدا في صقل الكاتب واستمراريته وتطوير أدواته، لكنني أكرر مرة أخرى: هل نتسول النقد ؟ هذهِ مؤلفاتي وهذا أنا وبقي الدور على النقاد ليقرأوني ويكتبوا بضمير صادق بعيداً عن الأمور الشخصية.
@ يلاحظ في ديوانك الأخير (فلسفة الحب) الكثير من القصائد موجهة إلى تونس والتغني بها، هل ثمة عنوان لهذه القصائد؟
- أقرب وأسهل عنوان يمكن البوح به هنا (كانَ حباً ومات)، كل إنسان يمر بتجارب في حياته وقد تغنيت بتونس كبلد يحمل كثيرا من الحضارات والطبيعة الخلابة بطريقتي الخاصة وأصبح كل ذلك مجرد ذكريات، ليست جميلة أبداً...!! لكنها مرحلة من مراحل حياتي كشاعر فقط وأنا أعيش الآن مرحلة مختلفة تماماً هي أصدق وأعمق بكثير، وقد قلتُ لاحقاً في إحدى قصائدي الحديثة بعنوان (فأنتِ حبيبتي حقاً):
وضاعت تونس الخضراء من زمن ٍ
وصارت بعض أجداث ٍ، وأوهام ٍ
وصارت قصة تُحكى من الماضي
وماتت صدّقي يا حلوتي ماتت
وصرت ِ حقيقتي الكبرى
فلا تتذكري ذاكَ الهوى المنسي...
@ تتراوح قصائدك بين التفعيلة والعمودي؟ ويلاحظ بالنسبة للعمودي أنه نظم وبعيد نوعاً ما عن الشاعرية، أين تجد نفسك؟
- لقد تمكنت من النمطين، ماعدا القصيدة النثرية فلم أكتب فيها لأن لي وجهة نظر خاصة تجاه هذا النمط، وبالنسبة لي أجد نفسي في كل قصيدة أكتبها. صحيح أنني أشعر بأن قصيدة التفعيلة لدي أفضل بكثير من العمودية، لكن أيضا نتاجي بالطريقة العمودية جيد أيضاً، وقصيدة التفعيلة تعطيك نوعا من المساحة الكبيرة للكتابة دون قيود الوزن والقافية، لكن الشعر العمودي يبقى له طابعه الخاص وموسيقاه الهادئة الجميلة. وأنا أتقبل النقد بصدر رحب لأنه بالتأكيد سيفتح الكثير من الآفاق في تجربتي وسيزيد صقلي أكثر وأكثر.
@ كيف تقول أنك تتقبل النقد في الوقت الذي نراك منغلقاً على النقاد، ومبتعدا أصلاً عن الساحة؟
- نعم أتقبل النقد بصدر رحب، كما أنني لستُ منغلقاً على النقاد وأتمنى أن تعطيني قائمة بمن تثق بهم لكي أهديهم أعمالي وأقرأ بهدوء ما سيكتبونه عنها، أما بالنسبة لابتعادي عن الساحة فالسبب الرئيسي أنني وجدت في الساحة الأدبية ما يسمى (الشللية) حتى الأندية الأدبية أصبحت حكراً على فئات معينة، فلقد زرت أحدها ولم أجد حتى الترحيب، فلماذا تلمني إذن على البعد عن الساحة، أينَ فئة الشباب أصلاً عن الساحة الأدبية، ألا يوجد مبدعون تمكنوا من الوصول، أينَ دور الأندية الأدبية؟ نجدها في بيات شتوي مستمر، وكأنها في كوكب آخر، أريد أن أظهر على الساحة نعم، ولكن لا يوجد ما يشجع على ذلك، أنا أفضل البقاء مع القراء الذين يتذوقون لغتي وما ينبض بهِ قلبي وقلمي هو أفضل لي بكثير من التواجد ضمن مجموعة لا تعترف إلا بمن يعيش ضمنها هذا رأيي، وأتمنى أن أرى بريقا من التغيير يشجع على الدخول بقوة.
