المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بشائر المطر! - الشعر بين الإبلاغية والإبداعية .


هيفاء الحمدان
12-28-2008, 10:56 AM
منتظر، وبشائر المطر..! :


(بينما تجري الساعات والأيام لاهثة ، أظل أترقب بصمت ، و أتأمل بعمق ، و أصغي ثم أصغي لحكايات الزمن ..
يوشك العام أن يطوي كتابه ، بعد أن أهدانا أفراحه وأتراحه ، وكان مما أهدانا بلاغاً إعلامياً اسمه منتظر ..!
فهل كان منتظر من بشائر المطر..؟)


منذ أن هلهل الشعراء الشعر ، وترنموا به ، أدركوا جيداً خطر ذيوعه وانتشاره ، فليس إلا أن يسرج الشاعر قصيدته ثم يلكزها لكزة واحدة ، لتشق مهامه الريح ،وتذرع أحياء العرب جيئة وذهابا..!
فقديماً كان الجاهلي يغني :

فلأهدين مع الرياح قصيدة * مني مغلغلة إلى القعقاع
ترد المياه فلاتزال غريبة * في القوم بين تمثل وسماع


لم يكن الجاهلي بحاجة إلى أن يرفع عقيرته بالنداء ، ليعلن بأعلى صوته : عن النظرية الفيزيائية التي تقول : " إن موجات الصوت تنتقل بواسطة الهواء في شكل ذبذبات إلى الأذن..! " ، لقد كان فيزيائياً بالفطرة!! .


ومن ذلك الحين وهو يهدي القصائد مع ( الرياح ) دار النشر المفضلة له ..!


وهكذا كان الشعر خطاباً بلاغياً إخبارياً بادئ الأمر ، فحين يقع الجاهلي في الأسر أو تضيق به السبل، يطلب النجدة بأبيات شعرية إما أن يرقشها على رحل دابته فيرسلها، أو يحفظها أحد العابرين ، كي يصل البلاغ الشعري قومه ؛ ليهبوا لنجدته..!
لقد كان الجاهلي مراسلاً إعلامياً محترفاً ، يتلقى بلاغات الأيام ، ثم ينشرها شعراً، وهو يعلم أنها لا تزال ستفيض إليه بالمزيد ، فيردد :

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزود!


وما لبث الشعر أن تحرر من وظيفته البلاغية إلى الإبداعية المطلقة ، فأنشدت الدنيا معه أغاني الحب والأمل ، وتراقصت القصائد على نغماته الجديدة في أبهى حلة ، وأجمل نظام .
لكن شاعراً ما تسلل إلى ديوان الشعر الجديد ليدس رسالة شعرية إبلاغية ، ويعقد في قلبه أمنية ، أن تصل إلى قلب يفهمها ويعيها ، فيعمل بمقتضاها .
كتب الشاعر رسالته الإبلاغية في قالب إبداعي مموه :


" حين وقفت بباب الشعر
فتش أحلامي الحراس
أمروني أن أخلع رأسي
وأريق بقايا الإحساس
ثم دعوني أن أكتب شعراً للناس
فخلعت نعالي في الباب
خلعت الأخطر يا حراس!
هذا النعل يدوس
ولكن..
هذا الرأس يداس!! "1


وبعد ما يقرب من أربعة وعشرين عاما ، تصل الرسالة إلى مراسل إعلامي ليس بشاعر ؛ لكنه
-وربي- شاعر بآلام أمته ، متحرق ألماً وحزناً على مآسيها التي عمَّت وطمًّت ، فوعى الرسالة وفهمها .


وقف منتظر بباب الممر المؤدي لصالة المؤتمر ، فما فتش أحلامه الحراس ، فلو فتشوها لبادروا إلى خلع رأسه بدلاً من أن يطلبوا ذلك منه ، وما أمروه أن يريق بقايا الإحساس ، بل أرجأوا ذلك إلى ما بعد انتهاء المهمة ، فأراقوا دمه ، وما طلبوا منه أن يكتب للناس شعراً ، لأنه سطر لهم ملحمة في الإباء ، ولأنه فهم الرسالة جيداً ما خلع الأخطر عند الباب، بل خلعه في اللحظة المناسبة وفي المكان المناسب ، ليثبت أنه الأخطر..لكن الرأس كان يداس.. ويركل أيضاً ..!


