المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشفاهية وثقافة الاستبداد /الجزء 3


د. ثائر العذاري
01-02-2009, 08:13 AM
4- شيزوفرينيا المثقف
في القرن الثاني الهجري ، أيام ازدهار الرواية والرواة تكون مفهوم غريب لتعريف العلم والعالم ، فالعلم هو تلك الروايات التي تروى عن الاسلاف بسند ومتن ، والعالم هو ذلك الشيخ القادر على حفظ الروايات واعادة تسويقها ، ويكون المرء عالما بقدر ما يحفظ ، انظر مثلا كيف تروي الكتب القديمة خبرا عن المبرد لبيان مركزه العلمي :
((وقال المفجع البصري: كان المبرد لكثرة حفظه للغة وغريبها يتهم بالوضع فيها، فتواضعنا على مسالة نساله عنها لاأصل لها لننظر ماذا يجيب؟ وكنا قبل ذلك تمارينا في عروض بيت الشاعر:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض
فقال البعض: هو من البحر الفلاني، وقال آخرون: هو من البحر الفلاني، وتردد على أفواهنا من تقطيعه: قبعضنا، ثم ذهبنا إلى المبرد فقلت له: أيدك الله تعالى ما القبعض عند العرب؟ فقال هو القطن، وفي ذلك يقول الشاعر:
كان سنامها حشو القبعض
قال: فقلت لأصحابي ترون الجواب والشاهد، فان كان صحيحاً فهو عجب، وإن كان مختلقاً على البديهة فهو أعجب ))-معجم الأدباء-

هذه الرواية واضحة في تحديد معيار العلمية عندهم وهناك مثلها أخبار كثيرة تملأ بطون أمات الكتب .
هذا الفهم للعلم والعلمية يفسر لك موسوعية الشيوخ وشمولية مروياتهم فالهدف عندهم حفظ أكبر عدد ممكن من الروايات من غير الاهتمام بقيمة الرواية أو موضوعها، ومن غير التفكير في صدقها أو عدمه ، ولا حتى امكانية تصديقها ولذلك لم يتحرجوا من رواية شعر عن الملائكة والجن ، بل نسبوا الشعر الى آدم ونوح وغيرهم بلسان عربي مبين ، ويكفيك أن تقرأ مقدمة أبي زيد القرشي لجمهرته .
وبمرور الأيام والسنين أصبح العربي لا يجد ضيرا في أن يروي أخبارا لا يؤمن بها ، بل قد يدافع عنها ممحصا السند ، مبرهنا على ان رجال روايته ثبت ثقاة ، حتى لو كان المتن غير قابل للتصديق.
محفوظات المثقف العربي تهدف الى ابراز كثرة ما يحفظ وهو يستعرضها بفخر في خطبه وكتبه ليبهر جمهوره باحاطته وكثرة ما يحفظ ، لكن الأمر الخطير الذي لابد من أدراكه ، هو مقدار فهمه لهذه الروايات وكم منها استطاع ان يمر من ذاكرته الى لاوعيه ليتحول الى عقيدة علمية متجذرة! واني أكاد أجزم ان نسبة ذلك تكاد لا تذكر بدلالة التناقض الكبير الذي نجده بين ما نكتب وما نفعل ، بين ما نقول وما يدور في خلدنا.
ويترتب على ذلك أمر أكثر خطورة فالشفاهية بهذا الفهم للعلم والعلمية والعالم أدت الى أن المثقف العربي لا يجيد الحوار مع الآخر اذ يكفيه التناقض بين ما يحفظ وما يعتقد فهو ليس بحاجة الى تناقض آخر، المثقف العربي صاحب الأرث الشفاهي الثقيل يمكنه أن يتكلم ، أن يروي ما يحفظ، لأن ذلك يظهره بمظهر الشيخ العليم ، لكنه لايحب الإصغاء ولا يعرفه ولا يريد معرفته لأنه يجعله يتراجع ليصبح جليسا بين يدي شيخ ، بينما يريد أن يكون الشيخ نفسه.

