صالح سعيد الهنيدي
08-14-2005, 05:06 AM
سادت في الحرب الباردة علاقة تحالف وتعاون بين الولايات المتحدة وما يسمى بالدول العربية المحافظة (غير اليسارية)، وقد بنيت أسس هذه العلاقة على تجاوز محاور الاختلاف حول كثير من القضايا (الصراع العربي- الإسرائيلي مثلا) في سبيل مواجهة ما اعتبر مصدر تهديد مشترك وهو الاتحاد السوفيتي والدول والقوى العربية المتحالفة معه). ووفق هذه الصيغة من العلاقة كان اعتبار المصالح الحيوية الأميركية في المنطقة (النفط وإسرائيل) مقدما على الدعاوى الأميركية حول حقوق الإنسان والديمقراطية، وتجاهلت الولايات المتحدة الأوضاع الداخلية في كثير من الدول الصديقة لها، تحت إلحاح الخطر الشيوعي.
وبعد نهاية الحرب الباردة ومن ثم وقوع أحداث أيلول بدا وكأن صيغة التحالف السابقة قد انقلبت رأسا على عقب، وظهر اتجاه كبير واسع داخل الإدارة الأميركية ومصادر التفكير في واشنطن يربط بين الحالة الداخلية في الدول العربية وبين ما أطلقت عليه الإدارة الأميركية مصطلح "الإرهاب الإسلامي"، إذ اعتبر المثقفون والساسة الأميركيون أنّ الظروف الداخلية المتدهورة في الدول العربية المتمثلة بغياب الديمقراطية وانتهاكات حقوق الإنسان والحريات العامة وسوء الإدارة الاقتصادية والفساد الإداري والسياسي كلها بمثابة التربة المنتجة لشروط الإرهاب، وفي المحصلة فإن الدول العربية تصدر أزماتها الداخلية إلى العالم الغربي ، ومن هنا فإن الحل الذي تبنته الإدارة الأميركية هو أن الديمقراطية هي الاستراتيجية الناجعة لمكافحة الإرهاب والحركات الإسلامية العالمية المسلحة.
عكست استراتيجية الأمن القومي الأميركية ومبادرة الشراكة والتحول في السلوك الخارجي الأميركي القناعة السابقة، وبدأت الولايات المتحدة بممارسة الضغوط على الدول العربية المحافظة والحليفة للقيام بإصلاحات ديمقراطية بنيوية، ولم يكن ذلك –في الأساس- كما يذهب كثير من المثقفين العرب فقط عملية ابتزاز أميركية للنظم العربية للحصول على تنازلات بل كانت تمثل –بالفعل- إدراكا سياسيا جديدا من خلال الإدارة والمؤسسات السياسية والبحثية والتي تحولت بدرجة كبيرة في مواقفها تجاه النظم العربية، وبدأت بحملة إعلامية واسعة ضد الظروف السياسية القاهرة ووصف الحكام العرب حلفاء أميركا بأبشع الصفات التي صدمت هذه النظم وأدت بها إلى ما يمكن أن نطلق عليه "أزمة الشرعية المزدوجة" التي تظهر على المستويين الداخلي (الإخفاقات في الديمقراطية والتنمية الاقتصادية وتحقيق الشعارات المرفوعة)، والخارجي (أزمة العلاقة مع الحليف الغرب بعد أيلول).
التطورات السابقة ترافقت مع احتلال العراق، والذي كان يعد الأميركيون أن يصبح محفز الديمقراطية والباب الرئيسي لولوج الشعوب العربية مرحلة جديدة، وقد حدثت تطورات متعددة شجعت على الاستبشار بتحولات سياسية قادمة من خلال ازدهار حركات معارضة عربية جريئة وارتفاع الأصوات الداخلية التي تطالب بالإصلاح الشامل .