فهل نسجل بذلك عودة للشعر إلى وظيفته الإبلاغية،على يد الشاعر أحمد مطر..
وهل كان منتظر الزيدي يعي بالفعل الرسالة الإبلاغية المموهة بقالب إبداعي ،التي وجهها الشاعر الثائر أحمد مطر ؟


هل توحدت دماء الثورة في عروق الشاعر الثائر والمراسل الثائر..؟
جملة من التساؤلات تنهمر كلما أعدت النظر في قراءة مقطوعة أحمد مطر، وتردد في سمعي قوله محذراً :

خلعت الأخطر يا حراس!




1- من ديوان الشاعر العراقي الثائر أحمد مطر ( لافتات ) ط1 ،1984م.

حلم الطفولة
12-28-2008, 08:38 PM
" حين وقفت بباب الشعر
فتش أحلامي الحراس
أمروني أن أخلع رأسي
وأريق بقايا الإحساس
ثم دعوني أن أكتب شعراً للناس
فخلعت نعالي في الباب
خلعت الأخطر يا حراس!
هذا النعل يدوس
ولكن..
هذا الرأس يداس!! "

الشاعر العراقي / أحمد مطر


التقاطة موفقة جدا أيتها الهيفاء ..

هل خطر ولو خاطر عابر لأحمد مطر أن هناك من سيترجم أفكاره على أرض الواقع ؟!!

هذا الربط الدقيق والدقيق جدا بين نص أحمد مطر وبين تحليلك لما فعله المنتظر إنما يدل على شيئين خاص / وعام .

الخاص تعمق وثراء القراءة لديك ومن ثمّ تخمرها بشكل يصبح تحليله وربطه تحليلا منطقيا وجميلا وله دلالات واسعة .

أما العام .. فهو دليل قوي على أهمية الأدب وما ينفثه من توجهات لدى الناشئة والأجيال المستقبلية التي تتناول هذا الموروث الأدبي بكثير من الإعجاب والتأثر سواء كان تأثرا بوعي أو بغير وعي !
ولكنه يستودع في النفس ويخرج حين يؤذن له بالخروج ..

تحليل ممتع وذكي ..

سلمت وسلم القلم .. :clover[1]:

صالح سعيد الهنيدي
12-28-2008, 09:55 PM
الله .. الله
اقتناص موفق أستاذة هيفاء

في اعتقادي أن هنا تواردًا للخواطر
بين القول والفعل بشكل كبير جدًا
وهذه لازمة من لوازم الشحنات النفسية
التي خلفتها الأزمة العراقية

تقديري لهذا الواعي
وهذه المتابعة الجادة

د. مصطفى عطية جمعة
12-28-2008, 11:16 PM
الأخت العزيزة / هيفاء الحمدان
تحياتي وتقديري
بالفعل استطاع أحمد مطر أن يعبر عن منتظر ، وموقفه من بوش .
بالفعل آن للشعر أن يكون نبراسا إعلاميا عالي المستوى ، فالشعر قديما كان إذاعة القبيلة ، وهو إذاعة شفهية متحركة ، ذات تأثير كبير ، وكانت القصائد تقيم معارك ، وتقتل النفوس .. ، لقد غاب الشعر كثيرا هذه الأيام ، وتراجع دوره التثويري ، إلا من أصوات هنا وهناك .
تحياتي للجميع .

هيفاء الحمدان
01-20-2009, 01:26 AM
" حين وقفت بباب الشعر
فتش أحلامي الحراس
أمروني أن أخلع رأسي
وأريق بقايا الإحساس
ثم دعوني أن أكتب شعراً للناس
فخلعت نعالي في الباب
خلعت الأخطر يا حراس!
هذا النعل يدوس
ولكن..
هذا الرأس يداس!! "

الشاعر العراقي / أحمد مطر


التقاطة موفقة جدا أيتها الهيفاء ..

هل خطر ولو خاطر عابر لأحمد مطر أن هناك من سيترجم أفكاره على أرض الواقع ؟!!

هذا الربط الدقيق والدقيق جدا بين نص أحمد مطر وبين تحليلك لما فعله المنتظر إنما يدل على شيئين خاص / وعام .