5-أزمة الثقافة العربية
على الرغم من أننا ندعي أنا نحن من أخترع الكتابة ، الا أننا لم ندخل عصر الكتابة بعد ، بل لما نزل في عصر الشفاهية الذي يرفض مغادرتنا أو نرفض مغادرته ، فهذا غير مهم الآن. عصر الكتابة يعني أن تتحول الكتابة الى غاية بحد ذاتها ، لا أن تكون مجرد وسيلة للتذكير بالمحفوظات، والكثير من المثقفين ما يزال يسمي الكتابة (التدوين) ، وأنا أدعوك الى تأمل معنى هذه الكلمة ، فهي لا تدل على أكثر من تقييد المحفوظ حرصا عليه أن يضيع في مجاهل النسيان ، والمكتوب ، بهذا المعنى ، لن يكون ذا نفع يذكر الا اذا تحول الى صوت بين متحدث ومستمع ، الا ترى أن كثيرا منا حين يقرأ قصيدة جميلة لا تكتمل متعته بها ، حتى يجد شريكا يسمعه اياها وينتظر رد فعله عليها ، وانت تعرف الخيبة التي سيعانيها هذا الباحث عن الشريك ، اذا لم يكن رد فعله بالمستوى الذي توقعه .
عصر الكتابة يعني أن يكون العمل الفني المكتوب مثل العمل الفني المرسوم والمنحوت والمنغم ، اذ تصبح الكتابة مادة أولية مثل الألوان الزيتية والحجر والمقامات الموسيقية , ان شعرا مثل شعراليوت أو ديلان توماس لا يمكن ان يفهم الا مقروءا ، لانك كقاريء تحتاج الى التراجع مرارا عبر الاسطر واعادة التأمل حتى تصل الى اعماق أغوار القصيدة ، فضلا عن ان مساحة الورق والمسافات بين الكلمات والأسطر تتحول الى جزء عضوي من العمل الشعري.
أما فهم العربي للكتابة فهو الى الآن ينظر اليها على انها وسيلة للتسجيل لا غير، فالعمل المكتوب ليس له قيمة بما هو كتابة ، لان قيمته الحقيقية لن تعرف حتى يتحول الى عمل منطوق شفاها.
المشكلة الكبرى التي تواجهها الثقافة العربية اليوم هي أن العالم شرع بمغادرة عصر الكتابة الى عصر جديد ، هو عصر المعلوماتية الالكترونية ، وأنا أرجوك وأتمنى عليك أن تطيل التأمل في هذه القضية ، وستكتشف أن اختراع الحاسوب وانظمة المعلومات يوازي من الناحية التاريخية والاجتماعية اختراع الكتابة ، بل ان الانفجار الهائل في تدفق المعلومات يجعل هذا الاختراع اكثر اهمية من اختراع الكتابة وسيترتب عليه تغيرات ثقافية اكثر عمقا وتأثيرا.
وعند هذه النقطة أطلب منك أن تفكر في ظاهرة خطيرة ، الا ترى أن جيلا بأكمله من الشباب العربي اليوم يعيش حالة الضياع الثقافي والصدمة الحضارية ؟ هذا الجيل يعيش حيرة كبيرة بين تراث هائل مبني على الشفاهية ، عليه تقديسه، وحضارة معاصرة غريبة توفر له كل ما يحتاج من الرفاه والعمل والمعلومات ، الحيرة تكمن في هذه الفجوة الكبيرة ،فعندماا يغادر العالم عصر الكتابة الى عصر المعلوماتية ، يكون بيننا وبين الآخرين فجوة زمنية من التطور الانساني مقدارها ثلاثة الاف سنة هي المدة التي تطلبها عصر الكتابة حتى تمكن الانسان من تجاوزه .
حيرة الجيل الحالي تكمن في احساسه بلا جدوى الثقافة العربية التقليدية الشفوية ، لان كل ما حوله من السيارة الى الانترنت لا يمت بأية صلة الى هذه الثقافة ، فاذا كان احد هؤلاء الشباب محظوظا في معرفة لغة اجنبية واستطاع الاطلاع على الفنون الادبية والتشكيلية والمسموعة فانه سيزداد غربة وحيرة عندما يكتشف ان هناك اسسا للتذوق الفني لم يألفها ولم يسمع بها.وربما لم يفكر بها ولم تخطر له على بال.

وللحديث بقية تحمل المزيد من الهموم.

د. مصطفى عطية جمعة
01-05-2009, 12:08 AM
مرحبا د. ثائر
وهنا نجد تعميقا رائعا لقضية الشفاهية في الثقافة العربية المعاصرة ، وهي تتصل بنوعية التفكير ، الذي يغلب عليه الجانب السطحي والتسرع في الحكم ، وعدم منطقية الفكر ، وإن كنت لا أرى أن هذا الحكم عام ، بل هو يختص ببعض الأمكنة والأزمنة في التاريخ الإسلامي ، ذلك لأن الحضارة العربية الإسلامية قدمت نماذج رائعة من المفكرين والباحثين والأدباء والفلاسفة ، وهم أبعد ما يكون عن الشفاهية بهذا الإطلاق .
شكرا لك أخي العزيز