@ ألا تعتقد أن بعض من كتب عنك (عباس خزام مثالاً) هو قد يضرك؟ أم أن الترويج بهذه الطريقة ضروري للمبدع الشاب؟
- عباس خزام أديب كبير من الرواد والجميع يشهد بنجاح تجربته الشعرية كشاعر وأديب عربي مشهور ومتميز، أنا لم ألتق بهذا الرجل حتى نشره دراسته عني في إحدى المجلات البحرينية، ولم يجمعني به لقاء أبدا إلا بعد نشر الدراسة، وهذا يدل أنه لا توجد أي مجاملات بيني وبينه، ولا أعتقد أن أديباً كبيراً بوزن هذا العملاق سيسخر قلمه للمجاملات، ولماذا أساساً ذلك؟ وعلى حساب من؟ أعتقد أنه لمسَ جانبا معينا بكتاباتي وكتبَ بكل صدق كما أخبرني هو بعد لقائيِ به مؤخراً، ولا أعتقد أن كلمة الحق تعتبر ترويجاً أبداً يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع الآخرين، وصدقني لو انتقدني هذا الرجل فلن أزعل بتاتاً، يكفي أنه ترجل من على جواده وكتب عن إنسان لا يزال في بداية الطريق، أعتقد أنه من الممكن أن توجه هذا السؤال لعباس خزام بذاته أو غيره ممن كتب الذينَ لم أعرفهم إلا بعد الكتابة، وإذا كانت كلمة حق فلا تعتبر ترويجاً أما إذا كانت مجاملة فقط لمعرفة شخصية أو غيرها فمن الممكن أن نطلق عليها ترويجاً لكن في النهاية سيكون مفضوحاً لا محالة.
المصدر
http://www.alyaum.com/issue/page.php?IN=11748&P=8
ويقول لـ (اليوم): لقد وجدتني أمشي في طريق الرومانسية دون إرادة مني، فأنا لا أستطيع أن أكتب شعر المديح أو الحكمة أو الرثاء أو غيره، أتوقع أن الشعر الوجداني هو أقرب الطرق وأقصرها لقلوب الناس.
ليس ذلك فقط. بل يضيف: إن الشعر الوجداني هو أرقى أنواع الشعر على مر العصور وسيبقى كذلك، لأنه حالة طبيعية جدا في كل البشر والميل الفطري للجنس الآخر، والرومانسية شيء جميل لنحاول البعد عن عصر الماديات الذي تعبنا منه كثيراً حتى ولو كان هروباً.
ولأن أغلب الشعراء والكتاب الشباب يرون أنهم مظلومون وأن الإعلام لا يلتفت إليهم، وأن النقاد يهمشونهم، حاولنا من خلال هذا الحوار مع الشاعر محمد الحمادي أن نتعرف على تجربته في كتابة الشعر وعن رأيه في الوسط الثقافي والإعلامي..
@ لك ثلاثة دواوين وبالكاد سمعنا عنك، لماذا؟ ومن المقصر أنت أم الإعلام، أم من ؟
- هذا السؤال بالتأكيد يوجه للإعلام فما دور الصحافة وغيرها من الوسائل الإعلامية المختلفة، لستُ الوحيد في هذه الناحية بل إن هناك الكثير من الشباب المبدعين الذين حققوا نجاحاً جيداً لكن الإعلام لم يعطهم حقهم.
نعم المقصر الإعلام لأن الكثير من الإعلاميين يظهرون من يريدونه أن يظهر، أنا من واقع تجربة شخصية أحد الصحفيين قال لي بالحرف الواحد: سأظهرك لكن ما المقابل؟ صدقني نحنُ كمبدعين شباب بحاجة إلى إعلام هادف يأخذ بيدنا، صعب على الكاتب أن يتسول من أجل أن يظهر إعلامياً، في رأيي إبداعك وتميزك حتما سيوجه الأنظار نحوك.
@ لماذا من وجهة نظرك يبتعد بعض الكتاب الشباب عن الساحة الثقافية ويكتفون بطباعة مؤلفاتهم؟
- أقولها بكل صراحة أنا واحد من هؤلاء، لسبب بسيط جداً، وكأن الساحة الثقافية أصبحت حكراً على فئة معينة من الكتاب هم بالتأكيد الروّاد الذينَ قطعوا شوطاً في هذا المجال، أتوقع أن هؤلاء لا يحتاجون إلى دعم لأنهم ظهروا على الساحة وعرفهم الجميع، فمن يحتاج إلى الدعم إذا، هم بالتأكيد الشباب ونرى الكثير منهم يطبع مؤلفاته بعيداً عن ضوضاء الساحة التي تهتم فقط بفئة دونَ أخرى، وإذا ظهرَ شاب بالصدفة فحتماً يقف من خلفه مبدع له حضوره وعمره الطويل في مجال الكتابة والتأليف، حتى الملاحق الثقافية في الصحف والمجلات المحلية ذات الطابع الثقافي، تجدها تهتم بالإخوانيات بين كبار الكتاب، وتهمل الكم الإبداعي الكبير الذي يظهر كل يوم.
إذا ابتعاد الكاتب الشاب عن الساحة ليس خوفاً من النقد أبدا لأنه لم يطبع مؤلفاته إلا بقناعة تامة بها.