إلاّ أن الشهور الأخيرة حملت رياحا معاكسة لاتجاه الديمقراطية أعادتنا مرة أخرى إلى الوراء، تحت وطأة متغيرات جديدة تصب في أغلبها باتجاه إعادة إنتاج حالة الطواريء السياسية والتاريخية السابقة بذريعة الحرب على الإرهاب ومكافحة التنظيمات الأصولية المنتشرة هنا وهناك، أما مقولة أن الديمقراطية هي الاستراتيجية الفاعلة في مواجهة الإرهاب فيبدو أنها تتحول لتصبح عنوانا تجميليا لاستراتيجية الهيمنة الأميركية. وبعيدا عن الكلام المنمق الجميل الذي ما زلنا نسمعه من أقطاب الإدارة الأميركية عن الديمقراطية وضرورة الإصلاح فإن ما يحدث على أرض الواقع يوحي بمرحلة أسوأ من المرحلة السابقة من ناحية، وبإعادة إنتاج التحالف بين أميركا والدول المحافظة من ناحية أخرى .
هناك العديد من المؤشرات والتطورات التي يمكن أن نلتقطها في الفترة الأخيرة وتدفع باتجاه مغاير لجهود الإصلاح، أبرز هذه المؤشرات تفجيرات لندن وشرم الشيخ وقد نتج عنهما فورا سياسات وإجراءات جديدة قلصت مساحة الحرية للجالية العربية في لندن ، وحرمت المعارضين الإسلاميين من مساحة حركة كانوا يستخدمونها، بينما تبدو حركة كفاية والثورة الإعلامية والصحفية المصرية هما المتضرر الأول من تفجيرات شرم الشيخ. من ناحية أخرى يأتي الوضع المتفجر في العراق وإرهاصات التمزق الداخلي مع إعلان الحكيم مؤخرا بالمطالبة بإقليم شيعي يضم الوسط والجنوب ليزيد من الضغوط على الحكومة الأميركية ويحول اتجاه الضغوط من المطالبة بالإصلاح إلى ضبط الحالة الأمنية الاستراتيجية خاصة مع امتلاك المحافظين الإيرانيين لمقاليد السلطة بالكامل في إيران ، وتجديد التحالف الاستراتيجي مع سوريا بعد زيارة الأسد الأخيرة وفي ذلك رسالة واضحة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ما أريد قوله أن المناخ العام في المنطقة متوتر أمنيا وسياسيا، والحديث عن الإصلاح كأولوية للسياسة الأميركية في المنطقة بات بعيدا عن الواقع، وهو الأمر الملاحظ في العديد من الحالات ، حيث بدأت الحركات العربية المعارضة تخسر بشكل واضح مساحة الحرية والحركة التي اكتسبتها مؤخرا ، بينما يسير الواقع باتجاه إعادة بناء التحالف بين النظم العربية والولايات المتحدة من خلال إدماج الدول العربية في الحرب على الإرهاب، وعقد "صفقة" جديدة بين هذه النظم وواشنطن؛ تتمثل صيغة هذه الصفقة بتنازلات من النظم العربية في موضوعات حيوية متعلقة بالمصالح الأميركية كإسرائيل والنفط والأسواق وأن تساعد هذه الدول في مكافحة الحركات الإسلامية المسلحة ، وفي المقابل تضع واشنطن عصا التهديد والوعيد والمطالبة بإصلاحات سياسية بنيوية، وهذا لا يمنع من القيام بعملية جراحة تجميلية لصورة النظم العربية على ألا تمس مصالح النخب الحاكمة.
لقد كانت أحداث أيلول 2001 عنوانا لإرهاصات تحول في العلاقة بين أميركا والنظم العربية، أما أحداث لندن وشرم الشيخ والتطورات في العراق وإيران بعد أربع سنوات تقريبا، ربما تكون نهاية لطموح التحول والإصلاح، والعودة إلى مناخ الطواريء الإقليمية الذي تحاول النظم العربية استثماره بشكل فاعل وحقيقي اليوم، ويمكن في هذا السياق فهم الأهمية التاريخية الحقيقية لقمة شرم الشيخ العربية القادمة!.