الخاص تعمق وثراء القراءة لديك ومن ثمّ تخمرها بشكل يصبح تحليله وربطه تحليلا منطقيا وجميلا وله دلالات واسعة .

أما العام .. فهو دليل قوي على أهمية الأدب وما ينفثه من توجهات لدى الناشئة والأجيال المستقبلية التي تتناول هذا الموروث الأدبي بكثير من الإعجاب والتأثر سواء كان تأثرا بوعي أو بغير وعي !
ولكنه يستودع في النفس ويخرج حين يؤذن له بالخروج ..

تحليل ممتع وذكي ..

سلمت وسلم القلم .. :clover[1]:





وسلمت حلم

ولفكرك النير تحية تقدير و احترام ،

ممتنة.

هيفاء الحمدان
01-20-2009, 01:36 AM
الله .. الله
اقتناص موفق أستاذة هيفاء

في اعتقادي أن هنا تواردًا للخواطر
بين القول والفعل بشكل كبير جدًا
وهذه لازمة من لوازم الشحنات النفسية
التي خلفتها الأزمة العراقية

تقديري لهذا الوعي
وهذه المتابعة الجادة

صدقت أستاذ صالح ؛التوارد ملحوظ إلى الحد الذي قد يوقع القارئ في الوهم بأن القصيدة كتبت ما بعد الحدث لا قبله ، لولا التوثيق الزمني.

شرفتُ بمرورك.

محمد فرج العطوي
01-20-2009, 11:18 AM
موضوع متميز تناولته المبدعة \هيفاء
بأسلوب ممتع واع ،
الشعر موقد إحساس
ومرجل حقيقة
لكنه مغلف بغلالة شفيفة قد لا تبين لكل مار !
لذا قد يتأخر اكتشاف قصد الشاعر عقودا من الزمن لكنه يكتشف .
انظر لقول المتنبي :
وقفت وما في الموت شك لواقف = كأنك في جفن الردى وهو نائم
لقد شبهه كثير من المتذوقين بموقف زعيم عربي أعدم مؤخرا
وكان يواجه لحظة الإعدام بكل رسوخ ... كأنه في جفن الردى النائم ! .
كذلك الحال هنا فأحمد مطر التقط نقطة تفتيش عربية ومرر من خلالها الممنوع وترك للمفتش بقية الأشياء التي تداس عادة وفي مقدمتها الرأس بالطبع .
شكرا كاتبتنا هيفاء الحمدان .

هيفاء الحمدان
01-30-2009, 01:15 PM
الأخت العزيزة / هيفاء الحمدان
تحياتي وتقديري
بالفعل استطاع أحمد مطر أن يعبر عن منتظر ، وموقفه من بوش .
بالفعل آن للشعر أن يكون نبراسا إعلاميا عالي المستوى ، فالشعر قديما كان إذاعة القبيلة ، وهو إذاعة شفهية متحركة ، ذات تأثير كبير ، وكانت القصائد تقيم معارك ، وتقتل النفوس .. ، لقد غاب الشعر كثيرا هذه الأيام ، وتراجع دوره التثويري ، إلا من أصوات هنا وهناك .
تحياتي للجميع .

شكراً د / مصطفى لحضورك المميز هنا.
امتناني.

هيفاء الحمدان
01-30-2009, 01:17 PM
موضوع متميز تناولته المبدعة \هيفاء
بأسلوب ممتع واع ،
الشعر موقد إحساس
ومرجل حقيقة
لكنه مغلف بغلالة شفيفة قد لا تبين لكل مار !
لذا قد يتأخر اكتشاف قصد الشاعر عقودا من الزمن لكنه يكتشف .
انظر لقول المتنبي :
وقفت وما في الموت شك لواقف = كأنك في جفن الردى وهو نائم
لقد شبهه كثير من المتذوقين بموقف زعيم عربي أعدم مؤخرا
وكان يواجه لحظة الإعدام بكل رسوخ ... كأنه في جفن الردى النائم ! .
كذلك الحال هنا فأحمد مطر التقط نقطة تفتيش عربية ومرر من خلالها الممنوع وترك للمفتش بقية الأشياء التي تداس عادة وفي مقدمتها الرأس بالطبع .
شكرا كاتبتنا هيفاء الحمدان .

مرحباً بك أستاذ محمد..
التفاتة موفقة أثرت الموضوع..
تقبل تقديري وامتناني .