@ ولكن ألا تعتقد أن ذلك هو هروب من عملية النقد التي ربما وجهها بعض النقاد لكتاباتكم؟
- ليس هروباً أبداً لأن مؤلفاتنا في المكتبات في متناول الجميع بمن فيهم النقاد فأنا أقولها الآن هل من نقد بنَاء هادف،هذه أعمالنا لديكم ولكن أين أنتم؟ أم أنني وغيري مبدعون جداً ولا توجد لدينا أي أخطاء أو هفوات تستحق النقد، أنا فلم أطبع مجموعاتي الشعرية لأقرأها أنا فقط إنما تم توزيعها في كل مناطق المملكة وخارجها أيضاً، فهل أتسول من يقوم بنقدها؟ لا أستطيع ذلك، أتركها ومن يحب أن يقرأها قراءة نقدية فأنا سأتقبل ذلك. وقد قام الأديب بدر المطيري بقراءة نقدية لمجموعتين شعريتين لي هما (مسافر) و(فلسفة الحب) وكم أثلج صدري بهذه الدراسة، مع أني لا أعرفه نهائياً ولم ألتقِ به حتى الآن، لقد وجد أن كتاباتي تستحق القراءة والتأمل ولذلك كتب عنها، نعود لنقول أننا لا نهرب من عملية النقد بالعكس نريد ذلك ونتمناه، ولكن أين النقاد؟
@ هل تعتقد أن هناك خصاما بين المبدعين الشباب وبين المثقفين سواء كانوا نقادا أو مبدعين آخرين؟
- لا أعتقد أنه يوجد خصام كما أنه لا يوجد تآلف بينهما، لأن المبدعين الكبار لهم عرشهم ومن الصعب عليهم أن ينزلوا قليلا حتى لو اقتنع بإبداع ذلك الكاتب الشاب، لا أعمم هنا ولكن الكثير منهم كذلك، وأتساءل هنا: لماذا لا يقوم النقّاد بفتح ملفات المبدعين الشباب، أنا من المتابعين للصحف اليومية والمجلات المحلية، أجد أن هم الناقد الأول هو الظهور بأي طريقة على أكتاف الكبار من خلال نقدهم بصخب إعلامي واضح، هذه الجفوة الموجودة صنعت تذبذبا في العلاقة بين الشباب وغيرهم من النقاد أو الكبار، والإعلام اليومي أكبر شاهد على إهمال المبدعين الشباب والبحث دائماً عن أماكن الضوضاء والفلاشات المثيرة، فهل نحن من نلام لأننا ابتعدنا!
@ ألا تعتقد أنك مبالغ في وصف بعض النقاد بهذا الوصف.. وهل تعتقد أن تجربتكم ستسير في طريق صحيح، دون أن تمر على محك التجربة النقدية؟
- ليست مبالغة أبداً وهذه هي الحقيقة، وأستثني النقاد المخلصين لمهنتهم وقلمهم، وكأن النقد مبني على الصداقات فقط، فمن الممكن أن يرفعك الناقد إلى السماء لمجرد أنك صديقه، ومن الممكن أن يدفنك تحت الرمل لأنك اختلفت معه في شيء ما أو لا تربطك بهِ علاقة جيدة. والأغلب أنه لن يهتم بك حتى لو كنتَ مبدعاً تستحق أن يتم الوقوف على إبداعك. عموما للنقد دور مهم جدا في صقل الكاتب واستمراريته وتطوير أدواته، لكنني أكرر مرة أخرى: هل نتسول النقد ؟ هذهِ مؤلفاتي وهذا أنا وبقي الدور على النقاد ليقرأوني ويكتبوا بضمير صادق بعيداً عن الأمور الشخصية.
@ يلاحظ في ديوانك الأخير (فلسفة الحب) الكثير من القصائد موجهة إلى تونس والتغني بها، هل ثمة عنوان لهذه القصائد؟
- أقرب وأسهل عنوان يمكن البوح به هنا (كانَ حباً ومات)، كل إنسان يمر بتجارب في حياته وقد تغنيت بتونس كبلد يحمل كثيرا من الحضارات والطبيعة الخلابة بطريقتي الخاصة وأصبح كل ذلك مجرد ذكريات، ليست جميلة أبداً...!! لكنها مرحلة من مراحل حياتي كشاعر فقط وأنا أعيش الآن مرحلة مختلفة تماماً هي أصدق وأعمق بكثير، وقد قلتُ لاحقاً في إحدى قصائدي الحديثة بعنوان (فأنتِ حبيبتي حقاً):
وضاعت تونس الخضراء من زمن ٍ
وصارت بعض أجداث ٍ، وأوهام ٍ
وصارت قصة تُحكى من الماضي
وماتت صدّقي يا حلوتي ماتت
وصرت ِ حقيقتي الكبرى
فلا تتذكري ذاكَ الهوى المنسي...