الدرس الذي يمكن أن نخرج به من هذه التحولات أن الإصلاح بالفعل لا ينبع إلا من الداخل، أما "العم سام" فمصالحه تبدو فوق كل الاعتبارات..
المصدر
http://www.islamtoday.net/albasheer/show_articles_content.cfm?id=72&catid=79&artid=6019
وبعد نهاية الحرب الباردة ومن ثم وقوع أحداث أيلول بدا وكأن صيغة التحالف السابقة قد انقلبت رأسا على عقب، وظهر اتجاه كبير واسع داخل الإدارة الأميركية ومصادر التفكير في واشنطن يربط بين الحالة الداخلية في الدول العربية وبين ما أطلقت عليه الإدارة الأميركية مصطلح "الإرهاب الإسلامي"، إذ اعتبر المثقفون والساسة الأميركيون أنّ الظروف الداخلية المتدهورة في الدول العربية المتمثلة بغياب الديمقراطية وانتهاكات حقوق الإنسان والحريات العامة وسوء الإدارة الاقتصادية والفساد الإداري والسياسي كلها بمثابة التربة المنتجة لشروط الإرهاب، وفي المحصلة فإن الدول العربية تصدر أزماتها الداخلية إلى العالم الغربي ، ومن هنا فإن الحل الذي تبنته الإدارة الأميركية هو أن الديمقراطية هي الاستراتيجية الناجعة لمكافحة الإرهاب والحركات الإسلامية العالمية المسلحة.
عكست استراتيجية الأمن القومي الأميركية ومبادرة الشراكة والتحول في السلوك الخارجي الأميركي القناعة السابقة، وبدأت الولايات المتحدة بممارسة الضغوط على الدول العربية المحافظة والحليفة للقيام بإصلاحات ديمقراطية بنيوية، ولم يكن ذلك –في الأساس- كما يذهب كثير من المثقفين العرب فقط عملية ابتزاز أميركية للنظم العربية للحصول على تنازلات بل كانت تمثل –بالفعل- إدراكا سياسيا جديدا من خلال الإدارة والمؤسسات السياسية والبحثية والتي تحولت بدرجة كبيرة في مواقفها تجاه النظم العربية، وبدأت بحملة إعلامية واسعة ضد الظروف السياسية القاهرة ووصف الحكام العرب حلفاء أميركا بأبشع الصفات التي صدمت هذه النظم وأدت بها إلى ما يمكن أن نطلق عليه "أزمة الشرعية المزدوجة" التي تظهر على المستويين الداخلي (الإخفاقات في الديمقراطية والتنمية الاقتصادية وتحقيق الشعارات المرفوعة)، والخارجي (أزمة العلاقة مع الحليف الغرب بعد أيلول).
التطورات السابقة ترافقت مع احتلال العراق، والذي كان يعد الأميركيون أن يصبح محفز الديمقراطية والباب الرئيسي لولوج الشعوب العربية مرحلة جديدة، وقد حدثت تطورات متعددة شجعت على الاستبشار بتحولات سياسية قادمة من خلال ازدهار حركات معارضة عربية جريئة وارتفاع الأصوات الداخلية التي تطالب بالإصلاح الشامل .
إلاّ أن الشهور الأخيرة حملت رياحا معاكسة لاتجاه الديمقراطية أعادتنا مرة أخرى إلى الوراء، تحت وطأة متغيرات جديدة تصب في أغلبها باتجاه إعادة إنتاج حالة الطواريء السياسية والتاريخية السابقة بذريعة الحرب على الإرهاب ومكافحة التنظيمات الأصولية المنتشرة هنا وهناك، أما مقولة أن الديمقراطية هي الاستراتيجية الفاعلة في مواجهة الإرهاب فيبدو أنها تتحول لتصبح عنوانا تجميليا لاستراتيجية الهيمنة الأميركية. وبعيدا عن الكلام المنمق الجميل الذي ما زلنا نسمعه من أقطاب الإدارة الأميركية عن الديمقراطية وضرورة الإصلاح فإن ما يحدث على أرض الواقع يوحي بمرحلة أسوأ من المرحلة السابقة من ناحية، وبإعادة إنتاج التحالف بين أميركا والدول المحافظة من ناحية أخرى .
هناك العديد من المؤشرات والتطورات التي يمكن أن نلتقطها في الفترة الأخيرة وتدفع باتجاه مغاير لجهود الإصلاح، أبرز هذه المؤشرات تفجيرات لندن وشرم الشيخ وقد نتج عنهما فورا سياسات وإجراءات جديدة قلصت مساحة الحرية للجالية العربية في لندن ، وحرمت المعارضين الإسلاميين من مساحة حركة كانوا يستخدمونها، بينما تبدو حركة كفاية والثورة الإعلامية والصحفية المصرية هما المتضرر الأول من تفجيرات شرم الشيخ. من ناحية أخرى يأتي الوضع المتفجر في العراق وإرهاصات التمزق الداخلي مع إعلان الحكيم مؤخرا بالمطالبة بإقليم شيعي يضم الوسط والجنوب ليزيد من الضغوط على الحكومة الأميركية ويحول اتجاه الضغوط من المطالبة بالإصلاح إلى ضبط الحالة الأمنية الاستراتيجية خاصة مع امتلاك المحافظين الإيرانيين لمقاليد السلطة بالكامل في إيران ، وتجديد التحالف الاستراتيجي مع سوريا بعد زيارة الأسد الأخيرة وفي ذلك رسالة واضحة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ما أريد قوله أن المناخ العام في المنطقة متوتر أمنيا وسياسيا، والحديث عن الإصلاح كأولوية للسياسة الأميركية في المنطقة بات بعيدا عن الواقع، وهو الأمر الملاحظ في العديد من الحالات ، حيث بدأت الحركات العربية المعارضة تخسر بشكل واضح مساحة الحرية والحركة التي اكتسبتها مؤخرا ، بينما يسير الواقع باتجاه إعادة بناء التحالف بين النظم العربية والولايات المتحدة من خلال إدماج الدول العربية في الحرب على الإرهاب، وعقد "صفقة" جديدة بين هذه النظم وواشنطن؛ تتمثل صيغة هذه الصفقة بتنازلات من النظم العربية في موضوعات حيوية متعلقة بالمصالح الأميركية كإسرائيل والنفط والأسواق وأن تساعد هذه الدول في مكافحة الحركات الإسلامية المسلحة ، وفي المقابل تضع واشنطن عصا التهديد والوعيد والمطالبة بإصلاحات سياسية بنيوية، وهذا لا يمنع من القيام بعملية جراحة تجميلية لصورة النظم العربية على ألا تمس مصالح النخب الحاكمة.
لقد كانت أحداث أيلول 2001 عنوانا لإرهاصات تحول في العلاقة بين أميركا والنظم العربية، أما أحداث لندن وشرم الشيخ والتطورات في العراق وإيران بعد أربع سنوات تقريبا، ربما تكون نهاية لطموح التحول والإصلاح، والعودة إلى مناخ الطواريء الإقليمية الذي تحاول النظم العربية استثماره بشكل فاعل وحقيقي اليوم، ويمكن في هذا السياق فهم الأهمية التاريخية الحقيقية لقمة شرم الشيخ العربية القادمة!.
الدرس الذي يمكن أن نخرج به من هذه التحولات أن الإصلاح بالفعل لا ينبع إلا من الداخل، أما "العم سام" فمصالحه تبدو فوق كل الاعتبارات..
المصدر
http://www.islamtoday.net/albasheer/show_articles_content.cfm?id=72&catid=79&artid=6019