@ تتراوح قصائدك بين التفعيلة والعمودي؟ ويلاحظ بالنسبة للعمودي أنه نظم وبعيد نوعاً ما عن الشاعرية، أين تجد نفسك؟
- لقد تمكنت من النمطين، ماعدا القصيدة النثرية فلم أكتب فيها لأن لي وجهة نظر خاصة تجاه هذا النمط، وبالنسبة لي أجد نفسي في كل قصيدة أكتبها. صحيح أنني أشعر بأن قصيدة التفعيلة لدي أفضل بكثير من العمودية، لكن أيضا نتاجي بالطريقة العمودية جيد أيضاً، وقصيدة التفعيلة تعطيك نوعا من المساحة الكبيرة للكتابة دون قيود الوزن والقافية، لكن الشعر العمودي يبقى له طابعه الخاص وموسيقاه الهادئة الجميلة. وأنا أتقبل النقد بصدر رحب لأنه بالتأكيد سيفتح الكثير من الآفاق في تجربتي وسيزيد صقلي أكثر وأكثر.
@ كيف تقول أنك تتقبل النقد في الوقت الذي نراك منغلقاً على النقاد، ومبتعدا أصلاً عن الساحة؟
- نعم أتقبل النقد بصدر رحب، كما أنني لستُ منغلقاً على النقاد وأتمنى أن تعطيني قائمة بمن تثق بهم لكي أهديهم أعمالي وأقرأ بهدوء ما سيكتبونه عنها، أما بالنسبة لابتعادي عن الساحة فالسبب الرئيسي أنني وجدت في الساحة الأدبية ما يسمى (الشللية) حتى الأندية الأدبية أصبحت حكراً على فئات معينة، فلقد زرت أحدها ولم أجد حتى الترحيب، فلماذا تلمني إذن على البعد عن الساحة، أينَ فئة الشباب أصلاً عن الساحة الأدبية، ألا يوجد مبدعون تمكنوا من الوصول، أينَ دور الأندية الأدبية؟ نجدها في بيات شتوي مستمر، وكأنها في كوكب آخر، أريد أن أظهر على الساحة نعم، ولكن لا يوجد ما يشجع على ذلك، أنا أفضل البقاء مع القراء الذين يتذوقون لغتي وما ينبض بهِ قلبي وقلمي هو أفضل لي بكثير من التواجد ضمن مجموعة لا تعترف إلا بمن يعيش ضمنها هذا رأيي، وأتمنى أن أرى بريقا من التغيير يشجع على الدخول بقوة.
@ ألا تعتقد أن بعض من كتب عنك (عباس خزام مثالاً) هو قد يضرك؟ أم أن الترويج بهذه الطريقة ضروري للمبدع الشاب؟
- عباس خزام أديب كبير من الرواد والجميع يشهد بنجاح تجربته الشعرية كشاعر وأديب عربي مشهور ومتميز، أنا لم ألتق بهذا الرجل حتى نشره دراسته عني في إحدى المجلات البحرينية، ولم يجمعني به لقاء أبدا إلا بعد نشر الدراسة، وهذا يدل أنه لا توجد أي مجاملات بيني وبينه، ولا أعتقد أن أديباً كبيراً بوزن هذا العملاق سيسخر قلمه للمجاملات، ولماذا أساساً ذلك؟ وعلى حساب من؟ أعتقد أنه لمسَ جانبا معينا بكتاباتي وكتبَ بكل صدق كما أخبرني هو بعد لقائيِ به مؤخراً، ولا أعتقد أن كلمة الحق تعتبر ترويجاً أبداً يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع الآخرين، وصدقني لو انتقدني هذا الرجل فلن أزعل بتاتاً، يكفي أنه ترجل من على جواده وكتب عن إنسان لا يزال في بداية الطريق، أعتقد أنه من الممكن أن توجه هذا السؤال لعباس خزام بذاته أو غيره ممن كتب الذينَ لم أعرفهم إلا بعد الكتابة، وإذا كانت كلمة حق فلا تعتبر ترويجاً أما إذا كانت مجاملة فقط لمعرفة شخصية أو غيرها فمن الممكن أن نطلق عليها ترويجاً لكن في النهاية سيكون مفضوحاً لا محالة.
المصدر
http://www.alyaum.com/issue/page.php?IN=11748&P=8